Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Bagian V01/P252–V01/P254

وكذلك لو قال إن ساكنت فلانا ونوى المساكنة في مكان بعينه لم تعمل نيته أصلا ولو نوى المساكنة في بيت واحد تعمل نيته باعتبار أنه نوى أتم ما يكون من المساكنة فإن أعم ما يكون من المساكنة في بلدة والمطلق من المساكنة في عرف الناس في دار واحدة وأتم ما يكون من المساكنة في بيت واحد فهذه النية ترجع إلى بيان نوع المساكنة الثابتة بصيغة كلامه بخلاف تعين المكان فإن قيل أليس أنه لو قال لولد له أم معروفة وهو في يده هذا ابني ثم جاءت أمه بعد موت المدعي فصدقته وادعت ميراثها منه بالنكاح فإنه يقضى لها بالميراث ومعلوم أن النكاح بينهما بمقتضى دعوى النسب ثم يجعل كالتصريح به حتى يثبت النكاح صحيحا ويجعل قائما إلى موت الزوج فيكون لها الميراث فلو كان ثبوت المقتضى باعتبار الحاجة فقط لما ثبتت هذه الأحكام لانعدام الحاجة فيها قلنا ثبوت النكاح هنا بدلالة النص لا بمقتضاه فإن الولد اسم مشترك إذ لا يتصور ولد فينا إلا بوالد ووالدة فالتنصيص على الولد يكون تنصيصا على الوالد والوالدة دلالة بمنزلة التنصيص على الأخ يكون كالتنصيص على أخيه إذ الأخوة لا تتصور إلا بين شخصين وقد بينا أن الثابت بدلالة النص يكون ثابتا بمعنى النص لغة لا أن يكون ثابتا بطريق الاقتضاء مع أن اقتضاء النكاح هنا كاقتضاء الملك في قوله أعتق عبدك عني على ألف ( درهم ) وبعدما ثبت العقد بطريق الاقتضاء يكون باقيا لا باعتبار دليل يبقى بل لانعدام دليل المزيل فعرفنا أنه منته بينهما بالوفاة وانتهاء النكاح بالموت سبب لاستحقاق الميراث وبعدما بينا هذه الحدود نقول الثابت بمقتضى النص لا يحتمل التخصيص لأنه لا عموم له والتخصيص فيما فيه احتمال العموم والثابت بدلالة النص لا يحتمل التخصيص أيضا لأن التخصيص بيان أن أصل الكلام غير متناول له وقد بينا أن الحكم الثابت بالدلالة ثابت بمعنى النص لغة وبعدما كان معنى النص متناولا له لغة لا يبقى احتمال كونه غير متناول له وإنما يحتمل إخراجه من أن يكون موبجا للحكم فيه بدليل يعترض وذلك يكون نسخا لا تخصيصا وأما الثابت بإشارة النص فعند بعض مشايخنا رحمهم الله لا يحتمل الخصوص أيضا لأن معنى العموم فيما يكون سياق الكلام لأجله فأما ما تقع الإشارة إليه من غير أن يكون سياق الكلام له فهو زيادة على المطلوب بالنص ومثل هذا لا يسع فيه معنى العموم حتى يكون محتملا للتخصيص قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه يحتمل ذلك لأن الثابت بالإشارة كالثابت بالعبارة من حيث إنه ثابت بصيغة الكلام والعموم باعتبار الصيغة فكما أن الثابت بعبارة النص يحتمل التخصيص فكذلك الثابت بإشارته فصل وقد عمل قوم في النصوص بوجوه هي فاسدة عندنا فمنها ما قال بعضهم إن التنصيص على الشيء باسم العلم يوجب التخصيص وقطع الشركة بين المنصوص وغيره من جنسه في الحكم لأنه لو لم يوجب ذلك لم يظهر للتخصيص فائدة وحاشا أن يكون شيء من كلام صاحب الشرع غير مفيد وأيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء فالأنصار فهموا التخصيص من ذلك حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال وهم كانوا أهل اللسان وهذا فاسد عندنا بالكتاب والسنة فإن الله تعالى قال منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ولا يدل ذلك على إباحة الظلم في غير الأشهر الحرم وقال تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ثم لا يدل ذلك على تخصيص الاستثناء بالغد دون غيره من الأوقات في المستقبل وقال صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة ثم لا يدل ذلك على التخصيص بالجنابة دون غيرها من أسباب الاغتسال والأمثلة لهذا تكثر

Bagian V01/P254–V01/P256

ثم إن عنوا بقولهم إن التخصيص يدل على قطع المشاركة وهو أن الحكم يثبت بالنص في المنصوص خاصة فأحد لا يخالفهم في هذا فإن عندنا فيما هو من جنس المنصوص الحكم يثبت بعلة النص لا بعينه وإن عنوا أن هذا التخصيص يوجب نفي الحكم في غير المنصوص فهو باطل لأنه غير متناول له أصلا فكيف يوجب نفيا أو إثباتا للحكم فيما لم يتناوله ثم سياق النص لإيجاب الحكم ونفي الحكم ضده فلا يجوز أن يكون من واجبات نص الإيجاب ولأن المذهب عند فقهاء الأمصار جواز تعليل النصوص لتعدية الحكم بها إلى الفروع فلو كان التخصيص موجبا نفي الحكم في غير المنصوص لكان التعليل باطلا لأنه يكون ذلك قياسا في مقابلة النص ومن لا يجوز العمل بالقياس فإنما لا يجوزه لاحتمال فيه بين أن يكون صوابا أو خطأ لا لنص يمنع منه بمنزلة العمل بخبر الفاسق فإنه لا يعمل بخبره لضعف في سنده لا لنص في خبره مانع من العمل به والأنصار إنما استدلوا بلام التعريف التي هي مستغرقة للجنس أو المعهود في قوله عليه الصلاة والسلام الماء من الماء ونحن نقول به في الحكم الثابت لعين الماء وفائدة التخصيص عندنا أن يتأمل المستنبطون في علة النص فيثبتون الحكم بها في غير المنصوص عليه من المواضع لينالوا به درجة المستنبطين وثوابهم وهذا لا يحصل إذا ورد النص عاما متناولا للجنس ويحكى عن الثلجي رحمه الله أنه كان يقول هذا إذا لم يكن المنصوص عليه باسم العلم محصورا بعدد نصا نحو خبر الربا فإن كان محصورا بعدد فذلك يدل على نفي الحكم فيما سواها لأن في إثبات الحكم فيما سواها إبطال العدد المنصوص وذلك لا يجوز فبهذه الواسطة يكون موجبا للنفي واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم وبقوله أحلت لنا ميتتان ودمان فإن ذلك يدل على نفي الحكم فيما عدا المذكور والصحيح أن التنصيص لا يدل على ذلك في شيء من المواضع لما بينا من المعاني ثم ذكر العدد لبيان الحكم بالنص ثابت في العدد المذكور فقط وقد بينا أن في غير المذكور إنما يثبت الحكم بعلة النص لا بالنص فلا يوجب ذلك إبطال العدد المنصوص ومنها ما قاله الشافعي رحمه الله إن التنصيص على وصف في المسمى لإيجاب الحكم يوجب نفي ذلك الحكم عند عدم ذلك الوصف بمنزلة ما لو نص على نفي الحكم عند عدم الوصف وعندنا النص موجب للحكم عند وجود ذلك الوصف ولا يوجب نفي ذلك الحكم عند انعدامه أصلا وبيان هذا في قوله تعالى من فتياتكم المؤمنات فإن عنده إباحة نكاح الأمة ( لما كان مقيدا بصفة الإيمان بالنص أوجب النفي بدون هذا الوصف فلا يجوز نكاح الأمة الكتابية وعندنا لا يوجب ذلك ولهذا جوزنا نكاح الأمة ) الكتابية وقال تعالى من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقال الشافعي رحمه الله لما ورد حرمة الربيبة بسبب الدخول بامرأة مقيدة بوصف وهي أن تكون من نسائه أوجب ذلك نفي الحرمة عند عدم ذلك الوصف فلا تثبت الحرمة بالزنا وعندنا لا يوجب النص نفي الحكم عند انعدام الوصف فتثبت الحرمة بالزنا وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر على كل حر وعبد من المسلمين فعلى مذهبه أوجب هذا النص نفي الحكم عند عدم الوصف فلا تجب الصدقة عن العبد الكافر وعندنا لا يوجب ذلك ولكن النص المختتم بهذا الوصف لا يتناول الكفار والنص المطلق وهو قوله أدوا عن كل حر وعبد يتناولهم لأنه غير مختتم بهذا التقييد فيجب الأداء عن العبد الكافر بذلك النص وهو بمنزلة من يقول لغيره أعتق عبيدي ثم يقول أعتق البيض من عبيدي فلا يوجب ذلك النهي عن إعتاق غير البيض بعدما كان ثابتا باللفظ المطلق

Bagian V01/P256–V01/P258

واستدل الشافعي رحمه الله لإثبات مذهبه عليه السلام في خمس من الإبل السائمة شاة فإن ذلك يوجب نفي الزكاة في غير السائمة فكأنه قال ولا زكاة في غير السائمة إذ لو لم يجعل كذلك فلا بد من إيجاب الزكاة في العوامل بخبر المطلق وهو قوله عليه السلام في خمس من الإبل شاة وبالإجماع بيننا وبينكم لا تجب الزكاة في غير السائمة ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن أفهمنا ذلك إباحة ربح ما قد ضمن كأنه نص عليه ولأن النص لما أوجب الحكم في المسمى المشتمل على أوصاف مقيدا بوصف من تلك الأوصاف صار ذلك الوصف بمنزلة الشرط لإيجاب الحكم على معنى أنه لا يثبت الحكم بالنص بعد وجود المسمى ما لم يوجد ذلك الوصف فلولا ذكر الوصف لكان الحكم ثابتا قبل وجوده وهذا أمارة الشرط فإن قوله لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار لا يكون موجبا وقوع الطلاق ما لم تدخل وبدون هذا الشرط كان موجبا للطلاق قبل الدخول وقد يكون الوصف بمنزلة الشرط حتى لو قال لها إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق كان الركوب شرطا وإن كان مذكورا على سبيل الوصف لها قال وقد ثبت من أصلي أن التقييد بالشرط يفهمنا نفي الحكم عند عدم الشرط فكذلك التقييد بالوصف وهذا بخلاف الاسم فإنه مذكور للتعريف لا لتعليق الحكم به ( فأما الوصف الذي هو ذكر للحال وهو معنوي يصلح أن يكون لتعليق الحكم به ) فيكون موجبا نفي الحكم عند عدمه دلالة ولأن بالاسم يثبت الحكم ابتداء كما ثبت بالعلة بخلاف الوصف الذي هو في معنى الشرط وسنقرر هذا الفرق في الفصل الثاني واستدل علماؤنا بقوله تعالى وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ثم التقييد بهذا الوصف لا يوجب نفي الحل في اللاتي لم يهاجرن معه بالاتفاق وقال تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ثم التقييد بهذا الوصف لا يفيد إباحة الأكل بدون هذا الوصف وقال تعالى إنما أنت منذر من يخشاها إنما تنذر من اتبع الذكر وهو نذير للبشر فعرفنا أن التقييد بالوصف لا يفهمنا نفي المنصوص عليه عند عدم ذلك الوصف ثم أكثر ما فيه أن الوصف المؤثر بمنزلة العلة للحكم ولا خلاف أن الحكم يثبت بالعلة إذا وجدت فإن العلة لا توجب نفي الحكم عند انعدامها فكذلك الوصف المذكور في النص يوجب ثبوت الحكم عند وجوده ولا يوجب نفي الحكم عند عدمه ولهذا جعلنا الوصف المؤثر إذا كان منصوصا عليه بمنزلة العلة للحكم الثابت بالنص فقلنا صفة السوم بمنزلة العلة لإيجاب الزكاة في خمس من الإبل ولهذا يضاف الزكاة إليها فيقال زكاة السائمة والواجبات تضاف إلى أسبابها حقيقة بمنزلة من يقول لغيره أعتق عبدي الصالح أو طلق امرأتي البذيئة فإن ذكر هذا الوصف دليل على أنه هو المؤثر للحكم وبهذا يتبين أن الوصف ليس في معنى الشرط كما زعم وقوله إن دخلت راكبة إنما جعلنا الركوب شرطا لكونه معطوفا على الشرط فإن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه فأما الوصف المقرون بالاسم يكون بمنزلته والاسم ليس في معنى الشرط لإثبات الحكم فكذلك الوصف المقرون به ولو كان شرطا فعندنا تعليق الحكم بالشرط يوجب وجود الحكم عند وجود الشرط ولا يوجب النفي عند عدم الشرط بل ذلك باق على ما كان قبل التعليق على ما نبينه وإنما لا نوجب الزكاة في الحوامل باعتبار نص آخر وهو قوله عليه السلام لا زكاة في العوامل والحوامل أو باعتبار أن صفة السوم صار بمنزلة العلة في حكم الزكاة على ما قررنا وعلى هذا قال زفر رحمه الله فيمن له أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال الأكبر ابني يثبت نسب الآخرين منه لأن التنصيص على الدعوة مقيدا بالأكبر لا موجب له في نفي نسب الآخرين وقد تبين ثبوت نسب الأكبر منه أنها كانت أم ولد له من ذلك الوقت وأم الولد فراش للمولى يثبت نسب ولدها منه بغير دعوة

Bagian V01/P258–V01/P259

وعندنا لا يثبت نسب الآخرين منه لا للتقييد بالوصف فإنه لو أشار إلى الأكبر وقال هذا ابني لا يثبت نسب الآخرين منه أيضا ومعلوم أن التنصيص بالاسم لا يوجب نفي الحكم في غير المسمى بذلك الاسم ولكن إنما لا يثبت نسبهما منه لأن السكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة دليل النفي ويفترض على المرأة دعوة النسب فيما هو مخلوق من مائه لأنه كما لا يحل له أن يدعي نسب ( ما هو غير مخلوق من مائه لا يحل له أن ينفي نسب ) المخلوق من مائه وقبل الدعوة النسب يثبت منه على سبيل الاحتمال حتى يملك نفيه وإنما يصير مقطوعا به على وجه لا يملك نفيه بالدعوة فكان ذلك فرضا عليه وإذا تقرر بهذا تحقق الحاجة إلى البيان كان سكوته عن دعوة نسب الآخرين دليل النفي لا تخصيصه الأكبر بالدعوة فلهذا لا يثبت نسبهما منه وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا قال شهود الوارث لا نعلم له وارثا غيره في أرض كذا إن الشهادة تقبل لأن هذه الزيادة لا توجب عليهم توارث آخر في غير ذلك الموضع فكأنهم سكتوا عن ذكر هذه الزيادة وقالوا لا نعلم له وارثا غيره و أبو يوسف ومحمد قالا لا تقبل هذه الشهادة لا لأنها توجب ذلك ولكن لتمكن التهمة فإنه يحتمل أنهما خصا ذلك المكان للتحرز عن الكذب وعلمهما بوارث آخر له في غير ذلك المكان ولكن الشهادة ترد بالتهمة فأما الحكم لا يثبت نفيا ولا إيجابا بالتهمة بل بالحجة المعلومة و أبو حنيفة رحمه الله يقول كما تحتمل هذه الزيادة ما قالا تحتمل المبالغة في التحرز عن الكذب باعتبار أنهما تفحصا في ذلك الموضع دون سائر المواضع ويحتمل تحقيق المبالغة في نفي وارث آخر أي لا نعلم له وارثا آخر في موضع كذا مع أنه مولده ومنشؤه فأحرى أن لا يكون له وارث آخر في موضع آخر وبمثل هذا المحتمل لا تتمكن التهمة ولا يمنع العمل بشهادتهما ومنها أن الحكم متى تعلق بشرط بالنص فعند الشافعي رحمه الله ذلك النص يوجب انعدام الحكم عند انعدام الشرط كما يوجب وجود الحكم عند وجود الشرط وعندنا لا يوجب النص ذلك بل يوجب ثبوت الحكم عند وجود الشرط فأما انعدام الحكم عند عدم الشرط فهو باق على ما كان قبل التعليق وبيان هذا في قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات الآية فإن النص لما ورد بحل نكاح الأمة معلقا بشرط عدم طول الحرة جعل الشافعي ذلك كالتنصيص على حرمة نكاح الأمة عند وجود طول الحرة وعندنا النص لا يوجب ذلك ولكن الحكم بعد هذا النص عند وجود طول الحرة على ما كان عليه أن لو لم يرد هذا النص وقال تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله قال الشافعي لما تعلق بالنص درء العذاب عنها بشرط أن تأتي بكلمات اللعان كان ذلك تنصيصا على إقامة الحد عليها إذا لم تأت بكلمات اللعان وعندنا لا يوجب ذلك حتى لا يقام عليها الحد وإن امتنعت من كلمات اللعان وجه قول الشافعي أن التعليق بالشرط يؤثر في الحكم دون السبب على اعتبار أنه لولا التعليق لكان الحكم ثابتا فإن قوله لعبده أنت حر موجب عتقه في الحال لولا قوله إن دخلت الدار فبالتعليق يتأخر نزول العتق ولا ينعدم أصل السبب

Bagian V01/P259–V01/P261

وبهذا تبين أن التعليق كما يوجب الحكم عند وجود الشرط يوجب نفي الحكم قبل وجود الشرط بمنزلة التأجيل وبمنزلة خيار الشرط في البيع فإنه يدخل على الحكم دون السبب حتى يتأخر الحكم إلى سقوط الخيار مع قيام السبب وهو نظير التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بحبل من سماء البيت يمنع وصوله إلى موضع من الأرض لولا التعليق ولا يعدم أصله وبهذا فارق الشرط العلة فإن الحكم يثبت ابتداء بوجود العلة فلا يكون انعدام الحكم قبل وجود العلة مضافا إلى العلة باعتبار أنها نفت الحكم قبل وجودها بل انعدم لانعدام سببه فأما الشرط فمغير للحكم بعد وجود سببه فكان مانعا من ثبوت الحكم قبل وجوده كما كان مثبتا وجود الحكم عند وجوده وعلى هذا الأصل لم يجوز تعليق الطلاق والعتاق بالملك لأن تأثير الشروط في منع حكم لولاه كان موجودا بسببه ولولا التعليق هنا كان لغوا وشرط قيام الملك في المحل عند التعليق لأن السبب لا يتحقق بدون الملك وتأثير الشرط في تأخير الحكم إلى وجوده بعد تقرر السبب بمنزلة الأجل فيشترط قيام الملك في المحل عند التعليق ليتقرر السبب ثم يتأخر الحكم إلى وجود الشرط بالتعليق ولهذا لم يجوز نكاح الأمة لمن قدر على نكاح الحرة لأن الحل معلق بشرط عدم طول الحرة بالنص وذلك يوجب نفي الحكم عند وجود طول الحرة كما يوجب إثباته عند عدم طول الحرة هذا هو المفهوم من الكلام فإن من يقول لغيره إن دخل عبدي الدار فأعتقه يفهم منه ولا تعتقه إن لم يدخل الدار والعمل بالنصوص واجب بمنظومها ومفهومها ولهذا جوز تعجيل الكفارة بعد اليمين قبل الحنث لأن السبب هو اليمين ولهذا تضاف الكفارة إليها والأصل أن الواجبات تضاف إلى أسبابها فأما الحنث شرط يتعلق وجوب الأداء به ويتضح هذا فيما إذا قال إن فعلت كذا فعلي كفارة يمين والتعليق بالشرط بمنزلة التأجيل عنده فلا يمنع جواز التعجيل قبله بمنزلة الدين المؤجل إلا أن هذا في المالي دون البدني لأن تأثير التعليق بالشرط في تأخير وجوب الأداء في الحقوق المالية الوجوب ينفصل عن الأداء من حيث إن الواجب قبل الأداء مال معلوم كما في حقوق العباد فأما في البدني الواجب فعل يتأدى به فلا يتحقق انفصاله عن الأداء وبالتعليق بالشرط يتأخر وجوب الأداء فيتأخر تقرر السبب أيضا ضرورة لأن أحدهما لا ينفصل عن الآخر ونظيره من حقوق العباد الشراء مع الاستئجار فإن بشراء العين يثبت الملك ويتم السبب قبل فعل التسليم وبالاستئجار لا يثبت الملك في المنفعة قبل الاستيفاء لأنها لا تبقى وقتين ولا يتصور تسليمها بعد وجودها بل يقترن التسليم بالوجود فإنما تصير معقودا عليها مملوكا بالعقد عند الاستيفاء فكذلك في حقوق الله تعالى يفصل بين المالي والبدني من هذا الوجه ألا ترى أن من قال لله علي أن أتصدق بدرهم رأس الشهر فتصدق به في الحال جاز لهذا المعنى ودليلنا على أن التعليق بالشرط لا يوجب نفي الحكم قبله من الكتاب قوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة الآية ولا خلاف أنه يلزمها الحد المذكور جزاء على الفاحشة وإن لم تحصن وقال تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وحكم الكتابة لا ينتفي قبل هذا الشرط ثم حقيقة الكلام تبتنى على معرفة عمل الشرط فنقول التعليق بالشرط تصرف في أصل العلة لا في حكمها من حيث إنه يتبين بالتعليق أن المذكور ليس بسبب قبل وجود الشرط ولكن بعرض أن يصير سببا عند وجوده فأوان وجود الحكم ابتداء حال وجود الشرط بمنزلة ما ذكره الخصم في العلة إلا أن فرق ما بينهما أن الحكم يوجد عند وجود الشرط ابتداء ولكنه يضاف إلى العلة ثبوتا به وإلى الشرط وجودا عنده فكما أن قبل وجود العلة انعدام الحكم أصل غير مضاف إلى العلة فكذلك قبل وجود الشرط

Bagian V01/P261–V01/P262

وبيان هذا الكلام من وجهين أحدهما أن السبب هو الإيقاع والمعلق بالشرط يمين وهي غير الإيقاع وينتقض اليمين إذا صار إيقاعا بوجود الشرط والثاني أن صحة الإيجاب باعتبار ركنه ومحله ألا ترى أن شطر البيع كما لا يكون سببا لانعدام تمام الركن فكذلك بيع الحر لا يكون سببا لأنه غير مضاف إلى محله فكذلك في الطلاق والعتاق شطر الكلام الذي هو إيجاب ( كما لا يكون سببا فالكلام الذي هو إيجاب ) ما لم يتصل بالمحل لا يكون سببا والتعليق بالشرط يمنع وصوله إلى المحل بالاتفاق ولكنه بعرض أن يتصل بالمحل إذا وجد الشرط كما أن شرط البيع بعرض أن يصير سببا إذا وجد الشطر الثاني وكذلك شطر النصاب ليس بسبب للزكاة بمنزلة النصاب الكامل في ملك من ليس بأهل لوجوب الزكاة عليه وهو الكافر ولكن بعرض أن يصير سببا ونظيره من الحسيات الرمي فإن نفسه ليس بقتل ولكنه بعرض أن يصير قتلا إذا اتصل بالمحل وإذا كان هناك مجن منع وصوله إلى المحل فأحد لا يقول بأن المجن مانع لما هو قتل ولكن لما كان يصير قتلا لو اتصل بالمحل عند عدم المجن فكذلك التعليق بالشرط في الحكميات وبهذا تبين أنه وهم حيث جعل التعليق كالتأجيل فإن التأجيل لا يمنع وصول السبب بالمحل لأن سبب وجوب التسليم في الدين والعين جميعا العقد ومحل الدين الذمة والتأجيل لا يمنع ثبوت الدين في الذمة ولا ثبوت الملك في المبيع وإنما يؤخر المطالبة وهو محتمل السقوط فيسقط الأجل بالتعجيل ويتحقق أداء الواجب وهنا التعليق يمنع الوصول إلى المحل وقبل الوصول ( إلى المحل ) لا يتم السبب ولا يتصور أداء الواجب قبل تمام السبب ولهذا لم نجوز التكفير قبل الحنث لأن أدنى درجات السبب أن يكون طريقا إلى الحكم واليمين مانع من الحنث الذي تعلق به وجوب الكفارة على ما قرره فإنها موجبة للبر والبر يفوت بالحنث وفي الحنث نقض اليمين كما قال تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ويستحيل أن يقال في شيء إنه سبب لحكم لا يثبت ذلك الحكم إلا بعد انتقاضه فعرفنا أنه بعرض أن يصير سببا عند وجود الشرط فلهذا كان مضافا إليه وقبل أن يصير سببا لا يتحقق الأداء وفرقه بين المالي والبدني باطل فإن بعد تمام السبب الأداء جائز في البدني والمالي جميعا وإن تأخر وجوب الأداء كالمسافر إذا صام في شهر رمضان وهذا لأن الواجب لله على العبد فعل هو عبادة فأما المال ومنافع البدن فإنه يتأدى الواجب بهما فكما أن في البدن مع تملق وجوب الأداء بالشرط لا يكون السبب تاما فكذلك في المالي بخلاف حقوق العباد فإن الواجب للعباد مال لا فعل لأن المقصود ما ينتفع منه العبد أو يندفع عنه الخسران به وذلك بالمال دون الفعل ولهذا إذا ظفر بجنس حقه فاستوفى تم الاستيفاء وإن لم يوجد فعل هو أداء ممن عليه

Bagian V01/P262–V01/P264

فأما حقوق الله تعالى واجبة بطريق العبادة ونفس المال ليس بعبادة إنما العبادة اسم لعمل يباشره العبد بخلاف هوى النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى وفي هذا المالي والبدني سواء وهذا التعليق لا يشبه بتعليق القنديل بالحبل لأن القنديل كان موجودا بذاته قبل التعليق فعرفنا أن عمل التعليق في تفريغ المكان الذي كان مشغولا به من الأرض قبل التعليق وهنا قبل التعليق ما كان الحكم موجودا فكان تأثير التعليق في تأخير السببية للحكم إلى وجود الشرط ولهذا جوزنا تعليق الطلاق والإعتاق بالملك لأن المتعلق قبل وجود الشرط يمين ومحل الالتزام باليمين الذمة فأما الملك في المحل إنما يشترط لإيجاب الطلاق والإعتاق وهذا الكلام للحال ليس بإيجاب ولكنه بعرض أن يصير إيجابا فإن تيقنا بوجود الملك في المحل حين يصير إيجابا بوصوله إلى المحل صححنا التعليق باعتباره وإن لم نتيقن بذلك بأن كان الشرط مما لا أثر له في إثبات الملك في المحل شرطنا الملك في الحال ليصير كلامه إيجابا عند وجود الشرط باعتبار الظاهر وهو أن ما علم ثبوته فالأصل بقاؤه ولكن بهذا الظاهر دون الملك الذي يتيقن به عند وجود الشرط فصحة التعليق باعتبار ذلك النوع دليل على صحة التعليق باعتبار هذا الملك بطريق أولى وليس التعليق كاشتراط الخيار في البيع فإن ذلك لا يدخل على أصل السبب لأن البيع لا يحتمل الحظر وفي جعله متعلقا بشرط لا ندري أن يكون أو لا يكون حظر تام ولهذا كان القياس أن لا يجوز البيع مع خيار الشرط ولكن السنة جوزت ذلك لحاجة الناس باعتبار أن الخيار دخل على الحكم دون السبب فإن الحكم يحتمل التأخير عن السبب فجعل الحكم متعلقا بشرط إسقاط الخيار مع ثبوت السبب لأن السبب محتمل للفسخ فيما هو المقصود وهو دفع الضرر يحصل بهذا الطريق وهو أقل غررا فأما الطلاق والعتاق فأصل السبب فيهما يحتمل التعليق بالشرط فإذا وجد التعليق نصا يثبت الحظر الكامل فيهما بأن تعلق صيرورتهما سببا بوجود الشرط والدليل على الفرق من جهة الحكم أنه لو حلف أن لا يبيع فباع بشرط الخيار حنث في يمينه ولو حلف أن لا يطلق امرأته فعلق طلاقها بالشرط لم يحنث ما لم يوجد الشرط وعلى هذا جوزنا نكاح الأمة لمن له طول الحرة لأن التعليق بالشرط لا يوجب نفي الحكم قبله فيجعل الحل ثابتا قبل وجود هذا الشرط بالآيات الموجبة لحل الإناث للذكور وهكذا نقول في قوله إن دخل عبدي الدار فأعتقه فإن ذلك لا يوجب نفي الحكم قبله حتى إنه لو كان قال أولا أعتق عبدي ثم قال أعتقه إن دخل الدار جاز له أن يعتقه قبل الدخول بالأمر الأول ولا يجعل هذا الثاني نهيا عن الأول ( فإن قيل لا خلاف أن الحكم المتعلق بالشرط يثبت عند وجود الشرط وإذا كان الحكم ثابتا هنا قبل وجود الشرط فكيف يتصور ثبوته عند وجود الشرط إذ لا يجوز أن يكون الحكم الواحد ثابتا في الحال ومتعلقا بشرط منتظر قلنا حل الوطء ليس بثابت قبل النكاح ولكنه متعلق بشرط النكاح في الآيات التي ليس فيها هذا الشرط الزائد ومتعلق بها وبهذا الشرط في هذه الآية وإنما يتحقق ما ادعى من التضاد فيما هو موجود فأما فيما هو متعلق فلا لأنه يجوز أن يكون الحكم متعلقا بشرط وذلك الحكم بعينه متعلقا بشرط آخر قبله أو بعده ألا ترى أن من قال لعبده إذا جاء يوم الخميس فأنت حر ثم قال إذا جاء يوم الجمعة فأنت حر كان الثاني صحيحا وإن كان مجيء يوم الجمعة لا يكون إلا بعد مجيء يوم الخميس حتى لو أخرجه من ملكه فجاء يوم الخميس ثم أعاده إلى ملكه فجاء يوم الجمعة يعتق باعتبار التعليق الثاني )

Bagian V01/P264–V01/P266

فإن قيل مع هذا لا يجوز أن يكون الشيء الواحد كمال الشرط لإثبات حكم وهو بعض الشرط لإثبات ذلك الحكم أيضا وما قلتم يؤدي إلى هذا فإن عقد النكاح كمال الشرط في سائر الآيات سوى قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا وهو بعض الشرط في هذه الآية إذا قلتم بأن الحكم يثبت ابتداء عند وجود هذا الشرط قلنا إنما لا يجوز هذا بنص واحد فأما بنصين فهو جائز ألا ترى أنه لو قال لعبده أنت حر إن أكلت ثم قال أنت حر إن أكلت وشربت صح كل واحد منهما ويكون الأكل كمال الشرط بالتعليق الأول وبعض الشرط في التعليق الثاني حتى لو باعه فأكل في غير ملكه ثم اشتراه فشرب فإنه يعتق لتمام الشرط في التعليق الثاني وهو في ملكه وعلى هذا الأصل قال زفر رحمه الله إن التعليق لا يبطل بفوات المحل حتى لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا لم يبطل التعليق ولو قال لأمته إن دخلت الدار فأنت حرة ثم أعتقها لم يبطل التعليق حتى إذا ارتدت ولحقت بدار الحرب فسبيت وملكها ثم دخلت الدار عتقت قال لأن التعليق بالشرط يمنع الوصول إلى المحل والمتعلق بالشرط لا يكون طلاقا ولا سببا للطلاق قبل وجود الشرط واشتراط المحلية لتمام السبب وثبوت الحكم عند الوصول إليه بمنزلة اشتراط الملك فكما لا يبطل التعليق بعد صحته بانعدام الملك في المحل بأن باع العبد أو أبان المرأة وانقضت عدتها فكذلك لا يبطل بانعدام المحلية وهذا لأن توهم المحلية عند وجود الشرط قائم كتوهم الملك وإذا كان يصح ابتداء التعليق باعتبار توهم الملك عند وجود الشرط في هذه اليمين لأن الملك الموجود عند التعليق متوهم البقاء عند وجود الشرط لا متيقن البقاء فلأن يبقى التعليق صحيحا باعتبار هذا التوهم كان أولى ألا ترى أن التعليق بالملك يبقى باعتبار هذا المعنى حتى إذا قال لأجنبية كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثا فتزوجها وطلقت ثلاثا ثم تزوجها ثانيا بعد زوج تطلق أيضا ولكنا نقول بانعدام المحل يبطل التعليق لأن صحة التعليق باعتبار المحلوف به وهو ما يصير طلاقا عند وجود الشرط ولا تصور لذلك بدون المحل وبالتطليقات الثلاث تحقق فوات المحل لأن الحكم الأصلي للطلاق زوال صفة الحل عن المحل ولا تصور لذلك بعد حرمة المحل بالتطليقات الثلاث فلانعدام المحلوف به من هذا الوجه يبطل التعليق لا لأن المتعلق بالشرط تطليقات ذلك الملك وتحقيق هذا أنه لا بد لصحة التعليق من المحل ( أيضا ) حتى لا يصح التعليق بالعتق مضافا إلى البهيمة إلا أن قيام الملك في المحل لا يشترط لأن التعليق بالشرط ليس هو الطلاق المملوك وإذا كانت صحة التعليق تستدعي المحل لم يبق صحيحا بعد فوات المحل لأن فيما يرجع إلى المحل البقاء بمنزلة الابتداء وتوهم المحلية على الوجه الذي قال لا يعتبر لصحة التعليق في الابتداء فإنه لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال ذلك للمطلقة ثلاثا لم يصح التعليق وإن كان يتوهم الملك والمحلية عند وجود الشرط فإذا لم يعتبر ذلك لصحة التعليق في الابتداء لا يعتبر لبقائه صحيحا بخلاف ما إذا صرح بالإضافة إلى الملك فإن اعتبار ذلك التعليق بالتيقن بالملك والمحلية عند وجود الشرط يوضحه أن المتعلق وإن لم تكن التطليقات المملوكة له ولكن في التعليق شبهة ذلك على معنى أنه ما صح إلا باعتباره بمنزلة الغصب فإن موجبه رد العين ولكن فيه شبهة وجوب ضمان القيمة به وقد اعتبرنا الشبهة حتى أثبتنا الملك عند تقرر الضمان من وقت الغصب فهنا أيضا لا بد من اعتبار هذه الشبهة وبعدما أوقع الثلاث قد ذهبت التطليقات المملوكة كلها فلهذا لا يبقى التعليق

Bagian V01/P266–V01/P267

ومن هذه الجملة ما قال الشافعي رحمه الله إن المطلق محمول على المقيد سواء كان في حادثة واحدة أو في حادثتين لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون مطلقا ومقيدا والمطلق ساكت والمقيد ناطق فكان هو أولى بأن يجعل أصلا ويبني المطلق عليه فيثبت الحكم مقيدا بهما كما في نصوص الزكاة فإن المطلق عن صفة السوم محمول على المقيد بصفة السوم في حكم الزكاة بالاتفاق وكذلك نصوص الشهادة فإن المطلق عن صفة العدالة محمول على المقيد بها في اشتراط العدالة في الشهادات كلها وكذلك نصوص الهدايا فإن المطلق عن التبليغ وهو هدي المتعة والقران محمول على المقيد بالتبليغ وهو جزاء الصيد يعني قوله هديا بالغ الكعبة حتى يجب التبليغ في الهدايا كلها وكذلك إذا كان في حادثتين لأن التقييد بالوصف بمنزلة التعليق بالشرط على ما قررنا وكما أوجب نفي الحكم فيه قبل وجود الشرط أوجب في نظيره استدلالا به ولهذا شرط الإيمان في الرقبة في كفارة اليمين والظهار استدلالا بكفارة القتل لأن الكل كفارة بالتحرير فيكون بعضها نظير بعض بمنزلة الطهارة فإن تقييد الأيدي بالمرافق في الوضوء جعل تقييدا في نظيره وهو التيمم لأن كل واحد منهما طهارة وهذا بخلاف مقادير الكفارات والعبادات من الصلوات وغيرها لأن ثبوتها بالنصوص باسم العلم لا بالصفة التي تجري مجرى الشرط وقد بينا أن اسم العلم لا يوجب نفي الحكم قبل وجوده في المسمى به فكيف يوجب ذلك في غيره ولا يلزمني على هذا التتابع في صوم كفارة اليمين فإني لا أوجبه استدلالا بالمقيد بالتتابع في صوم الظهار والقتل لأن هذا المطلق يعارض فيه نظائره من النصوص فمنها مقيد بصفة التتابع ومنها مقيد بصفة التفرق يعني صوم المتعة قال تعالى وسبعة إذا رجعتم حتى لو لم يفرق الصوم فيها لم يجز فلا يكون حملها على أحدهما بأولى من الآخر ولأجل هذا التعارض أثبتنا فيها حكم الإطلاق بالصوم المقيد بالتتابع في باب الكفارات فذلك يلزمكم اشتراط صفة الإيمان في الرقبة في كفارة اليمين اعتبارا بنظيرها في كفارة القتل وعندنا هذا أبعد من الأول لأن العلة واحدة هناك والحكم مختلف وهنا الحكم والعلة جميعا مختلف فكيف يمكن تعرف حكم من حكم آخر أو تعرف علة من علة أخرى ثم الدليل لنا من الكتاب قوله تعالى لا تسألوا ثم هذا يلزمكم فإنكم أثبتم صفة التتابع في صوم كفارة اليمين اعتبارا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وفي الرجوع إلى المقيد ليعرف منه حكم المطلق إقدام على هذا المنهي عنه لما فيه من ترك الإبهام فيما أبهم الله تعالى وإليه أشار ابن عباس رضي الله عنهما قال أبهموا ما أبهم الله واتبعوا ما بين وقال عمر رضي الله عنه أم المرأة مبهمة فأبهموها وإنما أراد قوله وأمهات نسائكم فإن حرمتها مطلقة وحرمة الربيبة مقيدة بقوله تعالى من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وهذا غير مذكور على وجه الشرط بل على وجه الزيادة في تعريف النساء فإن النساء المذكورة في قوله وأمهات نسائكم معرف بالإضافة إلينا وفي قوله تعالى من نسائكم اللاتي دخلتم بهن زيادة تعريف أيضا بمنزلة قول الرجل عبد امرأتي وعبد امرأتي البيضاء فلا يكون ذلك في معنى الشرط حتى يكون دليلا على نفي الحكم قبل وجوده كما توهمه الخصم وكذلك في كفارة القتل ذكر صفة الإيمان في الرقبة لتعريف الرقبة المشروعة كفارة لا على وجه الشرط وإنما لا يجزىء الكافر لأنها غير مشروعة لا لانعدام شرط الجواز فيما هو مشروع كما لا تجزىء إراقة الدم وتحرير نصف الرقبة لأن الكفارة ما عرفت إلا شرعا فما ليس بمشروع لا يحصل به التكفير وفي الموضع الذي هو مشروع يحصل به التكفير ولا شك أن انعدام كونه مشروعا في موضع لا يوجب نفي كونه مشروعا في موضع آخر ولو كان موجبا لذلك لم يجز العمل به مع النص المطلق الذي هو دليل كونه مشروعا وبهذا تبين أن فيما ذهب إليه قولا بتناقض الأدلة الشرعية أو ترك العمل ببعضها

Bagian V01/P267–V01/P269

ثم للمطلق حكم وهو الإطلاق فإن للإطلاق معنى معلوما وله حكم معلوم وللمقيد كذلك فكما لا يجوز حمل المقيد على المطلق لإثبات حكم الإطلاق فيه لا يجوز حمل المطلق على المقيد لإثبات حكم التقييد فيه ولئن سلمنا أن القيد المذكور بمنزلة الشرط وأنه يوجب نفي الحكم قبله فيه فلا يوجب ذلك في غيره ما لم تثبت المماثلة ( بينهما ولا مماثلة ) في المعنى بين أم المرأة وابنتها لأن أم المرأة تبرز إلى زوج ابنتها قبل الزفاف عادة والربيبة تمنع من ذلك بعد الزفاف فضلا عما قبله وكذلك لا مماثلة بين سبب كفارة القتل وبين سائر أسباب الكفارة فإن القتل بغير حق لا يكون في معنى الجناية كالظهار أو اليمين ولا مماثلة في الحكم أيضا فالرقبة عين في كفارة القتل ولا مدخل للإطعام فيها والصوم مقدر بشهرين متتابعين وفي الظهار للإطعام مدخل عند العجز عن الصوم وفي اليمين يتخير بين ثلاثة أشياء ويكفي إطعام عشرة مساكين وعند العجز يتأدى بصوم ثلاثة أيام فمع انعدام المماثلة في السبب والحكم كيف يجعل ما يدل على نفي الحكم في كفارة القتل دليلا على النفي في كفارة اليمين والظهار وإذا كان هو لا يعتبر الصوم في كفارة اليمين بالصوم في سائر الكفارات في صفة التتابع لانعدام المماثلة فكيف يستقيم منه اعتبار الرقبة في كفارة اليمين بالرقبة في كفارة القتل وما ذكره من العذر باطل فالمطلق في كفارة إنما يحمل على المقيد في الكفارة أيضا وليس في صوم الكفارة مقيد بالتفرق فإن صوم المتعة ليس بكفارة بل هو نسك بمنزلة إراقة الدم الذي كان الصوم خلفا عنه ثم هو غير مقيد بالتفرق فإنه وإن فرقه قبل الرجوع لا يجوز ولكنه مضاف إلى وقت بحرف إذا كما قال تعالى وسبعة إذا رجعتم والمضاف إلى وقت لا يجوز قبل ذلك الوقت كصوم رمضان قبل شهود الشهر وصلاة الظهر قبل زوال الشمس وعندنا شرط التتابع فيه ليس بحمل المطلق على المقيد بل بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) وقراءته لا تكون دون خبر يرويه وقد كان مشهور إلى عهد أبي حنيفة رحمه الله وبالخبر المشهور تثبت الزيادة على النص على ما نبينه فإن قيل لماذا لم تجعلوا قراءته كنص آخر ثم عملتم بهما جميعا كما فعلتم في صدقة الفطر حيث أوجبتم الصدقة عن العبد الكافر بالنص المطلق وعن العبد المسلم بالنص المقيد قلنا لأن الحكم هنا واحد وهو تأدي الكفارة بالصوم فبعدما صار مقيدا بنص لا يبقى ذلك الحكم بعينه مطلقا فأما في صدقة الفطر النصان في بيان السبب دون الحكم وأحد السببين لا ينفي السبب الآخر فيجوز أن يكون ملك العبد المطلق سببا لوجوب صدقة الفطر بأحد النصين وملك العبد المسلم سببا بالنص الآخر وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض باعتبار النص المطلق وهو قوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وبالتراب باعتبار النص المقيد وهو قوله عليه السلام التراب طهور المسلم لأن المحل مختلف وإن كان الحكم واحدا فيستقيم إثبات المحلية باعتبار كل نص في شيء آخر فأما التيمم إلى المرافق فلم نشترطه بحمل المطلق على المقيد إذ لو جاز ذلك لكان الأولى إثبات التيمم في الرأس والرجل اعتبارا بالوضوء وإنما عرفنا ذلك بنص فيه وهو حديث الأسلع أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين وهو مشهور يثبت بمثله التقييد فإذا صار مقيدا لا يبقى ذلك الحكم بعينه مطلقا فأما صفة السائمة في الزكاة فهو ثابت بالنص المقيد وإنما لا نوجب الزكاة في غير السائمة لنص موجب للنفي وهو قوله عليه السلام لا زكاة في العوامل لا باعتبار حمل المطلق على المقيد واشتراط العدالة في الشهادات باعتبار وجوب التوقف ( وهو قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أي توقفوا ) في خبر الفاسق بالنص وباعتبار قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء والفاسق لا يكون مرضيا لا بحمل المطلق على المقيد

Bagian V01/P269–V01/P271

واشتراط التبليغ في الهدايا باعتبار النص الوارد فيه وهو أن الله تعالى بعد ذكر الهدايا قال ثم محلها إلى البيت العتيق أو بمقتضى اسم الهدي فإنه اسم لما يهدي إلى موضع وبمجرد اسم الكفارة لا تثبت المماثلة بين واجبات متفاوتة في أنفسها ليتعرف حكم بعضها من بعض كما لا تثبت المماثلة بين الصلوات في مقدار الركعات والشرائط نحو الخطبة والجماعة في صلاة الجمعة حتى يعتبر بعضها ببعض وإن جمعها اسم الصلاة وصار حاصل الكلام أن النفي ضد الإثبات فالنص الموجب لإثبات حكم لا يوجب ضد ذلك الحكم بعبارته ولا بإشارته ولا بدلالته ولا بمقتضاه لأنه ليس من جملة ما لا يستغنى عنه حتى يكون مقتضيا إياه فإثبات النفي به بعد هذا لا يكون إلا إثبات الحكم بلا دليل والاحتجاج بلا حجة وذلك باطل على ما نثبته في بابه إن شاء الله تعالى ونحن إذا قلنا يثبت بالمطلق حكم الإطلاق وبالمقيد حكم التقييد فقد عملنا بكل دليل بحسب الإمكان والتفاوت بين العمل بالدليل وبين العمل بلا دليل لا يخفى على كل متأمل ومن هذا الجنس ما قاله الشافعي رحمه الله إن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده والنهي عن الشيء يكون أمرا بضده وقد بينا فساد هذا الكلام فيما سبق ومن هذه الجملة قول بعض العلماء إن العام يختص بسببه وعندنا هذا على أربعة أوجه أحدها أن يكون السبب منقولا مع الحكم نحو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد وأن ماعزا زنى فرجم ونحو قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وهذا يوجب تخصيص الحكم بالسبب المنقول لأنه لما نقل معه فذلك تنصيص على أنه بمنزلة العلة للحكم المنصوص وكما لا يثبت الحكم بدون علية لا يبقى بدون العلة مضافا إليها بل البقاء بدونها يكون مضافا إلى علة أخرى والثاني أن لا يكون السبب منقولا ولكن المذكور مما لا يستقل بنفسه ولا يكون مفهوما بدون السبب المعلوم به فهذا يتقيد به أيضا نحو قول الرجل أليس لي عندك كذا فيقول بلى أو يقول أكان من الأمر كذا فيقول نعم أو أجل فهذه الألفاظ لا تستقل بنفسها مفهومة المعنى فتتقيد بالسؤال المذكور الذي كان سببا لهذا الجواب حتى جعل إقرارا بذلك وباعتبار أصل اللغة بلى موضوع للجواب عن صيغة نفي فيه معنى الاستفهام كما قال تعالى ألست بربكم قالوا بلى ونعم جواب لما هو محض الاستفهام قال تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم وأجل تصلح لهما وقد تستعمل بلى ونعم في جواب ما ليس باستفهام على أن يقدر فيه معنى الاستفهام أو يكون مستعارا عنه هذا مذهب أهل اللغة فأما محمد رحمه الله فقد ذكر في كتاب الإقرار مسائل بناها على هذه الكلمات من غير استفهام في السؤال أو احتمال استفهام وجعلها إقرارا صحيحا بطريق الجواب وكأنه ترك اعتبار حقيقة اللغة فيها لعرف الاستعمال والثالث أن يكون مستقلا بنفسه مفهوم المعنى ولكنه خرج جوابا للسؤال وهو غير زائد على مقدار الجواب فبهذا يتقيد بما سبق ويصير ما ذكر في السؤال كالمعاد في الجواب لأنه بناء عليه وبيان هذا فيما إذا قال لغيره تعال تغد معي فقال إن تغديت فعبدي حر فهذا يختص بذلك الغداء ولو قالت له امرأته إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من جنابة فقال إن اغتسلت فعبدي حر فإنه يختص بذلك الاغتسال المذكور في السؤال والرابع أن يكون مستقلا بنفسه زائدا على ما يتم به الجواب بأن يقول إن تغديت اليوم أو إن اغتسلت الليلة فموضع الخلاف هذا الفصل

Bagian V01/P271–V01/P272

فعندنا لا يختص مثل هذا العام بسببه لأن في تخصيصه به إلغاء الزيادة وفي جعله نصا مبتدأ اعتبار الزيادة التي تكلم بها وإلغاء الحال والعمل بالكلام لا بالحال فإعمال كلامه مع إلغاء الحال أولى من إلغاء بعض كلامه وفيما لا يستقل بنفسه قيدناه بالسبب باعتبار أن الكل صار بمنزلة المذكور وبمنزلة كلام واحد فلا يجوز إعمال بعضه دون البعض ففي هذا الموضع لأن لا يجوز إعمال بعض كلامه وإلغاء البعض كان أولى إلا أن يقول نويت الجواب فحينئذ يدين فيما بينه وبين الله تعالى وتجعل تلك الزيادة للتوكيد وعلى قول بعض العلماء هذا يحمل على الجواب أيضا باعتبار الحال فيكون ذلك عملا بالمسكوت وتركا للعمل بالدليل لأن الحال مسكوت عنه والاستدلال بالمسكوت يكون استدلالا بلا دليل فكيف يجوز باعتباره ترك العمل بالدليل وهو المنصوص والدليل على صحة ما قلنا إن بين أهل التفسير اتفاقا أن نزول آية الظهار كان بسبب خولة ثم لم يختص الحكم بها ونزول آية القذف كان بسبب قصة عائشة رضي الله عنها ثم لم يختص بها ونزول آية اللعان كان بسبب ما قال سعد بن عبادة ثم لم يختص به ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فقد كان سبب هذا النص إسلامهم إلى أجل مجهول ثم لم يختص هذا النص بذلك السبب وأمثلة هذا كثير فعرفنا أن العام لا يختص بسببه ومن هذه الجملة تخصيص العام بغرض المتكلم فإن من الناس من يقول يختص الكلام بما يعلم من غرض المتكلم لأنه يظهر بكلامه غرضه فيجب بناء كلامه في العموم والخصوص والحقيقة والمجاز على ما يعلم من غرضه ويجعل ذلك الغرض كالمذكور وعلى هذا قالوا الكلام المذكور للمدح والذم والثناء والاستثناء لا يكون له عموم لأنا نعلم أنه لم يكن غرض المتكلم به العموم وعندنا هذا فاسد لأنه ترك موجب الصيغة بمجرد التشهي وعمل بالمسكوت فإن الغرض مسكوت عنه فكيف يجوز العمل بالمسكوت وترك العمل بالمنصوص باعتباره ولكن العام يعرف بصيغته فإذا وجدت تلك الصيغة وأمكن العمل بحقيقتها يجب العمل والإمكان قائم مع استعمال الصيغة للمدح والذم ( فإن المدح العام والثناء العام من عادة أهل اللسان وكذلك الاستثناء والذم ) واعتبار الغرض اعتبار نوع احتمال ولأجله لا يجوز ترك العمل بحقيقة الكلام ومن ذلك ما قاله بعض الأحداث من الفقهاء إن القرآن في النظم يوجب المساواة في الحكم وبيان هذا في قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فإن هذه جمل قرن بعضها ببعض بحرف النظم وهو الواو وقالوا يستوي حكمها في الحج وقال بعض أصحابنا في قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة إن ذلك يوجب سقوط الزكاة عن الصبي لأن القران في النظم دليل المساواة في الحكم فلا تجب الزكاة على من لا تجب عليه الصلاة وعندنا هذا فاسد وهو من جنس العمل بالمسكوت وترك العمل بالدليل لأجله فإن كلا من الجمل معلوم بنفسه وليس في واو النظم دليل المشاركة بينهما في الحكم إنما ذلك في واو العطف وفرق ما بينهما أن واو النظم تدخل بين جملتين كل واحدة منهما تامة بنفسها مستغنية عن خبر الآخر كقول الرجل جاءني زيد وتكلم عمرو فذكر الواو بينهما لحسن النظم

Bagian V01/P272–V01/P274

وبيان هذا في قوله تعالى لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء وقال به لا للعطف تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل وأما واو العطف فإنه يدخل بين جملتين أحدهما ناقص والآخر تام بأن لا يكون خبر الناقص مذكورا فلا يكون مفيدا بنفسه ولا بد من جعل الخبر المذكور للأول خبرا للثانية حتى يصير مفيدا كقول الرجل جاءني زيد وعمرو فهذا الواو للعطف لأنه لم يذكر لعمرو خبرا ولا يمكن جعل ( هذا ) الخبر الأول خبرا له إلا بأن يجعل الواو للعطف حتى يصير ذلك الخبر كالمعاد لأن موجب العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر فمن قال بالقول الأول فقد ذهب إلى التسوية بين واو العطف وواو النظم باعتبار أن الواو في أصل اللغة للعطف وموجب العطف الاشتراك ومطلق الاشتراك يقتضي التسوية فذلك دليل على أن القران في النظم يوجب المساواة في الحكم ثم الأصل أنا نفهم من خطاب صاحب الشرع ما يتفاهم من المخاطبات بيننا ومن يقول امرأته طالق وعبده حر إن دخل الدار فإنه يقصد الاشتراك بين المذكورين في التعليق بالشرط وذلك يفهم من كلامه حتى يجعل الكل متعلقا بالشرط وإن كان كل واحد من الكلامين تاما لكونه مبتدأ وخبرا مفهوم المعنى بنفسه فعليه يحمل أيضا مطلق كلام صاحب الشرع ولكنا نقول المشاركة في الخبر عند واو العطف لحاجة الجملة الناقصة إلى الخبر لا لعين الواو وهذه الحاجة تنعدم في واو النظم لأن كل واحد من الكلامين تام بما ذكر له من الخبر فكان هذا الواو ساكتا عما يوجب المشاركة فإثبات المشاركة به يكون استدلالا بالمسكوت يوضحه أنه لو كانت المشاركة تثبت باعتبار هذا الواو لثبتت في خبر كل جملة إذ ليس خبر إحدى الجملتين بذلك بأولى من الآخر وهذا خلاف ما عليه إجماع أهل اللسان فأما إذا قال امرأته طالق وعبده حر إن دخل الدار فكل واحد منهما تام في نفسه إيقاعا لا تعليقا بالشرط والتعليق تصرف سوى الإيقاع ففيما يرجع إلى التعليق إحدى الجملتين ناقصة فأثبتنا المشاركة بينهما في حكم التعليق بواو العطف حتى إذا لم يذكر الشرط وكان كلامه إيقاعا لم تثبت المشاركة بينهما في الخبر وجعل واو النظم مائة دينار ولفلان ألف درهم إلا عشرة يجعل الاستثناء من آخر المالين ذكرا لأن بالاستثناء لا يخرج الكلام من أن يكون إقرارا وباعتبار الإقرار كل واحد من الجملتين تامة فيكون الواو للنظم وينصرف الاستثناء إلى ما يليه خاصة وعلى هذا قلنا في قوله تعالى وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا لتحسين الكلام به فإنه مستعمل كما بينا ولهذا لو قال لفلان علي إن هذا الواو للنظم حتى ينصرف الاستثناء إلى سمة الفسق دون ما تقدمه والشافعي يجعل هذا الواو للعطف والواو الذي في قوله ولا تقبلوا لهم للنظم حتى يكون الاستثناء منصرفا إليهما دون الجلد فلا يسقط الجلد بالتوبة والصحيح ما قلنا فإن من حيث الصيغة معنى العطف يتحقق في قوله تعالى ولا تقبلوا ولا يتحقق في قوله تعالى وأولئك هم الفاسقون لأن قول القائل اجلس ولا تتكلم يكون عطفا صحيحا فكذلك قوله تعالى فاجلدوا

Bagian V01/P274–V01/P275

ولا تقبلوا لأن كل واحد منهما خطاب للأئمة فأما قوله تعالى وأولئك هم الفاسقون ليس بخطاب للأئمة ولكن إخبار عن وصف القاذفين فلا يصلح معطوفا على ما هو خطاب فجعلناه للنظم وكذلك من حيث المعنى قوله تعالى ولا تقبلوا صالح لأن يكون متمما للحد معطوفا على الجلد فإن إهدار قوله في الشهادات شرعا مؤلم كالجلد وهذا الألم عند العقلاء يزداد على ألم الجلد فيصلح متمما للحد زاجرا عن سببه ولهذا خوطب به الأئمة فإن إقامة الحد إليهم فأما قوله تعالى وأولئك هم الفاسقون فمعناه العاصون وذلك بيان لجريمة القاذف فلا يصلح جزاء على القذف حتى يكون متمما للحد بل المقصود به إزالة إشكال كان يقع عسى وهو أن القذف خبر متميل وربما يكون حسبة إذا كان الرامي صادقا وله أربعة من الشهود والزاني مصر فكان يقع الإشكال أنه لما كان سببا لوجوب عقوبة تندرىء بالشبهات فأزال الله هذا الإشكال بقوله وأولئك هم الفاسقون أي العاصون بهتك ستر العفة من غير فائدة حين عجزوا عن إقامة أربعة من الشهداء وإليه أشار في قوله تعالى فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ويتبين بهذا التحقيق أن العمل بالنص كما يوجبه فيما قلنا فإنا جعلنا العجز عن إقامة أربعة كما هو موجب حرف ثم فإنه للتعقيب مع التراخي وجعلنا الواو في قوله تعالى ولا تقبلوا للعطف فكان رد الشهادة متمما للحد كما هو موجب من الشهداء مضموما إلى القذف ليتحقق بهما السبب الموجب للعقوبة واو العطف وجعلنا الواو في قوله تعالى وأولئك للنظم كما هو مقتضى صيغة الكلام والشافعي ترك العمل بحرف ثم وجعل نفس القذف موجبا للحد وجعل الواو في قوله تعالى ولا تقبلوا للنظم وفي قوله وأولئك للعطف وكل ذلك مخالف لمقتضى صيغة الكلام فكان الصحيح ما قلناه ومن هذه الجملة حكم الجمع المضاف إلى جماعة نحو قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم فإن من الناس من يقول حكمة حقيقة الجماعة في حق كل واحد ممن أضيف إليهم وزعموا أن حقيقة الكلام هذا فإن المضاف إلى جماعة يكون مضافا إلى كل واحد منهم وإذا كانت الصيغة التي بها حصلت الإضافة صيغة الجماعة وبها يثبت الحكم في كل واحد منهم ما هو مقتضى هذه الصيغة قولا بحقيقة الكلام ألا ترى أن الإضافة لو حصلت بصيغة الفرد تثبت في كل واحد منهم الحكم الذي هو موجب تلك الصيغة

Bagian V01/P275–V01/P277

وعندنا هذا فاسد وهو من جنس القول بالمسكوت ولكن مقتضى هذه الصيغة مقابلة الآحاد بالآحاد على ما قال في الجامع إذا قال لامرأتين له إذا ولدتما ولدين فأنتما طالقان فولدت كل واحدة منهما ولدا طلقتا وكذلك إذا قال إذا حضتما حيضتين أو قال إذا دخلتما هاتين الدارين فدخلت كل واحدة منهما دارا فهما طالقان ولا يشترط دخول كل واحدة منهما في الدارين جميعا وما قلناه هو المعلوم من مخاطبات الناس فإن الرجل يقول لبس القوم ثيابهم وحلقوا رؤوسهم وركبوا دوابهم وإنما يفهم من ذلك أن كل واحد منهم لبس ثوبه وركب دابته وحلق رأسه والدليل عليه قول الشاعر وإنا نرى أقدامنا في نعالهم وآنفنا بين اللحى والحواجب والمراد ما قلنا وكتاب الله يشهد به قال تعالى جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم والمراد أن كل واحد منهم جعل أصبعه في أذنه لا في آذان الجماعة واستغشى ثوبه وقال تعالى فقد صغت قلوبكما والمراد في حق كل واحدة منهما قلبها وقال تعالى فاقطعوا أيديهما والمراد قطع يد واحدة من كل واحد منهما لا قطع جميع ما يسمى يدا من كل واحد منهما لاتفاقنا على أن بالسرقة الواحدة لا تقطع إلا يد واحدة من السارق وقد بينا أن مطلق الكلام محمول على ما يتفاهمه الناس في مخاطباتهم فهو اعتبار الصيغة بدون الإضافة والمنصوص عليه الصيغة مع الإضافة إلى الجماعة ومع الإضافة إلى الجماعة موجب الصيغة حقيقة ليس ما ادعوا بل موجبه ما قلنا لأن ما ادعوا يثبت بدون الإضافة إلى الجماعة ( وما قلنا لا يثبت بدون الإضافة إلى الجماعة ) فعرفنا أن حقيقة العمل بالمنصوص فيما قلنا وفيما قالوا ترك العمل بالدليل المنصوص وعمل بالمسكوت فيكون فاسدا هذا بيان الطريق فيما هو فاسد من وجوه العمل بالمنصوص كما ذهب إليه بعض الناس وقد بينا الطريق الصحيح من ذلك في أول الباب فمن فهم الطريقين يتيسر عليه تمييز الصحيح من الاستدلال بجميع النصوص والفاسد وإن خفي عليه شيء فهو يخرج بالتأمل على ما بينا من كل طريق والله أعلم & باب بيان الحجة الشرعية وأحكامها & قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجة لغة اسم من قول القائل حج أي غلب ومنه يقال لج فحج ويقول الرجل حاججته فحججته أي ألزمته بالحجة فصار مغلوبا ثم سميت الحجة في الشريعة لأنه يلزمنا حق الله تعالى بها على وجه ينقطع بها العذر ويجوز أن يكون مأخوذا من معنى الرجوع إليه كما قال القائل يحجون بيت الزبرقان المزعفرا أي يرجعون إليه ومنه حج البيت فإن الناس يرجعون إليه معظمين له قال تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا والمثابة المرجع فسميت الحجة لوجوب الرجوع إليها من حيث العمل بها شرعا ويستوي إن الرجوع إليها بالعمل بها واجب شرعا في الوجهين على ما نبينه في باب خبر الواحد والقياس إن شاء الله تعالى والبينة كالحجة فإنها مشتقة من البيان وهو أن يظهر للقلب وجه الإلزام بها سواء كان ظهورا موجبا للعلم أو دون ذلك لأن العمل يجب في الوجهين ومنه قوله تعالى فيه آيات بينات أي علامات ظاهرات كانت موجبة للعلم قطعا أو كانت موجبة للعمل دون العلم قطعا لأن والبرهان كذلك فإنه مستعمل استعمال الحجة في لسان الفقهاء وأما الآية فمعناها لغة العلامة قال الله تعالى فيه آيات بينات وقال القائل وغير آيها العصر ومطلقها في الشريعة ينصرف إلى ما يوجب العلم قطعا ولهذا سميت معجزات الرسل آيات قال الله تعالى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وقال تعالى فاذهبا بآياتنا

Bagian V01/P277–V01/P279

فإن قيل من الناس من جحد رسالة الرسل بعد رؤية المعجزات والوقوف عليها ولو كانت موجبة للعلم قطعا لما أنكرها أحد بعد المعاينة قلنا هذه الآيات لا توجب العلم خبرا فإنها لو أوجبت ذلك انعدم الثواب والعقاب بها أصلا وإنما توجب العلم باعتبار التأمل فيها عن إنصاف لا عن تعنت ومع هذا التأمل يثبت العلم بها قطعا وإنما جحدها من جحدها للإعراض عن هذا التأمل كما ذكر الله تعالى في قوله وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي قوله لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وقد كان فيهم من جحد تعنتا بعدما علم يقينا كما قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وأما الدليل فهو فعيل من فاعل الدلالة بمنزلة عليم من عالم ومنه قولهم يا دليل المتحيرين أي هاديهم إلى ما يزيل الحيرة عنهم ومنه سمي دليل القافلة أي هاديهم إلى الطريق فسمي باسم فعله وفي الشريعة هو اسم لحجة منطق يظهر به ما كان خفيا فإن ما قدمناه يكون موجبا تارة ومظهرا تارة والدليل خاص لما هو مظهر فإن قيل أليس أن الدخان دليل على النار والبناء دليل على الباني عنده كما قال تعالى قالتا أتينا طائعين وقال تعالى فوجدا فيها ولا نطق هناك قلنا إنما يطلق الاسم على ذلك مجازا بحصول معنى الظهور جدارا يريد أن ينقض فأقامه وقال القائل وعظتك أحداث صمت وكل ذلك مجاز ثم الدليل مجازا كان أو حقيقة يكون مظهرا ظهورا موجبا للعلم به أو دون ذلك والشاهد كالدليل سواء كان مظهرا على وجه يثبت العلم به أو لا يثبت به علم اليقين بمنزلة الشهادات على الحقوق في مجالس الحكام قال رضي الله عنه ثم اعلم بأن الأصول في الحجج الشرعية ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع والأصل الرابع وهو القياس هو المعنى المستنبط من هذه الأصول الثلاثة وهي تنقسم قسمين قسم موجب للعلم قطعا ومجوز غير موجب للعلم وإنما سميناه مجوزا لأنه يجب العمل به والأصل أن العمل بغير علم لا يجوز قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم فسميناه مجوزا باعتبار أنه يجب العمل به وإن لم يكن موجبا للعلم قطعا فأما الموجب للعلم من الحجج الشرعية أنواع أربعة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المسموع منه والمنقول عنه بالتواتر والإجماع والأصل في كل ذلك لنا السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو الذي أسمعنا ما أوحي إليه من القرآن بقراءته علينا والمنقول عنه بطريق متواتر بمنزلة المسموع عنه في وقوع العلم به على ما نبينه وكذلك الإجماع فإن إجماع هذه الأمة إنما كانت حجة موجبة للعلم بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لا يجمع أمته على الضلالة والسماع منه موجب للعلم لقيام الدلالة على أن الرسول عليه السلام يكون معصوما عن الكذب والقول بالباطل فهذا بيان قولنا إن الأصل في ذلك كله السماع من رسول صلى الله عليه وسلم فصل في بيان الكتاب وكونه حجة قال رضي الله عنه اعلم بأن الكتاب هو القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم المكتوب في دفات المصاحف المنقول إلينا على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان ولا يثبت بمثله القرآن مطلقا ولهذا قالت الأمة لو صلى بكلمات تفرد بها ابن مسعود لم تجز صلاته لأنه لم يوجد فيه النقل المتواتر وباب القرآن باب يقين وإحاطة فلا يثبت بدون النقل المتواتر كونه قرآنا وما لم يثبت أنه قرآن فتلاوته في الصلاة كتلاوة خبر فيكون مفسدا للصلاة فإن قيل بكونه معجزا يثبت أنه قرآن بدون النقل المتواتر قلنا لا خلاف أن ما دون الآية غير معجز وكذلك الآية القصيرة ولهذا لم يجوز أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الصلاة إلا بقراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة لأن المعجز السورة وأقصر السور ثلاث آيات يعني الكوثر

Bagian V01/P279–V01/P280

وأبو حنيفة رحمه الله قال الواجب بالنص قراءة ما تيسر من القرآن وبالآية القصيرة يحصل ذلك فيتأدى فرض القراءة وإن كان يكره الاكتفاء بذلك وجاء فيما ذكرنا أن ما دون الآية والآية القصيرة ليس بمعجز وهو قرآن يثبت به العلم قطعا فظهر أن الطريق فيه النقل المتواتر مع أن كونه معجزا دليل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به وليس بدليل في نفسه على أنه كلام الله لجواز أن يقدر الله تعالى رسوله على كلام يعجز البشر عن مثله كما أقدر عيسى على إحياء الموتى وعلى أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله فعرفنا أن الطريق فيه النقل المتواتر وإنما اعتبرنا الإثبات في دفات المصاحف لأن الصحابة رضي الله عنهم إنما أثبتوا القرآن في دفات المصاحف لتحقيق النقل المتواتر فيه ولهذا أمروا بتجريد القرآن في المصاحف وكرهوا التعاشير وأثبتوا في المصاحف ما اتفقوا عليه ثم نقل إلينا نقلا متواترا فثبت به العلم قطعا ولما ثبت بهذا الطريق أنه كلام الله تعالى ثبت أنه حجة موجبة للعلم قطعا لعلمنا يقينا أن كلام الله لا يكون إلا حقا فإن قيل فالتسمية نقلت إلينا مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي لمبدأ الفاتحة ومبدأ كل سورة سوى سورة براءة ثم لم تجعلوها آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة مع النقل المتواتر من الوجه الذي قررتم قلنا قد ذكر أبو بكر الرازي رحمه الله أن الصحيح من المذهب عندنا أن التسمية آية منزلة من القرآن لا من أول السورة ولا من آخرها ولهذا كتبت للفصل بين السور في المصحف بخط على حدة لتكون الكتابة بقلم الوحي دليلا على أنها منزلة للفصل والكتابة بخط على حدة دليلا على أنها ليست من أول السورة وظاهر ما ذكر في الكتاب علماؤنا يشهد به فإنهم قالوا ثم يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن الرحيم فقد قطعوا التسمية عن التعوذ وأدخلوها في القراءة ولكن قالوا لا يجهر بها لأنه ليس من ضرورة كونها آية من القرآن الجهر بها بمنزلة الفاتحة في الأخريين وإنما قالوا يخفي بها ليعلم أنها ليست بآية من أول الفاتحة فإن المتعين في حق الإمام الجهر بالفاتحة والسورة في الأوليين وعلى هذا نقول يكره للجنب والحائض قراءة التسمية على قصد قراءة القرآن لأن من ضرورة كونها آية من القرآن حرمة القراءة على الجنب والحائض ولكن لا يتأدى بها فرض القراءة في الركعة عند أبي حنيفة رحمه الله لاشتباه الآثار واختلاف العلماء وأدنى درجات الاختلاف المعتبر إيراث الشبهة به وما كان فرضا مقطوعا به لا يتأدى بما فيه شبهة ولسنا نعني الشبهة في كونها من القرآن بل في كونها آية تامة فإنه لا خلاف في أنها من القرآن في قوله تعالى وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فإن قيل فقد أثبتم بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه فصيام ثلاثة أيام متتابعات كونه قرآنا في حق العمل به ولم يوجد فيه النقل المتواتر ولم تثبتوا في التسمية مع النقل المتواتر كونها آية من القرآن في حكم العمل وهو وجوب الجهر بها في الصلاة وتأدي القراءة بها قلنا نحن ما أثبتنا بقراءة ابن مسعود كون تلك الزيادة قرآنا وإنما جعلنا ذلك بمنزلة خبر رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمنا أنه ما قرأ بها إلا سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره مقبول في وجوب العمل به وبمثل هذا الطريق لا يمكن إثبات هذا الحكم في التسمية لأن برواية الخبر وإن علم صحته لا يثبت حكم جواز الصلاة ولأنه ليس من ضرورة كونها آية من القرآن وجوب الجهر بها على ما بينا أن الفاتحة لا يجهر بها في الأخريين وما كان ثبوته بطريق الاقتضاء يتقدر الحكم فيه بقدر الضرورة لأنه لا عموم للمقتضى

Bagian V01/P280–V01/P282

ثم قال كثير من مشايخنا إن إعجاز القرآن في النظم وفي المعنى جميعا خصوصا على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حيث قالا بالقراءة بالفارسية في الصلاة لا يتأدى فرض القراءة وإن كان مقطوعا به أنه هو المراد لأن الفرض قراءة المعجز وذلك في النظم والمعنى جميعا قال رضي الله عنه والذي يتضح لي أنه ليس مرادهم من هذا أن المعنى بدون النظم غير معجز فالأدلة على كون المعنى معجزا ظاهرة منها أن المعجز كلام الله ( وكلام الله تعالى ) غير محدث ولا مخلوق والألسنة كلها محدثة العربية والفارسية وغيرهما فمن يقول الإعجاز لا يتحقق إلا بالنظم فهو لا يجد بدا من أن يقول بأن المعجز محدث وهذا مما لا يجوز القول به والثاني أن النبي عليه السلام بعث إلى الناس كافة ( وآية نبوته القرآن الذي هو معجز فلا بد من القول بأنه حجة له على الناس كافة ) ومعلوم أن عجز العجمي عن الإتيان بمثل القرآن بلغة العرب لا يكون حجة عليه فإنه يعجز أيضا عن الإتيان بمثل شعر امرىء القيس وغيره بلغة العرب وإنما يتحقق عجزه عن الإتيان بمثل القرآن بلغته فهذا دليل واضح على أن معنى الإعجاز في المعنى تام ولهذا جوز أبو حنيفة رحمه الله القراءة بالفارسية في الصلاة ولكنهما قالا في حق من لا يقدر على القراءة بالعربية الجواب هكذا وهو دليل على أن المعنى عندهما معجز فإن فرض القراءة ساقط عمن لا يقدر على قراءة المعجز أصلا ولم يسقط عنه الفرض أصلا بل يتأدى بالقراءة بالفارسية فأما إذا كان قادرا على القراءة بالعربية لم يتأد الفرض في حقه بالقراءة بالفارسية عندهما لا لأنه غير معجز ولكن لأن متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف في أداء هذا الركن فرض في حق من يقدر عليه وهذه المتابعة في القراءة بالعربية إلا أن أبا حنيفة اعتبر هذا في كراهة القراءة بالفارسية فأما في تأدي أصل الركن بقراءة القرآن فإنه اعتبر ما قررناه فصل في بيان حد المتواتر من الأخبار وموجبها المتواتر ما اتصل بنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل المتواتر مأخوذ من قول القائل تواترت الكتب إذا اتصلت بعضها ببعض في الورود متتابعا وحد ذلك أن ينقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم عن قوم مثلهم هكذا إلى أن يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أوله كآخره وأوسطه كطرفيه وذلك نحو نقل أعداد الركعات وأعداد الصلوات ومقادير الزكاة والديات وما أشبه ذلك وهذا لأن الاتصال لا يتحقق إلا بعد انقطاع شبهة الانفصال وإذا انقطعت شبهة الانفصال ضاهى ذلك المسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الناس على همم شتى وذلك يبعثهم على التباين في الأهواء والمرادات فلا يردهم عن ذلك إلى شيء واحد إلا جامع أو مانع وليس ذلك إلا اتفاق صنعوه أو سماع اتبعوه فإذا انقطعت تهمة الاختراع لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم تعين جهة السماع ولهذا كان موجبا علم اليقين عند جمهور الفقهاء ومن الناس من يقول الخبر لا يكون حجة أصلا ولا يقع العلم به بوجه وكيف يقع العلم به والمخبرون هم الذين تولوا نقله وإنما وقوع العلم بما ليس من صنع البشر ويكون خارجا عن مقدورهم فأما ما يكون من صنع البشر ويتحقق منهم الاجتماع على اختراعه قلوا أو كثروا فذلك لا يكون موجبا للعلم أصلا هذا قول فريق ممن ينكر رسالة المرسلين وهذا القائل سفيه يزعم أنه لا يعرف نفسه ولا دينه ولا دنياه ولا أمه ولا أباه بمنزلة من ينكر العيان من السوفسطائية فلا يكون الكلام معه على سبيل الاحتجاج والاستدلال فكيف يكون ذلك وما يثبت بالاستدلال من العلم دون ما ثبت بالخبر المتواتر فإن هذا يوجب علما ضروريا والاستدلال لا يوجب ذلك وإنما الكلام معه من حيث التقرير عند العقلاء بما لا يشك هو ولا أحد من الناس في أنه مكابرة وجحد لما يعلم اضطرارا بمنزلة الكلام مع من يزعم أنه لا حقيقة للأشياء المحسوسة

Bagian V01/P282–V01/P284

فنقول إذا رجع الإنسان إلى نفسه علم أنه مولود اضطرارا بالخبر كما علم أن ولده مولود بالمعاينة وعلم أن أبويه كانا من جنسه بالخبر كما علم أن أولاده من جنسه بالعيان وعلم أنه كان صغيرا ثم شابا بالخبر كما علم ذلك من ولده بالعيان وعلم أن السماء والأرض كانتا قبله على هذه الصفة بالخبر كما يعلم أنهما على هذه الصفة للحال بالعيان وعلم أن آدم أبو البشر على وجه لا يتمكن فيه شبهة فمن أنكر شيئا من هذه الأشياء فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة بمنزلة من أنكر العيان ولا نقول إن هذا العلم يحصل بفعل المخبرين بل بما هو من صنع الله تعالى وهو أنه خلق الخلق أطوارا على طباع مختلفة وهمم متباينة يبعثهم على ذلك الاختلاف والتباين فالاتفاق بعد ذلك مع الأسباب الموجبة للاختلاف لا يكون إلا بجامع يجمعهم على ذلك كما قررنا وفيه حكمة بالغة وهو بقاء الأحكام بعد وفاة المرسلين على ما كانت عليه في حياتهم فإن النبوة ختمت برسولنا صلى الله عليه وسلم وقد كان مبعوثا إلى الناس كافة وقد أمرنا بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به قال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وهذا الخطاب يتناول الموجودين في عصره والذين يؤمنون به إلى قيام الساعة ومعلوم أن الطريق في الرجوع إليه ليس إلا الرجوع إلى ما نقل عنه بالتواتر فبهذا يتبين أن هذا كالمسموع منه في حياته وقد قامت الدلالة على أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا بالحق خصوصا فيما يرجع إلى بيان الدين فيثبت منه بالسماع علم اليقين ومن الناس من يقول إن ما يثبت بالتواتر علم طمأنينة القلب لا علم اليقين ومعنى هذا أنه يثبت العلم به مع بقاء توهم الغلط أو الكذب ولكن لرجحان جانب الصدق تطمئن القلوب إليه فيكون ذلك علم طمأنينة مثل ما يثبت بالظاهر لا علم اليقين قالوا لأن التواتر إنما يثبت بمجموع آحاد ومعنى احتمال الكذب ثابت في خبر كل واحد من تلك الآحاد فبالاجتماع لا ينعدم هذا الاحتمال بمنزلة اجتماع السودان على شيء لا يعدم صفة السواد الموجود في كل واحد منهم قبل الاجتماع وهذا لأنه كما يتوهم أن يجتمعوا على الصدق فيما ينقلون يتوهم أن يجتمعوا على الكذب إذ الخبر يحتمل كل واحد من الوصفين على السواء ألا ترى أن النصارى واليهود اتفقوا على قتل عيسى عليه السلام وصلبه ونقلوا ذلك فيما بينهم نقلا متواترا وقد كانوا أكثر منا عددا ثم كان ذلك كذبا لا أصل له والمجوس اتفقوا على نقل معجزات زرادشت وقد كانوا أكثر منا عددا ثم كان ذلك كذبا لا أصل له فعرفنا أن احتمال التواطؤ على الكذب لا ينتفي بالنقل المتواتر ومع بقائه لا يثبت علم اليقين فإنما الثابت به علم طمأنينة بمنزلة من يعلم حياة رجل ثم يمر بداره فيسمع النوح ويرى آثار التهيؤ لغسل الميت ودفنه فيخبرونه أنه قد مات ويعزونه ويعزيهم فيتبدل بهذا الحادث العلم الذي كان ( له ) حقيقة ويعلمه ميتا على وجه طمأنينة القلب مع احتمال أن ذلك كله حيلة منهم وتلبيس لغرض كان لأهله في ذلك فهذا مثله

Bagian V01/P284–V01/P285

وهذا قول رذل أيضا فإن هذا القائل إنه لا يعلم الرسل عليهم السلام حقيقة ولا يصح إيمانه ما لم يعرف الرسل حقيقة فهو بمنزلة من يزعم أنه لا يعرف الصانع حقيقة فعرفنا أنه مفسد لدينه باختيار هذا القول ثم هو جاحد لما يعلمه كل عاقل ضرورة فإنا إذا رجعنا إلى موضع المعرفة وهو القلب ووجدنا أن المعرفة بالمتواتر من الأخبار يثبت على الوجه الذي يثبت بالعيان لأنا نعلم أن في الدنيا مكة وبغداد بالخبر على وجه ليس فيه احتمال الشك كما نعلم بلدتنا بالمعاينة ونعرف الجهة إلى مكة يقينا بالخبر كما نعرف الجهة إلى منازلنا يقينا بالمعاينة ومن أراد الخروج من هذه البلدة إلى بخارى يأخذ في السير إلى ناحية المغرب كما أن من أراد أن يخرج إلى كاشغر يأخذ في السير إلى ناحية المشرق ولا يشك في ذلك أحد ولا يخطئه بوجه وإنما عرف ذلك بالخبر فلو لم يكن ذلك موجبا علم اليقين لكان هو مخاطرا بنفسه وماله خصوصا في زمان الخوف فينبغي أن يكون فعله ذلك خطأ وفي اتفاق الناس كلهم على خلافه ما يدفع زعم هذا الزاعم وما استدلوا به من نقل النصارى واليهود قتل المسيح وصلبه فهو وهم لأن النقل المتواتر لم يوجد في ذلك فإن النصارى إنما نقلوا ذلك عن أربعة نفر كانوا مع المسيح في بيت إذ الحواريون كانوا قد اختفوا أو تفرقوا حين هم اليهود بقتلهم وإنما بقي مع المسيح أربعة نفر يوحنا ويوقنا ومتن ومارقيش ويتحقق من هذه الأربعة التواطؤ على ما هو كذب لا أصل له وقد بينا أن حد التواتر ما يستوي طرفاه ووسطه واليهود إنما نقلوا ذلك عن سبعة نفر كانوا دخلوا البيت الذي كان فيه المسيح وأولئك يتحقق منهم التواطؤ على الكذب وقد روي أنهم كانوا لا يعرفون المسيح حقيقة حتى دلهم عليه رجل يقال له يهوذا وكان يصحبه قبل ذلك فاجتعل منهم ثلاثين درهما وقال إذا رأيتموني أقبل رجلا فاعلموا أنه صاحبكم وبمثل هذا لا يحصل ما هو حد التواتر فإن قيل الصلب قد شاهده الجماعة التي لا يتصور منهم التواطؤ على الكذب عادة فيتحقق ما هو حد التواتر في الإخبار بصلبه قلنا لا كذلك فإن فعل الصلب إنما تناوشوه عدد قليل من الناس ثم سائر الناس يعتمدون خبرهم أن المصلوب فلان وينظرون إليه من بعد من غير تأمل فيه ففي الطباع نفرة عن التأمل في المصلوب والحلي تتغير به أيضا فيتمكن فيه الاشتباه باعتبار هذه الوجوه فعرفنا أنه كما لا يتحقق النقل المتواتر في قتله لا يتحقق في صلبه والثاني أن النقل المتواتر منهم في قتل رجل علموه عيسى وصلبه وهذا النقل موجب علم اليقين فيما نقلوه ولكن لم يكن الرجل عيسى وإنما كان مشبها به كما قال تعالى ولكن شبه لهم وقد جاء في الخبر أن عيسى عليه السلام قال لمن كان معه من يريد منكم أن يلقي الله شبهي عليه فيقتل وله الجنة فقال رجل أنا فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه فقتل ورفع عيسى إلى السماء فإن قيل هذا القول في نهاية من الفساد لأن فيه قولا بإبطال المعارف أصلا وبتكذيب العيان وإذا جوزتم هذا فما يؤمنكم من مثله فيما ينقل بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السامعين إنما سمعوا ذلك من رجل كان عندهم أنه محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن إياه وإنما ألقى الله شبهه على غيره ومع هذا القول لا يتحقق الإيمان بالرسل لمن يعانيهم لجواز أن يكون شبه الرسل ملقى على غيرهم كيف والإيمان بالمسيح كان واجبا عليهم في ذلك الوقت فمن ألقي عليه شبه المسيح فقد كان الإيمان به واجبا بزعمكم وفي هذا قول بأن الله تعالى أوجب على عباده الكفر بالحجة فأي قول أقبح من هذا قلنا