Qur'an&Sunnah

Eş'arî — el-Lüma' fi'r-Redd (Eş'arî)

Bölüm V01/P020

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله ذى الجود والثناء ، والمجد والسناء ، والعز والكبرياء ؛ أحمده على سوابغ النعم وجزيل العطاء ، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له عدة اللقاء ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء. أما بعد ؛ فانك سألتنى أن أصنف لك كتابا مختصرا أبين فيه جملا توضح الحق وتدمع الباطل ، فرأيت اسعافك بذلك ، (رزقك) الله الخيرات ، وأعانك على الخير والمطلوبات. [الله وصفاته ] مسألة ان سأل سائل فقال : ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره؟ قيل (له) : الدليل على ذلك أن الانسان الذي هو فى غاية الكمال والتمام ، كان نطفة ثم علقة ثم لحما ودما (وعظما) ، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الى حال ؛ لأنا نراه فى حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ، ولا أن يخلق لنفسه جارحة. يدل ذلك على أنه فى حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز ؛ لأن ما قدر عليه فى حال النقصان فهو فى الكمال عليه أقدر. وما عجز عنه فى حال الكمال فهو فى حال النقصان عنه أعجز. ورأيناه طفلا ثم شابا كهلا ثم شيخا ، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب الى حال الكبر والهرم ؛ لأن الانسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها الى حال الشباب لم يمكنه ذلك ؛ فدل ما وصفنا على أنه ليس هو الذي ينقل نفسه فى هذه الأحوال ، وأن له ناقلا نقله من حال الى حال ودبره على ما هو عليه ؛ لأنه لا يجوز انتقاله من حال الى حال بغير ناقل ولا مدبر. مما بين ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلا مفتولا ، ثم ثوبا منسوجا ، بغير ناسج ولا صانع ولا مدبر ، ومن اتخذ قطنا ثم انتظر أن يصير غزلا مفتولا. ثم ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج كان عن معقول خارجا ، وفى الجهل والجا. وكذلك من قصد الى برية لم يجد قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول الطين الى حالة الآجر ، وينتضد بعضه على بعض ، بغير صانع وإلا بأن ، كان جاهلا. واذا كان تحول النطفة علقة ، ثم مضغة ، ثم لحما ودما وعظما ، أعظم فى الأعجوبة ، كان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال الى حال. وقد قال الله تعالى : ( 08 أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) فما استطاعوا أن يقولوا بحجة انهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له فيكون. وقد قال الله تعالى منبها لخلقه على وحدانيته : ( 04 وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) بين لهم عجزهم وفقرهم الى صانع صنعهم ومدبر دبرهم. فان قالوا : فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم : لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير ، ولا الانقلاب والتغيير ؛ لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره ، وأن يجرى عليه سمات الحدث ؛ لأن ما جرى ذلك عليه ولزمته الضعة لم ينقل من سمات الحدث ، وما لم يسبق المحدث كان محدثا مصنوعا ؛ فبطل بذلك قدم النطفة وغيرها من الأجسام. مسألة فان قال قائل : لم زعمتم أن البارى سبحانه لا يشبه المخلوقات؟ قيل (له) : لأنه لو أشبهها لكان حكمه فى الحديث حكمها ، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها. فان أشبهها من جميع الجهات كان محدثا مثلها من جميع الجهات ، وان أشبهها من بعضها كان محدثا من حيث أشبهها ، ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديما. وقد قال الله تعالى : ( 03 ليس كمثله شيء ) . وقال تعالى : ( 05 ولم يكن له كفوا أحد ) . مسألة

Bölüm V01/P020–V01/P024

فان قال قائل : لم قلتم ان صانع الأشياء واحد؟ قيل له : لأن الاثنين لا يجرى تدبيرهما على نظام ولا يتسق على احكام. ولا بد أن يلحقهما العجز أو واحدا منهما ؛ لأن أحدهما اذا أراد أن يحيى انسانا وأراد الآخر أن يميته لم يخل أن يتم مرادهما جميعا أو لا يتم مرادهما ، أو يتم (مراد أحدهما دون الآخر. ويستحيل أن يتم) مرادهما جميعا ؛ لأنه يستحيل أن يكون الجسم حيا ميتا فى حال واحدة وان لم يتم مرادهما جميعا وجب عجزهما ، والعاجز لا يكون إلها ولا قديما (وان تم مراد أحدهما دون الآخر وجب عجز من لم يتم مراده منهما والعاجز لا يكون إلها ولا قديما) فدل ما قلناه على أن صانع الأشياء واحد . وقد قال الله تعالى : ( 07 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) فهذا معنى احتجاجنا آنفا. مسألة فان قال قائل : ما الدليل على جواز اعادة الخلق؟ قيل له : الدليل على ذلك أن الله سبحانه خلقه أولا لا على مثال سبق ، فاذا خلقه أولا لم يعيه أن يخلقه خلقا آخر. وقد قال عز وجل : ( 021 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ؛ قال من يحي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) فجعل النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة لأنها فى معناها. ثم قال : ( 011 الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) فجعل ظهور النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على نداوته ورطوبته دليلا على جواز خلقه الحياة فى الرمة البالية والعظام النخرة ، وعلى قدرته على خلق مثله. ثم قال : أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم» . وهذا هو المعول عليه فى الحجاج فى جواز اعادة الخلق . وهذا هو الدليل أيضا على صحة الحجاج والنظر ؛ لأن الله تعالى حكم فى الشيء بحكم مثله وجعل سبيل النظير ومجراه مجرى نظيره. وقد قال الله تعالى : ( 05 الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ) . وقوله تعالى : ( 09 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) يريد وهو هين عليه فجعل الابتداء كالاعادة. فان قال قائل : زيدونى وضوحا فى صحة النظر . قيل له : قول الله تعالى مخبرا عن ابراهيم عليه السلام لما رأى الكوكب : ( 022 قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لئن لم يهدني 05 ربي لأكونن من القوم الضالين» ) . فجمع عليه السلام القمر والكواكب فى أنه لا يجوز أن يكون واحد منهما إلها ربا لاجتماعهما فى الأفول ، وهذا هو النظر والاستدلال الذي ينكره المنكرون وينحرف عنه المنحرفون . مسألة فان قال قائل : لم أنكرتم أن يكون الله تعالى جسما؟ قيل له : أنكرنا ذلك لأنه لا يخلو أن يكون القائل لذلك أراد ما أنكرتم أن يكون طويلا عريضا مجتمعا ، أو أن يكون أراد تسميته جسما وان لم يكن طويلا عريضا مجتمعا عميقا. فان كان أراد ما أنكرتم أن يكون طويلا عريضا مجتمعا كما يقال ذلك للأجسام فيما يلينا فهذا لا يجوز ؛ لأن المجتمع لا يكون شيئا واحدا ؛ لأن أقل قليل الاجتماع لا يكون الا من شيئين ؛ لأن الشيء الواحد لا يكون لنفسه مجامعا ؛ وقد بينا آنفا أن الله عز وجل شيء واحد ؛ فبطل بذلك أن يكون مجتمعا. وان أراد لم لا تسمونه جسما وان لم يكن طويلا عريضا مجتمعا؟ فالأسماء ليست إلينا ، ولا يجوز أن نسمى الله تعالى باسم لم يسم به نفسه ، ولا سماه به رسوله ، ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه. مسألة

Bölüm V01/P024–V01/P027

فان قال قائل : لم قلتم ان الله تعالى عالم؟ قيل له : لأن الأفعال المحكمة لا تتسق فى الحكمة الا من عالم. وذلك أنه لا يجوز أن يحوك الديباج النفارير ويصنع دقائق الصنعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه. فلما رأينا الانسان على ما فيه من اتساق الحكمة كالحياة التى ركبها الله فيه والسمع والبصر وكمجارى الطعام والشراب وانقسامهما فيها وما هو عليه من كماله وتمامه ، والفلك وما فيه من شمسه وقمره وكواكبه ومجاريها ، دل ذلك على أن الذي صنع ما ذكرناه لم يكن يصنعه الا وهو عالم بكيفيته وكنهه ، ولو جاز أن تحدث الصنائع الحكمية لا من عالم ندر لعل جميع ما يحدث من حكم الحيوان وتدابيرهم وصنائعهم يحدث منهم وهم غير عالمين ؛ فلما استحال ذلك دل على أن الصنائع المحكمة لا تحدث الا من عالم . كذلك لا يجوز أن تحدث الصنائع الا من قادر حي ؛ لأنه لو جاز حدوثها ممن ليس بقادر ولا حي لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى ؛ فلما استحال ذلك دلت الصنائع على أن الله حي قادر. مسألة فان قال قائل : لم قلتم ان الله سميع بصير؟ قيل له : لأن الحى اذا لم يكن موصوفا بآفة تمنعه من ادراك المسموعات والمبصرات اذا وجدت فهو سميع بصير. فلما كان الله تعالى حيا لا تجوز عليه الآفات من الصمم والعمى وغير ذلك اذ كانت الآفات تدل على حدوث جازت عليه صح أنه سميع بصير. مسألة فان قال : أتقولون ان الله تعالى لم يزل عالما قادرا سميعا بصيرا؟ قيل له : كذلك نقول. فان قال : فما الدليل على ذلك؟ قيل له : الدليل على ذلك أن الحى اذا لم يكن عالما كان موصوفا بضد العلم من الجهل أو الشك أو الآفات فلو كان البارى تعالى لم يزل حيا غير عالم لكان (لم يزل) موصوفا بضد العلم. ولو كان (لم يزل) موصوفا بضد العلم من الجهل أو الشك أو الآفات لاستحال أن يعلم ؛ لأن ضد العلم لو كان قديما لاستحال أن يبطل ، واذا استحال أن يبطل ذلك لم يجز أن يصنع الصنائع الحكمية. فلما صنعها ودلت على أنه عالم صح وثبت أنه لم يزل عالما ؛ اذ قد استحال أن يكون لم يزل بضد العلم موصوفا. وكذلك لو كان لم يزل حيا غير قادر لوجب أن يكون لم يزل عاجزا موصوفا بضد القدرة. ولو كان عجزه قديما لاستحال أن يقدر وأن تحدث الأفعال منه. وكذلك لو كان لم يزل حيا غير سميع ولا بصير لكان لم يزل موصوفا بضد السمع من الصمم والآفات ، وبضد البصر من العمى والآفات ، ومحال جواز الآفات على البارى ، لأنها من سمات الحدث ، فدل ما قلناه على أن الله تعالى لم يزل عالما قادرا سميعا بصيرا. مسألة فان قال قائل : لم قلتم ان للبارى تعالى علما به علم قيل له : لأن الصنائع الحكمية كما لا تقع منا الا عالم كذلك لا تحدث منا الا من ذى علم ، فلو لم تدل الصنائع على علم من ظهرت منه منا لم تدل على أن من ظهرت منه منا فهو عالم ، فلو دلت على أن البارى تعالى عالم قياسا على دلالتها على (أنا علماء) ولم تدل على أن له علما قياسا على دلالتها على أن لنا علما لجاز لزاعم أن يزعم أنها تدل على علمنا ولا تدل على أنا علماء. واذا لم يجز هذا لم يجز ما قاله هذا القائل.

Bölüm V01/P027–V01/P031

فان قال ؛ فما أنكرتم أن لا تدل الأفعال الحكمية على علم العالم منا ، كما دلت على أنه عالم ؛ لأنه ليس معنى العالم منا أن له علما ؛ لأنه قد يعلم العالم منا عالما من لا يعلم أن له علما؟ قيل له : ان جاز لك أن تزعم هذا جاز لغيرك أن يزعم أن الأفعال الحكمية تدل على أن لى علما بها ولا تدل على أنى عالم ؛ لأنه ليس معنى العالم أن له علما لأنه قد يعلم الانسان منا أن له علما من لا يعلمه عالما . وأيضا الناسى . وأيضا هذه الدعوى عندى فاسدة. وذلك أن معنى العالم عندى أن له علما ، ومن لم يعلم لزيد علما لم يعلمه عالما. فان قال قائل : فما أنكرتم من أن يدل الفعل الحكمى على أن للانسان علما هو غيره كما قلتم انه يدل على علم؟ قيل له : ليس اذا دل الفعل الحكمى على أن للانسان علما دل على أنه غيره ، كما ليس اذا دل على أنه عالم دل على أنه متغاير على وجه من الوجوه ، وأيضا فان معنى الغيرية جواز مفارقة أحد الشيئين للآخر على وجه من الوجوه فلما دلت الدلالة على قدم البارى تعالى وعلمه استحال أن يكونا غيرين. وأيضا فلو جاز لزاعم أن الفعل الحكمى يدل على أن العالم عالم ثم يعلم علمه بعد ذلك لجاز لزاعم أن يزعم أن الفعل الحكمى يدل على أن العلم علم ثم يعلم أنه لعالم بعد ذلك ، واذا لم يجز هذا وتكافأ القولان وجب أن تكون الدلالة على أن العالم دلالة على العلم. فان قال قائل : من أنه انما يدل الفعل الحكمى على علم العالم لأنه ممن يجوز أن يموت ويجهل. قيل له : لو جاز هذا لقائله لجاز لزاعم أن يزعم أن الفعل الحكمى يدل أن العالم عالم لأنه ممن يجوز أن يموت ويجهل. ومما يبطل قول من قال ان دلالة الفعل الحكمى على علم العالم منا دلالة على أنه غير العالم وأنه محدث أن العالم للعلم ما كان عالما لا للغيرية ولا للحدث ، فوجب أن تكون الدلالة على أن العالم عالم دلالة على العلم ، ولم يكن العلم علما لأنه غير العالم ، ولا لأنه محدث لوجود غير ليس بعلم ومحدث ليس بعلم ، فلم يجب أن تكون الدلالة على أن العلم علم دلالة على أنه محدث أو أنه غير العالم. وأيضا فلو جاز لزاعم أن يزعم أن الدلالة على أن العلم علم دلالة على حدثه أو دلالة على أنه غير العالم لزاعم أن يزعم أن الدلالة على أن العالم (عالم) دلالة على حدثه وأنه متغاير فى ذاته. والدليل على أن لله تعالى قدرة وحياة كالدليل على أن لله تعالى علما. وقد قال جل ذكره : ( 02 أنزله بعلمه ) وقال : ( 08 وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) فثبت العلم لنفسه وقال تعالى : ( 010 أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) فثبت القوة لنفسه. ومما يدل على أن الله تعالى عالم بعلم أنه لا يخلو أن يكون الله تعالى عالما بنفسه أو بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه. فان كان عالما بنفسه كانت نفسه علما ، لأن قائلا لو قال : ان الله تعالى عالم بمعنى هو غيره لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى علما ، ويستحيل أن يكون العلم عالما ، أو العالم علما ، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات ألا ترى أن الطريق الذي يعلم (به) أن العلم علم أن العالم به علم لأن قدرة الانسان التى لا يعلم بها لا يجوز أن يكون علما. فلما استحال أن يكون البارى تعالى علما استحال أن يكون عالما بنفسه فاذا استحال ذلك صح أنه عالم يستحيل أن يكون هو نفسه.

Bölüm V01/P031–V01/P035

فان قال قائل : ما أنكرتم أن يكون البارى سبحانه عالما لا بنفسه ولا بمعنى يستحيل أن يكون هو نفسه. قيل له : لو جاز هذا لجاز أن يكون قولنا «عالم» لم يرجع به الى نفسه ولا الى معنى ولم يثبت به نفسه ولا معنى يستحيل أن يكون هو نفسه ، واذا لم يجز هذا بطل ما قالوه. وهذا الدليل يدل على اثبات صفات الله تعالى لذاته كلها : من الحياة ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، وسائر صفات الذات . باب الكلام فى القرآن والإرادة أن قال قائل : لم قلتم أن الله تعالى لم يزل متكلما وان كلام الله تعالى غير مخلوق؟ قيل له : قلنا ذلك لأن الله تعالى قال : ( 010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فلو كان القرآن مخلوقا لكان الله تعالى قائلا له : «كن» والقرآن قوله ، ويستحيل أن يكون قوله مقولا له ، لأن هذا يوجب قولا ثانيا ، القول فى القول الثانى وفى تعلقه بقول ثالث كالقول فى الأول وتعلقه بقول ثان وهذا يقتضي ما لا نهاية له من الأقوال وهذا فاسد. واذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن (3 كتاب اللمع) مخلوقا ولو جاز أن يقول لقوله لجاز أن يريد ارادته ، وذلك فاسد عندنا وعندهم ، واذا بطل هذا استحال أن يكون مخلوقا. فان قال قائل : ما أنكرتم أن يكون معنى قوله تعالى : ( 05 أن نقول له كن فيكون ) أى نكونه فيكون من غير أن (يقول له فى الحقيقة شيئا) قيل له قال الله تعالى : ( 010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فلو جاز لقائل أن يقول لم يكن الله تعالى قائلا لشيء فى الحقيقة ( 01 كن ) وانما المعنى أن تكون فيكون ، لجاز لزاعم أن الله تعالى لا يريد شيئا. وانما معنى «أردناه» فعلناه من غير أن تكون إرادة) على وجه من الوجوه. فان قال قائل أن يكون معنى أن الله تعالى أراد الشيء أنه فعله وهو مريد له فى الحقيقة بمعنى أنه فاعل له؟ قيل له : لو جاز هذا لقائله لجاز لزاعم أن يزعم أن الله عز وجل قائل للشيء فى الحقيقة ( 01 كن ) ويزعم أن معنى ذلك أنه يكونه فيثبت الله قولا فى الحقيقة هو المقول له ، كما زعمتم أن لله تعالى إرادة فى الحقيقة هى مراده ، ولو جاز لزاعم أن يزعم هذا جاز الآخر أن يقول أن علم الله تعالى بالشيء هو فعله له. فان قال قائل : أليس قد قال الله تعالى ( 04 جدارا يريد أن ينقض ) ولا إرادة للجدار فى الحقيقة وانما قال «يريد» توسعا. والمعنى أنه ينقض قيل له نعم فان قال : فما أنكرتم أن يكون معنى ( 01 أن 03 نقول له كن ) أى نكونه فيكون؟ قيل له : الفرق بين ذلك الجماد يستحيل مع جماديته أن يكون مريدا والبارى تعالى فى الحقيقة لا يستحيل عليه أن يريد أو يقول ، فلذلك لم يكن قوله : ( 05 أن نقول له كن فيكون ) بمعنى فكونه. وأيضا فلو كان قوله : ( 03 أن نقول له ) ليس معناه اثبات قول له وانما معناه أن نكونه كما أن قوله «جدارا يريد أن ينقض» معناه أن ينقض ، لجاز لزاعم أن يزعم أن (معنى) قوله «أردناه» : فعلناه ، وهو فى الحقيقة لا يريد فعله. كما أن قوله : «جدارا يريد أن ينقض» معناه أنه ينقض ، وهذا أولى فى حقيقة القياس ، واذا لم يجب هذا لم يجب ما قاله . ويقال لهم : اذا كان معنى أن الله تعالى أراد فعل الشيء أنه

Bölüm V01/P035–V01/P038

فعله ومعنى أراد حركة الشيء أنه حركه ، فما أنكرتم أن يكون الجماد فى الحقيقة مريدا لحركة نفسه بمعنى أنه متحرك ، وأن لا يكون للبارى تعالى على الجماد مزية فى الإرادة ، وأن لا يكون له مزية على من وقع فعله وهو غير مريد له لأنه قد حصل له معنى فاعل كما حصل للبارى تعالى معنى فاعل. فان قال : فما معنى قوله تعالى : ( 03 قالتا أتينا طائعين ) قيل له : معنى ذلك أنهما قالتا فى الحقيقة : ( 02 أتينا طائعين ). ومما يدل من القياس على أن الله تعالى لم يزل متكلما أنه لو كان لم يزل غير متكلم وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام لكان موصوفا بضد الكلام ولكان ضد الكلام قديما ولو كان ضد الكلام قديما لاستحال أن يعدم وأن يتكلم البارى ، لأن القديم لا يجوز عدمه كما لا يجوز حدوثه ، فكان يجب أن لا يكون البارى قائلا ولا آمرا ولا ناهيا على وجه من الوجوه وهذا فاسد عندنا وعندهم ، واذا فسد هذا صح وثبت أن البارى لم يزل متكلما قائلا. فان قال قائل : ولم زعمتم أنه لو كان لم يزل غير متكلم لكان موصوفا بضد الكلام قيل له لأن الحى؟ اذا لم يكن موصوفا بالكلام كان موصوفا بضده ، كما أنه اذا لم يكن موصوفا بالعلم كان موصوفا بضده ، وذلك أن الحى فيما بيننا ذلك حكمه ولم تقم دلالة على حي يخلو من الكلام وأضداده فى الغائب كما لم تقم دلالة على حي يخلو من العلم وأضداده حتى يكون لا موصوفا بأنه عالم بضد العلم ، فقد اجتمع الأمر فيهما : أنه مستحيل فيما بيننا حي غير (عالم ولا موصوف بضد العلم ، وأنه مستحيل فيما بيننا حي غير متكلم ولا موصوف بضد الكلام ، وأنه لم يقم على ذلك دلالة فى الغائب. فلو جاز أحد الأمرين وهو حي غير متكلم ولا موصوف بضد الكلام لجاز الأمر الآخر وهو حي غير عالم ولا موصوف بضد العلم. وأيضا فأنه يستحيل فيما بيننا عالم يوصف بضد العلم مع علمه ، ومتكلم يوصف بضد الكلام مع كلامه ، فلما اجتمعا فى الاحالة وجب أن يكون من جوز متكلما فى الغائب يوصف بضد الكلام مع كلامه ، كمن جوز عالما فى الغائب يوصف بضد العلم مع علمه ، فكذلك يجب أيضا لما استحال فيما بيننا حي غير عالم ولا موصف بضد العلم ، وجب أن يستحيل فيما بيننا حي غير متكلم ولا موصوف بضد الكلام (و) أن يستحيل ذلك فى الغائب ، ووجب أن يكون من جوز أحد الأمرين فى الغائب كمن جوز الأمر الآخر. وهذا هو الدليل على أن الله تعالى لم يزل مريدا ، وذلك أن الحى اذا كان غير مريد لشيء أصلا وجب أن يكون موصوفا بضد من أضداد الارادات كالسهو والكراهة والايناء والآفات ، كما وجب أن الحى اذا كان غير عالم بشيء أصلا (كان) موصوفا بضد من أضداد العلوم كالجهل والسهو والغفلة أو الموت وما أشبه ذلك من الآفات فلما استحال أن يكون البارى تعالى لم يزل موصوفا بضد الإرادة لأن هذا يوجب أن لا يريد شيئا على وجه من الوجوه ، وذلك أن ضد الإرادة اذا كان البارى تعالى لم يزل موصوفا به يوجب قدمه ومحال عدم القديم ، كما محال حدوث القديم ، فاذا استحال عدمه وجب أن لا يريد البارى شيئا ويقصد فعله على وجه من الوجوه وذلك فاسد. فاذا فسد هذا صح وثبت أن البارى تعالى لم يزل مريدا. فان قال قائل : لم قلتم اذا كان من لم يزل غير متكلم ولا مريد وجب أن يكون موصوفا بضد الإرادة والكلام اذا كان ممن لا يستحيل عليه الكلام والإرادة ، فما أنكرتم من أنه من لم يزل غير فاعل وجب أن يكون موصوفا بضد الفعل وأن يكون تاركا فيما لم يزل؟

Bölüm V01/P038–V01/P042

قيل له : لا يجب ما قلته ، وذلك أن الكلام ضد أليس بكلام ، وللارادة ضدا ليس بإرادة ، فوجب لو كان البارى تعالى حيا غير متكلم ولا مريد أن يكون موصوفا بضد الكلام والإرادة وليس للفعل ضد ليس بفعل ، فيجب بنفى الفعل عن الفاعل وجود ضده لأن الموجود اذا لم يكن فعلا كان قديما ، والقديم لا يضاد المحدثات فلما لم يكن للفعل ضد ليس بفعل لم يجب بنفى الفعل عن الله تعالى فى أزله اثبات ضد ، ولما كان للكلام ضد ليس بكلام وجب بنفى الكلام عن الله تعالى فى أزله اثبات ذلك الضد لا محالة. فان قال : فيجب اذا كان القديم غير فاعل فيما لم يزل أن يكون عاجزا أو تاركا قيل له فليس العجز مضادا للفعل. وذلك أنه ليس من جنس من أجناس الفعل من حركة وسكون وغيرهما من سائر الأغراض لا وقد يجوز أن يخلقه الله مع العجز ، فعلمنا بذلك أن العجز لا يضاد الفعل ، لأن الأجسام والجواهر من أفعال الله تعالى ، فعلمنا أن العجز لا يضاد الفعل ، لأن عجزى لو ضاد فعلى للحركة لكان تضاد وقوع الحركة من ربى فى جسمى. ألا ترى أنه اذا استحال أن أفعل فى علما مع الموت استحال أن يفعل ربى فى مع الموت علما ، فلما لم يكن العجز مضادا للفعل وانما يضاد القدرة وكان الترك للشيء فعل ضد ، كان البارى تعالى لم يزل غير فاعل لشيء أصلا ، ولم يجب بنفى الفعل عنه فى أزله عجز ولا ترك . وأيضا فان الحى اذا كان غير متكلم ولا مريد وجب أن يكون موصوفا بضد الإرادة والكلام ، وليس اذا كان غير فاعل لشيء يجب اثبات ضد هو عجز أو ترك اذ كان عجز الانسان لا يضاد فعله فلم يجب بنفى الفعل عن الله تعالى فى أزله اثبات ترك أو عجز ، كما وجب فى نفى الكلام والإرادة عنه فى أزله اثبات أضدادهما. فان قال : فيجب بنفى الحركة عن الله تعالى فى أزله أن يكون ساكنا. قيل : لو كان ممن يجوز أن يتحرك لوجب لعمرى بنفى الحركة عنه أن يكون ساكنا كما يجب بنفى الكلام والإرادة عنه فى أزله اثبات أضدادهما ، اذ كان ممن لا يستحيل ذلك عليه. فان قال : فيجب بنفى التفضل عنه فيما لم يزل أن يكون بخيلا. قيل له : التفضل هو ما للمتفضل أن يتفضل به وله أن لا يتفضل به ، والبخل انما يجب بمنع مستحق استحق على من بخل ، والبارى تعالى لا يجب عليه فعل شيء . فان قال : فيجب بنفى العدل عنه فى أزله أن يكون جائزا أو عاجزا قيل له : ليس يجب بنفى العدل ضد هو عجز أو جور ، لأنه ليس من جنس من أجناس العدل الا ويجوز أن يفعله الله تعالى فينا مع العجز فلم يجب بنفى العدل اثبات ضد هو عجز ، ولم يجب أيضا اثبات الجور لأن الانسان قد لا يكون عادلا اذا لم يكن منه عدل كسبه ولا فعله ولا يكون جائزا ، فليس من نفينا عنه العدل أثبتنا له ضدا هو جور أو عجز ، اذ كنا قد ننفى ذلك عنا ، ولا نثبت ضدا هو عجز أو جور والحى منا ومن غيرنا اذا لم يكن عالما كان موصوفا بضد العلم ، وأيضا فقد لا يكون الانسان عادلا ولا يكون جائزا بجور من جنس العدل فليس يجب بنفى العدل ضد هو جور كما وجب فى الكلام والإرادة لأن الانسان قد يكون عادلا بالكون فى المكان اذا أمره الله تعالى أن يكون فيه ، ويكون فى وقت آخر جائزا بالكون فيه اذا نهاه الله تعالى عن الكون فيه ، فيكون العدل من جنس الجور ، لأن الكون فى المكان من جنس الكون فيه.

Bölüm V01/P042–V01/P045

فان قال : ما أنكرتم اذا لم يكن البارى تعالى محركا فى أزله أن يكون مسكنا. قيل له : لا يخلو قولك ... «اذا لم يكن محركا أن يكون مسكنا» (أن) تعنى اذا كان لم يزل غير محرك لنفسه أن يكون مسكنا لها ، أو تعنى اذا لم يكن محركا لجسم كان مسكنا له. فان عنيت ان لم يحرك نفسه كان مسكنا لها فهذا خطأ ، لأن يستحيل أن يحرك نفسه. ونحن لم نقل اذا لم يتكلم من يستحيل كلامه كان موصوفا بضد الكلام وان عنيت اذا لم يكن محركا فيما لم يزل لجسم كان مسكنا له فليس مع الله تعالى فى قدمه أجسام فيجب اذا لم يحركها أن يسكنها ، وما لم يكن موجودا يستحيل تحركه ، فليس اذا لم يحرك ما يستحيل حركته وجب أن يسكنه. مسألة فان قال : القادر منا على الكلام فى حال قدرته عليه قد خلا من الكلام وأضداده. فهذا ضرب من الخلاف ؛ لأن القادر منا على الكلام فى حال قدرته عليه متكلم لا محالة ، وسندل على ذلك بعد هذا الموضع من كتابنا . على أنا نقول له : ما أنكرت أن يكون القادر على العلم قد خلا من العلم وأضداده. فان قال : القادر على العلم قد خلا من العلم وأضداده اللذين يقدر عليهما ولا يخلو من علم آخر أو ضده قيل له : فقل أن القادر على الكلام وضده يخلو منهما ولا يخلو من كلام آخر أو ضده لا يقدر عليهما. ودليل آخر على أن الله تعالى لم يزل متكلما أن الكلام لا يخلو أن يكون قديما أو حديثا . فان كان محدثا لم يخل أن يحدثه فى نفسه أو قائما بنفسه أو فى غيره ، فيستحيل أن يحدثه فى نفسه لأن ليس بمحل للحوادث ، ويستحيل أن يحدثه قائما بنفسه لأنه صفة والصفة لا تقوم بنفسها ويستحيل أن يحدثه فى غيره ، لأنه لو أحدثه فى غيره لوجب أن نشق لذلك الجسم الذي فيه الكلام من أخص أوصاف الكلام اللازم له لنفسه اسما ، وللجملة التى المحل منها اسماء فان كان أخص أوصاف الكلام أنه كلام وجب أن يكون ذلك الجسم متكلما ، وان كان أخص أوصافه أنه أمر وجب أن يكون ذلك الجسم آمرا ، وكذلك ان كان أخص أوصافه أنه نهى وجب أن يكون ذلك الجسم ناهيا. فلما استحال أن يتكلم بكلام الله غيره ويأمر بأمره غيره وينهى بنهيه غيره ، استحال أن يحدث كلاما فى غيره فيكون به متكلما ، واذا فسدت الوجوه التى لا يخلو الكلام منها لو كان محدثا صح أنه قديم وأن الله تعالى لم يزل به متكلما. فان قال : أفليس قد يحدث الله تعالى فى غيره فعلا وتفضلا ونعمة واحسانا ورزقا فيكون فاعلا منفضلا منعما محسنا رازقا فما أنكرتم أن يحدث فى غيره كلاما يكون به متكلما؟ قيل له : لو لزم هذا لزم أن يعلم ويقدر بعلم وقدرة يحدثهما فى غيره كما يتفضل وينعم ويحسن فيما يحدثه فى غيره تفضلا ونعمة واحسانا ورزقا. فان لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه . وأيضا فان الله تعالى اذا أحدث فى غيره تفضلا ونعمة وفعلا واحسانا ورزقا كان ذلك الجسم موصوفا بأخص أوصاف الفعل والتفضل والرزق والنعمة والاحسان ، لأنه ان كان التفضل والنعمة والاحسان والفعل قوة لا بد أن يكون ذلك الجسم قويا. وكذلك ان كان علما أو حياة أو إرادة أو سمعا أو بصرا ، فيجب اذا أحدث كلاما فى غيره أن يشتق كذلك العين من أخص أوصاف الكلام ، فلما لم يجز ذلك بطل أن يكون الكلام مقياسا على ما قلتم من أن الله تعالى يحدث كلاما فى غيره كما يحدث فعله وتفضله ونعمه واحسانه فى غيره.

Bölüm V01/P045–V01/P049

فان قالوا : أفليس قد يحدث الله تعالى كتابة فى غيره ولا يكون الشيء الذي قامت به الكتابة كاتبا؟ قيل لهم ان أحدث الله تعالى فى غيره كتابة ضرورة كان ذلك الغير كاتبا باضطرار. وكذلك ان كانت الكتابة كسبا كان ذلك الغير كاتبا باكتساب. فيجب اذا أحدث الله تعالى كلامه فى غيره أن يكون ذلك الغير متكلما بكلام الله وهذا الدليل على قدم الكلام هو الدليل على قدم الإرادة لله تعالى ، لأنها لو كانت محدثة لكانت لا تخلو من أن يكون يحدثها فى نفسه ، أو فى غيره ، أو قائمة بنفسها ، فيستحيل أن يحدثها (فى نفسه ، لأنه ليس بمحل للحوادث. ويستحيل أن يحدثها) قائمة بنفسها ، لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها ، كما لا يجوز أن يحدث علما وقدرة قائمين بأنفسهما. ويستحيل أن يحدثها فى غير ، لأن هذا يوجب أن يكون ذلك الغير مريدا بإرادة الله تعالى ، فلما استحالت هذه الوجوه التى لا تخلو الإرادة منها لو كانت محدثة ، صح أنها قديمة ، وأن الله لم يزل مريدا بها. باب الكلام فى الإرادة وانها تعم سائر المحدثات فان قال قائل : لم قلتم ان الله تعالى مريد لكل شيء يجوز أن يراد؟ قيل له : لأن الإرادة اذا كانت من صفات الذات بالدلالة التى ذكرناها وجب أن تكون عامة فى كل ما يجوز أن يراد على حقيقته كما اذا كان العلم من صفات الذات وجب عمومه لكل ما يجوز أن يعلم على حقيقته . وأيضا فقد دلت الدلالة على أن الله تعالى خالق كل شيء حادث ولا يجوز) أن يخلق ما لا يريده. وقد قال الله تعالى ( 03 فعال لما يريد ) . وأيضا فانه لا يجوز أن يكون فى سلطان الله تعالى ما لا يريده ؛ لأنه لو كان فى سلطان الله تعالى ما لا يريده لوجب أحد أمرين : اما اثبات سهو وغفلة ، أو اثبات ضعف وعجز ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده. فلما لم يجز ذلك على الله تعالى استحال (أن) يكون فى سلطانه ما لا يريده. فان قال : ولم زعمتم ذلك؟ قيل له : زعمنا ذلك لأن المراد اذا وقع لم يلحق من وقع مراده ضعف ولا تقصير عن بلوغ ما يريده بوقع المراد فوجب أن يلحقه الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده اذا لم يقع مراده ألا ترى أن من وقع ما يعلمه لم يلحقه جهل ولا ضد من أضداد العلم بذلك الشيء اذا وقع وهو يعلمه ، فدل ذلك على أنه اذا لم يقع وهو لا يعلمه وجب جهله أو وصفه بضد من أضداد العلم. وكذلك اذا كان ما يريده لم يجب سهوه ولا ضعفه ولا وهنه ولا تقصيره عن بلوغ ما يريده ، واذا كان ما لا يريده وجب سهوه أو ضعفه ووهنه وتقصيره عن بلوغ ما يريد. وأيضا اذا كان فى كون ما لا يريده من أفعاله التى اجتمعنا على أنها أفعاله وجوب السهو والغفلة والوهن والتقصير عن بلوغ ما يريده ، فكذلك يلزم فى كون ما لا يريده من غيره ما يلزم فى كون ما لا يريده مما اتفقنا على أنه من أفعاله. ألا ترى أنه اذا لزم من زعم أنه يكون من أفعال الله ما لا يعلم أن يصفه بالجهل أو بضد من أضداد العلوم لزم مثل ذلك (4 كتاب اللمع)

Bölüm V01/P049–V01/P052

من زعم أنه يكون من غيره ما لا يعلمه وكذلك اذا لزم من زعم أن لله يخبر أنه يكون من فعله ما لا يكون التكذيب لله ، لزم من زعم أن الله تعالى يخبر أنه يكون من غيره ما لا يكون التكذيب ، لا فرق فى ذلك بين ما اتفقنا على أنه فعله وبين ما يكون من غيره. وكذلك اذا لزم فى كون ما لا يريده البارى تعالى من فعله ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده ، أو سهو وغفلة ، لزم ذلك فى كون ما لا يريده من غيره وأيضا فقد دلت الدلالة على أن كل المحدثات مخلوقات لله تعالى ، فاذا استحال أن يفعل البارى تعالى ما لا يريده استحال أن يقع من غيره ما لا يريده ؛ اذ كان ذلك أجمع أفعالا لله تعالى. وأيضا فلو كان فى العالم ما لا يريده الله تعالى لكان ما يكره كونه ، ولو كان ما يكره كونه لكان ما يأبى كونه ، وهذا يوجب أن المعاصى كانت شاء الله أم أبى . وهذه صفة الضعيف المقهور ، وتعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا. فان قال قائل : خبرونا عن ملك من ملوك الدنيا أو مر برجل مقعد زمن أعمى فشتمه والملك لا يريد شتمه ، أتقولون ان الملك يلحقه فى ذلك ضعف ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده اذا أراد أن لا يشتمه فشتمه؟ قيل له : أجل ، ولو يكن ما أراد الزمن من شتمه وكان ما أراده الملك من مدحه اياه كان ذلك أولى بزوال الضعف والوهن عنه ، على أن الملك اذا لم يرد شتم الأعمى المقعد له فقد كره شتمه إياه وأبى ذلك ، وقد كان شتمه ، شاء ذلك الملك أو أباه وهذه صفة الضعف والوهن. أيضا : فان من اذا أراد منا أمرا كان واذا لم يرد كونه لم يكن فهو أولى بصفة الاقتدار ممن يريد كون ما لا يكون وأن لا يكون ما يكون ورب العالمين لا يوصف الا بالوصف الذي هو أولى بصفة الاقتدار. فان قال قائل : من اذا أراد أمرا كان واذا لم يرده لم يكن ، وانما يكون اقتداره بمن يتبعه ويعينه ويكون ضعفه لقلة أنصاره وأتباعه ، ورب العالمين لا يتكثر بأحد. يقال لهم : فما أنكرتم ان كان هذا على ما تدعون أن يكون من أراد من فعله كون ما لا يكون وأن لا يكون (ما يكون) فهو أولى بصفة الاقتدار ممن يريد كون ما يكون وأن لا يكون ما لا يكون (لأنه) انما يصح وصفه بالاقتدار لأنه ممن يتكثر يفعله ، ويجب اقتداره بمن ينصره وضعفه بمن يقعد عنه. ويقال لهم : لم زعمتم أن من أراد منا كون ما يكون انما يصح وصفه بالاقتدار لأنه ممن يقوى بكثرة من يتبعه ويضعف بكثرة من يقعد عنه؟ فان قالوا : لأن هذا فيما بيننا هكذا قيل (لهم) : وكذلك انما يدل الفعل الحكمى على أن من ظهر منه عالم قادر لأنه ممن يعلم بعلم ويندر بقدرة ؛ لأنا كذلك وجدنا فيما بيننا من دلت الأفعال الحكمية على أنه عالم قادر ، فما أنكرتم من أنه واجب على اعتلالكم أن لا تدل الأفعال الحكمية على أن البارى تعالى قادر عالم. وكذلك يعارضون بأن الأفعال الحكمية تدل على أن من ظهرت منه عالم قادر ؛ لأنه ممن له علم وقدرة من أجل أن ذلك فيما بيننا كذلك.

Bölüm V01/P052–V01/P055

فان قال قائل : ما أنكرتم أن لا يلحق البارى الضعف والوهن والتقصير عن بلوغ ما يريده لأنه يقدر أن يلجئ عباده الى ما أراد كونه منهم. قيل له : ان البارى تعالى انما أراد كون الايمان منهم على أصلك ، بأن يقع ذلك منهم طوعا يستحقون عليه الثواب ، واذا ألجأهم إليه لم يكونوا عندك طائعين ، ولا للثواب مستحقين (فكما يجب بكون ما لا يزيده) الضعف والوهن والتقصير عن بلوغ ما يريده لو لم يوصف بالقدرة على أن يلجئهم الى ذلك ، كذلك يجب له الضعف والوهن والتقصير عن بلوغ ما يريده اذا أراد كونه على وجه لا يوصف بالقدرة على وقوعه على ذلك الوجه. وأيضا فأنه يلزم القدرية : اذا كان من قدر أن يؤمن قدر أن يكفر ، أن لا يكون البارى تعالى موصوفا بالقدرة على الأمر الذي لو فعله لأصبحوا مؤمنين لا محالة ، (لأنهم) يقدرون عندهم على أن يكفروا عند نزول الآيات الملجئات كما يقدرون أن يؤمنوا قبل ذلك ، ومن قدر على الكفر عند نزول الآية لم يؤمن وقوعه منه. وأيضا فلو كان يقع من الانسان ما لا يريد البارى سبحانه ولا يلحق البارى بذلك وهن ولا ضعف لأنه قادر أن يلجئهم إليه لجاز أن يقع من البارى سبحانه من أفعاله ما لا يريده ولا يلحقه ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده ، لأنه قادر على ايقاعه وتكوينه فان لم يجب هذا ولزم يكون ما لا يريده من فعله الضعف والوهن ، لزم ذلك فى فعل عباده. فان قال قائل : ما أنكرتم أن يكون كون ما لا يريده الانسان من فعله يوجب وقوع ذلك عن (سهو أو عن ضعف ووهن) وليس يلزم ذلك فى كون ما لا يريده من فعل غيره فوجب مثل ذلك فى القديم أيضا قيل له : ليس الأمر كما ظننت ، بل القصة فيما يكون من الانسان ومن غيره واحدة ، وذلك أن الانسان اذا كان من فعله ما لا يريده فأما أن يكون ذلك عن سهو أو عن ضعف ووهن أو تقصير عن بلوغ ما يريده وكذلك القول فيما يكون من غيره لأنه ان لم يكن ذلك عن سهو واجب أن يكون عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده ، وذلك أن العلة التى لها لزم الانسان اذ كان عالما بما وقع منه وهو غير مريد له الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده أن مراده لم يقع وأنه لم يرده ، لأنه لو كان ما يريده لم يلحقه ضعف ولا وهن فاذا لم يقع فانما لحقه الوهن والتقصير عن بلوغ ما يريده من أجل أنه وقع منه وهو عالم به غير مريد له واذا كانت العلة ما ذكرنا وجب أيضا مثل ذلك فيما يقع من غيره وهو لا يريده ، لأنه اذا كانت العلة التى لها وجب أن يوصف الانسان بضد العلم فى وقوع ما يقع منه أنه وقع منه وهو لا يعلمه ، فكذلك قصة ما يقع من غيره وهو لا يعلمه ، اذا كانت العلة فى ذلك واحدة. وكذلك القول فى الإرادة (وأيضا فأنه) اذا كان من غيره ما لا يريده فقد كرهه كونه فقد أباه وهذا يوجب أن الشيء كان شاء أم أبى وهذه صفة الضعف والوهن.

Bölüm V01/P055–V01/P058

فان قالوا : ما أنكرتم من أن الذي يجب فى كون ما لا يريده البارى تعالى من عباده أن يكون كارها لذلك فقط ولا يجب فى ذلك ضعف ولا وهن قيل لهم بل وقوع ذلك منه هو كاره له يوجب الضعف والوهن لا محالة. لأنه اذا كان ما كره كونه ، كان ما أبى كونه واذا كان ما أبى فقد كان الشيء ، شاء أم أباه. وهذا يوجب أن الشيء كان ، شاء الله تعالى ذلك أم أباه ، وهذه صفة الضعف وأيضا فان المعتزلة رجلان : أحدهما يقول : ان إرادة الله تعالى فى أفعال عباده الأمر بها. والآخر يقول : ارادته فى أفعال عباده خلف غير الأمر بها فمن ذهب الى أنها الأمر لزمه اذا لم يكن البارى آمر بأفعال الأطفال والمجانين أن يكون كارها لها ، اذ كان يجب بنفى الإرادة لأفعال العباد الكراهة لها والله لا يكره الا معصية ، كما لا ينهى الا عن معصية واذا لم يكن هذا عندهم هكذا أبطل ما قالوه. وأيضا فاذا كان يلزم فيما جاز الأمر به اذا لم يأمر به أن يكون له كارها لزم من كان فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وجاز عنده أن ينزل النهى عن المباح الذي ليس بطاعة أن يكون اذا لم يرد من الله تعالى الأمر به قد كره ، وهذا يوجب أن كل مباح معصية ومن ذهب الى القول الثانى وهو قول الجبائى ان إرادة الله تعالى لأفعال عباده هى غير الأمر بها يقال له : اذا كان يجب بنفى الادارة لأفعال عباده الكراهة فحدثنا هل أراد الله كون الأفعال التى ليست بمعاص ولا طاعات فان قال : نعم. قيل له : يلزمك أن تكون طاعة ، لأن الطاعة عندك انما كان طاعة للمطاع (لأنه أرادها) فان قال : لم يردها. قيل له : فيلزمك أنه كاره لكونها ، وهذا يوجب أن تكون معصية ، لأن ما كرهه الله سبحانه فهو معصية ، كما أن ما نهى عنه فهو معصية عندكم. ويقال لهم : اذا كان نفى الإرادة يوجب اثبات كراهة فيلزمكم اذا كان (الله تعالى لم يزل) غير مريد لشيء بتة أن يكون لم يزل كارها ، اذا كان نفى الإرادة يوجب اثبات الكراهة. مسألة ويقال للمعتزلة : لم زعمتم أنه لا يريد السفه الا سفيه ؟ فان قالوا : لأن مريد السفه منا سفيه. يقال لهم : فكذلك من أراد منا ما يعلم أنه لا يكون ، أو يغلب عنده أنه لا يكون ، فهو متمن فاقضوا بذلك على الله تعالى اذ زعمتم أنه أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون. ويقال لهم وكذلك أيضا من خلى بين عبيده وإمائه يزنى بعضهم ببعض وهو يراهم وهو لا يعجز عن التفريق بينهم مع كراهته الزنا على أصولكم ، وقد نهاهم قبل ذلك عن الزنا فهو سفيه ، فاقضوا بذلك على الله تعالى والا كنتم مناقضين فان قالوا : لو جاز أن يريد السفه من ليس بسفيه لجاز أن يقول الكذب من ليس بكاذب يقال لهم : ما الفرق بينكم وبين من قال ولو جاز أن يريد ما علم أنه لا يكون من ليس بمتمن ويخلى بين عبيده وإمائه يزنى بعضهم ببعض مع كراهته الزنا عندكم وقدرته على المنع والحيلولة من ليس بسفيه لجاز أن يقول الكذب من ليس بكاذب ، وهذا ما لا يجدون فيه فرقا. ويقال لهم : كما أن مريد السفه منا سفيه. فكذلك مريد الطاعة منا مطيع. فاقضوا بذلك على الغائب.

Bölüm V01/P058–V01/P061

ومما يبين أن الله تعالى مريد لكل شيء يجوز أن يراد ، قول الله تعالى ( 06 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) فأخبر أنا لانشاء الا ما شاء أن نشاءه وقال تعالى : ( 09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) وقال ( 06 ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) وقال تعالى : ( 05 ولو شاء ربك ما فعلوه ) وقال : ( 010 ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) فأخبر أنه لو لم يرد القتال لم يكن وأن ما أراد من ذلك فقد فعله فان قالوا معنى هذا لو شاء الله ما اقتتلوا : أى لو شاء أن يمنعهم من القتال لم يكن يقال لهم ولم لا حملتم الآية على ظاهرها وقلتم على أى وجه شاء أن لا يكون القتال لم يكن. وكذلك المطالبة عليهم فى قول الله تعالى : ( 09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) فان قالوا : لو شاء الله أن يلجئهم الى الايمان لكانوا مؤمنين قيل لهم : أو ليسوا مع الالجاء قادرين على أن يكفروا كما هم قادرون على أن يؤمنوا؟ فكيف يجب بالالجاء كون الايمان منهم وهم قادرون وأن لا يكون منهم ايمان مع الالجاء كما هم قادرون على الايمان مع عدم الالجاء؟. فان قالوا : ليس فى كون ما لا يريده ايجاب ضعف ، كما ليس فى كون ما لم يأمر به ايجاب ضعف. قيل لهم : قد كانت أفعاله عندكم ولم يأمر بها ولم يلحقه ضعف ، ولو كانت وهو لا يريدها لحقه الضعف ، فكذلك كون ما لم يأمر به من غيره لا يوجب له ضعفا ، وفى كون ما لم يرده من غيره (ما) يدل على الضعف وأيضا فان ما لم يأمر به ونهى عنه أراد وقوعه ، فذلك لم يلحقه الضعف. باب الكلام فى الرؤية ان قال قائل : لم قلتم ان رؤية الله تعالى بالأبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له : قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به البارى تعالى ويستحيل عليه فانما لا يجوز لأن فى تجويزه اثبات حدثه ، أو اثبات حدث معنى فيه ، أو تشبيهه ، أو تجنيسه ، أو قلبه عن حقيقته ، أو تجويزه ، أو تظليمه ، أو تكذيبه. وليس فى جواز الرؤية اثبات حدث ؛ لأن المرئى لم يكن مرئيا لأنه محدث ، ولو كان مرئيا لذلك للزمهم أن يرى كل محدث ، وذلك باطل عندهم. على أن المرئى لو كان مرئيا لحدوثه لكان الرائى محدثا للمرء ؛ اذ كان مرئيا لحدوثه. وليس فى الرؤية اثبات حدوث معنى فى المرئى لأن الألوان مرئيات ولا يجوز حدوث معنى فيها (والا) لكان ذلك المعنى هو الرؤية ، وهذا يوجب أنا اذا رأينا الميت فقد حدثت فيه الرؤية وجامعت الرؤية الموت ، واذا رأينا عين الأعمى حدثت فى عينه رؤية فكانت الرؤية مجامعة للعمى ؛ فلما لم يجز ذلك بطل ما قالوه. وليس فى اثبات الرؤية لله تعالى تشبيه البارى تعالى ، ولا تجنيسه ولا قلبه عن حقيقته ؛ لأنا نرى السواد والبياض فلا يتجانسان ولا يشتبهان بوقوع الرؤية عليهما ، ولا ينقلب السواد عن حقيقته الى البياض بوقوع الرؤية عليه . ولا البياض الى السواد. وليس فى الرؤية تجويره ، ولا تظليمه ، ولا تكذيبه ؛ لأنا نرى الجائر والظالم والكاذب ، ونرى من ليس بجائز ولا ظالم ولا كاذب ؛ فلما لم يكن فى اثبات الرؤية شيء مما لا يجوز على البارى لم تكن الرؤية مستحيلة ، واذا لم تكن مستحيلة كانت جائزة على الله.

Bölüm V01/P061–V01/P065

فان عارضونا بأن اللمس والذوق والشم ليس فيه اثبات الحدث ولا حدوث معنى فى البارى تعالى. قيل لهم : قد قال بعض أصحابنا ان اللمس ضرب من ضروب المماسات. وكذلك الذوق وهو اتصال اللسان واللهوات بالجسم الذي له الطعم ، وان الشم هو اتصال الخيشوم بالمشموم الذي يكون عنده الادراك له ، وان المتماسين انما يتماسان بحدوث مماسين فيهما ، وان فى اثبات ذلك اثبات حدوث معنى فى البارى. ومن أصحابنا من يقول : لا يخلو القائل أن يكون أراد بذكره الذوق واللمس (الشم) أن يحدث الله تعالى له ادراكا فى هذه الجوارح من غير أن يحدث فيه معنى ، أو يكون أراد حدوث معنى فيه. فان كان أراد حدوث معنى فيه فذلك ما لا يجوز ، وان كان أراد حدوث ادراك فينا فذلك جائز ، والأمر فى التسمية الى الله تعالى ان أمرنا أن نسميه لمسا وذوقا وشما (سميناه ، وان منعنا امتنعنا ، وأما السمع فلم يختلف أصحابنا فيه وجوزوه جميعا ، وقالوا انه جائز أن يسمعنا البارى تعالى نفسه متكلما. والدليل على أن الله تعالى يرى بالابصار قوله تعالى : ( 06 وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ولا يجوز أن يكون معنى قوله : ( 03 إلى ربها ناظرة ) معتبرة كقوله تعالى : ( 06 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) لأن الآخرة ليست بدار اعتبار. ولا يجوز أن يعنى متعطفة راحمة كما قال : ( 03 ولا ينظر إليهم ) أى لا يرحمهم ولا يتعطف عليهم ؛ لأن البارى لا يجور أن يتعطف عليه. ولا يجوز أن يعنى منتظرة ؛ لأن النظر اذا قرن بذكر الوجوه لم يكن معناه نظر القلب الذي هو انتظار ، كما اذا قرن النظر بذكر القلب لم يكن معناه نظر العين ؛ لأن القائل اذا قال انظر بقلبك فى هذا الأمر كان معناه نظر القلب ، وكذلك اذا قرن النظر بالوجه لم يكن معناه الا نظر الوجه. والنظر بالوجه هو نظر الرؤية التى تكون بالعين التى فى الوجه ؛ فصح أن معنى قوله تعالى : ( 03 إلى ربها ناظرة ): رائية ؛ اذ لم يجز أن يعنى شيئا من وجوه النظر (الأخرى) . واذا كان النظر لا يخلو من وجوه أربع وفسد منها ثلاثة أوجه ، صح الوجه الرابع وهو نظر رؤية العين التى فى الوجه. فان قال قائل : أليس قد قال الله تعالى : ( 08 وجوه يومئذ باسرة ، تظن أن يفعل بها فاقرة ) والظن لا يكون بالوجه فكذلك قوله تعالى : ( 05 وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها 01 ناظرة ) أراد نظر القلب؟ قيل له : لأن الظن لا يكون بالوجه ولا يكون الا بالقلب ، فلما قرن الظن بذكر الوجه كان معناه ظن القلب اذ لم يكن الظن الا به ، فلو كان النظر لا يكون الا بالقلب لوجب اذا ذكره مع ذكر الوجه أن يرجع به الى القلب ، فلما كان النظر قد يكون بالوجه وبغيره وجب اذا قرنه بذكر الوجه أن يريد به نظر الوجه ، كما أنه اذا قرنه بذكر القلب وجب أن يريد به نظر القلب. مسألة فان قالوا : فما معنى قوله تعالى : ( 06 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ؟ قيل لهم : فى الدنيا دون الآخرة ؛ لأن القرآن لا يتناقض ، فلما قال فى آية أخرى : انه (لا تدركه) الأبصار علمنا أن الوقت الذي قال انه لا تدركه الأبصار فيه غير الوقت الذي أخبرنا أنها تنظر إليه فيه. (فان) قال قائل : ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى : ( 03 إلى ربها ناظرة ): أى الى ثواب ربها ناظرة؟ قيل له : ثواب الله تعالى غيره ، ولا يجوز أن يعدل بالكلام عن الحقيقة الى المجاز بغير حجة ولا دلالة.

Bölüm V01/P065–V01/P069

ألا ترى أن الله تعالى لما قال : صلوا لى واعبدونى ، لم يجز أن يقول قائل عنى غيره. ولو جاز (هذا لجاز) لزاعم أن يزعم أن قوله : ( 02 لا تدركه ) أراد به أنه لا تدرك غيره الأبصار. فان قال : فاذا كان قوله : ( 03 لا تدركه الأبصار ) (يعنى) فى وقت دون وقت فما أنكرت أن يكون قوله : ( 05 لا تأخذه سنة ولا نوم ) (يعنى) فى وقت دون وقت؟ قيل له : الفرق بينهما أنه قال لنا فى آية انه لا تدركه الأبصار ، وقال فى آية أخرى ان الوجوه تنظر إليه ، فاستعملنا الآيتين وقلنا ان المعنى فى ذلك أنها تنظر إليه فى وقت ولا تدركه فى وقت ، ولم يقل لنا فى آية ان السنة والنوم تأخذانه وفى آية أخرى لا تأخذانه ، فيستعمل فى وقتين. وأيضا فان النوم آفة تقوم بالنائم تزيل عنه العلم ، وليست الرؤية آفة تحل فى المرئى فيجب منع الرؤية بمثل ما به وجب منع النوم. مسألة فان قالوا : لو جاز أن يرى القديم سبحانه وليس كالمرئيات لجاز أن يلمس ويذاق ويشم وليس كالمذوقات ولا كالملموسات ولا كالمشمومات قيل لهم : ما الفرق بينكم وبين من قال : ولو جاز أن يكون القديم رائيا عالما قادرا حيا لا كالرائين العلماء القادرين الأحياء لجاز أن يكون لامسا ذائقا شاما لا كاللامسين الذائقين الشامين؟ فان (لم) يجب هذا فما أنكرتم من أن لا يجب ما قلتموه. مسألة فان قال قائل : فهل شاهدتم مرئيا الا جوهرا أو عرضا محدودا أو حالا فى محدود؟ قيل له : لا ، ولم يكن المرئى مرئيا لأنه محدود ولا لأنه حال فى محدود ، ولا لأنه جوهر ، ولا لأنه عرض ، فلما لم يكن ذلك كذلك لم يجب القضاء بذلك على الغائب ، كما يجب اذا لم نجد فاعلا الا جسما ولا شيئا الا جوهرا أو عرضا ، لا عالما قادرا حيا الا بعلم وحياة وقدرة محدثة أن يقضى بذلك على الغائب ؛ اذ لم يكن الفاعل فاعلا لأنه (جسم) ولا الشيء شيئا لأنه جوهر أو عرض . باب الكلام فى القدر ان قال قائل : لم زعمتم أن اكساب العباد مخلوقة لله تعالى؟ قيل له قلنا ذلك لأن الله تعالى قال : ( 04 والله خلقكم وما تعملون ) وقال : ( 04 جزاء بما كانوا يعملون ) . فلما كان الجزاء واقعا على أعمالهم كان الخالق لأعمالهم. فان قال : أفليس الله تعالى قال : ( 03 أتعبدون ما تنحتون ) وعنى الأصنام التى نحتوها ، فما أنكرتم أن يكون قوله : ( 03 خلقكم وما تعملون ) أراد الأصنام التى عملوها؟ قيل له : خطأ ما ظننته ؛ لأن الأصنام منحوتة لهم فى الحقيقة فرجع الله تعالى بقوله : ( 03 أتعبدون ما تنحتون ) إليها ، وليست الخشب معمولة لهم فى الحقيقة فيرجع بقوله : ( 03 خلقكم وما تعملون ) إليها. فان قال قائل : أليس قد قال الله تعالى : ( 03 تلقف ما يأفكون ) ولم يرد افكهم ، فما أنكرت أن لا يرجع

Bölüm V01/P069–V01/P072

بقوله : ( 03 خلقكم وما تعملون ) الى أعمالهم؟ قيل له : الذي يأفكون هو الأمثلة التى خيلوا الى الناس أنها حيات تسعى ، وافكهم تخييلهم ، فأراد بقوله : ( 01 يأفكون ) أى يخيلون الى الناس أنها تسعى ، وافكهم هو ايهامهم الشيء على خلاف ما هو بسبيله ، فالأمثلة هى التى يأفكون ويخيلون الى الناس أنها تسعى فى الحقيقة ، وهى التى تلقفها العصا. وليس تجوز أن يعملوا الخشب فى الحقيقة فلم يجز أن يكون الله تعالى أراد بقوله : ( 03 خلقكم وما تعملون ) (الرجوع) إليها ووجب أن يرجع الى الأعمال كما رجع بقوله : ( 04 جزاء بما كانوا يعملون ) الى الأعمال ، فلو جاز لزاعم أن يزعم أن قول الله تعالى : ( 03 خلقكم وما تعملون ) أراد (به) غير أعمالهم كما أراد بقوله : ( 02 ما يأفكون ) غير افكهم ، لساغ أن يزعم أن قول الله تعالى : ( 03 جزاء بما كانوا 01 يعملون ) انما أراد به غير أعمالهم كما أراد بقوله : ( 03 خلقكم وما تعملون ) غير أعمالهم ، كما أن قوله : ( 02 ما يأفكون ) انما أراد به غير افكهم ، فلما لم يجز هذا لم يجز ما قاله هذا. والدليل من القياس على خلق أعمال الناس : أنا وجدنا الكفر قبيحا فاسدا باطلا متناقضا خلافا لمن خالف ، ووجدنا الايمان حسنا متعبا مؤلما ، ووجدنا الكفار يقصد ويجهل نفسه الى أن يكون الكفر حسنا حقا فيكون بخلاف قصده ، ووجدنا الايمان لو شاء المؤمن أن لا يكون متعبا مؤلما ولا مرمضا لم يكن ذلك كائنا على حسب مشيئته وارادته. وقد علمنا أن الفعل لا يحدث على حقيقته الا من محدث أحدثه عليها ؛ لأنه لو جاز أن يحدث على حقيقته لا من محدث أحدثه على ما هو عليها لجاز أن يحدث الشيء فعلا لا من محدث أحدثه فعلا ، فلما لم يجز ذلك صح أنه لم يحدث على حقيقته الا من محدث أحدثه على ما هو عليه وهو قاصد الى ذلك ، لأنه لو جاز حدوث فعل على الحقيقة لا من قاصد لم يؤمن أن تكون الأفعال كلها كذلك كما أنه لو جاز حدوث فعل لا من فاعل لم يؤمن أن تكون الأفعال كلها كذلك ، واذا كان هذا هكذا فقد وجب أن يكون للكفر محدث أحدثه كفرا باطلا قبيحا وهو قاصد الى ذلك ، ولن يجوز أن يكون المحدث له هو الكافر الذي يريد أن يكون الكفر حسنا صوابا حقا فيكون على خلاف ذلك. وكذلك للأيمان محدث أحدثه على حقيقته متعبا مؤلما مرمضا غير المؤمن الذي لو جهد أن يقع الايمان خلاف ما وقع من ايلامه واتعابه وارماضه لم يكن الى ذلك سبيل ، واذا لم يجز أن يكون المحدث للكفر على حقيقته الكافر ، ولا المحدث للايمان على حقيقته المؤمن ، فقد وجب أن يكون محدث ذلك هو الله تعالى رب العالمين القاصد الى ذلك ؛ لأنه لا يجوز أن يكون أحدث ذلك جسم من الأجسام ، لأن الأجسام لا يجوز أن تفعل فى غيرها شيئا. فان قال قائل : فلم لا دل وقوع الفعل الذي هو كسب على أنه لا فاعل له الا الله ، كما دل على أنه لا خالق (له) الا الله تعالى؟ قيل له : كذلك نقول. فان قال : فلم لا دل على أنه لا قادر عليه الا الله عز وجل ؟ قيل له : لا فاعل له على حقيقته الا الله تعالى ولا قادر عليه أن يكون على ما هو عليه من حقيقته أن يخترعه الا الله تعالى. فان قال : فلم لا دل كونه كسبا

Bölüm V01/P072–V01/P075

على حقيقته على أنه لا مكتسب له فى الحقيقة الا الله؟ قيل له : الأفعال لا بد لها من فاعل على حقيقتها ، لأن الفعل لا يستغنى عن فاعل ، فاذا لم يكن فاعله على حقيقته الجسم ، وجب أن يكون الله تعالى هو الفاعل له على حقيقته وليس لا بد للفعل من مكتسب يكتسبه على حقيقته ، كما لا بد من فاعل يفعله على حقيقته ، فيجب اذا كان الفعل كسبا كان الله تعالى (هو) المكتسب له على حقيقته ، ألا ترى أن حركة الاضطرار تدل على أن الله تعالى هو الفاعل لها على حقيقتها ولا تدل على أن المتحرك بها فى الحقيقة هو الله تعالى ، اذ كانت حركة كما كان هو الفاعل لها فى الحقيقة ، ولا يجب أن يكون المتحرك المضطر إليها فاعلا لها على حقيقتها ، اذ كان متحركا بها على الحقيقة ، اذ كان معنى المتحرك أن الحركة خلته ولم يكن (ذلك) جائزا على ربنا تعالى ، وكذلك اذا كان الكسب دالا على فاعل فعله على حقيقته لم يجب أن يدل على أن الفاعل له على حقيقته هو المكتسب له ولا على أن المكتسب له على الحقيقة هو الفاعل له على الحقيقة ، اذ كان المكتسب مكتسبا للشيء لأنه وقع بقدرة له عليه محدثة ولم يجز أن يكون رب العالمين قادرا على الشيء بقدرة محدثة فلم يجز أن يكون مكتسبا لكسب وان كان فاعلا له فى الحقيقة. فان قال : فهل اكتسب الانسان الشيء على حقيقته كفرا باطلا وايمانا حسنا؟ قيل له : هذا خطأ ، وانما معنى «اكتسب الكفر» أنه كفر بقوة محدثة ، وكذلك قولنا «اكتسب الايمان» (معناه أنه من) بقوة محدثة من غير أن يكون اكتسب الشيء على حقيقته بل الذي فعله على حقيقته هو رب العالمين. والقول فى الكذب وأن له فاعلا (يفعله) على حقيقته وكاذبا به غير من فعله على حقيقته ، كالقول فى فاعل الحركة على الحقيقة وأن المتحرك بها على الحقيقة غير من فعلها على حقيقتها وقد بينا ذلك آنفا. ودليل آخر من القياس على خلق أفعال الناس : أن الدليل على خلق الله تعالى حركة الاضطرار قائم فى خلق حركة الاكتساب ، وذلك أن حركة الاضطرار ان كان الذي يدل على أن الله خلقها حدوثها فكذلك القصة فى حركة الاكتساب ، وان كان الذي يدل على خلقها حاجتها الى مكان وزمان فكذلك قصة حركة الاكتساب. فلما كان كل دليل يستدل به على أن حركة الاضطرار مخلوقة لله تعالى يجب به القضاء على أن حركة الاكتساب مخلوقة لله تعالى ، وجب خلق حركة الاكتساب بمثل ما وجب (به) خلق حركة الاضطرار. فان قال قائل : فيجب اذا كانت احدى الحركتين ضرورة أن تكون الأخرى كذلك ، واذا كان احداهما كسبا أن تكون الأخرى كذلك. قيل له : لا يجب ذلك لافتراقهما فى معنى الضرورة والاكتساب ، لأن الضرورة ما حمل عليه الشيء وأكره وجبر عليه ولو جهد فى التخلص منه وأراد الخروج عنه واستفرغ فى ذلك مجهوده لم يجد منه انفكاكا ولا الى الخروج عنه سبيلا ، فاذا كانت احدى الحركتين بهذا الوصف الذي هو وصف الضرورة ، وهى حركة المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمى كانت اضطرارا ، واذا كانت الأخرى بخلاف هذا الوصف لم تكن اضطرارا ، لأن الانسان فى ذهابه ومجيئه واقباله وادباره ، بخلاف المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمى ، يعلم الانسان التفرقة بين الحالين من

Bölüm V01/P075–V01/P078

نفسه وغيره علم اضطرار لا يجوز معه الشك ، فقد وجب اذا كان العجز فى احدى الحالتين أن القدرة التى هى ضده حادثة فى الحال الأخرى ؛ لأن العجز لو كان فى الحالتين جميعا لكان سبيل الانسان فيهما سبيلا واحدة ، فلما لم يكن هذا هكذا وكانت القدرة فى احدى الحركتين ، وجب أن تكون كسبا ؛ لأن حقيقة الكسب أن الشيء وقع من المكتسب به بقوة محدثة ، ولافتراق الحالين فى الحركتين ، ولأن احداهما بمعنى الضرورة وجب أن تكون الضرورة ، ولأن الأخرى بمعنى الكسب وجب أن تكون كسبا. ودليل الخلق فى حركة الاضطرار وحركة الاكتساب واحد ؛ فلذلك وجب اذا كانت احداهما خلقا أن تكون الأخرى خلقا. ألا ترى أن افتراقهما فى باب الضرورة والكسب لا يوجب افتراقهما فى باب الحدث والكون بعد أن لم تكونا. فكذلك لا يوجب افتراقهما فى باب الضرورة والكسب افتراقهما فى الخلق ألا ترى أن الجسم لما لم يسبق المحدثات وجب حدوثه بدخوله فى معنى الحدث ، وليس يجب اذا دخل فى الحدث بمشاركة المحدثات فى معنى الحدث اذا كان من المحدثات ما هو حركة أن يكون الجسم حركة ، واذا كان منها ما هو جسم (لا) يجب أن تكون الحركة جسما ، اذ لم يكونا يستويان فى معنى جسم وحركة واستويا فى معنى الحدوث. فكذلك لما استوى الكسب والضرورة فى معنى الخلق والحدث وجب اذا كان أحدهما خلقا لله أن يكون الآخر كذلك ، فذلك لم يوجب افتراقها فى باب الضرورة والكسب افتراقهما فى الخلق فان قال قائل : ما أنكرتم أن يكون الذي دل على أن احدى الحركتين مخلوقة لله تعالى هو أن حركة الاضطرار وقعت معجزا عنها فاذا وقعت الأخرى مقدورا عليها خرجت من أن تكون مخلوقة؟ قيل له : لو كان ما وقع مقدورا لغير الله تعالى خرج من أن يكون مخلوقا لم يؤمن أن تكون حركات المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمى قد أقدر الله تعالى عليها بعض ملائكته يفعلها فى المتحرك باضطراب ؛ اذ كان لا يستحيل عند مخالفينا أن يقدر القادر من المخلوقين على أن يفعل فى غيره ، فبطلت دلالتها على أن الله تعالى فعلها على ما هى عليه وكذلك القول فى حركات الأفلاك واجتماع أجزاء السماء وتأليفها. واذا كان هذا هكذا فقد بطلت دلالة هذه الأشياء على أن الله تعالى (خلقها) ولم يؤمن أن يكون لأجزاء السماء جامع غير الله سبحانه ، وللأفلاك محكم ، وللكواكب ، محرك غيره. واذا لم يجز ذلك فقد بطل ما قالوه من أن الشيء اذا كان مقدورا لغير الله تعالى خرج من أن (يكون) لله تعالى مخلوقا . وأيضا فليس العجز بأن يدل على أن الله تعالى خلق المعجوز عنه بأولى من أن تكون القدرة التى جعلها الله تعالى دلالة على أن الله خلق المقدور عليه ؛ لأن ما خلق الله القدرة فينا عليه فهو عليه أقدر ، كما أن (ما) خلق فينا العلم به فهو به أعلم ، وما خلق فينا السمع له فهو له أسمع فاذا استوى ذلك فى قدرة الله تعالى وجب اذا أقدرنا الله تعالى على حركة الاكتساب أن يكون هو الخالق فينا كسبا لنا ؛ لأن ما قدر عليه أن يفعله فينا ولم يفعله فينا كسبا فقد ترك أن يفعله فينا كسبا ، واذا ترك أن يكون كسبا لنا استحال أن تكون له مكتسبين ؛ فدل ما قلنا على أنا لا نكتسبه الا وقد خلقه الله تعالى لنا كسبا. مسألة فان قال قائل : اذا كان كسب الانسان خلقا فما أنكرت أن يكون له خالقا؟ قيل له : لم أقل ان كسبى خلق لى فيلزمنى أن أكون له خالقا ، وانما قلت خلق لغيرى فكيف يلزمنى اذا كان خلقا لغيرى أن أكون له خالقا؟ ولو كان كسبى اذا كان خلقا لله تعالى كنت له خالقا لكانت حركة المتحرك باضطرار اذا كانت خلقا لله تعالى كان بها متحركا فلما لم يجز

Bölüm V01/P078–V01/P081

ذلك لأنه خلقها حركة لغيره ، لم يلزمنا ما قالوه. لأن كسبنا خلق لغيرنا. فان قال : أليس قد خلق الله تعالى جور العباد؟ قيل له : خلقه جورا لهم ، لا له. فان قال : فما أنكرتم أن يكون جائرا ؟ قيل له لم يكن الجائر جائرا لأنه فعل الجور جورا لغيره لا له ؛ (لأنه) لو كان جائرا لهذه العلة لم يكن فى المخلوقين جائر ؛ فلما لم يكن الجائر جائرا لأنه فعل الجور جورا لغيره ، لم يجب أن يكون الله بخلقه الجور جورا لغيره لا له جائرا. وأيضا فلو لزم ما قالوه لزم اذا فعل إرادة وشهوة وحركة لغيره لا له أن يكون مريدا مشتهيا متحركا ؛ فلما لم يجب هذا لم يجب ما قالوه. فان قالوا : فقد يخلق الله تعالى حركة لا يكتسبها أحد ولا يكون متحركا. قيل لهم : وكذلك لو خلق الله تعالى جورا لا يكتسبه أحد لم يكن به جائرا ، وكان جورا لمن خلقه جورا له به يكون جائرا. فان قالوا : فلم لا يقول قول غيره (كما خلق جور غيره) ؟ قيل لهم : لم نقل انه يجوز (بجور) غيره ، فيلزمنا أن يقول (بقول) غيره ، وانما قلنا انه يخلق جورا لغيره لا له ، ولا يكون به جائرا فعروض مثل هذا أن يخلق قولا لغيره ولا يكون به قائلا. وأيضا فلو وجب أن يقول الكذب من ليس بكاذب ، كما فعل الجور من ليس (بجائر ، لوجب أن يقول الكذب من ليس) بكاذب كما فعل الإرادة من ليس بمريدها ، والحركة من ليس بمتحرك بها ، فان لم يجب هذا لم يجب ما قالوه. وأيضا فقد دللنا على أن كلام الله تعالى من صفات ذاته فى صدر كتابنا هذا ، فاستحال لذلك أن يكون يقول غيره قائلا ، كما اذا كان العلم من صفات نفسه استحال أن يكون علم غيره علما له ، وأن يكون رب العالمين عالما بعلم محدث. مسألة فان قال قائل : فهل يخلو العبد أن يكون بين نعمة يجب عليه شكرها أو بلية يجب عليه الصبر عليها؟ قيل له : لا يخلو العبد من نعمة وبلية والبلايا منها ما يجب الصبر عليها كالمصائب من الأمراض والأسقام ، وفى الأموال والأولاد ، وما أشبه ذلك. ومنها ما لا يجب الصبر عليها كالكفر وسائر المعاصى. مسألة فإن قال قائل : فهل قضى الله تعالى المعاصى وقدرها؟ قيل له : نعم ؛ بأن خلقها ، وبأن كتبها وأخبر عن كونها ، كما قال : ( 06 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) يعنى : أخبرناهم وأعلمناهم وكما قال تعالى : ( 05 إلا امرأته قدرناها من الغابرين ) يريد : كتبناها وأخبرنا أنها من الغابرين ، ولا نقول قضاها وقدرها بأن أمر بها. فان قال : أفقضاء الله تعالى حق؟ قيل له : من قضاء الله تعالى الذي هو خلق ما هو حق كالطاعات وما لم ينه عنه ، ومن قضاء الله تعالى هو خلق ما هو جور كالكفر والمعاصى ؛ لأن الخلق منه حق ومنه باطل ، وأما القضاء الذي هو أمر القضاء الذي هو اعلام واخبار وكتاب فحق ، لأنه غير المقضى. ومن أصحابنا من يجيب بأن يقول : قضى الله المعصية والكفر ويقول بلفظ المعصية والكفر هما باطلان ، ولا يقول بلفظ القضاء انه باطل ؛ لأن قول القائل قضاء الله باطل (يوهم أن قضاءه لا حقيقة له) كما يقول اذا رأى خشبة

Bölüm V01/P081–V01/P084

منكسرة بلفظ الخشبة هى منكسرة وهى مع ذلك حجة الله تعالى ، ولا يقول بلفظ الحجة انها منكرة ، لأن هذا يوهم أن حجة الله تعالى لا حقيقة لها فكذلك (يقول) ان الكفر باطل والكفر قضاء الله تعالى بمعنى أنه خلق الله ، ولا يقول قضاء الله باطل ؛ لأنه يوهم أن لا حقيقة لقضاء الله تعالى ، وهذا كما نقول : الكافر مؤمن بالجبت والطاغوت ، ولا نقول : مؤمن ونسكت ؛ لما فيه من الايهام. ونقول : النبي صلى الله عليه وسلم كافر بالجبت والطاغوت ، ولا نقول كافر ونسكت لما فيه من الايهام. مسألة فان قال قائل : أفترضون بقضاء الله وقدره الكفر؟ قيل له نرضى بأن قضى الله تعالى الكفر قبيحا وقدره فاسدا ، ولا نرضى بأن كان الكافر به كافرا ؛ لأن الله تعالى نهانا عن ذلك. وليس اذا أطلقنا الرضا بلفظ القضاء وجب أن نطلقه بلفظ الكفر ، كما لا يجب اذا قلنا ان الخشبة حجة لله تعالى ، وان الخشبة مكسورة أن نقول : حجة الله تعالى مكسورة ؛ لأن هذا يوهم (أن) حجة الله تعالى لا حقيقة لها ، فكذلك نطلق الرضا بلفظ القضاء والقدر ، ولا نطلقه بلفظ الكفر. هذا جواب أصحابنا الذين ذكرنا جوابهم آنفا. ومن أصحابنا من يجيد بأنا نرضى بقضاء الله تعالى وقدره اللذين أمرنا أن نرضى بهما اتباعا لأمره (لأنه) لا يتقدم بين يديه ولا يعترض عليه ، وهذا كما نرضى بقاء النبيين عليهم السلام ونكره موتهم ، ونكره بقاء الشياطين ، وكل بقضاء رب العالمين. مسألة فان قال قائل : (فأيما خير : الخير ، أو من الخير منه) ؟ قيل له : من الخير منه متفضلا به فهو خير من الخير ، فان قال : فأيما شر : الشر ، أو من الشر منه؟ قيل له : من كان الشر منه جائرا به فهو شر من الشر. مسألة فان قال : أو تقولون ان الشر من الله تعالى؟ قيل له : من أصحابنا من يقول بأن الأشياء كلها من الله بالجملة ، ولا يطلق بلفظ الشر أنه من الله تعالى ؛ كما يقال : الأشياء كلها لله فى الجملة ولا يقال على التفصيل (الزوجة والولد) لله تعالى. وكما نقول فى الجملة : ما دون الله ضعيف ، ولا يقال على التفصيل : دين الله ضعيف فأما أنا فأقول : ان الشر من الله تعالى بأن خلقه شرا لغيره لا له. مسألة فان قال : فما معنى قوله تعالى : ( 020 يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) ؟ قيل : معنى ذلك أنهم حرفوا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوهموا السفيه منهم أنه كتابهم قال الله تعالى : ( 04 وما هو من الكتاب ). ( 05 ويقولون هو من عند الله ) يعنى أن الله أنزله. قال الله تعالى : ( 05 وما هو من عند الله ) أى لم أنزل عليهم ذلك كما يدعون. مسألة فان قال : فما معنى قوله تعالى : ( 07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت )؟ قيل له : قال الله تعالى : ( 04 خلق سبع سماوات طباقا ) واحدة فوق الأخرى ( 07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) يعنى فى السموات ؛ لأنه قال : «فارجع البصر» بعد ذكر السموات ( 04 هل ترى من فطور ) يعنى من شقوق ، فيه. ثم قال : ( 04 ثم ارجع البصر كرتين ) فى السموات والأرض ( 04 ينقلب إليك البصر خاسئا ) يعنى معيبا ( 02 وهو حسير ) يعنى مغلوبا ، لم يذكر الله تعالى الكفر ولا أفعال العباد فى هذه الآية فكون للقدرية فى ذلك حجة. مسألة