Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
والشرط الواحد يكفي لأفعال كثيرة كالطهارة الواحدة أنها تكفي لصلوات كثيرة ويلزمه في هاتين الركعتين القراءة كما في الأوليين لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولهذا قالوا إن المتنفل إذا قام إلى الثالثة ( ( ( الثالث ) ) ) لقصد الأداء ينبغي أن يستفتح فيقول سبحانك اللهم وبحمدك إلخ كما يستفتح في الابتداء لأن هذا بناء الافتتاح وكل ركعتين من النفل صلاة على حدة لكن بناء على التحريمة الأولى فيأتي بالثناء المسنون فيه ولو صلى ركعتين تطوعا فسها فيهما فسجد لسهوه بعد السلام ثم أراد أن يبني عليهما ركعتين أخراوين ليس له ذلك لأنه لو فعل ذلك لوقع سجوده للسهو في وسط الصلاة وأنه غير مشروع بخلاف المسافر إذا صلى الظهر ركعتين وسها فيهما فسجد للسهو ثم نوى الإقامة حيث يصح ويقوم لإتمام صلاته وإن كان يقع سهوه في وسط الصلاة والفرق أن السلام محلل في الشرع إلا أن الشرع منعه عن العمل في هذه الحالة أو حكم بعود التحريمة ضرورة تحصيل السجود لأن سجود السهو لا يؤتى به إلا في تحريمة الصلاة إذ ( ( ( والضرورة ) ) ) الضرورة في حق تلك الصلاة وفيما يرجع إلى إكمالها فظهر بقاء التحريمة أو عودها في حقها لا في حق صلاة أخرى ولا ضرورة في صلاة التطوع لأن كل شفع صلاة على حدة فيعمل التسليم عمله في التحليل وكان القياس في المتنفل بالأربع إذا ترك القعدة الأولى أن تفسد صلاته وهو قول محمد لأن كل شفع لما كان صلاة على حدة كانت القعدة عقيبه فرضا كالقعدة الأخيرة في ذوات الأربع من الفرائض إلا أن في الاستحسان لا تفسد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه لما قام إلى الثالثة قبل القعدة فقد جعلها صلاة واحدة شبيهة بالفرض واعتبار النفل بالفرض مشروع في الجملة لأنه تبع للفرض فصارت القعدة الأولى فاصلة بين الشفعين والخاتمة هي الفريضة فأما الفاصلة فواجبة وهذا بخلاف ما إذا ترك القراءة في الأوليين في التطوع وقام إلى الأخريين وقرأ فيهما حيث يفسد الشفع الأول بالإجماع ولم نجعل هذه الصلاة صلاة واحدة في حق القراءة بمنزلة ذوات الأربع لأن القعدة إنما صارت فرضا لغيرها وهو الخروج فإذا قام إلى الثالثة وصارت الصلاة من ذوات الأربع لم يأت أوان الخروج فلم تبق القعدة فرضا فأما القراءة فهي ركن بنفسها فإذا تركها في الشفع الأول فسد فلم يصح بناء الشفع الثاني عليه وعلى هذا قالوا إذا صلى التطوع ثلاث ركعات بقعدة واحدة ينبغي أن يجوز اعتبارا للتطوع بالفرض وهو صلاة المغرب إذا صلاها بقعدة واحدة والأصح أنه لا يجوز لأن ما اتصل به القعدة وهي الركعة الأخيرة فسدت لأن التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما قبلها ولو تطوع بست ركعات بقعدة واحدة اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجوز لأنها لما جازت بتحريمة واحدة وتسليمة واحدة فتجوز ( ( ( فيجوز ) ) ) بقعدة واحدة أيضا والأصح أنه لا يجوز لأنا إنما استحسنا جواز الأربع بقعدة واحدة اعتبارا بالفريضة وليس في الفرائض ست ركعات يجوز أداؤها بقعدة واحدة فيعود الأمر فيه إلى أصل القياس والله أعلم ثم إنما يجب بإفساد التطوع قضاء الشفع الذي اتصل به المفسد دون الشفع الذي مضى على الصحة حتى لو صلى أربعا فتكلم في الثالثة أو الرابعة قضى الشفع الثاني دون الأول لأن كل شفع صلاة على حدة ففساد الثاني لا يوجب فساد الأول بخلاف الفرض لأنه كله صلاة واحدة ففساد البعض يوجب فساد الكل ولو اقتدى المتطوع بمصلى الظهر في أول الصلاة ثم قطعها أو اقتدى به في القعدة الأخيرة فعليه قضاء أربع ركعات لأنه بالاقتداء التزم صلاة الإمام وهي أربع ركعات
ومن نوى أن يصلي الظهر ستا لم يلزمه ركعتان لأن الشروع لم يوجد في الركعتين وإنما وجد في الظهر وهي أربع ولم يوجد في حق الركعتين إلا مجرد النية ومجرد النية لا يلزم شيئا وكذا المسافر إذا نوى أن يصلي الظهر أربعا فصلى ركعتين فصلاته تامة لأن الظهر في حق المسافر ركعتان فكانت نية الزيادة لغوا هذا إذا أفسد التطوع بشيء من أضداد الصلاة في الوضع من الحدث العمد والكلام والقهقهة وعمل كثير ليس من أعمال الصلاة فأما إذا أفسده بترك القراءة بأن صلى للتطوع ( ( ( التطوع ) ) ) أربعا ولم يقرأ فيهن شيئا فعليه قضاء ركعتين في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف عليه قضاء الأربع وهي من المسائل المعروفة بثمان مسائل والأصل فيها أن الشفع الأول متى فسد بترك القراءة تبقى التحريمة عند أبي يوسف فيصح الشروع في الشفع الثاني وعند محمد متى فسد الشفع الأول لا تبقى التحريمة فلا يصح الشروع في الشفع الثاني وعند أبي حنيفة إن فسد الشفع الأول بترك القراءة فيهما بطلت التحريمة فلا يصح الشروع في الشفع الثاني وإن فسد بترك القراءة في إحداهما بقيت التحريمة فيصح الشروع في الشفع الثاني وجه قول محمد أن القراءة فرض في كل شفع من النفل في الركعتين جميعا فكما يفسد الشفع بترك القراءة فيهما يفسد بترك القراءة في إحداهما لفوات ما هو ركن كما لو ترك الركوع أو السجود إنه لا يفترق الحال بين الترك في الركعتين أو في إحداهما كذا هذا وصار ترك القراءة في الإفساد والحدث العمد والكلام سواء فإذا فسدت الأفعال لم تبق التحريمة لأنها تبقى لتوحيد الأفعال المختلفة فإذا فسدت الأفعال لا تبقى هي فلم يصح الشروع في الشفع الثاني لعدم التحريمة فلا يتصور الفساد ولأبي يوسف أن الأفعال وإن بطلت بترك القراءة لكون القراءة ركنا لكن ( ( ( ولكن ) ) ) بقيت التحريمة لأنها ما عقدت لهذا الشفع خاصة بل له وللشفع ( ( ( الشفع ) ) ) الثاني ألا ترى أنه لو قرأ يصح بناء الشفع الثاني عليه فإذا لم تبطل التحريمة صح الشروع في الشفع الثاني ثم يفسد هو أيضا بترك القراءة فيه ولأبي حنيفة أنه لا بقاء للتحريمة مع بطلان الأفعال كما إذا ترك ركنا آخر ( ( ( آخرا ) ) ) أو ( ( ( وتكلم ) ) ) تكلم أو أحدث عمدا لأنها للجمع بين الأفعال المختلفة لتجعلها كلها عبادة واحدة فتبطل ببطلان الأفعال كما قال محمد غير أنه إذا ترك القراءة في الشفع الأول في الركعتين جميعا علم فساد الشفع بيقين لترك الركن بيقين وأما إذا قرأ في إحدى الأوليين لم يعلم يقينا بفساد هذا الشفع لأن الحسن البصري كان يقول بجواز الصلاة بوجود القراءة في ركعة واحدة وقوله وإن كان فاسدا لكن إنما عرفنا فساده بدليل اجتهادي غير موجب علم اليقين بل يجوز أن يكون الصحيح قوله غير أنا عرفنا صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه بغالب الرأي فلم يحكم ( ( ( نحكم ) ) ) ببطلان التحريمة الثانية بيقين بالشك ولأن الشفع الأول متى دار بين الجواز والفساد كان الاحتياط في الحكم بفساده ليجب عليه القضاء وببقاء التحريمة ليصح الشروع في الشفع الثاني ليجب عليه القضاء بوجود مفسد في هذا الشفع أيضا إذا عرفت هذا الأصل فنقول إذا ترك القراءة في الأربع كلها يلزمه قضاء ركعتين في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر ( رحمهم الله تعالى ) لأن التحريمة قد بطلت بفساد الشفع الأول بيقين فلم يصح الشروع في الشفع الثاني فلا يلزمه القضاء بالإفساد لعدم الإفساد وعند أبي يوسف عليه قضاء الأربع لأن التحريمة بقيت وإن فسد الشفع الأول فيصح الشروع في الشفع الثاني ثم يفسد بترك القراءة أيضا فيجب قضاء الشفعين جميعا
ولو ترك القراءة في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين أو قرأ في إحدى الأوليين فحسب عند محمد يلزمه قضاء الشفع الأول لا غير لأن الشفع الأول فسد بترك القراءة في إحدى الركعتين من هذا الشفع فبطلت التحريمة فلم يصح الشروع في الشفع الثاني وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يلزمه قضاء الأربع أما عند أبي يوسف فلعدم بطلان التحريمة بفساد الصلاة وعند أبي حنيفة لكون الفساد غير ثابت بدليل مقطوع به فبقيت التحريمة فصح الشروع في الشفع الثاني ثم فسد الشفع الثاني بترك القراءة في الركعتين أو في إحداهما ولو ترك القراءة في الأوليين وقرأ في الأخريين يلزمه قضاء ركعتين وهو الشفع الأول بالإجماع لأنه فسد بترك القراءة في الركعتين فيلزمه قضاؤه فأما الشفع الثاني فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى صلاة كاملة لأن الشروع فيه قد صح لبقاء التحريمة وقد وجدت القراءة في الركعتين جميعا فصح وعند أبي حنيفة ومحمد وزفر لما بطلت التحريمة لم يصح الشروع في الشفع الثاني فلم تكن صلاة فلم ( ( ( فلا ) ) ) يجب إلا قضاء الشفع الأول والأخريان لا يكونان قضاء عن الأوليين بالإجماع أما عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ( رحمهم الله تعالى ) فلأن الشفع الثاني ليس بصلاة لانعدام التحريمة وعند أبي يوسف وإن كان صلاة لكنه بناه على تلك التحريمة وإنها انعقدت للأداء والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها الأداء والقضاء ولو قرأ في إحدى الأوليين لا غير عند محمد يلزمه قضاء ركعتين وعند أبي حنيفة وأبي يوسف قضاء الأربع وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير قول أبي حنيفة مع محمد والصحيح ما ذكرنا من الدلائل ولو قرأ في إحدى الأخريين لا غير عند أبي يوسف يلزمه قضاء الأربع وعند أبي حنيفة ومحمد وزفر يلزمه قضاء الشفع الأول لا غير ولو قرأ في الأوليين لا غير يلزمه قضاء الشفع الأخير عند الكل وكذا لو ترك القراءة في إحدى الأخريين وهذا كله إذا قعد بين الشفعين قدر التشهد فأما إذا لم يقعد تفسد صلاته عند محمد بترك القعدة ولا تتأتى هذه التفريعات عنده ولو كان خلفه رجل اقتدى به فحكمه حكم إمامه يقضي ما يقضي إمامه لأن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام صحة وفسادا ولو تكلم المقتدي ومضى الإمام في صلاته حتى صلى أربع ركعات وقرأ في الأربع كلها وقعد بين الشفعين فإن تكلم قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد فعليه قضاء الأوليين فقط لأنه لم يلتزم الشفع الأخير لأن الالتزام بالشروع ولم يشرع فيه وإنما وجد منه الشروع في الشفع الأول فقط فيلزمه قضاؤه بالإفساد لا غير وإن تكلم بعد ما قعد قدر التشهد قبل أن يقوم إلى الثالثة لا شيء عليه لأنه أدى ما التزم بوصف الصحة وأما إذا قام إلى الثالثة ثم تكلم المقتدي لم يذكر هذه المسألة في الأصل وذكر عصام بن يوسف في مختصره أن عليه قضاء أربع ركعات قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد صدر الدين أبو المعين ينبغي أن يكون هذا الجواب على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لأنهما يجعلان هذا كله صلاة واحدة بدليل أنهما لم يحكما بفسادها بترك القعدة الأولى وأما عند محمد فقد بقي كل شفع صلاة على حدة حتى حكم بافتراض القعدة الأولى فكان هذا المقتدي مفسدا للشفع الأخير لا غير فيلزمه قضاؤه لا غير فصل وأما بيان أفضل التطوع فأما في النهار فأربع أربع في قول أصحابنا رحمهم الله تعالى وقال الشافعي رحمه الله تعالى مثنى مثنى بالليل والنهار جميعا واحتج بما روى عمارة بن رويبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح صلاة الضحى بركعتين ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يختار من الأعمال أفضلها ولأن في التطوع بالمثنى زيادة تكبير وتسليم فكان أفضل ولهذا قال في الأربع قبل الظهر إنها بتسليمتين
ولنا ما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يواظب في صلاة الضحى على أربع ركعات والأخذ برواية ابن مسعود رضي الله عنه أولى من الأخذ برواية عمارة بن رويبة لأنه يروي المواظبة وعمارة لا يرويها ولا شك أن الأخذ بالمفسر أولى ولأن الأربع أدوم وأشق على البدن وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال أحمزها أي أشقها على البدن وأما في الليل فأربع أربع في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد مثنى مثنى وهو قول الشافعي رحمهما الله تعالى احتجا بما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلاة الليل مثنى مثنى وبين كل ركعتين فسلم أمر بالتسليم على رأس الركعتين وما أراد به الإيجاب لأنه غير واجب فتعين الاستحباب مرادا به ولأن عمل الأمة في التراويح قد ( ( ( فظهر ) ) ) ظهر مثنى مثنى من لدن عمر رضي الله عنه إلى يومنا هذا فدل أن ذلك أفضل ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى ما روينا عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالي رمضان فقالت كان قيامه في رمضان وغيره سواء لأنه كان يصلي بعد العشاء أربع ركعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم كان يوتر بثلاث وفي بعض الروايات أنها سئلت عن ذلك فقالت وأيكم يطيق ذلك ثم ذكرت الحديث وكلمة كان عبارة عن العادة والمواظبة وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب إلا على أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى وفيه دلالة على أنه ما كان يسلم على رأس الركعتين إذ لو كان كذلك لم يكن لذكر الأربع فائدة ولأن الوصل بين الشفعين بمنزلة التتابع في باب الصوم ألا ترى أنه لو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة فصلى بتسليمتين لا يخرج عن العهدة كذا ذكر محمد في الزيادات كما في صفة التتابع في باب الصوم ثم الصوم متتابعا أفضل فكذا الصلاة والمعنى فيه ما ذكرنا أنه أشق على البدن فكان أفضل ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم فسلم أي فتشهد لأن التحيات تسمى تشهدا لما فيها من الشهادة وهي قوله أشهد أن لا إله إلا الله وكذا تسمى تسليما لما فيها من التسليم بقوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وحمله على هذا أولى لأنه أمر بالتسليم ومطلق الأمر للوجوب والتسليم ليس بواجب ألا ترى أنه لو صلى أربعا جاز أما التشهد فواجب فكان الحمل عليه أولى فأما التراويح فإنما تؤدى مثنى مثنى لأنها تؤدى بجماعة فتؤدى على وجه السهولة واليسر لما فيهم من المريض وذي الحاجة ولا كلام فيه وإنما الكلام فيما إذا كان وحده والله أعلم فصل وأما بيان ما يكره من التطوع فالمكروه منه نوعان نوع يرجع إلى القدر ونوع يرجع إلى الوقت أما الذي يرجع إلى القدر فأما في النهار فتكره الزيادة على الأربع بتسليمة واحدة وفي الليل لا تكره وله أن يصلي ستا وثمانيا ذكره في الأصل وذكر في الجامع الصغير في صلاة الليل إن شئت فصل بتكبيرة ركعتين وإن شئت أربعا وإن شئت ستا ولم يزد عليه والأصل في ذلك أن النوافل شرعت تبعا للفرائض والتبع لا يخالف الأصل فلو زيدت على الأربع في النهار لخالفت الفرائض وهذا هو القياس في الليل إلا أن الزيادة على الأربع إلى الثمان أو إلى الست عرفناه بالنص وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بالليل خمس ركعات سبع ركعات تسع ركعات إحدى عشرة ركعة ثلاث عشرة ركعة والثلاث من كل واحد من هذه الأعداد الوتر وركعتان من ثلاثة عشر سنة الفجر فيبقى ركعتان وأربع وست وثمان فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من غير كراهة واختلف المشايخ في الزيادة على الثمان بتسليمة واحدة قال بعضهم يكره لأن الزيادة على هذا لم ترو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال بعضهم لا يكره وإليه ذهب الشيخ الإمام الزاهد السرخسي رحمه الله تعالى قال لأن فيه وصل العبادة بالعبادة فلا يكره وهذا يشكل بالزيادة على الأربع في النهار والصحيح أنه يكره لما ذكرنا وعليه عامة المشايخ ولو زاد على الأربع في النهار أو على الثمان في الليل يلزمه لوجود سبب اللزوم وهو الشروع ثم اختلف في أن الأفضل في التطوع طول القيام في الأربع والمثنى على حسب ما اختلف فيه أو ( ( ( أم ) ) ) كثرة الصلاة قال أصحابنا طول القيام أفضل وقال الشافعي كثرة الصلاة أفضل ولقب المسألة إن طول القنوت أفضل أم كثرة السجود والصحيح قولنا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الصلاة فقال طول القنوت أي القيام وعن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى وقوموا لله قانتين إن القنوت طول القيام وقرأ قوله تعالى أم ( ( ( أمن ) ) ) من هو قانت آناء الليل وروى عن أبي يوسف أنه قال إذا لم يكن له ورد فطول القيام أفضل وأما إذا كان له ورد من القرآن يقرأه ( ( ( يقرؤه ) ) ) فكثرة السجود أفضل لأن القيام لا يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود والله أعلم وأما الذي يرجع إلى الوقت فيكره التطوع في الأوقات المكروهة وهي اثنا عشر بعضها يكره التطوع فيها لمعنى في الوقت وبعضها يكره التطوع فيها لمعنى في غير الوقت أما الذي يكره التطوع فيها لمعنى يرجع إلى الوقت فثلاثة أوقات أحدها ما بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيض والثاني عند استواء الشمس إلى أن تزول والثالث عند تغير الشمس وهو احمرارها واصفرارها إلى أن تغرب ففي هذه الأوقات الثلاثة يكره كل تطوع في جميع الأزمان يوم الجمعة وغيره وفي جميع الأماكن بمكة وغيرها وسواء كان تطوعا مبتدأ لا سبب له أو تطوعا له سبب كركعتي الطواف وركعتي تحية المسجد ونحوهما وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا بأس بالتطوع وقت الزوال يوم الجمعة وقال الشافعي لا بأس بالتطوع في هذه الأوقات بمكة احتج أبو يوسف رحمه الله تعالى بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة وقت الزوال إلا يوم الجمعة واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذه الأوقات إلا بمكة ولنا ما روي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا إذا طلعت الشمس حتى ترتفع وإذا تضيقت للمغيب وعند الزوال وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة وقت الطلوع والغروب وقال لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان وروى الصالحي ( ( ( الصنابحي ) ) ) أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وقال إنها تطلع بين قرني شيطان يزينها في عين من يعبدها حتى يسجد لها فإذا ارتفعت فارقها فإذا كانت عند قائم الظهيرة قارنها فإذا مالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فلا تصلوا في هذه الأوقات
فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذه الأوقات من غير فصل فهو على العموم والإطلاق ونبه على معنى النهي وهو طلوع الشمس بين قرني الشيطان وذلك لأن عبدة الشمس يعبدون الشمس ويسجدون لها عند الطلوع تحية لها وعند الزوال لاستتمام علوها وعند الغروب وداعا لها فيجيء الشيطان فيجعل الشمس بين قرنيه ليقع سجودهم نحو الشمس له فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الأوقات لئلا يقع التشبه ( ( ( التشبيه ) ) ) بعبدة الشمس وهذا المعنى يعم المصلين أجمع فقد عم النهي بصيغته ومعناه فلا معنى للتخصيص وما روي من النهي إلا بمكة شاذ لا يقبل في معارضة المشهور وكذا رواية استثناء يوم الجمعة غريبة فلا يجوز تخصيص المشهور بها وأما الأوقات التي يكره فيها التطوع لمعنى في غير الوقت فمنها ما بعد طلوع الفجر إلى صلاة الفجر وما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وما بعد صلاة العصر إلى مغيب الشمس فلا خلاف في أن قضاء الفرائض والواجبات في هذه الأوقات جائز من غير كراهة ولا خلاف في أن أداء التطوع المبتدأ مكروه فيها وأما التطوع الذي له سبب كركعتي الطواف وركعتي تحية المسجد فمكروه عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يكره واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين من غير فصل وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر وعن عمر رضي الله عنه أنه صلى صلاة الصبح فسمع صوت حدث ممن خلفه فقال عزمت على من أحدث أن يتوضأ ويعيد صلاته فلم يقم أحد فقال جرير بن عبد الله البجلي يا أمير المؤمنين أرأيت لو توضأنا جميعا وأعدنا الصلاة فاستحسن ذلك عمر رضي الله عنه وقال له كنت سيدا في الجاهلية فقيها في الإسلام فقاموا وأعادوا الوضوء والصلاة ولا شك أن تلك الصلاة ممن لم يحدث كانت نافلة والدليل عليه أنه لا يكره الفرائض في هذه الأوقات كذا النوافل ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس فهو على العموم إلا ما خص بدليل وكذا روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طاف بعد طلوع الفجر سبعة أشواط ولم يصل حتى خرج إلى ذي طوى وصلى ثمة بعد ما طلعت الشمس وقال ركعتان مكان ركعتين ولو كان أداء ركعتي الطواف بعد طلوع الفجر ( ( ( الشمس ) ) ) جائزا من غير كراهة لما أخر لأن أداء الصلاة بمكة أفضل خصوصا ركعتا الطواف وأما حديث عائشة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك دل عليه ما روي أنه قيل لأبي سعيد الخدري أن عائشة تروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر فقال إنه فعل ما أمر ونحن نفعل ما أمرنا أشار إلى أنه كان مخصوصا بذلك ولا شركة في موضع الخصوص ألا ترى إلى ما روي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك فقال شغلني وفد عن ركعتي الظهر فقضيتهما فقالت ونحن نفعل كذلك فقال لا أشار إلى الخصوصية لأنه كتبت عليه السنن الراتبة
ومذهبنا مذهب عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وما روى عن عمر فغريب لا يقبل على أن عمر إنما فعل ذلك لإخراج المحدث عن عهدة الفرض ولا بأس بمباشرة المكروه ( ( ( المكر ) ) ) لمثله والاعتبار بالفرائض غير سديد لأن الكراهة في هذه الأوقات ليست لمعنى في الوقت بل لمعنى في غيره وهو إخراج ما بقي من الوقت عن كونه تبعا لفرض الوقت لشغله بعبادة مقصودة ومعنى الاستتباع لا يمكن تحقيقه في حق الفرض فبطل الاعتبار وكذا أداء الواجب الذي وجب بصنع العبد من النذر وقضاء التطوع الذي أفسده في هذه الأوقات مكروه في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يكره لأنه واجب فصار كسجدة التلاوة وصلاة الجنازة وجه ظاهر الرواية أن المنذور عينه ليس بواجب بل هو نفل في نفسه وكذا عين الصلاة لا تجب بالشروع وإنما الواجب صيانة المؤداة عن البطلان فبقيت الصلاة نفلا في نفسها فتكره في هذه الأوقات ومنها ما بعد الغروب يكره فيه النفل وغيره لأن فيه تأخير المغرب وأنه مكروه ومنها ما بعد شروع الإمام في الصلاة وقبل شروعه بعد ما أخذ المؤذن في الإقامة يكره التطوع في ذلك الوقت قضاء لحق الجماعة كما تكره السنة إلا في سنة الفجر على التفصيل الذي ذكرنا في السنن ومنها وقت الخطبة يوم الجمعة يكره فيه الصلاة لأنها سبب لترك استماع الخطبة وعند الشافعي يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد والمسألة قد مرت في صلاة الجمعة ومنها ما بعد خروج الإمام للخطبة يوم الجمعة قبل أن يشتغل بها وما بعد فراغه منها قبل أن يشرع في الصلاة يكره التطوع فيه والكلام وجميع ما يكره في حالة الخطبة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا يكره الكلام وتكره الصلاة وقد مر الكلام فيها في صلاة الجمعة ومنها ما قبل صلاة العيد يكره التطوع فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوع قبل العيدين مع شدة حرصه على الصلاة وعن علي رضي الله عنه أنه خرج إلى صلاة العيد فوجد الناس يصلون فقال إنه لم يكن قبل العيد صلاة فقيل له ألا تنهاهم فقال لا فإني أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى وعن عبد الله بن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما أنهما كانا ينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد ولأن المبادرة إلى صلاة العيد مسنونة وفي الاشتغال بالتطوع تأخيرها ( ( ( تأخير ) ) ) ولو اشتغل بأداء التطوع في بيته يقع في وقت طلوع الشمس وكلاهما مكروهان وقال محمد بن مقاتل الرازي من أصحابنا إنما يكره ذلك في المصلى كيلا يشتبه على الناس أنهم يصلون العيد قبل صلاة العيد فأما في بيته فلا بأس بأن يتطوع بعد طلوع الشمس وعامة أصحابنا على أنه لا يتطوع قبل صلاة العيد لا في المصلى ولا في بيته فأول الصلاة في هذا اليوم صلاة العيد والله أعلم فصل وأما بيان ما يفارق التطوع الفرض فيه فنقول إنه يفارقه في أشياء منها أنه يجوز التطوع قاعدا مع القدرة على القيام ولا يجوز ذلك في الفرض لأن التطوع خير دائم فلو ألزمناه القيام يتعذر عليه إدامة هذا الخير فأما الفرض فإنه يختص ببعض الأوقات فلا يكون في إلزامه مع القدرة عليه حرج والأصل في جواز النفل قاعدا مع القدرة على القيام ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قاعدا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ آيات ثم ركع وسجد ثم عاد إلى القعود وكذا لو افتتح الفرض قائما ثم أراد أن يقعد ليس له ذلك بالإجماع ولو افتتح التطوع قائما ثم أراد أن يقعد من غير عذر فله ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى استحسانا
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يجوز وهو القياس لأن الشروع ملزم كالنذر ولو نذر أن يصلي ركعتين قائما لا يجوز له القعود من غير عذر فكذا إذا شرع قائما ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه متبرع وهو مخير بين القيام والقعود في الابتداء فكذا بعد الشروع لكونه متبرعا أيضا وأما قولهما إن الشروع ملزم فنقول إن الشروع ليس بملزم وضعا وإنما يلزم لضرورة صيانة ما انعقد عبادة عن البطلان وما انعقد يتعلق بقاؤه عبادة بوجود أصل ما بقي من الصلاة لا بوجود وصف ما بقي فإن التطوع قاعدا جائز في الجملة فلم يلزم تحصيل وصف القيام فيما بقي لأن لزوم ما بقي لأجل الضرورة ولا ضرورة في حق وصف القيام ولهذا لا يلزمه أكثر من ركعتين لاستغناء المؤدى عن الزيادة بخلاف النذر فإنه موضوع للإيجاب شرعا فإذا أوجب مع الوصف وجب كذلك حتى لو أطلق النذر لا رواية فيه فقيل أنه على هذا الخلاف الذي ذكرنا في الشروع وقيل لا يلزمه بصفة القيام لأن التطوع لم يتناول القيام فلا يلزمه إلا بالتنصيص عليه كالتتابع في باب الصوم وقيل يلزمه قائما لأن النذر وضع للإيجاب فيعتبر ما أوجبه على نفسه بما أوجبه الله عليه مطلقا وهناك يلزمه بصفة القيام إلا من عذر فكذا ههنا وأما الشروع فليس بموضوع للوجوب وإنما جعل موجبا بطريق الضرورة والضرورة في حق الأصل دون الوصف على ما مر ولو افتتح التطوع قاعدا فأدى بعضها قاعدا وبعضها قائما أجزأه لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح التطوع قاعدا فيقرأ ورده حتى إذا بقي عشر آيات أو نحوها قام فأتم قراءته ثم ركع وسجد وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية فقد انتقل من القعود إلى القيام ومن القيام إلى القعود فدل أن ذلك جائز في صلاة التطوع ومنها أنه يجوز التنفل على الدابة مع القدرة على النزول وأداء الفرض على الدابة مع القدرة على النزول لا يجوز لما ذكرنا فيما تقدم ومنها أن القراءة في التطوع في الركعات كلها فرض والمفروض من القراءة في ذوات الأربع من المكتوبات في ركعتين منها فقط حتى لو ترك القراءة في الشفع الأول من الفرض لا يفسد الشفع الثاني بل يقضيها في الشفع الثاني أو يؤديها بخلاف التطوع لما ذكرنا أن كل شفع من التطوع صلاة على حدة وقد روى عن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت موقوفا عليهم ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يصلى بعد صلاة مثلها قال محمد تأويله لا يصلي بعد صلاة مثلها من التطوع على هيئة الفريضة في القراءة أي ركعتان بقراءة وركعتان بغير قراءة أي لا يصلي بعد أربع الفريضة أربعا من التطوع يقرأ في ركعتين ولا يقرأ في ركعتين والنهي عن الفعل أمر بضده فكان هذا أمرا ( ( ( أمر ) ) ) بالقراءة في الركعات كلها في التطوع ولا يحمل على المماثلة في أعداد الركعات لأن ذلك غير منهي بالإجماع كالفجر بعد الركعتين والظهر بعد الأربع في حق المقيم والركعتين بعد الظهر في حق المسافر وتأويل أبي يوسف أي لا تعاد الفرائض الفوائت لأنه في بداية الإسلام كانت الفرائض تقضى ثم تعاد من الغد لوقتها فنهى النبي عن ذلك ومصداق هذا التأويل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو استيقظ من الغد لوقتها ثم نسخ هذا الحديث بقوله لا يصلى بعد صلاة مثلها ويمكن حمل الحديث على النهي عن قضاء الفرض بعد أدائه مخافة دخول فساد فيه بحكم الوسوسة وتكون فائدة الحديث على هذا التأويل وجوب دفع الوسوسة والنهي عن اتباعها ويجوز أن يحمل الحديث على النهي عن تكرار الجماعة في مسجد واحد وعلى هذا التأويل يكون الحديث حجة لنا على الشافعي رحمه الله تعالى في تلك المسألة والله أعلم
ومنها أن القعدة على رأس الركعتين في ذوات الأربع في الفرائض ليست بفرض بلا خلاف حتى لا يفسد بتركها وفي التطوع اختلاف على ما مر ولو قام إلى الثالثة قبل أن يقعد ساهيا في الفرض فإن استتم قائما لم يعد وإن لم يستتم قائما عاد وقعد وسجد سجدتي السهو وأما في التطوع فقد ذكر محمد رحمه الله تعالى أنه إذا نوى أن يتطوع أربع ركعات وقام ولم يستتم قائما أنه يعود ولم يذكر أنه إذا استتم قائما هل يعود أم لا قال بعض مشايخنا لا يعود استحسانا لأنه لما نوى الأربع التحق بالظهر وبعضهم قال يعود لأن كل شفع صلاة على حدة والأول أوجه ولو كان نوى أن يتطوع بركعتين فقام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فيعود ههنا بلا خلاف بين مشايخنا لأن كل شفع بمنزلة صلاة الفجر ومنها أن الجماعة في التطوع ليست بسنة إلا في قيام رمضان وفي الفرض واجبة أو سنة مؤكدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا المكتوبة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتي الفجر في بيته ثم يخرج إلى المسجد ولأن الجماعة من شعائر الإسلام وذلك مختص بالفرائض أو الواجبات دون التطوعات وإنما عرفنا الجماعة سنة في التراويح بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التراويح في المسجد ليلتين وصلى الناس بصلاته وعمر رضي الله عنه في خلافته استشار الصحابة أن يجمع الناس على قارىء ( ( ( قارئ ) ) ) واحد فلم يخالفوه فجمعهم على أبي بن كعب ومنها أن التطوع غير مؤقت بوقت خاص ولا مقدر بمقدار مخصوص فيجوز في أي وقت كان على أي مقدار كان إلا أنه يكره في بعض الأوقات وعلى بعض المقادير على ما مر والفرض مقدر بمقدار خاص مؤقت بأوقات مخصوصة فلا تجوز الزيادة على قدره وتخصيص جوازه ببعض الأوقات دون بعض على ما مر في موضعه ومنها أن التطوع يتأدى بمطلق النية والفرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وقد ذكرنا الفرق في موضعه ومنها أن مراعاة الترتيب يختص بالفرائض دون التطوعات حتى لو شرع في التطوع ثم تذكر فائتة مكتوبة لم يفسد تطوعه ولو كان في الفرض تفسد الفريضة لأن المفسد للفرض كونه مؤديا للفرض قبل وقته وليس للتطوع وقت مخصوص بخلاف الفرض ولأنه لو تذكر فائتة عليه في صلاة الفرض ينقلب فرضه تطوعا ولا يبطل أصلا فإذا تذكر في التطوع لأن يبقى تطوعا ولا يبطل كان أولى والله أعلم فصل وأما صلاة الجنازة فالكلام في الجنائز يقع في الأصل في ستة مواضع أحدها في غسل الميت والثاني في تكفينه والثالث في حمل جنازته والرابع في الصلاة عليه والخامس في دفنه والسادس في الشهيد وقبل أن نشتغل ببيان ذلك نبدأ بما يستحب أن يفعل بالمريض المحتضر وما يفعل بعد موته إلى أن يغسل فنقول إذا احتضر الإنسان فالمستحب أن يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن كما يوجه في القبر لأنه قرب موته فيضجع كما يضجع الميت في اللحد ويلقن كلمة الشهادة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلا الله والمراد من الميت المحتضر لأنه قرب موته فسمي ميتا لقربه من الموت قال الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون وإذا قضى نحبه تغمض عيناه ويشد لحياه لأنه لو ترك كذلك لصار كريه المنظر في نظر الناس كالمثلة وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أبي سلمة وقد شق بصره نغمضه ( ( ( فغمضه ) ) ) ولا بأس بإعلام الناس بموته من أقربائه وأصدقائه وجيرانه ليؤدوا حقه بالصلاة عليه والدعاء والتشييع
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المسكينة التي كانت في ناحية المدينة إذا ماتت فآذنوني ولأن في الإعلام تحريضا على الطاعة وحثا على الاستعداد لها فيكون من باب الإعانة على البر والتقوى والتسبب إلى الخير والدلالة عليه وقد قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وقال النبي صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله إلا أنه يكره النداء في الأسواق والمحال لأن ذلك يشبه عزاء أهل الجاهلية ويستحب أن يسرع في جهازه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عجلوا بموتاكم فإن يك خيرا قدمتموه إليه وإن يك شرا فبعدا لأهل النار ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعجيل ونبه على المعنى فيبدأ بغسله فصل والكلام في الغسل يقع في مواضع في بيان أنه واجب وفي بيان كيفية وجوبه وفي بيان كيفية الغسل وفي بيان شرائط وجوبه وفي بيان من يغسل ومن لا يغسل أما الأول فالدليل على وجوبه النص والإجماع والمعقول أما النص فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمسلم على المسلم ست حقوق وذكر من جملتها أن يغسله بعد موته وعلى كلمة إيجاب وروي أنه لما توفي آدم صلوات الله عليه غسلته الملائكة ثم قالت لولده هذه سنة موتاكم والسنة المطلقة في معنى الواجب وكذا الناس توارثوا ذلك من لدن آدم صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فكان تاركه مسيئا لتركه السنة المتوارثة والإجماع منعقد على وجوبه وأما المعقول فقد اختلفت فيه عبارات مشايخنا ذكر محمد بن شجاع البلخي أن الآدمي لا يتنجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت والآدمي يطهر بالغسل حتى روي عن محمد أن الميت لو وقع في البئر قبل الغسل يوجب تنجيس البئر ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه فعلم أنه لم يتنجس بالموت ولكن وجب غسله للحدث لأن الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل وزوال العقل والبدن في حق التطهير لا يتجزأ فوجب غسله كله إلا أنا اكتفينا بغسل هذه الأعضاء الظاهرة حالة الحياة دفعا للحرج لغلبة وجود الحدث في كل وقت حتى إن خروج المني عن شهوة لما كان لا يكثر وجوده لم يكتف فيه إلا بالغسل ولا حرج بعد الموت فوجب غسل الكل وعامة مشايخنا قالوا إن بالموت يتنجس الميت لما فيه من الدم المسفوح كما يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم سائل بالموت ولهذا لو وقع في البئر يوجب تنجسه إلا أنه إذا غسل يحكم بطهارته كرامة له فكانت الكرامة عندهم في الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة وهو الغسل لا في المنع من حلول النجاسة وعند البلخي الكرامة في امتناع حلول النجاسة وحكمها وقول العامة أظهر لأن فيه عملا بالدليلين إثبات النجاسة عند وجود سبب النجاسة والحكم بالطهارة عند وجود ما له أثر في التطهير في الجملة ولا شك أن هذا في الجملة أقرب إلى القياس من منع ثبوت الحكم أصلا مع وجود السبب فصل وأما بيان كيفية وجوبه فهو واجب على سبيل الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود بالبعض كسائر الواجبات على سبيل الكفاية وكذا الواجب هو الغسل مرة واحدة والتكرار سنة وليس بواجب حتى لو اكتفى بغسلة واحدة أو غمسة واحدة في ماء جار جاز لأن الغسل إن وجب لإزالة الحدث كما ذهب إليه البعض فقد حصل بالمرة الواحدة كما في غسل الجنابة وإن وجب لإزالة النجاسة المتشربة فيه كرامة له على ما ذهب إليه العامة فالحكم بالزوال بالغسل مرة واحدة أقرب إلى معنى الكرامة ولو أصابه المطر لا يجزىء عن الغسل لأن الواجب فعل الغسل ولم يوجد ولو غرق في الماء فأخرج إن كان المخرج حركه كما يحرك الشيء قي الماء بقصد التطهير سقط الغسل وإلا فلا لما قلنا والله أعلم فصل وأما بيان كيفية الغسل
فنقول يجرد الميت إذا أريد غسله عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجرد بل يغسل وعليه ثوبه استدلالا بغسل النبي صلى الله عليه وسلم حيث غسل في قميصه ولنا أن المقصود من الغسل هو التطهير ومعنى التطهير لا يحصل بالغسل وعليه الثوب لتنجس الثوب بالغسالات التي تنجست بما عليه من النجاسات الحقيقية وتعذر عصره وحصوله بالتجريد أبلغ فكان أولى وأما غسل النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه فقد كان مخصوصا بذلك لعظم حرمته فإنه روي أنهم لما قصدوا أن ينزعوا قميصه قيض الله عز وجل السنة عليهم فما فيهم أحد إلا ضرب ذقنه على صدره حتى نودوا من ناحية البيت لا تجردوا نبيكم وروي غسلوا نبيكم وعليه قميصه فدل أنه كان مخصوصا بذلك ولا شركة لنا في خصائصه ولأن المقصود من التجريد هو التطهير وأنه صلى الله عليه وسلم كان طاهرا حتى قال علي رضي الله عنه حين تولى غسله طبت حيا وميتا ويوضع على التخت لأنه لا يمكن الغسل إلا بالوضع عليه لأنه لو غسل على الأرض لتلطخ ثم لم يذكر في ظاهر الرواية كيفية وضع التخت أنه يوضع إلى القبلة طولا أو عرضا فمن أصحابنا من اختار الوضع طولا كما يفعل في مرضه إذا أراد الصلاة بالإيماء ومنهم من اختار الوضع عرضا كما يوضع في قبره والأصح أنه يوضع كما تيسر لأن ذلك يختلف باختلاف المواضع وتستر عورته بخرقة لأن حرمة النظر إلى العورة باقية بعد الموت قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تنظروا إلى فخذ حي ولا ميت ولهذا لا يباح للأجنبي غسل الأجنبية دل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كسر عظم الميت ككسره وهو حي ليعلم أن الآدمي محترم حيا وميتا وحرمة النظر إلى العورة من باب الاحترام وروى ( ( ( وقد ) ) ) الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يؤزر بإزار سابغ كما يفعله في حياته إذا أراد الاغتسال والصحيح ظاهر الرواية لأنه يشق عليهم غسل ما تحت الإزار ثم الخرقة ينبغي أن تكون ساترة ما بين السرة إلى الركبة لأن كل ذلك عورة وبه أمر في الأصل حيث قال وتطرح على عورته خرقة هكذا ذكر عن أبي ( ( ( أبو ) ) ) عبد الله البلخي نصا في نوادره ثم تغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يده خرقة كذا ذكر البلخي لأن حرمة مس عورة الغير فوق حرمة النظر فتحريم النظر يدل على تحريم المس بطريق الأولى ولم يذكر في ظاهر الرواية أنه هل يستنجي أم لا
وذكر في صلاة الأثر أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يستنجي وعلى قولهما ( ( ( قول ) ) ) لا يستنجي هو ( ( ( هما ) ) ) يقول ( ( ( يقولان ) ) ) قلما يخلو موضع الاستنجاء عن النجاسة الحقيقية فلا بد من إزالتها وأبو يوسف ومحمد يقولان إن المسكة تسترخي بالموت فلو استنجى ربما يزداد الاسترخاء فتخرج زيادة نجاسة فكان السبيل فيه هو الترك والاكتفاء بوصول الماء إليه ولهذا والله أعلم لم يذكره في ظاهر الرواية فلعل محمدا رجع وعرف أيضا رجوع أبي حنيفة حيث لم يتعرض لذلك في ظاهر الرواية ثم يوضأ وضوءه للصلاة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للاتي غسلن ابنته ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ولأن هذا سنة الاغتسال في حالة الحياة فكذا بعد الممات لأن الغسل في الموضعين لأجل الصلاة إلا أنه لا يمضمض الميت ولا يستنشق لأن إدارة الماء في الميت غير ممكن ثم يتعذر إخراجه من الفم إلا بالكب وذا مثلة مع أنه لا يؤمن أن يسيل منه شيء لو فعل ذلك به وكذا الماء لا يدخل الخياشيم إلا بالجذب بالنفس وذا غير متصور من الميت ولو كلف الغاسل ذلك لوقع في الحرج وكذا لا يؤخر غسل رجليه عند التوضئة بخلاف حالة الحياة لأن هناك الغسالة تجتمع عند رجليه ولا تجتمع الغسالة على التخت فلم يكن التأخير مفيدا وكذا لا يمسح رأسه ويمسح في حالة الحياة في ظاهر الرواية لأن المسح هناك سن تعبدا لا تطهيرا وههنا لو سن لسن تطهيرا لا تعبدا والتطهير لا يحصل بالمسح ثم يغسل رأسه ولحيته بالخطمي لأن ذلك أبلغ في التنظيف فإن لم يكن فبالصابون وما أشبهه فإن لم يكن فيكفيه الماء القراح ولا يسرح لما روي عن عائشة أنها رأت قوما يسرحون ميتا فقالت علام تنصون ميتكم أي تسرحون شعره وهذا قول روي عنها ولم يرو عن غيرها خلاف ذلك فحل محل الإجماع ولأنه لو سرح ربما يتناثر شعره والسنة أن يدفن الميت بجميع أجزائه ولهذا لا تقص أظفاره وشاربه ولحيته ولا يختن ولا ينتف إبطه ولا تحلق عانته ولأن ذلك يفعل لحق الزينة والميت ليس بمحل الزينة ولهذا لا يزال عنه شيء مما ذكرنا وإن كان فيه حصول زينة وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى يسرح ويزال عنه شعر العانة والإبط إذا كانا طويلين وشعر الرأس يزال إن كان يتزين بإزالة الشعر ولا يحلق في حق من كان لا يحلق في حال الحياة وكان يتزين بالشعر واحتج الشافعي بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم ثم هذه الأشياء تصنع بالعروس فكذا بالميت ولنا ما روينا عن عائشة وذكرنا من المعقول وبه تبين أن ما رواه ينصرف إلى زينة ليس فيها إزالة شيء من أجزاء الميت كالطيب والتنظيف من الدرن ونحو ذلك بدليل ما روينا ثم يضجعه على شقه الأيسر لتحصل البداية بجانبه الأيمن إذ السنة هي البداية بالميامن على ما مر فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه ثم قد كان أمر الغاسل قبل ذلك أن يغلي الماء بالسدر فإن لم يكن سدر فحرض فإن لم يكن واحد منهما فالماء القراح ثم يضجعه على شقه الأيمن فيغسله بماء السدر أو الحرض أو الماء القراح حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه ثم يقعده ويسنده إلى صدره أو يده فيمسح بطنه مسحا رفيقا حتى إن بقي شيء عند المخرج يسيل منه هكذا ذكر في ظاهر الرواية وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في غير رواية الأصول أن يقعده ويمسح بطنه أولا ثم يغسله بعد ذلك ووجهه أنه قد يكون في بطنه شيء فيمسح حتى لو سال منه شيء يغسله بعد ذلك ثلاث مرات فيطهر
ووجه ظاهر الرواية أن الميت قد يكون في بطنه نجاسة منعقدة لا تخرج بالمسح قبل الغسل وتخرج بعد ما غسل مرتين بماء حار فكان المسح بعد المرتين أولى والأصل في المسح ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تولى غسله علي والعباس والفضل بن العباس وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه ومسح بطنه مسحا رفيقا فلم يخرج منه شيء فقال علي رضي الله عنه طبت حيا وميتا وروي أنه لما مسح بطنه فاح ريح المسك في البيت ثم إذا مسح بطنه فإن سال منه شيء يمسحه كيلا يتلوث الكفن ويغسل ذلك الموضع تطهيرا له عن النجاسة الحقيقية ولم يذكر في ظاهر الرواية سوى المسح ولا يعيد الغسل ولا الوضوء عندنا وقال الشافعي يعيد الوضوء استدلالا بحالة الحياة ولنا أن الموت أشد من خروج النجاسة ثم هو لم يمنع حصول الطهارة فلأن لا يرفعها الخارج مع أن المنع أسهل أولى ثم يضجعه على شقه الأيمن فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه ليتم عدد الغسل ثلاثا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للاتي ( ( ( للائي ) ) ) غسلن ابنته اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا ولأن الثلاث هو العدد المسنون في الغسل حالة الحياة فكذا بعد الموت فالحاصل أنه يغسل في المرة الأولى بالماء القراح ليبتل الدرن والنجاسة ثم في المرة الثانية بماء السدر أو ما يجري مجراه في التنظيف لأن ذلك أبلغ في التطهير وإزالة الدرن ثم في المرة الثالثة بالماء القراح وشيء من الكافور وقال الشافعي رحمه الله تعالى في المرة الأولى لا يغسل بالماء الحار لأنه يزيده استرخاء فينبغي أن يغسله بالماء البارد وهذا غير سديد لأنه إنما يغسله ليسترخي فيزول عنه ما عليه من الدرن والنجاسة ثم ينشفه في ثوب كيلا تبتل أكفانه كما يفعل في حالة الحياة بعد الغسل وحكم المرأة في الغسل حكم الرجل وكذا الصبي في الغسل كالبالغ لأن غسل الميت للصلاة عليه والصبي والمرأة يصلى عليهما إلا أن الصبي إذا كان لا يعقل الصلاة لا يوضأ عند غسله لأن حالة الموت معتبرة بحالة الحياة وفي حالة الحياة لا يعتبر وضوء من لا يعقل فكذا بعد الموت وكذا المحرم وغير المحرم سواء لأن الإحرام ينقطع بالموت في حق أحكام الدنيا والله أعلم فصل وأما شرائط وجوبه فمنها أن يكون ميتا مات بعد الولادة حتى لو ولد ميتا لم يغسل كذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال إذا استهل المولود سمي وغسل وصلي عليه وورث وورث عنه وإذا لم يستهل لم يسم ولم يغسل ولم يرث وعن محمد أيضا أنه لا يغسل ولا يسمى ولا يصلى عليه وهكذا ذكر الكرخي وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يغسل ويسمى ولا يصلى عليه وهكذا ذكر الطحاوي وقال محمد في السقط الذي استبان خلقه أنه يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه فاتفقت الروايات على أنه لا يصلى على من ولد ميتا والخلاف في الغسل وجه ما اختاره الطحاوي أن المولود ميتا نفس مؤمنة فيغسل وإن كان لا يصلى عليه كالبغاة وقطاع الطريق وجه ما ذكره الكرخي ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا استهل المولود غسل وصلي عليه وورث وإن لم يستهل لم يغسل ولم يصل عليه ولم يرث ولأن وجوب الغسل بالشرع وأنه ورد باسم الميت ومطلق اسم الميت في العرف لا يقع على من ولد ميتا ولهذا لا يصلى عليه
وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن أسقط قبل أربعة أشهر لا يغسل ولا يصلى عليه قولا واحدا وإن كان لأربعة أشهر من وقت العلوق وقد استبان خلقه فله فيه قولان والصحيح قولنا لما ذكرنا وهذا إذا لم يستهل فأما إذا استهل بأن حصل منه ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك عضو أو طرف أو غير ذلك فإنه يغسل بالإجماع لما روينا ولأن الاستهلال دلالة الحياة فكان موته بعد ولاته ( ( ( ولادته ) ) ) حيا فيغسل ولو شهدت القابلة أو الأم على الاستهلال تقبل في حق الغسل والصلاة عليه لأن خبر الواحد في باب الديانات مقبول إذا كان عدلا وأما في حق الميراث فلا يقبل قول الأم بالإجماع لكونها متهمة لجرها المغنم إلى نفسها وكذا شهادة القابلة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا تقبل إذا كانت عدلة على ما يعرف في موضعه وعلى هذا يخرج ما إذا وجد طرف من أطراف الإنسان كيد أو رجل أنه لا يغسل لأن الشرع ورد بغسل الميت والميت اسم لكله ولو وجد الأكثر منه غسل لأن للأكثر حكم الكل وإن وجد الأقل منه أو النصف لم يغسل كذا ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي لأن هذا القدر ليس بميت حقيقة وحكما ولأن الغسل للصلاة وما لم يزد على النصف لا يصلى عليه فلا يغسل أيضا وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إذا وجد النصف ومعه الرأس يغسل وإن لم يكن معه الرأس لا يغسل فكأنه جعله مع الرأس في حكم الأكثر لكونه معظم البدن ولو وجد نصفه مشقوقا لا يغسل لما قلنا ولأنه لو غسل الأقل أو النصف يصلى عليه لأن الغسل لأجل الصلاة ولو صلى عليه لا يؤمن أن يوجد الباقي فيصلي عليه فيؤدي إلى تكرار الصلاة على ميت واحد وذلك مكروه عندنا أو يكون صاحب الطرف حيا فيصلي على بعضه وهو حي وذلك فاسد وهذا كله مذهبنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن وجد عضو يغسل ويصلي عليه واحتج بما روي أن طائرا ألقى يدا بمكة زمن وقعة الجمل فغسلها أهل مكة وصلوا عليها وقيل أنها يد طلحة أو يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد رضي الله عنهم وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى على عظام بالشام وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أنه صلى على رؤوس ولأن صلاة الجنازة شرعت لحرمة الآدمي وكذا الغسل وكل جزء منه محترم ولنا ما روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا لا يصلى على عضو وهذا يدل على أنه لا يغسل لأن الغسل لأجل الصلاة ولما ذكرنا من المعاني أيضا وأما حديث أهل مكة فلا حجة فيه لأن الراوي لم يرو أن الذي صلى عليه من هو حتى ننظر أهو حجة أم لا أو نحمل الصلاة على الدعاء وكذا حديث عمر وأبي عبيدة رضي الله عنهما ألا ترى أن العظام لا يصلى عليها بالإجماع ومنها أن يكون الميت مسلما حتى لا يجب غسل الكافر لأن الغسل وجب كرامة وتعظيما للميت والكافر ليس من أهل استحقاق الكرامة والتعظيم لكن إذا كان ذا رحم محرم من المسلم لا بأس بأن يغسله ويكفنه ويتبع جنازته ويدفنه لأن الابن ما نهي عن البر بمكان أبيه الكافر بل أمر بمصاحبتهما بالمعروف بقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا ومن البر القيام بغسله ودفنه وتكفينه والأصل فيه ما روي عن علي رضي الله عنه لما مات أبوه أبو طالب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن عمك الضال قد توفي فقال اذهب وغسله وكفنه وواره ولا تحدثن حدثا حتى تلقاني قال ففعلت ذلك وأتيته فأخبرته فدعا لي بدعوات ما أحب أن يكون لي بها حمر النعم وقال سعيد بن جبير سأل رجل عبد الله بن عباس فقال إن امرأتي ماتت نصرانية فقال اغسلها وكفنها وادفنها
وعن الحارث بن أبي ربيعة إن أمه ماتت نصرانية فتبع جنازتها في نفر من الصحابة ثم إنما يقوم ذو الرحم بذلك إذا لم يكن هناك من يقوم به من المشركين ( ( ( أهل ) ) ) فإن كان خلي المسلم بينه وبينهم ليصنعوا به ما يصنعون بموتاهم وإن مات مسلم وله أب كافر هل يمكن من القيام بتغسيله وتجهيزه لم يذكر في الكتاب وينبغي أن لا يمكن من ذلك بل يغسله المسلمون لأن اليهودي لما آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه تولوا أخاكم ولم يخل بينه وبين والده اليهودي ولأن غسل الميت شرع كرامة له وليس من الكرامة أن يتولى الكافر غسله ومنها أن يكون عادلا حتى لا يغسل الباغي إذا قتل ولا يصلى عليه وكذا روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وعند الشافعي يغسل ويصلى عليه وسنذكر المسألة وذكر الفقيه أبو الحسن الرستغفني صاحب الشيخ أبي منصور الماتريدي أنه يغسل ولا يصلى عليه وفرق بينهما بأن الغسل حقه والصلاة حق الله تعالى فما كان من حقه يؤتى به وما كان من حق الله تعالى لا يؤتى به إهانة له ولهذا يغسل الكافر ولا يصلى عليه ولو اجتمع الموتى المسلمون والكفار ينظر إن كان بالمسلمين علامة يمكن الفصل بها يفصل وعلامة المسلمين أربعة أشياء الختان والخضاب ولبس السواد وحلق العانة وإن لم يكن بهم علامة ينظر إن كان المسلمون أكثر غسلوا وكفنوا ودفنوا في مقابر المسلمين وصلي عليهم وينوى بالدعاء المسلمون ( ( ( المسلمين ) ) ) وإن كان الكفار أكثر يغسلوا ولا يصلى عليهم كذا ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي لأن الحكم للغالب وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إن كانت الغلبة لموتى الكفار لا يصلى عليهم لكن يغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر المشركين ووجهه أن غسل المسلم واجب وغسل الكافر جائز في الجملة فيؤتى بالجائز في الجملة لتحصيل الواجب وأما إذا كانوا على السواء فلا يشكل أنهم يغسلون لما ذكرنا أن فيه تحصيل الواجب مع الإتيان بالجائز في الجملة وهذا أولى من ترك الواجب رأسا وهل يصلي عليهم قال بعضهم لا يصلي عليهم لأن ترك الصلاة على المسلم أولى من الصلاة على الكافر لأن الصلاة على الكافر غير مشروعة أصلا قال الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا وترك الصلاة على المسلم مشروعة في الجملة كالبغاة وقطاع الطريق فكان الترك أهون وقال بعضهم يصلي عليهم وينوى بالصلاة والدعاء المسلمين لأنهم إن عجزوا عن تعيين العمل للمسلمين لم يعجزوا عن تمييز القصد في الدعاء لهم وأما الدفن فلا رواية فيه في المبسوط وذكر الحاكم الجليل في مختصره أنهم يدفنون في مقابر المشركين واختلف المشايخ فيه قال بعضهم يدفنون في مقابر المسلمين وقال بعضهم في مقابر المشركين وقال بعضهم تتخذ لهم مقبرة على حدة وتسوى قبورهم ولا تسنم وهو قول الفقيه أبي جعفر الهندواني وهو أحوط وأصل الاختلاف في كتابية تحت مسلم حبلت ثم ماتت وفي بطنها ولد مسلم لا يصلى عليها بالإجماع لأن الصلاة على الكافرة غير مشروعة وما في بطنها لا يستحق الصلاة عليه ولكنها تغسل وتكفن واختلف الصحابة في الدفن قال بعضهم تدفن في مقابر المسلمين ترجيحا لجانب الولد وقال بعضهم في مقابر المشركين لأن الولد في حكم جزء منها ما دام في البطن وقال واثلة بن الأسقع يتخذ لها مقبرة على حدة وهذا أحوط ولو وجد ميت أو قتيل في دار الإسلام فإن كان عليه سيما المسلمين يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وهذا ظاهر وإن لم يكن معه سيما المسلمين ففيه روايتان والصحيح أنه يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين لحصول غلبة الظن بكونه مسلما بدلالة المكان وهي دار الإسلام ولو وجد في دار الحرب فإن كان معه سيما المسلمين يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بالإجماع
وإن لم يكن معه سيما المسلمين ففيه روايتان والصحيح أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين والحاصل أنه لا يشترط الجمع بين السيما ودليل المكان بل يعمل بالسيما وحده بالإجماع وهل يعمل بدليل المكان وحده فيه روايتان والصحيح أنه يعمل به لحصول غلبة الظن عنده ومنها أن لا يكون ساعيا في الأرض بالفساد فلا يغسل البغاة وقطاع الطريق والمكاثرون والخناقون إذا قتلوا لأن المسلم يغسل كرامة له وهؤلاء لا يستحقون الكرامة بل الإهانة وعن الفقيه أبي الحسن الرستغفني صاحب أبي منصور الماتريدي أن الباغي يغسل ولا يصلى عليه لأن الغسل حقه فيؤتى به والصلاة حق الله تعالى فلا يصلى عليه إهانة له كالكافر أنه يغسل ولا يصلى عليه كذا ذكره في العيون وعن محمد أن من قتل مظلوما لا يغسل ويصلى عليه ومن قتل ظالما يغسل ولا يصلى عليه والباغي قتل ظالما فيغسل ولا يصلى عليه ومنها وجود الماء لأن وجود الفعل مقيد بالوسع ولا وسع مع عدم الماء فسقط الغسل ولكن ييمم بالصعيد لأن التيمم صلح بدلا عن الغسل في حال الحياة فكذا بعد الموت غير أن الجنس يمم ( ( ( ييمم ) ) ) الجنس بيده لأنه يباح له مس مواضع التيمم منه من غير شهوة كما في حالة الحياة فكذا بعد الموت وأما غير الجنس فإن كانا ذوي رحم محرم فكذلك لما قلنا وإن كانا أجنبيين فإن لم يكونا زوجين ييممه بخرقة تستر يده لأن حرمة المس بينهما ثابتة كما في حالة الحياة إلا إذا كان أحدهما مما لا يشتهى كالصغير أو الصغيرة فييممه من غير خرقة وإن كانا زوجين فالمرأة تيمم زوجها بلا خرقة لأنها تغسله بلا خرقة فالتيمم أولى إذا لم تبن منه في حال حياته بالإجماع ولا حدث بعد وفاته ما يوجب البينونة عند أصحابنا ( ( ( علمائنا ) ) ) الثلاثة خلافا لزفر على ما نذكر لأنها تغسله بلا خرقة فالتيمم أولى وأما الزوج فلا ييمم زوجته بلا خرقة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله على ما نذكر ومنها أن لا يكون الميت شهيدا لأن الغسل ساقط عن الشهيد بالنص على ما نذكر في فصله إن شاء الله تعالى فصل وأما بيان الكلام فيمن يغسل فنقول الجنس يغسل الجنس فيغسل الذكر الذكر والأنثى الأنثى لأن حل المس من غير شهوة ثابت للجنس حالة الحياة فكذا بعد الموت وسواء كان الغاسل جنبا أو حائضا لأن المقصود وهو التطهير حاصل فيجوز وروي عن أبي يوسف أنه كره للحائض الغسل لأنها لو اغتسلت بنفسها لم تعتد به فكذا إذا غسلت ولا يغسل الجنس خلاف الجنس لأن حرمة المس عند اختلاف الجنس ثابتة حالة الحياة فكذا بعد الموت والمجبوب والخصي في ذلك مثل الفحل كما في حالة الحياة لأن كل ذلك منهي إلا المرأة لزوجها إذا لم تثبت البينونة بينهما في حالة حياته ولا حدث بعد وفاته ما يوجب البينونة أو الصغير والصغيرة فبيان ذلك في الرجل والمرأة أما الرجل فنقول إذا مات رجل في سفر فإن كان معه رجال يغسله الرجل وإن كان معه نساء لا رجل فيهن فإن كان فيهن امرأته غسلته وكفنته وصلين عليه وتدفنه أما المرأة فتغسل زوجها لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لو استقبلنا من الأمر ما استدبرنا لما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه ومعنى ذلك أنها لم تكن عالمة وقت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإباحة غسل المرأة لزوجها ثم علمت بعد ذلك
وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى إلى امرأته أسماء بنت عميس أن تغسله بعد وفاته وهكذا فعل أبو موسى الأشعري ولأن إباحة الغسل مستفادة بالنكاح فتبقى ما بقي النكاح والنكاح بعد الموت باق إلى وقت انقطاع العدة بخلاف ما إذا ماتت المرأة حيث لا يغسلها الزوج لأن هناك انتهى ملك النكاح لانعدام المحل فصار الزوج أجنبيا فلا يحل له غسلها واعتبر بملك اليمين حيث لا ينتفي عن المحل بموت المالك ويبطل بموت المحل فكذا هذا وهذا إذا لم تثبت البينونة بينهما في حال حياة الزوج فأما إذا ثبتت بأن طلقها ثلاثا أو بائنا وهي في العدة لا يباح لها غسله لأن ملك النكاح ارتفع بالإبانة وكذا إذا قبلت ابن زوجها ثم مات وهي في العدة لأن الحرمة ثبتت بالتقبيل على سبيل التأبيد فيبطل ( ( ( فبطل ) ) ) ملك النكاح ضرورة وكذا لو ارتدت عن الإسلام والعياذ بالله ثم أسلمت بعد موته لأن الردة توجب زوال ملك النكاح ولو طلقها طلاقا رجعيا ثم مات وهي في العدة لها أن تغسله لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملك النكاح وأما إذا حدث بعد وفاة الزوج ما يوجب البينونة لا يباح لها أن تغسله عندنا وعند زفر رحمه الله تعالى يباح بأن ارتدت المرأة بعد موته ثم أسلمت وجه قول زفر أن الردة بعد الموت لا ترفع النكاح لأنه ارتفع بالموت فبقي حل الغسل كما كان بخلاف الردة في حالة الحياة ولنا أن زوال النكاح موقوف على انقضاء العدة فكان النكاح قائما فيرتفع بالردة وإن لم يبق مطلقا فقد بقي في حق حل المس والنظر وكما ترفع الردة مطلق الحل ترفع ما بقي منه وهو حل المس والنظر وعلى هذا الخلاف إذا طاوعت ابن زوجها أو قبلته بعد موته أو وطئت بشبهة بعد موته فوجب عليها العدة ليس لها أن تغسله عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى ولو مات للزوج ( ( ( الزوج ) ) ) وهي معتدة من وطء شبهة ليس لها أن تغسله وكذا إذا انقضت عدتها من ذلك الغير عندنا خلافا لأبي يوسف لأنه لم يثبت لها حل الغسل عند الموت فلا يثبت بعده وكذلك إذا دخل الزوج بأخت امرأته بشبهة ووجبت عليها العدة ثم مات فانقضت عدتها بعد موته فهو على هذا الخلاف وكذلك المجوسي إذا أسلم ثم مات ثم أسلمت امرأته المجوسية لم تغسله عندنا خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى كذا ذكره الشيخ الإمام الزاهد السرخسي رحمه الله تعالى الخلاف في هذه المسائل الثلاث وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن للمرأة أن تغسله في هذه المواضع عندنا وعند زفر رحمه الله تعالى ليس لها أن تغسله والله أعلم ولو لم يكن فيهن امرأته ولكن معهن رجل كافر علمته ( ( ( علمنه ) ) ) غسل الميت ويخلين بينهما حتى يغسله ويكفنه ثم يصلين عليه ويدفنه لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف وإن لم يكن بينهما موافقة في الدين فإن لم يكن معهن رجل لا مسلم ولا كافر فإن كان معهن صبية صغيرة لم تبلغ حد الشهوة وأطاقت الغسل علمنها الغسل ويخلين بينه وبينها حتى تغسله وتكفنه لأن حكم العورة غير ثابت في حقها وإن لم يكن معهن ذلك فإنهن لا يغسلنه سواء كن ذوات رحم محرم منه أو لا لأن المحرم في حكم النظر إلى العورة والأجنبية سواء فكما لا تغسله الأجنبية فكذا ذوات محارمه ولكن ييممنه غير أن الميممة إذا كانت ذات رحم محرم منه تيممه بغير خرقة وإن لم تكن ذات رحم محرم منه تيممه بخرقة تلفها على كفها لأنه لم يكن لها أن تمسه في حياته فكذا بعد وفاته وكذا لو كان فيهن أم ولده لم تغسله في قول أبي حنيفة الآخر وفي قوله الأول وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لها أن تغسله لأنها معتدة فأشبهت المنكوحة
ولنا أن الملك لا يبقى فيها ببقاء العدة لأن الملك فيها كان ملك يمين وهو يعتق بموت السيد والحرية تنافي ملك اليمين فلا يبقى بخلاف المنكوحة فإن حريتها لا تنافي ملك النكاح كما في حال حياة الزوج وكذا لو كان فيهن أمته أو مدبرته أما الأمة فلأنها زالت عن ملكه بالموت إلى الورثة ولا يباح لأمة الغير عورته غير أنها لو يممته تيممه بغير خرقة لأنه يباح للجارية مس موضع التيمم بخلاف أم الولد فإنها تعتق وتلتحق بسائر الحرائر الأجنبيات وأما المدبرة فلأنها تعتق ولا يجب عليها العدة ثم أم الولد لا تغسله فلأن لا تغسله هذه أولى وقال الشافعي رحمه الله تعالى الأمة تغسل مولاها لأنه يحتاج إلى من يغسله فبقي الملك له فيها حكما وهذا غير سديد لأن حاجته تندفع بالجنس أو بالتيمم والله أعلم وأما المرأة فنقول إذا ماتت امرأة في سفر فإن كان معها نساء غسلنها وليس لزوجها أن يغسلها عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى واحتج بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تقول وارأساه فقال وأنا وارأساه لا عليك أنك إذا مت غسلتك وكفنتك وصليت عليك وما جاز لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز لأمته هو الأصل إلا ما قام عليه الدليل وروي أن عليا غسل فاطمة بعد موتها لأن النكاح جعل قائما حكما لحاجة الميت إلى الغسل كما إذا مات الزوج ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن امرأة تموت بين رجال فقال تيمم بالصعيد ولم يفصل بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون ولأن النكاح ارتفع بموتها فلا يبقى حل المس والنظر كما لو طلقها قبل الدخول ودلالة الوصف أنها صارت محرمة على التأبيد والحرمة على التأبيد تنافي النكاح ابتداء وبقاء ولهذا جاز للزوج أن يتزوج بأختها وأربع سواها وإذا زال النكاح صارت أجنبية فبطل حل المس والنظر بخلاف ما إذا مات الزوج لأن هناك ملك النكاح قائم لأن الزوج مالك والمرأة مملوكة والملك لا يزول عن المحل بموت المالك ويزول بموت المحل كما في ملك اليمين فهو الفرق وحديث عائشة رضي الله عنها محمول على الغسل تسببا فمعنى قوله غسلتك قمت بأسباب غسلك كما يقال بنى الأمير دارا حملناه على هذا صيانة لمنصب النبوة عما يورث شبهة نفرة الطباع عنه وتوفيقا بين الدلائل على أنه يحتمل أنه كان مخصوصا بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت لقوله كل سبب ونسب ينقطع بالموت إلا سببي ونسبي وأما حديث علي رضي الله عنه فقد روي أن فاطمة رضي الله عنها غسلتها أم أيمن ولو ثبت أن عليا غسلها فقد أنكر عليه ابن مسعود حتى قال علي أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان معروفا بينهم أن الرجل لا يغسل زوجته وإن لم يكن هناك نساء مسلمات ومعهم امرأة كافرة علموها الغسل ويخلون بينهما حتى تغسلها وتكفنها ثم يصلي عليها الرجال ويدفنونها ( ( ( ويدفنوها ) ) ) لما ذكرنا وإن لم يكن معهم نساء لا مسلمة ولا كافرة فإن كان معهم صبي لم يبلغ حد الشهوة وأطاق الغسل علموه الغسل فيغسلها ويكفنها لما بينا وإن لم يكن معهم ذلك فإنها لا تغسل ولكنها تيمم لما ذكرنا غير أن الميمم لها إن كان محرما لها ييممها بغير خرقة وإن لم يكن محرما لها فمع الخرقة يلفها على كفه لما مر ويعرض بوجهه عن ذراعيها لأن في حالة الحياة ما كان للأجنبي أن ينظر إلى ذراعيها فكذا بعد الموت ولا بأس أن ينظر إلى وجهها كما في حالة الحياة ولو مات الصبي الذي لا يشتهى لا بأس أن تغسله النساء وكذلك الصبية التي لا تشتهى إذا ماتت لا بأس أن يغسلها الرجال لأن حكم العورة غير ثابت في حق الصغير والصغيرة ثم إذا غسل الميت يكفن
فصل والكلام في تكفينه في مواضع في بيان وجوب التكفين وفي بيان كيفية وجوبه وفي بيان كمية الكفن وفي بيان صفته وفي بيان كيفية التكفين وفي بيان من يجب عليه الكفن أما الأول فالدليل على وجه النص والإجماع والمعقول أما النص فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال البسوا هذه الثياب البيض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وظاهر الأمر لوجوب العمل وروي أن الملائكة لما غسلت آدم صلوات الله عليه كفنوه ودفنوه ثم قالت لولده هذه سنة موتاكم والسنة المطلقة في معنى الواجب والإجماع منعقد على وجوبه ولهذا توارثه الناس من لدن وفاة آدم ( صلوات الله وسلامه عليه ) إلى يومنا هذا وذا دليل الوجوب وأما المعقول فهو أن غسل الميت إنما وجب كرامة له وتعظيما ومعنى التعظيم والكرامة إنما يتم بالتكفين فكان واجبا فصل وأما كيفية وجوبه فوجوبه على سبيل الكفاية قضاء لحق الميت حتى إذا قام به البعض يسقط عن الباقين لأن حقه صار مقضيا كما في الغسل وأما الكلام في كمية الكفن فنقول أكثر ما يكفن فيه الرجل ثلاثة أثواب إزار ورداء وقميص وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يسن القميص في الكفن وإنما الكفن ثلاث لفائف واحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ولنا ما روي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه قال كفنوني في قميصي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه الذي توفي فيه وهكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب أحدها القميص الذي توفي فيه والأخذ برواية ابن عباس أولى من الأخذ بحديث عائشة لأن ابن عباس حضر تكفين رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه وعائشة ما حضرت ذلك على أن معنى قولها ليس فيها ( ( ( فيه ) ) ) قميص أي لم يتخذ قميصا جديدا وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال كفن المرأة خمسة أثواب وكفن الرجل ثلاثة ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ولأن حال ما بعد الموت يعتبر بحال حياته والرجل في حال حياته يخرج في ثلاثة أثواب عادة قميص وسراويل وعمامة فالإزار بعد الموت قائم مقام السراويل في حال الحياة لأنه في حال حياته إنما كان يلبس السراويل لئلا تنكشف عورته عند المشي وذلك غير محتاج إليه بعد موته فأقيم الإزار مقامه وكذا ( ( ( ولذا ) ) ) لم يذكر العمامة في الكفن وقد كرهه بعض مشايخنا لأنه لو فعل ذلك لصار الكفن شفعا والسنة فيه أن يكون وترا واستحسنه بعض مشايخنا لحديث ابن عمر أنه كان يعمم الميت ويجعل ذنب العمامة على وجهه بخلاف حال الحياة فإنه يرسل ذنب العمامة من قبل القفا لأن ذلك لمعنى الزينة وقد انقطع ذلك بالموت والدليل على أن السنة في حق الرجل ثلاثة أثواب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كفن في برد وحلة والحلة اسم للزوج من الثياب والبرد اسم للفرد منها وأدنى ما يكفن فيه في حالة الاختيار ثوبان إزار ورداء لقول الصديق رضي الله عنه كفنوني في ثوبي هذين ولأن أدنى ما يلبسه الرجل في حال حياته ثوبان ألا ترى أنه يجوز له أن يخرج فيهما ويصلي فيهما من غير كراهة فكذا يجوز أن يكفن فيهما أيضا ويكره أن يكفن في ثوب واحد لأن في حالة الحياة تجوز صلاته في ثوب واحد مع الكراهة فكذا بعد الموت يكره أن يكفن فيه إلا عند الضرورة بأن كان لا يوجد غيره لما روي أن مصعب بن عمير لما استشهد كفن في نمرة فكان إذا غطي بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ويجعل على رجليه شيء من الإذخر
وكذا روي أن حمزة رضي الله عنه لما استشهد كفن في ثوب واحد لم يوجد له غيره فدل على الجواز عند الضرورة والغلام المراهق كالرجل يكفن فيما يكفن فيه الرجل لأن المراهق في حال حياته يخرج فيما يخرج فيه البالغ عادة فكذا يكفن فيما يكفن فيه وإن كان صبيا لم يراهق فإن كفن في خرقتين إزار ورداء فحسن وإن كفن في إزار واحد جاز لأن في حال حياته كان يجوز الاقتصار على ثوب واحد في حقه فكذا بعد الموت وأما المرأة فأكثر ما تكفن فيه خمسة أثواب درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة هو السنة في كفن المرأة لما روي عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم ناول اللواتي غسلن ابنته في كفنها ثوبا ثوبا حتى ناولهن خمسة أثواب آخرهن خرقة تربط بها ثدييها ولما روينا عن علي رضي الله عنه ولأن المرأة في حال حياتها تخرج في خمسة أثواب عادة درع وخمار وإزار وملاءة ونقاب فكذلك بعد الموت تكفن في خمسة أثواب ثم الخرقة تربط فوق الأكفان عند الصدر فوق الثديين والبطن كيلا ينتشر عليها الكفن إذا حملت على السرير والصحيح قولنا لما روينا في حديث أم عطية أنها قالت آخرهن خرقة تربط بها ثدييها وأدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب إزار ورداء وخمار لأن معنى الستر في حالة الحياة يحصل بثلاثة أثواب حتى يجوز لها أن تصلي فيها وتخرج فكذلك بعد الموت ويكره أن تكفن المرأة في ثوبين وأما الصغيرة فلا بأس بأن تكفن في ثوبين والجارية المراهقة بمنزلة البالغة في الكفن لما ذكرنا والسقط يلف في خرقة لأنه ليس له حرمة كاملة ولأن الشرع إنما ورد بتكفين الميت واسم الميت لا ينطلق عليه كما لا ينطلق على بعض الميت وكذا من ولد ميتا أو وجد طرف من أطراف الإنسان أو نصفه مشقوقا طولا أو نصفه مقطوعا عرضا لكن ليس معه الرأس لما قلنا فإن كان معه الرأس ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يكفن وعلى قياس ما ذكره القدوري في شرحه مختصر الكرخي في الغسل يلف في خرقة لما ذكرنا في فصل الغسل وإن وجد أكثره يكفن لأن للأكثر حكم الكل وكذا الكافر إذا مات وله ذو رحم محرم مسلم يغسله ويكفنه لكن في خرقة لأن التكفين على وجه السنة من باب الكرامة للميت ولا يكفن الشهيد كفنا جديدا غير ثيابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم زملوهم بثيابهم وكلومهم فصل وأما صفة الكفن فالأفضل أن يكون التكفين بالثياب البيض لما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب الثياب إلى الله تعالى البيض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم وقال النبي صلى الله عليه وسلم حسنوا أكفان الموتى فإنهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم وقال صلى الله عليه وسلم إذا ولي أحدكم أخاه ميتا فليحسن كفنه والبرود والكتان والقصب كل ذلك حسن والخلق إذا غسل والجديد سواء لما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما فإنهما للمهل والصديد وإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت والحاصل أن ما يجوز لكل جنس أن يلبسه في حياته يجوز أن يكفن فيه بعد موته حتى يكره أن يكفن الرجل في الحرير والمعصفر والمزعفر ولا يكره للنساء ذلك اعتبارا باللباس في حال الحياة فصل وأما كيفية التكفين