Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
هذا إذا كان العبد محجورا أو كان مأذونا لكنه لم يكن عليه دين مستغرق لرقبته لأن كسبه ملك المولى فالدفع يقع إلى المولى وهو غني فلا يجوز ذلك وإن كان عليه دينا ( ( ( دين ) ) ) مستغرق لكنه غير ظاهر في حق المولى لأنه يتأخر إلى ما بعد العتاق فكان كسبه ملك المولى وهو غني وأما إذا كان ظاهرا في حق المولى كدين الإستهلاك ودين التجارة فينبغي أن يجوز على قول أبي حنيفة لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون دينا مستغرقا ظاهرا في حقه وعندهما لا يجوز لأنه يملك كسبه عندهما ويجوز الدفع إلى مكاتب الغني لأن كسب المالك المكاتب ملكه من حيث الظاهر وإنما يملكه المولى بالعجز ولم يوجد وأما ولد الغني فإن كان صغيرا لم يجز الدفع إليه وإن كان فقيرا لا مال له لأن الولد الصغير يعد غنيا بغنا ( ( ( بغنى ) ) ) أبيه وإن كان كبيرا فقيرا يجوز لأنه لا يعد غنيا بمال أبيه فكان كالأجنبي ولو دفع إلى امرأة فقيرة وزوجها غني جاز في قول أبي حنيفة ومحمد وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف وروي عنه أنها لا تعطى إذا قضى لها بالنفقة وجه هذه الرواية أن نفقة المرأة تجب على زوجها فتصير غنية بغنا ( ( ( بغنى ) ) ) الزوج كالولد الصغير وإنما شرط القضاء لها بالنفقة لأن النفقة لا تصير دينا بدون القضاء وجه ظاهر الرواية أن المرأة الفقيرة لا تعد غنية بغنا ( ( ( بغنى ) ) ) زوجها لأنها لا تستحق على زوجها إلا مقدار النفقة فلا تعد بذلك القدر غنية وكذا يجوز الدفع إلى فقير له ابن غني وإن كان يجب عليه نفقته لما قلنا إن تقدر النفقة لا يصير غنيا فيجوز الدفع إليه وأما صدقة الوقف فيجوز صرفها إلى الأغنياء إن سماهم الواقف في الوقف ذكره الكرخي في مختصره وإن لم يسمهم لا يجوز لأنها صدقة واجبة ثم لا بد من معرفة حد الغنا فنقول الغنا أنواع ثلاثة غنى تجب به الزكاة وغنى يحرم به أخذ الصدقة وقبولها ولا تجب به الزكاة وغنى يحرم به السؤال ولا يحرم به الأخذ أما الغنا الذي تجب به الزكاة فهو بأن يملك نصابا من المال النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية وأما الغنا الذي يحرم به أخذ الصدقة وقبولها فهو الذي تجب به صدقة الفطر والأضحية وهو أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته وتبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم من الثياب والفرش والدور والحوانيث ( ( ( والحوانيت ) ) ) والدواب والخدم زيادة على ما يحتاج إليه كل ذلك للابتذال والاستعمال لا للتجارة والإسامة فإذا فضل من ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم وجب عليه صدقة الفطر والأضحية وحرم عليه أخذ الصدقة ثم قدر الحاجة ما ذكره الكرخي في مختصره فقال لا بأس بأن يعطي من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرس وسلاح وثياب البدن وكتب العلم إن كان من أهله فإن كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة لما روي عن الحسن البصري أنه قال كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخادم ( ( ( والخدم ) ) ) والدار وقوله كانوا كناية عن أصحاب رسول الله وهذا لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لا بد للإنسان منها فكان وجودها وعدمها سواء وذكر في الفتاوى فيمن له حوانيت ودور الغلة لكن غلتها لا تكفيه ولعياله أنه فقير ويحل له أخذ الصدقة عند محمد وزفر وعند أبي يوسف لا يحل وعلى هذا إذا كان له أرض وكرم لكن غلته لا تكفيه ولعياله ولو كان عنده طعام للقوت يساوي مائتي درهم فإن كان كفاية شهر تحل له الصدقة وإن كان كفاية سنة قال بعضهم لا تحل وقال بعضهم تحل لأن ذلك مستحق الصرف إلى الكفاية والمستحق ملحق بالعدم
وقد روي أن رسول الله ادخر لنسائه قوت سنة ولو كان له كسوة شتاء وهو لا يحتاج إليها في الصيف يحل له أخذ الصدقة ذكر هذه الجملة في الفتاوى وهذا قول أصحابنا وقال مالك من ملك خمسين درهما لا يحل له أخذ الصدقة ولا يباح أن يعطى واحتج بما روي عن علي وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أنهم قالوا لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو عوضها من الذهب وهذا نص في الباب ولنا حديث معاذ حيث قال له النبي خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم قسم الناس قسمين الأغنياء والفقراء فجعل الأغنياء يؤخذ منهم والفقراء يرد فيهم فكل من لم يؤخذ ( ( ( تؤخذ ) ) ) منه يكون مردودا فيه وما رواه مالك محمول على حرمة السؤال معناه لا يحل سؤال الصدقة لمن له خمسون درهما أو عوضها ( ( ( عوضهما ) ) ) من الذهب أو يحمل ذلك على كراهة الأخذ لأن من له سداد من العيش فالتعفف أولى لقول النبي من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله وقال الشافعي يجوز دفع الزكاة إلى رجل له مال كثير ولا كسب له وهو يخاف الحاجة ويجوز له الأخذ وهذا فاسد لأن هذا دفع الزكاة إلى الغني ولا سبيل إليه لما بينا وخوف حدوث الحاجة في الثاني لا يجعله فقيرا في الحال ألا ترى ( ( ( تر ) ) ) أنه لا يعتبر ذلك في سقوط الوجوب حتى تجب عليه الزكاة فكذا في جواز الأخذ ولو كان الفقير قويا مكتسبا يحل له أخذ الصدقة عندنا وعند الشافعي لا يحل واحتج بقول النبي لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي وفي بعض الروايات ولا لقوي مكتسب ولنا ما روى عن سلمان الفارسي أنه قال حمل إلى رسول الله صدقة فقال لأصحابه كلوا ولم يأكل ومعلوم أنه لا يتوهم أن أصحابه رضي الله عنهم كانوا كلهم زمنى بل كان بعضهم قويا مكتسبا وما رواه الشافعي محمول على حرمة الطلب والسؤال فإن ذلك للزجر عن المسألة والحمل على الكسب والدليل عليه ما روي أن النبي قال للرجلين الذين ( ( ( اللذين ) ) ) سألاه إن شئتما أعطيتكما منه ولا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب ولو كان حراما لم يكن النبي ليعطيهما الحرام ولكن قال ذلك للزجر عن السؤال والحمل على الكسب كذا هذا ويكره لمن عليه الزكاة أن يعطي فقيرا مائتي درهم أو أكثر ولو أعطى جاز وسقط عنه الزكاة في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز ولا يسقط وجه قوله إن هذا نصاب كامل فيصير غنيا بهذا المال ولا يجوز الصرف إلى الغني ولنا أنه إنما يصير غنيا بعد ثبوت الملك له فأما قبله فقد كان فقيرا فالصدقة لاقت كف الفقير فجازت وهذا لأن الغنا يثبت بالملك والقبض شرط ثبوت الملك فيقبض ثم يملك المقبوض ثم يصير غنيا ألا ترى أنه يكره لأن المنتفع به يصير هو الغني وذكر في الجامع الصغير وإن يغني به إنسانا أحب إلي ولم يرد به الإغناء المطلق لأن ذلك مكروه لما بينا وإنما أراد به المقيد وهو أنه يغنيه يوما أو أياما عن المسألة لأن الصدقة وضعت لمثل هذه الإغناء قال النبي في صدقة الفطر أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم هذا إذا أعطى مائتي درهم وليس عليه دين ولا له عيال فإن كان عليه دين فلا بأس بأن يتصدق عليه قدر دينه وزيادة ما دون المائتين وكذا إذا كان له عيال يحتاج إلى نفقتهم وكسوتهم
وأما الغنا الذي يحرم به السؤال فهو أن يكون له سداد عيش بأن كان له قوت يومه لما روي عن رسول الله أنه قال من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قيل يا رسول الله وما ظهر الغنا قال أن يعلم أن عنده ما يغديهم أو يعشيهم فإن لم يكن له قوت يومه ولا ما يستر به عورته يحل له أن يسأل لأن الحال حال الضرورة وقد قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وترك السؤال في هذا الحال إلقاء النفس في التهلكة وأنه حرام فكان له أن يسأل بل يجب عليه ذلك ومنها أن يكون مسلما فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر بلا خلاف لحديث معاذ رضي الله عنه خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون فلا يجوز وضعها في غيرهم وأما ما سوى الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور فلا شك في أن صرفها إلى فقراء المسلمين أفضل لأن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطاعة وهل يجوز صرفها إلى أهل الذمة قال أبو حنيفة ومحمد يجوز وقال أبو يوسف لا يجوز وهو قول زفر والشافعي وجه قولهم الاعتبار بالزكاة وبالصرف إلى الحربي ولهما قوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم من غير فصل بين فقير وفقير وعموم هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم إلا أنه خص منه الزكاة لحديث معاذ رضي الله عنه وقوله تعالى في الكفارات فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم من غير فصل بين مسكين ومسكين إلا أنه خص منه الحربي بدليل ولأن صرف الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم وما نهينا عن ذلك قال الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين وظاهر هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم لأن أداء الزكاة بر بهم إلا أن البر بطريق الزكاة غير مراد عرفنا ذلك بحديث معاذ رضي الله عنه وإنما لا يجوز صرفها إلى الحربي لأن في ذلك إعانة لهم على قتالنا وهذا لا يجوز وهذا المعنى لم يوجد في الذمي ومنها أن لا يكون من بني هاشم لما روي عن رسول الله أنه قال يا معشر بني هاشم إن الله كره لكم غسالة الناس وعوضكم منها بخمس الخمس من الغنيمة وروي عنه أنه قال إن الصدقة محرمة على بني هاشم وروي أنه رأى في الطريق تمرة فقال لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ثم قال إن الله حرم عليكم يا بني هاشم غسالة أيدي الناس والمعنى ما أشار إليه أنها من غسالة الناس فيتمكن فيها الخبث فصان الله تعالى بني هاشم عن ذلك تشريفا لهم وإكراما وتعظيما لرسول الله ومنها أن لا يكون من مواليهم لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال استعمل رسول الله أرقم بن أبي أرقم الزهري على الصدقات فاستتبع أبا رافع فأتى النبي فسأله فقال يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد وأن موالي القوم من أنفسهم أي في حرمة الصدقة لإجماعنا على أن مولى القوم ليس منهم في جميع الأحكام ألا ترى أنه ليس بكفء لهم وكذا مولى المسلم إذا كان كافرا تؤخذ منه الجزية ومولى التغلبي تؤخذ منه الجزية ولا تؤخذ منه الصدقة المضاعفة فدل أن المراد منه في حرمة الصدقة خاصة وبنو هاشم الذين تحرم عليهم الصدقات آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب كذا ذكره الكرخي
ومنها أن لا تكون منافع الأملاك متصلة بين المؤدي وبين المؤدي إليه لأن ذلك يمنع وقوع الأداء تمليكا من الفقير من كل وجه بل يكون صرفا إلى نفسه من وجه وعلى هذا يخرج الدفع إلى الوالدين وإن علوا والمولودين وإن سفلوا لأن أحدهما ينتفع بمال الآخر ولا يجوز أن يدفع الرجل الزكاة إلى زوجته بالإجماع وفي دفع المرأة إلى زوجها اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ذكرناه فيما تقدم وأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء والدفع إليهم أولى لأن فيه أجرين أجر الصدقة وأجر الصلة وكونه دفعا إلى نفسه من وجه لا يمنع صدقة التطوع قال النبي نفقة الرجل على نفسه صدقة وعلى عياله صدقة وكل معروف صدقة ويجوز دفع الزكاة إلى من سوى الوالدين والمولودين من الأقارب ومن الإخوة والأخوات وغيرهم لانقطاع منافع الأملاك بينهم ولهذا تقبل شهادة البعض على البعض والله أعلم هذا الذي ذكرنا ( ( ( ذكرناه ) ) ) إذا دفع الصدقة إلى إنسان على علم منه بحاله أنه محل الصدقة فأما إذا لم يعلم بحاله ودفع إليه فهذا على ثلاثة أوجه في وجه هو على الجواز حتى يظهر خطأه وفي وجه على الفساد حتى يظهر صوابه وفي وجه فيه تفصيل على الوفاق والخلاف أما الذي هو على الجواز حتى يظهر خطأه فهو أن يدفع زكاة ماله إلى رجل ولم يخطر بباله وقت الدفع ولم يشك في أمره فدفع إليه فهذا على الجواز إلا إذا ظهر بعد الدفع أنه ليس محل الصدقة فحينئذ لا يجوز لأن الظاهر أنه صرف الصدقة إلى محلها حيث نوى الزكاة عند الدفع والظاهر لا يبطل إلا باليقين فإذا ظهر بيقين أنه ليس بمحل الصدقة ظهر أنه لم يجز وتجب عليه الإعادة وليس له أن يسترد ما دفع إليه ويقع تطوعا حتى أنه لو خطر بباله بعد ذلك وشك فيه ولم يظهر له شيء لا تلزمه الإعادة لأن الظاهر لا يبطل بالشك وأما الذي هو على الفساد حتى يظهر جوازه فهو أنه خطر بباله وشك في أمره لكنه لم يتحر ولا طلب الدليل أو تحرى بقلبه لكنه لم يطلب الدليل فهو على الفساد إلا إذا ظهر أنه محل بيقين أو بغالب الرأي فحينئذ يجوز لأنه لما شك وجب عليه التحري والصرف إلى من وقع عليه تحريه فإذا ترك لم يوجد الصرف إلى من أمر بالصرف إليه فيكون فاسدا إلا إذا ظهر أنه محل فيجوز وأما الوجه الذي فيه تفصيل على الوفاق والخلاف فهو إن خطر بباله وشك في أمره وتحرى ووقع تحريه على أنه محل الصدقة فدفع إليه جاز بالإجماع وكذا إن لم يتحر ولكن سأل عن حاله فدفع أو رآه في صف الفقراء أو على زي الفقراء فدفع فإن ظهر أنه كان محلا جاز بالإجماع وكذا إذا لم يظهر حاله عنده وأما إذا ظهر أنه لم يكن محلا بأن ظهر أنه غني أو هاشمي أو مولي لهاشمي أو كافر أو والد أو مولود أو زوجة يجوز وتسقط عنه الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد ولا يلزمه ( ( ( تلزمه ) ) ) الإعادة وعند أبي يوسف لا يجوز وتلزمه الإعادة وبه أخذ الشافعي وروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة في الوالد والولد والزوجة أنه لا يجوز كما قال أبو يوسف ولو ظهر أنه عبده أو مدبره أو أم ولده أو مكاتبه لم يجز وعليه الإعادة في قولهم جميعا ولو ظهر أنه مستسعاه لم يجز عند أبي حنيفة لأنه بمنزلة المكاتب عنده وعندهما يجوز لأنه حر عليه دين وجه قول أبي يوسف أن هذا مجتهد ظهر خطأه بيقين فبطل اجتهاده وكما لو تحرى في ثياب أو أواني وظهر خطأه فيها وكما لو صرف ثم ظهر أنه عبده أو مدبره أو أم ولده أو مكاتبه
ولهما أنه صرف الصدقة إلى من أمر بالصرف إليه فيخرج عن العهدة كما إذا صرف ولم يظهر حاله بخلافه ودلالة ذلك أنه مأمور بالصرف إلى من هو محل عنده وفي ظنه واجتهاده لا على الحقيقة إذ لا علم له بحقيقة الغنا والفقر لعدم إمكان الوقوف على حقيقتهما وقد صرف إلى من أدى اجتهاده أنه محل فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة بخلاف الثياب والأواني لأن العلم بالثوب الطاهر والماء الطاهر ممكن فلم يأت بالمأمور به فلم يجز وبخلاف ما إذا ظهر أنه عبده لأن الوقوف على ذلك بأمارات تدل عليه ممكن على أن معنى صرف الصدقة وهو التمليك هناك لا يتصور لاستحالة تمليك الشيء من نفسه وقوله ظهر خطأه بيقين ممنوع وإنما يكون كذلك إن لو قلنا أنه صار محل الصدقة باجتهاده فلا نقول كذلك بل المحل المأمور بالصرف إليه شرعا حالة الاشتباه وهو من وقع عليه التحري وعلى هذا لا يظهر خطأه ولهما في الصرف إلى ابنه وهو لا يعلم به الحديث المشهور وهو ما روي أن يزيد بن معن دفع صدقته إلى رجل وأمره بأن يأتي المسجد ليلا فيتصدق بها فدفعها إلى ابنه معن فلما أصبح رآها في يده فقال له لم أردك بها فاختصما إلى رسول الله فقال يا معن لك ما أخذت ويا يزيد لك ما نويت والله تعالى أعلم فصل وأما حولان الحول فليس من شرائط جواز أداء الزكاة عند عامة العلماء وعند مالك من شرائط الجواز فيجوز تعجيل الزكاة عند عامة العلماء خلافا لمالك والكلام في التعجيل في مواضع في بيان أصل الجواز وفي بيان شرائطه وفي بيان حكم المعجل إذا لم يقع زكاة أما الأول فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وجه قول مالك أن أداء الزكاة أداء الواجب وأداء الواجب ولا وجوب لا يتحقق ولا وجوب قبل الحول لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ولنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من العباس زكاة سنتين وأدنى درجات فعل النبي صلى الله عليه وسلم الجواز وأما قوله أن أداء الزكاة أداء الواجب ولا وجوب قبل حولان الحول فالجواب عنه من وجهين أحدهما ممنوع أنه لا وجوب قبل حولان الحول بل الوجوب ثابت قبله لوجود سبب الوجوب وهو ملك نصاب كامل نام أو فاضل عن الحاجة الأصلية لحصول الغنا به ولوجوب شكر نعمة المال على ما بينا فيما تقدم ثم من المشايخ من قال بالوجوب توسعا وتأخير الأداء إلى مدة الحول ترفيها وتيسيرا على أرباب الأموال كالدين المؤجل فإذا عجل فلم يترفه فيسقط الواجب كما في الدين المؤجل فمنهم من قال بالوجوب لكن لا على سبيل التأكيد وإنما يتأكد الوجوب بآخر الحول ومنهم من قال بالوجوب في أول الحول لكن بطريق الاستناد وهو أن يجب أولا في آخر الحول ثم يستند الوجوب إلى أوله لاستناد سببه وهو كون النصاب حوليا فيكون التعجيل أداء بعد الوجوب لكن بالطريق الذي قلنا فيقع زكاة والثاني ( ( ( الثاني ) ) ) إن سلمنا أنه لا وجوب قبل الحول لكن سبب الوجوب موجود وهو ملك النصاب ويجوز أداء العبادة قبل الوجوب بعد وجود سبب الوجوب كأداء الكفارة بعد الجرح قبل الموت وسواء عجل عن نصاب واحد أو اثنين أو أكثر من ذلك مما يستفيده في السنة عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز إلا عن النصاب الموجود حتى لو كان له مائتا درهم فعجل زكاة الألف وذلك خمسة وعشرون ثم استفاد مالا أو ربح في ذلك المال حتى صار ألف درهم فتم الحول وعنده ألفا درهم جاز عن الكل عندنا وعند زفر لا يجوز إلا عن المائتين وجه قوله أن التعجيل عما سوى المائتين تعجيل قبل وجود السبب فلا يجوز كما لو عجل قبل ملك المائتين
ولنا أن ملك النصاب موجود في أول الحول والمستفاد على ملك النصاب في الحول كالموجود من ابتداء الحول بدليل وجوب الزكاة فيه عند حولان الحول فلو لم يجعل كالموجود في أول الحول لما وجبت الزكاة فيه لقوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول وإذا كان كذلك جعلت الألف كأنها كانت موجودة في ابتداء الحول ليصير مؤديا بعد وجود الألف تقديرا فجاز والله تعالى أعلم فصل وأما شرائط الجواز فثلاثة أحدها ( ( ( أحدهما ) ) ) كمال النصاب في أول الحول والثاني كماله في آخر الحول والثالث أن لا ينقطع النصاب فيما بين ذلك حتى لو عجل وله في أول الحول أقل من النصاب ثم كمل في آخره فتم الحول والنصاب كامل لم يكن المعجل زكاة بل كان تطوعا وكذا لو عجل والنصاب كامل ثم هلك نصفه مثلا فتم الحول والنصاب غير كامل لم يجز التعجيل وإنما كان كذلك لأن المعتبر كمال النصاب في طرفي الحول ولأن سبب الوجوب هو النصاب فأحد الطرفين حال انعقاد السبب والطرف الآخر حال الوجوب أو حال تأكد الوجوب بالسبب وما بين ذلك ليس بحال الانعقاد ولا حال الوجوب إذ تأكد الوجوب بالسبب فلا معنى لاشتراط النصاب عنده ولأن في اعتبار كمال النصاب فيما بين ذلك حرجا لأن التجار يحتاجون إلى النظر في ذلك كل يوم وكل ساعة وفيه من الحرج ما لا يخفى ولا حرج في مراعاة الكمال في أول الحول وآخره وكذلك جرت عادة التجار بتعرف رؤوس أموالهم في أول الحول وآخره ولا يلتفتون إلى ذلك في أثناء الحول إلا أنه لا بد من بقاء شيء من النصاب وإن قل في أثناء الحول ليضم المستفاد إليه ولأنه إذا هلك النصاب الأول كله فقد انقطع حكم الحول فلا يمكن إبقاء المعجل زكاة فيقع تطوعا ولو كان له نصاب في أول الحول فعجل زكاته وانتقص النصاب ولم يستفد شيئا حتى حال الحول والنصاب ناقص لم يجز التعجيل ويقع المؤدى تطوعا ولا يعتبر المعجل في تمام النصاب عندنا وعند الشافعي يكمل النصاب بما عجل ويقع زكاة وصورته إذا عجل خمسة عن مائتين ولم يستفد شيئا حتى حال الحول وعنده مائة وخمسة وتسعون أو عجل شاة من أربعين فحال عليها الحول وعنده تسعة وثلاثون لم يجز التعجيل عندنا وعنده جائز وجه قوله إن المعجم ( ( ( المعجل ) ) ) وقع زكاة عن كل النصاب فيعتبر في إتمام النصاب ولنا أن المؤدى مال أزال ملكه عنه بنية الزكاة فلا يكمل به النصاب كما لو هلك في يد الإمام ولو استفاد خمسة في آخر الحول جاز التعجيل لوجود كمال النصاب في طرفي الحول ولو كان له مائتا درهم فعجل زكاتها خمسة فانتقص النصاب ثم استفاد ما يكمل به النصاب بعد الحول في أول الحول الثاني وتم الحول الثاني والنصاب كامل فعليه الزكاة للحول الثاني وما عجل يكون تطوعا لأنه عجل للحول الأول ولم تجب عليه الزكاة للحول الأول لنقصان النصاب في آخر الحول ولو كان له مائتا درهم فعجل خمسة منها ثم تم الحول والنصاب ناقص ودخل الحول الثاني وهو ناقص ثم تم الحول الثاني وهو كامل لا تجزي الخمسة عن السنة الأولى ولا عن السنة الثانية لأن في السنة الأولى كان النصاب ناقصا في آخرها وفي السنة الثانية كان ناقصا في أولها فلم تجب الزكاة في السنتين فلا يقع المؤدى زكاة عنهما ولو كان له مائتا ( ( ( مائتي ) ) ) درهم فحال الحول وأدى خمسة منها حتى انتقص منها خمسة ثم إنه عجل عن السنة الثانية خمسة حتى انتقص منها خمسة أخرى فصار المال مائة وتسعين فتم الحول الثاني وقد استفاد عشرة حتى حال الحول على المائتين ذكر في الجامع أن الخمة ( ( ( الخمسة ) ) ) التي عجل للحول الثاني جائزة
طعن عيسى بن أبان وقال ينبغي أن لا تجزئه هذه الخمسة عن السنة الثانية لأن الحول الأول لما تم وجبت الزكاة وصارت خمسة من المائتين واجبة ووجوب الزكاة يمنع وجوب الزكاة فانعقد الحول الثاني والنصاب ناقص فكان تعجيل الخمسة عن السنة الثانية تعجيلا حال نقصان النصاب فلم يجز والجواب أن الزكاة تجب بعد تمام السنة الأولى وتمام السنة الأولى يتعقبه الجزء الأول من السنة الثانية والوجوب ثبت مقارنا لذلك الجزء والنصاب كان كاملا في ذلك الوقت ثم انتقص بعد ذلك وهو حال وجود الجزء الثاني من السنة الثانية فكان ذلك نقصان النصاب في أثناء الحول ولا عبرة به عند وجود الكمال في طرفيه وقد وجد ههنا فجاز التعجيل لوجود حال كمال النصاب فصل وأما حكم المعجل إذا لم يقع زكاة أنه إن وصل إلى يد الفقير يكون تطوعا سواء وصل إلى يده من يد رب المال أو من يد الإمام أو نائبه وهو الساعي لأنه حصل أصل القربة وإنما التوقف في صفة الفرضية وصدقة التطوع لا يحتمل الرجوع فيها بعد وصولها إلى يد الفقير وإن كان المعجل في يد الإمام قائما له أن يسترده لأنه لما لم يصل إلى يد الفقير لم يتم الصرف لأنه يد المصدق في الصدقة المعجلة يد المالك من وجه لأنه مخير في دفع المعجل إليه وإن كان يد الفقير من وجه من حيث أنه يقبض له فلم يتم الصرف فلم تقع صدقة أصلا وإن هلك في يده لا يضمن عندنا وقال الشافعي إن استسلف الإمام بغير مسألة رب المال ولا أهل السهمان يضمن وهذا فاسد لأن الضمان إنما يجب على الإنسان بفعله وفعله الأخذ وأنه مأذون فيه فلا يصلح سببا لوجوب الضمان والهلاك ليس من صنعه بل هو محض صنع الله تعالى أعني مصنوعه ولو دفع الإمام المعجل إلى فقير فأيسر الفقير قبل تمام الحول أو مات أو ارتد جاز عن الزكاة عندنا وقال الشافعي يسترده الإمام إلا أن يكون يساره من ذلك المال وجه قوله أن كون المعجل زكاة إنما يثبت عند تمام الحول وهو ليس محل الصرف في ذلك الوقت فلا يقع زكاة إلا إذا كان يساره من ذلك المال لأنه حينئذ يكون أصلا فلا يقطع التبع عن أصله ولنا أن الصدقة لاقت كف الفقير فوقعت موقعها فلا تتغير بالغنا ( ( ( بالغنى ) ) ) الحادث بعد ذلك كما إذا دفعها إلى الفقير بعد حولان الحول ثم أيسر ولو عجل زكاة ماله ثم هلك المال لم يرجع على الفقير عندنا وقال الشافعي يرجع عليه إذا كان قال له إنها معجلة وهذا غير سديد لأن الصدقة وقعت في محل الصدقة وهو الفقير بنية الزكاة فلا يحتمل الرجوع كما إذا لم يقل إنها معجلة ولو كان له دراهم أو دنانير أو عروض للتجارة فعجل زكاة جنس منها ثم هلك بعض المال جاز المعجل عن الباقي لأن الكل في حكم مال واحد بدليل أنه يضم البعض إلى البعض في تكميل النصاب فكانت نية التعيين في التعجيل لغوا كما لو كان له ألف درهم فعجل زكاة المائتين ثم هلك بعض المال وهذا بخلاف السوائم المختلفة بأن كان له خمس من الإبل وأربعون من الغنم فعجل شاة عن خمس من الإبل ثم هلكت الإبل أن المعجل لا يجوز عن زكاة الغنم لأنهما مالان مختلفان صورة ومعنى فكان نية التعيين صحيحة فالتعجيل عن أحدهما لا يقع عن الآخر والله أعلم فصل وأما بيان ما يسقطها بعد وجوبها فالمسقط لها بعد الوجوب أحد الأشياء الثلاثة منها هلاك النصاب بعد الحول قبل التمكن من الأداء وبعده عندنا وعند الشافعي لا يسقط بالهلاك بعد التمكن والمسألة قد مضت ومنها الردة عندنا وقال الشافعي الردة لا تسقط الزكاة الواجبة حتى لو أسلم لا يجب عليه الأداء عندنا وعنده يجب
وجه قوله أن المرتد قادر على أداء ما وجب عليه لكن بتقديم شرطه وهو الإسلام فإذا أسلم وجب عليه الأداء كالمحدث والجنب أنهما قادران على أداء الصلاة لكن بواسطة الطهارة فإذا وجدت الطهارة يجب عليهما ( ( ( عليها ) ) ) الأداء كذا هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله ولأن المرتد ليس من أهل أداء العبادة فلا يكون من أهل وجوبها فتسقط عنه بالردة وما ذكر أنه قادر على الأداء بتقديم شرطه وهو الإسلام كلام فاسد لما فيه من جعل الأصل تبعا لتبعه وجعل التبع أصلا لمتبوعه على ما بينا فيما تقدم ومنها موت من عليه الزكاة من غير وصية عندنا وعند الشافعي لا تسقط وجملة الكلام فيه أن من عليه الزكاة إذا مات قبل أدائها فلا يخلو إما إن كان أوصى بالأداء وإما إن كان لم يوص فإن كان لم يوص تسقط عنه في أحكام الدنيا حتى لا تؤخذ من تركته ولا يؤمر الوصي أو الوارث بالأداء من تركته عندنا وعنده تؤخذ من تركته وعلى هذا الخلاف إذا مات من عليه صدقة الفطر أو النذر أو الكفارات أو الصوم أو الصلاة أو النفقات أو الخراج أو الجزية لأنه لا يستوفى من تركته عندنا وعنده يستوفى من تركته وإن مات من عليه العشر فإن كان الخارج قائما فلا يسقط بالموت في ظاهر الرواية وروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أنه يسقط ولو كان استهلك الخارج حتى صار دينا في ذمته فهو على هذا الاختلاف وإن كان أوصى بالأداء لا يسقط ويؤدي من ثلث ماله عندنا وعند الشافعي من جميع ماله والكلام فيه بناء على أصلين أحدهما ما ذكرناه ( ( ( ذكرنا ) ) ) فيما تقدم وهو أن الزكاة عبادة عندنا والعبادة لا تتأدى إلا باختيار من عليه إما بمباشرته بنفسه أو بأمره أو إنابته غيره فيقوم النائب مقامه فيصير مؤديا بيد النائب وإذا أوصى فقد أناب وإذا لم يوص فلم ينب فلو جعل الوارث نائبا عنه شرعا من غير إنابته لكان ذلك إنابة جبرية والجبر ينافي العبادة إذ العبادة فعل يأتيه العبد باختياره ولهذا قلنا أنه ليس للإمام أن يأخذ الزكاة من صاحب المال من غير إذنه جبرا ولو أخذ لا تسقط عنه الزكاة والثاني أن الزكاة وجبت بطريق الصلة ألا ترى أنه لا يقابلها عوض مالي والصلاة ( ( ( والصلات ) ) ) تسقط بالموت قبل التسليم والعشر مؤنة الأرض وكما ثبت ثبت مشتركا لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض أضاف المخرج إلى الكل الأغنياء والفقراء جميعا فإذا ثبت مشتركا فلا يسقط بموته وعنده الزكاة حق العبد وهو الفقير فأشبه سائر الديون وإنها لا تسقط بموت من عليه كذا هذا ولو مات من عليه الزكاة في خلال الحول ينقطع حكم الحول عندنا وعند الشافعي لا ينقطع بل يبني الوارث عليه فإذا تم الحول أدى الزكاة والكلام فيه أيضا مبني على ما ذكرنا وهو أن الزكاة عبادة عندنا فيعتبر فيه جانب المؤدي وهو المالك وقد زال ملكه بموته فينقطع حوله وعنده ليست بعبادة بل هي مؤنة الملك فيعتبر قيام نفس الملك وأنه قائم إذ الوارث يخلف المورث في عين ما كان للمورث والله تعالى أعلم فصل وأما زكاة الزروع والثمار وهو العشر فالكلام في هذا النوع أيضا يقع في مواضع في بيان فرضيته وفي بيان كيفية الفرضية وفي بيان سبب الفرضية وفي بيان شرائط الفرضية وفي بيان القدر المفروض وفي بيان صفته وفي بيان من له ولاية الأخذ وفي بيان وقت الفرض وفي بيان ركنه وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يسقطه وفي بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال وفي بيان مصارفها أما الأول فالدليل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده قال عامة أهل التأويل إن الحق المذكور هو العشر أو نصف العشر
فإن قيل إن الله تعالى أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد ومعلوم أن زكاة الحبوب لا تخرج يوم الحصاد بل بعد التنقية والكيل ليظهر مقدارها فيخرج عشرها فدل أن المراد به غير العشر فالجواب أن المراد منه والله أعلم وآتوا حقه الذي وجب فيه يوم حصاده بعد التنقية فكان اليوم ظرفا للحق لا للإيتاء على أن عند أبي حنيفة يجب العشر في الخضروات ( ( ( الخضراوات ) ) ) وإنما يخرج الحق منها يوم الحصاد وهو القطع ولاينتظر شيء آخر فثبت أن الآية في العشر إلا أن مقدار هذا الحق غير مبين في الآية فكانت الآية مجملة في حق المقدار ثم صارت مفسرة ببيان النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر كقوله تعالى وآتوا الزكاة أنها مجملة في حق المقدار فبينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في مائتي درهم خمسة دراهم فصار مفسرا كذا هذا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وفي الآية دلالة على أن للفقراء حقا في المخرج من الأرض حيث أضاف المخرج إلى الكل فدل على أن للفقراء في ذلك حقا كما أن للأغنياء فيدل على كون العشر حق الفقراء ثم عرف مقدار الحق بالسنة وأما السنة فما روينا وهو قوله صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضية العشر وأما المعقول فعلى نحو ما ذكرنا في النوع الأول لأن إخراج العشر إلى الفقير من باب شكر النعمة وإقدار العاجز وتقويته على القيام بالفرائض ومن باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها وكل ذلك لازم عقلا وشرعا والله أعلم فصل وأما الكلام في كيفية فرضية هذا النوع فعلى نحو الكلام في كيفية فرضية النوع الأول وقد مضى الكلام فيه فصل وأما سبب فرضيته فالأرض النامية بالخارج حقيقة وسبب وجوب الخراج الأرض ( ( ( للأرض ) ) ) النامية بالخارج حقيقة أو تقديرا حتى لو أصاب الخارج آفة فهلك لا يجب فيه العشر في الأرض العشرية ولا الخراج في الأرض الخراجية لفوات النماء حقيقة وتقديرا ولو كانت الأرض عشرية فتمكن من زراعتها فلم تزرع لا يجب العشر لعدم الخارج حقيقة ولو كانت أرض خراجية يجب الخراج لوجود الخارج تقديرا ولو كانت أرض الخراج نزة أو غلب عليها الماء بحيث لا يستطاع فيها الزراعة أو سبخة أو لا يصل إليها الماء فلا خراج فيه لانعدام الخارج فيه حقيقة وتقديرا وعلى هذا يخرج تعجيل الشر ( ( ( العشر ) ) ) وأنه على ثلاثة أوجه في وجه يجوز بلا خلاف وفي وجه لا يجوز بلا خلاف وفي وجه فيه خلاف أما الذي يجوز بلا خلاف فهو أن يعجل بعد الزراعة وبعد النبات لأنه تعجيل بعد وجود سبب الوجوب وهو الأرض النامية بالخارج حقيقة ألا ترى أنه لو قصله ( ( ( فصله ) ) ) هكذا يجب العشر وأما الذي لا يجوز بلا خلاف فهو أن يعجل قبل الزراعة لأنه عجل قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب لانعدام الأرض النامية بالخارج حقيقة لانعدام الخارج حقيقة وأما الذي فيه خلاف فهو أن يعجل بعد الزراعة قبل النبات قال أبو يوسف يجوز وقال محمد لا يجوز وجه قول محمد أن سبب الوجوب لم يوجد لانعدام الأرض النامية بالخارج لا الخارج فكان تعجيلا قبل وجوب ( ( ( وجود ) ) ) السبب فلم يجز كما لوعجل قبل الزراعة وجه قول أبي يوسف أن سبب الخروج موجود وهو الزراعة فكان تعجيلا بعد وجود السبب فيجوز وأما تعجيل عشر الثمار فإن عجل بعد طلوعها جاز بالإجماع وإن عجل قبل الطلوع ذكر الكرخي أنه على الاختلاف الذي ذكرنا في الزرع وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يجوز في ظاهر الرواية
وروي عن أبي يوسف أنه يجوز وجعل الأشجار للثمار بمنزلة الساق للحبوب وهناك يجوز التعجيل كذا ههنا ووجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد أن الشجر ليس بمحل لوجوب العشر لأنه حطب ألا ترى أنه لو قطعه لا يجب العشر فأما ساق الزرع فمحل بدليل أنه لو قطع الساق قبل أن ينعقد الحب يجب العشر ويجوز تعجيل الخراج والجزية لأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية بالخارج تقديرا بالتمكن من الزراعة لا تحقيقا وقد وجد التمكن وسبب وجوب الجزية كونه ذميا وقد وجد والله أعلم فصل وأما شرائط الفرضية فبعضها شرط الأهلية وبعضها شرط المحلية أما شرط الأهلية فنوعان أحدهما الإسلام وأنه شرط ابتداء هذا الحق فلا يبتدأ بهذا الحق إلا على مسلم بلا خلاف لأن فيه معنى العبادة والكافر ليس من أهل وجوبها ابتداء فلا يبتدأ به عليه وكذا لا يجوز أن يتحول إليه في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يجوز حتى أن الذمي لو اشترى أرض عشر من مسلم فعليه الخراج عنده وعند أبي يوسف عليه عشران وعند محمد عليه عشر واحد وجه قول محمد أن الأصل أن كل أرض ابتدئت ( ( ( ابتدأت ) ) ) بضرب حق عليها أن لا يتبدل الحق بتبدل المالك كالخراج والجامع بينهما إن كل واحد منهما مؤنة الأرض لا تعلق له بالمالك حتى يجب في أرض غير مملوكة فلا يختلف باختلاف المالك وأبو يوسف يقول لما وجب العشر على الكافر كما قاله محمد فالواجب على الكافر باسم العشر يكون مضاعفا كالواجب على التغلبي ويوضع موضع الخراج ولأبي حنيفة إن العشر فيه معنى العبادة والكافر ليس من أهل وجوب العبادة فلا يجب عليه العشر كما لا تجب عليه الزكاة المعهودة ولهذا لا تجب عليه ابتداء كذا في حالة البقاء وإذا تعذر إيجاب العشر عليه فلا سبيل إلى أن ينتفع الذمي بأرضه في دار الإسلام من غير حق يضرب عليها فضربنا عليها الخراج الذي فيه معنى الصغار كما لو جعل داره بستانا واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في وقت صيرورتها خراجية ذكر في السير الكبير أنه كما اشترى صارت خراجية وفي رواية أخرى لا تصير خراجية ما لم يوضع عليها الخراج وإنما يؤخذ الخراج إذا مضت من وقت الشراء مدة يمكنه أن يزرع فيها سواء زرع أو لم يزرع كذا ذكر في العيون في رجل باع أرض الخراج من رجل وقد بقي من السنة مقدار ما يقدر المشتري على زرعها فخراجها على المشتري وإن لم يكن بقي ذلك القدر فخراجها على البائع واختلفت الرواية عن محمد في موضع هذا العشر ذكر في السير الكبير أنه يوضع موضع الصدقة لأن قدر الواجب لما لم يتغير عنده لا تتغير صفته أيضا وروي عنه أنه يوضع موضع الخراج لأن مال الصدقة لا يؤخذ فيه لكونه مالا مأخوذا من الكافر فيوضع موضع الخراج ولو اشترى مسلم من ذمي أرضا خراجية فعليه الخراج ولا تنقلب عشرية لأن الأصل إن مؤنة الأرض لا تتغير بتبدل المالك إلا لضرورة وفي حق الذمي إذا اشترى من مسلم أرض عشر ضرورة لأن الكافر ليس من أهل وجوب العشر فأما المسلم فمن أهل وجوب الخراج في الجملة فلا ضرورة إلى التغيير بتبدل المالك ولو باع المسلم من ذمي أرضا عشرية فأخذها مسلم بالشفعة ففيها العشر لأن الصفقة تحولت إلى الشفيع كأنه باعها منه فكان انتقالا من مسلم إلى مسلم وكذلك لو كان البيع فاسدا فاستردها البائع منه لفساد البيع عادت إلى العشر لأن البيع الفاسد إذا فسخ يرتفع من الأصل ويسير ( ( ( ويصير ) ) ) كأن لم يكن فيرتفع بأحكامه ولو وجد المشتري بها عيبا فعلى رواية السير الكبير ليس له أن يردها بالعيب لأنها صارت خراجية بنفس الشراء فحدث فيها عيب زائد في يده وهو وضع الخراج عليها فمنع الرد بالعيب لكنه يرجع بحصة العيب وعلى الرواية الأخرى له أن يردها ما لم يوضع عليها الخراج لعدم حدوث العيب
فإن ردها برضا البائع لا تعود عشرية بل هي خراجية على حالها عند أبي حنيفة لأن الرد برضا البائع بمنزلة بيع جديد والأرض إذا صارت خراجية لا تنقلب عشرية بتبدل المالك ولو اشترى التغلبي أرضا عشرية فعلية عشران في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد عليه عشر واحد أما محمد فقد مر على أصله أن كل مؤنة ضربت على أرض أنها لا تتغير بتغير حال المالك وفقهه ما ذكرنا وهما يقولان الأصل ما ذكره محمد لكن يجوز أن تتغير إذا وجد المغير وقد وجد ههنا وهو قضية عمر رضي الله عنه فإنه صالح بني تغلب على أن يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين بمحضر من الصحابة فإن أسلم التغلبي أو باعها من مسلم لم يتغير العشران عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يتغير إلى عشر واحد وجه قوله إن العشرين كانا لكونه نصرانيا تغلبيا إذ التضعيف يختص بهم وقد بطل بالإسلام فيبطل التضعيف ولأبي حنيفة أن العشرين كانا خراجا على التغلبي والخراج لا يتغير بإسلام المالك لما ذكرنا إن المسلم من أهل وجوب الخراج في الجملة ولا يتفرع التغير على أصل محمد لأنه كان عليه عشر واحد قبل الإسلام والبيع من المسلم فيجب عشر واحد كما كان وهكذا ذكر الكرخي في مختصره وإن عند محمد يجب عشر واحد وذكر الطحاوي في التغلبي يشتري أرض العشر من مسلم أنه يؤخذ منه عشران في قولهم والصحيح ما ذكره الكرخي لما ذكرنا من أصل محمد رحمه الله ولو اشترى التغلبي أرض عشر فباعها من ذمي فعليه عشران لما ذكرنا أن التضعيف على التغلبي بطريق الخراج والخراج لا يتغير بتبدل المالك وروى الحسن عن أبي حنيفة أن عليه الخراج لأن التضعيف يختص بالتغلبي والله تعالى أعلم والثاني العلم بكونه مفروضا ونعني به سبب العلم في قول أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر والمسألة ذكرت في كتاب الصلاة وأما العقل والبلوغ فليسا من شرائط أهلية وجوب العشر حتى يجب العشر في أرض الصبي والمجنون لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر ولأن العشر مؤنة الأرض كالخراج ولهذا لا يجتمعان عندنا ولهذا يجوز للإمام أن يمد يده إليه فيأخذه جبرا ويسقط عن صاحب الأرض كما لو أدى بنفسه إلا أنه إذا أدى بنفسه يقع عبادة فينال ثواب العبادة وإذا أخذه ( ( ( أخذها ) ) ) الإمام كرها لا يكون له ثواب فعل العبادة وإنما يكون ثواب ذهاب ماله في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب كرها بخلاف الزكاة فإن الإمام لا يملك الأخذ جبرا وإن أخذ لا تسقط الزكاة عن صاحب المال ولهذا لو مات من عليه العشر والطعام قائم يؤخذ منه بخلاف الزكاة فإنها تسقط بموت من هي عليه وكذا ملك الأرض ليس بشرط لوجوب العشر وإنما الشرط ملك الخارج فيجب في الأراضي التي لا مالك لها وهي الأراضي الموقوفة لعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وقوله عز وجل وآتوا حقه يوم حصاده وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر ولأن العشر يجب في الخارج لا في الأرض فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة واحدة ويجب في أرض المأذون والمكاتب لما قلنا ولو آجر أرضه العرية ( ( ( العشرية ) ) ) فعشر الخارج على المؤاجر عنده وعندهما على المستأجر وجه قولهما ظاهر لما ذكرنا أن العشر يجب في الخارج والخارج ملك المستأجر فكان العشر عليه كالمستعير ولأبي حنيفة إن الخارج للمؤاجر معنى لأن بدله وهو الأجرة له فصار كأنه زرع بنفسه وفيه إشكال لأن الأجر مقابل ( ( ( قابل ) ) ) للمنفعة لا الخارج والعشر يجب في الخارج عندهما والخارج يسلم للمستأجر من غير عوض فيجب فيه العشر
والجواب أن الخارج في إجارة الأرض وإن كان عينا حقيقة ( ( ( حقيقية ) ) ) فله حكم المنفعة فيقابله الآجر فكان الخارج للآجر معنى فكان العشر عليه فإن هلك الخارج فإن كان قبل الحصاد فلا عشر على المؤاجر ويجب الأجر على المستأجر لأن الأجر يجب بالتمكن من الانتفاع وقد تمكن منه وإن هلك بعد الحصاد لا يسقط عن المؤاجر عشر الخارج لأن العشر كان يجب عليه دينا في ذمته ولا يجب في الخارج عنده حتى يسقط بهلاكه فلا يسقط عنه العشر بهلاكه ولا يسقط الأجر عن المستأجر أيضا وعند أبي يوسف ومحمد العشر في الخارج فيكون على من حصل له الخارج ولو هلك بعد الحصاد أو قبله هلك بما فيه من العشر ولو أعارها من مسلم فزرعها فالعشر على المستعير عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر على المعير وهكذا روى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة ولا خلاف في أن الخراج على المعير وجه قول زفر أن الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض فكان هبة المنفعة فأشبه هبة الزرع ولنا أن المنفعة حصلت للمستعير صورة ومعنى إذ لم يحصل للمعير في مقابلتها عوض فكان العشر على المستعير ولو أعارها من كافر فكذلك الجواب عندهما لأن العشر عندهما في الخارج على كل حال وعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية العشر في الخارج وفي رواية على رب المال ولو دفعها مزارعة فأما على مذهبهما فالمزارعة جائز ( ( ( جائزة ) ) ) والعشر يجب في الخارج والخارج بينهما فيجب العشر عليهما وأما على مذهب أبي حنيفة فالمزارعة فاسدة ولو كان يجيزها كان يجب على مذهبه جميع العشر على رب الأرض إلا أن في حصته جميع العشر يجب في عينه وفي حصة المزارع يكون دينا في ذمته ولو غصب غاصب أرضا عشرية فزرعها فإن لم تنقصها الزراعة فالعشر على الغاصب في الخارج لا على رب الأرض لأنه لم تسلم له منفعة كما في العارية وإن نقصتها الزراعة فعلى الغاصب نقصان الأرض كأنه آجرها منه وعشر الخارج على رب الأرض عند أبي حنيفة وعندهما في الخارج ولو كانت الأرض خراجية في الوجوه كلها فخراجها على رب الأرض بالإجماع إلا في الغصب إذا لم تنقصها الزراعة فخراجها على الغاصب وإن نقصتها فعلى رب الأرض كأنه آجرها منه وقال محمد انظر إلى نقصان الأرض وإلى الخراج فإن كان ضمان النقصان أكثر من الخراج فالخراج على رب الأرض يأخذ من الغاصب النقصان فيؤدي الخراج منه وإن كان ضمان النقصان أقل من الخراج فالخراج على الغاصب وسقط عنه ضمان النقصان ولو باع الأرض العشرية وفيها زرع قد أدرك مع زرعها أو باع الزرع خاصة فعشره على البائع دون المشتري لأنه باعه بعد وجوب العشر وتقرره بالإدراك ولو باعها والزرع بقل فإن قصله المشتري للحال فعشره على البائع أيضا لتقرر الوجوب في البقل بالقصل وإن تركه حتى أدرك فعشره على المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد لتحول الوجوب من الساق إلى الحب وروي عن أبي يوسف أنه قال عشر قدر البقل على البائع وعشر الزيادة على المشتري وكذلك حكم الثمار على هذا التفصيل وكذا عدم الدين ليس بشرط لوجوب العشر لأن الدين لا يمنع وجوب العشر في ظاهر الرواية بخلاف الزكاة المعهودة وقد مضى الفرق فيما تقدم فصل وأما شرائط المحلية فأنواع منها أن تكون الأرض عشرية فإن كانت خراجية يجب فيها الخراج ولا يجب في الخارج منها العشر فالعشر مع الخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندنا وقال الشافعي يجتمعان فيجب في الخارج من أرض الخراج العشر حتى قال بوجوب العشر في الخارج من أرض السواد وجه قوله أنهما حقان مختلفان ذاتا ومحلا وسببا فلا يتدافعان أما اختلافهما ذاتا فلا شك فيه وأما المحل فلأن الخراج يجب في الذمة والعشر يجب في الخارج وأما السبب فلأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية وسبب وجوب العشر الخارج حتى لا يجب بدونه والخراج يجب بدون الخارج وإذا ثبت اختلافهما ذاتا ومحلا وسببا فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر
ولنا ما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم ولأن أحدا من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشرا إلى يومنا هذا فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع فيكون باطلا ولأن سبب وجوبهما واحد وهو الأرض النامية فلا يجتمعان في أرض واحدة كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد وهي زكاة السائمة والتجارة والدليل على أن سبب وجوبهما الأرض النامية أنهما يضافان إلى الأرض يقال خراج الأرض وعشر الأرض والإضافة تدل على السببية فثبت أن سبب الوجوب فيهما هو الأرض النامية إلا أنه إذا لم يزرعها وعطلها يجب الخراج لأن انعدام النماء كان لتقصير من قبله فيجعل موجودا تقديرا حتى لو كان الفوات لا بتقصيره بأن هلك لا يجب وإنما لا يجب العشر بدون الخارج حقيقة لأنه متعين ببعض الخارج فلا يمكن إيجابه بدون الخارج وعلى هذا قال أصحابنا فيمن اشترى أرض عشر للتجارة أو اشترى أرض خراج للتجارة أن فيها العشر أو الخراج ولا تجب زكاة التجارة مع أحدهما هو الرواية المشهورة عنهم وروي عن محمد أنه يجب العشر والزكاة أو الخراج والزكاة وجه هذه الرواية أن زكاة التجارة تجب في الأرض والعشر يجب في الزرع وإنهما مالان مختلفان فلم يجتمع الحقان في مال واحد وجه ظاهر الرواية أن سبب الوجوب في الكل واحد وهو الأرض ألا ترى أنه يضاف الكل إليها يقال عشر الأرض وخراج الأرض وزكاة الأرض وكل واحد من ذلك حق الله تعالى وحقوق الله تعالى المتعلقة بالأموال النامية لا يجب فيها حقان منها بسبب مال واحد كزكاة السائمة مع التجارة وإذا ثبت أنه لا سبيل إلى اجتماع العشر والزكاة واجتماع الخراج والزكاة فإيجاب العشر أو الخراج أولى لأنهما أعم وجوبا ألا ترى أنهما لا يسقطان بعذر الصبا والجنون والزكاة تسقط به فكان إيجابهما أولى وإذا عرف أن كون الأرض عشرية من شرائط وجوب العشر لا بد من بيان الأرض العشرية وجملة الكلام فيه أن الأراضي نوعان عشرية وخراجية أما العشرية فمنها أرض العرب كلها قال محمد رحمه الله وأرض العرب من العذيب إلى مكة وعدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة وذكر الكرخي هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية وإنما كانت هذه أرض عشر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض العرب خراجا فدل أنها عشرية إذ الأرض لا تخلو عن إحدى المؤنتين ولأن الخراج يشبه الفيء فلا يثبت في أرض العرب كما لم يثبت في رقابهم والله أعلم ومنها الأرض التي أسلم عليها أهلها طوعا ومنها الأرض التي فتحت عنوة وقهرا وقسمت بين الغانمين المسلمين لأن الأراضي لا تخلو عن مؤنة إما العشر وإما الخراج والابتداء بالعشر في أرض المسلم أولى لأن في العشر معنى العبادة وفي الخراج معنى الصغار ومنها دار المسلم إذا اتخذها بستانا لما قلنا وهذا إذا كان يسقى بماء العشر فإن كان يسقى بماء الخراج فهو خراجي وأما ما أحياه المسلم من الأرض الميتة بإذن الإمام فقال أبو يوسف إن كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية وإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجية وقال محمد إن أحياها بماء السماء أو ببئر استنبطها أو بماء الأنهار العظام التي لا تملك مثل دجلة والفرات فهي أرض عشر وإن شق لها نهرا من أنهار الأعاجم مثل نهر الملك ونهر يزدجرد فهي أرض خراج وجه قول محمد أن الخراج لا يبتدأ بأرض المسلم لما فيه من معنى الصغار كالفيء إلا إذا التزمه فإذا استنبط عينا أو حفر بئرا أو أحياها بماء الأنهار العظام فلم يلتزم الخراج فلا يوضع عليه وإذا أحياها بماء الأنهار المملوكة فقد التزم الخراج لأن حكم الفيء يتعلق بهذه الأنهار فصار كأنه اشترى أرض الخراج
ولأبي يوسف أن حيز الشيء في حكم ذلك الشيء لأنه من توابعه كحريم الدار من توابع الدار حتى يجوز الانتفاع به ولهذا لا يجوز إحياء ما في حيز القرية لكونه من توابع القرية فكان حقا لأهل القرية وقياس قول أبي يوسف أن تكون البصرة خراجية لأنها من حيز أرض الخراج وإن أحياها المسلمون إلا أنه ترك القياس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم حيث وضعوا عليها العشر وأما الخراجية فمنها الأراضي التي فتحت عنوة وقهرا فمن الإمام عليهم وتركها في يد أربابها فإنه يضع على جماعتهم الجزية إذا لم يسلموا وعلى أراضيهم الخراج أسلموا أو لم يسلموا وأرض السواد كلها أرض خراج وحد السواد من العذيب إلى عقبة حلوان ومن العلث إلى عبادان لأن عمر رضي الله عنه لما فتح تلك البلاد ضرب عليها الخراج بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فأنفذ عليها حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فمسحاها ووضعا عليها الخراج ولأن الحاجة إلى ابتداء الإيجاب على الكافر والابتداء بالخراج الذي فيه معنى الصغار على الكافر أولى من العشر الذي فيه معنى العبادة والكافر ليس بأهل لها وكان القياس أن تكون مكة خراجية لأنها فتحت عنوة وقهرا وتركت على أهلها ولم تقسم لكنا تركنا القياس بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يضع عليها الخراج فصارت مكة مخصوصة بذلك تعظيما للحرم وكذا إذا من عليهم وصالحهم من جماجمهم وأراضيهم على وظيفة معلومة من الدراهم أو الدنانير أو نحو ذلك فهي خراجية لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح نصارى بني نجران من جزية رؤوسهم وخراج أراضيهم على ألفي حلة وفي رواية على ألفي ومائتي حلة تؤخذ منهم في وقتين لكل سنة نصفها في رجب ونصفها في المحرم وكذا إذا أجلاهم ونقل إليها قوما آخرين من أهل الذمة لأنهم قاموا مقام الأولين ومنها أرض نصارى بني تغلب لأن عمر رضي الله عنه صالحهم على أن يأخذ من أراضيهم العشر مضاعفا وذلك خراج في الحقيقة حتى لا يتغير بتغير ( ( ( بتغيير ) ) ) حال المالك كالخراجي ومنها الأرض الميتة التي أحياها المسلم وهي تسقى بماء الخراج وماء الخراج هو ماء الأنهار الصغار التي حفرتها الأعاجم مثل نهر الملك ونهر يزدجرد وغير ذلك مما يدخل تحت الأيدي وماء العيون والقنوات المستنبطة من ماء ( ( ( مال ) ) ) بيت المال وماء العشر هو ماء السماء والآبار والعيون والأنهار العظام التي لا تدخل تحت الأيدي كسيحون وجيحون ودجلة والفرات ونحوها إذ لا سبيل إلى إثبات اليد عليها وإدخالها تحت الحماية وروي عن أبي يوسف أن مياه هذه الأنهار خراجية لإمكان إثبات اليد عليها وإدخالها تحت الحماية في الجملة بشد السفن بعضها على بعض حتى تصير شبه القنطرة ومنها أرض الموات التي أحياها ذمي وأرض الغنيمة التي رضخها الإمام لذمي كان يقاتل مع المسلمين ودار الذمي التي اتخذها بستانا أو كرما لما ذكرنا إن عند الحاجة إلى ابتداء ضرب المؤنة على أرض الكافر الخراج أولى لما بينا ومنها أي من شرائط المحلية وجود الخارج حتى إن الأرض لو لم تخرج شيئا لم يجب العشر لأن الواجب جزء من الخارج وإيجاب جزء من الخارج ولا خارج محال ومنها أن يكون الخارج من الأرض مما يقصد بزراعته نماء الأرض وتستغل الأرض به عادة فلا عشر في الحطب والحشيش والقصب الفارسي لأن هذه الأشياء لا تستنمي بها الأرض ولا تستغل بها عادة لأن الأرض لا تنمو بها بل تفسد فلم تكن نماء الأرض حتى قالوا في الأرض إذا اتخذها مقصبة وفي شجره الخلاف التي يقطع ( ( ( تقطع ) ) ) في كل ثلاث سنين أو أربع سنين أنه يجب فيها العشر لأن ذلك غلة وافرة ويجب في قصب السكر وقصب الذريرة لأنه يطلب بهما نماء الأرض فوجد شرط الوجوب فيجب فأما كون الخارج مما له ثمرة باقية فليس بشرط لوجوب العشر بل يجب سواء كان الخارج له ثمرة باقية
أو ليس له ثمرة باقية وهي الخضراوات كالبقول والرطاب والخيار والقثاء والبصل والثوم ونحوها في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجب إلا في الحبوب وما له ثمرة باقية واحتجا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس في الخضراوات صدقة وهذا نص ولأبي حنيفة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وأحق ما تتناوله هذه الآية الخضراوات لأنها هي المخرجة من الأرض حقيقة وأما الحبوب فإنها غير مخرجة من الأرض حقيقة بل من المخرج من الأرض ولا يقال المراد من قوله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض أي من الأصل الذي أخرجنا لكم كما في قوله تعالى قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم أي أنزلنا الأصل الذي يكون منه اللباس وهو الماء لا عين اللباس إذ اللباس كما هو غير منزل من السماء وكقوله تعالى خلقكم من تراب أي خلق أصلكم وهو آدم عليه السلام كذا هذا لأنا نقول الحقيقة ما قلنا والأصل اعتبار الحقيقة ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل قام دليل العدول هناك فيجب العمل بالحقيقة فيما وراءه ولأن فيما قاله أبو حنيفة عملا بحقيقة الإضافة لأن الإخراج من الأرض والإنبات محض صنع الله تعالى لا صنع للعبد فيه ألا ترى إلى قوله تعالى أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون فأما بعد الإخراج والإنبات فللعبد فيه صنع من السقي والحفظ ونحو ذلك فكان الحمل على النبات عملا بحقيقة الإضافة أولى من الحمل على الحبوب وقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده والحصاد القطع وأحق ما يحمل الحق عليه الخضراوات لأنها هي التي يجب إيتاء الحق منها يوم القطع وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى وقت التنقية وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر من غير فصل بين الحبوب والخضراوات ولأن سبب الوجوب هو الأرض النامية بالخارج والنماء بالخضر أبلغ لأن ريعها أوفر وأما الحديث فغريب فلا يجوز تخصيص الكتاب والخبر المشهور بمثله أو يحمل على الزكاة أو يحمل قوله ليس في الخضراوات صدقة على أنه ليس فيها صدقة تؤخذ بل أربابها هم الذين يؤدونها بأنفسهم فكان هذا نفي ولاية الأخذ للإمام وبه نقول والله أعلم وكذا النصاب ليس بشرط لوجوب العشر فيجب العشر في كثير الخارج وقليله ولا يشترط فيه النصاب عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجب فيما دون خمسة أوسق إذا كان مما يدخل تحت الكيل كالحنطة والشعير والذرة والأرز ونحوها والوسق ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم والصاع ثمانية أرطال جملتها نصف من وهو أربعة أمنان فيكون جملته ألفا ومائتي من وقال أبو يوسف الصاع خمسة أرطال وثلث رطل واحتجا في المسألة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وقوله عز وجل وآتوا حقه يوم حصاده وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر من غير فصل بين القليل والكثير ولأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يوجب التفصيل بين القليل والكثير وأما الحديث فالجواب عن التعلق به من وجهين أحدهما أنه من الآحاد فلا يقبل في معارضة الكتاب والخبر المشهور فإن قيل ما تلوتم من الكتاب وورثتم ( ( ( ورويتم ) ) ) من السنة يقتضيان الوجوب من غير التعرض لمقدار الموجب منه وما روينا يقتضي المقدار فكان بيانا لمقدار ما يجب فيه العشر والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه
فالجواب أنه لا يمكن حمله على البيان لأن ما تمسكنا به عام يتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل وما رويتم من خبر المقدار خاص فيما يدخل تحت الوسق فلا يصلح بيانا للقدر الذي يجب فيه العشر لأن من شأن البيان أن يكون شاملا لجميع ما يقتضي البيان وهذا ليس كذلك على ما بينا فعلم أنه لم يرد مورد البيان والثاني أن المراد من الصدقة الزكاة لأن مطلق اسم الصدقة لا ينصرف إلا إلى الزكاة المعهودة ونحن به نقول أن ما دون خمسة أوسق من طعام أو تمر للتجارة لا يجب فيه الزكاة ما لم يبلغ قيمتها مائتي درهم أو يحتمل الزكاة فيحمل عليها عملا بالدلائل بقدر الإمكان ثم نذكر فروع مذهب أبي يوسف ومحمد في فصلي الخلاف وما فيه من الخلاف بينهما في ذلك والوفاق فنقول عندهما يجب العشر في العنب لأن المجفف منه يبقى من سنة إلى سنة وهو الزبيب فيخرص العنب جافا فإن بلغ مقدار ما يجيء منه الزبيب خمسة أوسق يجب في عنبه العشر أو نصف العشر وإلا فلا شيء فيه وروي عن محمد أن العنب إذا كان رقيقا يصلح للماء ولا يجيء منه الزبيب فلا شيء فيه وإن كثر لأن الوجوب فيه باعتبار حال الجفاف وكذا قال أبو يوسف في سائر الثمار إذا كان يجيء منها ما يبقى من سنة إلى سنة بالتجفيف أنه يخرص ذلك جافا فإن بلغ نصابا وجب وإلا فلا كالتين والإجاص والكمثرى والخوخ ونحو ذلك لأنها إذا جففت تبقى من سنة إلى سنة فكانت كالزبيب وقال محمد لا عشر في التين والإجاص والكمثرى والخوخ والتفاح والمشمش والنبق والتوت والموز والخروب لأنها وإن كان ينتفع بها بعضها بالتجفيف وبعضها بالتشقيق والتجفيف فالانتفاع بها بهذا الطريق ليس بغالب ولا يفعل ذلك عادة ويجب العشر في الجوز واللوز والفستق لأنها تبقى من السنة إلى السنة ويغلب الانتفاع بالجاف منها فأشبهت الزبيب وروي عن محمد أن في البصل العشر لأنه يبقى من سنة إلى سنة ( ( ( السنة ) ) ) ويدخل في الكيل ولا عشر في الآس والورد والوسمة لأنها من الرياحين ولا يعم الانتفاع بها وأما الحناء فقال أبو يوسف فيه العشر وقال محمد لا عشر فيه لأنه من الرياحين فأشبه الآس والورد ولأبي يوسف أنه يدخل تحت الكيل وينتفع به منفعة عامة بخلاف الآس والعصفر والكتان إذا بلغ القرطم والحب خمسة أوسق وجب فيه العشر لأن المقصود من زراعتها الحب والحب يدخل تحت الوسق فيعتبر فيه الأوسق فإذا بلغ ذلك يجب العشر ويجب في العصفر والكتان أيضا على طريق التبع وقالا في بزر القنب إذا بلغ خمسة أوسق ففيه العشر لأنه يبقى ويقصد بالزراعة والانتفاع به عام ولا شيء في القنب لأنه لحاء الشجر فأشبه لحاء سائر الأشجار ولا عشر فيه فكذا فيه وقالا في حب الصنوبر إذا بلغ الأوسق ففيه العشر لأنه يقبل الادخار ولا شيء في خشبه كما لا شيء في خشب سائر الشجر ويجب في الكراويا ( ( ( الكرويا ) ) ) والكزبرة والكمون والخردل لما قلنا ولا يجب في السعتر والشونيز والحلبة لأنها من جملة الأدوية فلا يعم الانتفاع بها وقصب السكر إذا كان مما يتخذ منه السكر فإذا بلغ ما يخرج منه خمس ( ( ( خمسة ) ) ) أفراق وجب فيه العشر كذا قال محمد لأنه يبقى وينتفع به انتفاعا عاما ولا شيء في البلوط لأنه لا يعم المنفعة به ولا عشر في بزر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة وكل بزر لا يصلح إلا للزراعة بلا خلاف بينهما لأنه لا يقصد بزراعتها نفسها بل ما يتولد منها وذا لا عشر فيه عندهما ومما يتفرع على أصلهما ما إذا أخرجت الأرض أجناسا مختلفة كالحنطة والشعير والعدس كل صنف منها لا يبلغ النصاب
وهو خمسة أوسق أنه يعطى كل صنف حكم نفسه أو يضم البعض إلى البعض في تكميل النصاب وهو خمسة أوسق روى محمد عن أبي يوسف أنه لا يضم البعض إلى البعض بل يعتبر كل جنس بانفراده ولم يرو عنه ما إذا أخرجت نوعين من جنس وروى الحسن بن زياد وابن أبي مالك عنه أن كل نوعين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كالحنطة البيضاء والحمراء ونحو ذلك يضم أحدهما إلى الآخر سواء خرجا من أرض واحدة أو أراض مختلفة ويكمل به النصاب وإن كانا مما يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كالحنطة والشعير لا يضم وإن خرجا من أرض واحدة وتعين كل صنف منهما بانفراده ما لم يبلغ خمسة أوسق لا شيء فيه وهو قول محمد وروى ابن سماعة عنه أن الغلتين إن كانتا تدركان في وقت واحد تضم أحداهما إلى الأخرى وإن اختلفت أجناسهما وإن كانتا لا تدركان في وقت واحد لا تضم وجه رواية اعتبار الإدراك أن الحق يجب في المنفعة وإن كانتا تدركان في مكان واحد كانت منفعتهما واحدة فلا يعتبر فيه اختلاف جنس الخارج كعروض التجارة في باب الزكاة وإذا كان إدراكهما في أوقات مختلفة فقد اختلفت منفعتهما فكانا كالأجناس المختلفة وجه رواية اعتبار التفاضل وهو قول محمد أنه لا عبرة لاختلاف النوع فيما لا يجوز فيه التفاضل إذا كان الجنس متحدا كالدراهم السود والبيض في باب الزكاة أنه يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وإن كان النوع مختلفا فأما فيما لا يجري فيه التفاضل فاختلاف الجنس معتبر في المنع من الضم كالإبل مع البقر في باب الزكاة وهو رواية محمد عن أبي يوسف وقال أبو يوسف إذا كان لرجل أراضي مختلفة في رساتيق مختلفة والعامل واحد ضم الخارج من بعضها إلى بعض وكمل الأوسق به وإن اختلف العامل لم يكن لأحد العاملين مطالبة حتى يبلغ ما خرج من الأرض التي في عمله خمسة أوسق وقال محمد إذا اتفق المالك ضم الخارج بعضه إلى بعض وإن اختلفت الأرضون والعمال وهذا لا يحقق الخلاف لأن كل واحد منهما أجاب في غير ما أجاب به الآخر لأن جواب أبي يوسف في سقوط المطالبة عن المالك ولم يتعرض لوجوب الحق على المالك فيما بينه وبين الله تعالى وهو فيما بينه وبين الله تعالى مخاطب بالأداء لاجتماع النصاب في ملكه وإنه سقطت المطالبة عنه وجواب محمد في وجوب الحق ولم يتعرض لمطالبة العامل فلم يتحقق الخلاف بينهما ومما يتفرع على قولهما الأرض المشتركة إذا أخرجت خمسة أوسق أنه لا عشر فيها حتى تبلغ حصة كل واحد منهما خمسة أوسق وروى الحسن عن أبي يوسف إن فيها العشر وجه هذه الرواية أن المالك ليس بشرط لوجوب العشر بدليل أنه يجب في الأرض الموقوفة وأرض المكاتب وأرض المأذون وإنما الشرط كمال النصاب وهو خمسة أوسق وقد وجد والصحيح هو الأول لأن النصاب عندهما شرط الوجوب فيصير ( ( ( فيعتبر ) ) ) كماله في حق كل واحد منهما كما في مال الزكاة على ما بينا هذا الذي ذكرنا من اعتبار الأوسق عندهما فيما يدخل تحت الكيل وأما ما لا يدخل تحت الكيل كالقطن والزعفران فقد اختلفا فيما بينهما قال أبو يوسف يعتبر فيه القيمة وهو أن يبلغ قيمة الخارج قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق من الحبوب وقال محمد يعتبر خمسة أمثال أعلى ما يقدر به ذلك الشيء فالقطن يعتبر بالأحمال فإذا بلغ خمسة أحمال يجب وإلا فلا ويعتبر كل حمل ثلثمائة من فتكون جملته ألفا وخمسمائة منا والزعفران يعتبر بالأمنان فإذا بلغ خمسة أمنان يجب وإلا فلا وكذلك في السكر يعتبر خمسة أمنان وجه قول محمد أن التقدير بالوسق في الموسوقات لكون الوسق أقصى ما يقدر به في بابه وأقصى ما يقدر به في غير الموسوق ما ذكرنا فوجب التقدير به
ولأبي يوسف أن الأصل هو اعتبار الوسق لأن النص ورد به غير أنه إن أمكن اعتباره صورة ومعنى يعتبر وإن لم يمكن يجب اعتباره معنى وهو قيمة الموسوق وأما العسل فقد ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي عن أبي يوسف أنه اعتبر فيه قيمة خمسة أوسق فإن بلغ ذلك يجب فيه العشر وإلا فلا بناء على أصله من اعتبار قيمة الأوسق فيما لا يدخل تحت الكيل وما روي عنه أنه يعتبر فيه خمسة أوسق فإنما أراد به قدر خمسة أوسق لأن العسل لا يكال وروي عنه أنه قدر ذلك بعشرة أرطال وروي أنه اعتبر خمس قرب كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين وخمسين ( ( ( وخمسون ) ) ) منا ومحمد اعتبر فيه خمسة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا فيكون ثمانية عشر منا فتكون جملته تسعين منا بناء على أصله من اعتبار خمسة أمثال أعلى ما يقدر به كل شيء وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن أبا يوسف اعتبر في نصاب العسل عشرة أرطال ومحمد اعتبر خمسة أفراق في رواية وخمس قرب في رواية وخمسة أمنان في رواية ثم وجوب العشر في العسل مذهب أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي لا عشر فيه وزعم إن ما روي في وجوب العشر في العسل لم يثبت وجه قوله أن سبب الوجوب وهو الأرض النامية بالخارج لم يوجد لأنه ليس من نماء الأرض بل هو متولد من حيوان فلم تكن الأرض نامية بها ونحن نقول إن لم يثبت عندك وجوب العشر في العسل فقد ثبت عندنا ألا ترى إلى ما روي أن أبا سيارة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي نحلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أد عشرها فقال أبو سيارة احمها لي يا رسول الله فحما ( ( ( فحماها ) ) ) له وروى عمر ( ( ( عمرو ) ) ) بن شعيب عن أبيه عن جده أن بطنا من فهر كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحل ( ( ( نخل ) ) ) لهم العشر من كل عشر قرب قربة وكان يحمي لهم واديين فلما كان عمر رضي الله عنه استعمل على ما هناك سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا وقالوا إنما كان شيئا نؤديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب ذلك سفيان إلى عمر فكتب إليه عمر إنما النحل ( ( ( النخل ) ) ) ذباب غيث يسوقه الله تعالى رزقا إلى من يشاء فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحم له واديهم وإلا فخل بين الناس وبينها فأدوا إليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ عن العسل العشر من كل عشر قرب قربة وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يفعل ذلك حين كان واليا بالبصرة وأما قوله ليس من نماء الأرض فنقول هو ملحق بنمائها لاعتبار الناس أعداد الأرض لها ولأنه يتولد من أنوار الشجر فكان كالثمر ثم إنما يجب العشر في العسل إذا كان في أرض العشر فأما إذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه لما ذكرنا إن وجوب العشر فيه لكونه بمنزلة الثمر لتولده من أزهار الشجر ولا شيء في ثمار أرض الخراج ولأن أرض الخراج يجب فيها الخراج فلو وجب العشر في العسل لاجتمع العشر والخراج في أرض واحدة ولا يجتمعان عندنا ويجب العشر في قليله وكثيره في قول أبي حنيفة لأنه ملحق بالنماء ويجري مجرى الثمار والنصاب ليس بشرط في ذلك عنده وعندهما شرط وقد ذكرنا اختلاف الرواية عنهما في ذلك وما يوجد في الجبال من العسل والفواكه فقد روى محمد عن أبي حنيفة أن فيه العشر وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه لا شيء فيه
وجه قول أبي يوسف أن هذا مباح غير مملوك فلا يجب فيه العشر كالحطب والحشيش ولأبي حنيفة عمومات العشر إلا أن ملك الخارج شرط ولما أخذه فقد ملكه فصار كما لو كان في أرضه والحول ليس بشرط لوجوب العشر حتى لو أخرجت الأرض في السنة مرارا يجب العشر في كل مرة لأن نصوص العشر مطلقة عن شرط الحول ولأن العشر في الخارج حقيقة فيتكرر الوجوب بتكرر الخارج وكذلك خراج المقاسمة لأنه في الخارج فأما خراج الوظيفة فلا يجب في السنة إلا مرة واحدة لأن ذلك ليس في الخارج بل في الذمة عرف ذلك بتوظيف عمر رضي الله عنه وما وظف في السنة إلا مرة واحدة فصل وأما بيان مقدار الواجب فالكلام في هذا الفصل في موضعين أحدهما في بيان قدر الواجب من العشر والثاني في بيان قدر الواجب من الخراج أما الأول فما سقي بماء السماء أو سقي سيحا ففيه عشر كامل وما سقى بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشر والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية أو ساقية ( ( ( سانية ) ) ) ففيه نصف العشر وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما سقته السماء أو العين أو كان بعلا العشر وما سقي بالرشاء ففيه نصف العشر ولأن العشر وجب مؤنة الأرض فيختلف الواجب بقلة المؤنة وكثرتها ولو سقى الزرع في بعض السنة سيحا وفي بعضها بآلة يعتبر في ذلك الغالب لأن للأكثر حكم الكل كما في السوم في باب الزكاة على ما مر ولا يحتسب لصاحب الأرض ما أنفق على الغلة من سقي أو عمارة أو أجر الحافظ أو أجر العمال أو نفقة البقر لقوله صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشر أوجب العشر ونصف العشر مطلقا عن احتساب هذه المؤن ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الحق على التفاوت لتفاوت المؤن ولو رفعت المؤن لارتفع التفاوت وأما الثاني وهو بيان قدر الواجب من الخراج فالخراج نوعان خراج وظيفة وخراج مقاسمة أما خراج الوظيفة فما وظفه عمر رضي الله عنه ففي كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها درهم ( ( ( ودرهم ) ) ) القفيز صاع والدرهم وزن سبعة والجريب أرض طولها ستون ذراعا وعرضها ستون ذراعا بذراع كسرى يزيد على ذراع العامة يقبضه ( ( ( بقصبة ) ) ) وفي جريب الرطبة خمسة دراهم وفي جريب الكرم عشرة دراهم هكذا وظفه عمر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ومثله يكون إجماعا وأما جريب الأرض التي فيها أشجار مثمرة بحيث لا يمكن زراعتها لم يذكر في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال إذا كانت النخيل ملتفة جعلت عليها الخراج بقدر ما تطيق ولا أزيد على جريب الكرم عشرة دراهم وفي جريب الأرض التي يتخذ فيها الزعفران قدر ما تطيق فينظر إلى غلتها فإن كانت تبلغ غلة الأرض المزروعة يؤخذ منها قدر خراج الأرض المزروعة وإن كانت تبلغ غلة الرطبة يؤخذ منها قدر خراج أرض الرطبة هكذا لأن مبنى الخراج على الطاقة ألا ترى أن حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف رضي الله عنهما لما مسحا سواد العراق بأمر عمر رضي الله عنه ووضعا على كل جريب يصلح للزراعة قفيزا ودرهما وعلى كل جريب يصلح للرطبة خمسة دراهم وعلى كل جريب يصلح للكرم عشرة دراهم فقال لهما عمر رضي الله عنه لعلكما حملتما ما لا تطيق فقالا بل حملنا ما تطيق ولو زدنا لأطاقت
فدل الحديث على أن مبنى الخراج على الطاقة فيقدر بها فيما وراء الأشياء الثلاثة المذكورة في الخبر فيوضع على أرض الزعفران والبستان في أرض الخراج بقدر ما تطيق وقالوا نهاية الطاقة قدر نصف الخارج لا يزاد عليه وقالوا فيمن له أرض زعفران فزرع مكان ( ( ( مكانه ) ) ) الحبوب من غير عذر أنه يؤخذ منه خراج الزعفران لأنه قصر حيث لم يزرع الزعفران مع القدرة عليه فصار كأنه عطل الأرض فلم يزرع فيها شيئا ولو فعل ذلك يؤخذ منه خراج الزعفران كذا هذا وكذا إذا قطع كرمه من غير عذر وزرع فيه الحبوب أنه يؤخذ منه خراج الكرم لما قلنا وإن أخرجت أرض الخراج قدر الخراج لا غير يؤخذ نصف الخراج وإن أخرجت مثلي الخراج فصاعدا يؤخذ جميع الخراج الموظف عليها وإن كانت لا تطيق قدر خراجها الموضوع عليها ينقض ويؤخذ منها قدر ما تطيق بلا خلاف واختلف فيما إذا كانت تطيق أكثر من الموضوع أنه هل تزاد أم لا قال أبو يوسف لا تزاد وقال محمد تزاد وجه قول محمد إن مبنى الخراج على الطاقة على ما بينا فتجوز الزيادة على القدر الموظف إذا كانت تطيقه ولأبي يوسف أن معنى الطاقة إنما يعتبر فيها وراء المنصوص والمجمع عليه والقدر الموضوع من الخراج الموظف منصوص ومجمع عليه على ما بينا فلا تجوز الزيادة عليه بالقياس وأما خراج المقاسمة فهو أن يفتح الإمام بلدة فيمن على أهلها ويجعل على أراضيهم خراج مقاسمة وهو أن يؤخذ منهم نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه وأنه جائز لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل لما فتح خيبر ويكون حكم هذا الخراج حكم العشر ويكون ذلك في الخارج كالعشر إلا أنه يوضع موضع الخراج لأنه خراج في الحقيقة والله أعلم فصل وأما صفة الواجب فالواجب جزء من الخارج لأنه عشر الخارج أو نصف عشره وذلك جزؤه إلا أنه واجب من حيث أنه مال لا من حيث أنه جزء عندنا حتى يجوز أداء قيمته عندنا وعند الشافعي الواجب عين الجزء ولا يجوز غيره وهي مسألة دفع القيم وقد مرت فيما تقدم فصل وأما وقت الوجوب فوقت الوجوب وقت خروج الزرع وظهور الثمر عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف وقت الإدراك وعند محمد وقت التنقية والجذاذ فإنه قال إذا كان الثمر قد حصد في الحظيرة وذرى البر وكان خمسة أوسق ثم ذهب بعضه كان في الذي بقي منه العشر فهذا يدل على أن وقت الوجوب عنده هو وقت التصفية في الزرع ووقت الجذاذ في الثمر هو يقول تلك الحال هي حال تناهي عظم الحب والثمر واستحكامها فكانت هي حال الوجوب وأبو يوسف يحتج بقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده ويوم حصاده هو يوم إدراكه فكان هو وقت الوجوب ولأبي حنيفة قوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض أمر الله تعالى بالإنفاق مما أخرجه من الأرض فدل أن الوجوب متعلق بالخروج ولأنه كما خرج حصل مشتركا كالمال المشترك لقوله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض جعل الخارج للكل فيدخل فيه الأغنياء والفقراء وإذا عرفت وقت الوجوب على اختلافهم فيه ففائدة هذا الاختلاف على قول أبي حنيفة لا تظهر إلا في الاستهلاك فما كان منه بعد الوجوب يضمن عشره وما كان قبل الوجوب لا يضمن وأما عند أبي يوسف ومحمد فتظهر ثمرة الاختلاف في الاستهلاك وفي الهلاك أيضا في حق تكميل النصاب بالهالك فما هلك بعد الوجوب يعتبر الهالك مع الباقي في تكميل النصاب وما هلك قبل الوجوب لا يعتبر