Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وقد روي عن جماعة من التابعين مثل الشعبي وشريح وإبراهيم وغيرهم رحمه ( ( ( رحمهم ) ) ) الله أنهم قالوا إذا تقدم إليه في الحائط فلم يهدمه وجب عليه الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل وأما شرائط الوجوب منها ( ( ( فمنها ) ) ) المطالبة بالنقض حتى لو سقط قبل المطالبة فعطب به شيء لا ضمان على صاحب الحائط لأن الضمان يجب بترك النقض المستحق لأن به يصير متعديا في التسبيب إلى الإتلاف ولا يثبت الاستحقاق بدون المطالبة وصورة المطالبة هي أن يتقدم إليه واحد من عرض الناس فيقول له إن حائطك هذا مائل أو مخوف فارفعه فإذا قال ذلك لزمه رفعه لأن هذا حق العامة فإذا قام به البعض صار خصما عن الباقين سواء كان الذي تقدم إليه مسلما أو ذميا حرا أو عبدا بعد أن كان أذن له مولاه بالخصومة فيه بالغا أو صبيا بعد أن كان عاقلا وقد أذن له وليه بالخصومة فيه لأن الطريق حق جميع أهل الدار فكان لكل واحد من أهل الدار حق المطالبة بإزالة سبب الضرر عنه إلا أنه لا بد من عقل الطالب وكونه مأذونا بالتصرف لأن كلام المجنون والمحجور عليه غير معتبر في الشرع فكان ملحقا بالعدم وينبغي أن يشهد على الطلب وتفسير الإشهاد ما ذكره محمد رحمه الله وهو أن يقول الرجل اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا والإشهاد للتحرز عن الجحود والإنكار لجواز أن ينكر صاحب الحائط المطالبة بالنقض فتقع الحاجة إلى الإشهاد لإثبات الطلب عند القاضي لا لصحة الطلب فإن الطلب يصح بدون الإشهاد حتى لو اعترف صاحب الدار بالطلب يجب عليه الضمان وإن لم يشهد عليه وكذا إذا أنكر يجب عليه الضمان فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى ونظيره ما قلنا في الشفعة أن الشرط فيها الطلب لا الإشهاد وإنما الإشهاد للحاجة إلى إثبات الطلب على تقدير الإنكار حتى لو أقر المشتري بالطلب يثبت حق الشفعة وإن لم يشهد على الطلب وكذا لو جحد الطلب يثبت الحق له فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى وكذا الإشهاد في باب اللقطة على أصل أبي حنيفة رحمه الله من هذا القبيل وقد ذكرنا ذلك في كتاب اللقطة ولو طولب صاحب الحائط بالنقض فلم ينقض حتى سقط إلى الطريق فعثر بنقضه إنسان فعطب به فإن كان قد طولب برفع ( ( ( بدفع ) ) ) النقض يضمن لأنه إذا طولب بالرفع لزمه الرفع فإذا لم يرفع صار متعديا فيضمن ما تولد منه وإن كان لم يطالب برفعه لا ضمان عليه عند أبي يوسف وعند محمد يضمن وجه قوله أنه لما طولب بالنقض فلم ينقض حتى سقط صار متعديا بترك النقض فحصل التلف بسبب هو متعد فيه فيضمن ولهذا ضمن إذا وقع على إنسان كذا إذا عطب بنقضه إنسان وجه قول أبي يوسف أن الحائط قد زال عن الموضع الذي طولب فيه لانتقاله عن محل الجناية وهو الهواء إلى محل آخر بغير صنع صاحبه فلا بد من مطالبة أخرى كمن وضع حجرا في الطريق فدحرجته الريح إلى موضع آخر فعطب به إنسان أنه لا ضمان على الواضع كذا ههنا بخلاف ما إذا سقط على إنسان لأنه لما زال عن محل المطالبة وهو الهواء الذي هو محل الجناية فلا يحتاج إلى مطالبة أخرى وإن كان الطريق غير نافذ فالخصومة إلى واحد من أهل تلك السكة لأن الطريق حقهم فكانت ( ( ( فكان ) ) ) لكل واحد منهم ولاية التقدم إلى صاحب الحائط وإن كان ميلان الحائط إلى ملك رجل فالمطالبة بالنقض والإشهاد إلى صاحب الملك لأن هواء ملكه حقه وقد شغل الحائط حق صاحب الملك فكان ( ( ( فكانت ) ) ) المطالبة بالتفريغ إليه فإن كان في الدار ساكن كالمستأجر والمستعير فالمطالبة والإشهاد إلى الساكن فيشترط طلب الساكن أو المالك لأن الساكن له حق المطالبة بإزالة ما يشغل الدار فكان له ولاية المطالبة بإزالة ما يشغل الهواء أيضا
ولو طولب صاحب الحائط بالنقض فاستأجل الذي طالبه أو استأجل القاضي فأجله فإن كان ميلان الحائط إلى الطريق فالتأجيل باطل وإن كان ميلانه إلى دار رجل فأجله صاحب الدار أو أبرأه منه أو فعل ذلك ساكن الدار فذلك جائز ولا ضمان عليه فيما تلف بالحائط والله أعلم ووجه الفرق بينهما أن الحق في الطريق لجماعة المسلمين فإذا طالب واحد منهم بالقبض ( ( ( بالنقض ) ) ) فقد تعلق الضمان بالحائط لحق الجماعة فكان التأجيل والإبراء إسقاطا لحق الجماعة فلا يملك ذلك بخلاف ما إذا كان الميلان إلى دار إنسان لأن هناك الحق لصاحب الدار خاصة وكذلك الساكن فكان التأجيل والإبراء منه إسقاطا لحق نفسه فيملكه وكذلك لو وضع رجل في دار غيره حجرا أو حفر بئرا أو بنى فيها بناء وأبرأه صاحب الدار منه كان بريئا ولا يلزمه ما عطب بشيء من ذلك سواء عطب به صاحب الدار أو داخل دخل لأن الحق له فيملك إسقاطه كأنه فعل ذلك بإذنه ومنها أن يكون المطالب بالنقض ممن يلي النقض لأن المطالبة بالنقض ممن لا يلي النقض سفه فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة فلا تصح مطالبة المستودع والمستعير والمستأجر والمرتهن لأنه ليس لهم ولاية النقض فتصح مطالبة الراهن لأن له ولاية النقض لقيام الملك فينقض ويقضي الدين فيصير متعديا بترك النقض وتصح مطالبة الأب والوصي في هدم حائط الصغير لثبوت ولاية النقض لهما فإن لم ينقضا حتى سقط يجب الضمان على الصبي لأن التلف بترك النقض المستحق على الولي والوصي مضاف إلى الصبي لقيامهما مقام الصبي والصبي مؤاخذ بأفعاله فيضمن وتتحمل عنه عاقلته فيما تتحمل العاقلة ويكون في ماله فيما لا تتحمله العاقلة كالبالغ سواء وعلى هذا يخرج ما إذا كان الحائط المائل لجماعة فطولب بعضهم بالنقض فلم ينقض حتى سقط فعطب به شيء أن القياس أن لا يضمن أحد منهم شيئا وفي الاستحسان يضمن الذي طولب وجه القياس أنه لم يوجد من أحد منهم ترك النقض المستحق أما الذين لم يطالبوا بالنقض فظاهر وأما الذي طولب به فلأن أحد الشركاء لا يلي النقض بدون الباقين وجه الاستحسان أن المطالب بالنقض ترك النقض مع القدرة عليه لأنه يمكنه أن يخاصم الشركاء ويطالبهم بالنقض إن كانوا حضورا وإن كانوا غيبا يمكنه أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يأمره القاضي بالنقض لأن فيه حقا لجماعة المسلمين والإمام يتولى ذلك لهم فيأمر الحاضر بنقض نصيبه ونصيب الغائبين فإذا لم يفعل فقد صار متعديا بترك النقض المستحق فيضمن ما تولد منه لكن بقدر حصته من الحائط في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما عليه ضمان النصف وجه قولهما أن انصباء الشركاء الآخرين لم يجب بها ضمان فكانت كنصيب واحد كمن جرحه رجل وعقره سبع ونهشته حية فمات من ذلك كله أن على الجارح النصف لأن عقر السبع ونهش الحية لم يجب بهما ضمان فكانا كالشيء الواحد كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن التلف حصل بثقل الحائط وليس ذلك معنى مختلفا في نفسه فيضمن بمقدار نصيبه والله تعالى أعلم ومنها قيام ولاية النقض وقت السقوط ولا يكتفي بثبوتها وقت المطالبة لأنه إنما يصير متعديا بترك النقض عند السقوط كأنه أسقطه فإذا لم يبق له ولاية النقض عند السقوط لم يصر متعديا بترك النقض فلا يجب الضمان عليه وعلى هذا يخرج ما إذا طولب بالنقض فلم ينقض حتى باع الدار التي فيها الحائط من إنسان وقبضه المشتري أو لم يقبضه ثم سقط على شيء فعطب به أنه لا ضمان على البائع لانعدام ولاية النقض وقت السقوط بخروج الحائط عن ملكه ولا على المشتري أيضا لانعدام المطالبة في حقه
فرق بين هذا وبين ما إذا شرع جناحا إلى الطريق ثم باع الدار مع الجناح ثم وقع على إنسان أنه يضمن البائع ووجه الفرق أن وجوب الضمان هناك على البائع قبيل البيع لكونه متعديا بإشراع الجناح والإشراع على حاله لم يتغير فلا يتغير ما تعلق به من الضمان ووجوب الضمان لكونه متعديا بترك النقض المستحق وذلك عند سقوط الحائط وقد بطل الاستحقاق بالبيع فلم يوجد التعدي عند السقوط بترك النقض فلا يجب الضمان وعلى هذا يخرج ما إذا طولب الأب بنقض حائط الصغير فلم ينقض حتى مات الأب أو بلغ الصبي ثم سقط الحائط أنه لا ضمان فيه لأن قيام الولاية وقت السقوط شرط وقد بطلت بالموت والبلوغ والله تعالى أعلم ومنها إمكان النقض بعد المطالبة وهو أن يكون سقوط الحائط بعد المطالبة بالنقض في مدة يمكنه نقضه فيها لأن الضمان يجب بترك النقض الواجب ولا وجوب بدون الإمكان حتى لو طولب بالنقض فلم يفرط في نقضه ولكنه ذهب يطلب من ينقضه فسقط الحائط فتلف به شيء لا ضمان عليه لأنه إذا لم يتمكن من النقض لم يكن بترك النقض متعديا فبقي حق الغير حاصلا في يده بغير صنعه فلا يكون مضمونا عليه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل وأما بيان ماهية الضمان الواجب بهذه الجناية وكيفيته فالواجب بهذه الجناية ما هو الواجب بجنسها من جناية الحافر ومن في معناه وجناية السائق والقائد والناخس وهو ما ذكرنا أن الجناية إن كانت على بني آدم وكانت نفسا فالواجب بها الدية وإن كانت ما دون النفس فالواجب بها الأرش فإذا بلغ الواجب بها نصف عشر دية الذكر وهو عشر دية الأنثى فما فوقه تتحمله العاقلة ولا تتحمل ما دون ذلك ولا ما يجب بالجناية على غير بني آدم بل يكون في ماله لما بينا فيما تقدم إلا أن ظهور الملك لصاحب الحائط في الدار عند الإنكار بحجة مطلقة وهي البينة شرط تحمل العاقلة حتى لو أنكرت العاقلة كون الدار ملكا لصاحب الحائط لا عقل عليهم حتى يقيم صاحب الدار البينة على الملك كذا ذكر محمد رحمه الله فقال لا تضمن العاقلة حتى يشهد الشهود على ثلاثة أشياء على التقديم إليه من سقوط الحائط وعلى أن الدار له يريد به عند الإنكار أما الشهادة على الملك فلأن الملك وإن كان ثابتا له بظاهر اليد لكن الظاهر لا يستحق به حق على غيره إذ هو حجة للدفع لا حجة الاستحقاق لحياة المفقود وغير ذلك فلا بد من الإثبات بالبينة وعند زفر رحمه الله تتحمل العاقلة بظاهر اليد وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الشفعة وأما الشهادة على المطالبة فلأن المطالبة شرط وجوب الضمان لما ذكرنا فيما تقدم فلا بد من إثباتها بالبينة عند الإنكار وأما الشهادة على الموت من سقوط الحائط فلأن به يظهر سبب وجوب الضمان وهو التعدي لأنه ما لم يعلم أنه مات من السقوط لا يعلم كون صاحب الحائط متعديا عليه والله أعلم فصل في القسامة هذا الذي ذكرنا حكم قتل نفس علم قاتلها فأما حكم نفس لم يعلم قاتلها فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى وعند مالك رحمه الله وجوب القسامة والقصاص والكلام في القسامة يقع في مواضع في تفسير القسامة وبيان محلها وفي بيان شرائط وجوب القسامة والدية وفي بيان سبب وجوب القسامة والدية وفي بيان من يدخل في القسامة والدية وفي بيان ما يكون إبراء عن القسامة والدية أما تفسير القسامة وبيان محلها فالقسامة في اللغة تستعمل بمعنى الوسامة وهو الحسن والجمال يقال فلان قسيم أي حسن جميل وفي صفات النبي عليه الصلاة والسلام قسيم وتستعمل بمعنى القسم وهو اليمين إلا أن في عرف الشرع تستعمل في اليمين بالله تبارك وتعالى بسبب مخصوص وعدد مخصوص وعلى شخص مخصوص وهو المدعى عليه على وجه مخصوص وهو أن يقول خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا فإذا حلفوا يغرمون الدية وهذا عند أصحابنا رحمهم الله
وقال مالك رحمه الله إن كان هناك لوث يستحلف الأولياء خمسين يمينا فإذا حلفوا يقتص من المدعي عليه وتفسير اللوث عنده أن يكون هناك علامة القتل في واحد بعينه أو يكون هناك عداوة ظاهرة وقال الشافعي رحمه الله إن كان هناك لوث أي عداوة ظاهرة وكان بين دخوله المحلة وبين وجوده قتيلا مدة يسيرة يقال للولي عين القاتل فإن عين القاتل يقال للولي احلف خمسين يمينا فإن حلف فله قولان في قول يقتل القاتل الذي عينه كما قال مالك رحمه الله وفي قول يغرمه الدية فإن عدم أحد هذين الشرطين اللذين ذكرناهما يحلف أهل المحلة فإذا حلفوا لا شيء عليهم كما في سائر الدعاوي احتجا لوجوب القسامة على المدعي بحديث سهل بن أبي خيثمة ( ( ( حثمة ) ) ) أنه قال وجد عبد الله بن سهل قتيلا في قليب خيبر فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وعماه حويصة ومحيصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عبد الرحمن يتكلم عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام الكبر الكبر فتكلم أحد عميه إما حويصة وإما محيصة الكبير منهما فقال يا رسول الله إنا وجدنا عبد الله قتيلا في قليب من قلب ( ( ( قليب ) ) ) خيبر وذكر عداوة اليهود لهم فقال عليه الصلاة والسلام يحلف لكم اليهود خمسين يمينا أنهم لم يقتلوه فقالوا كيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون فقال عليه الصلاة والسلام فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه فقالوا كيف نقسم على ما لم نره فوداه عليه الصلاة والسلام من عنده ووجه الاستدلال بالحديث أنه عليه الصلاة والسلام عرض الأيمان على أولياء القتيل فدل أن اليمين على المدعي ولنا ما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال يا رسول الله إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان فقال عليه الصلاة والسلام اجمع منهم خمسين فيحلفون بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلا فقال يا رسول الله ليس لي من أخي إلا هذا فقال بل لك مائة من الإبل فدل الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم وهم أهل المحلة لا على المدعي وعلى وجوب الدية عليهم من ( ( ( مع ) ) ) القسامة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال وجد قتيل بخيبر فقال عليه الصلاة والسلام أخرجوا من هذا الدم فقالت اليهود كان وجد في بني اسرائيل على عهد سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فقضى في ذلك فإن كنت نبيا فاقض فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام تحلفون خمسين يمينا ثم يغرمون الدية فقالوا قضيت بالناموس أي بالوحي وهذا نص في الباب وبه يبطل قول مالك رحمه الله بإيجاب القصاص به لأن النبي عليه الصلاة والسلام غرمهم الدية لا القصاص ولو كان الواجب هو القصاص لغرمهم القصاص لا الدية وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه حكم في قتيل وجد بين قريتين فطرحه على أقربهما وألزم أهل القرية القسامة والدية وكذا روي عن سيدنا على رضي الله عنه ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد من الصحابة رضي الله عنهم فيكون إجماعا وأما حديث سهل ففيه ما يدل علي عدم الثبوت ولهذا ظهر النكير فيه من السلف فإن فيه أنه عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى أيمان اليهود فقالوا كيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون وهذا يجري مجرى الرد لما دعاهم إليه مع ما أن رضا المدعي لا مدخل له في يمين المدعى عليه وفيه أيضا أنه لما قال لهم يحلف منكم خمسون أنهم قتلوه قالوا كيف نحلف على ما لم نشهد
وهذا أيضا يجري مجرى الرد لقوله عليه الصلاة والسلام ثم إنهم أنكروا ذلك لعدم علمهم بالمحلوف عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنهم لا علم لهم بذلك فكيف استجاز ( ( ( استخار ) ) ) عرض اليمين عليهم ولئن ثبت فهو مؤول وتأويله أنهم لما قالوا لا نرضى بأيمان اليهود فقال لهم عليه الصلاة والسلام يحلف منكم خمسون على الاستفهام أي أيحلف إذ الاستفهام قد يكون بحذف حرف الاستفهام كما قال الله تعالى جل شأنه تريدون عرض الدنيا أي أتريدون كما روي في بعض ألفاظ حديث سهل أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم على سبيل الرد والانكار عليهم كما قال الله تبارك وتعالى أفحكم الجاهلية يبغون حملناه على هذا توفيقا بين الدلائل والحديث المشهور دليل على ما قلنا وهو قوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه جعل جنس اليمين على المدعى عليه فينبغي أن لا يكون شيء من الايمان على المدعي فإن قيل روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا في القسامة استثنى القسامة فينبغي أن لا تكون اليمين على المدعى عليه في القسامة لأن حكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فالجواب أن الاستثناء لو ثبت فله تأويلان أحدهما اليمين على المدعى عليه بعينه إلا في القسامة فإنه يحلف من لم يدع عليه القتل بعينه والثاني اليمين كل الواجب على المدعى عليه إلا في القسامة فإنه تجب معها الدية والله تعالى أعلم وإنما جمعنا في القسامة بين اليمين البتات والعلم إلى آخره لأن إحدى اليمينين كانت على فعلهم فكانت على البتات والأخرى على فعل غيرهم فكانت على العلم والله تعالى عز وجل أعلم فإن قيل أي فائدة في الاستحلاف على العلم وهم لو علموا القاتل فأخبروا به لكان لا يقبل قولهم لأنهم يسقطون به الضمان عن أنفسهم فكانوا متهمين دافعين الغرم عن أنفسهم وقد قال عليه السلام لا شهادة للمتهم قال عليه الصلاة والسلام لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم قيل إنما استحلفوا على العلم اتباعا للسنة لأن السنة هكذا وردت لما روينا من الأخبار فاتبعنا السنة من غير أن نعقل فيه المعنى ثم فيه فائدة من وجهين أحدهما أن من الجائز أن يكون القاتل عبدا لواحد منهم فيقر عليه بالقتل فيقبل إقراره لأن إقرار المولى على عبده بالقتل الخطأ صحيح فيقال له ادفعه أو افده ويسقط الحكم عن غيره فكان التحليف على العلم مفيدا وجائز أن يقر على عبد غيره ويصدقه مولاه فيؤمر بالدفع أو الفداء ويسقط الحكم عن غيره فكان مفيدا فجاز أن يكون التحليف على العلم لهذا المعنى في الأصل ثم بقي هذا الحكم وإن لم يكن لواحد من الحالفين ( ( ( الحالين ) ) ) عبد كالرمل في الطواف لأنه عليه الصلاة والسلام كان يرمل في الطواف إظهارا للجلادة والقوة مراآة ( ( ( مرآة ) ) ) للكفرة بقوله عليه الصلاة والسلام رحم الله امرأ أظهر اليوم الجلادة من نفسه ثم زال ذلك اليوم ثم بقي الرمل سنة في الطواف حتى روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يرمل في الطواف ويقول ما أهز كتفي ولم أحدا رأيته لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كذا هذا والثاني أنه لا يمتنع أن يكون واحد منهم أمر صبيا أو مجنونا أو عبدا محجورا عليه بالقتل ولو أقر به يلزمه في ماله يحلف بالله ما علمت له قاتلا لأنه لو قال علمت له قاتلا وهو الصبي الذي أمره بقتله لكان حاصل الضمان عليه ويسقط الحكم عن غيره فكان مقيدا ( ( ( مفيدا ) ) ) والله تعالى أعلم فصل وأما شرائط وجوب القسامة والدية
فأنواع منها أن يكون الموجود قتيلا وهو أن يكون به أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق فإن لم يكن شيء من ذلك فلا قسامة فيه ولا دية لأنه إذا لم يكن به أثر القتل فالظاهر أنه مات حتف أنفه فلا يجب فيه شيء فإذا احتمل أنه مات حتف أنفه واحتمل أنه قتل احتمالا على السواء فلا يجب شيء بالشك والاحتمال ولهذا لو وجد في المعركة ولم يكن به أثر القتل لم يكن شهيدا حتى يغسل وعلى هذا قالوا إذا وجد والدم يخرج من فمه أو من أنفه أو دبره أو ذكره لا شيء فيه لأن الدم يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب بسبب القيء والرعاف وعارض آخر فلا يعرف كونه قتيلا وإن كان يخرج من عينه أو أذنه ففيه القسامة والدية لأن الدم لا يخرج من هذه المواضع عادة فكان الخروج مضافا إلى ضرب حادث فكان قتيلا ولهذا وجد هكذا في المعركة كان شهيدا وفي الأول لا يكون شهيدا ولو مر في محلة فأصابه سيف أو خنجر فجرحه ولا يدري من أي موضع أصابه فحمل إلى أهله فمات من تلك الجراحة فإن كان لم يزل صاحب فراش حتى مات فعلى عاقلة القبيلة القسامة والدية وإن لم يكن صاحب فراش فلا قسامة ولا دية وهذا قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله لا قسامة فيه ولا ضمان في الوجهين جميعا وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله وجه قول أبي يوسف أن المجروح إذا لم يمت في المحلة كان الحاصل في المحلة ما دون النفس ولا قسامة فيما دون النفس كما لو وجد مقطوع اليد في المحلة ولهذا لو لم يكن صاحب فراش ( ( ( الفراش ) ) ) فلا شيء فيه كذا هذا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا لم يبرأ عن الجراحة وكان لم يزل صاحب فراش حتى مات علم أنه مات من الجراحة فعلم أن الجراحة حصلت قتلا من حين وجودها فكان قتيلا في ذلك الوقت كأنه مات في المحلة بخلاف ما إذا لم يكن صاحب فراش لأنه إذا لم يصر صاحب فراش لم يعلم أن الموت حصل من الجراحة فلم يوجد قتيلا في المحلة فلا يثبت حكمه وعلى هذا يخرج ما إذا وجد من القتيل أكثر بدنه أن فيه القسامة والدية لأنه يسمى قتيلا لأن للأكثر حكم الكل ولو وجد عضو من أعضائه كاليد والرجل أو وجد أقل من نصف البدن فلا قسامة فيه ولا دية لأن الأقل من النصف لا يسمى قتيلا ولأنا لو أوجبنا في هذا القدر القسامة لأوجبنا في الباقي قسامة أخرى فيؤدي إلى اجتماع قسامتين في نفس واحدة وهذا لا يجوز وإن وجد النصف فإن كان النصف الذي فيه الرأس ففيه القسامة والدية وإن كان النصف الآخر فلا قسامة فيه ولا دية لأن الرأس إذا كان معه يسمى قتيلا وإذا لم يكن لا يسمى قتيلا لأن الرأس أصل ولأنا لو أوجبنا في النصف الذي لا رأس فيه للزمنا الإيجاب في النصف الذي معه الرأس فيؤدي إلى ما قلنا وإن وجد الرأس وحده فلا قسامة ولا دية لأن الرأس وحده لا يسمى قتيلا وإن وجد النصف مشقوقا فلا شيء فيه لأن النصف المشقوق لا يسمى قتيلا ولأن في اعتباره إيجاب القسامتين على ما بينا ونظير هذا ما قلنا في صلاة الجنازة إذا وجد أكثر البدن أو أقل ( ( ( أقله ) ) ) أو نصفه على التفصيل الذي ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن لا يعلم قاتله فإن علم فلا قسامة فيه ولكن يجب القصاص إن كان قتيلا يوجب القصاص وتجب الدية إن كان قتيلا يوجب الدية وقد ذكرنا جميع ذلك فيما تقدم
ومنها أن يكون القتيل من بني آدم عليه الصلاة والسلام فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم ولا غرم فيها لأن لزوم القسامة في نفسها أمر ثبت بخلاف القياس لأن تكرار اليمين غير مشروع واعتبار عدد الخمسين غير معقول ولهذا لم يعتبر في سائر الدعاوي وكذا وجوب الدية معها لأن اليمين في الشرع جعلت دافعة للاستحقاق بنفسها كما في سائر الدعاوي إلا أنا عرفنا ذلك بالنصوص والإجماع في بني آدم خاصة فبقي الأمر فيما وراءهم على الأصل ولهذا لم تجب القسامة والغرامة في سائر الأموال كذا في البهائم وتجب في العبد القسامة والقيمة إذا وجد قتيلا في غير ملك صاحبه لأنه آدمي من كل وجه ولهذا يجب فيه القصاص في العمد والكفارة في الخطأ وتغرم العاقلة قيمته في الخطأ وهذا على أصلهما فأما على أصل أبي يوسف فلا قسامة فيه ولا دية لأن العبد عنده مضمون بالخطأ من حيث أنه مال لا من حيث أنه آدمي ولهذا قال تجب قيمته في القتل الخطأ بالغة ما بلغت ولا تتحملها العاقلة فكان بمنزلة البهيمة وكذا الجواب في المدبر وأم الولد والمكاتب والمأذون لما قلنا وسواء كان القتيل مسلما أو ذميا عاقلا أو مجنونا بالغا أو صبيا ذكرا أو أنثى لأنه عليه الصلاة والسلام أطلق القضية بالقسامة والدية في مطلق قتيل أخبر به في بعض الأحاديث ولم يستفسر ولو كان الحكم يختلف لاستفسر ( ( ( لاستفسروا ) ) ) ولأن دم هؤلاء مضمون بالقصاص والدية في العمد والخطأ فيكون مضمونا بالقسامة والدية وسواء وجد المسلم قتيلا في محلة المسلمين أو في محلة أهل الذمة لأن عبد الله بن سهل الأنصاري رضي الله عنه وجد قتيلا في قليب من قلب ( ( ( قليب ) ) ) خيبر وأوجب رسول الله القسامة على اليهود وكذا الذمي لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم إلا ما نص بدليل ومنها الدعوى من أولياء القتيل لأن القسامة يمين واليمين لا تجب بدون الدعوى كما في سائر الدعاوي والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها إنكار المدعى عليه لأن اليمين وظيفة المنكر قال عليه الصلاة والسلام واليمين على من أنكر جعل جنس اليمين على المنكر فينفي وجوبها على غير المنكر ومنها المطالبة بالقسامة لأن اليمين حق المدعي وحق الإنسان يوفى عند طلبه كما في سائر الأيمان ولهذا كان الاختيار في حال القسامة إلى أولياء القتيل لأن الأيمان حقهم فلهم أن يختاروا من يتهمونه ويستحلفون صالحي العشيرة الذين يعلمون أنهم لا يحلفون كذبا ولو طولب من عليه القسامة بها فنكل عن اليمين حبس حتى يحلف أو يقر لأن اليمين في باب القسامة حق مقصود بنفسه لا أنه وسيلة إلى المقصود وهو الدية بدليل أنه يجمع بينه وبين الدية ولهذا قال الحرث ( ( ( الحارث ) ) ) بن الأزمع لسيدنا عمر رضي الله عنه انبذ ( ( ( أنبذل ) ) ) أيماننا وأموالنا فقال نعم وروي أن الحارث قال أما تجزي هذه عن هذه فقال لا وروي أنه قال فبم يبطل دم صاحبكم فإذا كانت مقصودة بنفسها فمن امتنع عن أداء حق مقصود بنفسه وهو قادر على الأداء يجبر عليه بالحبس كمن امتنع عن قضاء دين عليه مع القدرة على القضاء بخلاف اليمين في سائر الحقوق فإنها ليست مقصودة بنفسها بل هي وسيلة إلى المقصود وهو المال المدعى ألا ترى أنه لا يجمع بينهما بل إذا حلف المدعى عليه برىء أو لا ترى أنه إذا لم يحلف المدعى عليه ولم يقر وبذل المال لا يلزمه شيء وههنا لو لم يحلفوا ولم يقروا وبذلوا الدية لا تسقط عنهم القسامة فدل أنها مقصودة بنفسها فيجبرون عليها بالحبس وروي عن أبي يوسف أنهم لا يحبسون والدية على العاقلة ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله وذكر فيه أيضا أن الإمام إذا أيس عن الحلف وسأله الأولياء أن يغرمهم الدية يقضي عليهم بالدية والله تعالى أعلم
ومنها أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكا لأحد أو في يد أحد فإن لم يكن ملكا لأحد ولا في يد أحد أصلا فلا قسامة فيه ولا دية وإن كان في يد أحد يد العموم لا يد الخصوص وهو أن يكون التصرف فيه لعامة المسلمين لا لواحد منهم ولا لجماعة يحصون لا تجب القسامة وتجب الدية وإنما كان كذلك لأن القسامة أو الدية إنما تجب بترك الحفظ اللازم على ما نذكر فإذا لم يكن ملك أحد ولا في يد أحد أصلا لا يلزم أحدا حفظه فلا تجب القسامة والدية وإذا كان في يد العامة فحفظه على العامة لكن لا سبيل إلى إيجاب القسامة على الكل لتعذر الاستيفاء من الكل وأمكن إيجاب الدية على الكل لإمكان الاستيفاء منهم بالأخذ من بيت المال لأن مال بيت المال مالهم فكان الأخذ من بيت المال استيفاء منهم وعلى هذا يخرج ما إذا وجد القتيل في فلاة من الأرض ليس بملك لأحد أنه لا قسامة فيه ولا دية إذا كان بحيث لا يسمع الصوت من الأمصار ولا من قرية من القرى فإن كان بحيث يسمع الصوت تجب القسامة على أقرب المواضع إليه فإن كان أقرب إلى القرى فعلى أقرب القرى وإن كان أقرب إلى المصر فعلى أقرب محال المصر إليه لأنه إذا كان بحيث لا يسمع الصوت والغوث لا يلحق ذلك الموضع فلم يكن الموضع في يد أحد فلم يوجد القتيل في ملك أحد ولا في يد أحد أصلا فلا تجب فيه القسامة ولا الدية وإذا كانت بحيث يسمع الصوت والغوث يلحق فكان من توابع أقرب المواضع إليه وقد ورد باعتبار القرب حديث عنه عليه الصلاة والسلام وقضى به أيضا سيدنا عمر رضي الله عنه على ما نذكر ولو وجد في نهر عظيم كدجلة والفرات وسيحون ونحوها فإن كان النهر يجري به فلا قسامة ولا دية لأن النهر العظيم ليس ملكا لأحد ولا في يد أحد وقال زفر رحمه الله تجب على أقرب القرى من ذلك الموضع كما إذا وجد على الدابة وهي تسير وليست في يد أحد وهذا القياس ليس بسديد لأن الموضع الذي تسير فيه الدابة تابع لأقرب المواضع إليه فكان في يد أهله بخلاف النهر الكبير فإنه لا يدخل تحت يد أحد لا بالأصالة ولا بالتبعية وإن كان النهر لا يجري به ولكنه كان محتبسا ( ( ( محتسبا ) ) ) في الشط أو مربوطا على الشط أو ملقى على الشط فإن كان الشط ملكا فحكمه حكم الأرض المملوكة أو الدار المملوكة إذا وجد فيها قتيل وسنذكره إن شاء الله تعالى فإن لم يكن ملكا لأحد فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى من حيث يسمع الصوت القسامة والدية لأنهم يستقون منه الماء ويوردون دوابهم فكان لهم تصرف في الشط فكان الشط في أيديهم وكذلك لو كان في الجزيرة فعلى أقرب المواضع إلى الجزيرة من الأمصار والقرى من حيث يسمع الصوت القسامة والدية لأن الجزيرة تكون في تصرفهم فكانت في أيديهم وإن وجد في نهر صغير مما يقضي فيه بالشفعة للشركاء في الشرب ففيه القسامة والدية على أهل النهر لأن النهر مملوك لهم وسواء كان القتيل محتبسا أو مربوطا على الشط أو كان النهر يجري به بخلاف النهر الكبير لأنه إذا كان ملكا لأربابه كان الموضع الذي يجري به مملوكا لهم وليس كذلك النهر الكبير ولا قسامة في قتيل يوجد في مسجد الجامع ولا في شوارع العامة ولا في جسور العامة لأنه لم يوجد الملك ولا يد الخصوص وتجب الدية على بيت المال لأن تدبير هذه المواضع ومصلحتها إلى العامة فكان حفظها عليهم فإذا قصروا ضمنوا وبيت ( ( ( بيت ) ) ) المال مالهم فيؤخذ من بيت المال
وكذلك لا قسامة في قتيل في سوق العامة وهي الأسواق التي ليست بمملوكة وهي سوق السلطان لأنها إذا لم تكن مملوكة وليس لأحد عليها يد الخصوص كانت كالشوارع العامة لأن سوق السلطان لعامة المسلمين فلا تجب القسامة وتجب الدية لأن حفظها والتدبير فيها إلى جماعة المسلمين فيضمنون بالتقصير فبيت المال مال عامة المسلمين فيؤخذ منه وكذا إذا وجد في مسجد جماعتهم لا قسامة والدية في بيت المال لأنه لا ملك لأحد فيه ولا يد الخصوص ويد العموم توجب الدية لا القسامة لما بينا فإن كان السوق ملكا تجب القسامة والدية لكن على من تجب فيه اختلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ولا قسامة في قتيل يوجد في السجن لانعدام الملك ويد الخصوص لأنه لا تصرف لأهل السجن في السجن لكونهم مقهورين فيه وتجب الدية على بيت المال لأن يد العموم ثابتة عليه ولأن منفعة السجن لعامة المسلمين لأنه بني لاستيفاء حقوقهم ودفع الضرر عنهم ويد العموم توجب الدية لا القسامة وهذا قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله تجب القسامة والدية على أهل السجن لأن لهم ضرب تصرف في السجن فكأن لهم يدا على السجن فعليهم حفظه ومنها أن لا يكون القتيل ملكا لصاحب الملك الذي وجد فيه فلا قسامة ولا دية في قن أو مدبر أو أم ولد أو مكاتب أو مأذون وجد قتيلا في دار مولاه لأنه ملكه ووجوده في داره قتيلا كمباشرة القتل منه وقتل المملوك لا يتعلق به ضمان إلا أن في المكاتب تجب على المولى قيمته لأنه فيما يرجع إلى كسبه وأرش جنايته حر فكان كسبه وأرشه له والمولى فيه كالأجنبي ولا تعقله العاقلة لأنه إذا صار مضمونا بعقد الكتابة والعقد ثبت في حق المولى والمكاتب لا في حق العاقلة وفي المأذون عليه قيمته لغرمائه إن كان له دين لتعلق حق الغرماء بماليته وقد استهلك حقهم بالقتل باستهلاك محل الحق فيجب عليه قيمته لغرمائه وتكون حالة في ماله لأن هذا ليس ضمان النفس لأن نفسه ملك المولى بل هذا ضمان المال لتعلق الغرماء بماليته فكان هذا ضمان الاستهلاك فتكون في ماله حالة لا مؤجلة كما لو استهلكه بالإعتاق وإن لم يكن عليه دين لا شيء فيه وكذلك إن قتله عمدا وكذلك لو كان العبد جنى جناية ثم وجد قتيلا في دار مولاه فعلى المولى قيمته حالة وكذلك إن قتله خطأ وهو لا يعلم بجنايته لما قلنا ولو وجد العبد الرهن قتيلا في دار الراهن أو المرتهن فإن وجد قتيلا في دار الراهن فلا قسامة والقيمة على رب الدار دون العاقلة لأنه ملكه وقتل الإنسان ملك نفسه لا يوجب الضمان عليه وإنما وجب الضمان بعقد الرهن والعقد ثبت في حق الراهن والمرتهن لا في حق العاقلة فلا يلزم حكمه العاقلة وإن وجد في دار المرتهن فالقسامة والقيمة على عاقلته لأن هذا الضمان لا يجب بالعقد وإنما يجب بالجناية لأن وجوده في داره قتيلا كمباشرة القتل منه كعبد ليس برهن وجد في داره قتيلا وثمة القسامة والقيمة عليه كذا ههنا وأما بيان سبب وجوب القسامة والدية فنقول سبب وجوبهما هو التقصير في النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ صار مقصرا بترك الحفظ الواجب فيؤاخذ بالتقصير زجرا عن ذلك وحملا على تحصيل الواجب وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ ولأنه إذا اختص بالموضع ملكا أو يدا بالتصرف كانت منفعته له فكانت النصرة عليه إذ الخراج بالضمان على لسان رسول الله وقال تبارك وتعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولأن القتيل إذا وجد في موضع اختص به واحد أو جماعة إما بالملك أو باليد وهو التصرف فيه فيتهمون أنهم قتلوه فالشرع ألزمهم القسامة دفعا للتهمة والدية لوجود القتيل بين أظهرهم
وإلى هذا المعنى أشار سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه حينما قيل أنبذل أموالنا وأيماننا فقال أما أيمانكم فلحقن دمائكم وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم وإذا عرف هذا فنقول القتيل إذا وجد في المحلة فالقسامة والدية على أهل المحلة للأحاديث وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا ولأن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم وهم المتهمون في قتله فكانت القسامة والدية عليهم وكذا إذا وجد في مسجد المحلة أو في طريق المحلة لما قلنا فيحلف منهم خمسون فإن لم يكمل العدد خمسين رجلا تكرر الأيمان عليهم حتى تكمل خمسين يمينا لما روي عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنه حلف رجال القسامة فكانوا تسعة وأربعين رجلا فأخذ منهم واحدا وكرر عليه اليمين حتى كملت خمسين يمينا وكان ذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعا ولأن هذه الأيمان حق ولي القتيل فله أن يستوفيها ممن يمكن استيفاؤها منه فإن أمكن الاستيفاء من عدد الرجال الخمسين استوفى وإن لم يمكن يستوفي عدد الأيمان التي هي حقه وإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر اليمين على بعضهم ليس له ذلك كذا ذكر محمد رحمه الله لأن موضوع هذه الأيمان على عدد الخمسين في الأصل لا على واحد وإنما التكرار على واحد لضرورة نقصان العدد ولا ضرورة عند الكمال وإن كان في المحلة قبائل شتى فإن كان فيها أهل الخطة والمشترون فالقسامة والدية على أهل الخطة ما بقي منهم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة وقال أبو يوسف رحمه الله عليهم وعلى المشترين جميعا وجه قوله أن الوجوب على أهل الخطة باعتبار الملك والملك ثابت للمشترين ولهذا إذا لم يكن من أهل الخطة أحد كانت القسامة على المشترين وجه قولهما أن أهل الخطة أصول في الملك لأن ابتداء الملك ثبت لهم وإنما انتقل عنهم إلى المشترين فكانوا أخص بنصرة المحلة وحفظها من المشترين فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم وكان المشتري بينهم كالأجنبي فما بقي واحد منهم لا ينتقل إلى المشتري وقيل إن أبا حنيفة بنى الجواب على ما شاهد بالكوفة وكان تدبير أمر المحلة فيها إلى أهل الخطة وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشراف ( ( ( الأشرف ) ) ) من ( ( ( ومن ) ) ) أهل المحلة كانوا من أهل الخطة أو لا فبنى الجواب على ذلك فعلى هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة لأن كل واحد منهما عول على معنى الحفظ والنصرة فإن فقد أهل الخطة وكان في المحلة ملاك وسكان فالدية على الملاك لا على السكان عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف عليهم جميعا له ما روي أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أوجب القسامة على أهل خيبر وكانوا سكانا ولأن للساكن اختصاصا بالدار يدا كما أن للمالك اختصاصا بها ملكا ويد الخصوص تكفي لوجوب القسامة وجه قولهما أن المالك أخص بحفظ الموضع ونصرته من السكان لأن اختصاصه اختصاص ملك وإنه أقوى من اختصاص اليد ألا يرى أن السكان يسكنون زمانا ثم ينتقلون وأما إيجاب القسامة على يهود خيبر فممنوع أنهم كانوا سكانا بل كانوا ملاكا فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام أقرهم على أملاكهم ووضع الجزية على رؤوسهم وما كان يؤخذ منهم كان يؤخذ على وجه الجزية لا على سبيل الأجرة ولو وجد قتيل في سفينة فإن لم يكن معهم ركاب فالقسامة والدية على أرباب السفينة وعلى من يمدها ممن يملكها أو لا يملكها وإن كان معهم فيها ركاب فعليهم جميعا وهذا في الظاهر يؤيد قول أبي يوسف في إيجابه القسامة والدية على الملاك والسكان جميعا وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يفرقان بين السفينة والمحلة لأن السفينة تنقل وتحول من مكان إلى مكان فتعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة إذا وجد عليها قتيل بخلاف الدار فإنها لا تحتمل النقل والتحويل فيعتبر فيها الملك والتحويل ما أمكن لا اليد وكذلك العجلة حكمها حكم السفينة لأنها تنقل وتحول
ولو وجد القتيل معه رجل يحمله على ظهره فعليه القسامة والدية لأن القتيل في يده ولو وجد جريح معه به رمق يحمله حتى أتى به أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لا يضمن عند أبي يوسف وقال أبو يوسف وفي قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه يضمن وجه القياس أن الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحا فإذا مات من الجرح فكأنه مات في يده وهذا تفريع على من جرح في قبيلة فتحامل إلى قبيلة أخرى فمات فيهم وقد ذكرناه فيما تقدم وكذلك إذا كان على دابة ولها سائق أو قائد أو عليها راكب فعليه القسامة والدية لأنه في يده وإن اجتمع السائق والقائد والراكب فعليهم جميعا لأن القتيل في أيديهم فصار كأنه وجد في دارهم وإن وجد على دابة لا سائق لها ولا قائد ولا راكب عليها فإن كان ذلك الموضع ملكا لأحد فالقسامة والدية على المالك وإن كان لا مالك له فعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع الصوت من الأمصار والقرى وإن كان بحيث لا يسمع فهو هدر لما قلنا فيما تقدم فإن وجدت الدابة في محلة فعلى أهل تلك المحلة وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض أنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ملكا لإنسان فالقسامة والدية عليه وإن لم يكن له مالك فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى إذا كانت بحيث يبلغ الصوت منها إليه فإن كان بحيث لا يبلغ فهو هدر لما قلنا وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين أنه يضاف إلى أقربهما لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بأن يوزع بين قريتين في قتيل وجد بينهما وكذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه في قتيل وجد بين وادعة ( ( ( وداعة ) ) ) وأرحب وكتب إليه عامله بذلك فكتب إليه سيدنا عمر رضي الله عنه أن قس بين القريتين فأيهما كان أقرب فألزمهم فوجد القتيل إلى وادعة ( ( ( وداعة ) ) ) أقرب فألزموا القسامة والدية وذلك كله محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل كذا ذكر محمد في الأصل حكاه الكرخي رحمه الله والفقه ما ذكرنا فيما تقدم وكذا إذا وجد بين سكتين فالقسامة والدية على أقربهما فإن وجد في المعسكر في فلاة من الأرض فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب فالقسامة والدية على أرباب الأرض لأنهم أخص بنصرة الموضع وحفظه فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم وهذا على أصلهما لأن المعسكر كالسكان والقسامة على الملاك لا على السكان على أصلهما فأما على أصل أبي يوسف رحمه الله فالقسامة والدية عليهم جميعا وإن يكن في ملك أحد بأن وجد في خباء أو فسطاط فعلى من يسكن الخباء والفسطاط وعلى عواقلهم القسامة والدية لأن صاحب الخيمة خص بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صاحب الدار مع أهل المحلة ثم القسامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قتيل لا على أهل المحلة كذا ههنا وإن وجد خارجا من الفسطاط والخباء فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم القسامة والدية كذا ذكر في ظاهر الرواية لأن الأقرب أولى بإيجاب القسامة والدية لما ذكرنا وعن أبي حنيفة رضي الله عنه إذا وجد بين الخيام فالقسامة والدية على جماعتهم كالقتيل يوجد في المحلة جعل الخيام المحمولة كالمحلة على هذه الرواية هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدوا فإن كانوا قد لقوا عدوا فقاتلوا فلا قسامة ولا دية في قتيل يوجد بين أظهرهم لأنهم إذا لقوا عدوا وقاتلوا فالظاهر أن العدو قتله لا المسلمون إذ المسلمون لا يقتل بعضهم بعضا ولو وجد قتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهل القرية فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية لأن صاحب الأرض أخص بنصرة أرضه وحفظها من أهل القرية فكان أولى بإيجاب القسامة والدية عليه كصاحب الدار مع أهل المحلة
ولو وجد قتيل في دار إنسان وصاحب الدار من أهل القسامة فالقسامة والدية على صاحب الدار وعلى عاقلته كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بين ما إذا كانت العاقلة حضورا أو غيبا وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله أن القسامة على رب الدار وعلى عاقلته حضورا كانوا أو غيبا وقال أبو يوسف رحمه الله لا قسامة على العاقلة هكذا ذكر فيه وقال الكرخي رحمه الله إن كانت العاقلة حضورا في المصر دخلوا في القسامة وإن كانت غائبة فالقسامة على صاحب الدار تكرر عليه الأيمان والدية عليه وعلى عاقلته أما دخول العاقلة في القسامة إذا كانوا حضورا فهو قولهما وظاهر قول أبي يوسف لا قسامة على العاقلة يقتضي أن لا يدخلوا في القسامة وجه قول زفر رحمه الله أنه لما لزمتهم الدية لزمتهم القسامة كأهل المحلة ولأبي يوسف أن صاحب الدار أخص بالنصرة وبالولاية والتهمة فلا يشارك ( ( ( يشاركه ) ) ) العاقلة كما لا يشارك أهل المحلة غيرهم وجه قولهما أن العاقلة إذا كانوا حضورا يلزمهم حفظ الدار ونصرتها كما يلزم صاحب الدار وكذا يتهمون بالقتل كما يتهم صاحب الدار فقد شاركوه ( ( ( شاركوا ) ) ) في سبب وجوب القسامة فيشاركونه في القسامة أيضا وبهذا يقع الفرق بين حال الحضور والغيبة على ما ذكره الكرخي رحمه الله لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغيب وكذا معنى النصرة لأنه لا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلى أنه تجب عليهم الدية لأن وجوب الدية على العاقلة لا يتعلق بالتهمة فإنهم يتحملون عن القاتل المعين إذا كان صبيا أو مجنونا أو خاطئا وسواء كانت الدار فيها ساكن أو كانت مفرغة مغلقة فوجد فيها قتيل فعلى رب الدار وعلى عاقلته القسامة والدية أما على أصل أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما فظاهر لأنهما يعتبران الملك دون السكنى فكان وجود السكنى فيها والعدم بمنزلة واحدة وأما أبو يوسف رحمه الله فإنما يوجب على الساكن لاختصاصه بالدار يدا ولم يوجد ههنا وسواء كان الملك الذي وجد فيه القتيل خاصا أو مشتركا فالقسامة والدية على أرباب الملك لما قلنا وسواء اتفق قدر أنصباء الشركاء أو اختلف فالقسامة والدية بينهم بالسوية حتى لو كانت الدار بين رجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث فالقسامة عليهما وعلى عاقلتهما نصفان ويعتبر في ذلك عدد الرؤوس لا قدر الأنصباء كما في الشفعة لأن حفظ الدار واجب على كل واحد منهما والحفظ لا يختلف ولهذا تساويا في استحقاق الشفعة لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدخيل وإنه لا يختلف باختلاف قدر الملك وذكر في الجامع الصغير فيمن باع دارا ووجد فيها قتيل قبل أن يقبضها المشتري أن القسامة والدية على البائع إذا لم يكن في البيع خيار فإن كان فيه خيار فعلى من الدار في يده في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد الدية على مالك الدار إن لم يكن في البيع خيار فإن كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له وعند زفر رحمه الله الدية على المشتري إلا أن يكون للبائع خيار فتكون الدية عليه وجه قول زفر أن الملك للمشتري إذا لم يكن فيه خيار وكذا إذا كان الخيار للمشتري لأن خيار المشتري لا يمنع دخول المبيع في ملكه عنده فإذا كان الخيار للبائع فالملك له لأن خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه بلا خلاف وجه قولهما أنه إذا لم يكن فيه خيار فالملك للمشتري وإنما للبائع صورة يد من غير تصرف وصورة اليد لا مدخل لها في القسامة كيد المودع فكانت القسامة والدية على المشتري وإذا كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له لأنها إذا صارت للبائع فقد انفسخ البيع وجعل كأنه لم يكن وإن صارت للمشتري فقد انبرم البيع وتبين أنه ملكها بالعقد من حين وجوده
وأما تصحيح مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فمشكل من حيث الظاهر لأنه يعتبر الملك فيما يحتمل النقل والتحويل لا اليد وإن كانت اليد يد تصرف كيد الساكن والثابت للبائع صورة يد من غير تصرف فأولى أن لا يعتبره لكن لا إشكال في الحقيقة لأن الوجوب بترك الحفظ والحفظ باليد حقيقة إلا أنه يضاف الحفظ إلى الملك لأن استحقاق اليد به عادة فيقام مقام اليد فكان ( ( ( فكانت ) ) ) الإضافة إلى ما به حقيقة الحفظ أولى إلا أن مطلق اليد لا يعتبر بل اليد المستحقة بالملك وهذه يد مستحقة بالملك بخلاف يد الساكن وإذا وجد رجل قتيلا في دار نفسه فالقسامة والدية على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما رحمهما الله لا شيء فيه وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهم الله وروي عن أبي حنيفة مثل قولهم وجه قولهم أن القتل صادفه والدار ملكه وإنما صار ملك الورثة عند الموت والموت ليس بقتل لأن القتل فعل القاتل ولا صنع لأحد في الموت بل هو من صنع الله تبارك وتعالى فلم يقتل من ملك الورثة فلا سبيل إلى إيجاب الضمان على الورثة وعواقلهم ولأن وجوده قتيلا في دار نفسه بمنزلة مباشرة القتل بنفسه كأنه قتل نفسه بنفسه فيكون هدرا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن المعتبر في القسامة وقت ظهور القتيل لا وقت وجود القتل بدليل أن من مات قبل ذلك لا يدخل في الدية والدار وقت ظهور القتيل لورثته فكانت القسامة والدية عليهم وعلى عواقلهم تجب كما لو وجد قتيلا في دار ابنه فإن قيل كيف تجب الدية عليهم وعلى عواقلهم وأن الدية تجب لهم فكيف تجب لهم وعليهم وكذا عاقلتهم تتحمل عنهم لهم أيضا وفيه إيجاب لهم أيضا وعليهم وهذا ممتنع فالجواب ممنوع أن الدية تجب لهم بل للقتيل لأنها بدل نفسه فتكون له وبدليل أنه يجهز منها وتقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه ثم ما فضل عن حاجته تستحقه ورثته لاستغناء الميت عنه والورثة أقرب الناس إليه وصار كما لو وجد الأب قتيلا في دار ابنه أو في بئر حفرها ابنه أليس أنه تجب القسامة والدية على الابن وعلى عاقلته ولا يمتنع ذلك لما قلنا كذا هذا وإن اعتبرنا وقت وجود القتل فهو ممكن أيضا لأنه تجب على عاقلته لتقصيرهم في حفظ الدار فتجب عليهم الدية حقا للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته عند فراغه عن حاجته وذكر محمد إذا وجد ابن الرجل أو أخوه قتيلا في داره أن على عاقلته دية ابنه ودية أخيه وإن كان هو وارثه لما قلنا أن وجود القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل فيلزم عاقلته ذلك للمقتول ثم يستحقها صاحب الدار بالإرث ولو وجد مكاتب قتيلا في دار نفسه فدمه هدر لأن داره في وقت ظهور القتيل ليست لورثته بل هي على حكم ملك نفسه إلى أن يؤدي بدل الكتابة فصار كأنه قتيل ( ( ( قتل ) ) ) نفسه فهدر دمه رجلان كانا في بيت ليس معهما ثالث وجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف يضمن الآخر الدية وقال محمد لا ضمان عليه وجه قوله أنه يحتمل أنه قتله صاحبه ويحتمل أنه قتل نفسه فلا يجب الضمان بالشك ولأبي يوسف أن الظاهر أنه قتله صاحبه لأن الإنسان لا يقتل نفسه ظاهرا وغالبا واحتمال خلاف الظاهر ملحق بالعدم ألا ترى أن مثل هذا الاحتمال ثابت في قتيل المحلة ولم يعتبر فصل وأما بيان من يدخل في القسامة والدية
بعد وجوبهما ومن لا يدخل في ذلك فنقول وبالله التوفيق الصبي والمجنون لا يدخلان في القسامة في أي موضع وجد القتيل سواء وجد في غير ملكهما أو في ملكهما لأن القسامة يمين وهما ليسا من أهل اليمين ( ( ( اليمن ) ) ) ولهذا لا يستحلفان في سائر الدعاوي ولأن القسامة تجب على من هو من أهل النصرة وهما ليسا من أهل النصرة فلا تجب القسامة عليهما وتجب على عاقلتهما إذا وجد القتيل في ملكهما لتقصيرهم بترك النصرة اللازمة وهل يدخلان في الدية مع العاقلة فإن وجد القتيل في غير ملكهما كالمحلة وملك إنسان لا يدخلان فيها وإن وجد في ملكهما يدخلان لأن وجود القتيل في ملكهما كمباشرتهما القتل وهما مؤاخذان بضمان الأفعال وعلى قياس ما ذكره الطحاوي رحمه الله لا يدخلان في الدية مع العاقلة أصلا لكنه ليس بسديد لأن هذا ضمان القتل والقتل فعل والصبي والمجنون مؤاخذان بأفعالهما ولا يدخل العبد المحجور والمدبر وأم الولد في القسامة والدية لأن هؤلاء لا يستنصر بهم عادة وليسوا من أهل ملك المال أيضا فلا تلزمهم الدية وأما المأذون والمكاتب فلا يدخلان في قسامة وجبت في قتيل وجد في غير دارهما وإن وجد في دارهما أما المأذون إن لم يكن عليه دين فلا قسامة عليه بل على مولاه وعاقلته استحسانا والقياس أن تجب عليه القسامة وإذا حلف يخاطب المولى بالدفع أو النداء ( ( ( الفداء ) ) ) وجه القياس أن العبد من أهل اليمين ألا ترى ( ( ( يرى ) ) ) أنه يستحلف في الدعاوي ووجود القتيل في داره بمنزلة مباشرة القتل خطأ وإن قتله خطأ يخير المولى بين الدفع والفداء كذا هذا وجه الاستحسان أن فائدة الاستحلاف جريان القسامة لسبب هو النكول لأنه لا يقضي بالنكول في هذا الباب بل يحبس حتى يحلف أو يقر ولو قر ( ( ( أقر ) ) ) بالقتل خطأ لا يصح إقراره لأنه إقرار على مولاه فلم يكن الاستحلاف مفيدا فلا تجب عليه القسامة وتجب على المولى وعلى عاقلته لأن الملك له وإن كان عليه دين فينبغي في قياس قول أبي حنيفة أنه تجب القسامة على العبد لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده فلا يملك الدار وفي الاستحسان تجب على المولى لأن المولى إن كان لا يملكها فالغرماء لا يملكونها أيضا والعبد لا ملك له والمولى أقرب الناس إليه فكانت القسامة عليه مع ما أن للمولى حقا في الدار وهو حق استخلاصها لنفسه بقضاء دين الغرماء فكان أولى بإيجاب القسامة وأما المكاتب إذا وجد قتيلا في داره فعليه الأقل من قيمته ومن الدار لأن وجود التقيل ( ( ( القتيل ) ) ) في داره كمباشرته القتيل ( ( ( القتل ) ) ) فلا يكون على مولاه كما لا يكون عليه في مباشرته وهل تجب عليه القسامة ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يكرر عليه الأيمان فإن حلف يجب عليه الأقل من قيمته ومن الدية إلا قدر عشرة دراهم لأن عاقلة المكاتب نفسه وتكون القيمة حالة لأنها تجب بالمنع من الدفع فتكون حالة كما تجب على المولى بجناية المدبر ولو كان القتيل مولى المكاتب كان عليه الأقل من قيمته ومن الدية لأن وجود القتيل في داره كمباشرة ( ( ( كمباشرته ) ) ) القتل وتكون القيمة حالة لا مؤجلة لما قلنا ولا تدخل المرأة في القسامة والدية في قتيل يوجد في غير ملكها لأن وجوبهما بطريق النصرة وهي ليست من أهلها وإن وجد في دارها أو في قرية لها لا يكون بها غيرها عليها القسامة فتستحلف ويكرر عليها الأيمان وهذا قولهما وقال أبو يوسف عليها لا على عاقلتها وجه قوله أن لزوم القسامة للزوم النصرة وهي ليست من أهل النصرة فلا تدخل في القسامة ولهذا لم تدخل مع أهل المحلة وجه قولهما أن سبب الوجوب على المالك هو الملك مع أهلية القسامة وقد وجد في حقها
أما الملك فثابت لها وأما الأهلية فلأن القسامة يمين وإنها من أهل اليمين ألا يرى أنها تستحلف في سائر الحقوق ومعنى النصرة يراعى وجوده في الجملة لا في كل فرد كالمشقة في السفر وهل تدخل مع العاقلة في الدية ذكر الطحاوي ما يدل على أنها لا تدخل فإنه قال لا يدخل القاتل في التحمل إلا أن يكون ذكرا عاقلا بالغا فإذا لم تدخل عند وجود القتل منها عينا فههنا أولى وأصحابنا رضي الله عنهم قالوا إن المرأة تدخل مع العاقلة في الدية في هذه المسألة وأنكروا على الطحاوي قوله وقالوا إن القاتل يدخل في الدية بكل حال ويدخل في القسامة والدية الأعمى والمحدود في القذف والكافر لأنهم من أهل الاستحلاف والحفظ والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما ما يكون إبراء عن القسامة والدية فنوعان نص ودلالة أما النص فهو التصريح بلفظ الإبراء وما يجري مجراه كقوله أبرأت أو أسقطت أو عفوت ونحو ذلك لأن ركن الإبراء صدر ممن هو من أهل الابراء في محل قابل للبراءة فيصح وأما الدلالة فهي أن يدعي ولي القتيل على رجل من غير أهل المحلة فيبرأ أهل المحلة عن القسامة والدية لأن ظهور القتيل في المحلة لم يدل على كون هذا المدعى عليه قاتلا فإقدام الولي على الدعوى عليه يكون نفيا للقتل عن أهل المحلة فيتضمن براءتهم عن القسامة والدية فإن أقام البينة على المدعى عليه وإلا حلف فإن حلف برىء وإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يقضي بالدية ولو شهد اثنان من أهل المحلة للولي بهذه الدعوى لا تقبل شهادتهما في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما تقبل وجه قولهما أن المانع من القبول قبل الدعوى كانت التهمة وقد زالت بالبراءة فلا معنى لرد الشهادة ولأبي حنيفة رحمه الله أنه تمكنت التهمة في شهادتهم من وجهين أحدهما أن من الجائز أنه أبرأهم ليتوسل بالإبراء إلى تصحيح شهادتهم والثاني أنه أحسن إليهم بالإبراء حيث أسقط القسامة والدية عنهم فمن الجائز أنهم أرادوا بالمكافأة على ذلك والشهادة ترد بالتهمة من وجه واحد فمن وجهين أولى ولأن أهل المحلة كانوا خصماء في هذه الدعوى فلا تقبل شهادتهم وإن خرجوا بالإبراء عن الخصومة لأن السبب الموجب لكونهم خصماء قائم وهو وجود القتيل فيهم كالوكيل بالخصومة إذا خاصم ثم عزل فشهد لا تقبل شهادته كذا هذا ولو ادعى ولي القتيل على رجل بعينه من أهل المحلة فالقسامة والدية بحالها في ظاهر الرواية وروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن القسامة تسقط وكذا روى محمد لوقال أبو يوسف القياس أن تسقط القسامة إلا أنا تركناه للأثر وجه رواية ابن المبارك رحمه الله أن تعيين الولي واحدا منهم إبراء عن الباقين دلالة فتسقط عنهم القسامة كما لو أبرأهم نصا وجه ظاهر الرواية أن القاتل أحد أهل المحلة ظاهرا والولي كذلك إلا أنه عين وهو متهم في التعيين فلا يعتبر تعيينه إلا بالبينة فلا تعتبر ( ( ( يعتبر ) ) ) حكم القسامة إلا بها فإن أقام البينة من غير أهل المحلة على دعواه يقضي بها فيجب القصاص في العمد والدية في الخطأ ولو شهد شاهدان من المحلة عليه لا تقبل شهادتهما على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الخصومة بعد هذه الدعوى قائمة فكان الشاهد خصما لأنه يقطع الخصومة عن نفسه بشهادته ولا شهادة للخصم وإذا لم تقبل شهادة أهل المحلة عليه ولم يقم بينة أخرى وبقيت القسامة على أهل المحلة على حالها يحلف المدعى عليه والشاهدان مع أهل المحلة حتى يكمل خمسون رجلا من أهل المحلة ثم كيف يستحلف الشهود مع أهل المحلة عندهما يحلفون بالله سبحانه وتعالى ماقتلناه ولا علمنا له قاتلا غير فلان وعند أبي يوسف يحلفون بالله جل شأنه ما قتلناه ولا يزادون على ذلك لأن عندهم أن المشهود عليه قاتل فلا سبيل إلى استحلافهم على العلم وما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله أولى
لأن فيما قالاه مراعاة موضوع القسامة وهو الجمع بين اليمين على البتات والعلم بالقدر الممكن فيما وراء المستثنى وفيما قاله أبو يوسف ترك اليمين على العلم أصلا فكان ما قالاه أولى ولو ادعى أهل تلك المحلة على رجل منهم أو من غيرهم تصح دعواهم فإن أقاموا البينة على ذلك الرجل يجب القصاص في العمد والدية في الخطأ إن وافقهم الأولياء في الدعوى على ذلك الرجل وإن لم يوافقوهم ( ( ( يوافقهم ) ) ) في الدعوى عليه لا يجب عليه شيء لأن الأولياء قد أبرؤوه ( ( ( أبرءوه ) ) ) حيث أنكروا وجود القتل منه ولا يجب على أهل المحلة أيضا شيء لأنهم أثبتوا القتل على غيرهم وإن لم يقم لهم البينة وحلف ذلك الرجل تجب القسامة على أهل المحلة ثم كيف يحلفون فهو على الاختلاف الذي ذكرنا والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما الجناية على ما دون النفس مطلقا فالكلام في هذه الجناية يقع في موضعين أحدهما في بيان أنواعها والثاني في بيان حكم كل نوع منها أما الأول فالجناية على ما دون النفس مطلقا أنواع أربعة أحدها إبانة الأطراف وما يجري مجرى الأطراف والثاني إذهاب معاني الأطراف مع إبقاء أعيانها والثالث الشجاج والرابع الجراح أما النوع الأول فقطع اليد والرجل والأصبع والظفر والأنف واللسان والذكر والأنثيين والأذن والشفة وفقء العينين وقطع الأشفار والأجفان وقلع الأسنان وكسرها وحلق شعر الرأس واللحية والحاجبين والشارب وأما النوع الثاني فتفويت السمع والبصر والشم والذوق والكلام والجماع والإيلاد والبطش والمشي وتغير لون السن إلى السواد والحمرة والخضرة ونحوها مع قيام المحال الذي تقوم بها هذه المعاني ويلحق بهذا الفصل إذهاب العقل وأما النوع الثالث فالشجاج أحد عشر أولها الخارصة ثم الدامعة ثم الدامية ثم الباضعة ثم المتلاحمة ثم السمحاق ثم الموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة ثم الآمة ثم الدامغة فالخارصة هي التي تخرص الجلد أي تشقه ولا يظهر منها الدم والدامعة هي التي يظهر منها الدم ولا يسيل كالدمع في العين والدامية هي التي يسيل منها الدم والباضعة هي التي تبضع اللحم أي تقطعه والمتلاحمة هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة فيه هكذا روى أبو يوسف وقال محمد المتلاحمة قبل الباضعة وهي التي يتلاحم منها الدم ويسود والسمحاق اسم لتلك الجلدة إلا أن الجراحة سميت بها والموضحة التي تقطع السمحاق وتوضح العظم أي تظهره والهاشمة هي التي تهشم العظم أي تكسره والمنقلة هي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تحوله من موضع إلى موضع والآمة هي التي تصل إلى أم الدماغ وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ والدامغة هي التي تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدماغ فهذه إحدى عشر شجة ومحمد ذكر الشجاج تسعا ولم يذكر الخارصة ولا الدامغة لأن الخارصة لا يبقى لها أثر عادة والشجة التي لا يبقى لها أثر لا حكم لها في الشرع والدامغة لا يعيش الإنسان معها عادة بل تصير نفسا ظاهرا وغالبا فتخرج من أن تكون شجة فلا معنى لبيان حكم الشجة فيها لذلك ترك محمد ذكرهما والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الرابع فالجراح نوعان جائفة وغير جائفة فالجائفة هي التي تصل إلى الجوف والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف هي الصدر والظهر والبطن والجنبان وما بين الأنثيين والدبر ولا تكون في اليدين والرجلين ولا في الرقبة والحلق جائفة لأنه لا يصل إلى الجوف وروي عن أبي يوسف إن ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي لو وصل إليه من الشراب قطرة يكون جائفة لأنه لا يقطر إلا إذا وصل إلى الجوف ولا تكون الشجة إلا في الرأس والوجه وفي مواضع العظم مثل الجبهة والوجنتين والصدغين والذقن دون الخدين ولا تكون الآمة إلا في الرأس والوجه وفي الموضع الذي تتخلص منه إلى الدماغ ولا يثبت حكم هذه الجراحات إلا في هذه المواضع عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعض الناس يثبت حكم هذه الجراحات في كل البدن
وهذا غير سديد لأن هذا القاتل ( ( ( القائل ) ) ) إن رجع في ذلك إلى اللغة فهو غلط لأن العرب تفصل بين الشجة وبين مطلق الجراحة فتسمي ما كان في الرأس والوجه في مواضع العظم منها شجة وما كان في سائر البدن جراحة فتسمية الكل شجة يكون غلطا في اللغة وإن رجع فيه إلى المعنى فهو خطأ لأن حكم هذه الشجاج يثبت للشين الذي يلحق المشجوج ببقاء أثرها بدليل أنها لو برأت ( ( ( برئت ) ) ) ولم يبق لها أثر لم يجب بها أرش والشين إنما يلحق فيما يظهر في البدن وذلك هو الوجه والرأس وأما ما سواهما فلا يظهر بل يغطى عادة فلا يلحق الشين فيه مثل ما يلحق في الوجه والرأس والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما أحكام هذه الأنواع فهذه الأنواع مختلفة الأحكام منها ما يجب فيه القصاص ومنها ما يجب فيه دية كاملة ومنها ما يجب فيه أرش مقدر ومنها ما يجب فيه أرش غير مقدر أما الذي فيه القصاص فهو الذي استجمع شرائط الوجوب فيقع الكلام في موضعين أحدهما في بيان شرائط وجوب القصاص والثاني في بيان وقت الحكم بالقصاص أما الأول فنقول شرائط وجوب القصاص أنواع بعضها يعم النفس وما دونها وبعضها يخص ما دون النفس أما الشرائط العامة فما ذكرنا في بيان شرائط وجوب القصاص في النفس من كون الجاني عاقلا بالغا متعمدا مختارا وكون المجني عليه معصوما مطلقا لا يكون جزء الجاني ولا ملكه وكون الجناية حاصلة على طريق المباشرة لما ذكرنا من الدلائل وأما الشرائط التي تخص الجناية فيما دون النفس فمنها المماثلة بين المحلين في المنافع والفعلين وبين الأرشين لأن المماثلة فيما دون النفس معتبرة بالقدر الممكن فانعدامها يمنع وجوب القصاص والدليل على أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة شرعا النص ( ( ( للنص ) ) ) والمعقول أما النص فقوله تبارك وتعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين إلى قوله جل شأنه والجروح قصاص فإن قيل ليس في كتاب الله تبارك وتعالى بيان حكم ما دون النفس إلا في هذه الآية الشريفة وأنه إخبار عن حكم التوراة فيكون شريعة من قبلنا وشريعة من قبلنا لا تلزمنا فالجواب أن من القراء المعروفين من ابتدأ الكلام من قوله عز شأنه والعين بالعين بالرفع إلى قوله تبارك وتعالى فمن تصدق به على ابتداء الإيجاب لا على الإخبار عما في التوراة فكان هذا شريعتنا لا شريعة من قبلنا على أن هذا إن كان إخبارا عن شريعة التوراة لكن لم يثبت نسخة بكتابنا ولا بسنة رسولنا فيصير شريعة لنبينا مبتدأة فيلزمنا العمل به على أنه شريعة رسولنا لا على أنه شريعة من قبله من الرسل على ما عرف في أصول الفقه إلا أنه لم يذكر وجوب القصاص في اليد والرجل نصا لكن الإيجاب في العين والأنف والأذن والسن إيجاب في اليد والرجل دلالة لأنه لا ينتفع بالمذكور من السمع والبصر والشم والسن إلا صاحبه ويجوز أن ينتفع باليد والرجل غير صاحبهما فكان الإيجاب في العضو المنتفع به في حقه على الخصوص إيجابا فيما هو منتفع به في حقه وفي حق غيره من طريق الأولى فكان ذكر هذه الأعضاء ذكرا لليد والرجل بطريق الدلالة له كما في التأفف مع الضرب في الشتم على أن في كتابنا حكم ما دون النفس قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم قال الله تعالى عز شأنه وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وأحق ما يعمل فيه بهاتين الآيتين ما دون النفس وقال تبارك وتعالى من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ونحو ذلك من الآيات وأما المعقول فهو إن ما دون النفس له حكم الأموال لأنه خلق وقاية للنفس كالأموال ألا ترى أنه يستوفي في الحل والحرم كما يستوفي المال وكذا الوصي يلي استيفاء ما دون النفس للصغير كما يلي استيفاء ماله فتعتبر فيه المماثلة كما تعتبر في إتلاف الأموال
ومنها أن يكون المثل ممكن الاستيفاء لأن استيفاء المثل بدون إمكان استيفائه ممتنع فيمتنع وجوب الاستيفاء ضرورة ويبني ( ( ( وينبني ) ) ) على هذين الأصلين مسائل فنقول وبالله تعالى التوفيق لا يؤخذ شيء من الأصل إلا بمثله فلا تؤخذ اليد إلا باليد لأن غير اليد ليس من جنسها فلم يكن مثلا لها إذ التجانس شرط للمماثلة وكذا الرجل والأصبع والعين والأنف ونحوها لما قلنا وكذا الإبهام لا تؤخذ إلا بالإبهام ولا السبابة إلا بالسبابة ولا الوسطى إلا بالوسطى ولا البنصر إلا بالبنصر ولا الخنصر إلا بالخنصر لأن منافع الأصابع مختلفة فكانت كالأجناس المختلفة وكذلك لا تؤخذ اليد اليمين إلا باليمين ولا اليسرى إلا باليسرى لأن لليمين فضلا على اليسار ولذلك سميت يمينا وكذلك الرجل وكذلك أصابع اليدين والرجلين لا تؤخذ اليمين منها ( ( ( منهما ) ) ) إلا باليمين ولا اليسرى إلا باليسرى وكذلك الأعين لما قلنا وكذلك الأسنان لا تؤخذ الثنية إلا بالثنية ولا الناب إلا بالناب ولا الضرس إلا بالضرس لاختلاف منافعها فإن بعضها قواطع وبعضها طواحن وبعضها ضواحك واختلاف المنفعة بين الشيئين يلحقهما بجنسين ولا مماثلة عند اختلاف الجنس وكذا لا يؤخذ الأعلى منها بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لتفاوت بين الأعلى والأسفل في المنفعة ولا يؤخذ الصحيح من الأطراف إلا بالصحيح منها فلا تقطع اليد الصحيحة ولا كاملة الأصابع بناقصة الأصابع أو مفصل من الأصابع وكذلك الرجل والأصبع وغيرها لعدم المماثلة بين الصحيح ( ( ( الصحيحين ) ) ) والمعيب وإن كان العيب في طرف الجاني فالمجني عليه بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ أرش الصحيح لأن حقه في المثل وهو السليم ولا يمكنه استيفاء حقه من كل وجه مع فوات صفة السلامة وأمكنه الاستيفاء من وجه ولا سبيل إلى إلزام الاستيفاء حتما لما فيه من إلزام استيفاء حقه ناقصا وهذا لا يجوز فيخير إن شاء رضي بقدر حقه واستوفاه ناقصا وإن شاء عدل إلى بدل حقه وهو كمال الأرش كما ( ( ( كمن ) ) ) أتلف على إنسان شيئا له مثل والمتلف جيد فانقطع عن أيدي الناس ولم يبق منه إلا الرديء أن صاحب الحق يكون بالخيار إن شاء أخذ الموجود ناقصا وإن شاء عدل إلى قيمة الجيد لما قلنا كذا هذا ولو أراد المجني عليه أن يأخذه ويضمنه النقصان هل له ذلك قال أصحابنا رحمهم الله تعالى ليس له ذلك وقال الشافعي له ذلك وجه قوله أن حقه في المثل ولا يمكنه استيفاؤه من هذه اليد من كل وجه فيستوفي حقه منها بقدر ما يمكن ويضمنه الباقي كما لو أتلف على آخر شيئا من المثليات فانقطع عن أيدي الناس إلا قدر بعض حقه أنه يأخذ القدر الموجود من المتلف ويضمنه الباقي كذا هذا ولنا أنه قادر على استيفاء أصل حقه وإنما الفائت هو الوصف وهو صفة السلامة فإذا رضي بإستيفاء أصل حقه ناقصا كان ذلك رضا منه بسقوط حقه عن الصفة كما لو أتلف شيئا من ذوات الأمثال وهو جيد فانقطع عن أيدي الناس نوع الجيد ولا يوجد إلا الرديء منه أنه ليس له إلا أن يأخذه أو قيمة الجيد كذلك هذا بخلاف ما ذكره من المسألة لأن هناك حق المتلف عليه متعلق بمثل المتلف بكل جزء من أجزائه صورة ومعنى فكان له أن يستوفي الموجود ويأخذ قيمة الباقي وههنا حق المجني عليه لم يتعلق إلا بالقطع من المفصل دون الأصابع بدليل أنه لو أراد أن يقطع الأصابع ويبرأ عن الكف ليس له ذلك فلم تكن الأصابع عين حقه إن كان البعض قطع الأصابع بأن كانت جارية مجرى الصفة كالجودة في المكيل فلا يكون له أن يطالب بشيء آخر كما في تلك المسألة ولو ذهبت الجارحة المعينة قبل أن يختار المجني عليه أخذها أو قطعها قاطع بطل حق المجني عليه في القصاص لفوات محله
وهل يجب الأرش على الجاني فالكلام فيه كالكلام فيما إذا قطع يدا صحيحة وهو على التفصيل الذي ذكرنا فيما تقدم أنها إن سقطت بآفة سماوية أو قطعت ظلما لا شيء عليه ولو قطعت بحق من قصاص أو سرقة فعليه أرش اليد المقطوعة وعند الشافعي رحمه الله عليه الأرش في الوجهين والكلام فيه راجع إلى أصل وقد تقدم ذكره وهو أن موجب العمد القصاص عينا عندنا في النفس وما دونه وعنده أحدهما غير عين في قول وفي قول القصاص عينا لكن مع حق العدول إلى المال وقد ذكرنا هذا الأصل بفروعه في بيان حكم الجناية على النفس إلا أنه إذا كان القطع بحق يجب الأرش لأنه قضى بالطرف حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ وغيره على ما مر ذكره وإذا ثبت هذا في الصحيحة فنقول حق المجني عليه كان متعلقا باليد المعينة بعينها وإنما ينتقل عنها إلى الأرش عند اختياره فإذا لم يختر حتى هلكت بقي حقه متعلقا باليد فإن قيل أليس أنه مخيرا بين القصاص والأرش فإذا فات أحدهما تعين الآخر قيل لا بل حقه كان في اليد على التعيين إلا أن له أن يعدل عنه إلى بدله عند الاختيار فإذا هلك قبل الاختيار بقي حقه في اليد فإذا هلكت فقد بطل محل الحق فبطل الحق أصلا ورأسا والله تعالى عز وجل الموفق ولو كانت يد القطع ( ( ( القاطع ) ) ) صحيحة وقت القطع ثم شلت بعده فلا حق للمقطوع في الأرش لأن حقه ثبت في اليد عينا بالقطع فلا ينتقل إلى الأرش بالنقصان كما إذا ذهب الكل بآفة سماوية أنه يسقط حقه أصلا ولا ينتقل إلى الأرش لما قلنا كذا هذا ولا قصاص إلا فيما يقطع من المفاصل مفصل الزند أو مفصل المرفق أو مفصل الكتف في اليد أو مفصل الكعب أو مفصل الركبة أو مفصل الورك في الرجل وما كان من غير المفاصل فلا قصاص فيه كما إذا قطع من الساعد أو العضد أو الساق أو الفخذ لأنه يمكن استيفاء المثل من المفاصل ولا يمكن من غيرها وليس في لحم الساعد والعضد والساق والفخذ ولا في الألية قصاص ولا في لحم الخدين ولحم الظهر والبطن ولا في جلدة الرأس وجلدة اليدين إذا قطعت لتعذر استيفاء المثل ولا في اللطمة والوكزة والوجأة والدقة لما قلنا ولا يؤخذ العدد بالعدد فيما دون النفس مما يجب على أحدهما فيه القصاص لو انفرد كالاثنين إذا قطعا يد رجل أو رجله أو أصبعه أو أذهبا سمعه أو بصره أو قلعا سنا له أو نحو ذلك من الجوارح التي على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد به فلا قصاص عليهما وعليهما الأرش نصفان وكذلك ما زاد على الثلاث من العدد فهو بمنزلة الاثنين ولا قصاص عليهم وعليهم الأرش على عددهم بالسواء وهذا عندنا وعند الشافعي يجب القصاص عليهم وإن كثروا كما في النفس واحتج بما روي أن رجلين شهدا بين يدي سيدنا علي رضي الله تعالى عنه على رجل بالسرقة فأمر بقطع يده ثم جاءا بآخر وقالا أوهمنا إنما السارق هذا يا أمير المؤمنين فقال سيدنا علي رضي الله عنه لا أصدقكما على هذا وأغرمكما دية الأول ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما فقد اعتقد سيدنا علي رضي الله عنه قطع اليدين بيد واحدة وإنما قال ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد منهم فيكون إجماعا ولأن اليد تابعة للنفس ثم الأنفس تقتل بنفس واحدة فكذا الأيدي تقطع بيد واحدة لأن حكم التبع حكم الأصل ولنا أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة لما ذكرنا من الدلائل ولا مماثلة بين الأيدي ويد واحدة لا في الذات ولا في المنفعة ولا في الفعل
أما في الذات فلا شك فيه لأنه لا مماثلة بين العدد بين الفرد من حيث الذات يحققه أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء والفائت هو المماثلة من حيث الوصف فقط ففوات المماثلة في الوصف لما منع جريان القصاص ففواتها في الذات أولى وأما في المنفعة فلأن من المنافع ما لا يتأتى إلا باليدين كالكتابة والخياطة ونحو ذلك وكذا منفعة اليدين أكثر من منفعة يد واحدة عادة وأما في الفعل فلأن الموجود من كل واحد منهما قطع بعض اليد كأنه وضع أحدهما السكين من جانب والآخر من جانب آخر والجزاء قطع كل واحد من كل واحد منهما وقطع كل اليد أكثر من قطع بعض اليد وانعدام المماثلة من وجه تكفي لجريان القصاص كيف وقد انعدمت من وجوه وأما قول سيدنا علي رضي الله عنه فلا حجة له فيه لأنه إنما قال ذلك على سبيل السياسة بدليل أنه أضاف القطع إلى نفسه وذا لا يكون إلا بطريق السياسة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو قطع رجل يميني ( ( ( يمينا ) ) ) رجلين تقطع يمينه ثم إن حضرا جميعا فلهما أن يقطعا يمينه ويأخذا منه دية يد بينهما نصفين وهذا قول أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله إذا كان على التعاقب يقطع الأول ( ( ( للأول ) ) ) ويغرم الدية للثاني كما في القتل وإن كان على الاجتماع يقرع بينهما فيقطع لمن خرجت قرعته ويغرم للآخر الدية كما قال في النفس وجه قوله أنه إذا قطع على الترتيب صارت يده حقا للأول فلا تصير حقا للثاني فتجب الدية للثاني وإذا قطع اليدين على الاجتماع فقد صارت يده حقا لأحدهما غير عين وتتعين بالقرعة ولنا أنهما استويا في سبب استحقاق القصاص فيستويان في الاستحقاق ودليل الوصف أن سبب الاستحقاق قطع اليد وقد وجد قطع اليد في حق كل واحد منهما فيستحق كل واحد منهما قطع يده ولا يحصل من كل واحد منهما في يد واحدة الأقطع بعضها فلم يستوف كل واحد منهما بالقطع إلا بعض حقه فيستوفي الباقي من الأرش ولأن كل واحد منهما لما استوفى بعض حقه بقطع اليد صار القاطع قاضيا ببعض يده حقا مستحقا عليه فيجعل كأن يده قائمة وتعذر استيفاء القصاص لعذر فتجب الدية وقوله صارت يده حقا لمن له القصاص ممنوع فإن ملك القصاص ليس ملك المحل بل هو ملك الفعل وهو إطلاق الاستيفاء لأن حرية من عليه تمنع ثبوت الملك لأنها تنبىء عن الخلوص والملك في المحل بثبوت فيه فينافيه الخلوص والدليل عليه أنه لو قطعت يده بغير حق ثابت كانت الدية له ولو صارت يده مملوكة لمن له القصاص لكانت الدية له دل أن ملك القصاص ليس هو ملك المحل بل ملك الفعل وهو إطلاق الاستيفاء ولا تنافي فيه فإطلاق الاستيفاء للأول لا يمنع إطلاق استيفاء الثاني وهذا بخلاف النفس لأن الواحد يقتل بالجماعة اكتفاء لأن هناك كل واحد منهم استوفى حقه على الكمال لأن حقه في القتل وكل واحد منهم استوفى القتل بكماله لما ذكرنا في الجناية على النفس فيما تقدم وإن حضر أحدهما والآخر غائب فللحاضر أن يقتص ولا ينتظر الغائب لما ذكرنا أن حق كل واحد منهما ثابت في كل اليد وإنما التمانع في استيفاء الكل بحكم التزاحم بحكم المشاركة في الاستيفاء فإذا كان أحدهما غائبا فلا يزاحم الحاضر فكان له أن يستوفي كأحد الشفيعين إذا حضر يقضي له بالشفعة في كل المبيع ولأن حق الحاضر إذا كان ثابتا في كل اليد وأراد الاستيفاء والغائب قد يحضر وقد لا يحضر وقد يطالب بعد ( ( ( بعض ) ) ) الحضور وقد يعفو فلا يجوز تأخير حق الحاضر في الاستيفاء والمنع منه للحال بعد طلبه لأمر محتمل ولهذا قضي بالشفعة لأحد الشفيعين إذا حضر وطلب ولا ينتظر حضور الغائب كذا هذا وللآخر دية يده على القاطع لأنه تعذر استيفاء حقه بعد ثبوته فيصار إلى البدل ولأن القاطع قضى به حقا مستحقا عليه فيلزمه الدية