Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وإن كان ذلك القول تعظيما في نفسه وصدقا في الحقيقة تلزمهم العقوبة لما فيه من الإستخفاف وكذا هذا ولكن نقول لا يكفر بهذا لأن فعله وإن خرج مخرج الجراءة على الله تعالى والإستخفاف به من حيث الظاهر لكن غرضه الوصول إلى مناه وشهوته لا القصد إلى ذلك وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في سؤال السائل أن العاصي يطيع الشيطان ومن أطاع الشيطان فقد كفر كيف لا يكفر العاصي فقال لأن فعله وإن خرج مخرج الطاعة للشيطان لكن ما فعله قصدا إلى طاعته وإنما يكفر بالقصد إذ الكفر عمل القلب لا بما يخرج فعله فعل معصية فكذلك الأول وأما الكفارة المعهودة وهي الكفارة بالمال فلا تجب عندنا وعند الشافعي تجب احتج بقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم نفى المؤاخذة باليمين اللغو في الأيمان وأثبتها بما كسب القلب ويمين الغموس مكسوبة القلب ( ( ( بالقلب ) ) ) فكانت المؤاخذة ثابتة بها إلا أن الله تعالى أبهم المؤاخذة في هذه الآية الشريفة أنها بالإثم أو بالكفارة المعهودة لكن فسر في الأخرى أن المؤاخذة بالكفارة المعهودة وهي قوله عز وجل ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته الآية فعلم أن المراد من المؤاخذة المذكورة في تلك الآية هذه المؤاخذة وبقوله عز وجل ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته الآية أثبت المؤاخذة في اليمين المعقودة بالكفارة المعهودة ويمين الغموس معقودة لأن اسم العقد يقع على عقد القلب وهو العزم والقصد وقد وجد بقوله عز وجل في آخر الآية الكريمة ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم جعل الكفارة المعهودة كفارة الأيمان على العموم خص منه يمين اللغو فمن ادعى تخصيص العموم فعليه الدليل مع ما أن أحق ما يراد به الغموس لأنه علق الوجوب بنفس الحلف دون الحنث وذلك هو الغموس إذ الوجوب في غيره يتعلق بالحنث ولنا قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة الآية وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي أنه قال من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار والاستدلال بالنصوص أن الله تعالى جعل موجب الغموس العذاب في الآخرة فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النصوص فلا يجوز إلا بمثلها وما روي عن نبي الرحمة أنه قال للمتلاعنين بعد فراغهما من اللعان الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب دعاهما إلى التوبة لا إلى الكفارة المعهودة ومعلوم أن حاجتهما إلى بيان الكفارة المعهودة لو كانت واجبة كانت أشد من حاجتهما إلى بيان كذب أحدهما وإيجاب التوبة لأن وجوب التوبة بالذنب يعرفه كل عاقل بمجرد العقل من غير معونة السمع والكفارة المعهودة لا تعرف إلا بالسمع فلما لم يبين مع أن الحال حال الحاجة إلى البيان دل أنها غير واجبة وكذا الحديث الذي روي في الخصمين أنه قضى لأحدهما وذكر فيه الوعيد الشديد أن يأخذه وهو غير الحق في ذلك ثم أمرهما بالإستهام وأن يحلل كل واحد منهما صاحبه ولم يبين الكفارة والموضع موضع الحاجة إلى البيان لو كانت واجبة فعلم أنها غير واجبة ولأن وجوب الكفارة المعهودة حكم شرعي فلا يعرف إلا بدليل شرعي وهو النص أو الإجماع أو القياس ولم يوجد وأقوى الدلائل في نفي الحكم نفي دليله
أما الإجماع فظاهر الإنتفاء وكذا النص القاطع لأن أهل الديانة لا يختلفون في موضع فيه نص قاطع والنص الظاهر وجب العمل به أيضا وإن كان لا يجب الاعتقاد قطعا فلا يقع الاختلاف ظاهرا نفى الاستدلال باليمين المعقودة ومن شرطه التساوي ولم يوجد لأن الذنب في يمين الغموس أعظم وما صلح لدفع أدنى الذنبين لا يصلح لرفع أعلاهما ولهذا قال إسحاق في يمين الغموس أجمع المسلمون على أنه لا يجب الكفارة فيها فقول من يوجبها ابتداء شرع ونصب حكم على الخلق وهو لم يشرك في حكمه أحدا ولا حجة له في قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم لأن مطلق المؤاخذة في الجنايات يراد بها المؤاخذة في الآخرة لأنها حقيقة المؤاخذة والجزاء فأما المؤاخذة في الدنيا فقد تكون خيرا وتكفيرا فلا تكون مؤاخذة معنى ونحن به نقول إن المؤاخذة بيمين الغموس ثابتة في الآخرة ولأن قوله تعالى يؤاخذكم إخبار أنه يؤاخذ فأما قضية المؤاخذة فليست بمذكورة فيستدعي نوع مؤاخذة والمؤاخذة بالاسم مرادة من هذه الآية فلا يكون غيره مرادا إذا وأما قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فالمراد منه اليمين على أمر في المستقبل لأن العقد هو الشد والربط في اللغة ومنه عقد الحبل وعقد الحمل وانعقاد الرق وهو ارتباط بعضه ببعض وقد يذكر ويراد به العهد وكل ذلك لا يتحقق إلا في المستقبل ولأن الآية قرئت بقرائتين ( ( ( بقراءتين ) ) ) بالتشديد والتخفيف والتشديد لا يحتمل إلا عقد اللسان وهو عقد القول والتخفيف يحتمل العقد باللسان والعقد بالقلب وهو العزم والقصد فكانت قراءة التشديد محكمة في الدلالة على إرادة العقد باللسان والقراءة بالتخفيف محتملة فيرد المحتمل إلى المحكم ليكون عملا بالقراءتين على الموافقة والدليل على أن المراد من الآية الكريمة اليمين على أمر في المستقبل أنه علق الكفارة فيها بالحلف والحنث عرفنا ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا حلفتم وحنثتم والحنث لا يتصور إلا في اليمين على أمر في المستقبل وكذا قوله تعالى واحفظوا أيمانكم وحفظ اليمين إنما يتصور في المستقبل لأن ذلك تحقيق البر والوفاء بالعهد وانجاز الوعد وهذا لا يتصور في الماضي والحال والله عز وجل الموفق وأما يمين اللغو فلا كفارة فيها بالتوبة ولا بالمال بلا خلاف بيننا وبين الشافعي لأن قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم أدخل كلمة النفي على المؤاخذة فيدل على انتفاء المؤاخذة فيها بالإثم والكفارة جميعا وإنما اختلفا في تفسيرها واختلف قول من فسرها باليمين على المعاصي في وجوب الكفارة على ما بينا ثم الحالف باللغو إنما لا يؤاخذ في اليمين بالله تعالى فأما اليمين بغير الله تعالى من الطلاق والعتاق فإنه يؤاخذ به حتى يقع الطلاق والعتاق وإن كان ظاهر الآية الكريمة في نفي المؤاخذة عاما عرفنا ذلك بالخبر والنظر أما الخبر فقوله ثلاث جدهن جد وهزلهن جد وذكر الطلاق والعتاق واللاغي لا يعدو هذين فدل أن اللغو غير داخل في اليمين بالطلاق والعتاق وأما النظر فهو أن الطلاق والعتاق مما يقع معلقا ومنجزا ومتى علق بشرط كان يمينا فأعظم ما في اللغو أنه يمنع انعقاد اليمين وارتباط الجزاء بالشرط فيبقى مجرد ذكر صيغة الطلاق والعتاق من غير شرط فيعمل في إفادة موجبهما بخلاف اليمين وارتباط ( ( ( بالله ) ) ) الجزاء بالشرط فيبقى مجرد ذكربالله تعالى فإن هناك إذا لغا المحلوف عليه يبقى مجرد قوله والله فلا يجب به شيء فثبت بما ذكرنا أن المراد بالآية اللغو في اليمين بالله تعالى لا في اليمين بغير الله تعالى من الطلاق والعتاق وسائر الأجزية
وأما حكم اليمين المعقودة وهي اليمين على المستقبل فاليمين على المستقبل لا يخلو إما أن يكون على فعل واجب وإما أن يكون على ترك المندوب وإما أن يكون على ترك المباح أو فعله فإن كان على فعل واجب بأن قال والله لأصلين صلاة الظهر اليوم أو لأصومن رمضان فإنه يجب عليه الوفاء به ولا يجوز له الامتناع عنه لقوله من حلف أن يطيع الله فليطعه ولو امتنع يأثم ويحنث ويلزمه الكفارة وإن كان على ترك الواجب أو على فعل معصية بأن قال والله لا أصلي صلاة الفرض أو لا أصوم رمضان أو قال والله لأشربن الخمر أو لأزنين أو لأقتلن فلانا أو لا أكلم والدي ونحو ذلك فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والاستغفار ثم يجب عليه أن يحنث نفسه ويكون بالمال لأن عقد هذه اليمين معصية فيجب تكفيرها بالتوبة والاستغفار في الحال كسائر الجنايات التي ليس فيها كفارة معهودة وعلى هذا يحمل ما روي عن رسول الله أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم ليأت الذي هو خير أي عليه أن يحنث نفسه لقوله من حلف أن يعصي الله تعالى فلا يعصه وترك المعصية بتحنيث نفسه فيها فيحنث به ويكفر بالمال وهذا قول عامة العلماء وقال الشعبي لا تجب الكفارة المعهودة في اليمين على المعاصي وإن حنث نفسه فيها لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال إذا حلف أحدكم على يمين فرأى ما هو خير منها فليأته فإنه لا كفارة بها ولأن الكفارة شرعت لرفع الذنب والحنث في هذه اليمين ليس بذنب لأنه واجب فلا تجب الكفارة لرفع الذنب ولا ذنب ولنا قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إلى قوله ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم من غير فصل بين اليمين على المعصية وغيرها والحديث المعروف وهو ما روي عن النبي أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينهوما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه فقد روي عنه خلافه قال قال رسول الله إذا حلف أحدكم بيمين ثم رأى خيرا مما حلف عليه فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير فوقع التعارض بين حديثيه فبقي الحديث المعروف لنا بلا تعارض ولأن الأمة أجمعت على أن الكفارة لا يمتنع وجوبها لعذر في الحانث بل يتعلق بمطلق الحنث سواء كان الحانث ساهيا أو خاطئا أو نائما أو مغمى عليه أو مجنونا فلا يمتنع وجوبها لاجل المعصية ولأن الكفارة إنما وجبت في اليمين على المباحات إما لأن الحنث فيها يقع خلفا في الوعد ونقضا للعهد لأن الحالف وعد أن يفعل وعهد ( ( ( وعاهد ) ) ) الله على ذلك فإذا حنث فقد صار بالحنث مخلفا في الوعد ناقضا للعهد فوجبت الكفارة ليصير الحلف مستورا كأنه لم يكن أو لأن الحنث منه يخرج مخرج الاستخفاف بالاستشهاد باسم الله تعالى من حيث الصورة متى قوبل ذلك بعقده السابق لا من حيث الحقيقة إذ المسلم لا يباشر المعصية قصدا لمخالفة الله تعالى وإرادة الاستخفاف بأمره ونهيه فوجب عليه التكفير جبرا لما هتك من حرمة اسم الله تعالى صورة لا حقيقة وسترا وكل واحد من الوجهين موجود ههنا فيجب وأما قولهم الكفارة شرعت لرفع الذنب فنعم لكن لم قلتم أنه لا ذنب وقولهم الحنث واجب قلنا بلى لكن ( ( ( لك ) ) ) من حيث أنه ترك المعصية لا من حيث أنه نقض اليمين التي هي عهد مع الله تعالى بل الحنث من هذه الجهة ذنب فيحتاج إلى التكفير بالمال وإن كان على ترك المندوب بأن قال والله لا أصلي نافلة ولا أصوم تطوعا ولا أعود مريضا ولا أشيع جنازة ونحو ذلك فالأفضل له أن يفعل ويكفر عن يمينه بالحديث الذي روينا
وإن كان على مباح تركا أو فعلا كدخول الدار ونحوه فالأفضل له البر وله أن يحنث نفسه ويكفر ثم الكفارة تجب في اليمين المعقودة على المستقبل سواء قصد اليمين أو لم يقصد عندنا بأن كانت على أمر في المستقبل وعند الشافعي لا بد من قصد اليمين لتجب الكفارة واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والعتاق والنكاح فتخصيص هذه الأشياء بالذكر في التسوية بين الجد والهزل منها دليل على أن حكم الجد والهزل يختلف في غيرها ليكون التخصيص مفيدا ولنا قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته أثبت المؤاخذة بالكفارة المعهودة في اليمين المعقودة مطلقا عن شرط القصد إذ العقد هو الشد والربط والعهد على ما بينا وقوله عز وجل ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم أي حلفتم وحنثتم جعل أحد الأشياء المذكورة كفارة الأيمان على العموم عند وجود الحلف والحنث وقد وجد وأما الحديث فقد روي عن رسول الله أنه قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين مع ما أن روايته الأخرى مسكوتة عن غير الأشياء المذكورة إذ لا يتعرض لغيرها بالنفي ولا بالإثبات فلا يصح الاحتجاج به والله عز وجل أعلم ثم وقت وجوب الكفارة في اليمين المعقودة على المستقبل هو وقت وجود الحنث فلا يجب إلا بعد الحنث عند عامة العلماء وقال قوم وقته وقت وجود اليمين فتجب الكفارة بعقد اليمين من غير حنث واحتجوا بقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وقوله عز وجل ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وقوله عز وجل فكفارته أي كفارة ما عقدتم من الأيمان لأن الإضافة تستدعي مضافا إليه سابقا ولم يسبق غير ذلك العقد فيصرف إليه وكذا في قوله ذلك كفارة أيمانكم أضاف الكفارة إلى اليمين وعلى ذلك تنسب الكفارة إلى اليمين فيقال كفارة اليمين والإضافة تدل على السببية في الأصل وبما روي عن رسول الله أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم ليأت الذي هو خير والاستدلال بالحديث من وجهين أحدهما أنه أمر بالتكفير بعد اليمين قبل الحنث ومطلق الأمر يحمل على الوجوب والثاني أنه قال عليه الصلاة والسلام فليكفر عن يمينه أضاف التكفير إلى اليمين فكذا في الرواية الأخرى فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه أمر بتكفير اليمين لا بتكفير الحنث فدل أن الكفارة لليمين ولأن الله تعالى نهى عن الوعد إلا بالاستثناء بقوله عز وجل ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ومعلوم أن ذلك النهي في اليمين أوكد وأشد ممن حلف على شيء بلا ثنيا فقد صار عاصيا بإتيان ما نهى عنه فتجب الكفارة لدفع ذلك الإثم عنه ولنا أن الواجب كفارة والكفارة تكون للسيئات إذ من البعيد تكفير الحسنات فالسيئات تكفر بالحسنات قال الله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وعقد اليمين مشروع قد أقسم رسول الله في غير موضع وكذا الرسل المتقدمة عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى خبرا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال وتالله لأكيدن أصنامكم وقال خبرا عن أولاد يعقوب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف وكذا أيوب عليه الصلاة والسلام كان حلف أن يضرب امرأته فأمره الله سبحانه بالوفاء بقوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكبائر والمعاصي فدل أن نفس اليمين ليست بذنب
وروي عن النبي أنه قال إذا حلفتم فاحلفوا بالله وقال لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر أمر باليمين بالله تعالى فدل أن نفس اليمين ليس بذنب فلا يجب التكفير لها وإنما يجب للحنث لأنه هو المأثم في الحقيقة ومعنى الذنب فيه أنه كان عاهد الله تعالى أن يفعل كذا فالحنث يخرج مخرج نقض العهد منه فيأثم بالنقض لا بالعهد ولذلك قال الله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الآية ولأن عقد اليمين يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لله تعالى وجعله مفزعا إليه ومأمنا عنه فيمتنع أن تجب بالكفارة ( ( ( الكفارة ) ) ) محوا له وسترا وتبين بطلان قولهم إن الحالف يصير عاصيا بترك الاستثناء في اليمين لأن الأنبياء صلوات الله عليهم تركوا الاستثناء في اليمين ولم يجز وصفهم بالمعصية فدل أن ترك الاستثناء في اليمين ليس بحرام وإن كان تركه في مطلق الوعد منهيا عنه كراهة وذلك والله عز وجل أعلم لوجهين أحدهما أن الوعد إضافة الفعل إلى نفسه بأن يقول افعل غدا كذا وكل فعل يفعله تحت مشيئة الله تعالى فإن فعله لا يتحقق لأحد إلا بعد تحقيق الله تعالى منه ولا يتحقق منه الاكتساب لذلك إلا باقداره فيندب إلى قران الإستثناء بالوعد ليوفق على ذلك ويعصم عن الترك وفي اليمين يذكر الاستشهاد باسم الله تعالى على طريق التعظيم قد استغاث بالله تعالى وإليه فزع فيتحقق التعظيم الذي يحصل به الاستثناء وزيادة فلا معنى للاستثناء الثاني أن اليمين شرعت لتأكيد المحلوف عليه خصوصا في البيعة وقران الاستثناء في مثل ذلك يبطل المعنى الذي وضع له العقد بخلاف الوعد المطلق وأما الآية الكريمة فتأويلها من وجهين أحدهما أي يؤاخذكم الله بمحافظة ما عقدتم من الأيمان والوفاء بها كقوله عز وجل ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها فإن تركتم ذلك فكفارته كذا وكذلك قوله ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فتركتم المحافظة ألا ترى أنه قال عز وجل واحفظوا أيمانكم والمحافظة تكون بالبر والثاني أن يكون على إضمار الحنث أي ولكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم وكذا في قوله ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم أي إذا حلفتم وحنثتم كما في قوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك معناه فحلف ففدية من صيام وقوله عز وجل فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي معناه فتحلل وقوله عز وجل فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فأفطر فعدة من أيام أخر لأن ظاهر الملفوظ وهو القدر الذي هو سبب التخفيف لا يصلح سببا للوجوب فصار استعمال الرخصة مضمرا فيه كذلك ههنا لا تصلح اليمين التي هي تعظيم الرب جل جلاله سببا لوجوب التكفير فيجب إضمار ما هو صالح وهو الحنث وأما إضافة الكفارة إلى اليمين فليست للوجوب بها بل على إرادة الحنث كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام وإضافة الدم إلى الحج والسجود إلى السهو وإن لم يكن ما أضيف إليه سببا كذا هذا وأما الحديث فقد روى بروايات روي فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه وروي فليكفر يمينه وليأت الذي هو خير وروي فليأت الذي هو خير ثم ليكفر يمينه وهو على الروايات كلها حجة عليهم لا لهم لأن الكفارة لو كانت واجبة بنفس اليمين لقال عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فليكفر من غير التعرض لما وقع عليه اليمين أنه ماذا ولما لزم الحنث إذا كان خيرا ثم بالتكفير فلما خص اليمين على ما كان الحنث خيرا من البر بالنقض والكفارة علم أنها تختص بالحنث دون اليمين نفسها وأنها لا تجب بعقد اليمين دون الحنث واختلف في جوازها قبل الحنث قال أصحابنا لا يجوز وقال الشافعي يجوز التكفير بالمال قبل الحنث فأما التكفير بالصوم فلا يجوز قبل الحنث بالإجماع وجه قوله إنه كفر بعد وجود سبب الوجوب فيجوز كما لو كفر بالمال بعد الجرح قبل الموت
والدليل على أنه كفر بعد وجود سبب الوجوب أن اليمين سبب وجوب الكفارة بدليل أن الكفارة تضاف إلى اليمين يقال كفارة اليمين وقال الله تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والحكم إنما يضاف إلى سببه هو الأصل فدل أن اليمين سبب لوجوب الكفارة فكان هذا تكفيرا بعد وجود سبب الوجوب فيجوز كما في موضع الإجماع والدليل على جواز التكفير بالمال قبل الحنث ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر قبل الحنث وذلك أنه لما رأى حمزة رضي الله عنه سيد الشهداء قد مثل وجرح جراحات عظيمة اشتد ذلك على رسول الله فأقسم أن يفعل كذلك بكذا كذا من قريش فنزل النهي عن الوفاء بذلك وكفر عن يمينه وذلك تكفير قبل الحنث لأن الحنث في مثل هذه اليمين لا يتحقق إلا في الوقت الذي لا يحتمل البر فيه حقيقة وذلك عند موته فدل على جواز التكفير للأمة قبل الحنث إذ هو قدوة ولنا أن السبب ما يكون مفضيا إلى المسبب إذ هو في اللغة اسم لما يتوصل به إلى الشيء واليمين مانعة من الحنث لكون الحنث خلفا في الوعد ونقضا للعهد وقد قال الله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ولكونه استخفافا باسم الله تعالى من حيث الصورة وكل ذلك مانع من الحنث فكانت اليمين مانعة من الحنث فكانت مانعة من الوجوب إذ الوجوب شرط الحنث بلا خلاف بيننا فكيف يكون سببا للوجوب ولهذا لم يجز تعجيل التكفير بالصوم كذا بالمال بخلاف التكفير بعد الجرح قبل الموت لأن الجرح سبب للموت لكونه مفضيا إلى فوات الحياة عادة فكان تكفيرا بعد وجود السبب فجاز وأما إضافة الكفارة إلى اليمين فعلى إضمار الحنث فيكون الحنث بعد اليمين سببا لا قبله والحنث يكون سببا والدليل عليه أنه سماه كفارة ( ( ( كفارته ) ) ) لقوله عز وجل ذلك كفارة أيمانكم وهي اسم لما يكفر بالذنب ولا ذنب إلا ذنب الحنث فكان المراد منه إذا حلفتم وحنثتم كما يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه فإن قيل الكفارة تجب بنفس اليمين أصل الوجوب لكن يجب أداؤها عند الحنث كالزكاة تجب عند وجود النصاب لكن يجب الأداء عند الحول وقوله لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول لنفي وجوب الأداء لا لنفي أصل الوجوب فالجواب أنه لا وجوب إلا وجوب الفعل فأما وجوب غير الفعل فأمر لا يعقل على ما عرف في موضعه على أنه لو كان كذلك لجاز التكفير بالصوم لأنه صام بعد الوجوب فعلم أن الوجوب غير ثابت أصلا ورأسا فإن قيل يجوز أن يسمي كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجل من المال زكاة قبل الحول وكما يسمى المعجل كفارة بعد الجراحة قبل الموت فلا حاجة إلى الحنث في جوازها فالجواب أنه لا خلاف في أن الكفارة الحقيقية وهي الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية فامتنع أن يراد بها ما يسمى كفارة مجاز ( ( ( مجازا ) ) ) العرضية ( ( ( لعرضية ) ) ) الوجوب لاستحالة كون اللفظ الواحد منتظما الحقيقة والمجاز
وأما تكفير النبي فنقول ذلك في المعنى كان تكفيرا بعد الحنث لأنه تكفير بعد العجز عن تحصيل البر فيكون تكفيرا بعد الحنث من حيث المعنى كمن حلف لآتين البصرة فمات يلزمه الكفارة لتحقق العجز بالموت وبيان ذلك أن النبي معصوم عن المعصية والوفاء بتلك اليمين معصية إذ هو نهى عن ذلك فكانت يمينه قبل النهي عن الذي حلف عليه فكانت منعقدة على فعل مباح ولما نهى عن تحصيل ذلك الفعل وصار ذلك معصية صار إنشاء وعاجزا عن البر فصار حانثا وإن كان ذلك الفعل ممكن الوجود في نفسه فكان وقت يأسه وقت النهي لا وقت الموت أما في حق غير النبي وقت اليأس والعجز حقيقة هو وقت الموت إذ غير النبي غير معصوم عن المعاصي فلا يتحقق العجز لتصور وجود البر مع وصف العصيان فهو الفرق والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان أن اليمين بالله عز وجل على نية الحالف أو المستحلف فقد روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوما وإن كان ظالما فعلى نية المستحلف وذكر الكرخي إن هذا قول أصحابنا جميعا وذكر القدوري أنه إن أراد به اليمين على الماضي فهو صحيح لأن المؤاخذة في اليمين على الماضي بالإثم فمتى كان الحالف ظالما كان آثما في يمينه وإن نوى به غير ما حلف عليه لأنه يتوصل باليمين إلى ظلم غيره وقد روى أبو أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه النار قالوا وإن كان شيئا يسيرا قال صلى الله عليه وسلم وإن كان قضيبا من أراك قالها ثلاثا وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان وأما إذا كان مظلوما فهو لا يقتطع بيمينه حقا فلا يأثم وإن نوى غير الظاهر قال وأما اليمين على المستقبل إذا قصد بها الحالف معنى دون معنى فهو على نيته دون نية المستحلف لأنه عقد وهو العاقد فينعقد على ما عقده فصل وأما اليمين بغير الله عز وجل فهي في الأصل نوعان أحدهما ما ذكرنا وهو اليمين بالآباء والأبناء والأنبياء والملائكة صلوات الله عليهم والصوم والصلاة وسائر الشرائع والكعبة والحرم وزمزم والقبر والمنبر ونحو ذلك ولا يجوز الحلف بشيء من ذلك لما ذكرنا وقد روي عن رسول الله أنه قال إذا حلفتم فاحلفوا بالله ولو حلف بذلك لا يعتد به ولا حكم له أصلا والثاني بالشرط والجزاء وهذا النوع ينقسم إلى قسمين بيمين ( ( ( يمين ) ) ) بالقرب ويمين بغير القرب أما اليمين بالقرب فهي أن يقول إن فعلت كذا فعلي صلاة أو صوم أو حجة أو عمرة أو بدنة أو هدي أو عتق رقبة أو صدقة ونحو ذلك وقد اختلف في حكم هذه اليمين أنه هل يجب الوفاء بالمسمى بحيث لا يخرج عن عهدته إلا به أو يخرج عنها بالكفارة مع الاتفاق على أنها يمين حقيقة حتى أنه لو حلف لا يحلف فقال ذلك يحنث بلا خلاف لوجود ركن اليمين وهو ما ذكره ووجود معنى اليمين أيضا وهو القوة على الإمتناع من تحصيل الشرط خوفا من لزوم المذكور ونذكر حكم هذا النوع إن شاء الله في كتاب النذر لأن هذا التصرف يسمى أيضا نذرا معلقا بالشرط لوجود معنى النذر وهو التزامه القربة عند وجود الشرط وأما اليمين بغير القرب فهي الحلف بالطلاق والعتاق فلا بد من بيان ركنه وبيان شرائط الركن وبيان حكمه وبيان ما يبطل به الركن أما الركن فهو ذكر شرط وجزاء مربوط بالشرط معلق به في قدر الحاجة إلى معرفة المسمى بالشرط والجزاء ومعرفة معناهما
أما المسمى بالشرط فما دخل فيه حرف من حروف الشرط وهي إن وإذا وإذا ما ومتى ومتى ما ومهما وأشياء أخر ذكرها أهل النحو واللغة وأصل حروفه إن الخفيفة وغيرها داخل عليها لأنها لا تستعمل إلا في الشرط وما سواها من الحروف يستعمل فيه وفي غيره وهو الوقت وهذا أمارة الأصالة والتبعية وذكر الكرخي مع هذه الحروف كلما وعدها من حروف الشرط وإنها ليست بشرط في الحقيقة فإن أهل اللغة لم يعدوها من حروف الشرط لكن فيها معنى الشرط وهو توقف الحكم على وجود ما دخلت عليه لذلك سماه شرطاوفي قوله كل امرأة أتزوجها فهي طالق وقوله كل عبد اشتريته فهو حر إنما توقف الطلاق والعتاق على الزوج ( ( ( الزواج ) ) ) والشراء لا على طريق التعليق بالشرط بل لأنه أوقع الطلاق والعتاق على امرأة متصفة بأنه تزوجها وعلى عبد متصف بأنه اشتراه ويحصل الاتصاف بذلك عند التزوج والشراء وأما معنى الشرط فهو العلامة ومنه أشراط الساعة أي علاماتها ومنه الشرطي والشراط والمشرط فسمى ما جعله الحالف علما لنزول الجزاء شرطا حتى لو ذكره لمقصود آخر لا يكون شرطا على ما نذكر إن شاء الله تعالى وأما المسمى بالجزاء فما دخل فيه حرف التعليق وهي حرف الفاء إذا كان متأخرا في الذكر عن الشرط كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق فأما إذا كان الجزاء متقدما فلا حاجة إلى حرف الفاء بل يتعلق بالشرط بدون حرف التعليق لأنه قد يعقب قوله أنت طالق ما يبين أنه يمين فيخرج به من أن يكون تطليقا إلى كونه يمينا وتعليقا فلا حاجة في مثل هذا إلى حرف التعليق بخلاف حروف الشرط فإنها لازمة للشرط سواء تقدم ذكرها على الجزاء أو تأخر وإنما اختصت الفاء بالجزاء لأنها حرف يقتضي التعقيب من غير تراخي ( ( ( تراخ ) ) ) كقول القائل جاءني زيد فعمرو والجزاء يتعقب الشرط بلا تراخي ( ( ( تراخ ) ) ) وأما معنى الجزاء فجزاء الشرط ما علق بالشرط ثم قد يكون مانعا من تحصيل الشرط إذا كان الشرط مرغوبا عنه لوقاحة عاقبته وقد يكون حاملا على تحصيله لحسن عاقبته لكن الحمل والمنع من الأغراض المطلوبة من اليمين ومن ثمراتها بمنزلة الربح بالبيع والولد بالنكاح فانعدامهما لا يخرج التصرف عن كونه يمينا كانعدام الربح في البيع والولد في النكاح لأن وجود التصرف بوجود ركنه لا لحصول المقصود منه كوجود البيع والنكاح وغيرهما وركن اليمين هما الشرط والجزاء فإذا وجد كان التصرف يمينا ولأن المرجع في معرفة الأسامي إلى أهل اللغة وإنهم يسمون الشرط والجزاء يمينا من غير مراعاة معنى الحمل والمنع دل إن ذلك ليس بشرط لوقوع التصرف يمينا وبيان هذه الجملة في مسائل إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر أو قال إذا أو إذا ما أو متى أو متى ما أو حيثما أو مهما كان يمينا لوجود الشرط والجزاء حتى لو حلف لا يحلف فقال ذلك يحنث ولو قال أنت طالق غدا أو رأس شهر كذا لا يكون يمينا لإنعدام حروف الشرط بل هو إضافة الطلاق إلى الغد والشهر لأنه جعل الغد والشهر ظرفا لوقوع الطلاق لأن معناه في غد وفي شهر ولا يكون ذلك ظرفا لوقوع الطلاق إلا بوقوع الطلاق ولو قال إذا جاء غد فأنت طالق أو قال إذا مضى غد أو إذا جاء رمضان أو إذا ذهب رمضان أو إذا طلعت الشمس أو غربت كان يمينا عند أصحابنا وعند الشافعي لا يكون يمينا لانعدام معنى اليمين وهو المنع أو الحمل إذ لا يقدر الحالف على الإمتناع من مجيء الغد ولا على الإتيان به فلم يكن يمينا بخلاف دخول الدار وكلام زيد ولأن الشرط ما في وجوده في المستقبل خطر وهو أن يكون فيما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد والغد يأتي لا محالة فلا يصلح شرطا فلم يكن يمينا
ولنا أنه وجد ذكر شرط وجزاء معلق بالشرط فكان يمينا ومعنى المنع أو الحمل من أعراض ( ( ( أغراض ) ) ) اليمين وثمراتها وحقائق الأسامي تتبع حصول المسميات بذواتها وذلك بأركانها إلا بمقاصدها المطلوبة منها على ما بينا والله عز وجل الموفق وأما قوله إن الشرط ما في وجوده في المستقبل خطر وهو أن يكون مما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد والغد يأتي لا محالة فالجواب عنه من وجهين أحدهما ممنوع أن هذا من شرط كونه شرطا بل من شرط أن يكون جائز الوجود في المستقبل ونعني به أن لا يكون مستحيل الوجود وقد وجد ههنا فكان التصرف يمينا على أن جواز العدم إن كان شرطا فهو موجود ههنا لأن مجيء الغد ونحوه ليس مستحيل العدم حقيقة لجواز قيام الساعة في كل لمحة كما قال تعالى وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب وهذا لأن الساعة وإن كان لها شرائط لا تقوم إلا بعد وجودها ولم يوجد شيء من ذلك في يومنا هذا فيقع إلا من عن قيام الساعة قبل مجيء الغد ونحو ذلك لكن هذا يوجب الأمن عن القيام إما لا يمنع تصور القيام في نفسه لأن خبر الصادق عن امرأته لا يوجد يقتضي أنه لا يوجد أما لا يقتضي أن لا يتصور وجوده في نفسه حقيقة ولهذا قلنا إن خلاف المعلوم مقدور العبد حتى يتعلق به التكليف وإن كان لا يوجد فكان مجيء الغد جائز العدم في نفسه لا مستحيل العدم فكان شرط كونه شرطا وهو جواز العدم حقيقة موجودا فكان يمينا ولو قال لامرأته أنت طالق إن شئت أو أردت أو أحببت أو رضيت أو هويت لم يكن يمينا حتى لو كان حلف لا يحلف لا يحنث بهذه المقالة لما ذكرنا أن الشرط معناه العلامة وهو ما جعله الحالف علما لنزول الجزاء والحالف ههنا ماجعل قوله إن شئت علما لوقوع الطلاق بل جعله لتمليك الطلاق منها كأنه قال ملكتك طلاقك أو قال لها اختاري أو أمرك بيدك ألا ترى أنه اقتصر على المجلس وما جعل علما لوقوع الطلاق لا يقتصر على المجلس كقوله أنت طالق إن دخلت الدار أو إن كلمت فلانا وهذا لأن العلم المحض ما يدل على حصول الطلاق فحسب فأما ما يتعلق وجوده به فإنه لا يكون علما بل يكون علة لحصوله والمشيئة مما يحصل به الطلاق بدليل أن الزوج لو قال لزوجته إن شئت طلاقك فطلقي وإذا لم يوجد معنى الشرط لم تكن المشيئة المذكورة شرطا فلم يوجد أحد ركني اليمين وهو الشرط فلم توجد اليمين فلا يحنث وكذلك لو قال لها أنت طالق إن شئت أنا لم يكن يمينا حتى لا يحنث في يمينه إذا حلف لا يحلف ولو قال لها إذا حضت وطهرت فأنت طالق لم يكن يمينا لأن الحالف ما جعل هذا الشرط علما لنزول الجزاء بل جعله إيقاع الطلاق على وجه السنة لأن مثل هذا الكلام بذكر ( ( ( يذكر ) ) ) عادة كأنه قال أنت طالق للسنة وكذا إذا قال إذا حضت حيضة فأنت طالق لأن الحيضة اسم للكامل فصار بمنزلة قوله إذا حضت وطهرت فأنت طالق وما زاد على هذا يعرف في الجامع ولو حلف لا يحلف فقال كل امرأة لي تدخل هذه الدار فهي طالق أو قال لامرأته كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق يحنث لا لوجود تعليق الطلاق بالدخول لتعذر التعليق لانعدام حرفه بل لضرورة وجود الاتصاف على ما بينا والتعليق بالدخول ظرف في وجود الاتصاف فصار من حيث أنه تعلق به بواسطة الاتصاف شبيه الشرط لا أن يكون شرطا ثم في كلمة كل إذا دخلت مرة فطلقت ثم دخلت ثانيا لم تطلق وفي كلمة كلما تطلق في كل مرة تدخل وإنما كان كذلك لأن كلمة كل كلمة عموم وإحاطة لما دخلت عليه وفي المسألة الأولى دخلت في العين وهي المرأة لا في الفعل وهو الدخول فإذا دخلت مرة فقد انحلت اليمين فلا يحنث بدخولها ثانيا
وأما في المسألة الثانية فإنما دخلت الكلمة على فعل الدخول لأن كلمة ما ترجع مع ما بعدها من الفعل مصدرا لغة يقال بلغني ما قلت وأعجبني ما صنعت أي قولك وصنعك فصارت الكلمة داخلة على المصدر لا على من وقع عليه المصدر فيقتضي تعميم المصدر قال الله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها يتجدد التبدل عند تجدد النضج وإن كان المحل متحدا فصار الطلاق متعلقا بكل دخول وقد وجد الدخول في المرة الثانية والثالثة فطلقت ثلاثا فلو أنها تزوجت بزوج آخر بعد ذلك ثم تزوجها الأول فدخلت الدار لا يقع الطلاق عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر وسنذكر المسألة في كتاب الطلاق ولو عقد اليمين على التزوج بكلمة كلما فطلقت ثلاثا بكل تزوج ثم تزوجها بعد زوج آخر طلقت لأنه أضاف الطلاق إلى الملك والطلاق المضاف إلى الملك يتعلق بوجود الملك بخلاف الدخول ولو قال لأمرأته أنت طالق لو دخلت الدار كان يمينا كما لو قال إن دخلت الدار وإذا دخلت لأن كلمة لو تذكر لتوقف المذكور على وجود ما دخلت عليه قال الله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وقال عز وجل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فكانت في معنى الشرط لتوقف الجزاء على وجود الشرط وإن لم يكن شرطا حقيقة ولو قال أنت طالق لو حسن خلقك سوف أراجعك لم يكن يمينا ويقع الطلاق الساعة لأن لو ما دخلت على الطلاق وإنما دخلت على ترقب الرجعة فيقع الطلاق في الحال كما لو قال أنت طالق إن حسن خلقك راجعتك وكذلك لو قال أنت طالق لو قدم أبوك راجعتك كما لو قال أنت طالق إن دخلت الدار راجعتك وهذا كله ليس بيمين بل هو عدة وروى ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال لامرأته أنت طالق لو دخلت الدار لطلقتك لم تطلق الساعة وإن دخلت الدار لم تطلق حتى يطلقها فإن لم يطلقها طلقت قبل موته أو موتها بلا فصل لأن هذا رجل حلف بطلاق امرأته لطلقها إذا دخلت الدار فإن لم يطلق ( ( ( يطلقها ) ) ) فهي طالق كأنه قال لأطلقنك إذا دخلت الدار فإن دخلت الدار فلم أطلقك فأنت طالق ولو قال ذلك لا تطلق للحال وإذا دخلت الدار ولم يطلقها حتى ماتت أو مات طلقت في آخر جزء من أجزاء حياته لفوات شرط البر في ذلك الوقت فيقع الطلاق ذلك الوقت كما لو قال لها أنت طالق إن لم آت البصرة فمات قبل أن يأتيها كذا هذا ونظيره إذا قال لامرأته عبدي حر لو دخلت الدار لأضربنك إذ معناه لأضربنك إذا دخلت الدار فإن دخلت ولم أضربك فعبدي حر والله عز وجل الموفق وروى المعلى عن محمد إذا قال لأمرأته أنت طالق لولا دخولك الدار أو أنت طالق لولا مهرك علي أو أنت طالق لولا شرفك فهذا كله استثناء ولا يقع عليها الطلاق ومعناه أنه في معنى الاستثناء من حيث أنه يمنع وقوع الطلاق كالاستثناء يمنع ثبوت الحكم في المستثنى والأصل أن هذه الكلمة تستعمل في امتناع الشيء لوجود غيره قال الله عز وجل ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون الآية وقال سبحانه وتعالى ولولا رهطك لرجمناك ويقال في العرف لولا المطر لجئتك فصار معنى هذا الكلام لولا دخولك الدار لطلقتك فلا يقع عليها الطلاق وكذلك لو قال طلقتك لولا دخولك الدار وكذلك لو قال لولا دخولك الدار قد طلقتك أمس وكذلك لو كان مكان قد لقد في هذه الوجوه كلها وكذلك لو قال أنت طالق أمس لولا دخولك الدار أي لولا دخولك الدار أمس لطلقتك
وقال ابن سماعة سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فهذا يخبر أنه دخل الدار وأكد ذلك باليمين كأنه قال أنت طالق إن لم أكن دخلت الدار فإن كان لم يدخل طلقت وإن كان دخل لم تطلق لأن هذا ليس بشرط بل هو خبر عن الماضي أكده باليمين فإن كان كاذبا طلقت وإن كان صادقا لم تطلق ولو قال أنت طالق لا دخلت الدار فهذا مثل قوله أنت طالق إن دخلت الدار فلا تطلق حتى تدخل لأن لا حرف نفي أكده بالحلف فكأنه نفى دخولها وأكد ذلك بتعليق الطلاق بدخولها ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار فإنها تطلق الساعة لأن قوله دخلت ليس بتعليق بل هو إخبار عن دخولها الدار كأنه جعل الدخول علة لكنه حذف حرف العلة وسواء كانت دخلت الدار أو لم تدخل يقع الطلاق لأن التعليل بعلة لم توجد لا يمنع وقوع الطلاق لأن العلة لم تصح وبقي الإيقاع صحيحا وروى ابن سماعة عن محمد في رجل قال لامرأته أنت طالق وإن دخلت الدار فهي طالق الساعة لما يذكر ولو قال أنت طالق الساعة وإن دخلت الدار كانت طالقا الساعة واحدة وإن دخلت الدار أخرى لأنه طلقها تطليقة الساعة وعطف الشرط عليها بلا جزاء فيضمن فيه الجزاء فيصير كأنه قال أنت طالق الساعة وطالق إن دخلت الدار فيقع في الحال واحدة وبعد الدخول أخرى ولو قال أنت طالق لدخولك الدار فهي طالق الساعة واحدة لأنه أوقع الطلاق ثم جعل الدخول المتقدم عليه علة لإيقاع الطلاق ومن أوقع الطلاق لعلة وقع وجدت العلة أو لم توجد لما بينا وكذلك لو قال أنت طالق لحيضتك لما قلنا ولو قال بحيضتك أو في حيضتك أو بدخولك الدار أو لدخولك الدار لم تطلق حتى تحيض أو تدخل لأن الباء حرف الصاق فيقتضي الصاق الطلاق بالحيضة والدخول فيتعلق بهما وفي كلمة ظرف دخلت على ما لا يصلح ظرفا فتجعل شرطا لمناسبة بينهما نذكرها في كتاب الطلاق وذكر محمد في الجامع إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق تطلق في القضاء حين تكلمه به وجملة الكلام في هذا إن الأمر لا يخلو إما إن قدم الشرط أو إما إن أخر فإن قدم فهو على أربعة أوجه أما إن قال إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال إن دخلت الدار أنت طالق أو قال إن دخلت الدار وأنت طالق أو قال وإن دخلت الدار أنت طالق وإن أخر الشرط فهو على ثلاثة أوجه أما إن قال أنت طالق إن دخلت الدار أو قال أنت طالق وإن دخلت الدار أو قال أنت طالق فإن دخلت الدار فإن قال إن دخلت الدار أنت طالق فالجواب ما ذكره محمد أنها تطلق في القضاء حين تكلم به لأنه ما علق الطلاق لانعدام حرف التعليق وهو حرف الفاء وكان تنجيزا لا تعليقا وإن عنى به التعليق دين فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه عنى ما يحتمله كلامه نحو إضمار حرف الفاء في الجزاء قال الشاعر من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان أي فالله يشكرها ولا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر وهذا جواب ظاهر الرواية وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنها لا تطلق حتى تدخل الدار ووجه ( ( ( ووجهه ) ) ) أن يحذف حرف الجزاء تصحيحا للشرط إذ لو لم يحذف للغا ولو قال إن دخلت الدار وأنت طالق تطلق للحال لإنعدام حرف التعليق والواو غير موضوعة للتعليق
ولو عنى به التعليق لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما لا يحتمله كلامه لأن الواو لا تحتمل التعليق ولو أدرج فيه الفاء يصير تقدير كلامه أنت دخلت الدار فو أنت طالق وهذا لغو ولو قدم وأخر لا يستقيم أيضا لأنه يصير كأنه قال وأنت طالق إن دخلت الدار والواو لا يبتدأ بها وما يذكره أهل اللغة أن الواو قد تكون للاستئناف فمرادهم أن يبتدأ كلام بعد تقدم جملة مفيدة من غير أن تكون الجملة الثانية تشارك الأولى فأما ابتداء الكلام من غير أن يتقدمه شيء بالواو فغير موجود ولا جائز وإن قال وإن دخلت الدار أنت طالق طلقت للحال لانعدام دلالة التعليق وحرفه على أن الواو في مثل هذا تذكر للتحقيق كما يقال لا تسافرن وإن كان الطريق مخوفا ولو نوى التعليق لا يصدقه القاضي لأنه عدول عن الظاهر ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما يحتمله كلامه لأنه نوى إضمار حرف الفاء فصار كأنه قال وإن دخلت الدار فأنت طالق وتلغو الواو هذا إذا قدم الشرط فأما إذا أخر فقال أنت طالق إن دخلت الدار لا تطلق ما لم تدخل الدار لأنه عقب الإيجاب بما أخرجه عن كونه إيجابا إلى كونه يمينا فلا حاجة في مثل هذا إلى حرف التعليق ولو قال أنت طالق وإن دخلت الدار فهي طالق حين تكلم به لأن هذا يوجب التأكيد على ما بينا يدل عليه قوله من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق ولو قال عنيت به التعليق لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى لما ذكرنا أن الواو لا تحتمل التعليق وذكر الكرخي أنه يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأن الواو تجعل زائدة كما في قوله تعالى حتى إذا فتحت يأجوج إلى قوله واقترب الوعد قيل معناه اقترب الوعد والواو زيادة لأن قوله اقترب جواب حتى إذا والجواب عن هذا أن الواو في كلام العرب لم تجيء ( ( ( تجئ ) ) ) زائدة في موضع تصلح للعطف أو للتحقيق فلا يمكن أن تجعل ههنا زائدة على أنا نقول إن كثيرا من محققي أهل اللغة جعل الواو زائدة في موضع ما وكانوا يقولون تقدير الآية عندهم حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فتحت واقترب الوعد فكانت الواو للعطف على الجواب المضمر ولو قال أنت طالق فإن دخلت الدار لا رواية لهذا قالوا ولقائل أن يقول تطلق للحال لأن الفاء صارت فاصلة لأنها كانت لغوا واللغو من الكلام يجعل بمنزلة السكوت ولقائل أن يقول يتعلق الطلاق بالدخول لأن الفاء وإن كان مستغنى عنها في الحال إلا أنها في الجملة حرف تعليق فلا يجوز أن تجعل مانعة من التعليق موجهة ( ( ( موجبة ) ) ) للانفصال ولو قال أنت طالق إن ولم يذكر فعلا هل يتعلق أم لا ذكر هذه المسألة في ظاهر الرواية وذكر في النوادر على قول محمد يقع الطلاق للحال لأنه لم يذكر ما يتعلق به وعلى قول أبي يوسف لا يقع الطلاق للحال لأنه لما ذكر حرف الشرط علم أنه لم يرد به التطليق وإنما أراد به اليمين والتعليق والله عز وجل أعلم
ولو قال لامرأته أنت طالق في الدار أو في مكة فالأصل فيه إن كلمة في كلمة ( ( ( مكة ) ) ) ظرف فإن دخلت على ما يصلح ظرفا تجري على حقيقتها وإن دخلت على ما لا يصلح ظرفا تجعل مجازا عن الشرط لمناسبة بين الظرف وبين الشرط ثم الظرف نوعان ظرف زمان وظرف مكان فإن دخلت على المكان وقع الطلاق في ذلك المكان وفي غيره بأن قال لامرأته أنت طالق في الدار أو في مكة وقع الطلاق وإن لم تكن المرأة في الدار ولا في مكة لأن الطلاق لا يختص بمكان دون مكان فإذا وقع في مكان وقع في الأماكن كلها وإن دخلت على الزمان فإن كان ماضيا يقع الطلاق في الحال نحو أن يقول أنت طالق في الأمس أو في العام الماضي لأن إنشاء الطلاق في الزمان الماضي لا يتصور فيجعل إخبارا أو تلغو الإضافة إلى الماضي ويبقى قوله أنت طالق فيقع في الحال وكذلك إذا كان حاضرا بأن قال أنت طالق في هذا الوقت أو في هذه الساعة يقع في الحال وإن كان مستقبلا لا يقع حتى يأتي بأن قال أنت طالق في غد أو في الشهر الآتي لأن الطلاق يحتمل الاختصاص بوقت دون وقت فإذا جعل الغد ظرفا له لا يقع قبله ولو قال أنت طالق في دخولك الدار أو في قيامك أو في قعودك يتعلق بهذه الأفعال لأن الفعل لا يصلح ظرفا ويصلح شرطا فتحمل الكلمة على الشرط مجازا وكذا لو قال أنت طالق في ذهابك إلى مكة لأن الذهاب فعل وكذا إذا قال بذهابك لأن الباء حرف الصاق فيقتضي الصاق الطلاق بالذهاب وذلك بتعليقه به فيتعلق به ولو قال أنت طالق في الشمس وهي في الظل كانت طالقا لأن الشمس لا تصلح ظرفا للطلاق ولا شرطا له فإما أن تلغو ويراد بها مكان الشمس والطلاق لا يحتمل التخصيص بمكان دون مكان ولو قال أنت طالق في صومك كانت طالقا حين يطلع الفجر إذا نوت الصوم لأن الصوم فعل وهو الإمساك وإنه لا يصلح ظرفا فتجعل الكلمة مجازا عن الشرط والفعل يصلح شرطا فإذا وجد في أول الجزء مع النية في وقته من أهله فقد وجد الصوم الشرعي فوجد الشرط فيقع الطلاق ولو قال أنت طالق في صلاتك لم تطلق حتى تركع وتسجد سجدة لأن الصلاة فعل أيضا فلا تصلح ظرفا كالصوم إلا أنها اسم لافعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع والسجود والمتركب من أشياء مختلفة لا ينطلق عليه الاسم بوجود بعضها كالأبلق المتركب من السواد والبياض والسكنجبين المتركب عن السكر والخل ونحو ذلك فما لم توجد الأفعال التي وصفنا لا ينطلق عليها اسم فعل الصلاة فلا يحنث بنفس الشروع بخلاف الصوم فإنه اسم لأفعال متفقة الأجزاء وهي الإمساكات وما تركب من أجزاء متفقة متجانسة ينطلق اسم كله على بعضه لغة كاسم الماء أنه كما ينطلق على ماء البحر ينطلق على قطرة منه فكان الإمساك في أول النهار إمساكا حقيقة فيقع الطلاق بمجرد الشروع فهو الفرق بينهما ولو قال أنت طالق في حيضك أو في طهرك فإن كان موجودا وقع وإلا فلا يقع ويتوقف على وجوده لأن المراد منه وقت الحيض والطهر أي في الوقت الذي تكونين حائضا أو طاهرة فيه ونظير هذه المسائل ما ذكره محمد في الجامع إذا قال أنت طالق في ثلاثة أيام طلقت حين تكلم به ولو قال أنت طالق في أكلك هذا الرغيف لا يقع الطلاق ما لم تفرغ من أكل جميع الرغيف
والفرق أن في المسألة الأولى دخلت كلمة الظرف على الزمان وهو يصلح ظرفا فجعل جميع الوقت ظرفا لكونها طالقا ولا يكون كذلك إلا إذا كان وقع الطلاق في أوله وفي الثانية علق الطلاق بفعل الأكل لأن الفعل لا يصلح ظرفا ويصلح شرطا فصار معلقا الطلاق بفعل الأكل والمعلق بالشرط لا ينزل ما لم ينزل كمال شرطه وما يقوله مشايخنا إن الطلاق متى أضيف إلى وقت ممتد يقع عند أوله ومتى علق بفعل ممتد يقع عند آخره هذا صورته وعلته ولو قال لها أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام فإن قال ذلك ليلا فكما ( ( ( فكلما ) ) ) طلع الفجر من اليوم الثالث يقع الطلاق لأنه علق الطلاق بمجيء ثلاثة أيام ولا يوجد ذلك إلا بمجيء كل واحد منها ومجيء اليوم يكون بطلوع الفجر ولو قال ذلك في ضحوة من يوم حلف فإنما يقع الطلاق عند وجود طلوع الفجر من اليوم الرابع لأن اليوم الذي حلف فيه لم يكن معتبر ( ( ( معتبرا ) ) ) التقدم ( ( ( لتقدم ) ) ) مجيئه على الشرط والشيء يتعلق بما يجيء لا بما مضى ولو قال أنت طالق في مضي ثلاثة أيام إن قال ذلك ليلا لا يقع الطلاق ما لم تغرب الشمس من اليوم الثالث لأن مضي الشيء يكون بانقضاء جزئه الأخير فمضي الأيام يكون بانقضاء الجزء الأخير منها وذلك يوجد في هذه الساعة وإن قال ذلك في وقت ضحوة من النهار لا تطلق حتى يجىء ( ( ( يجيء ) ) ) تلك الساعة من اليوم الرابع لأنه به يتم مضي ثلاثة أيام بالساعات فالعبرة في المضي به لا للأيام الكاملة وفي المجىء ( ( ( المجيء ) ) ) لأوائلها هذا هو المتعارف ولو قال إن شتمتك في المسجد فعبدي حر فإنه يعتبر في هذا كون الشاتم في المسجد حتى يحنث سواء كان المشتوم في المسجد أو غيره ولو قال إن ضربتك أو قتلتك في المسجد يعتبر فيه مكان المضروب والمقتول إن كان في المسجد حنث وإلا فلا والأصل فيه أن كل فعل له أثر في المفعول يعتبر فيه مكان المفعول وما لا أثر له يظهر في المفعول لا يعتبر فيه مكانه بل مكان الفاعل وعلة هذا الأصل تذكر في الجامع إن شاء الله تعالى فصل وأما شرائط الركن فأنواع بعضها يرجع إلى الحالف وبعضها يرجع إلى المحلوف عليه وهو الشرط وبعضها يرجع إلى المحل المحلوف بطلاقه وعتاقه وبعضها يرجع إلى نفس الركن أما الذي يرجع إلى الحالف فما ذكرنا في الطلاق والعتاق وكلما هو شرط جواز الطلاق والعتاق فهو شرط انعقاد اليمين بهما وما لا فلا وسنبين جملة ذلك في كتاب الطلاق والعتاق وأما الذي يرجع إلى المحلوف عليه وهو الشرط فمنها أن يكون أمرا في المستقبل فلا يكون التعليق بأمر كائن يمينا بل يكون تنجيزا حتى لو قال لامرأته أنت طالق إن كانت السماء فوقنا يقع الطلاق في الحال وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته وهي حائض أو مريضة إذا حضت أو مرضت فأنت طالق إن ذلك على حيض مستقبل ومرض مستقبل وهو حيض آخر يوجد في المستقبل أو مرض آخر لا على الحال فإن عينت ما يحدث من هذا الحيض وما يزيد من هذا المرض فهو كما نوى لأن الحيض ذو أجزاء تحدث حالا فحالا وكذلك المرض يزداد ويكون ذلك حيضا ومرضا فإذا نوى ذلك فقد نوى ما يحتمله لفظه فيصدق
فإن قال فإن حضت غدا فأنت طالق وهو يعلم أنها حائض فهذا على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن ينشق الفجر من الغد بعد أن تكون تلك الساعة تمام الثلاثة أو أكثر لأنه إذا علم بحيضها استحال أن يعني بيمينه حدوث حيضة أخرى في غد فتعين أنه أراد استمرار هذه الحيضة ودوامها وإنما اعتبر بتلك الساعة لتمام الثلاثة أو أكثر لأن الحيض إذا انقطع فيما دونها فليس بحيض فلا يوجد شرط اليمين وإن كان لا يعلم بحيضها فهو على حيض مستقبل ويدين في القضاء لأنه إذا لم يعلم بحيضها فالظاهر أنه أراد حدوث الحيض وكذلك هذه الوجوه في المرض وكذلك المحموم إذا قال إن حميت أو المصدوع إذا قال إن صدعت وكذلك الرعاف وإن كان صحيحا فقال إن صحيت فامرأتي طالق وكان صحيحا حين سكت طلقت امرأته وهو كبصير قال إن أبصرت وكسميع قال إن سمعت لأن الصحة عرض يحدث ساعة فساعة فالموجود في الزمان الثاني غير الموجود في الزمان الأول وقد حدثت له الصحة حين ما فرغ من هذا الكلام فوجد شرط الحنث ولا يمكن شرط صحة أخرى في المستقبل كالحيض والمرض فتقع يمينه على ما يحدث عقيب الكلام وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته إذا قمت أو قعدت أو ركبت أو لبست فأنت طالق وهي قائمة أو قاعدة أو راكبة أو لابسة أنه إذا مكث ساعة بعد اليمين مقدار ما يقدر على تركها حنث وكذلك السكنى إذا لم يأخذ في النقلة من ساعته لأن الدوام على هذه الأفعال يعني به تجدد أمثالها يسمى باسم هذه الأفعال فقد وجد ما تناوله الاسم عقيب اليمين فيحنث وأما الدخول بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وهي داخلة فهذا لا يكون إلا على دخول مستقبل فإن نوى الذي هو فيه لا يحنث لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل وهذا لا يحتمل التجدد فلا يثبت الاسم في حالة البقاء أعني الثاني في زمان وجوده وكذلك إذا قال لها إن خرجت وهي خارجة لأن الخروج ضد الدخول وهو الانفصال من داخل إلى خارج وأنه لا يتجدد في الثاني من زمان وجوده فلا يثبت الاسم بخلاف القيام والركوب واللبس ونحوهما يوضح الفرق أنه يقال قمت يوما وركبت يوما ولبست يوما ولا يقال دخلت الدار يوما ولا خرجت من الدار يوما على إرادة المكث وكذلك الحبل إذا قال للحبلى إذا حبلت فأنت طالق فهذا يقع على حبل مستقبل لأنه يراد به ابتداء العلوق عرفا وعادة ولو قال إن أكلت أو ضربت فهو على الحادث كل شيء أكله بعد يمينه أو ضربه بعد يمينه يحنث لأن الضرب يتجدد وذكر في الأصل إذا قال لها أنت طالق ما لم تحيضي أو ما لم تحبلي وهي حبلى أو حائض في حال الحلف فهي طالق حين سكت إلا أن يكون ذلك منها حين سكت لأنه جعل حدوث الحيض والحبل شرط البر فما لم يوجد عقيب اليمين يحنث وإن عنى به ما فيه من الحيض دين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في الحبل لأن الحيض ذو أجزاء فجاز أن يسمى ما يحدث من أجزائه باسم الابتداء فأما الحبل فليس بذي أجزاء ألا ترى أن الحيض يزداد والحبل ليس بمعنى يحتمل الزيادة فلا يصدق أصلا والله عز وجل أعلم ومنها أن يكون المذكور في المستقبل متصور الوجود حقيقة لا عادة هو شرط انعقاد اليمين فإن كان مما يستحيل وجوده حقيقة لا ينعقد كما إذا قال لامرأته إن ولج الجمل في سم الخياط فأنت طالق
وإن اجتمع الضدان فأنت طالق لأن مثل هذا الكلام يذكر لتأكيد النفي أي طلاقك أمر لا يكون أصلا ورأسا كما لا يلج الجمل في سم الخياط ولا يجتمع الضدان قال الله تعالى ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط أي لا يدخلونها رأسا وعلى هذا يخرج ما إذا قال إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأته طالق أو عبده حر أو قال إن لم أقتل فلانا ولا ماء في الكوز وفلان ميت وهو يعلم بذلك أو لا يعلم به وقد ذكرنا جملة هذا وتفصيله وما فيه من الاتفاق والاختلاف وما يتصل بذلك من المسائل في اليمين بالله تعالى وأما الذي يرجع إلى المحل المحلوف بطلاقه وعتاقه فقيام الملك فيه والإضافة إلى الملك أو إلى سبب الملك وسنبين ذلك في كتاب الطلاق والعتاق ونذكر ذلك كله وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فما ذكرنا في اليمين بالله تعالى وهو عدم إدخال الاستثناء عليه فإذا أدخل عليه الاستثناء أبطله بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق إن شاء الله تعالى أو قال ما شاء الله تعالى أو قال بمشيئة الله تعالى أو قال إلا أن يشاء الله أو قال بإرادة الله أو بقضاء الله أو بقدرته ولو قال إن أعانني الله أو بمعونة الله وأراد به الاستثناء يكون مستثنيا فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لأن الشيء بعد وجوده لا يحتمل الإعانة عليه فلا يمكن حمله على التعليق بالشرط فيجعل مجازا عن الاستثناء وكذلك إذا قال إن يسر الله تعالى أو قال بتيسير الله تعالى ونوى الاستثناء وسنذكر شرائط صحة الاستثناء في كتاب الطلاق ونذكر أن منها أن يكون الاستثناء موصولا بالكلام المتقدم وهو أن لا يكون بينهما فاصل إلا أن يكون الفصل لضرورة وعلى هذا ما روي عن ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ثلاثا فاعلمي ذلك إلا بإذني أو قال إن شاء الله إنه يصح الاستثناء فلا تطلق وإن خرجت من الدار لأن حرف الفاء حرف عطف فيقتضي تعلق ما دخلت عليه الجملة المتقدمة فيصير الكل كلاما واحدا فلا يكون فاصلا وإن قال اعلمي ذلك أو اذهبي لم يصح الاستثناء لأنه لم يوجد ما يوجب تعلق المذكور بالكلام الأول فصار كلاما مبتدأ فكان فاصلا قاطعا للاستثناء فيتعلق الطلاق بالخروج وقال القدوري وينبغي على قول أبي حنيفة أن لا يصح الاستثناء ويقع الطلاق في الفصلين جميعا بناء على أصله فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله تعالى ومنها أن لا يدخل بين الشرط والجزاء حائل فإذا دخل لم يكن يمينا وتعليقا بل يكون تنجيزا وعلى هذا يخرج إدخال النداء في وسط الكلامين أنه يكون فاصلا مانعا من التعليق أولا وجملة الكلام فيه أن النداء أنواع ثلاثة نداء بالقذف بأن يقول يا زانية ونداء بالطلاق بأن يقول يا طالق ونداء بالعلم بأن يقول يا زينب أو يا عمرة وكل واحد من الأنواع الثلاثة على ثلاثة أوجه إما إن ذكر النداء في أول الكلام وإما إن ذكره في أوسطه وإما إن ذكره في آخره وكل ذلك ينقسم إلى قسمين إما إن علق بشرط وهو دخول الدار ونحوه وإما أن نجز وأدخل فيه الاستثناء فقال إن شاء الله تعالى
أما النداء بالقذف إذا ذكره في أول التعليق بالشرط لا يمنع من التعليق ويكون قذفا صحيحا بأن قال لامرأته يا زانية أنت طالق إن دخلت الدار لأن قوله يا زانية وإن كان موضوعا للنداء لكنه وصف لها بالزنا من حيث المعنى لأنه اسم مشتق من حيث المعنى وهو الزنا والاسم المشتق من معنى يقتضي وجود ذلك المعنى لا محالة كسائر الأسماء المشتقة من المعاني من المتحرك والساكن ونحو ذلك سواء كان الاسم موضوعا للنداء أو غيره فصار بوصفه إياها بالزنا ونسبة الزنا إليها قاذفا لها بالزنا وهي زوجته وموجب قذف الزوجات اللعان عند استجماع شرائط اللعان ثم صار معلقا طلاقها بدخول الدار بقوله أنت طالق إن دخلت الدار فيتعلق به وهذا لأنه إذا ناداها لتتنبه لسماع كلامه فلما تنبهت خاطبها باليمين وهي تعليق طلاقها بدخول الدار وكذا لو قال يا زانية أنت طالق إن شاء الله تعالى صار قاذفا لما قلنا ولا يقع الطلاق لدخول الاستثناء فيه ولو بدأ بالنداء في الطلاق فقال يا طالق أنت طالق إن دخلت الدار وقع الطلاق بقوله يا طالق لأنه وصفها بالطلاق فيقتضي تقدم ثبوت الطلاق على وصفه إياها لضرورة صحة الوصف وتعلق طلاق آخر بدخول الدار لما ذكرنا في الفصل الأول وكذا لو قال يا طالق أنت طالق إن شاء الله تعالى يقع الطلاق بقوله يا طالق ولم يقع الثاني لدخول الاستثناء عليه ولو بدأ بالنداء بالعلم فقال يا عمرة أنت طالق إن دخلت الدار لا يقع شيء وتعلق الطلاق بالدخول لأنه بندائه إياها بالعلم نبهها على سماع كلامه ثم علق طلاقها بالدخول وكذا لو قال يا عمرة أنت طالق يا عمرة إن شاء الله تعالى لا يقع شيء لما ذكرنا هذا إذا بدأ بالنداء إما بالقذف أو بالطلاق أو بالعلم فأما إذا أتى بالنداء في وسط الكلام في التعليق بالشرط بأن قال لها أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار فقد روى ابن سماعة عن محمد أنه لا يصير فاصلا ويتعلق الطلاق بدخول الدار ويصير قاذفا ويجب اللعان وكان أبو يوسف يقول بهذا القول ثم رجع وقال يقع الطلاق للحال ولا يصير قاذفا حتى لا يجب اللعان وذكر محمد في الجامع إن الطلاق يتعلق بدخول الدار ولا يصير النداء فاصلا بين الشرط والجزاء مانعا من التعليق ولا يصير قاذفا ولا يجب اللعان قال المشايخ ما ذكره ابن سماعة عن محمد هو قوله الأخير وما ذكره محمد في الجامع قول أبي حنيفة فحصل في المسألة ثلاثة أقوال على قول أبي حنيفة تعلق وبطل في نفسه وتعلق القذف الطلاق وعلى قول محمد تعلق الطلاق ولم يتعلق القذف بل تحقق للحال وعلى قول أبي يوسف تعلق القذف فبطل في نفسه ولم يتعلق الطلاق بل تنجز وجه قول أبي يوسف أنه لما ذكر قوله إن دخلت الدار عقيب قوله يا زانية فقد علق القذف بالشرط والقذف لا يتعلق بالشرط لأنه وصف الشخص بالزنا كقوله قائمة وقاعدة أنه وصفها بالقيام والقعود ووصف الشيء بصفة يكون إخبارا عن وجود الصفة فيه والإخبار مما لا يتعلق بالشرط حتى يكون صادقا عند وجوده كاذبا عند عدمه أو مخبرا عند وجوده غير مخبر عند عدمه وإذا لم يتعلق صار لغوا فصار حائلا بين الشرط والجزاء فينزل الجزاء لكن مع هذا لا يصير قاذفا لأنه قصد تعليق القذف بالشرط ومن قصد تعليق شيء بشرط لا يكون مثبتا له في الحال فلم يصر قاذفا وعند وجود الشرط لا يصير قاذفا أيضا لأنه لم يتعلق به حتى ينزل عند وجوده وجه ما روى ابن سماعة عن محمد إن قوله يا زانية وإن لم يتعلق ولكنه مع هذا لا يصير لغوا لأنه لتأكيد الخطاب الموجود بقوله أنت طالقفصار مؤكدا لباب الخطاب فالتحق به فصار كأنه قال أنت يا زانية إن دخلت الدار طالق فتعلق الطلاق بالدخول وبقي القذف متحققا ألا ترى أنه لو قال أنت طالق يا عمرة إن دخلت الدار صح التعليق ولم يصر قوله يا عمرة فاصلا كذا ههنا
وجه قول أبي حنيفة أن تعليق الطلاق بالشرط قد صح لما مر في كلام محمد والقذف لم يتحقق لأنه ذكر عقيبه الشرط والقذف متى علق بالشرط لا يقصد الإنسان تحقيقه للحال واليا بعد وجود الشرط على ما مر وكان القاضي الجليل يقول تعليق القذف بالشرط يكون تبعيدا للقذف كما يقول الرجل إن فعلت كذا فامرأته زانية أو أمه زانية يريد بذلك تبعيد الفعل ولن يتحقق تبعيد الفعل إلا بتبعيد الاتصاف بالزنا عن أمه وامرأته وبمثل هذا يحصل الوصف بالإحصان دون الوصف بالزنا وإلحاق العار به والله عز وجل أعلم وكذا لو قال أنت طالق يا زانية إن شاء الله تعالى فهو على هذا الخلاف ولو كان النداء بالطلاق بأن قال أنت طالق يا طالق إن دخلت الدار هذا أيضا على الخلاف بين أبي يوسف ومحمد إلا أن أبا حنيفة يفرق بين هذا وبين النداء بالزنا بقوله يا زانية ويقول يقع الطلاق منجزا بقوله أنت طالق ولا يتعلق بدخول الدار ويصير كقوله يا طالق فاصلا ووجه الفرق إن قوله يا طالق وإن كان نداء فهو إيقاع الطلاق فكان قوله أنت طالق يا طالق إيقاعا عقيب إيقاع من غير عطف البعض على البعض والشرط اتصل بآخر الإيقاعين دون الأول منهما فبقي الأول تنجيزا بخلاف قوله يا زانية فإنه نداء وتأكيد لما تقدم من تاء الخطاب لا إيقاع فلم يتعلق به فلم يصر حائلا فلم يمنع من تعلق الشرط بالجزاء ولو قال أنت طالق يا طالق إن شاء الله هذا أيضا على ما ذكرنا من الخلاف بينهم والفرق لأبي حنيفة بين هذا وبين قوله أنت طالق يا زانية إن شاء الله ولو كان النداء بالعلم بأن قال أنت طالق يا عمرة إن دخلت الدار فههنا يتعلق الطلاق بالشرط بالإجماع وأبو يوسف يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين قوله يا زانية والفرق أن قوله يا عمرة لا يفيد إلا ما يفيده قوله أنت فكان تأكيدا له فالتحق به فلم يصر فاصلا وأما قوله يا زانية ففيه زيادة أمر لا تفيده تاء الخطاب وهو إثبات وصف الزنا ويتعلق به شرعا حكم وهو الحد أو اللعان في الجملة فلا يمكن أن يجعل تكرارا للتاء الموضوعة للخطاب فكان معتبرا في نفسه فلم يصر ملتحقا بتاء الخطاب فبقي فاصلا فأما فيما نحن فيه فبخلافه ( ( ( بخلافه ) ) ) على ما مر ولو قال أنت طالق يا عمرة إن شاء الله لا يقع الطلاق لما مر هذا إذا أتى بالنداء في أول الكلام أو وسطه فأما إذا أتى به في آخر الكلام أما في النداء بالزنا بأن قال أنت طالق إن دخلت الدار يا زانية فإن الطلاق يتعلق بالدخول لأنه علق الطلاق بالدخول ثم ناداها بعد ذلك فصار قاذفا ولم يوجد بعد القذف شرط ليقال أنه قصد تعليق القذف بعد تحقيقه وكذا في قوله أنت طالق إن شاء الله يا زانية بطل الطلاق وتحقق القذف وفي قوله أنت طالق إن دخلت الدار يا طالق تعلق الأول بالدخول ووقع بقوله يا طالق طلاق لدخول الشرط في الأول دون قوله يا طالق وكذا لو قال أنت طالق إن شاء الله يا طالق وكذا قوله أنت طالق إن دخلت الدار يا عمرة فهذا رجل علق الطلاق بدخول الدار ثم ناداها ونبهها بالنداء على اليمين والخطاب فصح التعليق وكذا لو قال أنت طالق إن شاء الله يا عمرة لا يقع شيء لما مر قال أبو حنيفة ولو قال لامرأته ولم يدخل بها أنت طالق يا زانية ثلاثا فهي ثلاث ولا حد ولا لعان
وقال أبو يوسف هي طالق واحدة وعليه الحد أبو حنيفة لم يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها لأن قوله يا زانية نداء فلا يفصل بين العدد وهو قوله ثلاثا وبين أصل الإيقاع وهو قوله أنت طالق وإذا لم يفصل فيوقف الوقوع على آخر الكلام وهو قوله ثلاثا فتبين فلا يمكن إلحاق اللعان بعد البينونة وأبو يوسف يقول إن قوله يا زانية يفصل بين الإيقاع والعدد فبانت بقوله أنت طالق فصادفها قوله يا زانية وهي أجنبية فيجب عليه الحد ويلغو قوله ثلاثا قال أبو يوسف ولا يشبه هذا المدخول بها إذا قال لها أنت طالق يا زانية ثلاثا أنها تبين بثلاث ولا حد ولا لعان لأنا وإن اعتبرنا قوله يا زانية فاصلا فإنه لا يمنع إلحاق الثلاث به فإنه لو قال لها أنت طالق وسكت فقيل له كم فقال ثلاثا فكذا إذا فصل بقوله يا زانية وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إذا قال لها قبل الدخول بها أنت طالق ثلاثا أو قال أنت طالق إن دخلت الدار فماتت بعد قوله أنت طالق قبل قوله إن دخلت الدار فهذا باطل لا يلزمه طلاق لأن العدد إذا قرن بالتطليق كان الواقع هو العدد وهي عند ذلك ليست بمحل لوقوع الطلاق عليها والشرط إذا لحق بآخر الكلام يتوقف أول الكلام على آخره ولا يفصل آخر الكلام عن أوله وقد حصل آخر الكلام وهي أجنبية ولو قال أنت طالق ثلاثا يا عمرة فماتت قبل أن يقول يا عمرة فالطلاق لازم لأن قوله يا عمرة نداء ليس بشرط ولا عدد يتوقف الوقوع عليه فلا يتوقف والله عز وجل أعلم فصل وأما حكم هذه اليمين فحكمها واحد وهو وقوع الطلاق أو العتاق المعلق عند وجود الشرط فتبين أن حكم هذه اليمين وقوع الطلاق والعتاق المعلق بالشرط ثم نبين أعيان الشروط التي تعلق بها الطلاق والعتاق على التفصيل ومعنى كل واحد منهما حتى إذا وجد ذلك المعنى يوجد الشرط فيقع الطلاق والعتاق وإلا فلا أما الأول فلأن اليمين بالطلاق والعتاق هو تعليق الطلاق والعتاق بالشرط ومعنى تعليقهما بالشرط وهو إيقاع الطلاق والعتاق في زمان ما بعد الشرط لا يعقل له معنى آخر فإذا وجد ركن الايقاع مع شرائطه لا بد من الوقوع عند الشرط فأما عدم الوقوع عند عدم الشرط فليس حكم التعليق بالشرط عندنا بل هو حكم العدم الأصلي لأن الوقوع لم يكن ثابتا في الأصل والثبوت على حسب الإثبات والحالف لم يثبت إلا بعد الشرط فبقي حكمه باقيا على أصل العدم لا أن يكون العدم موجب التعليق بالشرط بل موجبه الوقوع عند وجود الشرط فقط ثم الشرط إن كان شيئا واحدا يقع الطلاق عند وجوده بأن قال لامرأته إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت هذه الدار يستوي فيه تقديم الشرط في الذكر وتأخيره وسواء كان الشرط معينا أو مبهما بأن قال إن دخلت هذه الدار أو هذه فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار أو هذه وكذلك إذا كان وسط الجزاء بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو هذه الدار لأن كلمة أو ههنا تقتضي التخيير فصار كل فعل على حياله شرطا فأيهما وجد وقع الطلاق وكذلك لو أعاد الفعل مع آخر بأن قال إن دخلت هذه الدار أو دخلت هذه سواء أخر الشرط أو قدمه أو وسطه وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال إن دخلت هذه الدار أو هذه الدار وإن دخلت هذه فعبدي حر أن اليمين على أن يدخل إحدى الأوليين ويدخل الثالثة فأي الأوليين دخل ودخل الثالثة حنث لأنه جعل شرط حنثه دخول إحدى الأوليين ودخول الثالثة لأنه ذكر إحدى الأوليين بكلمة أو فيتناول إحداهما ثم جمع دخول الثالثة إلى دخول إحداهما لوجود حرف الجمع وهو الواو في قوله وإن دخلت هذه فصار دخول الثالثة مع دخول إحدى الأوليين شرطا واحدا فإذا وجد حنث
هذا إذا أدخل كلمة أو بين شرطين في يمين واحدة فأما إذا أدخلها بين ايقاع ويمين أو بين يمينين كما روى ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أو والله لأضربن هذا الخادم اليوم فضرب الخادم من يومه فقد بر في يمينه وبطل الطلاق لأنه خير نفسه بين الطلاق وبين الضرب في اليوم فإذا وجد أحدهما انتفى الآخر فإذا مضى اليوم قبل أن يضرب الخادم فقد حنث في يمينه ويخير فإن شاء أوقع الطلاق وإن شاء ألزم نفسه اليمين لأنه قد حنث في أحد الأمرين وهو المبهم فكان إليه التعيين فإن قال في اليوم قبل مضيه قد اخترت إن أوقع الطلاق لزمه وبطلت اليمين لأنه خير نفسه بين الإيقاع وبين اليمين فإذا أوقع فقد سقطت اليمين ولو قال قد اخترت التزام اليمين وأبطلت الطلاق فإن الطلاق لا يبطل حتى لو مضى اليوم قبل أن يضرب الخادم حنث في يمينه لأن اختيار التزام اليمين لا يبطل اليمين لأن اليمين لا يجب على الإنسان بالالتزام حتى يبطل بالاختيار فبقيت اليمين على حالها ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أو والله لأضربن فلانة فماتت فلانة قبل أن يضربها فقد حنث في يمينه وهو مخير إن شاء ألزم نفسه الطلاق وإن شاء الكفارة لأن شرط البر فات بموتها فحنث في إحدى اليمينين ولو كان الرجل هو الميت والمحلوف على ضربها حية فقد وقع الحنث على الرجل والطلاق وقد مات قبل أن يبين فلا يقع الطلاق عليها ولها الميراث لأنه لما كان مخيرا بين الطلاق والتزام الكفارة لا يقع الطلاق بالشك ولا يجبره الحاكم على البيان لأن أحدهما وهو الكفارة لا يدخل تحت الحكم فلا يقدر الحاكم على إلزامه ولكن يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولو كان بدل الكفارة طلاق أخرى فقال أنت طالق ثلاثا أو هذه فههنا يجبره الحاكم حتى يبين لأن الواقع طلاق وأنه مما يدخل في الحكم ولو قال أنت طالق أو علي حجة أو عمرة لم يجبره الحاكم على الاختيار إنما يفتي في الوقوع أن يوقع أيهما شاء ويبطل الأخرى ولو قال أنت طالق ثلاثا أو فلانة علي حرام يعني اليمين فإنه يخير تخيير الفتوى ولا يجبره القاضي حتى يمضي أربعة أشهر قبل أن يقرب لأنه لا يقدر على أن يسقط ذلك عن نفسه بالكفارة فإذا مضت أربعة أشهر قبل أن يقرب يخير تخيير حكم ويقال له أوقع طلاق الإيلاء على التي حرمت أو طلاق الكلام على التي تكلمت بطلاقها لأن الطلاق لا بد أن يقع على إحداهما فخير فيه تخيير الحاكم وقال محمد في الجامع إذا قال والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه فإن دخل إحداهما حنث لأن كلمة أو إذا دخلت بين شيئين تناولت كل واحد على الانفراد قال الله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أبدا أو لأدخلن هذه الدار الأخرى اليوم فإن دخل الأولى حنث وإن لم يدخلها ولم يدخل الأخرى حتى مضى اليوم حنث لأنه خير نفسه في اليمين أن لا يدخل الدار الأولى أو يدخل الأخرى في اليوم فإن دخل الأخرى في اليوم بر في يمينه وإن مضى اليوم حنث في إحدى اليمينين قال ابن سماعة في نوادره سمعت محمدا قال في رجل قال عبده حر إن لم يدخل هذه الدار اليوم فإن لم يدخلها اليوم دخل هذه قال محمد ليس هذا باستثناء واليمين على حالها ولا أبالي وصل هذا الكلام أو فصله فإن لم يدخل الدار الأولى اليوم حنث لأن قوله فإن لم يدخلها ليس بلفظ تخيير فبقيت اليمين الأولى بحالها والله عز وجل أعلم هذا إذا كان الشرط شيئا واحدا فإن كان شيئين بأن عطف أحدهما على الآخر بحرف العطف لا ينزل إلا عند وجود الشرطين