Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وقوله تعالى منه أي من الصداق لأنه هو المكنى السابق أباح للأزواج التناول من مهور النساء إذا طابت أنفسهن بذلك ولذا علق سبحانه وتعالى الإباحة بطيب أنفسهن فدل ذلك كله على أن مهرها ملكها وحقها وليس لأحد أن يهب ملك الإنسان بغير إذنه ولهذا لا يملك الولي هبة غيره من أموالها فكذا المهر وأما الآية الشريفة فقد قيل إن المراد من الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج كذا روي عن علي رضي الله عنه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما ويجوز أن يحمل قول من صرف التأويل إلى الولي على بيان نزول الآية على ما قيل أن حين النزول كان المهور للأولياء ودليله قول شعيب لموسى عليهما الصلاة والسلام إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج شرط المهر لنفسه لا لابنته ثم نسخ بما تلونا من الآيات وللمولى أن يهب صداق أمته ومدبرته وأم ولده من زوجها لأن المهر ملكه وليس له أن يهب مهر مكاتبته ولو وهب لا يبرأ الزوج ولا يدفعه إلى المولى لأن مهر المكاتبة لها لا للمولى لأنه من اكتسابها ( ( ( أكسابها ) ) ) وكسب المكاتب له لا لمولاه وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها والحط عنه إذا رضيت به لقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة رفع الجناح فيما تراضيا به الزوجان بعد الفريضة وهو التسمية وذلك هو الزيادة في المهر والحط عنه وأحق ما تصرف إليه الآية الزيادة لأنه ذكر لفظة التراضي وأنه يكون بين اثنين ورضا المرأة كان في الحط ولأن الزيادة تلحق العقد ويصير كأن العقد ورد على الأصل والزيادة جميعا كالخيار في باب البيع والأجل فيه فإن من اشترى من آخر عبدا بيعا باتا ثم إن أحدهما جعل لصاحبه الخيار يوما جاز ذلك حتى لو نقض البيع جاز نقضه ويصير ذلك كالخيار المشروط في أصل البيع وكذا إذا اشترى عبدا بألف درهم حالة ثم إن البائع أجل المشتري في الثمن شهرا جاز التأجيل ويصير كأنه كان مسمى في العقد كذا ههنا ولا يثبت خيار الرؤية في المهر حتى لو تزوج امرأة على عبد بعينه أو جارية بعينها ولم تره ثم رأته ليس لها أن ترده بخيار الرؤية لأن النكاح لا ينفسخ برده فلو ردت لرجعت عليه بعبد آخر وثبت لها فيه خيار الرؤية فترده ثم ترجع عليه بآخر إلى ما لا يتناهى فلم يكن الرد مفيدا لخلوه عن العاقبة الحميدة فكان سفها فلا يثبت لها حق الرد وكذلك الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد لما قلنا بخلاف البيع أنه يثبت فيه خيار الرؤية لأن البيع ينفسخ برد المبيع ويرجع بالثمن فكان الرد مفيدا لذلك افترقا وهل يثبت خيار العيب في المهر ينظر في ذلك إن كان العيب يسيرا لا يثبت وإن كان فاحشا يثبت وكذلك هذا في بدل الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد بخلاف البيع والإجارة وبدل الصلح على مال أنه يرد بالعيب اليسير والفاحش لأن هناك ينفسخ العقد برده وههنا لا ينفسخ وإذا لم ينفسخ فيقبض مثله فربما يجد فيه عيبا يسيرا أيضا لأن الأعيان لا تخلو عن قليل عيب عادة فيرده ثم يقبض مثله فيؤدي إلى ما لا يتناهى فلا يفيد الرد وهذا المعنى لا يوجد في البيع والإجارة لأنه ينفسخ العقد بالرد فكان الرد مفيدا ولأن حق الرد بالعيب إنما يثبت استدراكا للفائت وهو صفة السلامة المستحقة بالعقد والعيب إذا كان يسيرا لا يعرف الفوات بيقين لأن العيب اليسير يدخل تحت تقويم المقومين لا يخلو عنه فمن مقوم يقومه بدون العيب بألف ومن مقوم يقومه مع العيب بألف أيضا فلا يعلم فوات صفة السلامة بيقين فلا حاجة إلى الاستدراك بالرد بخلاف العيب الفاحش لأنه لا يختلف فيه المقومون فكان الفوات حاصلا بيقين فتقع الحاجة إلى استدراك الفائت بالرد إلا أن هذا المعنى يشكل بالبيع وأخواته فإن العيب اليسير فيها يوجب حق الرد وإن كان هذا المعنى موجودا فيها فالأصح هو الوجه الأول ولا شفعة في المهر لأن من شرائط ثبوت حق الشفعة معاوضة المال بالمال لما نذكره في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى والنكاح معاوضة البضع بالمال فلا يثبت فيه حق الشفعة
فصل وأما بيان ما يتأكد به المهر فالمهر يتأكد بأحد معان ثلاثة الدخول والخلوة الصحيحة وموت أحد الزوجين سواء كان مسمى أو مهر المثل حتى لا يسقط شيء منه بعد ذلك إلا بالإبراء من صاحب الحق أما التأكد بالدخول فمتفق عليه والوجه فيه أن المهر قد وجب بالعقد وصار دينا في ذمته والدخول لا يسقطه لأنه استيفاء المعقود عليه واستيفاء المعقود عليه يقرر البدل لا أن يسقطه كما في الإجارة ولأن المهر يتأكد بتسليم المبدل من غير استيفائه لما نذكر فلأن يتأكد بالتسليم مع الاستيفاء أولى وأما التأكد بالخلوة فمذهبنا وقال الشافعي لا يتأكد المهر بالخلوة حتى لو خلا بها خلوة صحيحة ثم طلقها قبل الدخول بها في نكاح فيه تسمية يجب عليه كمال المسمى عندنا وعنده نصف المسمى وإن لم يكن في النكاح تسمية يجب عليه كمال مهر المثل عندنا وعنده يجب عليه المتعة وعلى هذا الاختلاف وجوب العدة بعد الخلوة قبل الدخول عندنا تجب وعنده لا تجب واحتج بقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم أوجب الله تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية لأن المراد من المس هو الجماع ولم يفصل بين حال وجود الخلوة وعدمها فمن أوجب كل المفروض فقد خالف النص وقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن أي ولم تفرضوا لهن فريضة فمتعوهن أوجب الله تعالى لهن المتعة في الطلاق في نكاح لا تسمية فيه مطلقا من غير فصل بين حال وجود الخلوة وعدمها وقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن فدلت الآية الشريفة على نفي وجوب العدة ووجوب المتعة قبل الدخول من غير فصل ولأن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو منافع البضع واستيفاؤها بالوطء ولم يوجد ولا ضرورة لها في التوقف لأن الزوج لا يخلو إما أن يستوفي أو يطلق فإن استوفى تأكد حقها وإن طلق يفوت عليها نصف المهر لكن بعوض هو خير لها لأن المعقود عليه يعود عليها سليما مع سلامة نصف المهر لها بخلاف الإجارة أنه تتأكد الأجرة فيها بنفس التخلية ولا يتوقف التأكد على استيفاء المنافع لأن في التوقف هناك ضرر ( ( ( ضررا ) ) ) بالأجر لأن الإجارة مدة معلومة فمن الجائز أن يمنع المستأجر من استيفاء المنافع مدة الإجارة بعد التخلية فلو توقف تأكد الأجرة على حقيقة الاستيفاء وربما لا يستوفى لفائت المنافع عليه مجانا بلا عوض فيتضرر به الأجر فأقيم التمكن من الانتفاع مقام استيفاء المنفعة دفعا للضرر عن الآجر وههنا لا ضرر في التوقف على ما بينا فتوقف التأكد على حقيقة الاستيفاء ولم يوجد فلا يتأكد ولنا قوله عز وجل وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض نهى سبحانه وتعالى الزوج عن أخذ شيء مما ساق إليها من المهر عند الطلاق وأبان عن معنى النهي لوجود الخلوة كذا قال القراء إن الإفضاء هو الخلوة دخل بها أو لم يدخل ومأخذ اللفظ دليل على أن المراد منه الخلوة الصحيحة لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض وهو الموضع الذي لا نبات فيه ولا بناء فيه ولا حاجز يمنع عن إدراك ما فيه فكان المراد منه الخلوة على هذا الوجه وهي التي لا حائل فيها ولا مانع من الاستمتاع عملا بمقتضى اللفظ فظاهر النص يقتضي أن لا يسقط شيء منه بالطلاق إلا أن سقوط النصف بالطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة في نكاح فيه تسمية وإقامة المتعة مقام نصف مهر المثل في نكاح لا تسيمة ( ( ( تسمية ) ) ) فيه ثبت بدليل آخر فبقي حال ما بعد الخلوة على ظاهر النص
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كشف خمار امرأته ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل وهذا نص في الباب وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنه قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملا وعليها العدة دخل بها أو لم يدخل بها وحكى الطحاوي في هذه المسألة إجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم ولأن المهر قد وجب بنفس العقد أما في نكاح فيه تسمية فلا شك فيه وإما في نكاح لا تسمية فيه فلما ذكرنا في مسألة المفوضة إلا أن الوجوب بنفس العقد ثبت موسعا ويتضيق عند المطالبة والدين المضيق واجب القضاء قال النبي صلى الله عليه وسلم الدين مضيق ولأن المهر متى صار ملكا لها بنفس العقد فالملك الثابت لإنسان لا يجوز أن يزول إلا بإزالة المالك أو بعجزه عن الانتفاع بالمملوك حقيقة إما لمعنى يرجع إلى المالك أو لمعنى يرجع إلى المحل ولم يوجد شيء من ذلك فلا يزول إلا عند الطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة سقط النصف بإسقاط الشرع غير معقول المعنى إلا بالطلاق لأن الطلاق فعل الزوج والمهر ملكها والإنسان لا يملك إسقاط حق الغير عن نفسه ولأنها سلمت المبدل إلى زوجها فيحب ( ( ( فيجب ) ) ) على زوجها تسليم البدل إليها كما في البيع والإجارة والدليل على أنها سلمت المبدل أن المبدل هو ما يستوفى بالوطء وهو المنافع إلا أن المنافع قبل الاستيفاء معدومة فلا يتصور تسليمها لكن لها محل موجود وهو العين وأنها متصور التسليم حقيقة فيقام تسليم العين مقام تسليم المنفعة كما في الإجارة وقد وجد تسليم المحل لأن التسليم هو جعل الشيء سالما للمسلم إليه وذلك برفع الموانع وقد وجد لأن الكلام في الخلوة الصحيحة وهي عبارة عن التمكن من الانتفاع ولا يتحقق التمكن إلا بعد ارتفاع الموانع كلها فثبت أنه وجد منها تسليم المبدل فيجب على الزوج تسليم البدل لأن هذا عقد معاوضة وأنه يقتضي تسليما بإزاء التسليم كما يقتضي ملكا بإزاء ملك تحقيقا بحكم المعاوضة كما في البيع والإجارة وأما الآية فقال بعض أهل التأويل أن المراد من المسيس هو الخلوة فلا تكون حجة على أن فيها إيجاب نصف المفروض لا إسقاط النصف الباقي ألا ترى أن من كان في يده عبد فقال نصف هذا العبد لفلان لا يكون ذلك نفيا للنصف الباقي فكان حكم النصف الباقي مسكوتا عنه فبقيت على قيام الدليل وقد قام الدليل على البقاء وهو ما ذكرنا فيبقى وأما قوله التأكد إنما يثبت باستيفاء المستحق فممنوع بل كما يثبت باستيفاء المستحق يثبت بتسليم المستحق كما في الإجارة وتسليمه بتسليم محله وقد حصل ذلك بالخلوة الصحيحة على ما بينا ثم تفسير الخلوة الصحيحة هو أن لا يكون هناك مانع من الوطء لا حقيقي ولا شرعي ولا طبعي أما المانع الحقيقي فهو أن يكون أحدهما مريضا مرضا يمنع الجماع أو صغيرا لا يجامع مثله أو صغيرة لا يجامع مثلها أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء لأن الرتق والقرن يمنعان من الوطء وتصح خلوة الزوج إن كان الزوج عنينا أوخصيا لأن العنة والخصاء لا يمنعان من الوطء فكانت خلوتهما كخلوة غيرهما وتصح خلوة المجبوب في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا تصح وجه قولهما أن الجب يمنع من الوطء فيمنع صحة الخلوة كالقرن والرتق ولأبي حنيفة أنه يتصور منه السحق والإيلاد بهذا الطريق ألا ترى لو جاءت امرأته بولد يثبت النسب منه بالإجماع واستحقت كمال المهر إن طلقها وإن لم يوجد منه الوطء المطلق فيتصور في حقه ارتفاع المانع من وطء مثله فتصح خلوته وعليها العدة أما عنده فلا يشكل لأن الخلوة إذا صحت أقيمت مقام الوطء في حق تأكد المهر ففي حق العدة أولى لأنه يحتاط في إيجابها وأما عندهما فقد ذكر الكرخي أن عليها العدة عندهما أيضا
وقال أبو يوسف إن كان المجبوب ينزل فعليها العدة لأن المجبوب قد يقذف بالماء فيصل إلى الرحم ويثبت نسب ولده فتجب العدة احتياطا فإن جاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه ووجب لها جميع الصداق لأن الحكم بثبات النسب يكون حكما بالدخول فيتأكد المهر على قولهما أيضا وإن كان لا ينزل فلا عدة عليها فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه وإلا فلا يثبت كالمطلقة قبل الدخول وكالمتعدة ( ( ( وكالمعتدة ) ) ) إذا أقرت بانقضاء العدة وأما المانع الشرعي فهو أن يكون أحدهما صائما صوم رمضان أو محرما بحجة فريضة أو نفل أو بعمرة أو تكون المرأة حائضا أو نفساء لأن كل ذلك محرم للوطء فكان مانعا من الوطء شرعا والحيض والنفاس يمنعان منه طبعا أيضا لأنهما أذى والطبع السليم ينفر عن استعمال الأذى وأما في غير صوم رمضان فقد روى بشر عن أبي يوسف أن صوم التطوع وقضاء رمضان والكفارات والنذور لا يمنع صحة الخلوة وذكر الحاكم الجليل في مختصره أن نفل الصوم كفرضه فصار في المسألة روايتان وجه رواية المختصر أن صوم التطوع يحرم الفطر من غير عذر فصار كحج التطوع وذا يمنع صحة الخلوة كذا هذا وجه رواية بشر أن صوم غير رمضان مضمون بالقضاء لا غير فلم يكن قويا في معنى المنع بخلاف صوم رمضان فإنه يجب فيه القضاء والكفارة وكذا حج التطوع فقوي المانع ووجه آخر من الفرق بين صوم التطوع وبين صوم رمضان أن تحريم الفطر في صوم التطوع من غير عذر غير مقطوع به لكونه محل الاجتهاد وكذا لزوم القضاء بالإفطار فلم يكن مانعا بيقين وحرمة الأفطار في صوم رمضان من غير عذر مقطوع بها وكذا لزوم القضاء فكان مانعا بيقين وأما المانع الطبعي فهو أن يكون معهما ثالث لأن الإنسان يكره أن يجامع امرأته بحضرة ثالث ويستحي فينقبض عن الوطء بمشهد منه وسواء كان الثالث بصيرا أو أعمى يقظا ( ( ( يقظانا ) ) ) أو نائما بالغا أو صبيا بعد أن كان عاقلا رجلا أو امرأة أجنبية أو منكوحته لأن الأعمى إن كان لا يبصر فيحس والنائم يحتمل أن يستيقط ( ( ( يستيقظ ) ) ) ساعة فساعة فينقبض الإنسان عن الوطء مع حضوره والصبي العاقل بمنزلة الرجل يحتشم الإنسان منه كما يحتشم من الرجل وإذا لم يكن عاقلا فهو ملحق بالبهائم لا يمتنع الإنسان عن الوطء لمكانه ولا يلتفت إليه والإنسان يحتشم من المرأة الأجنبية ويستحي وكذا لا يحل لها النظر إليهما فينقبضان لمكانها وإذا كان هناك منكوحة له أخرى أو تزوج امرأتين فخلا بهما فلا يحل لها النظر إليهما فينقبض عنها وقد قالوا إنه لا يحل لرجل أن يجامع امرأته بمشهد امرأة أخرى ولو كان الثالث جارية له فقد روى أن محمدا كان يقول أولا تصح خلوته ثم رجع وقال لا تصح وجه قوله الأول أن الأمة ليست لها حرمة الحرة فلا يحتشم المولى منها ولذا يجوز لها النظر إليه فلا تمنعه عن الوطء وجه قوله الأخير أن الأمة إن كان يجوز لها النظر إليه لا يجوز لها النظر إليها فتنقبض المرأة لذلك وكذا قالوا لا يحل له الوطء بمشهد منها كما لا يحل بمشهد امرأته الأخرى ولا خلوة في المسجد والطريق والصحراء وعلى سطح لا حجاب عليه لأن المسجد يجمع الناس للصلاة ولا يؤمن من الدخول عليه ساعة فساعة وكذا الوطء في المسجد حرام قال الله عز وجل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد والطريق ممر الناس لا تخلو عنهم عادة وذلك يوجب الإنقباض فيمنع الوطء وكذا الصحراء والسطح من غير حجاب لأن الإنسان ينقبض عن الوطء في مثله لاحتمال أن يحصل هناك ثالث أو ينظر إليه أحد معلوم ذلك بالعادة
ولو خلا بها في حجلة أو قبة فأرخى الستر عليه فهو خلوة صحيحة لأن ذلك في معنى البيت ولا خلوة في النكاح الفاسد لأن الوطء فيه حرام فكان المانع الشرعي قائما ولأن الخلوة مما يتأكد به المهر وتأكده بعد وجوبه يكون ولا يجب بالنكاح الفاسد شيء فلا يتصور التأكد والله عز وجل أعلم ثم في كل موضع صحت الخلوة وتأكد المهر وجبت العدة لأن الخلوة الصحيحة لما أوجبت كمال المهر فلأن توجب العدة أولى لأن المهر خالص حق العبد وفي العدة حق الله تعالى فيحتاط فيها وفي كل موضع فسدت فيه الخلوة لا يجب كمال المهر وهل تجب العدة ينظر في ذلك إن كان الفساد لمانع حقيقي لا تجب لأنه لا يتصور الوطء مع وجود المانع الحقيقي منه وإن كان المانع شرعيا أو طبعيا تجب لأن الوطء مع وجود هذا النوع من المانع ممكن فيتهمان في الوطء فتجب العدة عند الطلاق احتياطا والله عز وجل الموفق وأما التأكد بموت أحد الزوجين فنقول لا خلاف في أن أحد الزوجين إذا مات حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه تسمية أنه يتأكد المسمى سواء كانت المرأة حرة أو أمة لأن المهر كان واجبا بالعقد والعقد لم ينفسخ بالموت بل انتهى نهايته لأنه عقد للعمر فتنتهي نهايته عند انتهاء العمر وإذا انتهى يتأكد فيما مضى ويتقرر بمنزلة الصوم يتقرر بمجيء الليل فيتقرر الواجب ولأن كل المهر لما وجب بنفس العقد صار دينا عليه والموت لم يعرف مسقطا للدين في أصول الشرع فلا يسقط شيء منه بالموت كسائر الديون وكذا إذا قتل أحدهما سواء كان قتله أجنبي أو قتل أحدهما صاحبه أو قتل الزوج نفسه فأما إذا قتلت المرأة نفسها فإن كانت حرة لا يسقط عن الزوج شيء من المهر بل يتأكد المهر عندنا وعند زفر والشافعي يسقط المهر وجه قولهما أنها بالقتل فوتت على الزوج حقه في المبدل فيسقط حقها في البدل كما إذا ارتدت قبل الدخول أو قبلت ابن زوجها أو أباه ولنا أن القتل إنما يصير تفويتا للحق عند زهوق الروح لأنه إنما يصير قتلا في حق المحل عند ذلك والمهر في تلك الحالة ملك الورثة فلا يحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو أجنبي بخلاف الردة والتقبيل لأن المهر وقت التقبيل والردة كان ملكها فاحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو قتل المولى أمته سقط مهرها في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا يسقط بل يتأكد وجه قولهما أن الموت مؤكد للمهر وقد وجد الموت لأن المقتول ميت بأجله فيتأكد بالموت كما إذا قتلها أجنبي أو قتلها زوجها وكالحرة إذا قتلت نفسها ولأن الموت إنما أكد المهر لأنه ينتهي به النكاح والشيء إذا انتهى نهايته يتقرر وهذا المعنى موجود في القتل لأنه ينتهي به النكاح فيتقرر به المبدل وتقرر المبدل يوجب تقرر البدل ولأبي حنيفة أن من له البدل فوت المبدل على صاحبه وتفويت المبدل على صاحبه يوجب سقوط البدل كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض أنه يسقط الثمن لما قلنا
كذا هذا ولا شك أنه وجد تفويت المبدل ممن يستحق البدل لأن المستحق للمبدل هو المولى وقد أخرج المبدل عن كونه مملوكا للزوج والدليل على أن هذا يوجب سقوط البدل أن الزوج لا يرضى بملك البدل عليه بعد فوات المبدل عن ملكه فكان إيفاء البدل عليه بعد زوال المبدل عن مكله ( ( ( ملكه ) ) ) إضرارا به والأصل في الضرر أن لا يكون فكان إقدام المولى على تفويت المبدل عن ملك الزوج والحالة هذه إسقاطا للبدل دلالة فصار كما لو أسقطه نصا بالإبراء بخلاف الحرة إذا قتلت نفسها لأنها وقت فوات المبدل لم تكن مستحقة للبدل لانتقاله إلى الورثة على ما بينا والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره وههنا بخلافه ولأن المهر وقت فوات المبدل على الزوج ملك المولى وحقه والإنسان يملك التصرف في ملك نفسه استيفاء وإسقاطا فكان محتملا للسقوط بتفويت المبدل دلالة كما كان محتملا للسقوط بالإسقاط نصا بالإبراء وهو الجواب عما إذا قتلها زوجها أو أجنبي لأنه لا حق للأجنبي ولا للزوج في مهرها فلا يحتمل السقوط بإسقاطهما ولهذا لا يحتمل السقوط بإسقاطهما نصا فكيف يحتمل السقوط من طريق الدلالة والدليل على التفرقة بين هذه الفصول أن قتل الحرة نفسها لا يتعلق به حكم من أحكام الدنيا فصار كموتها حتف أنفها حتى قال أبو حنيفة ومحمد أنها تغسل ويصلى عليها كما لو ماتت حتف أنفها وقتل المولى أمته يتعلق به وجوب الكفارة وقتل الأجنبي إياها يتعلق به وجوب القصاص إن كان عمدا والدية والكفارة إن كان خطأ فلم يكن قتلها بمنزلة الموت هذا إذا قتلها المولى فأما إذا قتلت نفسها فعن أبي حنيفة فيه روايتان روى أبو يوسف عنه أنه لا مهر لها وروى محمد عنه أن لها المهر وهو قولهما وجه الرواية الأولى إن قتلها نفسها بمنزلة قتل المولى إياها بدليل أن جنايتها كجنايته في باب الضمان لأنها مضمونة بمال المولى ولو قتلها المولى يسقط المهر عنده فكذا إذا قتلت نفسها وجه الرواية الأخرى أن البدل حق المولى وملكه فتفويت المبدل منها لا يوجب بطلان حق المولى بخلاف جناية المولى والدليل على التفرقة بين الجنايتين أن جنايتها على نفسها هدر بدليل أنه لا يتعلق بها حكم من أحكام الدنيا فالتحقت بالعدم وصارت كأنها ماتت حتف أنفها بخلاف جناية المولى عليها فإنها مضمونة بالكفارة وهي من أحكام الدنيا فكانت جنايته عليها معتبرة فلا تجعل بمنزلة الموت والله عز وجل الموفق وإذا تأكد المهر بأحد المعاني التي ذكرناها لايسقط بعد ذلك وإن كانت الفرقة من قبلها لأن البدل بعد تأكده لا يحتمل السقوط إلا بالإبراء كالثمن إذا تأكد بقبض المبيع وأما إذا مات أحد الزوجين في نكاح لا تسمية فيه فإنه يتأكد مهر المثل عند أصحابنا وهو مذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وعن علي رضي الله عنه أن لها المتعة وبه أخذ الشافعي إلا أنه قال متعتها ما استحقت من الميراث لا غير احتج من قال بوجوب المتعة بقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن وقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات إلى قوله عز وجل فمتعوهن أمر سبحانه وتعالى بالمتعة من غير فصل بين حال الموت وغيرها والنص وإن ورد في الطلاق لكنه يكون واردا في الموت ألا ترى أن النص ورد في صريح الطلاق ثم ثبت حكمه في الكنايات ( ( ( الكتابات ) ) ) من الإبانة والتسريح والتحريم ونحو ذلك كذا ههنا
ولنا ما روينا عن معقل بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها بمهر المثل ولأن المعنى الذي له وجب كل المسمى بعد موت أحد الزوجين في نكاح فيه تسمية موجود في نكاح لا تسمية فيه وهو ما ذكرنا فيما تقدم ولا حجة له في الآية لأن فيها إيجاب المتعة في الطلاق لا في الموت فمن ادعى إلحاق الموت بالطلاق فلا بد له من دليل آخر فصل وأما بيان ما يسقط به كل المهر فالمهر كله يسقط بأسباب أربعة منها الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها فكل فرقة حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة تسقط جميع المهر سواء كانت من قبل المرأة أو من قبل الزوج وإنما كان كذلك لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخا للعقد وفسخ العقد قبل الدخول يوجب سقوط كل المهر لأن فسخ العقد رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن وسنبين الفرقة التي تكون بغير طلاق والتي تكون بطلاق إن شاء الله تعالى في موضعها ومنها الإبراء عن كل المهر قبل الدخول وبعده إذا كان المهر دينا لأن الإبراء إسقاط والإسقاط ممن هو من أهل الإسقاط في محل قابل للسقوط يوجب السقوط ومنها الخلع على المهر قبل الدخول وبعده ثم إن كان المهر غير مقبوض سقط عن الزوج وإن كان مقبوضا ردته على الزوج وإن كان خالعها على مال سوى المهر يلزمها ذلك المال ويبرأ الزوج عن كل حق وجب لها عليه بالنكاح كالمهر والنفقة الماضية في قول أبي حنيفة لأن الخلع وإن كان طلاقا بعوض عندنا لكن فيه معنى البراءة لما نذكره إن شاء الله تعالى في مسألة المخالعة والمبارأة في كتاب الطلاق في بيان حكم الخلع وعمله إن شاء الله تعالى ومنها هبة كل المهر قبل القبض عينا كان أو دينا وبعده إذا كان عينا وجملة الكلام في هبة المهر أن المهر لا يخلو إما أن يكون عينا وهو أن يكون معينا مشارا إليه مما يصح تعيينه وإما أن يكون دينا وهو أن يكون في الذمة كالدراهم والدنانير معينة كانت أو غير معينة والمكيلات والموزونات في الذمة والحيوان في الذمة كالعبد والفرس والعرض في الذمة كالثوب الهروي والحال لا يخلو إما أن يكون قبل القبض وإما أن يكون بعد القبض وهبت كل المهر أو بعضه فإن وهبته كل المهر قبل القبض ثم طلقها قبل الدخول بها فلا شيء له عليها سواء كان المهر عينا أو دينا في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يرجع عليها بنصف المهر إن كان دينا وبه أخذ الشافعي وجه قول زفر أنها بالهبة تصرفت في المهر بالإسقاط وإسقاط الدين استهلاكه والاستهلاك يتضمن القبض فصار كأنها قبضت ثم وهبت ولنا أن الذي يستحقه الزوج بالطلاق قبل القبض عاد إليه من جهتها بسبب لا يوجب الضمان لأنه يستحق نصف المهر فقد عاد إليه بالهبة والهبة لا توجب الضمان فلا يكون له حق الرجوع عليها بالنصف كالنصف الآخر وإن وهبت بعد القبض فإن كان الموهوب عينا فقبضه ثم وهبه منها لم يرجع عليها بشيء لأن ما تستحقه بالطلاق قبل الدخول هو نصف الموهوب بعينه وقد رجع إليه بعقد لا يوجب الضمان فلم يكن له الرجوع عليها وإن كانت دينا في الذمة فإن كان حيوانا أو عرضا فكذلك لا يرجع عليها بشيء لأن الذي تستحقه بالطلاق قبل الدخول نصف ذلك الشيء بعينه من العبد والثوب فصار كأنه تعين بالعقد
وإن كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة أو مكيلا أو موزونا سوى الدراهم والدنانير فقبضته ثم وهبته منه ثم طلقها يرجع عليها بمثل نصفه لأن المستحق بالطلاق ليس هو الذي وهبته بعينه بل مثله بدليل أنها كانت مخيرة في الدفع إن شاءت دفعت ذلك بعينه وإن شاءت دفعت مثله كما كان الزوج مخيرا في الدفع إليها بالعقد فلم يكن العائد إليه عين ما يستحقه بالطلاق قبل الدخول فصار كأنها وهبت مالا آخر ولو كان كذلك لرجع عليها بمثل نصف الصداق كذا هذا وقال زفر في الدراهم والدنانير إذا كانت معينة فقبضتها ثم وهبتها ثم طلقها أنه لا رجوع للزوج عليها بشيء بناء على أن الدراهم والدنانير عنده تتعين بالعقد فتتعين بالفسخ أيضا كالعروض وعندنا لا تتعين بالعقد فلا تتعين بالفسخ والمسألة ستأتي في كتاب البيوع وكذلك إذا كان المهر دينا فقبضت الكل ثم وهبت البعض فللزوج أن يرجع عليها بنصف المقبوض لأن له أن يرجع عليها إذا وهبت الكل فإذا وهبت البعض أولى وإذا قبضت النصف ثم وهبت النصف الباقي أو وهبت الكل ثم طلقها قبل الدخول بها قال أبو حنيفة لا يرجع الزوج عليها بشيء وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليها بربع المهر وجه قولهما أن المستحق للزوج بالطلاق قبل الدخول نصف المهر فإذا قبضت النصف دون النصف فقد استحقق ( ( ( استحق ) ) ) النصف مشاعا فيما في ذمته وفيما قبضت فكان نصف النصف وهو ربع الكل في ذمته ونصف النصف فيما قبضت إلا أنها إذا لم تكن وهبته حتى طلقها لم يرجع عليها بشيء لأنه صار ما في ذمته قصاصا بماله عليها فإذا وهب ( ( ( وهبت ) ) ) بقي حقه في نصف ما في يدها وهو الربع فيرجع عليها بذلك ولأبي حنيفة أن الذي يستحقه الزوج بالطلاق قبل الدخول ما في ذمته بدليل أنها لو لم تكن وهبت وطلقها لم يرجع عليها بشيء وقد عاد إليه ما كان في ذمته بسبب لا يوجب الضمان وهو الهبة فلا يكون له الرجوع بشيء ولو كان المهر جارية فولدت بعد القبض أو جنى عليها فوجب الأطرش ( ( ( الأرش ) ) ) أو كان شجرا فأثمر أو دخله عيب ثم وهبته منه ثم طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف القيمة لأن حق الزوج ينقطع عن العين بهذه العوارض بدليل أنه لا يجوز له أخذها مع الزيادة وإذا كان حقه منقطعا عنها لم يعد إليه بالهبة ما استحقه بالطلاق فكان له قيمتها وإذا حدث به عيب فألحق وإن لم ينقطع عن العين به لكن يجوز له تركه مع العيب فلم يكن الحق متعلقا بالعين على سبيل اللزوم ولم يكن الواصل إلى الزوج عين ما يستحقه بالطلاق ولو كانت الزيادة في بدنها فوهبتها له ثم طلقها كان له أن يضمنها في قول أبي يوسف وأبي حنيفة خلافا لمحمد بناء على أن الزيادة المتصلة لا تمنع التنصيف عندهما وعنده تمنع وإذا باعته المهر أو وهبته على عوض ثم طلقها رجع عليها بمثل نصفه فيما له مثل وبنصف القيمة فيما لا مثل له لأن المهر عاد إلى الزوج بسبب يتعلق به الضمان فوجب له الرجوع وإذا ثبت له الرجوع ضمنها كما لو باعته من أجنبي ثم اشتراه الزوج من الأجنبي ثم إن كانت باعت قبل القبض فعليها نصف القيمة يوم البيع لأنه دخل في ضمانها بالبيع وإن كانت قبضت ثم باعت فعليها نصف القيمة يوم القبض لأنه دخل في ضمانها بالقبض والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان ما يسقط به نصف المهر فما يسقط به نصف المهر نوعان نوع يسقط به نصف المهر صورة ومعنى ونوع يسقط به نصف المهر معنى والكل صورة أما النوع الأول فهو الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر والمهر دين لم يقبض بعد
وجملة الكلام فيه أن الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية قد يسقط به عن الزوج نصف المهر وقد يعود به إليه النصف وقد يكون له به مثل النصف صورة ومعنى أو معنى لا صورة وبيان هذه الجملة أن المهر المسمى إما أن يكون دينا وإما أن يكون عينا وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون مقبوضا وإما أن يكون غير مقبوض فإن كان دينا فلم يقبضه حتى طلقها قبل الدخول بها سقط نصف المسمى بالطلاق وبقي النصف هذا طريق عامة المشايخ وقال بعضهم إن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع المسمى وإنما يجب نصف آخر ابتداء على طريقة المتعة لا بالعقد إلا أن هذه المتعة مقدرة بنصف المسمى والمتعة في الطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه غير مقدرة بنصف مهر المثل وإلى هذا الطريق ذهب الكرخي والرازي وكذا روي عن إبراهيم النخعي أنه قال في الذي طلق قبل الدخول وقد سمى لها أن لها نصف المهر وذلك متعتها واحتجوا بقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن أوجب الله تعالى المتعة في الطلاق قبل الدخول من غير فصل بين ما إذا كان في النكاح تسمية أو لم يكن إلا أن هذه المتعة قدرت بنصف المسمى بدليل آخر وهو قوله عز وجل فنصف ما فرضتم ولأن النكاح انفسخ بالطلاق قبل الدخول لأن المعقود عليه عاد سليما إلى المرأة وسلامة المبدل لأحد المتعاقدين يقتضي سلامة البدل للآخر كما في الإقالة في باب البيع قبل القبض وهذ لأن المبدل إذا عاد سليما إلى المرأة فلو لم تسلم البدل إلى الزوج لاجتمع البدل والمبدل في ملك واحد في عقد المعاوضة وهذا لا يجوز ولهذا المعنى سقط الثمن عن المشتري بالإقالة قبل القبض كذا المهر ولعامة المشايخ قوله عز وجل وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم أوجب سبحانه وتعالى نصف المفروض فإيجاب نصف آخر على طريق المتعة إيجاب ما ليس بمفروض وهذا خلاف النصل ( ( ( النص ) ) ) ولأن الطلاق تصرف في الملك بالإبطال وضعا لأنه موضوع لرفع القيد وهو الملك فكان تصرفا في الملك ثم إذا بطل الملك لا يبقى النكاح في المستقبل وينتهي لعدم فائدة البقاء ويتقرر فيما مضى بمنزلة الإعتاق لأنه إسقاط الملك فيكون تصرفا في الملك ثم السبب ينتهي في المستقبل لعدم فائدة البقاء ويتقرر فيما مضى كذا الطلاق وكان ينبغي أن لا يسقط شيء من المهر كما لا يسقط بالموت إلا أن سقوط النصف ثبت بدليل ولأن المهر يجب بإحداث ملك المتعة جبرا للذل بالقدر الممكن وبالطلاق لا يتبين أن الملك لم يكن إلا أنه سقط بالنص وأما النص فقد قيل إنه منسوخ بالنص الذي في سورة البقرة وهو قوله عز وجل وإن طلقتموهن الآية أو يحمل الأمر بالتمتع على الندب والاستحباب أو يحمل على الطلاق في نكاح لا تسمية فيه عملا بالدلائل وقولهم الطلاق فسخ النكاح ممنوع بل هو تصرف في الملك بالقطع والإبطال فيظهر أثره في المستقبل كالإعتاق وبه تبين أن المعقود عليه ما عاد إلى المرأة لأن المعقود عليه هو ملك المتعة وأنه لا يعود إلى المرأة بل يبطل ملك الزوج عن المتعة بالطلاق ويصير لها في المستقبل إلا أن يعود أو يقال إن الطلاق قبل الدخول يشبه الفسخ لما قالوا ويشبه الإبطال لما قلنا وشبه الفسخ يقتضي سقوط كل البدل كما في الإقالة قبل القبض وشبه الإبطال يقتضي أن لا يسقط شيء من البدل كما في الإعتاق قبل القبض فينتصف ( ( ( فيتنصف ) ) ) توفير الحكم على الشبهين عملا بهما بقدر الإمكان والدليل على صحة هذا الطريق ما ظهر من القول عن أصحابنا فيمن تزوج امرأة على خمس من الإبل السائمة وسلمها إلى المرأة فحال عليها الحول ثم طلقها قبل الدخول بها أنه يسقط عنها نصف الزكاة
ولو سقط المسمى كله ثم وجب نصفه بسبب آخر لسقط كل الزكاة ولأن القول بسقوط كل المهر ثم يوجب نصفه غير مفيد والشرع لا يرد بما لا فائدة فيه والله عز وجل أعلم ولو شرط مع المسمى الذي هو مال ما ليس بمال بأن تزوجها على ألف درهم وعلى أن يطلق امرأته الأخرى أو على أن لا يخرجها من بلدها ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف المسمى وسقط الشرط لأن هذا شرط إذا لم يقع الوفاءبه يجب تمام مهر المثل ومهر المثل لا يثبت في الطلاق قبل الدخول فسقط اعتباره فلم يبق إلا المسمى فيتنصف وكذلك إن شرط مع المسمى شيئا مجهولا كما إذا تزوجها على ألف درهم وكرامتها أو على ألف درهم وأن يهدي إليها هدية ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف المسمى لأنه إذا لم يف بالكرامة والهدية يجب تمام مهر المثل ومهر المثل لا مدخل له في الطلاق قبل الدخول فسقط اعتبار هذا الشرط وكذلك لو تزوجها على ألف أو على ألفين حتى وجب مهر المثل في قول أبي حنيفة وفي قولهما الأقل ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف الألف بالإجماع أما عند أبي حنيفة فلأن الواجب هو مهر المثل وأنه لا يثبت في الطلاق قبل الدخول وأما عندهما فلأن الواجب هو الأقل فيتنصف وكذلك لو تزوجها على ألف إن لم يكن له امرأة وعلى ألفين إن كانت له امرأة حتى فسد الشرط التالي عند أبي حنيفة فطلقها قبل الدخول فلها نصف الأقل لما قلنا وعندهما الشرطان جائزان فأيهما وجد فلها نصف ذلك بالطلاق قبل الدخول ولو تزوجها على أقل من عشرة ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف ما سمى وتمام خمسة دراهم لأن تسمية ما دون العشرة تسمية للعشرة عندنا فكأنه تزوجها على ذلك الشيء وتمام عشرة دراهم وإن كان قبضته فإن كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة أو كان مكيلا أو موزونا في الذمة فقبضته وهو قائم في يدها فطلقها فعليها رد نصف المقبوض وليس عليها رد عين ما قبضت لأن عين المقبوض لم يكن واجبا بالعقد فلا يكن واجبا بالفسخ وأما على أصل زفر فالدراهم والدنانير تتعين بالعقد فتتعين بالفسخ فعليها رد نصف عين المقبوض ( ( ( المقبوص ) ) ) إن كان قائما وإن كان عبدا وسطا أو ثوبا وسطا فسلمه إليها ثم طلقها قبل الدخول بها فعليها رد نصف المقبوض لأن العبد لا مثل له والأصل فيما لا مثل له أنه لا يجب في الذمة إلا أنه وجب الوسط منه في الذمة وتحملت الجهالة فيه لما ذكرنا فيما تقدم فإذا تعين بالقبض كان إيجاب نصف العين أعدل من إيجاب المثل أو القيمة فوجب عليها رد نصف عين المقبوض كما لو كان معينا فقبضته ولا يملكه الزوج بنفس للطلاق ( ( ( الطلاق ) ) ) لما نذكر وهذا إذا كان المهر دينا فقبضته أو لم تقبضه حتى ورد الطلاق قبل الدخول فأما إذا كان عينا بأن كان معينا مشارا إليه مما يحتمل التعيين كالعبد والجارية وسائر الأعيان فلا يخلو أما أن كان بحاله لم يزد ولم ينقص وأما إن زاد أو نقص فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص فإن كان غير مقبوض فطلقها قبل الدخول بها عاد الملك في النصف إليه بنفس الطلاق ولا يحتاج للعود إليه إلى الفسخ والتسليم منها حتى لو كان المهر أمة فأعتقها الزوج قبل الفسخ والتسليم ينفذ إعتاقه في نصفها بلا خلاف وإن كان مقبوضا لا يعود الملك في النصف إليه بنفس الطلاق ولا ينفسخ ملكها في النصف حتى يفسخه الحاكم أو تسلمه المرأة وذكر ذلك في الزيادات وزاد عليه الفسخ من الزوج وهو أن يقول قد فسخت هذا جواب ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه ينفسخ ملكها في النصف بنفس الطلاق
وهو قول زفر حتى لو كان المهر أمة فأعتقها قبل الفسخ والتسليم جاز إعتاقها في جميعها ولا يجوز إعتاق الزوج فيها وعلى قول أبي يوسف لا يجوز إعتاقها إلا في النصف ويجوز إعتاق الزوج في نصفها وجه قول أبي يوسف أن الموجب للعود هو الطلاق وقد وجد فيعود ملك الزوج كالبيع إذا فسخ قبل القبض أنه يعود ملك البائع بنفس الفسخ كذا هذا وجه قولهما أن العقد وإن انفسخ بالطلاق فقد بقي القبض بالتسليط الحاصل بالعقد وأنه من أسباب الملك عندنا فكان سبب الملك قائما فكان الملك قائما فلا يزول إلا بالفسخ من القاضي لأنه فسخ سبب الملك أو بتسليمها لأن تسليمها نقض للقبض حقيقة أو بفسخ الزوج على رواية الزيادات لأنه بمنزلة المقبوض بحكم عقد فاسد وكل واحد من العاقدين بسبيل من فسخ عقد البيع الفاسد وصار كما لو اشترى عبدا بجارية فقبض العبد ولم يسلم الجارية حتى هلكت الجارية في يده أنه ينفسخ العقد في الجارية ويبقى الملك في العبد المقبوض إلى أن يسترد ( ( ( يسترده ) ) ) كأنه مقبوض بحكم عقد فاسد كذا هذا ولأن المهر بدل يملك بالعقد ملكا مطلقا فلا ينفسخ الملك فيه بفعل أحد العاقدين كالثمن في باب البيع بخلاف ما قبل القبض لأن غير المقبوض ( ( ( القبض ) ) ) ليس بمملوك ملكا مطلقا هذا إذا كان المهر بحاله لم يزد ولم ينقص فأما إذا زاد فالزيادة لا تخلو إما أن كانت في المهر أو على المهر فإن كانت على المهر بأن سمى الزوج لها ألفا ثم زادها بعد العقد مائة ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف الألف وبطلت الزيادة في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أن لها نصف الألف ونصف الزيادة أيضا وجه رواية أبي يوسف قوله عز وجل وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والزيادة مفروضة فيجب تنصيفها في الطلاق قبل الدخول ولأن الزيادة تلتحق بأصل العقد على أصل أصحابنا كالزيادة في الثمن في باب البيع ويجعل كأن العقد ورد على الأصل والزيادة جميعا فينتصف ( ( ( فيتنصف ) ) ) بالطلاق قبل الدخول كالأصل وجه ظاهر الرواية أن هذه الزيادة لم تكن مسماة في العقد حقيقة وما لم يكن مسمى في العقد فورود الطلاق قبل الدخول يبطله كمهر المثل وأما قوله الزيادة تلتحق بأصل العقد قلنا الزيادة على المهر لا تلتحق بأصل العقد لأنها وجدت متأخرة عن العقد حقيقة وإلحاق المتأخر عن العقد بالعقد خلاف الحقيقة فلا يصار إليه إلا لحاجة والحاجة إلى ذلك في باب البيع لكونه عقد معاينة ومبادلة المال بالمال فتقع الحاجة إلى الزيادة دفعا للخسران وليس النكاح عقد معاينة ولا مبادلة المال بالمال ولا يحترز به عن الخسران فلا ضرورة إلى تغيير الحقيقة وأما النص فالمراد منه الفرض في العقد لأنه هو المتعارف فينصرف المطلق إليه والدليل عليه قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم فدل أن الزيادة ليست بفريضة وإن كانت في المهر فالمهر لا يخلو إما أن يكون في يد الزوج وإما أن يكون في يد المرأة فإن كان في يد الزوج فالزيادة لا تخلو إما أن كانت متصلة بالأصل وإما أن كانت منفصلة عنه والمتصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الأصل كالسمن والكبر والجمال والبصر والسمع والنطق كإنجلاء بياض العين وزوال الخرس والصمم والشجر إذا أثمر والأرض إذا زرعت أو غير متولدة منه كالثوب إذا صبغ والأرض إذا بنى فيها بناء
وكذا المنفصلة لا تخلو إما أن كانت متولدة من الأصل كالولد والوبر والصوف إذا جزا ( ( ( جز ) ) ) والشعر إذا أزيل والثمر إذا جد والزرع إذا حصد أو كانت في حكم المتولدة ( ( ( المتولد ) ) ) منه كالأرش والعقر وأما إن كانت غير متولدة منه ولا في حكم المتولد كالهبة والكسب فإن كانت الزيادة متولدة من الأصل أو في حكم المتولد فهي مهر سواء كانت متصلة بالأصل أو منفصلة عنه حتى لو طلقها قبل الدخول بها يتنصف الأصل والزيادة جميعا بالأجماع لأن الزيادة تابعة للأصل لكونها نماء الأصل والأرش بدل جزء هو مهر فليقوم ( ( ( فليقم ) ) ) مقامه والعقر بدل ما هو في حكم الجزء فكان بمنزلة المتولد من المهر فإذا حدثت قبل القبض وللقبض شبه بالعقد فكان وجودها عند القبض كوجودها عند العقد فكانت محلا للفسخ وإن كانت غير متولدة من الأصل فإن كانت متصلة بالأصل فإنها تمنع التنصيف وعليها نصف قيمة الأصل لأن هذه الزيادة ليست بمهر لا مقصودا ولا تبعا لأنها لم تتولد من المهر فلا تكون مهرا فلا تتنصف ولا يمكن تنصيف الأصل بدون تنصيف الزيادة فامتنع التنصيف فيجب عليها نصف قيمة الأصل يوم الزيادة لأنها بالزيادة صارت قابضة للأصل فتعتبر قيمته يوم حكم بالقبض وإن كانت منفصلة عن الأصل فالزيادة ليست بمهر وهي كلها للمرأة في قول أبي حنيفة ولا تنتصف ( ( ( تتنصف ) ) ) وينتصف ( ( ( ويتنصف ) ) ) الأصل وعند أبي يوسف ومحمد هي مهر فتنتصف ( ( ( فتتنصف ) ) ) مع الأصل وجه ( ( ( ووجه ) ) ) قولهما أن هذه الزيادة تملك بملك الأصل فكانت تابعة للأصل فتتنصف مع الأصل كالزيادة المتصلة والمنفصلة المتولدة من الأصل كالسمن والولد ولأبي حنيفة أن هذه الزيادة ليست بمهر لا مقصودا ولا تبعا أما مقصودا فظاهر لأن العقد ما ورد عليها مقصودا وكذا هي غير مقصودة بملك الجارية لأنه لا يقصد بتملك الجارية الهبة لها وأما تبعا فلأنها ليست بمتولدة من الأصل فدل أنها ليست بمهر لا قصدا ولا تبعا وإنما هي مال المرأة فأشبهت سائر أموالها بخلاف الزيادة المتصلة المتولدة والمنفصلة المتولدة لأنها نماء المهر فكانت جزءا من أجزائه فتتنصف كما يتنصف الأصل ولو آجر الزوج المهر بغير إذن المرأة فالأجرة له لأن المنافع ليست بأموال متقومة بأنفسها عندنا وإنما تأخذ حكم المالية والتقوم بالعقد والعقد صدر من الزوج فكانت الأجرة له كالغاصب إذا آجر المغصوب ويتصدق بالأجرة لأنها مال حصل بسبب محظور وهو التصرف في ملك الغير بغير إذنه فيتمكن فيه الخبث فكان سبيله التصدق به هذا إذا كان المهر في يد الزوج فحدثت فيه الزيادة فأما إذا كان في يد المرأة أي قبل الفرقة فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل فإنها تمنع التنصيف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وللزوج عليها نصف القيمة يوم سلمه إليها وقال محمد لا تمنع ويتنصف الأصل مع الزيادة واحتج بقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم جعل سبحانه وتعالى في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه فرض نصف المفروض فمن جعل فيه نصف قيمة المفروض فقد خالف النص وإذا وجب تنصيف أصل المفروض ولا يمكن تنصيفه إلا بتنصيف الزيادة فيجب تنصيف الزيادة ضرورة ولأن هذه الزيادة تابعة للأصل من كل وجه لأنها قائمة به والأصل مهر فكذا الزيادة بخلاف الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل لأنها ليست بتابعة محضة لأن الولد بالانفصال صار أصلا بنفسه فلم يكن مهرا وبخلاف الزيادة المتصلة في الهبة أنها تمنع من الرجوع والاسترداد لأن حق الرجوع في الهبة ليس بثابت بيقين لكونه محل الاجتهاد فلا يمكن إلحاق الزيادة بحالة العقد فتعذر إيراد الفسخ عليها فيمنع الرجوع
وجه قولهما أن هذه الزيادة لم تكن موجودة عند العقد ولا عندما له شبه بالعقد وهو القبض فلا يكون لها حكم المهر فلا يمكن فسخ العقد فيها بالطلاق قبل الدخول لأن الفسخ إنما يرد على ما ورد عليه العقد والعقد لم يرد عليه أصلا فلا يرد عليه الفسخ كالزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل ولأنه لو نقض العقد فأما إن يرد نصف الأصل مع نصف الزيادة أو بدون الزيادة لا سبيل إلى الثاني لأنه لا يتصور رد الأصل بدون رد الزيادة المتصلة ولا سبيل إلى الأول لأنه يؤدي إلى الربا لأنها إذا لم تكن محلا للفسخ لعدم ورود العقد عليها كان أخذ الزيادة منها أخذ مال بلا عوض في عقد المعاوضة وهذا تفسير الربا ويجب نصف قيمة المفروض لا نصف المفروض لأن المفروض صار بمنزلة الهالك وأما الآية الكريمة فلا حجة له فيها لأن مطلق المفروض ينصرف إلى المفروض المتعارف وهو الأثمان دون السلع والأثمان لا تحتمل الزيادة والنقصان وعلى هذا الاختلاف الزيادة المتصلة في البيع إذا اختلفا أنها تمنع التحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا تمنع ولو هلكت هذه الزيادة في يد الزوج ثم طلقها فلها نصف الأصل لأن المانع من التنصيف قد ارتفع وإن كانت متصلة غير متولدة من الأصل فإنها تمنع التنصيف وعليها نصف قيمة الأصل لما بينا فيما تقدم وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل فإنها تمنع التنصيف في قول أصحابنا الثلاثة وعليها رد نصف قيمة الأصل إلى الزوج وقال زفر لا تمنع ويتنصف الأصل مع الزيادة وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل فهي لها خاصة والأصل بينهما نصفان بالإجماع وجه قول زفر إن الزيادة تابعة للأصل لأنها متولدة منه فتتنصف مع الأصل كالزيادة الحادثة قبل القبض ولنا أن هذه الزيادة لم تكن عند العقد ولا عند القبض فلم تكن مهرا والفسخ إنما يرد على ما له حكم المهر فلا تتنصف وتبقى على ملك المرأة كما كانت قبل الطلاق ولا يمكن تنصيف الأصل بدون الزيادة وهو رد نصف الجارية بدون الولد لأنها لا يصير لها فضل أصل فسخ العقد فيه ما لم يكن لها ذلك والأصل أن لا تبدل من غير بدل وذلك وصف الربا وأنه حرام فإذا تعذر تنصيف المفروض لمكان الربا يجعل المفروض كالهالك لأنه في حق كونه معجوز التسليم إلى الزوج بمنزلة الهالك فيجب نصف القيمة ليزول معنى الربا والله عز وجل أعلم وكذلك لو ارتدت أو قبلت ابن زوجها قبل الدخول بها بعد ما حدثت الزيادة في يد المرأة فذلك كله لها وعليها رد قيمة الأصل يوم قبضت كذا ذكر أبو يوسف في الأصل وهو قول محمد وروي عن أبي يوسف أنها ترد الأصل والزيادة ففرق بين الردة والتقبيل وبين الطلاق فقال في الطلاق ترد نصف قيمة الأصل وفي الردة والتقبيل ترد الأصل والزيادة جميعا ووجه الفرق أن الردة والتقبيل فسخ للعقد ( ( ( العقد ) ) ) من الأصل وجعل إياه كأن لم يكن فصار كمن باع عبدا بجارية وقبض الجارية ولم يدفع العبد حتى ولدت ثم مات العبد قبل أن يدفعه أنه يأخذ الجارية وولدها لانفساخ العقد من الأصل بموت العبد في يد بائعه كذا هذا بخلاف الطلاق فإنه إطلاق وحل العقد ( ( ( للعقد ) ) ) وليس بفسخ فينحل العقد وتطلق أو يرتفع من حين الطلاق لا من الأصل
وجه ظاهر الرواية أن المعقود عليه في الفصلين جميعا أعني الطلاق والردة يعود سليما إلى المرأة كما كان إلا أن الطلاق قبل الدخول طلاق من وجه وفسخ من وجه فأوجب عود نصف البدل عملا بالشبهين والردة والتقبيل كل واحد منهما فسخ من كل وجه فيوجب عود الكل إلى الزوج هذا كله إذا حدثت الزيادة قبل الطلاق فأما إذا حدثت بعد الطلاق بأن طلقها ثم حدثت الزيادة فلا يخلو إما أن حدثت بعد القضاء بالنصف للزوج وإما أن حدثت قبل القضاء وكل ذلك قبل القبض أو بعده فإن حدثت قبل القبض فالأصل والزيادة بينهما نصفان سواء وجد القضاء أو لم يوجد لأنه كما وجد الطلاق عاد نصف المهر إلى الزوج بنفس الطلاق وصار بينهما نصفين فالزيادة حدثت على ملكيهما فتكون بينهما وإن حدثت بعد القبض فإن كانت بعد القضاء بالنصف للزوج فكذلك الجواب لأنه لماقضى به فقد عاد نصف المهر إلى الزوج فحصلت الزيادة على الملكين فكانت بينهما وإن كان قبل القضاء بالنصف للزوج فالمهر في يدها كالمقبوض بعقد فاسد لأن الملك كان لها وقد فسخ ملكها في النصف بالطلاق حتى لو كان المهر عبدا فأعتقه بعد الطلاق قبل القضاء بالنصف للزوج جاز إعتاقها ولو أعتقه الزوج لا ينفذ وإن قضى القاضي له بعد ذلك كالبائع إذا أعتق العبد المبيع بيعا فاسدا أنه لا ينفذ عتقه وإن رد عليه بعد ذلك كذا ههنا هذا الذي ذكرنا حكم الزيادة وأما حكم النقصان فحدوث النقصان في المهر لا يخلو إما أن يكون في يد الزوج وإما أن يكون في يد المرأة فإن كان في يد الزوج فلا يخلو من خمسة أوجه إما أن يكون بفعل أجنبي وإما أن يكون بآفة سماوية وإما أن يكون بفعل الزوج وإما أن يكون بفعل المهر وإما أن يكون بفعل المرأة وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون قبل قبض المهر أو بعده والنقصان فاحش أو غير فاحش فإن كان النقصان بفعل أجنبي وهو فاحش قبل القبض فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذت العبد الناقص واتبعت الجاني بالأرش وإن شاءت تركت وأخذت من الزوج قيمة العبد يوم العقد ثم يرجع الزوج على الأجنبي بضمان النقصان وهو الأرش أما ثبوت الخيار فلأن المعقود عليه وهو المهر قد تغير قبل القبض لأنه صار بعضه قيمة ويعتبر المعقود عليه قبل القبض فوجب الخيار كتغير المبيع قبل القبض فإن اختارت أخذ العبد اتبعت الجاني بالأرش لأن الجناية حصلت على ملكها وإن اختارت أخذ القيمة اتبع الزوج الجاني بالأرش لأنه يملك العين بأداء الضمان فقام مقام المرأة فكان الأرش له وليس لها أن تأخذ العبد ناقصا وتضمن الزوج الأرش لأنها لما اختارت أخذه فقد أبرأت الزوج من ضمانه وإن كان النقصان بآفة سماوية فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا ولا شيء لها غير ذلك وإن شارت ( ( ( شاءت ) ) ) تركته وأخذت قيمته يوم العقد لأن المهر مضمون على الزوج بالعقد والأوصاف لا تضمن بالعقد لعدم ورود العقد عليها موصوفا فلا يظهر الضمان في حقها وإنما يظهر في حق الأصل لورود العقد عليه وإنما ثبت لها الخيار لتغير المعقود عليه وهو المهر عما كان عليه وهذا يثبت الخيار كالمبيع إذا انتقص في يد البائع أنه يتخير المشتري فيه كذا هذا وإن كان النقصان بفعل الزوج ذكر في ظاهر الرواية أن المرأة بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا وأخذت معه أرش النقصان وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد كذا ذكر في ظاهر الرواية وفرق بين هذا وبين البائع إذا جنى على المبيع قبل القبض وروي عن أبي حنيفة أن الزوج إذا جنى على المهر فهي بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا ولا شيء لها غير ذلك وإن شاءت أخذت القيمة وسوى بينه وبين المبيع ووجه التسوية بينهما أن المهر مضمون على الزوج بالنكاح لم يستقر ملكها فيه كالمبيع في يد البائع ثم الحكم في البيع كذا هذا في النكاح
ووجه الفرق في ظاهر الرواية أن الأوصاف وهي الأتابع ( ( ( الأتباع ) ) ) إن كانت لا تضمن بالعقد فأنها تضمن بالإتلاف لأنها تصير مقصودة بالإتلاف فتصير مضمونة إلا أن المبيع لا يمكن جعله مضمونا بالقيمة لأنه مضمون بضمان آخر وهو الثمن والمحل الواحد لا يكون مضمونا بضمانين والمهر غير مضمون على الزوج بملك النكاح بل بالقيمة ألا ترى أنه لو أتلف المهر لا يبطل ملك النكاح ولكن تجب عليه القيمة فكذا إذا أتلف الجزء وإن كان النقصان بفعل المهر بأن جنى المهر على نفسه ففيه روايتان في رواية حكم هذا النقصان ما هو حكم النقصان بآفة سماوية لأن جناية الإنسان على نفسه هدر فالتحقت بالعدم فكانت كالآفة السماوية وفي رواية حكمه حكم جناية الزوج لأن المهر مضمون في يد الضامن وهو الزوج وجناية المضمون في يد الضامن كجناية الضامن كالعبد المغصوب إذا جنى على نفسه في يد الغاصب وإن كان النقصان بفعل المرأة فقد صارت قابضة بالجناية فجعل كأن النقصان حصل في يدها كالمشتري إذا جنى على المبيع في يد البائع أنه يصير قابضا له كذا ههنا هذا إذا كان النقصان فاحشا فأما إذا كان يسيرا فلا خيار لها كما إذا كان هذا العيب به يوم العقد ثم إن كان هذا النقصان بآفة سماوية أو بفعل المرأة أو بفعل المهر فلا شيء لها وإن كان بفعل الأجنبي تتبعه بنصف النقصان وكذا إن كان بفعل الزوج هذا إاذ حدث النقصان في يد الزوج فأما إذا حدث في يد المرأة فهذا أيضا لا يخلو من الأقسام التي وصفناها فإن حدث بفعل أجنبي وهو فاحش قبل الطلاق فالأرش لها فإن طلقها الزوج فله نصف القيمة يوم قبضت ولا سبيل له على العين لأن الأرش بمنزلة الولد فيمنع التنصيف كالولد وإن كانت جناية الأجنبي عليه بعد الطلاق فللزوجة نصف العبد وهو بالخيار في الأرش إن شاء أخذ نصفه من المرأة واعتبرت القيمة يوم القبض وإن شاء اتبع الجاني وأخذ منه نصفه لأن حق الفسخ وعود النصف إليه استقر بالطلاق وتوقف على قضاء القاضي أو التراضي فصار في يدها كالمقبوض ببيع فاسد فصار مضمونا عليها وكذلك إن حدث بفعل الزوج فجنايته كجناية الأجنبي لأنه جنى على ملك غيره ولا يد له فيه فصار كالأجنبي والحكم في الأجنبي ما وصفنا وإن حدث بآفة سماوية قبل الطلاق فالزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه ناقصا ولا شيء له غير ذلك وإن شاء أخذ نصف القيمة يوم القبض لأن حقه معها عند الفسخ كحقه معها عند العقد ولو حدث نقصان في يده بآفة سماوية كان لها الخيار بين أن تأخذه ناقصا أو قيمته فكذا حق الزوج معها عند الفسخ وإن كان ذلك بعد الطلاق فللزوج أن يأخذ نصفه ونصف الأرش لما ذكرنا أنه بعد الطلاق يبقى في يدها كالمقبوض بحكم بيع فاسد لأن الملك لها وحق الغير في الفسخ مستقر فصار بمنزلة المقبوض ببيع فاسد وإن شاء أخذ قيمته يوم قبضت وكذلك إن حدث بفعل المرأة فالزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه ولا شيء له من الأرش وإن شاء أخذ نصف قيمته عبدا عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر للزوج أن يضمنها الأرش وجه قوله أن المهر مضمون عليها بالقبض والأوصاف وهي الاتباع فتضمن بالقبض ولا تضمن بالعقد وكذلك يقول زفر في النقصان الحادث بغير فعلها لهذا المعنى ولنا أن المرأة جنت على ملك نفسها وجناية الإنسان على ملك نفسه غير مضمونة عليه بخلاف ما إذا حدث بفعل الزوج على الرواية المشهورة لأن للزوج ( ( ( الزوج ) ) ) جنى على ملك غيره وجناية الإنسان على ملك غيره مضمونة عليه وقد خرج الجواب عما قال زفر لأن قبضها صادف ملك نفسها وقبض الإنسان ملك نفسه لا يوجب الضمان عليه وإن كان ذلك بعد الطلاق فعليها نصف الأرش لما ذكرنا أن حق الفسخ قد استقر
وكذلك إن حدث بفعل المهر فالزوج بالخيار على الروايتين جميعا إن شاء أخذ نصفه ناقصا وإن شاء أخذ نصف القيمة لأنا إن جعلنا جناية المهر كالآفة السماوية لم تكن مضمونة وإن جعلناها كجناية المرأة لم تكن مضمونة أيضا فلم تكن مضمونة أيضا على الروايتين هذا إذا كان النقصان فاحشا فأما إن كان غير فاحش فإن كان بفعل الأجنبي أو بفعل الزوج لا يتنصف لأن الأرش يمنع التنصيف وإن كان بآفة سماوية أو بفعلها أو بفعل المهر أخذ النصف ولا خيار له والله تعالى الموفق وأما النوع الثاني وهو ما يسقط به نصف المهر معنى والكل صورة فهو كل طلاق تجب فيه المتعة فيقع الكلام في مواضع في بيان الطلاق الذي تجب فيه المتعة والذي تستحب فيه وفي تفسير المتعة وفي بيان من تعتبر المتعة بحاله أما الأول فالطلاق الذي تجب فيه المتعة نوعان أحدهما أن يكون قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ولا فرض بعده أو كانت التسمية فيه فاسدة وهذا قول عامة العلماء وقال مالك لا تجب المتعة ولكن تستحب فمالك لا يرى وجوب المتعة أصلا واحتج بأن الله سبحانه وتعالى قيد المتعة بالمتقي والمحسن بقوله حقا على المحسنين حقا على المتقين والواجب لا يختلف فيه المحسن والمتقي وغيرهما فدل أنها ليست بواجبة ولنا قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ومطلق الأمر لوجوب العمل والمراد من قوله عز وجل أو تفرضوا أي ولم تفرضوا ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ولو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن وقد فرضوا لهن أو لم يفرضوا لما عطف عليه المفروض وقد تكون أو بمعنى الواو قال الله عز وجل ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي ولا كفورا وقوله تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وعلى كلمة إيجاب وقوله تعالى حقا على المحسنين وليس في ألفاظ الإيجاب كلمة أوكد من قولنا حق عليه لأن الحقية تقتضي الثبوت وعلى كلمة إلزام وإبثات ( ( ( وإثبات ) ) ) فالجمع بينهما يقتضي التأكيد وما ذكره مالك كما يلزمنا يلزمه لأن المندوب إليه أيضا لا يختلف فيه المتقي والمحسن وغيرهما ثم نقول الإيجاب على المحسن والمتقي لا ينفي الإيجاب على غيرهما ألا ترى أنه سبحانه وتعالى أخبر أن القرآن هدى للمتقين ثم لم ينف أن يكون هدى للناس كلهم كذا هذا والدليل على أن المتعة ههنا واجبة أنها بدل الواجب وهو نصف مهر المثل وبدل الواجب واجب لأنه يقوم مقام الواجب ويحكي حكايته ألا ترى أن التيمم لما كان بدلا عن الوضوء والوضوء واجب كان التيمم واجبا والدليل على أن المتعة تجب بدلا عن نصف المهر أن بدل الشيء ما يجب بسبب الأصل عند عدمه كالتيمم مع الوضوء وغير ذلك والمتعة بالسبب الذي يجب به مهر المثل وهو النكاح لا الطلاق لأن الطلاق مسقط للحقوق لا موجب لها لكن عند الطلاق يسقط نصف مهر المثل فتجب المتعة بدلا عن نصفه وهذا طريق محمد فإن الرهن بمهر المثل يكون رهنا بالمتعة عنده حتى إذا هلك تهلك المتعة وأما أبو يوسف فإنه لا يجعله رهنا بها حتى إذا هلك الرهن يهلك بغير شيء والمتعة باقية عليه فلا يكون وجوبها بطريق البدل عنده بل يوجبها ابتداء بظواهر النصوص التي ذكرنا أو يوجبها بدلا عن البضع بالاستدلال بنصف المسمى في نكاح فيه تسمية والثاني أن يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر وإنما فرض بعده وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأخير وكان يقول أولا يجب نصف المفروض كما إذا كان المهر مفروضا في العقد وهو قول مالك والشافعي
واحتجوا بقوله عز وجل وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم أوجب تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول مطلقا من غير فصل بين ما إذا كان الفرض في العقد أو بعده ولأن الفرض بعد العقد كالفرض في العقد ثم المفروض في العقد يتنصف فكذا المفروض بعده ولهما قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن أوجب المتعة في المطلقات قبل الدخول عاما ثم خصت منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية عند وجوده فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه عند وجوده على أصل العموم وقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن أي ولم تفرضوا لهن فريضة لما ذكرنا فيما تقدم وهو منصرف إلى الفرض في العقد لأن الخطاب ينصرف إلى المتعارف والمتعارف هو الفرض في العقد لا متأخرا عنه وبه تبين أن الفرض المذكور في قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة منصرف إلى المفروض في العقد لأنه هو المتعارف وبه نقول إن المفروض في العقد يتنصف بالطلاق قبل الدخول ولأن مهر المثل قد وجب بنفس العقد لما ذكرنا فيما تقدم فكان الفرض بعده تقديرا لما وجب بالعقد وهو مهر المثل ومهر المثل يسقط بالطلاق قبل الدخول وتجب المتعة فكذا ما هو بيان وتقدير له إذ هو تقدير لذلك الواجب وكذا الفرقة بالإيلاء واللعان والجب والعنة فكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه فتوجب المتعة لأنها توجب نصف المسمى في نكاح فيه تسمية والمتعة عوض عنه كردة الزوج وإباية الإسلام وكل فرقة جاءت من قبل المرأة فلا متعة لها لأنه لا يجب بها المهر أصلا فلا تجب بها المتعة والمخيرة إذا اختارت نفسها قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه فلها المتعة لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج لأن البينونة مضافة إلى الإبانة السابقة وهي فعل الزوج وأما الذي تستحب فيه المتعة فهو الطلاق بعد الدخول والطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية وهذا عندنا وقال الشافعي المتعة في الطلاق بعد الدخول واجبة واحتج بقوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين جعل سبحانه وتعالى للمطلقات متاعا بلام الملك عاما إلا أنه خصصت منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه والمطلقة بعد الدخول على ظاهر العموم ولنا ما ذكرنا أن المتعة وجبت بالنكاح بدلا عن البضع إما بدلا عن نصف المهر أو ابتداء فإذا استحقت المسمى أو مهر المثل بعد الدخول فلو وجبت المتعة لأدى إلى أن يكون لملك واحد بدلان وإلى الجمع بين البدل والأصل في حالة واحدة وهذا ممتنع ولأن المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية لا تجب لها المتعة بالإجماع فالمطلقة بعد الدخول أولى لأن الأولى تستحق بعض المهر والثانية تستحق الكل فاستحقاق بعض المهر لما منع عن استحقاق المتعة فاستحقاق الكل أولى وأما الآية الكريمة فيحمل ذكر المتاع فيها على الندب والاستحباب ونحن به نقول إنه يندب الزوج إلى ذلك كما يندب إلى أداء المهر على الكمال في غير المدخول بها أو يحمل على النفقة والكسوة في حال قيام العدة ولأن كل ذلك متاع إذا المتاع اسم لما ينتفع به عملا بالدلائل كلها بقدر الإمكان وكل فرقة جاءت من قبل الزوج بعد الدخول تستحب فيها المتعة إلا أن يرتد أو يأبى الإسلام لأن الاستحباب طلب الفضيلة والكافر ليس من أهل الفضيلة وأما تفسير المتعة الواجبة فقد قال أصحابنا إنها ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة وهكذا روي عن الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال ارفع المتعة الخادم ثم دون ذلك الكسوة ثم دون ذلك النفقة
وقال الشافعي ثلاثون درهما له ما روي عن أبي مجلز أنه قال قلت لابن عمر رضي الله عنهما أخبرني عن المتعة وأخبرني عن قدرها فإني موسر فقال اكس كذا اكس كذا اكس كذا قال فحسبت ذلك فوجدته قدر ثلاثين درهما فدل أنها مقدرة بثلاثين درهما ولنا قوله تعالى في آية المتعة متاعا بالمعروف حقا على المحسنين والمتاع اسم للعروض في العرف ولأن لإيجاب الأثواب نظيرا في أصول الشرع وهو الكسوة التي تجب لها حال قيام النكاح والعدة وأدنى ما تكتسي به المرأة وتستتر به عند الخروج ثلاثة أثواب ولا نظير لإيجاب الثلاثين فكان إيجاب ما له نظير أولى وقول عبد الله بن عمر دليلنا لأنه أمره بالكسوة لا بدراهم مقدرة إلا أنه اتفق أن قيمة الكسوة بلغت ثلاثين درهما وهذا لا يدل على أن التقدير فيها بالثلاثين ولو أعطاها قيمة الأثواب دراهم أو دنانير تجبر على القبول لأن الأثواب ما وجبت لعينها بل من حيث أنها مال كالشاة في خمس من الإبل في باب الزكاة وأما بيان من تعتبر المتعة بحاله فقد اختلف العلماء فيه قال بعضم ( ( ( بعضهم ) ) ) قدر المتعة يعتبر بحال الرجل في يساره وإعساره وهو قول أبي يوسف وقال بعضهم تعتبر بحال المرأة في يسارها وإعسارها وقال بعضهم تعتبر بحالهما جميعا وقال بعضهم المتعة الواجبة تعتبر بحالها والمستحبة تعتبر بحاله وجه قول من اعتبر حال الرجل قوله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره جعل المتعة على قدر حال الرجل في يساره وإعساره وجه قول من قال باعتبار حالها أن المتعة بدل بضعها فيعتبر حالها وهذا أيضا وجه من يقول المتعة الواجبة تعتبر بحالها وقوله المتعة المستحبة تعتبر بحاله لا معنى لأن التقدير في الواجب لا في المستحب وجه من اعتبر حالهما أن الله تعالى اعتبر في المتعة شيئين أحدهما حال الرجل في يساره وإعساره بقوله عز وجل على الموسع قدره وعلى المقتر قدره والثاني أن يكون مع ذلك بالمعروف بقوله متاعا بالمعروف فلو اعتبرنا فيها حال الرجل دون حالها عسى أن لا يكون بالمعروف لأنه يقتضي أنه لو تزوج رجل امرأتين إحداهما شريفة والأخرى مولاة دنيئة ثم طلقهما قبل الدخول بهما ولم يسم لهما أن يستويا في المتعة باعتبار حال الرجل وهذا منكر في عادات الناس لا معروف فيكون خلاف النص ثم المتعة الواجبة لا تزاد على نصف مهر المثل بل هو نهاية المتعة لا مزيد عليه لأن الحق عند التسمية آكد وأثبت منه عند عدم التسمية لأن الله تعالى أوجب المتعة على قدر احتمال ملك الزوج بقوله عز وجل على الموسع قدره وعلى المقتر قدره فأوجب نصف المسمى مطلقا احتمله وسع الزوج وملكه أولا وكذا في وجوب كمال مهر المثل وسقوطه ووجوب المتعة في نكاح لا تسمية فيه وعدم أحد الزوجين اختلاف بين العلماء ولا خلاف في وجوب كمال المسمى من ذلك في نكاح فيه تسمية دل أن الحق أوكد وأثبت عند التسمية ثم لا يزاد هناك على نصف المسمى فلأن لا يزاد ههنا على نصف مهر المثل أولى ولأن المتعة بدل عن نصف مهر المثل ولا يزاد البدل على الأصل ولا ينقص من خمسة دراهم لأنها تجب على طريق العوض وأقل عوض يثبت في النكاح نصف العشرة والله أعلم فصل وأما حكم اختلاف الزوجين في المهر
فجملة الكلام فيه أن الاختلاف في المهر إما أن يكون في حال حياة الزوجين وإما أن يكون بعد موت أحدهما بين الحي منهما وورثة الميت وإما أن يكون بعد موتهما بين ورثتهما فإن كان في حال حياة الزوجين فإما إن كان قبل الطلاق وإما إن كان بعده فإن كان قبل الطلاق فإن كان الاختلاف في أصل التسمية يجب مهر المثل لأن الواجب الأصلي في باب النكاح هو مهر المثل لأنه قيمة البضع وقيمة الشيء مثله من كل وجه فكان هو العدل وإنما التسمية تقدير لمهر المثل فإذا لم تثبت التسمية لوقوع الاختلاف فيها وجب المصير إلى الموجب الأصلي وإن كان الاختلاف في قدر المسمى أو جنسه أو نوعه أو صفته فالمهر لا يخلو إما أن يكون دينا وإما أن يكون عينا فإن كان دينا فإما أن يكون من الأثمان المطلقة وهي الدراهم والدنانير وإما إن كان من المكيلات والموزونات والمذروعات الموصوفة في الذمة فإن كان من الأثمان المطلقة فاختلفا في قدره بأن قال الزوج تزوجتك على ألف درهم وقالت المرأة تزوجتني على ألفين أو قال الزوج تزوجتك على مائة دينار وقالت المرأة على مائتي دينار تحالفا ويبدأ بيمين الزوج فإن نكل أعطاها ألفين وإن حلف تحلف المرأة فإن نكلت أخذت ألفا وإن حلفت يحكم لها بمهر المثل إن كان مهر مثلها مثل ما قالت أو أكثر فلها ما قالت وإن كان مهر مثلها مثل ما قال الزوج أو أقل فلها ما قال وإن كان مهر مثلها أقل مما قالت وأكثر مما قال فلها مهر مثلها وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف لا يتحالفان والقول قول الزوج في هذا كله إلا أن يأتي بمستنكر جدا والحاصل أن أبا حنيفة ومحمدا يحكمان مهر المثل وينهيان الأمر إليه وأبو يوسف لا يحكمه بل يجعل القول قول الزوج مع يمينه إلا أن يأتي بشيء مستنكر وقد اختلف في تفسير المستنكر قيل هو أن يدعي أنه تزوجها على أقل من عشرة دراهم وهذا التفسير يروى عن أبي يوسف رحمه الله لأن هذا القدر مستنكر شرعا إذ لا مهر في الشرع أقل من عشرة وقيل هو أن يدعى أنه تزوجها على مالا يزوج مثلها به عادة وهذا يحكى عن أبي الحسن لأن ذلك مستنكر عرفا وهو الصحيح من التفسير لأنهما اختلفا في مقدار المهر المسمى وذلك اتفاق منهما على أصل المهر المسمى وما دون العشرة لم يعرف مهرا في الشرع بلا خلاف بين أصحابنا وقد روي عن أبي يوسف في المتبايعين إذا اختلفا في مقدار الثمن والسلعة هالكة أن القول قول المشتري ما لم يأت بشيء مستنكر وجه قول أبي يوسف أن القول قول المنكر في الشرع والمنكر هو الزوج لأن المرأة تدعي عليه زيادة مهر وهو ينكر ذلك فكان القول قوله مع يمينه كما في سائر المواضع والدليل عليه أن المتعاقدين في باب الإجارة إذا اختلفا في مقدار المسمى لا يحكم أجر ( ( ( بأجر ) ) ) المثل بل يكون القول قول المستأجر مع يمينه لما قلنا كذا هذا
ولهما أن القول في الشرع والعقل قول من يشهد له الظاهر والظاهر يشهد لمن يوافق قوله مهر المثل لأن الناس في العادات الجارية يقدرون المسمى بمهر المثل ويبنونه عليه لا برضا الزوج بالزيادة عليه والمرأة وأولياؤها لا يرضون بالنقصان عنه فكانت التسمية تقديرا لمهر المثل وبناء عليه فكان الظاهر شاهدا لمن يشهد له مهر المثل فيحكم مهر المثل فإن كان ألفين فلها ذلك لأن الظاهر شاهد لها وإن كان أكثر من ألفين لا يزاد عليه لأنها رضيت بالنقصان وإن كان مهر مثلها ألفا فلها ألف لأن الظاهر شاهد للزوج وإن كان أقل من ذلك لا ينقص عن ألف لأن الزوج رضي بالزيادة وإن كان مهر مثلها أكثر مما قال وأقل مما قالت فلها مهر المثل لأنه هو الواجب الأصلي وإنما التسمية تقدير له لما قلنا فلا يعدل عنه إلا عند ثبوت التسمية وصحتها فإذا لم يثبت لوقوع الاختلاف وجب الرجوع إلى الموجب الأصلي وتحكيمه وإنما يتحالفان لأن كل واحد منهما مدعى ( ( ( مدع ) ) ) من وجه ومنكر من وجه أما الزوج فلأن المرأة تدعي عليه زيادة ألف وهو منكر وأما المرأة فلأن الزوج يدعي عليها تسليم النفس عند تسليم الألف إليها وهي تنكر فكان كل واحد منهما مدعيا من وجه ومنكرا من وجه فيتحالفان لقوله واليمين على من أنكر ويبدأ بيمين الزوج لأنه أشد إنكارا أو أسبق إنكارا من المرأة لأنه منكر قبل تسليم النفس وبعده ولا إنكار من المرأة بعد تسليم النفس وقبل التسليم هو أسبق إنكارا لأن المرأة تقبض المهر أولا ثم تسلم نفسها فتطالبه بأداء المهر إليها وهو ينكر فكان هو أسبق إنكارا فكانت البداية بالتحليف منه أولى لما قلنا في اختلاف المتبايعين ذكر الكرخي التحالف في هذه الفصول الثلاثة وأنكر الجصاص التحالف إلا في فصل واحد وهو ما إذا لم يشهد مهر المثل لدعواهما بأن كان مهر مثلها أكثر مما قال الزوج وأقل مما قالت المرأة وكذا في الجامع الصغير لم يذكر التحالف إلا في هذا الفصل وجهه أن الحاجة إلى التحالف فيما لا شهادة للظاهر فإذا كان مهر المثل مثل ما يدعيه أحدهما كان الظاهر شاهدا له فلا حاجة إلى التحالف والظاهر لا يشهد لأحدهما في الثالث فتقع الحاجة إلى التحالف وجه ما ذكره الكرخي أن مهر المثل لا يثبت إلا بعد سقوط اعتبار التسمية والتسمية لايسقط اعتبارها إلا بالتحالف لأن الظاهر لا يكون حجة على الغير فتقع الحاجة إلى التحالف ثم إذا وجب التحالف وبدىء ( ( ( وبدئ ) ) ) بيمين الزوج فإن نكل يقضي عليه بألفين لأن النكول حجة يقضي بها في باب الأموال بلا خلاف بين أصحابنا ولا خيار للزوج وهو أن يعطيها مكان الدراهم دنانير لأن تسمية الألفين قد تثبت بالنكول لأنه بمنزلة الإقرار ومن شأن المسمى أن لا يكون للزوج العدول عنه إلى غيره إلا برضا المرأة وإن حلف تحلف المرأة فإن نكلت لم يقض على الزوج إلا بالألف ولا خيار له لما قلنا في نكول الزوج وإن حلفت يحكم مهر المثل فإن كان مهر مثلها ألفا قضى لها على الزوج بألف ولا خيار له لأن تسمية الألف قد تثبت بتصادقهما فيمنع الخيار وإن كان مهر مثلها ألفين قضى لها بألفين وله الخيار في أخذ الألفين دون الآخر لثبوت تسمية أحد الألفين بتصادقهما دون الآخر وإن كان مهر مثلها ألفا وخمسمائة قضى لها بألف وخمسمائة ولا خيار له في قدر الألف بتصادقهما وله الخيار في قدر الخمسمائة لأنه لم تثبت تسمية هذا القدر فكان سبيلها سبيل مهر المثل فكان له الخيار فيها ولا يفسخ العقد بعد التحالف في قول عامة العلماء وقال ابن أبي ليلى يفسخ كما في البيع لأن كل واحد منهما عقد لا يجوز بغير بدل