Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)
= كتاب التوحيد للإمام أبي منصور الماتريدي بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي كل حمد حمد به من دونه فراجع بالحقيقة إليه حمدا يوافي نعمه ويكافئ من يده ويبلغ رضاه ونسأله أن يصلى على من ختم به الرسالة وعلى إخوانه من المرسلين وعلى أوليائه أجمعين ونستعصم به من الزلل ونرغب إليه فيما يكرمنا من القول والعمل إبطال التقليد ووجوب معرفة الدين بالدليل قال الشيخ أبو منصور رحمه الله أما بعد فإنا وجدنا الناس مختلفي المذاهب في النحل في الدين متفقين على إختلافهم في الدين على كلمة واحدة أن الذي هو عليه حق والذي عليه غيره باطل على اتفاق جملتهم من أن كلا منهم له سلف يقلد فثبت أن التقليد ليس مما يعذر صاحبه لإصابة مثله ضده على أنه ليس فيه سوى كثرة العدد اللهم إلا أن يكون لأحد ممن ينتهى القول إليه حجة عقل يعلم بها صدقة فيما يدعى وبرهان يقهر المنصفين على إصابته الحق فمن إليه مرجعه في الدين بما يوجب تحقيقه عنه فهو المحق وعلى كل واحد منهم معرفة الحق فيما يدين هو به كأن الذي دان به هو مع أدلة صدقه وشهادة الحق له قد حصرهم إذ منتهى حجج كل منهم ما يضطر التسليم له لو ظفر بها وقد ظهرت لمن ذكرت ولا يجوز ظهور مثلها لضده في الدين لما يتناقض حجج ما غلبت حججه وأظهر تمويه أسباب الشبه في غيره ولا قوة إلا بالله العظيم السمع والعقل هما أصل ما يعرف به الدين ثم أصل ما يعرف به الدين إذ لابد أن يكون لهذا الخلق دين يلزمهم الإجتماع عليه وأصل يلزمهم الفزع إليه وجهان أحدهما السمع والآخر العقل وأما السمع فما لا يخلو بشر من انتحاله مذهبا يعتمد عليه ويدعو غيره إليه حتى شاركهم في ذلك أصحاب الشكوك والتجاهل فضلا عن الذي يقر بوجود الأشياء وتحقيقها على ذلك جرت سياسة ملوك الأرض من سيرة كل منهم ما راموا تسوية أمورهم عليه وتأليف ما بين قلوب رعيتهم به وكذلك أمر الذين ادعوا الرسالة والحكمة ومن قام بتدبير أنواع الصناعة وبالله المعونة والنجاة وأما العقل فهو أن كون هذا العالم للفناء خاصة ليس بحكمة وخروج كل ذي عقل فعله عن طريق الحكمة قبيح عنه فلا يحتمل أن يكون العالم الذي العقل منه جزء مؤسسا على غير الحكمة أو مجعولا عبثا وإذا ثبت ذلك دل أن إنشاء العالم للبقاء لا للفناء ثم كان العالم بأصله مبنيا على طبائع مختلفة ووجوه متضادة وبخاصة الذي هو مقصود من حيث العقل الذي يجمع بين المجتمع ويفرق بين الذي حقه التفريق وهو الذي سمته الحكماء العالم الصغير فهو على أهواء مختلفة وطبائع متشتتة وشهوات ركبت فيهم غالبة لو تركوا وما عليه جبلوا لتنازعوا في تجاذب المنافع وأنواع العز والشرف والملك والسلطان فيعقب ذلك التباغض ثم التقاتل وفي ذلك التفاني والفساد الذي لو أمر كون العالم له لبطلت الحكمة في كونه مع ما جعل البشر وجميع الحيوان غير محتمل للبقاء إلا بالأغذية وما به قوام أبدانهم إلى المدد التي جعلت لهم فلو لم يرد بتكوينهم سوى فنائهم لم يحتمل إنشاء ما به بقاؤهم وإذ ثبت ذا لا بد من أصل يؤلف بينهم ويكفهم عن التنازع والتباين الذي لديه الهلاك والفناء
فلزم طلب أصل يجمعهم عليه لغاية ما احتمل وسعهم الوقوف عليه على أن الأحق في ذلك إذ علم بحاجة كل ممن يشاهد وضرورة كل من المعاين أن لهم مدبرا عالما بأحوالهم وبما عليه بقاؤهم وأنه جبلهم على الحاجات لا يدعهم وما هم عليه من الجهل وغلبة الأهواء مع ما لهم من الحاجة في معرفة ما به معاشهم وبقاؤهم دون أن يقيم لهم من يدلهم على ذلك ويعرفهم ذلك ولا بد من أن يجعل له دليلا وبرهانا يعلمون خصوصه بالذي خصه به من الإمامة لهم وأحوجهم إليه فيما عليه أمرهم فيكون في ذلك ما بينا من صدق من ينتهي قوله إلى قول من دل عليه العالم بأمر العالم أنه هو الذي جعله المفزع لهم والمعتمد ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله ثم اختلف في الأسباب التي بها يعلم المصالح والحق والمحاسن من أضدادها فمنهم من يقول هو ما يقع في قلب كل منهم حسنه لزمه التمسك به ومنهم من يقول يعجز البشر عن الإحاطة بالسبب ولكن يتمسك بما ألهم لما يكون ذلك ممن له تدبير العالم قال الشيخ رحمه الله وهما بعيدان من أن يكونا من أسباب المعرفة لأن وجوه التضاد والتناقض في الأديان بين ثم عند كل واحد منهم أنه المحق ومحال أن يكون سبب الحق يعمل هذا العمل لما تصور الباطل بنفس صورة الحق فمحال الثقة بمن ظهر كذبه كل هذا الظهور مع ما كان معتقدا لمذهب بإعتقاد الحق بما ذكرت عند ضده وفي إلهامه أنه مبطل ولم يكن لواحد منهما دليل غير الذي لآخر في خطابه وذلك نوع ما لا يدفع الإختلاف والتضاد اللذين بهما التفاني وعلى ذلك يبطل إعلام القرعة فيما يعجز عنه ذو العقل ولم يجعل في الحكم الجبر على الرضا إذ هي تخرج مختلفا وكذلك أمر القائف فلم يجز أن يكونا سببى الحق ولا قوة إلا بالله السبل الموصلة إلى العلم هي العيان والأخبار والنظر قال الشيخ أبو منصور رحمه الله ثم السبيل التي يوصل بها إلى العلم بحقائق الأشياء العيان والأخبار والنظر فالعيان ما يقع عليه الحواس وهو الأصل الذي لديه العلم الذي لا ضد له من الجهل فمن قال بضده من الجهل فهو الذي يسمى منكره كل سامع مكابرا تأبى طبيعة البهائم أن يكون ذلك رتبتها إذ أكل منها يعلم ما به بقاؤها وفناؤها وما يتلذذ به ويتألم وصاحب هذا ينكر ذلك وأجمع أن لا يناظر مع من كان ذلك قوله إذ لا يثبت إنكاره ولا حضوره بنفسه والمناظرة في مائية الشيء أو هستيته وهو لهما وللدفع جميعا دافع ولكنه يمازج فيقال له تعلم بأنك تنفى فإن قال لا بطل نفيه وإن قال نعم أثبت نفيه فيصير بما يدفع دافعا لدفعه ويؤلم بالألم الشديد من قطع الجوارح ليدع تعنته إذ نحن نعلم أنه يعلم العيان إذ هو علم الضرورة ولكنه بقوله متعنتا وحق مثله ما ذكرت ليجزع ويضجر فيقابل بتعنت مثله فينهتك لديه ستره ولا قوة إلا بالله قال الشيخ رحمه الله والأخبار نوعان من أنكر جملته لحق بالفريق الأول لأنه أنكر إنكاره إذ إنكاره خبر فيصير منكرا عند إنكاره إنكاره مع ما فيه جهل نسبه وإسمه ومائيته واسم جوهره واسم كل شيء فيجب به جهل محسوس وعجزه عن أن يخبر عن شيء عاينه إذا خبر به فكيف يبلغ هو إلى العلم بما يبلغه مما غاب عنه أو متى يعلم ما به معاشه وغذاؤه وكل ذلك يصل إليه بالخبر مع ما فيه الكفران بعظيم نعم الله عليه وبأصل ما حمد هو به وبما فضل به على البهائم من النطق بالسمع وذلك نهاية المكابرة
قال أبو منصور رحمه الله ثم لا يوصل بهما إلى إدراك المحاسن والمساوئ التي لا يعمل العقول على الإحاطة بها إلا بإستعمال الألسن بالتكلم بها وإدناء السمع إليها وحق مناظرة هذا وإن كانت مناظرته سفها فيمازج أيضا فنقول له عند إنكاره الخبر ما تقول فإن عاد إليه فاعلم أنه قبل خبرك حيث عاد إلى قوله وهو استعادتك الخبر وإن لم يعد إليه كفيت شره وحمدت الله وضحكت منه ومثله لمن ينكر العيان تقول له ما تقول فإن عاد إليه ظهر لك أنه يعلمه ولكنه يتعنت وإن لم يعد إليه كفيت شره وشكرت الله تعالى على ما ألهمك أو تضربه وتؤلم فإنه لا يقدر أن يضجر أو يقابلك بالعتاب لما لا يحتمل ذلك إلا بتسمية فعلك وذلك يعرف بالخبر وقد أنكره ولا قوة إلا بالله ثم إذ قد لزم قبول الأخبار بضرورة العقل لزم قبول أخبار الرسل إذ لا خبر أظهر صدقا من خبرهم بما معهم من الآيات الموضحة صدقهم إذ لا يوجد خبر يطمئن إليه القلب مما بينا من المعارف التي يصير منكر ذلك متعنتا بضرورة العقل أوضح صدقا من أخبار الرسل صلوات الله عليهم فمن أنكر ذلك فهو أحق من يقضى عليه بالتعنت والمكابرة ثم الأخبار التي تنتهي إلينا من الرسل تنتهي على ألسن من يحتمل منهم الغلط والكذب إذ ليس معهم دليل الصدق ولا برهان العصمة فحق مثله النظر فيه فإن كان مثله مما لا يوجد كذبا قط فهو الذي من انتهى إليه مثله لزمه حق شهود القول ممن اتضح البرهان على عصمته وذلك وصف خبر المتواتر إن كلا منهم وإن لم يقم دليل على عصمته فإن الخبر منهم إذا بلغ ذلك الحد ظهر صدقه وثبتت عصمة مثله على الكذب وإن أمكن خلاف ذلك في كل على الإشارة وهكذا القول فيما طريقه الإجتهاد وإن احتمل خطأ كل على الإنفراد والغلط فإنهم لم يتفقوا بمن يوفقهم لذلك ليظهر حقه إذ الآراء لا تؤدي إليه بعد اختلاف الأهواء وتفرق الهمم لذات ذي الرأي دون لطف العزيز الحميد الذي يملك إظهار حقه وعصمة خلقه فيما شاء ولا قوة إلا بالله وخبر آخر لا يبلغ هذا القدر في إيجاب العلم والشهادة بأنه الحق عن نبي الرحمة فيجب العمل به والترك بالإجتهاد والنظر في أحوال الرواة والظاهر مما ظهر حقه وجوازه في السمع الذي قد أحيط ثم يعمل بما يغلب عليه الوجه وإن احتمل الغلط إذ ربما يعمل به في علم الحس الذي هو أرفع طرق العلم بضعف الحواس وببعد المحسوس ولطفه على أن ترك العمل به والعمل جميعا لا يرجع فيه إلى الإحاطة وإلى أيهما مال كان في ذلك إعراض عن حق الخبر فلذلك لزم القول فيه بالإجتهاد بالوجهين ولا قوة إلا بالله ثم الأصل في لزوم القول بعلم النظر وجوه أحدهما الإضطرار إليه في علم الحس والخبر وذلك فيما يبعد من الحواس أو يلطف وفيما يرد من الخبر أنه في نوع ما يحتمل الغلط أولا ثم آيات الرسل وتمويهات السحرة وغيرهم في التمييز بينها وفي تعرف الآيات بما يتأمل فيها من قوى البشر وأحوال الآتي بها ليظهر الحق بنوره والباطل بظلمته وعلى ذلك دل الله بالذي ثبت بالأدلة المعجزة أنه منه من نحو القرآن الذي عجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله مع الأمر به بقوله سنريهم آياتنا في الآفاق إلى آخر السورة وقوله أفلا ينظرون إلى الإبل وقوله إن في خلق السماوات والأرض وقوله وفي أنفسكم أفلا تبصرون وغير ذلك مما رغب في النظر وألزم الإعتبار وأمر بالتفكر والتدبر وأخبر أن ذلك يوقفهم على الحق ويبين لهم الطريق ولا قوة إلا بالله
مع ما ليس لمن ينكر النظر على دفعه دليل سوى النظر فدل ذلك على لزوم النظر بما به دفعه مع ما لا بد من معرفة ما في الخلق من الحكمة إذ لا يجوز فعل مثله عبثا وما فيه من الدلالة على من أنشأه أو على كونه بنفسه أو حدث أو قدم وكل ذلك مما لا سبيل إلى العلم به إلا بالنظر على أن البشر خص بملك تدبير الخلائق والمحنة فيها وطلب الأصلح لهم في العقول واختيار المحاسن في ذلك وإتقاء مضادة ذلك ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بإستعمال العقول بالنظر في الأشياء على أن مفزع الكل عند النوائب واعتراض الشبه إلى النظر في ذلك والتأمل فدل أنه يدل على الحقائق ويوصل به إليها على نحو الفزع عند اشتباه اللون إلى البصر والصوت إلى السمع وكذا كل شيء إلى الحاسة التي بها دركها فمثله النظر ولا قوة إلا بالله على أن محاسن الأشياء ومساويها وما قبح من الأفعال وما حسن منها فإنما نهاية العلم بعد وقوع الحواس عليها وورود الأخبار فيها إذا أريد تقرير كل جهة من ذلك في العقول والكشف عن وجوه ما لا سبيل إلى ذلك إلا بالتأمل والنظر فيها وعلى ذلك أمر المكاسب الضارة والنافعة على أن البشر جبل على طبيعة وعقل وما يحسنه العقل غير الذي ترغب فيه الطبيعة وما يقبحه غير الذي ينفر عنه الطبع أو يكون بينهما مخالفة مرة وموافقة ثانيا لا بد من النظر في كل أمر والتأمل ليعلم حقيقة أنه في أي فن ونوع مما ذكرنا ولا قوة إلا بالله الدليل على حدث الأعيان قال الشيخ أبو منصور رحمه الله الدليل على حدث الأعيان هو شهادة الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من سبل العلم بالأشياء فأما الخبر فما ثبت عن الله تعالى من وجه يعجز البشر عن دليل مثله لأحد إنه أخبر أنه خالق كل شيء وبديع السماوات والأرض وأن له ملك ما فيهن وقد بينا لزوم القول بالخبر وليس أحد من الأحياء ادعى لنفسه القدم أو أشار إلى معنى يدل على فدمه بل لو قال لعرف كذبه هو بالضرورة وكذا كل من حضره بما رأوه صغيرا ويذكر ابتداؤه أيضا لذلك لزم القول بحدث الأحياء ثم الأموات تحت تدبير الأحياء فهم أحق بالحدث والله الموفق وعلم الحس وهو أن كل عين من الأعيان يحس محاطا بالضرورة مبنيا بالحاجة والقدم هو شرط الغنا لأنه يستغنى بقدمه عن غيره والضرورة والحاجة يحوجانه إلى غيره فلزم به حدثه وأيضا أن كل شيء جاهل يبدو حاله عاجز عن إصلاح ما يفسد منه في الحال التي هو فيها موصوف بالكمال في القوة والعلم إذا كان ذلك حيا ولو كان ميتا فسلطان الحي عليه جار ثبت أنه لم يكن واحد منهما إلا بغيره وإذا ثبت الغير لزم الحدث إذ القدم يمنع الكون لغيره وأيضا أن كل محسوس لا يخلو عن إجتماع طبائع مختلفة ومتضادة مما حقها التنافر والتباعد لأنفسها ثبت إجتماعها بغيرها وفي ذلك حدثه والله الموفق وأيضا أن العالم ذو أجزاء وأبعاض ويعلم أكثر أبعاضه أنه حادث بعد أن لم يكن ويعلم نماؤه وإتساعه وكبره لزم ذلك في كله إذ لا يصير إجتماع أجزاء متناهية غير متناهية وأيضا أن منه طيب وخبيث وصغير وكبير وحسن وقبيح ونور وظلمة وهذه آيات التغير والزوال وفي التغير والزوال فناء وهلاك إذ معلوم أن الإجتماع يؤكد ويقوى ويعظم دليله النشر وأنه إذا تفرق بطل ذلك فثبت أن ذلك آية الفناء وما احتمل الفناء لم يجز كونه بنفسه ويلزم أيضا إحتمال الإبتداء وليس لقول من يقول يغيب عن الأبصار ولا يفنى معنى لما علم العالم بالبصر لا بالدلائل وبه يدعى القدم فقد زال ذلك مع ما أنا بينا من وهنه ولا فرق بين حياة تفنى وبين ذاته ولا قوة إلا بالله
وعلى ذلك طريق علم الإستدلال مع ما أنه لا يخلو الجسم من حركة أو سكون وليس لها الإجتماع فيزول من جملة أوقاته نصف الحركة ونصف السكون وكل ذي نصف متناه على أنهما إذ لا يجتمعان في القدم لزم حدث أحد الوجهين ويبطلانه أن يكون محدثا في الأزل لزم في الآخر وفي ذلك حدث ما لا يخلو عنه وأيضا أن كل جسم لا يخلو عن سكون دائم أو حركة دائمة أو هما وما هو عليه منهما مدفوع إليه مسخر به ومجعول لمنافع غير وإذا كان ذلك وصف جواهر العالم التي لا توصف بالحياة ثبت أنها محدثة إذ هي لا على ما هي بنفسها ولكن على تسخيرها وتذليلها وإستعمالها في حوائج غيرها وإذا ثبت ذلك في أصل الجواهر والأحياء الذين هم فيها وبها نقر وننتفع وهم مجبولون عن الحاجات والمنافع أحق بذلك والله الموفق ودليل آخر أن العالم لا يخلو من أن يكون قديما على ما عليه أحواله من إجتماع وتفرق وحركة وسكون وخبيث وطيب وحسن وقبيح وزيادة ونقصان وهن حوادث بالحس والعقل إذ لا يجوز إجتماع الضدين فثبت التعاقب وفيه الحدث وجميع الحوادث تحت الكون بعد أن لم تكن فكذلك ما لا يخلو عنا ولا يسبقها أو كان إنشاء عن أصل لا بهذه الصفة أو انتقل إليها بإعتراضها فيه فإن كان ذلك ثبت أن هذا العالم حادث وبطل قول من ينكر الحدوث وإن كان غير هذا فإن كان الأول هو المنشئ له فهو قولنا هو الباري وسموه هيولى وإن كان على الإنتقال إليه فذهب الأول وصار هذا غيره فهذا محدث بما لم يكن هو الأول والأول محدث بما هلك لما انتقل إلى الثاني مع ما لا يكون شيء من شيء من أن يكون مستجنا فيه فيظهر أو محدثا فيه فيتولد ويخرج أو يتلف الأول فيكون الثاني فالأول كالولد والشيء الموضوع في الوعاء ومحال كون أضعاف ما فيه فيما هو فيه لذلك يبطل القول بكون الإنسان من النطفة والشجر في الحب وعلى ذلك من يقول بالبروز بالقوة مع ما كان في ذلك إيجاب حدث ذاته لأن القوة عليه غيره إذ هو وجد بالفعل لا بالقوة أو تلف الأول نحو النطفة ثم النسمة ونحو ذلك فيصير الأول هالكا حتى لا يبقى له الأثر والثاني حادثا حتى لم يبق من الأول فيه أثر وفي ذلك حدث الأول والثاني فإن قال قائل إذا جاز عندكم بقاء الأعيان في الآخرة بما لا يبقى لم لا جاز قدمها بما لا يتقدم قيل لوجوه أحدها للتناقض وهو أن معنى الحدث هو الكون بعد ان لم يكن فمن لا يسبقه ففيه حقيقة فالقول فيه بالقدم ينقضه ومعنى البقاء هو الكون في مستأنف الوقت معه غير أو لا لذلك اختلفا والثاني أن القول بالذي ذكرت من البقاء إنما هو سمعي فإما أن تسلم لي ذلك فيجب حدث الأعيان لما به عرفناه أو لا تسلم فيبطل حجاجه بالسمعي على الإنكار به والله المستعان وأيضا إن الشيء إذا لم يكن إلا بغير يتقدمه وذلك شرط كل الأغيار فيبطل كون الجميع ولا كذلك أمر البقاء ألا يرى أن من قال لآخر لا تأكل شيئا حتى تأكل غيره وكذا كل غير فيه ذلك الشرط فبقى أبدا غير آكل ولو قال كلما أكلت لقمة فكل أخرى فهو يبقى أبدا في الأكل فمثله الأول وعلى ذلك أمر تضاعف الحساب إنه إذا لم يجعل له ابتداء منه يبدأ لا يجوز وجود شيء منه بتة وإذا حصل البداية يجوز أن يبقى فيه فيما يزيد ثم يزيد دائما ولا قوة إلا بالله مع ما يذكر أوائل الحساب في كل عدد إذ به بلغ ذلك ولا يذكر نهايتها لذلك اختلفا وأيضا أنا لو توهمنا أن لا جسم وأنه يجوز وجود عرض قبل عرض لم يجز وجود شيء منه إذ لم يجعل له أولية وإبتداء ويجوز الوجود أبدا بلا نهاية له فمثله ما لا يخلو عنه من الأعراض والله الموفق
وأيضا أن كل حركة أو إجتماع نشير إليه هو نهاية ما مضى من ذلك النوع فمحال وجود نهاية الماضي بلا إبتداء له ولا قوة إلا بالله وأيضا أن قد يوصف جسم بالبقاء مع بقاء واحد وإن كان ذلك البقاء لا يبقى ولا يوصف جسم مع حدث واحد لا يخلو بالعدم عنه فكذلك ما كثر منه على أن حدوث البقاء في الجسم هو سبب إبقائه ويدوم بقاؤه على دوام تتابع البقاء فيه ولا يجوز أن يكون سبب قدم الجسم حدوث عرض فيه فصار هو عديله وقرينه فلذلك لا يتقدمه والله الموفق وعارض بعض من يقول بهذا لما لا يوجد الشيء بلا لون ثم لا يجب أن يكون لونا وذلك لا معنى له لما أن الحدث هو وصف الكون بعد أن لم يكن فإذا وجد غيره غير مفارقة وفيه هذا الوصف لزمه هذا الحكم وليس اللون بلون لمعنى يوجد في المتلون به لذلك اختلفا لكن جملة الجسم إذ لا يخلو من الألوان فلا يسبقها ولكن يسبق واحدا فواحدا وكذلك أمر الإحداث ومن قال لا يعلم صنع شيء لا من شيء فهو المقدر بالموجود حسا والمعارف نفسها خارجة عن الحس وكذلك القول بيجوز ولا يجوز وكذلك ما يدعى من التفرق لا الهلاك لا نعرفه بالحس ثم قال به فمثله ما نحن فيه مع ما كان فيه عقل وسمع وبصر وروح وغير ذلك مما لا يدرى مم صنع فذلك يمنعه القول بما قال وأيضا إنه إذا يكن أحد يخبرنا عن قدمه أو كان أزليا من جوهر العالم فلا وجه للعلم به إلا بالإستدلال ثم لا نعلم كتابة بلا كاتب ولا تفرقا إلا بمفرق وكذلك الإجتماع وكذلك السكون والحركة فيلزم في جملة العالم ذلك إذ هو مؤلف مفرق بل الأعجوبة في تأليف العالم أرفع فهو أحق أن لا يتفرق ولا يجتمع إلا بغيره ثم كل ما في الشاهد من التأليف والكتابة يكون أحدث ممن به كان فمثله جميع العالم إذ هو في معنى ما ذكرت وبالله التوفيق ولو تكلف الإستقصاء في مثل هذا ليخرج عن طوق البشر إذ ما من شيء مما يحس أو يسمع به من أجزاء العالم إلا ودلالة حدثه ظاهرة من جهله بإبتداء حاله وبإصلاح ما يفسد أو ينشيء مثله وعجزه عما به حفظ نفسه أو تقليبه عن جوهره مع ما فيه الخبيث والقبيح والذليل والمهان الذي لولا تدبير غيره فيه ما احتمل أن يكون كذلك وبالله التوفيق ثم معلوم أن تكون الحركة والسكون والإجتماع والتفرق غير الجسم إذ قد يكون جسما متفرقا يجتمع ومتحركا يسكن فلو كان لنفسه يكون كذلك لم يكن ليحتمل مضادات الأحوال على بقاء الجسم بحاله وعلى هذا يخرج الفناء والبقاء إذ قد يوجد غير باق ولا فان في أوقات فيلزم أن يكون غيره وكذلك من أراد بقاء الشيء أو فناءه يقصد إلى غير الوجه الذي يقصد بالآخر ثبت أنهما غيران يحلان وكثير من المعتزلة يقولون بهذا في الأول ويأبون في البقاء والفناء مع ما يبطل قولهم إذ كان مختلفا بنفسه في إحتمال ذلك ولو جاز ذلك وجاز بقاء الأجسام بأنفسها لجاز كونها لا بغير على أن هذا بالمعتزلة أولى لأنهم لا يجعلون من الله إلى جملة العالم غير العالم به كان العالم إذ الإرادة يجعلونها من العالم والفعل كذلك وذاته كان موجودا عندهم ولم يكن العالم ولم يحدث شيء سوى كون العالم فإذا كان بنفسه وبه يبقى وفي ذلك فساد التوحيد ولا قوة إلا بالله ثم قد ثبت التغاير واختلف أهل الكلام في مائية اسم ذلك فمنهم من يسميه عرضا ومنهم من يسميه صفة وحق هذه المسألة التسليم لما يجري الإصطلاح به لما يراد بالتسمية والتعريف وإفهام المراد فأي شيء يعمل ذلك كفى ولا يعرف الإسم بالعقل والقياس كذلك قولنا في تخطئة قول الكعبي إنه لما ثبت أنه ليس بجسم بان أنه عرض
قال أبو منصور رحمه الله وإنما يجب ذلك إذا سلم أن ما سوى الجسم من الخلق عرض وفي كتاب الله تسمية العرض على إرادة أعين الأشياء كقوله تعالى تريدون عرض الدنيا وقوله لو كان عرضا قريبا فعلى هذا تسمية ذلك صفة أقرب إلى الأسماء الإسلامية ولا قوة إلا بالله الدليل على أن للعالم محدثا قال أبو منصور رحمه الله ثم الدليل على أن للعالم محدثا أنه ثبت حدثه بما بينا وبما لا يوجد شيء منه في الشاهد يجتمع بنفسه ويفرق ثبت أن ذلك كان بغيره والله الموفق والثاني أن العالم لو كان بنفسه لم يكن وقتا أحق به من وقت ولا حال أولى به من حال ولا صفة أليق به من صفة وإذا كان على أوقات وأحوال وصفات مختلفة ثبت أنه لم يكن به ولو كان لجاز أن يكون كل شيء لنفسه أحوالا هي أحسن الأحوال والصفات وخيرها فيبطل به الشرور والقبائح فدل وجود ذلك على كونه بغيره والله الموفق وأيضا أن العالم نوعان حي وميت وكل حي جاهل بإبتدائه عاجز عن إنشاء مثله وإصلاح ما فسد منه وقت قوته وكماله فثبت أنه كان بغيره والميت أحق بذلك وأيضا أن العالم لا يخلو كل عين منه إلى ما يحتمله من الأعراض قهرا وما اعترضه من الأعراض لا قيام لها ولا وجود دونه فثبت بذلك دخول كل واحد منهما تحت حاجة الآخر فيبطل أن يكون بنفسه محتاجا إلى غير به يوجد ويقوم ولا قوة إلا بالله وأيضا أن كل عين ما اجتمع فيه الطبائع المتضادة التي من طبعها التنافر لم يجز أن يكون بنفسه يجتمع ثبت أن له جامعا والله الموفق وأيضا أن كل عين محتاج إلى آخر به يقوم ويبقى من الأغذية وغيرها مما لا يحتمل أن يبلغ علمه ما به بقاؤه أو كيف يستخرج ذلك ويكتسب فثبت أنه بعليم حكيم لا بنفسه وبالله النجاة والعصمة وأيضا أنه لو كان بنفسه لكان يبقى به ويكون على حد واحد فلما لم يملك دل على أنه كان بغيره وأيضا لا يخلو كونه بنفسه من أن كان بعد الوجود فيبطل كونه به لما كان موجودا بغيره أو قبله وما هو قبله كيف يوجد نفسه مع ما لو كان به قبل الوجود لتوهم أن لايوجد فيكون عديما فاعلا وذلك محال ويشهد لما ذكرنا أمر البناء والكتابة والسفن أنه لا يجوز كونها إلا بفاعل موجود فمثله ما نحن فيه وبالله التوفيق قال أبو منصور رحمه الله وأصل ذلك أنه لا يعاني منه شيء إلا فيه حكمة عجيبة ودلالة بديعة مما يعجز الحكماء عن إدراك ما ئيته وكيفية خروجه على ما خرج وعلم كل أحد منهم بقصور على ما عنده من الحكمة والعلم عن إدراك كنه ذلك فهذه الضرورة وغيرها دلالة حكمة مبدعها وخالقها ولا قوة إلا بالله وأيضا أنه لو جاز أن يكون العالم يبدأ من قبل نفسه بمره لجائز أن يذهب كله بمرة فإذا لم يكن بل كان على الإختلاف حتى لم يكن تختلف عليه الأحوال إلا بالأغيار نحو حي يموت ومتفرق يجتمع وصغير يكبر وخبيث يطيب أبدا يتغير بأغيار تحدث فعلى ذلك جملته لا يحتمل أن يكون لا بغيره ولو جاز ذا لجاز أن تتغير ألوان الثوب بنفسه لا بأصباغ أو السفينة تصير على ما هي عليها بذاتها فإذا لم تكن ولا بد من عليم ينشئها قدير به يكون فكذلك ما نحن فيه وبالله التوفيق ويبعد أيضا كون العالم بنفسه بما فيه من دلالة العلم بما هو عليه والقدرة عليه ومحال وجود مثله بعاجز جاهل فكيف بالمعدوم الفاني وبالله التوفيق ودلالة كون العالم لا من شيء هي حدوثها وقد بينا ذلك مسألة محدث العالم واحد
قال أبو منصور رحمه الله والدلالة أن محدث العالم واحد لا أكثر السمع والعقل وشهادة العالم بالخلقة فأما السمع فهو اتفاق القول على إختلافهم على الواحد إذ من يقول بالأكثر يقول به على أن الواحد اسم لإبتداء العدد واسم للعظمة والسلطان والرفعة والفضل كما يقال فلان واحد الزمان ومنقطع القرين في الرفعة والفضل والجلال وما جاوز ذلك لا يحتمل غير العدد والأعداد لا نهاية لها من حيث العدد وفي تحقيق ما يعد يخرج عن النهاية العدد فيجب أن يكون العالم غير متناه إذ لو كان من كل منهم شيء واحد فيخرج الجملة عن التناهي بخروج المحدثين وذلك بعيد ثم ما من عدد يشار إليه إلا وأمكن من الدعوى أن يزاد عليه وينقص منه فلم يجب القول بشيء لما لا حقيقة لذلك بحق العدد لا يشارك فيه غيره لذلك بطل القول به وبالله التوفيق وبعد فإنه لم يذكر عن غير الإله الذي يعرفه أهل التوحيد دعوى الإلهية والإشارة إلى أثر فعل منه يدل على ربوبيته ولا وجد في شيء معنى أمكن إخراجه عن حمله ولا بعث رسلا بالآيات التي تقهر العقول ويبهر لها فتثبت أن القول بذلك خيال ووسواس وأيضا مجيء الرسل بالآيات التي يضطر من شهدها أنها فعل من لو كان معه شريك ليمنعهم عن إظهارها إذ بذلك إبطال ربوبيتهم وألوهيتهم فإذا لم يوجد ولا منعوا عن ذلك مع كثرة المكابرين لهم والعاندين ممن لو أحبوا وجود الإبصار لهم في إظهار آياتهم لوجدوا فثبت أن ذلك إنما سلم للرسل لما لم يكن الإله الحق والخالق للخلق غير الواحد القهار الذي قهر كل متعنت مكابر عن التمويه فضلا من التحقيق ولا قوة إلا بالله ثم دلالة العقل أنه لو كان أكثر من واحد ما احتمل وجود العالم إلا بالإصطلاح وفي ذلك فساد الربوبية ومعنى آخر أن كل شيء يريد أحد ممن ينسب إليه إثباته يريد الآخر نفيه وما يريد أحدهما إيجاده يريد الآخر إعدامه وكذلك في الإبقاء والإفناء وفي ذلك تناقض وتناف فدل الوجود على محدث العالم واحد تدبيره مع ما كان الأمر المعتاد بين الملوك بذل الوسع منهم في قهر أشكالهم ليكون الملك للقاهر ومنع كل منهم غيره عن إنفاذ حكمه وإظهار سلطانه ما استطاع فإذ لم يكن بل نفذ سلطان العزيز الحكيم ثبت أنه الواحد وهذا تأويل قوله قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا والأول على ما أودع قوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وأيضا أنه لو كان مع الله إله لأظهر الآخر حكمته وفصل فعله من فعل الله الحق ليعلم به قدرته وسلطانه فإذ لم يفعل بان أن الله المتوحد بالإلهية والمتفرد بالربوبية وذلك معنى قوله وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق وكذلك قوله أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ثم وجه الإصطلاح يدل على العجز والجهل مع ما لو كان كذلك لم يكن الأمر لواحد في نسبه الخلق وتحقيقه له إلا من حيث يقهرهم ويدخلهم تحت قدرته وصنعه والله الموفق وأيضا أنه لو كان مع الله إله لا يخلو من أن يقدر على فعل يسره من الآخر أو لا وكذلك الله سبحانه منه فإن قدرا جميعا ملك كل واحد منهما تجهيل الآخر وفي ذلك زوال الربوبية وإن لم يقدرا عجز كل واحد منهما والعجز يسقط الألوهية أو قدر أحدهما دون الآخر فهو الرب والآخر مربوب مع ما كان علم الغيب علم الربوبية فمن ليس له فهو مربوب ثم لا يخلو أيضا من قدرة كل واحد منهما على غيره في منع ما يروم الفعل بغيره ويريده أولا فيكون فيهما إمكان خروج كل عن القدرة وتحقيق عجز وذلك يسقط الربوبية أو يقدر الواحد خاصة فيكون هو الرب سبحانه
وأما دلالة الإستدلال بالخلق فهو أنه لو كان أكثر من واحد لتقلب فيهم التدبير نحو أن تحول الأزمنة من الشتاء والصيف أو تحول خروج الإنزال وينعها أو تقدير السماء والأرض أو تسيير الشمس والقمر والنجوم أو أغذية الخلق أو تدبير معاش جواهر الحيوان فإذ دار كله على مسلك واحد ونوع من التدبير وإنساق ذلك على سنن واحد لا يتم بمدبرين لذلك لزم القول بالواحد وبالله التوفيق والثاني أن الأجناس على اختلافها وتباعد ما بينها من نحو السماء والأرض وأطراف الأرض وجعل أرزاق أهلها متصلة بالمنافع حتى كان كل أنواع الخارج من الأرض يكون بأسباب السماء وحاجات كل أهل البلدان منتشرة في جميع الأطراف ومعاش البشر مجعول في أنواع المكاسب على هذا أمر الجميع فلو كان ذلك لعدد لم يحتمل أن ترجع منافعها إلى من له العالم من الخلق على اختلاف العالم ثبت أن مدبر ذلك كله واحد وعلى ما ذكرت الأوقات من الليل والنهار والساعات ودخول بعض في بعض على قدر الحاجات وهذا والله أعلم معنى قوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فهذا مع ما جعلت الأجسام وهي الأعيان على جهات ست ثبت أن مدبر كل على اختلاف الأجناس واحد حتى جمع الكل تحت معنى واحد ولا قوة إلا بالله والثالث أنه لا يوجد جوهر واحد يرجع بجوهره إلى معنى واحد من الضرر أو النفع أو الخبيث أو الطيب أو النعمة أو البلاء بل كل شيء يوصف بالخبث فهو يصير طيبا من وجه غير من له خبث وكذلك سائر الصفات وعلى ذلك أحوال الأشياء إنها ليست على نفع بكل حال أو ضرر بكل حال ثبت أن مدبر ذلك كله واحد حتى جمع في كل وجوه المضار والمنافع ولم يجعل شيئا ذا نوع ليعلم أنه عن أصل يرجع إلى جوهره أو عن تدبير عدد يفعل كل جهة فيتناقض بما تفرد كل بالجهة التي هي منه ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الأعيان تراها تحت حد الأجسام كلها وهي مجتمعة على طبائع متضادة حقها التنافر والتباعد بما بينها من التعادي الذي لو توهم تركها وطباعها لكان في ذلك فساد الكل فثبت أن مدبر الجميع بينها واحد يجمعهم باللطف ويحبس ضرر كل عن غيره بالحكمة العجيبة التي لا تبلغها الأوهام ولو كان لعدد لجرى فيها حق الإختلاف والتضاد على ما عليه إرادة الفاعلين من السر بغيرهم وبصنع غيرهم ليتبين صنعه وبالله النجاة وأمكن الجمع بين الحرفين في جميع ما ينتهي إليه الإعتبار من الإشارة إلى الدلالة إنها تخرج على النظر إلى الأحوال والأفعال فالأحوال هي أن يكونوا في جميع معاني الربوبية سواء فيكون في ذلك تدافع وتمانع مع ما كان ذلك صفة فرد سموه عددا أو تختلف فيكون الأتم لها أحق بالربوبية وأما الأفعال فما ذكرت من اتساق جميع العالم مع تناقض الطبائع وتضادها صارت كأنها أشكال في قوام بعض ببعض وكون بعض لبعض عونا وناصرا في البقاء وإن كانوا بالوجه الذي ذكرت ثبت أن ذلك التألف مع التضاد لا يحتمل إلا بمدبر حكيم عليم لطيف لا ينازع في التدبير ولا يخالف في التقدير ولا قوة إلا بالله وإذا ثبت القول بوحدانية الله تعالى والألوهية له لا على جهة وحدانية العدد إذ كل واحد في العدد له نصف وأجزاء لزم القول بتعاليه عن الأشباه والأضداد إذ في إثبات الضد نفى إلهيته وفي التشابه نفى وحدانيته إذ الخلق كلهم تحت إسم الأشكال والأضداد وهما علما احتمال الفناء والعدم ونفى التوحيد عن الخلق
والله واحد لا شبيه له دائم قائم لا ضد له ولا ند وهذا تأويل قوله ليس كمثله شيء وأصل ذلك أن كل ذي مثل واقع تحت العدد فيكون أقله أثنين وكل ذي ضد تحت الفناء إذ يهلك ضده وعلى ذلك كل شيء سواه له ضد يفنى به وشكل يعد له ويصير به زوجا فحاصل تأويل قوله واحد أي في العظمة والكبرياء وفي القدرة والسلطان وواحد بالتوحد عن الأشباه والأضداد ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ هما تأويلا الأشياء وإذ ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يضاف إليه من الخلق ويوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به وبالله التوفيق وفي ذلك ظهور تعنت المشبهة وذلك سبب إلحاد من ألحد أنه ظن به ما احتمله الشاهد فمنهم من جعله أحد الأعيان وأنكر الصانع للعالم وأدعى أنه على ما عليه في الأزل ومنهم من صيره محتملا للحوادث وأنكر حدثه وزعم أن غيره حوادث اعترضت بقوته وهم أصحاب الهيولي والمسلمون لزمهم القول بهستيته ضرورة فقالوا ونفوا عنه جميع ما احتمل غيره إذ احتمل غيره التفاضل في الذوات والإختلاف في الصفات أو احتمل غيره الإستحالة والتغير بما يتمكن فيه الزيادة والنقصان وإن كان بعض ذلك ثوابت فهو نوع المحتمل لذلك على أن ثباته بالتسخير على ما هو عليه من دوام الحركة أو السكون أو بإحتمال التضاد الذي هو آفة الموجود بما فيه إحتمال الفناء ووجود الأشباه له ليبطل عنه صفة الكمال والتمام أو تمكن النهاية له والحد الذي يتوهم معه الأتم والأنقص والأوفر والأقصر فهذه الوجوه من آيات حدث العالم وأدلة محدثة فلو كان لمحدثه مما به عرف حدث العالم وأن له محدثا ليلحقه من ذلك الوجه ما لحق غيره وفيه فساد العالم وشهادته على محدث حكيم عليم متعال عن الأشباه والأضداد مع ما كان كل غير له حدث من جميع الوجوه فلو كان لشيء منه شبه يسقط عنه من ذلك القدم أو عن غيره الحدث ولا قوة إلا بالله على أن الشبه من كل جهة في الخلق ممتنع لما يصير واحدا وإنما يكون في جهة دون جهة فلو وصف بالشبه بغيره بجهة فيصير من ذلك الوجه كأحد الخلق ولا قوة إلا بالله قال الشيخ أبو منصور رحمه الله وليس في إثبات الأسماء وتحقيق الصفات تشابه لنفى حقائق ما في الخلق عنه كالهستية والثبات ولكن الأسماء لما لم يحتمل التعريف ولا تحقيق الذات بحق الربوبية إلا بذلك إذ لا وجه لمعرفة غائب إلا بدلالة الشاهد ثم إذا أريد الوصف بالعلو والجلال فذلك طريق المعرفة في الشاهد وإمكان القول إذ لا يحتمل وسعنا العرفان بالتسمية بغير الذي شاهدنا ولا الإشارة إلى ما لا نأخذ من الحس وحق العيان لو احتمل وسعنا ذلك لقلنا ذلك لكنا اردنا به ما يسقط الشبه من قولنا عالم لا كالعلماء وهذا النوع في كل ما نسميه به ونصفه والله الموفق مع ما كان التشابه الذي تقدره أوهامنا ليس عن قول اللسان نقدره بل بما كنا نعرف الشبه بين الذاتين والفعلين فإلى ذلك يرجع وههنا عند التسمية وذلك يحققه لو لم يكن لهما اسم عرفا به ووصف وصفا به فإذا كان الله سبحانه فيما اعتقدنا وحدانيته اعتقدنا غير شبيه بالمعروفين في تسمية الآحاد لم يلزمنا التسمية بما تعرفنا ما لولا الإسم لم يجب التشبيه بالإسم لذلك ولا قوة إلا بالله على أن من نفى الأسماء والصفات من الفلسفة لم يقل بالتعطيل وكل مثبت معناه في التحقيق نفى التعطيل ثم لم يجب به التشابه فمثله في الأسماء
وإذا لم يحققوا فما يقولون لو قيل لهم ما تعبدون وإلى ماذا تدعون وبأي دين تدينون ومن أمركم ونهاكم عما تنهون وتؤمرون ومن به بدء العالم العلوي والسفلي وبمن كان أولية الأشياء ليرجعوا إلى معنى يقرب إلى الفهم أو يلحقوا بمنكري حدث العالم ويبطلوا قولهم في الأول إنه العقل أو الأصل السابق أو الروحاني الأول أو ما قالوا في ذلك وفي ذلك اختيار الحيرة والتمسك بالجهل ودفع ما يعرف غير العالم به ولا قوة إلا بالله ثم نذكر طرفا من الشبه التي اعترض من استحوذ عليه الشيطان وصرفه بها عما ظهر من البيان ليعلم أن الذي بعثه على ما اختار خدعة نفسه بتسويل عدوه وذلك لا بتقصير من الله في نصب البرهان ولا قوة إلا بالله فنقول سول الشيطان لمنكر العيان بما قد يخرج على غير الذي حسبه المتأمل فيه ليصده عن عبادة الرحمن المؤوف بصره أو الذي تنازعه نفسه في المنام أو الذي يبعد عنه أو يدق عن الإحاطة ثم لم يعمل عليه كيد الشيطان في الصرف عن الملاذ وكف النفس عن الشهوات ويوقيه من الجواهر المؤذية وصون النفس عن اقتحام النيران والبحار ولو كان عن حقيقة جهل ينطق لكان لا بقاء له لما يقتحم المهالك ويمتنع عن تناول الأغذية فثبت أن الذي دعا إلى ما يقوله حب اللذات والميل إلى الشهوات مع ما في الذي ذكر من اختلاف الأحوال وتبين الخلاف دليل كاف على أنه قد علم العيان حيث أخبر عن الخلاف لما ذكر من الحسبان وعندنا أن ذلك بمعنى العيان إن المؤوف وفي حال المنام والبعد والدقة لا يصل إلى حقائق الأشياء وعند الإرتفاع يصل فذلك الذي أوجب من الإختلاف هو حق العيان لم يجز أن ينكره وعلى مثله قول مثبتي العيان ومنكري الخبر بما قد يظهر فيه الكذب بعد أن ينتشر به القول ثم قد قيل الإخبار في العيان اللذيذة والجواهر الشهية في الإنتفاع مما لولا الإخبار عما فيه من اللذة ما احتمل عاقل المخاطرة بنفسه من الإمتحان وكذلك اتقاء المضار من غير أن سبق منهم الإمتحان فما نالوا إلا بالإخبار وعلى ذلك المكاسب والحيل والحذر ونحو ذلك مما يرجع منافع ذلك إلى أبدانهم ودنياهم وكذلك المضار فثبت أن الذي بعث هذا إلى التكذيب ما في القول به من إثبات الحرمات وكف النفس عن الشهوات فيصير السبب الذي به خدع الشيطان هذا الصنف هو السبب الذي خدع الصنف الأول مع ما يوجد ذلك في العيان من الوجه الذي بينا ولم يمنع هؤلاء القول به فمثله في الأول لأنه يظهر الكذب في الإخبار بما اعترض المخبر من الآفات التي تحملهم عليه وبعد فقد ظهر صدق كثير من الأخبار فلم يكن أحد الوجهين به أولى من الآخر إلا بدليل يوضح والله الموفق وقد يعامل بالمعاملة الوحشة وضرب مما يؤذيه ويؤلمه حتى يضطر إلى القول بما لا يحتمل معرفته إلا بالخبر ولا قوة إلا بالله وعلى مثله قول المقرين بعلم العيان والخبر المنكرين لعلم الإستدلال على عقله لوجوه المنافع في الدنيا ولعواقب مأمولة ليس عنده علم من جهة العيان والخبر وإنما ذلك بالإستدلال وما في ذلك من ظنون الإصابة وكذا معرفة صدق الإخبار وكذبه مع ما يقال له في كل شيء يعلم مما ليس فيه علم الحس بم علمت ذلك فإن قال بالخبر يسأل عن معرفة صدقه وكذبه وتدخل ذلك في جميع الملاذ والمضار مما يتقى ويؤتى مع ما كانت الضرورة تلزم النظر بما عاين وسمع ليعلم منشأ العالم أو حدثه وقدمه وبعد فإنه ليس في شيء يمنع الإستدلال له خبر في المنع أو عيان فكأنه بالإستدلال يمنع القول به ولا قوة إلا بالله
وبعد فإن معرفة إنسان أو نار أو شيء بالذي شوهد مرة لا يخرج إلا على الإستدلال بالذي عرف ولو لم يدله للزمه أن لا يعامل أحدا قط ثم لا يقبل تعليم أحد لأنه لا دليل عنده يعلم أنه من ويجوز أن يوجد بخبره أو لا ثبت أن كل ذلك إستدلال وهو لازم ولا قوة إلا بالله مسألة في دلالة الشاهد على الغائب قال أبو منصور رحمه الله ثم اختلف في وجه دلالة الشاهد على الغائب فمنهم من يقول على مثله إذ هو أصل للذي غاب عنه ولا يخالف الأصل فرعه مع ما كان طريق معرفة الغائب الشاهد وقياس الشيء نظيره فبه أثبتوا قدم العالم إذ الشاهد يدل على مثله فصار الغائب به عالما أيضا ثم هو يدل في كل وقت على مثله قبله وفي ذلك إيجاب القدم للكل ومنهم من يقول ما من وقت يتوهم فيه ابتداء العالم إلا وقد يتوهم قبله فيبطل له الغاية ومنهم من يقول يدل على المثل والخلاف ودلالته على الخلاف أوضح لأن من شاهد شيئا من العالم يدله على حدثه أو قدمه وقدمه وحدثه ليس هو مثلهما ولا نظيرهما ثم يدله على محدثه أو كون بنفسه وهما خلافه ثم يدله على حكمة فاعله وسفهه وإختياره وطبعه وكل ذلك خلاف لما شاهده ولا يدله على أن له مثلا إذ لو كان يدله لكان يجب أن يتوهم كل من عاين نفسه أن يكون كل العالم مثله وذلك بعيد فثبت أن الجوهر لا يحقق رؤية مثله غائبا ويحقق أحد الوجوه التي ذكرناها لكن إذا عرفت كيفية المشاهد إذا أخبرت بتلك الكيفية لغائب علمت أنه مثله لا أن ذلك يحقق المثل وقد يجوز أن يدل على مثله بهذا الوجه وبما عرف يعنى الجسم والنار فيعرف كل جسم ونار وإن لم يشهده ولا قوة إلا بالله وما زعم من الأصل والفرع فمقلوب لما كان القديم والقدم ولم يكن ما به إستدلال فلذلك لم يجب جعله فرعا لهذا بل هو الأصل لكون هذا به ثم كل كائن بغيره من طريق العقل خارج عن جوهره في الشاهد كالبناء والكتابة وكل أنواع الأفعال والأقوال التي هي أغيار لمن كن بهم لم يجز أن يلحقهم بالجوهر والصفة فمثله الذي به العالم على أنه جاز في الشاهد إثبات ما لا يدرك ولا يحاط به نحو السمع والبصر والروح والعقل والهوى ونحو ذلك وما يدرك نحو الأجسام الكثيفة فلو كانت هي قديمة الأصل فيجب أن يكون كل نوع يتولد ويحدث من جوهره العقل من العقل وكذلك البصر والسمع ومعلوم الإختلاف بين كل جوهر والمتولد منه في ذلك فلزم الكون والحدث إن كان مختلفا وفي تثبيت الإختلاف بطلان أن يكون الذي في وصف القدم عالما أو على ما عليه صفته وفي ذلك إثبات حدث العالم بمن ليس كمثله وبعد فإن الكتابة تدل على الكاتب ومن لا يدل على كيفيته أو مثله لا يجوز أن يكون ملكا أو بشرا أو جنا فتكون الكتابة غير دالة على مائية الكاتب وكيفيته ولا على مثلها وهي تدل على كاتب ما فمثله العالم بما فيه يدل على محدث ما لا يدل على كيفيته ومائيته وكذلك البناء والنسخ والنجر والصناعات لذلك لزم القياس في إثبات صانع العالم بالعالم بما فيه من العجائب والأشياء التي لا يحتمل كونها إلا بحكيم عليم ولا يجب به تعرف الكيفية له والمائية ولا قوة إلا بالله
قال الشيخ أبو منصور رحمه الله والأصل أن دلالة العالم مختلفة على اختلاف جهاته دل احتماله الإستحالة والزوال وإجتماع الأضداد في عين في حال على حدثه ثم دل جهله بمباديه وعجزه عن إصلاح ما فسد منه أنه لم يكن بنفسه ثم دل اجتماع الأحوال المتضادة وإتساق جواهر الخلق على الإستقامة على أن مدبر الكل ومحدثه واحد ويدل أيضا اتساقه وإستقامته وحفظ الأضداد في عين على قدرة مدبره وحكمته وعلمه فاختلفت جهات الدلالة فيما عليه دلالات العيان فصار دليل إثبات المحدث عجز المحدث ودليل علمه لما اتسق جهله بنفسه فصار وجود الدلالة به على الخلاف لا الوفاق وأصل آخر أيضا أن الضروريات والحاجات هي التي دلت على غير فلم يجز أن يحتمل ما أحتمل هو لما يحوج إلى غير ثم ذلك إلى آخر إلى ما لا نهاية له وذلك فاسد والله أعلم أقاويل من يدعى قدم العالم قال أبو منصور تم ذكر أقاويل من يدعى قدم العالم على ما عليه من كون شيء من شيء إلى ما لا نهاية له بلا منشئ بما كذلك شهده والشاهد دليل الغائب فيلزم ذلك في الذي غاب لأنه لو جاز إيجاب خلاف العيان بالعيان لجاز إيجاب إنسان وجسم بخلاف المعقول على أن فيه إيجاب الخروج من التصور في الوهم والتقدر في العقل وذلك آية النفى فمثله اعتقاد شيء لا من شيء نحو الأوقات إنها تقع تباعا وقد اعتبرها بما لا وقت يتوهم كونه إلا وأمكن توهم ذلك قبله إلى ما لا نهاية له واعتبر أيضا بجواز البقاء بما لا يبقى ومنهم من يقول يكون شيء بشيء إلى ما لا نهاية له بمنشيء حكيم وجعلوه علة كون العالم ومحال كون العلة ولا معلول مع ما لا يخلو من لا يوصف بالقدرة والجود في القدم وذلك آية العجز والحاجة أو يوصف فيجب المقدور عليه وإفاضة الجود على كل شيء وما ذكر من التوهم لهم أيضا ومنهم من يقول بقدم الطينة وهي الأصل وحدث الصنعة قال أبو منصور رحمه الله فقوله بقدم الطينة لما ذكرنا من رفع كون شيء لا عن شيء ثم كان كل شيء حدث عن شيء حدث عند انقلاب الأول وهلاكه نحو ما يحدث من النطفة والبيضة ومنهم من جعل حدثه بعوارض حلت بالطينة فانقلبت على ما عليه الطبائع من الإعتدال والإختلاف ومنهم من جعل حدثه بالباري ومنهم من قال بالأصل وسماه هيولي قال الشيخ أبو منصور رحمه الله فجملة ما ذهب إليه هؤلاء دفع ما لا يتصور في الوهم ولا يتمثل في النفس إذ كذلك وجد لم يحتمل قلوبهم إيجاب خلافه فيقال أيتصور في أوهامكم دفع ما لا يتمثل في النفس فإن قال نعم كابر لمشاركتنا إياه في ذي الصور وليس يتصور دفعه هذا في أوهامنا وإن قال لا بل تقديره فيقال له متى يتصور في الوهم قدم الشيء أو بقاؤه بعد التفرق وأن يصير بحيث لا يأخذه البصر وقد يقول بذلك كله ومع ذلك في الأنفس ما لا يتمثل في الأنفس من السمع والبصر وجرى قوى جوهر واحد من الطعام وتولد قوة الجواهر المختلفة به كالسمع والبصر والفهم واليد والرجل وغيرها مما ينكر مثله في تلك الجملة بالأدلة ثم يقال له لا يعدو كون الشيء من الشيء من أن يكون مستجنا فيه فظهر ومحال أن يكون الإنسان بكليته والشجر بكليته مع ما يثمر في ذلك الأصل أو جميع البشر بجوهرهم يكونون في أصل الماء الذي كان في صلب فيسع الشيء الواحد ما لا يحصى من الأضعاف وذلك مما لا يحتمل تمثله في نفس صحيحة ولا يصبر عليه عقل سليم وذلك يبطل قوله كون الشيء من الشيء لأنه بكليته لم يكن من النطفة
وليس له أن يدعى كونه في الأغذية لأنه يبلغ في وقتا في العظم لا يزداد البتة وتلك الأغذية كلها موجودة أو فيها زيادة بالجوهر وكم من جوهر يسمن وآخر يأكل ذلك عمره فلا يظهر وترى التوت وورقه يأكله نعم فيخرج من كل غير الذي يخرج من غيره وكذلك التمر وغيره فهذا يبين أن ذلك ليس بعمل الأغذية على أن الأغذية هن موات لا يحتمل أن تصير كذلك إلا بتدبير مدبر عليم لا أن استفاد ذلك المعنى من غيره بلا تدبير وفي ذلك لزوم القول بالذي قلنا أو إن كان حدث شيء منه أو بعضه لا أن كان في شيء مما ذكر فيجب القول بحدث العالم بما لزم في بعضه ثم يقال لهم إذ كل مشاهد ذو نهاية وجعلتموه دليل العالم لم لا كان الكل كذلك وإلا لو جاز كون شيء منه متناه وجملته لا لم لا جاز كون شيء منه عن شيء وجملته لا وكذلك نرى بعضه لبعضه مكانا ولا يحتمل جملته المكان لزوال الحمل ولا قوة إلا بالله وفي ذلك لزوم الحدث وما ذكرنا من البقاء قد بيناه فيما تقدم وما ذكر من التوهم فكذلك ما من وقت يتوهم إلا وأمكن توهم كونه من بعد فيجب به حدثه مع ما إذا لم يجعل لأوليته وقت يبطل كله وبعد فإنه لو جاز إخلاء العالم أو أصله عما يحتمل من الحوادث لجاز أيضا قلب كل معقول من جواز حي وميت في حال فثبت حدث الكلية بما لا يخلو عنه ولا قوة إلا بالله قال الشيخ رحمه الله وما ذكر من الخروج عن المعقول بما لا يتصور في الوهم فقد بينا وبعد فإن ذلك عقل خص به من لا عقل له لأنه طلب معرفة ما ليس طريقه الحس بالحس فهو كمن يريد أن يميز بين الأصوات بالبصر وبين الألوان بالسمع وكذا كل معروف بحس أحب أن يعقل ذلك بغيره فيقصر عنه عقله فمثله ما كان طريق العلم به غير الحواس فأراد الوصول إليه بها لم يسعه عقله وهذا الجواب جواب لقوله أيضا كون شيء من غير شيء خارج من المعقول وللأمرين جواب آخر وهو أن يقال يعنى بالتصور في الوهم الوجود بالأدلة فهو لازم ولا نقول بما ليس فيه ذلك وإن أردت المثال جل ربنا عن ذلك بل هو الجاعل لكل ذي المثال مثلا وهو منشئ ذلك ودليل حدث العالم إحالة كون حياة في ميت لأنه به يحيى ثبت أن حياة الأشياء حدث فكذلك موتها إذ قد يكون بعد الحياة قال الشيخ رحمه الله وقوله الباري علة العالم إن أراد به كون المصنوع به بالطبع فهو محال لأنه طريق الإضطرار ومن ذلك وصفه لا يحتمل به كون العالم على أن العالم محدث مختلف ومن كون الشيء به بالطبع فهو ذو نوع وإن أراد به أنه يحدثه فذلك مستقيم وتسميته علة فاسدة وذلك المعنى يوجب كون الشيء بعد أن لم يكن لأوجه أحدها التناقض إذ العدم يوجد فتقع الحاجة إلى من يوجده فثبت أن في ذلك وجوب كونه حادثا والثاني كون كلية العالم به ومعلوم كون الحادث بعد أن لم يكن والله أعلم والثالث أن في ذلك وجود الإجتماع مع التفرق والحركة مع السكون والحياة مع الموت وفي ذلك تناقض وتناف ثبت أنه كان على التتابع بالأول والثاني ونحوه ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله ونحن نقول بأنه عز وجل لم يزل عالما قادرا فاعلا جوادا على الوجوه التي تصح في العقل ويقوم معه التدبير إنه لم يزل كذلك ليكون بفعله كل شيء يكون في وقت كونه بوجه يصح عنه دفع الوصف بالغنا عن التكوين والإمتناع عن وقوع القدرة عليه والغنا بنفسه في الوجود عن الباري ولا قوة إلا بالله وذلك معلوم في الشاهد في العلم والإرادة بأشياء ليست بكائنة لتكون فمثله عندنا القدرة والإرادة والجود وما ذكر ولا قوة إلا بالله
وما ذكر من التوهم فإنه قد يتوهم في كل شيخ في أول ما شاخ بقدمه ولم يجب به الوصف في الأزل وكذا في كل حركة وسكون وتفرق وإجتماع فإن قلت ذا محال فمثله كون الحدث في الأزل محال والله الموفق ثم زعم من يقول بالإثنين الظلمة والنور بقدم العالم وأحق من يأبى ذلك من يقول بهذا إذ من قولهم إنهما كانا متباينين فامتزجا فكان العالم من امتزاجهما ومعلوم أن الإمتزاج كان حادثا إذ التباين كان هو المتقدم ولم يكونا يلقبان بالعالم إلا أن يقولوا النور والظلمة جوهران اختلفا كانا في الأصل بمكانهما فكان مكان النور نور كله وخير ومكان الظلمة ظلمة كلها وشر فيبطل القول بقدم العالم الممتزج وبخاصة قول الماني حيث زعم أن النور لما رأى الظلمة قدحت فيه ومازجت به أحدث هذا العالم ليتخلص بذلك أجزاء النور من أجزاء الظلمة فصار العالم على هذا القول بعد الإمتزاج المحدث مكون بعد المحدث قديما وذلك هو التجاهل فأوجبوا عجز النور وقت كونه في سلطانه بجميع أعوانه من الخيرات وأنصاره من الحسنات حيث لم يقدر على الإمتناع من قدح الظلمة وأحد أحزابه عنه وجهلوه بوقت القدح فيه ليتخلص منه ثم زعموا أنه أحدث هذا العالم ليخلص أجزاءه منه بعد أن صار في وثاقها هيهات ما أبعدهم عن ذلك وما أجهل من يقدمونه ويجعلون له كل خير وأول كل خير وعلم وقد جهل ما ذكر وعظم كل خير بقوة وقد عجز من حفظه في أقوى أحواله ثم إذ كان هو المنشيء للعالم كيف صار أكثر العالم شرا فهو إذن فعل الشر ليتخلص به من وثاق الشر فكأنه أعان الشر والظلمة إذ هو عمل ذلك ثم قد زاد من أجزائه في أجزاء النور بإحداث العالم في أجزاء العالم فازداد له حبسا وهلاكا ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله واختلفت الثنوية في الإمتزاج فمنهم من يجعله للظلمة لكنهم اختلفوا فمنهم من يحقق له الفعل ومنهم من يأبى ذلك ويراه كالمنتشر بالطبع وهي كثيفة ستارة والنور رقيق دراك فيقع فيها فوقع الإمتزاج بذلك ومنهم من يجعل ذلك للنور لكنه كله هذيان ما يدريهم ذلك والأصل فيه أن الظلمة والنور في احتمال التغير والإستحالة وإحتمال التجزئة والتبعيض والحسن والقبح والطيب والخبيث وكل شيء سواء فإن كانا يرجعان إلى أجزاء العالم فهما يحدثان بحدثه ويفنيان بفنائه ثم لا يجوز أن يكون لواحد منهما ألوهيته لظهور العجز والجهل بهما والعالم هو دليل قوى عليم حكيم فهما في تلك الجملة وبعد إذ لم يكن واحد منهما قدر أن ينشيء فعلا يدل عليه ثبت أنهما مفعولان لا فاعلان ومما يبين أنهما فعل لواحد ما ليس في العالم شيء بجوهره خير حتى لا يكون منه شر في وجه أبدا ولا شر لا يكون منه خير في وجه أبدا ثبت أن إنكار مثله عن الواحد غير ممكن ثم الأصل أن الإمتزاج لا يخلو من أن يكون شرا أو خيرا فإن كان خيرا لا يخلو من أن يكون من الظلمة فيكون منها الخير وبطل قولهم بالإثنين من حيث لا يكون من الشر خير ولا من الخير شر وإن كان شرا فقد شاركه الخير في القبول فصار شرا وإن كان ذلك من النور فالوجهان قائمان فيه مع ما إذ كانا غير ممتزجين فامتزجا لا يخلو امتزاجهما من أن يكون بأنفسهما فيكونان ممتزجين بالجوهر متباينين به وذلك متناقض ولو جاز ذلك لجاز أن يكونا متحركين بأنفسهما ساكنين حيين ميتين قاعدين قائمين مع ما يفسد أن يكون التباين لنفسه يقع ثم امتزاج بما كان به التباين ألا ترى أن الأحوال التي تتغير بالأعيان لم يجز وجودها إلا بغير فكذلك التباين والإمتزاج فثبت أنهما بغيرهما امتزجا وبغيرهما كانا متباينين وذلك يوجب حدثهما وبعد فإنهم يقولون بحرمة الذبائح وأحق من يحل هم إذ بها التفريق بين الجسد المظلم وبين الروح المضيء وبين النور الجلي والظلمة الستارة وبذلك وصفوا النور بأنه رقيق دراك وبالروح ذلك لا بالظلمة فيجب به حل الذبح ولا قوة إلا بالله
وأصله أنهم ينكرون الشر من جوهر الخير والخير من جوهر الشر هذا الذي حملهم على القول باثنين ثم قد أثبتوا الإقرار بالقتل وبما هو عندهم معصية فلو كان من غير الذي منه القتل فقد كذب وهو شر ولو كان منه فقد صدق بالإقرار بالمعصية ثبت أن العجز عن إدراك الحكمة في خلق الشر لا يضطر إلى القول باثنين لما فيه تحقيقه أيضا ولا قوة إلا بالله على أنهم أحق الخلق في الإمتناع عن النطق بالحكمة أو طلب العلم لأن قولهم إن جوهر النور لا يجئ منه شر قط والجهل شر فإن كان من ذلك الجوهر فهو عالم بجوهره حكيم به لا يحتمل الجهل ولا السفه والتعلم وطلب الحكمة حق الجهال بهما وإن كان من جوهر الشر فإنه لا ينجع فيه لأنه بجوهره لا يقبل ولا يحتمل الخير وإذا كان كذلك بطلت مناظرتهم ودعواهم الحكمة والعلم لأن مناظرتهم في ذلك لو كانت مع جوهر النور كان هو عالما قبل المناظرة فلا معنى لها ولو كانت مع جوهر الظلمة كان غير قابل ولا مستمع له فهو عبث فلا بد من تحقيق الجهل والعلم في جوهر كل منهما ليصح ذلك المعنى وفي ذلك جمع الأمرين في أحدهما وذلك المعنى ألزمهم القول باثنين فبطل بحمدالله والأصل فيه أن التكلم منهم بالحكمة لا يعدو إما أن تكلموا بجوهرهم وهو يعلم فيخرج مخرج العبث أو يجهله المكلم وإيهما كان ففيه ثبات الأمرين من واحد أو من غير جوهره فإنه لا يخلو أيضا من قبول أو عبث وأيهما كان ففي ذلك ما قلنا ولا قوة إلا بالله ثم يقال لهم إذ القول بأن لا يجوز أن يكون واحد يجيء منه خير وشر ومن هذا قوله كيف كان منهما العالم الذي كل واحد منهم هذا وصفه فينتقض عليهما فعلهما ما لذلك ادعى لهما ذلك أترى سفها أعظم مما عملاهما بأنفسهما أو جهلا أبين من ذلك ولا قوة إلا بالله فإن قال قائلهم كيف زعمتم أنه يجوز أن يكون من الحكيم يجيء فعل السفه قلنا هذا لا يجيء ممن هو حكيم بذاته إنما يجيء ممن يجهل كما قلتم في النور من الجهل بعمل الظلمة ونحو ذلك فأما الله سبحانه يتعالى عن ذلك لكن قد يجوز أن يكون فعل حكمة لا يبلغها عقل البشر وإلا فهو يجل عن ذلك وما الحكمة إلا الإصابة في أن يوضع كل شيء موضعه ويعطى كل ذي حظ حظه ولا يبخس بأحد حقه وإنما أبى من يظن بالله أو بما يضيف إليه الموحدون ذلك لجهلهم بحدود الحكمة ومبلغ الحظوظ وإيجابهم الحقوق لمن ليست لهم وسنذكره إن شاء الله في موضع هو أملك به من هذا مسألة لا يجوز إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى قال الشيخ أبو منصور رحمه الله ثم القول بالجسم يخرج على وجهين أحدهما في مائية الجسم في الشاهد أنه اسم ذي الجهات أو اسم محتمل النهايات أو اسم ذي الأبعاد الثلاثة فغير جائز القول به في الله سبحانه على تحقيق ذلك لما هي أدلة الخلق وإمارة الحدث إذ ذلك معنى الأجزاء والحدود التي هن آيات الحدث وقد بينا أن ليس كمثله شيء وفي ذلك إيجاب جعله كأكثر الأشياء وإن كان على التسمية به بلا تحقيق ما ذكرنا خرج الإسم عن المعروف به فبطل تعرف ذلك من جهة العقل والإستدلال وحقه السمع عن الله إن الجسم ليس من أسمائه ولم يرد عنه ولا عن أحد ممن أذن لأحد تقليده فالقول به لا يسع ولو وسع بالنحت من غير دليل حسي أو سمعي أو عقلي لوسع القول بالجسد والشخص وكل ذلك مستنكر بالسمع وليسع القول بكل ما يسمى به الخلق وذلك فاسد وثانيهما أن يكون الجسم ليست له مائية تعرف سوى الإثبات فيجوز القول به لو لم يراد به غيره لكنه لا أحد يجعل الجسم من أسماء الإثبات إذ لا يسمى به الأعراض والصفات على احتمالهما اسم الإثبات لذلك بطل القول به
فإن عورضنا باسم الفاعل أو العالم ونحو ذلك قيل له جوابان أحدهما أنا لو لم نعقل معنى هذا لكان يجوز التسمية به بما ثبت في السمع ولم يثبت في الأول لذلك اختلفا والثاني أن معنى الفاعل والعالم كان معقولا في الشاهد وليس ذلك من أدلة الحدث ولا مما في المعروف من معناه دليله وقد احتمل وصف الله به لذلك لزم القول به على نفي الشبه شبه الخلق عنه وبالله التوفيق فإن قيل لم لا قلت بأنه بما سمى به فاعلا كان جسما وكذلك القادر والعالم إذ لا أحد في الشاهد سمى به إلا وهو جسم قيل لا سمى بذلك في الشاهد لأنه جسم لوجودنا أجساما لا تسمى به فلذلك لم يلزم به القول على أنا بينا الوجوه التي أحقت التسمية بما سمى من السمع والعبرة ولسنا نجد ذلك في الذي عارض به ولو جاز لنا ليجوز الآخر أيضا أن يقابلنا بمثله في الجسد والشخص ونحو ذلك مع ما كان اسم الجسم غير واقع في الشاهد على ما لا يحتمل التجزئة والتبعيض من نحو العرض والفعل والحركة والسكون ثبت أنه اسم ذي الأجزاء كالطويل والعريض والمؤلف ولو لم يبطل القول بالمؤلف لما يدل ظاهره على فعل به إذ لو بطل ليبطل القول بموجود بذاته في الأزل ولو كان كذلك ليجوز القول بطويل وجسد ولون وطعم ونحو ذلك لما ليس الظاهر إلا ذلك فإذا لم يجز لما في الحقيقة إيجابه وإن لم يكن في اللفظ دليله فمثله في الجسم والله الموفق يجوز إطلاق لفظ الشيء على الله فإن قيل إذ قلتم شيء لا كالأشياء لم لا قلتم جسم لا كالأجسام قيل له لأن السبب الذي ألزمنا القول بالشيء لم يوجد في الجسم لذلك لم نقل وبعد فإنه لا يخلو فيما يريد إلزامنا من القول بالجسمية من أن يلزمنا بقولنا بالشيء فوجدنا أكثر الأشياء وهي الأعراض والصفات من غير لزوم القول فيها بالجسمية يمنع ذلك وإن كان يريد بقولنا لا كالأشياء فليس هو حرف الإثبات ليدل على مائية المثبت فلا وجه لهذا السؤال وهو كمن يقول إذ جاز أن يكون شيئا لا كالأشياء لم لا جاز أن يكون إنسانا لا كالناس قال الشيخ رحمه الله فجواب مثله أن يقال لأنه ليس بجسم فيقال جسم لا كالأجسام وليس هذا النوع بمعارضة إنما هو محاكمة ونحن لا نملك إيجاد الإله حتى نقابل بمثل هذا فيقال لنا إذ جعلتم ذا لم لا جعلتم ذا بل يتعالى عن الجعل على جهة بل يوصف بما هو عليه ولا قوة إلا بالله ثم المعارضة عند التحصيل تناقض لأنه قال إذ قلتم شيء لا كالأشياء لم لا قلتم جسم لا كالأجسام فإذا قلنا جسم يصير قولنا شيء لا كالأشياء هو شيء لا كبعض الأشياء إذ الجسم أحد قسمي الأشياء وفي ذلك بطلان القول بجسم لا كالأجسام ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله ثم معنى قولنا شيء لا كالأشياء هو إسقاط مائية الأشياء وهي نوعان عين وهو جسم وصفة وهي عرض فيجب به إسقاط مائية الأعيان وهو الجسم والصفات وهي الأعراض فإذا أزلنا ذلك المعنى الذي هو جسم من الأعيان أبطلنا الإسم الذي هو لذلك المعنى كما إذا أزلنا معنى التشبيه من الإثبات ونفى التعطيل أبطلنا القول به ولا قوة إلا بالله ولنا في القول بالشيء عباراتان إحداهما أن يجعل الشيء اسما والموافقة في الأسماء لا توجب التشابه لما قد يستعمل في موضع نفى الموافقة في المعنى نحو أن يقال فلان واحد عصره وواحد قومه على نفى أن يكون له فيهم نظير أو شبيه من الوجه الذي أريد وإن كانوا جميعا في تسمية الواحد شركاء ولو كانت الموافقة في الإسم توجب التشابه لا يحتمل استعماله في موضع إرادة نفى الموافقة وكذلك نجد قول كفر وإسلام على تحقيق الإسم لكل واحد منها والموافقة من حيث القول ولكن المعنى متناقض وكذا ذلك في الحركات والأفعال ونحو ذلك ودليل إثبات القول بالشيء وجهان
أحدهما السمع من قوله ليس كمثله شيء ولو لم يكن هو شيئا لم ينف عنه شيئية الأشياء باسم الشيئية إذ الشيء في التحقيق خلاف ما لا يحتمل القول بالشيء وكذلك قوله قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد فلو لم يكن يقع عليه اسم الشيء لكان لا يحتمل تضمنه ذلك القول حتى ينسب إليه وأما العقل فهو أن الشيئية اسم الإثبات لا غير في العرف إذ القول بلا شيء نفى إذا لم يرد به التصغير فثبت أنه اسم الإثبات ونفى التعطيل فإن كان قوم لا يعرفون أن معنى الشيء الإثبات والخروج من التعطيل يتقى عن ذلك بينهم كراهة أن يعتقد قلوبهم معنى مكروها ويقولون بالهستية فإنه أوضح في معنى الإثبات وإن كانا واحدا عند أهل العلم بهذا اللسان مع ما كان القول بلا شيء يستعمل في نفى الحقيقة أو تصغير الثابت فثبت أن القول بالشيء إنما هو في إثبات الذات وتعظيمه والله حقيق لذلك والقول بلا جسم لا يوجب واحدا منهما فكذلك القول بالجسم ليس فيه تثبيت واحد مما يحمد وجوده أو يعظم لذلك اختلفا وعلى ذلك القول بلا عالم ولا قادر اسم ينفى العظمة والجلال فمثله في العالم والقادر إيجاب الوصف بالعظمة والجلال وبالله التوفيق فإنه في الشاهد لا يفهم من قول الرجل شيء مائية الذات ولا من قوله عالم وقادر الصفة وإنما يفهم من الأول الوجود والهستية ومن الثاني أنه موصوف لا أن فيه بيان مائية الذات كقول الرجل جسم إنه ذكر مائية أنه ذو أبعاد أو ذو جهات أو محتمل للنهايات وقابل للأعراض وكذا ذا في الإنسان وسائر الأعيان ولا قوة إلا بالله وبعد فإن القول بهذا كله واجب بما ثبت في السمع التسمية به وبالله التوفيق قال أبو منصور والأصل في حرف التوحيد أن ابتداءه تشبيه وإنتهاءه توحيد دفعت إلى ذلك الضرورة إذ بالمدرك المفهوم يستدل على ما قصرت الأفهام من إدراك ما عن الأوهام نحو ما يدرك ثواب الآخرة وعقابها بلذات الدنيا والأذيات التي فيها وكذا وصف الله تعالى بالمدرك من خلقه للدلالة والعبارة فقيل عالم وقادر ونحو ذلك إذ في الإمساك عن ذلك تعطيل وفي تحقيق المعنى الموجود في خلقه تشبيه فوصل به لا كالعلماء ونحوه ليجعل نفى التشبيه ضمن الإثبات فهذا فيما ألزمت ضرورة العقل القول به والسمع جميعا فأما ما لا سمع فيه ولا في العقل إحتماله فالتسمية به جرأة عظيمة ولا قوة إلا بالله وجواب آخر أن الشيء ليس باسم لأن لكل اسم خاصيه إذا ذكرت أعلمت مائية الشيء نحو أن يقال ما الجسم فنقول ما له أبعاد ثلاثة وما الإنسان فنذكره حده المعروف في الشاهد من الحي الناطق الميت أي المحتمل لذلك وكذلك كل جوهر له حد يذكر باسم الخاصية له وعلى ذلك عالم قادر لا يذكر خاصيته بحرف يحد ذاته أو يعلم مائيته إنما يذكر ارتفاع الجفاء عنه وتأتي الأشياء له ولا تذكر مائية ذاته فجائز القول بذلك وليس في ذلك حرف التشبيه في مائية الذات فخشي أن يفهم غيرية العلم والقدرة كما هما في الشاهد فقيل لا كغيره ممن ذكر ليعلم أنه بذاته عالم لا بغيره قادر وبالله التوفيق قال أبو منصور رحمه الله وسئل واحد عن معنى الواحد قال ينصرف على أربعة كل لا يحتمل التضعيف وجزء لا يحتمل التنصيف والذي بينهما يحتمل الوجهين كارتفاعه عما لا يتنصف وانحطاطه عما لا يتضعف إذ لاشيء وراء الكل والرابع هو الذي قام به الثلاثة هو ولا هو هو أخفى من هو والذي انخرس عنه اللسان وانقطع دونه البيان وانحسرت عنه الأوهام وحارت فيه الأفهام فذلك الله رب العالمين
ومن أحب أن يقول في الله بالجسم على التحقق مما بينا من معاني الأجسام التي هي محل الأعراض المحتملة للنهايات ونحو ذلك يجب أن يكلم في معاني خلق الأجسام المشاهدة إن أمكن تثبيته من كل جهة من جهاته من حيث تلك الجهة فالقول به في الله محال فاسد لأنه وصف له بما قام دليل حدثه وإن كان لا يتهيأ إيجابه فحقه التسمية وإن ثبت قيل به وإلا لا ولا وقوة إلا بالله مسألة في صفة الله تعالى قال أبو منصور رحمه الله ثم الوصف لله بأنه قادر عالم حي كريم جواد والتسمية بها حق من السمع والعقل جميعا فالسمع ما جاء به القرآن وسائر كتب الله وسمى بالذي ذكرت الرسل والخلائق كل منهم إلا أن قوما وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ظنا منهم أن في إثبات الإسم تشابها بينه وبين كل مسمى ولو كان به ذلك لكان بنفى التعطيل ذلك وبنفيه أيضا تشابه بينه وبين ما لا يدخل تحت إسم وهو ما ليس كذلك ولكن قد بينا بعد التشابه لموافقة الإسم فهو مسمى بما سمى به نفسه موصوف بما وصف به نفسه والعقل يوجب ذلك لأن الله سبحانه إذ ثبت عنه مختلف الخلق بجوهره وصفاته دل أن فعله ليس بفعل الطباع بل هو فعل الإختيار وأيضا أن اتساق الفعل المتوالي بلا فساد يظهر ولا خروج عن طريق الحكمة يثبت كون المفعول بالإختيار من الفاعل فثبت أن الخلق كان بفعله حقيقة ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله تعالى إذ أنشأ شيء ثم أفناه وفيه أيضا ما قد أعاده نحو الليل والنهار ثبت أن فعله بالإختيار إذ تحقق به صلاح ما قد أفسده وإعادة ما قد أفناه وإيجاد المعدوم وإعدام الموجود فثبت أن طريق ذلك الإختيار إذ من كان الذي منه يكون بالطبع لا يجئ منه نفى ما يوجد وإيجاد ما يعدمه ولا قوة إلا بالله وأيضا إنا قد بينا حدث العالم لا من شيء وذلك نوع ما لا يبلغه إلا فعل من هو في غاية معنى الإختيار وما يكون بالطبع فحقه الإضطرار ومحال أن يكون من يبلغ شأنه إلى إنشاء الأشياء لا من شيء ثم يكون ذلك بالطبع مع ما كان وقوع الشيء بالطبع هو تحت قهر آخر وجعله بحيث يسقط عنه الإمكان وذلك آية الحدث وأمارة الضعف جل ربنا عن ذلك وتعالى مع ما جرى التعارف المتوارث من الخلق بالدعوات والتضرع إلى الله تعالى بالفرج وأنه قهر كذا ونصر كذا وأعان فلانا وخذل فلانا وأن كل ذي قوة يفعل بقوة أنشأها ولا ينال شيء من ذلك بالمضطر ولا يرغب فيه دل ذلك على أن العالم بإختياره فإذا ثبت الإختيار ثبتت له القدرة على الخلق والإرادة لكونه على ما هو عليه لأن من لا قدرة له يخرج الذي يكون منه مضطربا فاسدا ولا يملك الشيء وضده فثبت أن ما كان منه بقدرة كان وإختيار وذلك أمارات الفعل الحقيقية في الشاهد الذي هو أصل للعلم بالغائب ولا قوة إلا بالله وعلى ما ذكرنا من تواصل الفعل أعني الواقع به بالفعل وتتابع محكما متقنا هو الدليل أنه كان فعله على العلم به ولا قوة إلا بالله وأيضا أنه إذ خرج كل الجواهر التي لا يمتحن في مصالح الممتحنين وخلق كل شيء أريد به البقاء مع خلق ما به بقاؤه علم أنه كان بمن يعلم كيفية كل شيء وحاجته وما به القوام والمعاش ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله سبحانه خلق الخلق خلقا دل على حدثه وعلى أن له محدثا وعلى وحدانية محدثه فلولا أن علم بالخلق يعلم أنه إذا خلق على ما خلق كان فيه دليل العلم به وبخلقه لا يحتمل أن يخرج على ذلك خلقه وبالله التوفيق وعلى ذلك مجئ الرسل بالأمر الذي لو اتبعوا وعملوا بما جاءوا به ما احتمل الخلاف ولا التفريق ولا الفساد لولا علمه أمكنة متفرقة
كذلك قول من قال كان الله ولا خلق ثم كان الخلق بلا تكوين هو غير الخلق كقول من ذكر بلا غير المضاف إليه العالم والله الموفق على أن قوله قول من نسب إلى الطبائع والأغذية أحق إذ في ذلك إثبات أمر كان به غيرها من قول من يجعل الخلق لله بعد أن لم يكن بلا شيء من الله سوى كون الخلق فيكون للنسبة منهم تحقيق وليس من هؤلاء تحقيق ولا قوة إلا بالله وكذلك لا يوجد في الشاهد قادر غير ممنوع لا فعل له وقادر على الكلام لا كلام له والشاهد هو دليل الغائب فلزم ذلك فيه وبالله التوفيق مع ما قد يوصف الخلق بالفساد والشر والقبح والسوء فلو كان لذاته فعل الله لكان بذلك كله موصوفا مسمى فيقال مفسد شرير قبيح الفعل سيء العمل فإذا كان الوصف بهذا والتسمية كفرا ثبت أن الذي سمى به ووصف هو غير هذا وبالله النجاة على ذلك الولاد والطاعة والمعصية والكسب لو كان في الحقيقة له لسمى به ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله تعالى إذ لم يجز منه الفعل في الأصل ثم جاز فإما أن يكون لا يجوز لنفسه فيجب أن يكون كذلك أبدا أو لغيره وهو الذي عنه السؤال وإذ ثبت أنه لا لنفسه يجوز غير فاعل فهو لنفسه فاعل والله الموفق وقال بعض من يزعم أن الخلق هو فعل الله في الحقيقة إنه كالصلاة وهي فعل في الحقيقة قال أبو منصور رحمه الله وذلك وهم إذ ذلك اسم هو اسم لفعله في الحقيقة ثم لم يدل على أن الخلق هو في الحقيقة فعله ليسلم له على أنا قد بينا من حق التسمية به ما يبين إحالة ذلك فإن قيل إذ وصف الله بالتكوين في الأزل لم لا كان المكون قيل لما كون ليكون الأشياء على ما تكون وذلك نحو القول بالقدرة على الأشياء والإرادة لها والعلم بها ليكون كل شيء في وقته والحدث على الذي يكون لا على العلم به وإن كان الذي يكون من بعد في حد الكائن من غير تغير العلم به والقدرة عليه والأصل أن الله تعالى إذا أطلق الوصف له وصف بما يوصف من الفعل والعلم ونحوه يلزم الوصف به في الأزل وإذا ذكر معه الذي هو تحت وصفه به من المعلوم والمقدور عليه والمراد والمكون يذكر فيه أوقات تلك الأشياء لئلا يتوهم قدم تلك الأشياء ولا قوة إلا بالله دليل الأول ما سبق له الوصف ودليل الثاني أنه إذا لم يذكر وقت المفعول به يومئ قدم المفعول أو الجهل به في غير وقته وكذلك العجز لأنه إذا قيل هو مكون للساعة يومئ أنه كون ليكون في هذه الساعة وكذلك العلم به والقدرة عليه والإرادة ولا قوة إلا بالله ولفعل القيامة والفناء معنى آخر إن السائل عنها إن أراد أنه يفعل الساعة لا يخلو من أن يريد جعل هذه الساعة وقتا للقيامة أو لتكوين الله القيامة فالأول محال لما ليست كذلك والثاني فاسد لما فيه جعل الوقت للتكوين وذلك أمارة الحدث فإن قيل في التكوين ولا مكون إثبات العجز قيل إنما يكون ذلك لو كان التكوين ليكون لوقت فلم يكن وكذلك في الإرادة والعلم به إذا لم يكن جهل وإضطرار فأما ليكون للوقت الذي يكون فيه فلا على ما بينا من العلم وعلى ذلك السمع والبصر والكرم والجود إنه موصوف بها في الأزل وإن كان ما يسمع ويبصر وما ذكر حادث وعلى ذلك جرى الحدوث ولا بد من ذكر الوقت للمسموع عند ذكر الأمرين فمثله الأول ولا قوة إلا بالله