Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)
قال الفقيه أبو منصور رحمه الله ثم اختلف أهل هذا القول في قوة الطاعة أهي تصلح للمعصية أم لا قال جماعة هي تصلح للأمرين جميعا وهو قول أبي حنيفة وجماعته وهذا القول أثبته جميع أهل الإعتزال عند التأمل ويحقق عليهم القول بتحقيق ما لا يطاق وذلك سببهم في القول بتقدم القوة والله الموفق وأصل هذا أنه لما كان سبب من أسباب القول يصلح للشيء وضده فكذلك القدرة مع ما في نفى أن يصلح للأمرين فوت القدرة على فعل ضد الذي جاء به وقد يؤمر به وينهى عنه في وقته فيلزم القول بالقدرة على الشيء وصده ليكون الأمر والنهى على الوسع والقوة ولا قوة إلا بالله ثم الأصل أن كل شيء يصلح لشيء لا يصلح لضده فيكون الذي به بالطبع لا بالإختيار ولو كانت القوة لا تصلح لهما لكان ما كان يقع بالطبع لا بالإختيار ولا قوة إلا بالله وقال جماعة منهم قوة الطاعة هي غير قوة المعصية منهم الحسين وغيره وهم يذهبون إلى أن قوة الطاعة التوفيق والعصمة وقوة المعصية الخذلان والترك على ما يختار ودليل ذلك وجود سؤال المعونة والعصمة على الإحاطة أن ليس معهما زيغ والتوفيق على الإحاطة أن معه الإصابة وكذلك القول الظاهر باللهم قوني على طاعتك وأعني عليها وبتعوذ من الخذلان والإزاغة ثبت لو كان يكون بكل واحد منهما ما يكون بالآخر لم يكن الذي يسأل بالسؤال أحق من الذي يتعوذ منه ولو كان يكون بالعصمة زيغ لم يكن يطمئن القلب عند الوجود فثبت أن قوة كل نوع من ذلك غير قوة النوع الآخر وثبت بما يسأل العصمة والتوفيق كما يسأل المعونة والتقوية أنهما في الحقيقة واحد وأيضا أنه لا أحد يطلق القول في الكافر أنه موفق للإيمان معصوم عن الكفر ولا أحد يمتنع عنه في المؤمن ثبت أن معنى ذلك المعونة على الإيمان والآخر الخذلان وأيضا أن القوة إذ هي لا تبقى وقتين ليصلح بها الفعلان ولا سبيل إلى جمع الفعلين المتضادين في وقت واحد ثبت أن ذلك قوة لأحدهما لا لهما وأن الذي يكون لهما يبقى لاحتمالهما ولا قوة إلا بالله وأيضا أن القوة لا يجوز وجودها إلا وثمة اختيار كالنار في التحريق والثلج في التبريد إنه يقع به الذي له طبع بالإضطرار وذلك كالولاية مع الإيمان والعدوان مع الكفران سببهما مختلف على اختلافهما فمثله أمر القوة على الأمرين ولا قوة إلا بالله ثم نذكر طرفا مما يبين قبح قول المعتزلة عند التحصيل وإن كان قولهم في الإطلاق قولا لذيذا في السمع يشبه أن يكون حقا والله الموفق وهو من أن قولهم أن القدرة لا تبقى وقتين وأنها ليست وقت الفعل فوقع الفعل في الحقيقة ولا قوة له وقت وجوده وذلك علم الإضطرار ووقوع الفعل بالطبع ثم الدلالة أن حق مثله الإضطرار أن فقد جميع الأسباب التي بها الفعل لوقته يحيل الفعل ويوصف صاحبه بالإضطرار ففوت القدرة التي لها الفعل أحق بذلك فصيروه مضطرا إلى ما يصير به وليا لله تعالى وعدوا له عند الإختيار ومما يوضح ذلك أيضا أن من قولهم إن من أراد التحرك للوقت الثاني منه أنها تقع لا محالة ولا يقدر صرفها إلا بمنع من قبل غيره وذلك آية الضرورة ثم وجبت الولاية والعداوة بمثله وذلك وحش في العقل وأيضا أن من قولهم أن ليس عليه وقت الفعل أمر ولا نهى إلا على المجاز لما يقوله المسلمون وإنما معناه أنه مأمور به بمعنى أن كان من قبل ليفعل فيه فإذا لم يكن هو مأمورا به ولا منهيا لم يكن بالفعل مؤتمرا ولا مرتكبا النهى وقته وبه تجب العداوة والولاية فصارا في الحقيقة لا لطاعة ولا لمعصية أو لا أمر ولا نهى ولا قوة إلا بالله وعلى ذلك قولهم إنه مأمور بالفعل في الوقت الثاني وفي الثاني مأمور به في الوقت الثالث كذلك أبدا فلا يفعل الذي أمر بكل وقت وليس بتارك للأمر لما ليس بمأمور وقت الترك ولا قوة إلا بالله
ثم الأصل الذي في العقل دركه أن كل مأمور بالفعل للغد ليس بمأمور هو به للحال فكذلك يجب في الوقت القريب فيجب أن الذي أمر بالفعل للوقت الذي يتلوه ليس بمأمور به للحال في العقل ثم ليس بمأمور به في الوقت الثاني عندهم ولا منهى عن ضده فيبطل حقيقة الأمر والنهى بما في العقل إحتماله على قولهم ويبطل قوهم بما في العقل دفعه وهم مع ذلك لا يجعلون له قدرة في ذلك الفعل فيكون تكليف ما لا يطاق على قولهم ولا قوة إلا بالله ثم المسألة بينهم وبين الحسين لا معنى لها لأن الحسين يقول كل شيء يكون به فعل الطاعة كان مع الكافر سوى العصمة والتوفيق وهم وافقوه بأنه لا يوصف بعصمة ولا توفيق فحصل اختلافهم على تسميته قوة أولا ولا قوة إلا بالله ثم الأصل عندنا في المسألة أن وجود الفعل ولا قوة لمن له الفعل عليه يبطل معنى الفعل ويصرفه إلى غيره وكذلك وجود الفعل ممن هو جاهل به وهو غير جائز ثم كان الخطاب لازما بسبب العلم وإن لم يكن حقيقته مما لو طلب يظفر به فكذلك القدرة والفاجر بالذي لا يلزمه الكلفة لفوت ما به يطاق به كما لا يلزم المجنون لفوت ما يعلم ولا قوة إلا بالله ثم نذكر ما ذكره الكعبي مما يبين وهمه في قضاياه زعم أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة وهذا إنما هو في العقل الذي لا يعرف الطاقة غير القوة الظاهرة وهي الصحة وأما غيرها فليس كما يقول بل كلف الله صاحب موسى بما يعلم أنه لا يستطيع وكذلك تكليف ما يجهل مثله في البديهة قسمته فمثله الأول ثم يقال له وكذلك تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل والذي ادعيته من القبح إنما هو في عقول من يحيل وجود الفعل ولا قوة وذلك وقت الفعل فصار قوله عند التحصيل هو القبيح في العقل إن صدق فيما ادعى ولا قوة إلا بالله وأما الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل وأما من ضيع القوة فهو حق أن يكلف مثله ولو كان لا يكلف مثله لكان لا يكلف إلا من يطيع وليس ذلك شرط المحنة ولا قوة إلا بالله وعندنا أن القدرة في الصحيح السليم إذ هي تحدث تباعا على قدر حرص العباد وإختيارهم وميلهم إليها فما لم يحدث لم يحدث بتضيعهم إذ آثر وا بذله واختاروا الفعل الذي يدفعهم ولا قوة إلا بالله وعلى مثل هذا التقدير عندنا وعندهم أمر الفهم والعلم ولا قوة إلا بالله ثم ذكر معنى يدل على سفهه فقال لو جاز التفريق بين الله وبين ما يكون من غيره لجاز أن يكون الكذب من غيره يكون منه صدقا فلا أدرى أي شيء دفعه إلى هذا الخيال وقد بينا بخروجه ذلك وتعنته فيما ادعى على أنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يجعل كل شيء يعرفه في الشاهد من البشر حكمة أو سفها يقول به في الغائب أو ينظر إلى المعنى الذي له صار كذلك في التحقيق فنقول به في الغائب فإن قال بالأول لزمه ذلك في خلق ما لا ينتفع به وفي خلق الشيء من لا شيء وفي التعذيب من غير دفع ثم يقال نفسه في إجازته قوله بالكذب فمهما أجاب من شيء فذلك لازم له فيما قال وإن نظر إلى المعنى أبطل قوله ذا ببديهة العقل وذا لا يجوز له وهذا النوع من الخيال الذي لا أصل له فلا ومتى تدرك حقائق الأشياء ببداهة العقول وإنما العقول ركبت مميزة بين مختلف الأشياء بمعانيها التي توجب الإختلاف ومؤلفة بين مجتمعها بمعاني توجب الجمع وذا حق الفكر والنظر ليوصل بهما إلى ذلك ثم لا أحد يعلم عالما بشيء لا علم له به قادرا على شيء لا قدرة عليه بل كل معروف ينفى القدرة والعلم موصوف بالجهل والعجز إذا احتمل الوصف بالقدرة والعلم إنه عالم قادر ولا قوة إلا بالله
وإن رجع إلى اعتبار المعاني التي هي أسباب حقائق الأشياء فذلك له مسلم ولا معنى لقوله ببديهة العقل إنما ذلك حق الطباع ونفاره ثم ينكر أن يكون في خلق الله قبيحا في الحقيقة وشرا وفسادا على وجود ما لا يحصى من ذلك على هذه الأوصاف بالعقول بل الله جل ثناؤه بما جعلها كذلك صرف بها مثل ما قبح من الأفعال وتقطيع منظره أوعد به ذو عقل أين الذي ينكر مثل هذا من دعوى بداية العقول ثم لم يزل أئمتهم كلموا الثنوية بجواز كون الخير والشر والطيب والخبيث من واحد ليدفعوا به القول بالإثنين ثم رجعوا إلى إحالة أحد الوجهين عن الله فمن حق الوجه الآخر في الموجود في العالم أوجب ما قالت الثنوية ولا قوة إلا بالله ثم دفع ما عورض بخلق شيء لا ينتفع به بما لم يدل ذلك على تكليف الزمن فهذا يبين أن الذي قال ببديهة العقل كذب وأنه إنما ادعى القياس على ما وافقه خصمه عليه لا غير ثم حصل بما عارض به خصمه مما ادعى ببديهة العقل على من يثبت صدقا مما هو كذب في الشاهد ثم أجاب بما يوجد احتراز النفع بالفعل لا يحق عليه ثبت أن ما قبح منه لم يقبح لعينه وكذلك يجد خصمه مما يقدر عليه لا يجوز التكليف به ثبت أن ذلك لم يقبح لنفسه نحو الفواحش والكفر ولا قوة إلا بالله وذا أولى لما يجيء مثل هذا من الصغار لا يلحقه وصف فحش ولا كفر ولا يجيء منهم فعل غير نافع نفسه يوصف بالحكمة والذي قال من إصرار النفع فهو من ذلك الوجه حكمة ولكن من وجه الضرر صار كذلك وهو ضرر العاقبة أو كفران النعمة أو مخالفة الرب في الفعل وإذا كان به دفعه ولزمه السؤال ولم يلزم خصمه فيما عارضه بالزمن الذي أجابه مما ينقض عليه ليعلم به بعده عن الحق فيما يوافق عليه ويخالف فيه جميعا ثم إن جواب خصمه سهل وهو ما بينا والله أعلم ثم قال ذلك الذي قيل فيمن يفعل لحاجة قيل والأول أيضا قبح ممن لا يملك التقوية لو طلب منه وتضرع إليه ثم عارض نفسه بمن يدفع إلى عبده ما يعلم أنه يعصيه به فقال قد يكون ذلك حكمة نحو من يعلم بخبر الرسول أنه لا يؤمن يجوز أن يطعمه ونحو ذلك مما يعلم من تأمله جهله بما عارض به نفسه لأن الذي ذكره لا يجوز أن يعطيه ليؤمن بذلك بعد علمه بأنه لا يفعل وإنما يعطيه لمنافع سوى هذا والمعتزلة تزعم أنه أعطى القوة ليؤمن بها وهو يعلم أنه يكفر بها فليس ذلك مما قدر في شيء ثم المعارضة كانت فيمن يعصيه فلا أحد يعد نفسه في الحكماء إذا علم أن عبده بالذي يعطيه يعصيه ولا يكتسب رضاه بل يعمل بعداوته وشتمه ولا قوة إلا بالله ولكن ذا عندنه إنما قبح في الشاهد لأن ذلك يضره ويدخل عليه الألم وذلك لا يحتمل أمر الغائب والله الموفق ثم قال لأن ليس لمن حضر أن يمتحن ونحو ذلك فأنى له هذا بعد تقدير فعل الغائب بالشاهد على تحقيق ما يجد فيه لأنه يقابل بجميع ما أنكر وادعى الخروج من الحكمة أن ذلك في فعل من ذلك وصفه فأما الله سبحانه وحكمته فهو متعال عن وقوف عقل مثله على حقيقة ذلك ولا قوة إلا بالله
وقد بينا تأويل قوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وبينا قبح قوله في إسقاط التكليف وقت الفعل وإبطال القدرة عليه فيصير في التحصيل هو المكلف على غير الوسع على أنه يقال كيف لو كان في علم الله أنه لا يفعل أو في علمه أنه يريد الفعل في الوقت الذي يتلوه ومن قولكم إن من أراد الفعل في الوقت الذي يتلوه إنه يفعله لا محالة إلا أن يمنع أن يفعله أيمنع أو يفعل ضده فإن قال يفعل ضده أبطل قوله في كون الإرادة قبل الفعل وألزم نفسه الأمر معه والقدرة معه وبطل قولهم في الإرادة الموجبة وإن قال يمنع فقد ألزم من في علم الله أنه لا يفعل التكليف بقوة تمنع عن الفعل وهو في التحقيق تكليف العاجز الممنوع وإن كان برفع الكلفة أبطل أن يكون أحد ممن في علم الله أنه لا يعطيه مما تضمنته المحنة ولزمه الأمر والنهى وذلك غاية ما ينتهى إليه القول في القبح وعلى ذلك أمر الإرادة إن الله إذ يمنعه عن الفعل الذي في حكمه أنه لا يفعله لا بد أن يمنعه كالإرادة وفي ذلك منع عن الطاعة إذ يمنعه عن الفعل الذي في علمه أنه لا يفعله لا بد أن يمنعه بالإرادة وفي ذلك منع عن الطاعة عنده والخير ثم يقال المروى عن الذي روى أنه سل سيفه على رسول الله فمنعه الله بقبض يده أكان ذلك المنع أصلح له في الدين وأخير له أو الإطلاق فإن قال الإطلاق فقد أقر بأن الله قد يفعل بعباده ما كان غيره أصلح في الدين وإن قال المنع فقد أقر أن المنع قد يكون أصلح فكل عاص لم يمنع عنه لم يفعل به الأصلح ولا قوة إلا بالله واحتجاجه بقوله لو استطعنا لخرجنا معكم قد بينا ما عليه في ذلك وما يظهر أن خصمه أشد لاتباع ذلك ومعرفته منه ولا قوة إلا بالله ثم عارض بما لا يحقق لهم العذر بالفقر إلا بما لا يتهيأ لهم الفعل وذلك المعنى في فقد القدرة موجود قال الشيخ رحمه الله جوابه من أوجه ثلاثة أحدها أن الذي معه من المال لو لم يبلغه لم يعرض عليه وقوة فعل البلوغ لم تكن معه فلم يمنع الغرض فمثله أمر وجود الأمرين محال للحال وعدمهما وأيضا أن الأمر المعتاد أن تحدث القوى تباعا على قدر ما يختاره العبد ويريد من الفعل فهي تحدث لا محالة إلا أن تضيعها هو بصرف الإخيار إلى غير ما يفعل بها فبالتضييع عدم هذه القدرة والأخرى بالمنع لذلك اختلفا والثالث إجازة وجود الفعل في حال لا قدرة فيها ولا يجوز في حال لا سبب به يحدث القدرة ثبت أن أحد الوجهين ليس بنظير للآخر والله الموفق ثم عارض بجواز الأمر بالخروج على أن يعطوا المال معه وزعم أنه إن أجاز أبطل قوله وإن لم يجز ترك قوله فيجاب في هذا بالأوجه الثلاثة من التفريق بالمبلغ وغير المبلغ وبالأمر المعتاد وبما ينكر هو الفعل لوقت عدم الأسباب ولا ينكر لوقت عدم القوة ولما أحد الوجهين يعدم لا به والآخر لا ولو كان يعلم أيضا حدوث الأملاك على التتابع بخبر الصادق لكان الجواب فيهما لا يختلف ولا قوة إلا بالله مع ما في المعارضة إذا حققت إحالته وهو أن تصريف المال مع الملك له لا يحتمل كالحركة مع خلق الله الجسم لا حركة ضرورة ولا اختيار ونوع حركة الضرورة قد يكون مع العجز ومثله الإختيار مع القدرة على أن القدرة لو كانت بحيث لا يجامعها الفعل ليبطل أن يكون بها الفعل بل بعدمها يكون ولا قوة إلا بالله ألا ترى أن الأموال والأسباب مع قيامها بفعل على بقائها توصف بقدمها وبحال إبقاء القدرة فمثل ذلك وصف التقدم والله أعلم
وفي المسألة سوى ما قدمنا ذكره من الأدلة أنه لو كان العجز المتقدم يمنع الفعل لوقت القدرة ليجب أن يكون القدرة المتقدمة توجب الفعل لوقت العجز وفي إحالة ذلك إحالة الأول ولو كان الفعل يقع لفقد القدرة لكان كلما دامت دام الفعل إذ أسباب الأشياء لما هي لها كلما دامت أوجبت دوامها وفي ذلك لزوم القول بالوجود معها ثم زعم أن القدرة محال كونها مع الفعل لأن الله يراه موجودا ومحال كون القدرة مع الفعل الموجود قيل عنيت بالوجود الفراغ منه أو هو فيه فإن قال الفراغ منه بأن كذبه عند من يعقل وأبطل قوله يجوز أن يكون في ذلك بالبدل وهو العجز معدوما ولم يجب القول بإحالة العجز مع المعدوم وإن كان يراه معدوما إذ لم يكن العدم متقضيا بل هو مشغول به ثم يقال له الله يواليه ويعاديه مع فعله أو قبله أو بعده فإن قال قبله أحاله وإن قال بعده أبطل قوله يراه موجودا لأنه يحقق وجود فعل العداوة والولاية ولا عداوة ولا ولاية وإن قال في حاله قيل صار السبب مع المسبب موجودا ولم ينف كون الفعل معه وإن كان يرى الولاية والعداوة موجودتين فمثله القدرة وأيضا أنه على أي حال يراه يرى القدرة معه على ما نرى إلقا الشيء وإخراجه مع خروج ذلك وإلقائه ولم يبطل حق الإلقاء والإخراج بما يرى الشيء على ما يراه فمثله الذي ذكرت وإذ جاز أن يراه موجودا ومعه الأسباب كلها ولم يبعد ذلك فمثله القوة بل كذلك يجب أن يرى كما كذلك يجب أن يرى مع الأسباب وجملته أن للفعل وقت العدم وهو قبله ووقت الفناء وهو بعده ووقت الوجود وهو في حاله ولا محالة يراه الله مع أحوال فعله على ما ذكر لا غير وكذلك الأوقات التي تقع فيها الأفعال والأمكنة فعلى ذلك الأسباب فمثله القوة يراها معدومة قبله فانية بعده موجودة معه ولا قوة إلا بالله واحتجاجه بقوله أو لا يستطيع أن يمل هو ماسلف بيانه مع إحتماله لا يحسن وهو استطاعة العجز أيضا دليل ذلك ما بينا أن قدرة التمام لا تكون قبل الإبتداء وقد أضيف إليه الكل ولا قوة إلا بالله ثم قال أن لا يؤمن حتى يقدر ولا يقدر حتى يؤمن فهو يبقى أبدا غير مؤمن كالواقع في البئر إذا كان لا يخرج حتى يأتيه الحبل ولا يأتيه حتى يخرج فجواب هذا قد تضمنه ما ذكرت من الأشياء التي تقع مع أسباب لها لا تتقدم ولا تتأخر ثم لم يقل ذلك للعلم بأنها تقع إذا لم يعقل عنه ولا يعرض فمثله الذي ذكرت والأصل الذي زعم إنما يعظم وجوده إذا جعل كل واحد منهما يوجد بوجود الآخر متقدما فأما وجود ذلك معا فعليه أكثر أمر الدين والدنيا من وجود شيئين معا لا يجوز تقدم أحدهما على الآخر ثم عارض نفسه بالإلقاء على ما سبق وصفه وتكلف إجابته بما لو رزق الحياء ما سمحت له نفسه بالتفوه به فقال إن إلقاء الشيء هو خروجه من يده لا غيره والإستطاعة غير الفعل فمن نظر إليه يعرف كذبه فإن الإلقاء هو الخروج لا غير بالبديهة بلا تأمل وإذا لم يكن غير فإذا ليس ثمة إلا الخروج مما ألزمه الفعل ويجوز كون الخروج ولا صنع معه له ولا قوة إلا بالله ثم احتج لخصمه بما يشبه جوابه هذا لعله نفعه ثم احتج لخصمه بقول المساول القيام بحاجته لا أستطيع وهو ممن لا علة به فزعم أنه لا يريد به نفى القوة إنما يريد نفى النشاط دليل ذلك ما يعود عليه السائل بالقول فيقول بل تستطيع لكنك لا تنبسط بمعونتي وقد قسمت بحوائج فلان فكيف تقول لا أستطيع
قال أبو منصور رحمه الله له جوابان أحدهما أنهما جميعا صدقا إذ عدم النشاط يرفع القوة وأمكن القيام بذلك والنشاط من ذلك فيوجد القوة وهو ما يقول وهما أمران معروفان لذلك لا يجوز إلحاق الكذب بواحد منهما وعلى ما يقوله عنده إلحاق والثاني إنه قال على الأمر المعتاد إنه لو قام به لآتته القدرة ألا ترى أنه احتج بالقيام بحوائج غيره ومعلوم أن تلك القدرة قد زالت عنه والله الموفق وزعم أن الكافر مأمور به في حال كفره بالإيمان تأويله أن النهى تقديمه فيلزمه أن يقول هو قادر عليه بقدرة تقدمت وزعم أنه ترك في الأول لقول المسلمين ووجه إلى ما أمكن وفي الآخر لم يقل نقول نحن وبالله التوفيق لا أحد من المسلمين إلا وعنده أن الكافر في حال كفره قوى على ما هو عليه فقل في القدرة مثل الذي قلت في الأمر إذ المعنى واحد في القول والتحصيل جميعا ثم تأويله قول المسلمين على وجه يعلم كل مسلم أن ذلك لم يخطر بباله بل لايحتمله عقل كل أحد لو ألزم يجهد أن يكون كافر ليس بمنهى عن كفره وليس بمأمور في حاله فإذا لم يكن في وقته مأمورا منهيا لما هو فيه ولا لضده وهو كذلك في الوقت الثاني والثالث إلى ما لا نهاية له وفي ذلك بطلان الأمر والنهي على التحقيق لأنه يكون الأمر بالشيء للوقت الثاني والنهى عن ضده وهو في ذلك ليس بمؤتمر بالأمر ولا مرتكب النهى لأنه ليس ذلك وكذا في كل وقت فيبطل حق الأمر والنهى عن الفعل أبدا ويرجع إلى غير حال الإئتمار والإرتكاب وذلك بعيد ثم ذكر سؤال خصمه من وجه يحتمل خصمه قوله فقال إذ أثبتم لأنفسكم القدرة فقد أشبهتم الله بها فقال لا يجب ذا لما قدرت به وهو لا بغيره كما يقال في العلم قال الشيخ أبو منصور رحمه الله لو قدرت بالله لم يجز أن تزول بقدرتك قدرة الله كما إذ علمت به لم يزل بعلمك علم الله به وبعد فإن السؤال من وجهين أحدهما الإنفراد بالقدرة وبه احتججت في نقض قول الثنوية فيلزمك في هذا والثاني أن ذلك يوجب الغنى عن الله في الفعل قبل وجوده ولا يجوز أن يكون الله يغنى أحدا عن نفسه فإن قلت يحتاج إليه في الإبقاء أحلت عندك لأنها لا تحتمل وإن قلت يحدث أخرى فقد أغناه عنه في وقت ولو جاز ذلك في الوقت مع قيام العبودة يجوز أبدا ولا قوة إلا بالله والأصل أن القدرة محال كونها لا للفعل وكذلك العجز لا عن فعل ثم قد يجوز أن يكون قادرا في وقت للفعل يعجز في الوقت الثاني إذ معلوم وجود مثله فيكون الله تعالى معطيا القوة لشيء يستحيل كونه وفي ذلك فساد كون القوة للفعل فألزم ما أوجبه العقل إنها لا تكون إلا للفعل إحالة القول بالتقدم ولا قوة إلا بالله ثم عارض نفسه بأمر فرعون إنه لو كان يقدر على الإيمان لكان يقدر على إبطال علم الله وهذا في فرعون وكل من في علم الله أنه لا يؤمن فأجاب بأن ذا لا يجب لأن القدرة غير الإيمان الذي هو المعلوم أنه لا يكون ولو لزمنا ذلك في القوة ليلزمكم في الأمر ثم عارض بقدرة الله على إنشاء العالم ليحال من غير أن يجوز الوصف بالقدرة على إبطال علمه فمثله الأول ثم عارض حسينا بالإطلاق أنه أطلق بينه وبين الإيمان أتقول في أنه أطلق في إبطال علم الله ثم قال الله عالم أن لو كان كيف يكون فلو كان لم يكن يخرج من علم الله
قال الشيح أبو منصور رحمه الله ووجه الإعتبار به ليس على ما قدر ولكن بما يقول بالأصلح ومعلوم أن الله لو لم يكن ملكه على ما ملكه لم يكن ليقدر أن يضل من أضله ويمنع من يمنعه عن طاعة رسوله وكان ذلك أقل للغواية وأقرب إلى الطاعة فثبت أن القول بالأصلح باطل مضمحل والثاني أنه إذا أخبر أنه لا يؤمن بالله وقد علم ذلك وهو عدوه وإقدار العدو على تسفيه المقدر وتقويته على نقض ملكه وإبطاله ربوبيته خارج عن حد الحكمة ببديهة العقل مع ما فيه تمكين عدوه لأعظم منة له عليه أن يقول لي عليك كل منة أو ملكتني نقض ربوبتك بما لا يكون ربا جاهلا وقويتني على إزالة حكمتك بما لا يكون حكيم كذوب وقد جعلت لي القدرة على ذلك وبذلك أمرتني وقد تعلم أني لو شئت لفعلت فتمت لك الربوبية وسلمت لك الحكمة فمنتي عليك أعظم ونعمتي لديك أعم فبأي نعمة لك تعاقبني وبأي حكمة تأمرني وبي تمت لك ولا قوة إلا بالله والثالث أن طريق معرفة فساد القول بإثنين ليس إلا قدرة أحدها على ما لا يعلمه الآخر وفي ذلك إيجاب ذلك ولو جاز ذا من غير أن يكون في ذلك فساد الألوهية لبطل قول الموحدين فيما به أبطلوا قول الثنوية وقوله يعلم أنه لو آمن كيف يكون فهذا معنى لا منفعة فيه لأنه مع علمه بذلك يعلم أنه لا يؤمن أولا فإن قال لا سفهه وإن قال نعم قيل في ذلك وقعت المطالبة وقد ذكرت أنه لو آمن لم يخرج من علمه فكيف لم يخرج وعلمه أنه لا يكون وقد كان ولا قوة إلا بالله وأما قوله لو لم يقدر عليه لم يكن ملوما فهو مثل القول سواء ودليله أنه قوله بل عليه أعظم اللائمة لما هو صنع القدرة حيث أعرض عن الذي به يأتيه وقوله لا يلزمنا لأن القدرة غير الإيمان يدفع أيضا فما فيه ما يمنع اللزوم بل إنما لزم ذلك لأن القدرة غير الإيمان ثم اعتباره بالأمر فاسد لأنه استعباد به يظهر ذله وعبوديته والقوة هي الغنى والعلو والرفعة فهو الوجه الذي به يبطل ربوبيته غيرا لله وليس في الأمر ذلك على أنه لو لم يكن أمر ولا نهى كان القول بيؤمن ويكفر ويقدر ولا يقدر لا معنى له ولا قوة إلا بالله وبعد فإن القدرة ثمرتها الفعل وبه يكون الذي ذكر لا بالأمر لذلك لم يصر الأمر بالأمر أمرا بالذي ذكرت فبالإقدار يصير ملكا غنيا مستخلفا لما إذا تم كان ربا إلها ولا قوة إلا بالله وبعد فإنا عارضنا بالذي طريق العلم به العقل من الوجه الذي ذكرت والأمر لا يناقض ما يوجبه العقل ولولا الأمر كان الأول بالعقل وحشيا فأما أن يعرف وجه الحكمة في الأمر أو لا يعرفه بالذي عرفناه لم يجب دفعه بما يتعذر عليه وجه الثاني ولا قوة إلا بالله وأيد الذي ذكرت أمر الشاهد أن كل قوى يرتفع ويجل بقوته ولا يؤمر الجليل العظيم بشيء ثبت أن في الأمر ذلة واستعبادا فهو لا يوجب ذلك وفي الإقدار رفعه وعلوه فهو يوجب والله الموفق
وبعد فإذ لا توجد قدرة لا تضيع فوجودها يوجب الفعل الذي يقصد وحق الأمر اللزوم لا وجود الفعل وكم من أمر به لا ائتمار هنالك فلذلك لم يجب به وما ذكر في الله فهو بقدرته ونفاذ مشيئته وجرى سلطانه فتمت ربوبيته واستوجب الجلال والرفعة بذاته لم يجز أن يكون فيه ما ذكر من الخوف بل به تمام الحكمة وعلو الرتبة وفي إيجاب ذلك لغيره نقض ألا ترى أنه قد نقض قول الثنوية بالذي ذكرت ولا يقبل قولهم بمعارضته مثله في الله أنه يقدر على ما علم أنه لا يفعل فإذا يقدر على نقض ربوبيته وبمثله جعلوه في غيره معارضا موجبا ذلك فمثله الذي نحن فيه ووجه آخر أنه لا يوجب لله قدرة ولا علما بقوله له قدرة بكذا وعلم بكذا لا معنى له وذلك متحقق في غيره فالمعارضة له لازمة وأيضا أن الله إذ هو قادر بذاته عالم بذاته فمحال وصفه بالذي ذكر إذ بذلك تمت ربوبيته وجل سلطانه وألوهيته وقد يكون الشيء الموصوف بذاته مما إذا ثبت لغيره عليه سلطان تجرى قدرته عليه كالأعراض التي هن مختلفات لأنفسهن والأجسام لهن أو الأجسام التي هن قائمات بأنفسهن والأعراض بهن ثم لله عليها سلطان وملك فلو جعلنا على الله في إبطال تقديره ونقص تدبيره وإزالة علمه ونفى الحقيقة عن خبره لكان تحت قدرة غيره وفي سلطان آخر فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا مع ما الإطلاق يرجع إلى الأمر وقد بيناه ومسألتان في القدرة على القدرية يوجبان أن الله ليس بقادر بذاته أحدهما أنهم قالوا يقدر الله جل ثناؤه على حركات العباد وسكونهم فلما أقدرهم على تلك الحركات والسكون زالت عنه القدرة عليها فيكون قادرا في التحقيق بغيره إذ هو بذاته على ما كان عليه فلو كانت تلك القدرة له بذاته لم تكن تزول عنه إذا أقدر عليها غيره ومما يبين ذلك أنه إذ كان عالما لذاته بكل شيء لم يذهب علمه لما أعلم غيره فمثله القدرة مع ما كانت أدلة غيرية الأعراض للأجسام هي وجود الأجسام دونها ومثل ذلك علة غيرية القدرة والعلم في الشاهد إنهما غير الذي له فكذلك القول بالذي قالوا في الله سبحانه ومما يزيد لهذا وضوحا أنه لو أراد أن يحركه بحركة الإضطرار ويسكنه ذلك التسكين ومعه تلك القدرة لم يقدر عليه حتى يأخذ منه تلك القدرة فثبت أنه بها يقدر وهي التي تزول عنه وتعود إليه وهذا نعت الأجسام وحقيقة الأعراض ولا قوة إلا بالله والثاني أن الله تعالى لما أقدر عبده على إتلاف شيء ذهبت عن الله قدرة الإبقاء الذي يريد ذلك والإبقاء فعله فصار عن فعله الذي هو في الحقيقة فعله ممنوعا ومن احتمل المنع لغيره يحتمل الإطلاق به وفي الأول إعجاز وفي الثاني إقدار وجبا جميعا له بغيره جل الله عن ذلك ثم قال الكعبي إن قال قائل لو جاز أن يبقى القادر وقتا لا يفعل فيه لم لا جاز كذلك أوقاتا كثيرة كما يوصف بذلك الله تعالى
قال الفقيه أبو منصور رحمه الله وقد أخطأ في التقدير وإنما السؤال فيه من وجهين أحدهما أن القدرة إذ ليست إلا للفعل وقد تخلو عنه وقتا جاز أن تخلو عنه أوقاتا وقد حققت هذا الوصف لله والثاني أنه للوقت الثاني من وقت القدرة ليس بواجد لها وجاز الفعل بها لم لا كان للوقت العاشر كذلك وإن لم يجدها أو إذ لم يجز الفعل بها بعد فنائها بأوقات وجب أن لا يجوز بوقت فأجاب عن الأول أن الله كذلك بما لا تتضاد عليه الأفعال ويقدر على ما لا ضد له والعبد لا يقدر على ما لاضد له لذلك لم يجز أن يوجد أوقاتا غير فاعل فيقال وما فيما ذكرت ما قوبلت به بل قيل لك ما منع أن يكون من يتضاد عليه لا يجوز وجوده ولا فعل شيء أو ضده وقتا واحدا ومن لا يتضاد عليه يجوز ثم يقال للتضاد لا يجيز وقت القدرة أو له يوجب في الوقت الثاني فأي الأمرين أجاب فهو في الحالين واحد وما قال على الله فهو فاسد لما ليس عنده فعل الله غير خلقه وهو متضاد كالموت والحياة وغير ذلك ثم أجاب بأول أحوال الجسم أنه يخلو عن الحركة والسكون لم لم يجب به خلاؤه عنهما أوقاتا قال أبو منصور رحمه الله فنقول وبالله التوفيق الحركة والسكون هما اسما البقاء فمحال وجودهما في أول أحوال الجسم لإحالة البقاء إذ السكون هو القرار حيث الوجود والحركة الإنتقال عنه والقدرة ليست إلا للفعل ولو جاز وجودها ولا فعل وقتا واحدا لجا أوقاتا إذ هي له والجسم ليس للحركة ولا للسكون وهما معنيان لا يقتضيان الحال ألا يرى لأوقات البقاء لا يخلو عنهما ثم القدرة لا تبقى فيجب أن لا يخلو منه عند الوجود ولا قوة إلا بالله وبعد فإن مسألتنا في الفعل ونجيز من الجسم وقت وجوده إذا لم يكن الفعل الذي هو اسم للبقاء ولا قوة إلا بالله وقال في الصحيح السليم أنه يجوز أن يخلو عن الفعل وقت كونه ثم لم يجز أبدا قال الشيخ رحمه الله وما يقوله خطأ بل يجوز ذلك ثم زعم أن ذلك معقول وهو عقل من حق العقل الخروج عما حاله عقلا ثم تكلم في العلم بما لم أظن أحدا تأمله إلا عرف أن الحيرة دفعته إليه فتركته لقلة نفعه ثم عارض نفسه بالذي قدر على الإيمان والكفر فلم فعل أحدهما دو الآخر فزعم أن ذا محال لأنه لو كان لا يأتي إلا بواحد كان يكون مضطرا وقد ثبت الإختيار ثم عارض بمثله في الله نقول قد حاد عن جواب السؤال إذ هو في أنه كيف اختار ذا على ضده وليس شرط الإختيار أن يفعل ما شاء ولكن يختار الأولى به أن يفعل فإذا فعل ما لا يعرف لماذا فعل ثبت أن لغيره في فعله تدبيرا على ذلك خرج فعله والله الموفق ومعارضته بالله سبحانه محال على القولين على قولنا بأنه خالق بذاته فالقول به كالقول بأنه لم قدر وعلم وعلى قوله إن ذلك أصلح في الدين ولا يسأل من ذلك وصف فعله ولا قوة إلا بالله ونحن نحمدالله قد أعنانا الله عن نحو هذا السؤال لكن أحببت أن أذكرهما مقداره فيما لا يرضى به سؤالا لضعفه ليعلموا به قدره في المرضى به والله الموفق ثم زعم أنه إذ صلحت قوة واحدة للإيمان وضده لم لا صلح القول بالتقوية عليهما فدفع ذا بالأمر والنهى وعارض بالسيف والدرهم وإن احتمل استعماله في قتل الولي وانفاقه في شرى الخمر لم يجز القول بالإعطاء لذلك نقول تمام السؤال أن الله إذ علم أنه فيم يستعمل وفي مثله في الشاهد يوصف بالتقوية عليه والله لم يوصف بمثله فمثله في الخلق مع ما يقال بالأول لكنه طلب منه واختيار ذلك فبه لا بها ولا يوضع في ذلك حرف الإعطاء لأنه نوع امتنان ولا قوة إلا بالله
وما عارض فاسد لاحتماله أن لا يستعمل في الوجهين فلم يكن الدفع لوجه من ذلك والقوة لا تحتمل إلا أحدهما ولا يجوز أن يخلو عن وقوع أحدهما بها وقد علم بذلك فلا يحتمل القول بالدفع لغير ذلك ثم قال فإن قلت العاصي إذ يفعل بقدرة الله لم لا قلت إن المعصي من الله قال الشيخ رحمه الله وقد أخطأ من وجهين أحدهما أن خصومه لا يقولون في المعصية إنها من الله والثاني لا يقال فعل العبد بقدرة الله ولكن بقدرة طلبها من الله ثم أجاب في ذلك بمثل جوابه في الأول إنه أعطى ليطيع وأتم هذا وقد بينا الوجه في الأول وخطأه في هذا السؤال ثم عارض نفسه بما إذ كانت القدرة مخلوقة للخير كيف قدر العبد على قلبها فزعم أن ذا ليس كالذي يسخن ويبرد لكنه كالسيف والدرهم قال أبو منصور رحمه الله فيقال له القدرة إذ لا تحتمل الفعلين ولا تركهما وما عارضت به محتمل ثبت أن القدرة مخلوقة لأحدهما لا لهما ثم لا يحتمل المخلوق بجهة واحدة قلبها عنها من نحو الذي ذكرت مما يسخن به ويبرد لم لا دل أنها خلقت لأحدهما وهو ما كان بها ويبين لك العرف الظاهر في الخلق بسؤال القوة على الخير ولو كانت لا تحتمل الشر لكان لا معنى لتخصيص ذلك ولا قوة إلا بالله ثم عارض نفسه بالغنى فقال معاذ الله لأنه المغنى وعارض بالسيف والدرهم قال الشيخ رحمه الله وقد حاد عن ذلك إذ القوة لا تحتمل البقاء وبها أوجب الحاجة فإذا استحال ذلك لزم ما عورض به عن الغنى ولا قوة إلا بالله وما قابله به فالوجود لا يديم النفع بل يديمه البقاء وله الحاجة إلى الإبقاء وليس ذلك في القوة فلذلك لزمك الذي تعوذت منه ولا قوة إلا بالله ثم سأل عن خصمه سؤالا بتره وإنما هو والله أعلم أن المعتزلة تزعم أن الله تعالى يجعل لعمر الرجل مدة بها ينقضى وإبقاؤه إلى تلك المدة فعله وهو يريد أن يفعل ذلك وقد كان قدر له في تلك المدة أرزاقا ثم أثبت لعبد من عبيد الله قوة يمنع بها ذلك الرجل عن استيفاء مدته التي جعلها الله له ويمنع رب العالمين عن إنجاز ما وعده ويحول بينه وبين فعله من إبقاء حياته في جسده وهو يريد ذلك ليكون من فعله بما يقتله عدوه منعا منه ربه فيكون في ذلك خلف الوعد وقهر ومنع عن فعله وكل ذلك يكون بما أقدره هو عليه وذلك لعجز وخلف وسنة في المعقول أو لا أجاب لجواب المسلمين أن المسألة فيما يقال في كل أمر لو لم يكن ذلك كيف كان في علم الله أن يكون وذلك القول عند المسلمين على تحقيق أن الكائن في علمه ذلك فإن كان في علمه وقدرته أن له أن يجعل في الإبتداء غير تلك المدة ولو جعل ليكون ذلك في علمه لا هذا الذي كان ثم رجع إلى حقيقة قوله وقال لو كان الظالم إنما قتل لحضور أجله لم يكن معلوما وقد يحمد أيضا في ذبح شاة لآخر إذ لولا ذبحه لكانت تموت ثم عورض بأنك تشهد أنه لم يحضره أجله لو لم يقتله فقال معاذ الله بل لعله يقتله غيري أو ينقضى أجله ثم احتج بقوله عز وجل وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره وبقول رسول الله عليه السلام صلة الرحم تزيد في العمر فأخبر أن له مقدارا معلوما يزيد فيه بالصلة فيكون في اللوح إن وصل فأجله كذا وإن لم يصل فكذا ثم رجع إلى سفهه وعارض بالموهوم المطلق فإن قيل في ذلك دفع المنع لا غير وفي القدرة الفعل فقال وفي القدرة دفع العجز لا غير وقال لو أوجبت القدرة لأدخلت فيه ولحملت عليه ويكون إذ ذاك الفعل لغيري
قال الشيخ أبو منصور رحمه الله من تأمل ما قال وما قوبل به أيقن أنه حائد عن حد الجواب لكنا نذكر غفلته فيما جاد به ليعلموا عذره في جميع ما فرق به خصومه إذ هذا مبلغ علمه في الله سبحانه ونقول له الله علم أنه يقتل أو لا فإن قال يعلم قيل وقتله يزيل حياته ويذهب عمره أولا فإن قال لا كذبه الوجود وإن قال نعم قيل كيف جعل انقضاء عمره وخروج روحه من جسده بغيره ولو علم ذلك وكيف كتب في اللوح أنه إن فعل كذا يكون كذا وإن لم يفعل كذا يكون كذا وهذا أمر من لا يعلم ما يكون فأما من يعلم ما يكون فهو يكتب يكون كذا ولولا أنه يكون كذا وكذا يكفر فلان ويستوجب مقت الله ولولا أنه يكفر كان يؤمن ويستوجب محبة الله فأما القول بيكون ذا أو ذا من غير القطع بما يكون إنما هو فعل الجهال بالعواقب ثم أنى يكون ذا خبرا عن علم ثبته قبل كونه وكل الناس يعلمون هذا القدر إن فلانا إما يقتل أو يموت يؤمن أو يكفر يتحرك في وقت كذا أو يسكن فهذا القدر من اللوح هو لوح كل سفينة ولبس هو اللوح المحفوظ ولكنه اللوح المضيع ولا قوة إلا بالله وقوله لو حضر أجله فإن أجله ليس بغير القتل فيما كان في علم الله وهو كما في علمه أنه يقتل ولكنه بالقتل المنهى عنه أو المأمور به على ما في علم الله وهو كما في علمه أنه يؤمن ويكفر فذلك في علمه وكل داخل فيما علم الله عاقبته أنه إلى ماذا يرجع وإن كان في علمه أنه لو لم يفعل ذلك ماذا تكون عاقبته أنه إلى ماذا يرجع فمثله الأجل وعلى ذلك إذ علم الله أنه يصل رحمه فجعل عمره أكثر مما كان في علمه أنه لا يصل وكذلك أمر الآية إذ محال أن يكون ما يفعله خارجا من علمه والذي قالوا هو ذلك في المعقول وللآية قال أهل التأويل يبين منتهى عمره وعلى نقصان كل وقت يمضى من عمره وقال قوم إنما هو في مختلف أعمار الخلق من بين مطول ومقصر لا أن الله يجعل لأحد عمرا ثم تبدو له فيزيد أو ينقص كفعل الجهال ومن في أمورهم على شك ولا قوة إلا بالله والله تعالى يقول فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وفيما يقول لا يجيء أجلهم بل يقتلون قبل مجيء أجلهم والله أيضا لا يزيد في العمر وكيف يقدر أن يزيد في عمر آخر بصلة الرحم من لم يقدر بإبقاء ما ضمن عمره أن يبقيه إلى وقت كذا بل أقدر عدوه حتى منعه عن ذلك جل الله عن هذا الوصف ثم يقال له ما ضرب من المدة له ألا كان في اللوح أنه يبقيه إلى ذلك أو يبقى هو إلى ذلك أو يبقيه ويبقى إن لم يقتل فإن قال بالأول والثاني فادعى عليه الكذب في خبره والخلف في وعده وإن قال بالثالث قيل أكان يعلم أنه يقتل أو لا فإن قال لا استحق الإبانة بين رأسه وجسده والخلود في عذاب ربه وإن قال نعم قيل لم كتب ما لا يعلم إذ ذلك في العرف صنيع الجهال مما تأبى عقول من عرف الرب التفوه به ولا قوة إلا بالله ثم يعارض بمن علم الله أنه لا يقتل ويريدون قتله ويؤثرونه ويقصدون قصده لجميع ما يحتمله وسعهم ثم يكون على ما علم وهذه أسباب لا تجد أحدا يكون منهم لا يقع الفعل به وفي الوقوع كذبه إلا أن يقول يمنع فيلزمه في كل من يعلم الله أنه لا يكون المنع مع القوة وإذا لزم ذلك لزم الدفع في كل ما يعلم أنه يكون إذا لم يرض به العبد فيكون كل خير وشر بالمنع والدفع الذي ظنوا بهم أن قول خصومهم يؤدي إليه هو الذي حملهم على رأيهم ولا قوة إلا بالله
وما ذكر من الإطلاق والتخلية فهو كلام يتوجه أوجها ثلاثة رفع العسر والمنع أو الأمر به أو الإباحة وذلك كله في الخير مطلق وفي الشر لا إلا مقيدا إنه لم يعسر ولم يجبر وإذا كان كذلك فمعارضته بالذي ذكر فاسدة وما أجاب عنا بالمنع فحق قال الله تعالى في قوله فخلوا سبيلهم بعد ذكر المنع وما يحمد من قول الناس اللهم قونا على طاعتك ولا يحمد اللهم خل بيننا وبين طاعتك ثبت أن لأحدهما حالا ليس للآخر وكذلك هو يقول بالفعل وقت فناء القدرة ولا قدرة معه ولا يقول بإرتفاع الإطلاق والتخلية وقت الفعل ليعلم بذلك بعده فيما قدر ولا قوة إلا بالله ثم تكلم في سؤال الرزق بوجه لا يرضى به سؤال بل الوجه في ذلك أن الله تعالى إذ ضمن الرزق بقوله وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها كان ذلك يملك بملكه أو بما يطعمه فأما أن يكون لأحد قدرة في منع الله عن وفاء ما ضمن من الوجه الذي ضمن حتى يلحقه الخلف في الوعد والعجز عن وفاء شيء ضمنه فيكون الله في فعله تحت قدرة غيره وبغيره يقدر على إنجاز الوعد ووفاء العهد وهذا أمر عظيم أو لا يكون فيبطل أن يكون أحد يرزق بما هو في الحقيقة رزق غيره من ذلك الوجه أو يقدر عليه ولو كان ذلك فيما القدرة معه لكانت هذه الوحشة تلحقه إذ علم أنه من ذلك الوجه يطلب رزقه قال سأل الوراق فقال يقال لهم هل اتقى أحد معصية الله وهو قادر مراقبته لله فإن قالوا لا أعظموا القول في وصف الأنبياء إنهم لم يفعلوا ذلك وإن قالوا نعم لزمهم القول بها قبل الفعل نقول له وبالله التوفيق إن عنيت بالقدرة الأسباب التي هي أحوال القدرة التي تعرض لا محالة لولا التضييع من العبد فبلى وكل الأنبياء كذلك كانوا وكذلك الأخيار وإن أردت به القدرة التي هي مع الفعل أحلت السؤال وصرت كمن يقول هل راقب الله أحد في إبقاء المعاصي وهو فاعل لها وذلك مما لا معنى له وهو يعارضك فيقول هل راقب الله نبي من الأنبياء في إبقاء معصية علمها منه أو أخبرها عنه فمهما أجاب في شيء فمثله الأول ثم يقال هل تفضل الله على أحد من أوليائه بمنع قدرة عداوته فإن قال نعم نقول إن الله لم يعط أوليائه قدرة معاصيه فعليه في أعدائه أيضا أنه لم يعطهم قوة طاعته وفي ذلك ما أنكر آنفا وإن قال لا زعم أنه أعطى أولياءه قوة عداوته ومن قولهم إنه لم يعط أعداءه قوة العداوة فالآن صار إلى أن أعطى أولياءه قوتها وذلك عظيم ثم يقال هل أعطى الله وليا قوى على تلك الطاعة حين الطاعة فإن قال لا فالوحشة في طاعة لم يقو عليها ليست بدونها في إجتناب معصية لم يقو عليها بل قوى على ترك المعصية وعندهم لم يقو على الطاعة وهذا أوحش ثم يقال هل والى لله ولي أو عاداه عدو بفعل قوى عليه فإن قال نعم أقر بالقوة مع الفعل وإن قال لا زعم أن العداوة والولاية بما لا يقوى عليه وذلك بعيد ولا قوة إلا بالله وقال من أحمد من لو قدر على المعصية عصى وهو النبي أو من قدر على الطاعة أطاعه وهو إبليس قيل إن عنيت الأسباب فالأول وإن عنيت القوة التي معها الفعل أحلت ومثله عليك في العلم والخبر ثم يقال له من أطوع لله من لو والاه الله أطاعه أو من لو عاداه عصاه فبأي شيء يجيب في ذلك فهو له في الأول جواب ولا قوة إلا بالله
وقال آخر إنه لا عذر للعبد في الشاهد أعظم من أن يقول لو قيل له لم لا فعلت كذا فيقول لأني لا أقدر عليه فمثله في الغائب قيل هذا يكون عذرا فيما يمنع عنه القدرة لا فيما ضيعها باتا وما منع حدوث القدرة وكذلك أيضا في الشاهد لا عذر أوسع من أن يقول لم أعلم أمرك ولا نهيك ولا علمت أن فعلى يغضبك فإن لم يكن عذرا مما أعطى ما لو لم يترك طلبه ليبلغه فمثله في القوة وبعد فإنه لا عذر على ذلك أيضا أعظم من أن يقول لأنك أخبرت أنى لا أفعل وكذلك علمت فقلت لو فعلت لصيرتك جاهلا كاذبا فلم أفعل لهذا وأن يقول أيضا لي عليك أعظم المنة لأنك أقدرتني عليه وجعلت أمر ربوبيتك في يدى وأقدرتني على نقضه فلى عليك أعظم المنن وعندك أكثر الأيادي فمهما أجاب من شيء فذلك أعظم منه جوابا له ولا قوة إلا بالله مسائل في الإرادة مسألة الإرادة يمكن أن تلحق بمسألة خلق الأفعال من الوجه الذي لو ثبت خلقها والله مختار مريد لما يكون منه ثبت القول بالإرادة من الوجه الذي يوصف بالخلق وإن لم تثبت تبطل من الوجه الذي أريد بالإرادة في الأفعال دفع الغلبة والسهو إذ ذلك معنى حقيقة الإرادة في الشاهد إلا أن يراد بالإرادة التمنى أو الأمر والدعوى أو الرضا ونحو ذلك مما يجوز أن لا يوصف الله ببعض ذلك في كل شيء وينقض ذلك في شيء البتة ولا قوة إلا بالله ويمكن أن تفرد عن تلك بما أفردها أهل الكلام وإن كان الحق هو الأول على أن في إيجاب القول بالإرادة في كل شيء إيجاب القول بخلق الأفعال مع ما يمكن الإستدلال في هذا بأشياء ليست في الأول وإن كان في تحقيق الكلام في هذا تحقيق في الأولى قال الله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إلى قوله كأنما يصعد في السماء أخبر أنه يريد هداية قوم بأفعالهم بهدايته وإضلال قوم بجعل قلوبهم ضيقة حرجة وقال عز وجل من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ففرق بين القوم بالمشيئتين فدلت الآيات على أن الله شاء لكل فريق بما علم أن يكون منهم ودل على أن المشيئة في هاتين الآيتين ليست بأمر ولا رضا قال تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها وقال ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة وقال فلو شاء لهداكم أجمعين ولا يحتمل أن يكون هذه المشيئة رضا أو أمرا لما قد كانا ثبت أنه أراد به المشيئة التي يكون عندها فعل لا محالة ولا يحتمل أن تكون قد كانت وهو يقول لو كان ليكون كذا وفي تحقيق الكون دون الموعود به كذب جل الله عن ذلك ولا يحتمل تأويل القسر لأوجه أحدها أن الله قد علمهم كيفية الهدى ومائية دينه وما به وجود حقيقته فلا يحتمل أن يريد بهذا ضد ذلك من غير أن يتقدم الإعلام في إحتمال هذا الإسم ضد الذي هو اسمه في الحقيقة عندهم بتعليم الله ذلك لهم ولا قوة إلا بالله والثاني أن طريق معرفة وحدانية الله والإيمان به وبرسله طريق الإجتهاد والإستدلال وذلك نوع ما لايحتمل الإضطرار ولو جاز علم الإضطرار فيما ليس في الخلقة احتماله لجاز نفى علم الإضطرار فيما كان ذلك طريقه فيبطل علم العيان مع ما كان ذلك طاعة وإئتمار والجبر يسقط ذلك كله فيصير في التحصيل كأنه قال لو شاء لمنعكم عن الإيمان وعن ملة واحدة وهذا خلف من القول وإنما أخبر أنه لو شاء لجمعكم على على الهدى وقد آمن بعضهم بالإختيار ولو كان جبر البقية لم يكن ليجمعهم ولكن يمنعهم عما أبوا به من دينه وطاعته وذلك بعيد وحش وأيضا أنه لا صنع للخلق في موضع الجبر والقهر وإنما يرجع ذلك إلى إيمان الخلق وكل جوهر بخلقته مؤمن مهتد بل به هداية كثير من الخلق فإذا ذلك قد شاء وقد كان بالقول بلو شاء لا معنى له وعلى ذلك قوله ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وأيضا مما يبطل تأويل القسر قوله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ومشيئة الجبر لا تسقط ما ذكر أنه حق ولا قوة إلا بالله
وقال الله من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وعند المعتزلة إنه شاء جعل الكل على ذلك وهو عز وجل وعد أن يكون الذي شاء كذلك فلم يكن وقال عز وجل ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله فلا يخلو هذا الشيء من أن يكون في الخيرات فهو لغو على قولهم لأنه قد شاء وإذا لم يكن أيضا يصير كأنه مأمور بالقول الكذب لأنه أمر أن يقول كذا ولم يكن كذا وإن كان شرا لا يشاءه فذكره عندهم لا معنى له ولا قوة إلا بالله وقال الله عز وجل فعال لما يريد امتدح جل ثناؤه بالفعل لما يريد وعند المعتزلة ما يريد من الخيرات التي تكون من الخلق مما لو اجتمع الخلق على إحصائها لم يبلغوا جزءا من ألف جزء مما أراد فلم يفعل وهو عز وجل تمدح به ثم من عظيم قولهم إن عند الله مشيئة جبرا لو كانت لكان الخلق على ما قال فمن يصدقهم على هذا الدعوى أن له هذه القدرة أو المشيئة التي تعمل هذا العمل بعد أن ظهر للخلق كل هذا الخلف في وعده وهذا العجز في فعله أو متى يؤمن بوعد من وعد الخلق أن يفعل ما يريد أكثر مما يبلغه حساب الخلق ثم يخلف ومن يثق بعد هذا بوعده أو متى يخاف وعيده وهذا محله عندهم فإن أراد أن يظهر عجزه وخلفه وما لا يليق بوصف الحكمة فأي شيء كان يبدي ليعلم به هذا على مذهب الإعتزال جل ربنا وتعالى عن ذلك وقال تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أخبر أنه يريد إهلاك قوم وقرية بفسق أهلها قبل أن يكون منهم الفسق فلو لم يرد كون الفسق منهم كما علم أن يكون ولكن أراد أن تكون الطاعة ويهلكهم كان يكون ذلك جورا فثبت أنه أراد الذي كان منهم أو علم ذلك وقال نوح لقومه ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وقلت لا يريد ذلك وصرفت كلام نوح إلى ما لا يحتمله وهم البشر وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك وأنتم تقولون لم يؤتهم لذلك ولكن آتهم ليهتدوا وقال تعالى أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وأنتم تقولون بل أراد الله ذلك وقال ومن يرد الله فتنته وأنتم تقولون لم يردها أو تقولون هذه محنة وأنى كان رسول الله يريد أو يتمنى أن لا يكون حتى يقال له فلن تملك له من الله شيئا وقال الله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم وقال تعالى ولا تعجبك أموالهم وأولادهم أخبر ما يريد بهم بما أعطى وهم يقولون لا يريد فما يقال لأمثال هؤلاء إلا ما قيل لليهود والنصارى أأنتم أعلم أم الله وقال الله جل ثناؤه لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فنقول لهم أراد الله عز وجل أن يفى بما وعد هذا أو أراد أن يكذب وعده ويبطل وعيده فإن قالوا بالثاني أعظموا القول ووصفوه بإرادة السفه والكذب وكفى بهذا القول خزيا وإن قالوا أراد أن يفى به قيل أراد أن يفى به وهو يريد أن يطيعوه فيفى وهم يطيعون له أو يعصون فإن قال بالأول فهو جور أراد لأنه فعله جور فإرادة كونه إرادة فعل الجور أن يكون له فعلا وقال الله تعالى وما الله يريد ظلما للعباد وإن قال بالثاني أذعنوا للحق وقالوا بالعدل ولا قوة إلا بالله وقال الله تعالى يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ومن أراد أن يكون منه كل خير فقد أراد له الحظ في الآخرة وقال تعالى تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة وقال تعالى يريد الله أن يخفف عنكم فأراد للمؤمنين هذا فكان ذلك وللكافرين الأول فكان ذلك ولا يجوز أن يريد الأول وهم مطيعون ثبت أنه أراد أن يكون منهم ما قد كان وبالله العصمة والنجاة
وقال الله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله فإذا كانوا لا يشاءون إلا أن يشاء الله لايجوز إذا شاء الله أن لا يشاءوا ويشاءون وإن لم يشأ فإن ذلك آية الكذب الذي هو قبح الله في العقول وبالله المعونة والتوفيق ثم قول المسلمين المتوارث بينهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون على غير اضطراب قلب لأحد أو توهم غير وعلى غير سبق الوهم إلى خلاف لما عليه المشيئة المعروفة التي لديها يقع فعل الإختيار والإضطرار جميعا على أنه لو جاز أن يشاء شيئا لا يكون ويشاء أن لا يكون فيكون لم يكن الكون بالأول أحق من أن يكون من صفات الربوبية من الثاني ولكل موضع بل لو قيل إن ذا يغلب على الأول عندهم لم يبعد ولا قوة إلا بالله وأيضا تعارفهم في الوعد إذ حذروا الخلف إن شاء الله وفي اليمين إذا خافوا الحنث قالوا ذلك ثبت أن عقد جملة المسلمين واحد قبل تمويه المعتزلة وهو كمال قال كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه بين الخلقة يوجب شهادة ودلالة وحدانية الله تعالى حتى يجيء التلبيس ممن ذكر وكذلك أمر المشيئة عند الجميع قبل تلبيس المعتزلة ولا قوة إلا بالله وأيضا الموجود في عرف الخلق من الدعاء بإرادة اليسر والخير لهم على طمأنينة القلب بحقيقة ذلك لو كانت ثمة إرادة ولا قوة إلا بالله وأيضا عظم القول في القلوب بأن ما شاء إبليس كان وما لم لا يشأ لا يكون على العلم بكون ما لا يحصى من الشر وخروج الخير من الكون في ذلك ووجود مشيئة إبليس بذلك ثبت أن كون حقائق الأشياء بما لله فيها مشيئة وإمتناعها عن الكون لذلك لذلك استحسنوا إضافة ذلك إلى الله واستقبحوا إضافته إلى إبليس وغيره من العصاة ولا قوة إلا بالله ثم العبرة بما يوجبه ضرورة العقل وهي توجب ذلك إذ يعلم كل أحد أن فعله يخرج على غير الذي يريده من الحسن والقبح واللذة والألم والمحبة والسخط ثبت أن لغيرهم في خروج فعلهم على ما خرج إرادة على تلك الإرادة يخرج الفعل والله الموفق وأيضا أن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاء ولا يريده آية الضعف والقهر ومن ذلك وصفه محال أن يكون ربا وإلها لذلك لزم وصف الله بذلك والله الموفق وأيضا أن الله تعالى لو أراد أن يكون الكفر غير الذي يعلم أنه يكون غير الذي أخبر أنه يكون أراد أن يكون كذابا سفيها ومن تلك إرادته لم يجز أن يكون إلها وربا ولا قوة إلا بالله وأيضا في الحكمة أن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون به كان يكون جاهلا بالعواقب أو عابثا بالفعل والله تعالى يجل عن هذين الوصفين ألا يرى أن من بنا لشيء يعلم أنه لا يكون كان ذلك منه عبثا ولو كان به شيء غير الذي يريده كان جاهلا به وأيضا أن الخطأ المعروف في الشاهد نوعان أحدهما خروج الفعل على تقدير يجهله والثاني وقوعه في غير الذي يريده فلو كان الله تعالى يريد بما أعطى غير الذي يكون به لكان يكون فعله خطأ على ما عرفنا الله تعالى من فعل الخطأ وبالله التوفيق وأيضا أن الذي عليه أمر الشاهد أن كل من أراد موالاة من يختار عداوته كان يكون عن ضعف وخوف فلا يجوز أن يكون الله تعالى يريد مولاة إبليس والذين اختاروا عداوته ولا قوة إلا بالله
وأيضا أن شرط كل من فعله اختيار الإرادة وكل من فعله الإضطرار أنه غير مريد لذلك فلو كان الله لفعل العبد غير مريد ليكون على ما كان يكون مضطرا ولذلك لا يجوز أن يكون لأحد في فعل غيره إرادة لما لا يحتمل خروجه على ما يريد وسموا ذلك تمنيا فعلى ذلك لو توهم كون شيء لم يرده الله كانت إرادته تخرج مخرج التمنى وأيضا أنه لو جعل لنا أن نبوة نبي بقول بشر يكون ذلك معصية لنا أن نريده من حيث يكون آية وإن لم يكن له أن يعصى فمثله إذ علم الله أنه أخبر عن ذلك وأنه علم أن لا يكون كان له أن لا يريد في الحكمة على أنه لا يختلف أن ليس للعبد أن يسأل الله هداية من يعلم أنه لا يهتدي نحو إبليس لم يكن له أن يقول اللهم اهده لما يعلم أنه لا يكون ثم محال أن يكون علينا إرادة ذلك وإذ لم يكن علينا إرادة ما يعلم أنه لا يكون لم يجز أن يقال ذلك على الله إذ كونها علينا إنما يكون إذا جهلنا بحاله ولا قوة إلا بالله ثم نسأل عمن يريد أن يكون شتم رسول الله مثل شتم إبليس في المرتبة والمأثم أليس هو بمتعد سفيه كافر لا بد من بلى فيقال من أراد أن يكون شتم رسول الله أمرا عظيما لا يبلغه شتم أحد من الخلق أن يكون محمودا لا بد من بلى قيل فمن يريد أن يكون الشتم منه كذلك إذ محال كونه لا من أحد أعظم ولا بأصغر ولا نحو ذلك فلا بد أن يقول من كافر وفي ذلك جواز إرادة فعل الكفر من وجه لا يحتمل الذم من ذلك الوجه وبالله التوفيق ثم الأصل الذي هو معتمد المعتزلة أن إرادة الله ليست غير خلقه وأن تأويلها على ما فسر الكعبي ليس غير أنه لم يغلب ولم يضطر في فعله وهذا المعنى قد أعطوه جميعا في فعل العباد فإنكارهم الإرادة وهذا معناها لا معنى له بعد الإعطاء في الجملة والله الموفق والأصل عندنا إذا سئلنا عن مشيئة الله فعل الكفرة على ما كان وجهان أحدهما القول بذلك في الإطلاق على ما عرف من الإرادة في ذلك والثاني منع الإطلاق إذا لم يفهم مراد السائل أو خشى أن يريد التعنت في ذلك وهو أن يقال إن للمشيئة معاني فيما يتعارف أحدها التمنى وذلك عن الله منفى في كل شيء والثاني الأمر والدعاء إليه فذلك منفى عن الله في كل فعل يذم فاعله والثالث الرضا به والقبول له وذلك كذلك أيضا في كل فعل يذم عليه والرابع تأويله نفى الغلبة وخروج الفعل على ما يقدره ويريده وهذا يقول ذلك وقد أجمع على معناه فمن أنكر ذلك بعد إعطاء معناه فهو قدر المشيئة على غير حقيقة المراد منها وهو عندنا لازم إذ هو لكل شيء خالق وقد ثبت وصفه فيما يخلقه أنه غير مضطر إليه ولا يكره عليه ولا قوة إلا بالله
ثم نذكر وهم الكعبي فيما ذكر في هذا الباب سأل نفسه عن قول الناس ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون فأجاب بالذي في تأويل قوله خالق كل شيء أنه ليس في إرادة الشتم له مدح وقد بينا ذلك على أنه في إرادته أن يكون كاذبا فيما أخبر به حقيقة الشتم وليس ذلك في إرادة كون فعل الشتم ممن يشتمه قبيحا شتما يدل على ذلك العلم به في الوجهين أنه في الأول جهل وخطأ وفي الثاني حكمة وصواب وصرف المشيئة إلى القهر وقد بينا وهمه على أن معنى القهر في هذا أو في غيره محال لأنها هي في الإيمان والكفر والكذب والصدق وهو لو خلق الكفر والكذب لا عن أحد في الحقيقة يكون كافرا كاذبا عند جميع من يرى خلق الشيء ذلك الشيء فذلك يلزمهم أن يقولوا تأويل قول المسلمين ما شاء الله كان أي لو شاء الكفر والكذب وهذا التأويل مما لا يرضى به مجنون أن يوجه إليه قوله فكيف جملة المسلمين وبالله التوفيق ثم خرج من المعارضة بأخرى يقول بها على المسلمين فقال هم يقولون ما أحب الله كان وما لم يحب لا وهذا لم يسمع من شيطان فكيف من مسلم ثم عارض بقولهم أمر الله نافذ ولا مرد لأمره قيل لهذا وجهان أحدهما أمر التكوين كقوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فهذا لا مرد له ويدخل في ذلك فعل الخلق جميعا وهو مثل الأول والثاني أن يراد به حقيقة حق الأمر أن لا يرد عن الوجه الذي يكون الأمر وما به الأمر فيما لم يكن لم يخرج الأمر عن حدة وتزول الإدارة إذ هي المكون والأمر ليفعل به ألا ترى أن كل مختار في الفعل موصوف بالإرادة ولا يجوز أن يقال هو مأمور لإحالة وصف الله به ولا قوة إلا بالله وقال في قوله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الإستقامة كانت بها وذلك فاسد لأن الله قد شاء فلا يكون فلا يجوز فيما يكون بها إلا على قولنا إنها تكون لا محالة إذا شاء الله ثم قال أتريد الله أن يشتم وقد أخطأ في السؤال بل حقه أن يقال أتريد الله أن يكون فعل الشتم ممن يشتمه قبيحا مسخوطا ثم قال معاذ الله لأنه نهى عنه وغضب عليه ولا يفعل الحكيم ذلك قال الشيخ رحمه الله قيل أحكيم لا يشاء ذلك مما لو كان الذي شاء يصير كاذبا سفيها فإن قال نعم بان جهله بالحكيم وإن قال لا ألزم القول بالمشيئة إذ في فوت ذلك كذبه وسفهه ولا قوة إلا بالله على أن النهى ليس من الوجه الذي ذكرنا وكذلك الغضب وهذا النوع مما قد ذكرنا منه الكافي في باب خلق الأفعال وبعد فإنه إذا أراد لما علم أن يختار هو عداوته أن يكون منه عدوا ليزول معنى الضعف ويظهر الغنى عنه وعن فعله كما قال إن الله لغني عن العالمين على أنه يزعم أن معنى الإرادة أن لايغلب وقد وجد في هذا فليقل ما شاء فهو له في الأول جواب وأما جوابه بالمحبة والرضا فإنه لا يجوز أن يقال إن الله يحب إبليس ويرضى به وكذلك الخبائث والأقذار وإن كان أراد كونهم فمثله فعل الكفر وكذا كل قبائح الصور والجواهر والله أعلم وأجاب لما عورض من الزيادة في ملكه مالا يريده بالرضا والمحبة وقد بينا التفريق في ذلك بما هو فعله ثم قال إذا قدر على المنع فلم يمنع فليس بممنوع فيقال له لو قدر وهو لا يريده ليمنع فدل كونه بلا إرادة أنه لم يقدر ومما يبين ذلك أنه لو قهرهم على الإسلام لم يكونوا مسلمين قهرا يبين أنه لم يكن يقدر على ذلك وذلك حق الغلبة والقهر في الشاهد ولا قوة إلا بالله وعارض بتركهم فيقال ليس في الترك خلاف له في الإرادة فيلحق ما ذكرنا من الزيادة في ملكه ما لا يريده وبالله التوفيق
وعارض بمثله في الشاهد وهو خطأ لوجهين أحدهما ان ملكنا لا يقدر على المنع وإلا كان يمنع عن كل شيء لم يرده والثاني أن ذلك ليس في ملكه ولا سلطانه لما ليس لملك الأرض على أفعال غيره ملك ولا سلطان ولا قوة إلا بالله ثم عارض نفسه بما يعقب خروج الشيء عن علمه جهلا لم لا أوجب خروجه عن إرادته نقصانا وهو عجز فقال إنما يعقب الكراهة لا النقصان قيل كراهة النهى كذا والغلبة تحدث نقصانا وفي كتاب الله أيضا دليل الفرق بين المحبة والرضا وبين الإرادة والمشيئة بقوله ولا يرضى لعباده الكفر وقوله والله لا يحب الفساد وقوله إن الله يحب التوابين لا يحب المعتدين وقال في المشيئة من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وغير ذلك مما يوجب تخصيص المحبة والرضا وتعميم المشيئة والإرادة مع ما يوصف بهما من أفعاله ولا يوصف بالرضا والمحبة على أن المشيئة صرفها إلى القوة حتى جعلها بحكم القسر فلذلك قوتها توجب ذلك وألأصل في ذلك أن المحبة والسخط معنيان يوجبان بفعل العباد وليست المشيئة كذلك لما ليس في أفعال العباد معنى يوجب المشيئة إلا أن يراد بها الرضا أو التمنى ولا قوة إلا بالله وفي الشاهد قد يفعل الرجل ما لا يرضى به ولا يحبه ومحال حقيقة فعل لا يريده وكذا معنى الإرادة متقدم عندهم على الفعل وعندنا معنى يكون معه ولا وجه لها بعده وأمر الرضا والسخط والمحبة ونحو ذلك يكون من بعد في المتعارف أبدا ولا قوة إلا بالله ثم احتج بقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ونحو ذلك وقال ولا يريد بكم العسر والكفر أعسر العسر قيل الإرادة في هذا تخرج على الإذن والإباحة والرخصة ليس ذلك من أمر الإيمان في شيء فكذا إرادة العسر وأيضا أنه لو كان على الأمرين فالوجه أن أولئك قوم قد آمنوا فلم يكن لهم في التحقيق غير الذي أراد فلو كان من الكافر أراد الإيمان لكان لا يكون سواه كما إذا أراد الإيمان لم يكن غيره وعلى هذا قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه وأيد ذلك قوله يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة وبين في المؤمنين والله يريد الآخرة دل أن كل من أراد له الإيمان أن يكون فعله أراد له الآخرة ومن لم يرد لا ولا قوة إلا بالله واحتج بقول الله تعالى وما الله يريد ظلما للعباد قال الشيخ رحمه الله فنقول كذلك ومن أراد عدواة إنسان له عداوة أو فعله الظلم قبيحا فاحشا فليس بمريد لهم الظلم بل أراد لهم العدل قال الله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ثم قال في إبليس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه سماه باطلا لا أن خلقه باطلا فمثله إرادة فعل الكفر من الكافر باطلا وظلما لا يكون منه إرادة الظلم للعباد وتأويله قوله وما ربك بظلام للعبيد وبعد فإنه في الإعتبار به جائز لأن إرادة ما يعلم أن يكون ليكون عدلا إذ هو أراد جزاء فعله لا أن يعاقبه على أمر لم يفعله والله الكافي ثم سئل عن إراد رسول الله إنهزام المشركين فزعم أنه أراد لينظروا فيما دعاهم إليه قال الفقيه رحمه الله فالإنهزام طاعة أو معصية وكذلك الحال إلى وقت النظر وفي ذلك الدوام على المعصية لا بد أن يقول معصية فيجوز أن يراد به لا على قصدها لبعض المصالح ومثله قوله إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك إنه يجوز إرادة فعل هو معصية لا على قصد عصيان وكذلك معاصي المؤمنين كلها كانت على أفعال من عاصيهم وإن لم يريدوا معصية الله بل لو أرادوا لكفروا فهذا يبين أن إرادة فعل يكون من فاعله معصية لا يكون كإرادة المعصية فمثله إرادة الله فعل الكافر ليكون منه معصية أو فعله الشتم ليكون مشتما قبيحا لا يكون كإرادة الشتم والمعصية ولا قوة إلا بالله
ثم عارض بأن رسول الله رضي منهم الإنهزام وذلك فاسد لأن الإنهزام منهم لم يكن لرسول الله أو الله فيتكلم فيه بالرضا وغير الرضا ولا قوة إلا بالله ثم عورض بما كان كفر أكثر عباد الله بأن أراد إبليس والله أراد منهم الطاعة فصارت إرادة إبليس في ملك الله وسلطانه أبعد من إرادة الله فأجاب بالرضا والمحبة والسخط وقد بينا نحن الفصل بين الأمرين على أنه يكون فعل يرضى به المرء ويسخط من غير أن كان وقت فعله ومحال ذلك في الإرادة ثبت أنها شرط الفعل فيما يظهر التعجيز إذ لا يخلو عنها فعل المختار وأيضا إنا لا نقول بأن الله يحب من يعلم أنه لا يؤمن أو يرضى منه لأنهما يحبان بالفعل فمن لا يفعل بالقول به بعيد وأما الإرادة فقد بينا والله أعلم والأصل في هذا في المتعارف أن الفعل يخرج على إرادة أو غلبة أو غفلة ثم الله سبحانه لا يجوز أن يوصف في فعل العبد بالغلبة أو الغفلة ثبت أن كان بالإرادة والمعتزلة لا يثبتون لله معنى في الإرادة سوى كون العلم بعد أن لم يكن من غير ضرورة له وهذا المعنى هو في فعل كل من أهل العالم قائم فلا وجه لإنكارهم على قولهم وبالله العصمة ثم قال إرادة إبليس هي التمنى ولو أراد العباد ما كفروا والله يقدر على منعهم بالقهر قال الفقيه رحمه الله قلنا له قد صدقت والإرادة قد توجب الغلبة والتمنى لا فكيف غلب تمنى عدوه على إرادته وقوله يقدر ويقهر وهذا النوع إنما هو أثر الحيرة والوحشة ولا يجوز الإيمان بالقسر بوجه ثم قال فإن قيل هل رأيت حكيما يقدر على منع عبده عن أمر لا يريده ولا يمنعه فعارض بالجبر وذا خطأ لأنه عندنا يريده وليس المنع من شرط ما يراد ثم قال فإنه يدع لوجهين لا يريده ولا يجوز له المنع لضرب من التدبير قال الشيخ رحمه الله إن كنت على الشاهد تقدره فلا تجده إلا أن لا يقدر عليه أو هو لم يرد الفعل به قال ومنها ما يجب المنع فدل أن المنع إن وجب وجب لعلة لا لعينه وما يذكر من العلة فإن كانت أوجبت الإضطرار فهو الذي قيل لا يقدر عليه وإن كان لا يوجب وقد يملك القهر لا بالتعدي فهو لا يسعه عندنا وهو خارج من العرف ولا قوة إلا بالله وقال في جواب ما عورض بقوله فمن يرد الله أن يهديه أن تأويله معروف وهو أن من أطاعة أتاه من لطائفه ما لا يقدر عليه غيره وسماه بالأسماء الشريفة وحكم له بالأحكام الرفيعة ثوابا لطاعته ليزداد له الرغبة كقوله والذين اهتدوا زادهم هدى ومن عصاه منع منه ما ذكر فيضيق صدره كما وصف ولا يفعل بأحد ذلك إبتداء كالآية التي ذكرتها وقوله وما يضل به إلا الفاسقين ثم قال فلا يجوز ذلك ابتداء من غير استحقاق العداوة والولاية لأمرين أحدهما أن ليس به هوادة ولا محاباة والثاني أن من يفرق عبيده بالحرف لم يكن له العود باللوم منهم على أحد
قال الشيخ رحمه الله أما ما ادعى على الآية أنها معروفة فهذا يدل على جهله بالمعروف والمنكر وقلبه القصة ثم أخطأ في صرف الآية إلى ما بعد الإسلام المعروف من النطق لأنه قال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فأثبت له الإسلام إذ شرح صدره لا أن شرح بعد أن وجد منه الإسلام ثم أعظم منه جرأته على الله أن مثل هذا يكون هوادة ومناجاة وما كان عليه إذ علم من صفته جرأته هذه في خاص نفسه أن لا يبدي ذلك ولا يعارض نفسه بما لا يضطر إليه لكنه عوقب بجهله بالله وصرفه كناية عن جهته طلبا لإقامة مذهب هو ينتج الزندقة فنعوذ بالله من الخذلان ثم يقال من أسلم وقت إسلامه أسلم وقلبه مشروح له ووقت كفره قلبه ضيق أو هما واحد في الشرح والضيق فإن قال كانا واحدا ظهر كذبه عند كل من يحفظ ابتداء دينه من إسلام أو كفر ثم يسمى ما يعلم كذبه كل مسلم وكافر من الله هواده مرة ومحاباة بائنا وصدا عن الحق ومنعا ليعلموا جرأته وسفهه ولا قوة إلا بالله ثم يقال له الذي يريده بعد الإيمان أو يحرمه بعد الكفر وكان في ذلك معونة في الدين وتيسير عليه أو لا فإن قال لا بان بهته وسقط موضع جعل ذلك ثوابا أو عقابا وإن قال بلى فقد أقر عليه مذهبه ببذل شيء هو أصلح له في الدين ثم يقال هل رأيت كافرا بعد أن آمن أو أخبرت كون ذلك أو مؤمنا بعد الكفر لا بد من بلى قيل أكان إعطاء الثواب ومنعه ذلك الشرح أو لا فإن قال لا ألزمه الخلف في الوعد والكذب في الخبر وإن قال نعم قيل أي نفع له في تلك الفوائد أو أي ضرر عليه في التضييق إذا ليجعل ذلك ثوابا أو عقابا ويمنع جواز ذلك ابتداء بما سماه مرة هوادة ومرة محاباة ومرة صدا ومرة منعا نسأل الله العصمة عن قول هذا عقباه ثم من احتج منهم بقوله سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا فالجواب لذلك من أوجه ثلاثة أحدها أنهم ادعوا به الأمر كقوله وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها وكذلك قوله وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب والثاني أنهم لما أوعدوا في ذلك قد أمهلوا فلما أمهلوا ظنوا كذب الرسل وحسبوا أن ذلك مما لله فيه الرضا وإلا لم يكن يمهلهم وكذلك ظن أصحاب السبت وذلك كقوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل والثالث أن يكونوا قالوه على الإستهزاء بالمؤمنين بما يدعون أن كل شيء بمشيئة الله كقول الإنسان إذا ما مت لسوف أخرج حيا إنه قال ذلك على الإستهزاء بالمؤمنين وإن كان ذلك حقا وكذلك قول المنافقين نشهد أنك لرسول الله ولكن ذلك لما كان الهزؤ طعنوا به فمثله الأول والله أعلم أيد ذلك آخر الآية قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين وغير ذلك ولا يحتمل لما مر بيانه وقال في قوله تعالى ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا إنه على الإكراه أن يمنعهم على الإكراه قسرا كما جعلهم شيوخا وشبابا ولكن شاء أن يبتليهم كقوله ولو يشاء الله لانتصر منهم وقد شاء ذلك بالنبي وأصحابه ولكن أراد به مشيئة القسر إذ ليس معها حمدا ولا أجرا