Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
فإن قيل أليس إن استئجار الظئر جائز وإنه استئجار على العين وهي اللبن بدليل إنها لو أرضعته بلبن شاة لم تستحق الأجرة فالجواب إنه روي عن محمد أن العقد يقع على خدمة الصبي واللبن يدخل على طريق التبع فكان ذلك استئجارا على المنفعة أيضا واستيفاؤها بالقيام بخدمة الصبي من غسله وغسل ثيابه وإلباسها إياه وطبخ طعامه ونحو ذلك واللبن يدخل فيه تبعا كالصبغ في استئجار الصباغ وإذا أرضعته بلبن الشاة فلم تأت بما دخل تحت العقد فلا تستحق الأجرة كالصباغ إذا صبغ الثوب لونا آخر غير ما وقع عليه العقد أنه لا يستحق الأجر وذا لا يدل على أن المعقود عليه ليس هو المنفعة كذا ههنا ومن مشايخنا من قال إن المعقود عليه هناك العين وهي اللبن مقصودا والخدمة تبع ( ( ( تتبع ) ) ) لأن المقصود تربية الصبي ولا يتربى إلا باللبن فأجرى اللبن مجرى المنافع ولهذا لا يجوز بيعه وعلى هذا يخرج استئجار الأقطع والأشل للخياطة بنفسه والقصارة والكتابة وكل عمل لا يقوم إلا باليدين واستئجار الأخرس لتعليم الشعر والأدب والأعمى لنقط المصاحف أنه غير جائز لأن الإجارة بيع المنفعة والمنفعة لا تحدث عادة إلا عند سلامة الآلات والأسباب وكذا استئجار الأرض السبخة والنزة للزراعة وهي لا تصلح لها لأن منفعة الزراعة لا يتصور حدوثها منها عادة فلا تقع الإجارة بيع ( ( ( ببيع ) ) ) المنفعة فلم نجز ( ( ( تجز ) ) ) وعلى هذا يخرج استئجار المصحف أنه لا يجوز لأن منفعة المصحف النظر فيه والقراءة منه والنظر في مصحف الغير والقراءة منه مباح والإجارة ببيع ( ( ( بيع ) ) ) المنفعة والمباح لا يكون محلا للبيع كالأعيان المباحة من الحطب والحشيش وكذا استئجار كتب ليقرأ فيها شعرا أو فقها لأن منافع الدفاتر النظر فيها والنظر في دفتر الغير مباح من غير أجر فصار كما لو استأجر ظل حائط خارج داره ليقعد فيه ولو استأجر شيئا من الكتب ليقرأ فقرأ لا أجر عليه لانعدام عقد المعاوضة وعلى هذا أيضا يخرج ( ( ( تخرج ) ) ) إجارة الآجام للسمك والقصب وإجارة المراعي للكلأ وسائر الأعيان المباحة إنها غير جائزة لما بينا والله عز وجل أعلم فصل وأما شرائط الركن فأنواع بعضها شرط الانعقاد وبعضها شرط النفاذ وبعضها شرط الصحة وبعضها شرط اللزوم أما شرط الانعقاد فثلاثة أنواع نوع يرجع إلى العاقد ونوع يرجع إلى نفس العقد ونوع يرجع إلى مكان العقد أما الذي يرجع إلى العاقد فالعقل وهو أن يكون العاقد عاقلا حتى لا تنعقد الإجارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل كما لا ينعقد البيع منهما وأما البلوغ فليس من شرائط الانعقاد ولا من شرائط النفاذ عندنا حتى إن الصبي العاقل لو أجر ماله أو نفسه فإن كان مأذونا ينفذ وإن كان محجورا يقف على إجازة الولي عندنا خلافا للشافعي وهي من مسائل المأذون ولو أجر الصبي المحجور نفسه وعمل وسلم من العمل يستحق الأجر ويكون الأجر له أما استحقاق الأجر فلأن عدم النفاذ كان نظرا له والنظر بعد الفراغ من العمل سليما في النفاذ فيستحق الأجرة ولا يهدر سعيه فيتضرر به وكان الولي أذن له بذلك دلالة بمنزلة قبول الهبة من الغير وأما كون الأجرة المسماة له فلأنها بدل منافع وهي حقة وكذا حرية العاقد ليست بشرط لانعقاد هذا العقد ولا لنفاذه عندنا فينفذ عقد المملوك إن كان مأذونا ويقف على إجارة ( ( ( إجازة ) ) ) مولاه إن كان محجورا وعند الشافعي لا يقف بل يبطل وإذا سلم من العمل في إجارة نفسه أو إجارة مال المولى وجب الأجر المسمى لما ذكرنا في الصبي إلا أن الأجر هنا يكون للمولى لأن العبد ملك المولى والأجر كسبه وكسب المملوك للمالك
ولو هلك الصبي أو العبد في يد المستأجر في المدة ضمن لأنه صار غاصبا حيث استعملهما من غير إذن المولى ولا يجب الأجر لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان ولو قتل العبد أو الصبي خطأ فعلى عاقلته الدية أو القيمة وعليه الأجر في ماله لأن إيجاب الأجرة ههنا لا يؤدي إلى الجمع لاختلاف من عليه الواجب وللمكاتب أن يؤاجر ويستأجر لأنه في مكاسبه كالحر وأما كون العاقد طائعا جادا عامدا فليس بشرط لانعقاد هذا العقد ولا لنفاذه عندنا لكنه من شرائط الصحة كما في بيع العين وإسلامه ليس بشرط أصلا فتجوز الإجارة والاستئجار من المسلم والذمي والحربي المستأمن لأن هذا من عقود المعاوضات فيملكه المسلم والكافر جميعا كالبياعات غير أن الذمي إن استأجر دارا من المسلم ( ( ( مسلم ) ) ) في المصر فأراد أن يتخذها مصلى للعامة ويضرب فيها بالناقوس له ذلك ولرب الدار وعامة المسلمين أن يمنعوه من ذلك على طريق الحسبة لما فيه من إحداث شعائر لهم وفيه تهاون بالمسلمين واستخفاف بهم كما يمنع من إحداث ذلك في دار نفسه في أمصار المسلمين ولهذا يمنعون من إحداث الكنائس في أمصار المسلمين قال النبي لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة أي لا يجوز إخصاء الإنسان ولا إحداث الكنيسة في دار الإسلام في الأمصار ولا يمنع أن يصلي فيها بنفسه من غير جماعة لأنه ليس فيه ما ذكرناه من المعنى ألا ترى أنه لو فعل ذلك في دار نفسه لا يمنع منه ولو كانت الدار بالسواد ذكر في الأصل أنه لا يمنع من ذلك لكن قيل أن أبا حنيفة إنما أجاز ذلك في زمانه لأن أكثر أهل السواد في زمانه كانوا أهل الذمة من المجوس فكان لا يؤدي ذلك إلى الإهانة والاستخفاف بالمسلمين وأما اليوم فالحمد لله عز وجل فقد صار السواد كالمصر فكان الحكم فيه كالحكم في المصر وهذا إذا لم يشرط ذلك في العقد فأما إذا شرط بأن استأجر ذمي دارا من مسلم في مصر من أمصار المسلمين ليتخذها مصلى للعامة لم تجز الإجارة لأنه استئجار على المعصية وكذا لو استأجر ذمي من ذمي ليفعل ذلك لما قلنا ولا بأس باستئجار ظئر كافرة والتي ولدت من فجور لأن الكفر والفجور لا يؤثران في اللبان ( ( ( اللبن ) ) ) لأن لبنهما لا يضر بالصبي ويكره استئجار الحمقاء لقوله لا ترضع لكم الحمقاء فإن اللبن يفسد والظاهر أن المراد منه غير الأم لأن الولادة أبلغ من الرضاع نهى وعلل بالإفساد لأن حمقها لمرض بها عادة ولبن المريضة يضر بالصبي ويحتمل أن النهي عن ذلك لئلا يتعود الصبي بعادة الحمقى لأن الصبي يتعود بعادة ظئره والله أعلم وأما الذي يرجع إلى نفس العقد ومكانه فما ذكرنا في كتاب البيوع وأما شرط النفاذ فأنواع منها خلو العاقد عن الردة إذا كان ذكرا في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد ليس بشرط بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة عند أبي حنيفة وعندهما نافذة وتصرفات المرتدة نافذة في قولهم جميعا وهي من مسائل كتاب السير ومنها الملك والولاية فلا تنفذ إجارة الفضولي لعدم الملك والولاية لكنه ينعقد موقوفا على إجازة المالك عندنا خلافا للشافعي كالبيع والمسألة ذكرناها في كتاب البيوع ثم الإجازة إنما تلحق الإجارة الموقوفة بشرائط ذكرناها في البيوع منها قيام المعقود عليه وعلى هذا يخرج ما إذا أجر الفضولي فأجاز المالك العقد أنه لو أجاز قبل استيفاء المنفعة جازت وكانت الأجرة للمالك لأن المعقود عليه ما فات
ألا ترى أنه لو عقد عليه ابتداء بأمره جاز فإذا كان محلا لإنشاء العقد عليه كان محلا للإجازة إذ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة وإن أجاز بعد استيفاء المنفعة لم تجز إجازته وكانت الأجرة للعاقد لأن المنافع المعقود عليه ( ( ( عليها ) ) ) قد انعدمت ألا ترى أنها قد خرجت عن احتمال إنشاء العقد عليها فلا تلحقها الإجازة وقد قالوا فيمن غضب ( ( ( غصب ) ) ) عبدا فأجره سنة للخدمة وفي رجل آخر غضب ( ( ( غصب ) ) ) غلاما أو دارا فأقام البينة رجل أنه له فقال المالك قد أجزت ما أجرت أن مدة الإجارة إن كانت قد انقضت فللغاصب الأجر لما ذكرنا أن المعقود عليه قد انعدم والإجازة لا تلحق المعدوم وإن كان في بعض المدة فالأجر الماضي والباقي لرب الغلام في قول أبي يوسف وقال محمد أجر ما مضى للغاصب وأجر ما بقي للمالك فأبو يوسف نظر إلى المدة فقال إذا بقي بعض المدة لم يبطل العقد فبقي محلا للإجازة ومحمد نظر إلى المعقود عليه فقال كل جزء من أجزاء المنفعة معقود ( ( ( معقودا ) ) ) عليه بحياله كأنه عقد عليه عقد ( ( ( عقدا ) ) ) مبتدأ بالمنافع في الزمان الماضي وانعدمت فالعدم ( ( ( فانعدم ) ) ) شرط لحوق الإجازة للعقد ( ( ( العقد ) ) ) فلا تلحقه الإجازة وقد خرج الجواب عما ذكره أبو يوسف وقد قال محمد فيمن غصب أرضا فأجرها للزراعة فأجاز صاحب الأرض الإجارة أن أجرة ما مضى للغاصب وأجرة ما بقي للمالك وهو على ما ذكرنا من الاختلاف قال فإن أعطاها مزارعة فأجازها صاحب الأرض جازت وإن كان الزرع قد سنبل ما لم يسمن ولا شيء للغاصب من الزرع لأن المزارعة بمنزلة شيء واحد لا يفرد بعضها من بعض فكان إجازة العقد قبل الاستيفاء بمنزلة ابتداء العقد وأما إذا سمن الزرع فقد انقضى عمل المزارعة فلا يلحق العقد الإجازة وأما الاستئجار من الفضولي فهو كشرائه فإنه أضاف العقد إلى نفسه كان المستأجر له لأن العقد وجد نفاذا على العاقد فينفذ عليه وإن أضاف العقد إلى من استأجر له ينظر إن وقعت الإضافة إليه في الإيجاب والقبول جميعا يتوقف على إجازته وإن وقعت الإضافة إليه في أحدهما دون الآخر لا يتوقف بل ينفذ على العاقد لما ذكرنا في البيوع بخلاف الوكيل بالاستئجار أنه يقع استئجاره للموكل وإن أضاف العقد إلى نفسه والفرق على نحو ما ذكرنا في كتاب البيوع وعلى هذا تخرج إجارة الوكيل أنها نافذة لوجود الولاية بإنابة المالك إياه مناب نفسه فينفذ كما لو فعله الموكل بنفسه وله أن يؤاجر من ابن الموكل وأبيه لأن الموكل ( ( ( للموكل ) ) ) ذلك لاختلاف ملكيهما كذا الوكيل ( ( ( للوكيل ) ) ) وله أن يؤاجر من مكاتبه لأن المولى ( ( ( للمولى ) ) ) أن يؤاجر منه لأنه لا يملك ما في يده فكذا لوكيله وأما العبد المأذون فإن لم يكن عليه دين فلا يملك أن يؤاجر منه لأن المولى لا يجوز له ذلك لأن كسبه ملكه فكذا الوكيل وإن كان عليه دين فله ذلك أما عند أبي حنيفة فلأن المولى لا يملك ما في يده وكان بمنزلة المكاتب فيجوز لوكيله أن يؤاجر منه وأما على قولهما فكسبه وإن كان ملك المولى لكن تعلق به حق الغير فجعل المالك كالأجنبي ولا يجوز له أن يؤاجر من أبيه وابنه وكل من لا تقبل شهادته له في قول أبي حنيفة وعندهما تجوز بأجر مثله كما في بيع العين وهو من مسائل كتاب الوكالة وله أن يؤاجر بمثل أجر الدار وبأقل عند أبي حنيفة وعندهما ليس له أن يؤاجر بالأقل وهو على الاختلاف في البيع
ولو آجر إجارة فاسدة نفدت ( ( ( نفذت ) ) ) ولأن مطلق العقد يتناول الصحيح والفاسد كما في البيع ولا ضمان عليه لأنه لم يصر مخالفا وعلى المستأجر أجر المثل إذا انتفع لأنه استوفى المنافع بالعقد الفاسد ولو لم يؤاجر الموكل الدار لكنه وهبها من رجل أو أعارها إياه فسكنها سنين ثم جاء صاحبها فلا أجر له على الوكيل ولا على الساكن لأن المنافع على أصل أصحابنا لا تضمن إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد ولم يوجد ههنا وكذلك الإجارة من الأب والوصي والقاضي وأمينه نافذة لوجود الإنابة من الشرع فللأب أن يؤاجر ابنه الصغير في عمل من الأعمال لأن ولايته على الصغير كولايته على نفسه لأن شفقته عليه كشفقته على نفسه وله أن يؤاجر نفسه فكذا ابنه ولأن فيها نظرا للصغير من وجهين أحدهما أن المنافع في الأصل ليست بمال خصوصا منافع الحر وبالإجارة تصير مالا وجعل ما ليس بمال مالا من باب النظر والثاني أن إيجاره في الصنائع من باب التهذيب والتأديب والرياضة وفيه نظر للصبي فيملكه الأب وكذا وصي الأب لأنه مرضي الأب والجد أب ( ( ( أبو ) ) ) الأب لقيامه مقام الأب عند عدمه ووصيه لأنه مرضيه والقاضي لأنه نصب ناظرا وأمينه لأنه مرضيه ولا تجوز إجارة غير الأب ووصيه والجد ووصيه من سائر ذوي الرحم المحرم إذا كان له أحد ممن ذكرنا لأن من سواهم لا ولاية له على الصغير ألا ترى أنه لا يملك التصرف في ماله ففي نفسه أولى إلا إذا كان في حجره فتجوز إجارته إياه في قولهم لأنه إذا كان في حجره كان له عليه ضرب من الولاية لأنه يربيه ويؤدبه واستعماله في الصنائع نوع من التأديب فيملكه من حيث أنه تأديب فإن كان في حجر ذي رحم محرم منه فأجره ذو رحم محرم آخر هو أقرب إليه من الذي هو في حجره بأن كان الصبي في حجر عمه وله أم فأجرته قال أبو يوسف تجوز إجارتها إياه وقال محمد لا تجوز وجه قول محمد أن هؤلاء لا ولاية لهم على الصبي أصلا ومقصودا وإنما يملكون الإجارة ضمنا لولاية التربية وأنها تثبت لمن كان في حجره فإذا لم يكن في حجره كان بمنزلة الأجانب ولأبي يوسف أن ذا الرحم إنما يلي عليه هذا النوع من الولاية بسبب الرحم فمن كان أقرب إليه في الرحم كان أولى كالأب مع الجد والذي ( ( ( وللذي ) ) ) في حجره أن يقبض الأجرة لأن قبض الأجرة من حقوق العقد وهو العاقد فكان ولاية القبض له وليس له أن ينفقها عليه لأن الأجرة ماله والإنفاق عليه تصرف في ماله وليس له ولاية التصرف في المال وكذا إذا وهب له هبة فله أن يقبضها وليس له أن ينفقها لأن قبض الهبة منفعة محض للصغير ألا ترى أن الصغير يملك قبضها بنفسه وأما الإنفاق فهو من باب الولاية فلا يملكه من لا يملك التصرف في ماله ولو بلغ الصبي في هذا كله قبل انقضاء مدة الإجارة فله الخيار إن شاء أمضى الإجارة وإن شاء فسخ لأن في استيفاء العقد إضرارا به لأنه بعد البلوغ تلحقه الأنفة من خدمة الناس وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال أرأيت لو تفقه فولي القضاء أكنت أتركه يخدم الناس وقد أجره أبوه هذا قبيح ولأن المنافع تحدث شيئا فشيئا والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع فإذا بلغ فيصير كأن الأب عقد ما يحدث من المنافع بعد البلوغ ابتداء فكان له خيار الفسخ والإجارة كما إذا عقد ابتداء بعد البلوغ وكذا الأب والجد ووصيهما والقاضي ووصيه في إجارة عبد الصغير وعقاره لأن لهم ولاية التصرف في ماله بالبيع كذا بالإجارة
ولو بلغ قبل انتهاء المدة فلا خيار له بخلاف إجارة النفس وقد ذكرنا الفرق بينهما في كتاب البيوع وليس للأب ومن يملك إجارة مال الصبي ونفسه وماله أن يؤجره بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس في مثله عادة ولو فعل لا ينفذ لأنه ضرر في حقه وهذه ولاية نظر فلا تثبت مع الضرر وليس لغير هؤلاء ممن هو في حجره أن يؤاجر عبده أو داره لأن ذلك تصرف في المال فلا يملكه إلا من يملك التصرف في المال كبيع المال وقال ابن سماعة عن محمد استحسن أن يؤاجروا عبده لأنهم يملكون إجارة نفسه فإجارة ماله أولى وكذا استحسن أن ينفقوا عليه ما لا بد منه لأن في تأخير ذلك ضررا عليه وكذلك أحد الوصيين يملك أن يؤاجر اليتيم في قول أبي حنيفة ولا يؤاجر عبده وقال محمد يؤاجر عبده والصحيح قول أبي حنيفة لأن لكل واحد من الوصيين التصرف فيما يخاف الضرر بتأخيره وفي ترك إجارة الصبي ضرر منه بترك تأديبه ولا ضرر في ترك إجارة العبد ولا تجوز إجارة الوصي نفسه منه للصبي وهذا على أصل محمد لا يشكل لأن الوصي لا يملك بيع ماله من الصبي أصلا فلا يملك إجارة نفسه أما على أصل أبي حنيفة فيحتاج إلى الفرق بين البيع والإجارة حيث يملك البيع ولا يملك الإجارة ووجه الفرق أنه إنما يملك بيع ماله منه إذا كان فيه نظر للصغير ولا نظر للصغير في إجارة نفسه منه لأن فيها جعل ما ليس بمال مالا فلم يجز للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة والفرق بين الإجارة والمضاربة أن الوصي بعقد المضاربة لا يوجب حقا في مال المضاربة وإنما يوجب حقا في الربح وأنه قد يكون وقد لا يكون فلا يلحقه تهمة بخلاف الإجارة لأنها توجب حقا في مال الصبي لا محالة وهو متهم فيه لما بينا وأما استئجار الصغير لنفسه فينبغي أن يجوز على قول أبي حنيفة إذا كان بأجرة لا يتغابن في مثلها لأنه يملك بيع ماله من نفسه إذا كان فيه نظر له وفي استئجاره إياه لنفسه نظرا ( ( ( نظر ) ) ) له لما فيه من جعل ما ليس بمال مالا ويجوز للأب أن يؤاجر نفسه للصغير أو يستأجر الصغير لنفسه لأن بيع مال الأب من الصغير وشراء ماله لنفسه لا يتقيد بشرط النظر بدليل أنه لو باع ماله منه بمثل قيمته أو اشترى مال الصغير لنفسه بمثل قيمته يجوز فكذا الإجارة ومنها تسليم المستأجر في إجارة المنازل ونحوها إذا كان العقد مطلقا عن شرط التعجيل بأن لم يشرط ( ( ( يشترط ) ) ) تعجيل الأجرة في العقد ولم يوجد التعجيل أيضا من غير شرط عندنا خلافا للشافعي بناء على أن الحكم في الإجارة المطلقة لا يثبت بنفس العقد عندنا لأن العقد في حق الحكم ينعقد على حسب حدوث المنفعة فكان العقد في حق الحكم مضافا إلى حين حدوث المنفعة فيثبت حكمه عند ذلك وعنده تجعل منافع المدة موجودة في الحال تقديرا كأنها عين قائمة فيثبت الحكم بنفس العقد كما في بيع العين وهذا أصل نذكره في بيان حكم الإجارة وكيفية انعقادها في حق الحكم إن شاء الله تعالى ونعني بالتسليم التخلية والتمكين من الانتفاع برفع الموانع في إجارة المنازل ونحوها وعبيد الخدمة وأجير الواحد ( ( ( الوحد ) ) ) حتى لو انقضت المدة من غير تسليم المستأجر على التفسير الذي ذكرنا لا يستحق شيئا من الأجر لأن المستأجر لم يملك من المعقود عليه شيئا فلا يملك هو أيضا شيئا من الأجر لأنه معاوضة مطلقة
ولو مضى بعد العقد مدة ثم سلم فلا أجر له فيما مضى لعدم التسليم فيه ولو أجر المنزل فارغا وسلم المفتاح إلى المستأجر فلم يفتح الباب حتى مضت المدة لزمه كل الأجر لوجود التسليم وهو التمكين من الانتفاع برفع الموانع في جميع المدة فحدثت المنافع في ملك المستأجر فهلكت على ملكه فلا يسقط عنه الأجر كالبائع إذا سلم المبيع إلى المشتري بالتخلية فهلك في يد البائع كان الهلاك على المشتري لأنه هلك على ملكه كذا هذا وإن لم يسلم المفتاح إليه لكنه أذن له بفتح الباب فقال مر وافتح الباب فإن كان يقدر على فتح الباب بالمعالجة لزمه الكراء لوجود التسليم وإن لم يقدر لا يلزمه لأن التسليم لم يوجد ولو استأجر دارا ليسكنها شهرا أو عبدا يستخدمه شهرا أو دابة ليركبها إلى الكوفة فسكن واستخدم في بعض الوقت وركب في بعض المسافة ثم حدث بها مانع يمنع من الانتفاع من غرق أو مرض أو إباق أو غصب أو كان زرعا فقطع شربه أو رحى فانقطع ماؤه لا تلزمه أجرة تلك المدة لأن المعقود عليه المنفعة في تلك المدة لأنها تحدث شيئا فشيئا فلا تصير منافع المدة مسلمة بتسليم محل المنفعة لأنها معدومة والمعدوم لا يحتمل التسليم وإنما يسلمها على حسب وجودها شيئا فشيئا فإذا اعترض منع فقد تعذر تسليم المعقود عليه قبل القبض فلا يجب البدل كما لو تعذر تسليم المبيع قبل القبض بالهلاك والله عز وجل أعلم ومنها أن يكون العقد مطلقا عن شرط الخيار فإن كان فيه خيار لا ينفذ في مدة الخيار لأن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ما دام الخيار قائما لحاجة من له الخيار إلى دفع العين عن نفسه كما في بيع العين وهذا لأن شرط الخيار وإن كان شرطا مخالفا لمقتضى العقد والقياس يأباه لما مر لكن تركنا اعتبار القياس لحاجة الناس ولهذا جاز في بيع العين كذا في الإجارة والله عز وجل الموفق وأما شرط الصحة فلصحة هذا العقد شرائط بعضها يرجع إلى العاقد وبعضها يرجع إلى المعقود عليه وبعضها يرجع إلى محل المعقود عليه وبعضها يرجع إلى ما يقابل المعقود عليه وهو الأجرة وبعضها يرجع إلى نفس العقد أعني الركن أما الذي يرجع إلى العاقد فرضا المتعاقدين لقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم والإجارة تجارة لأن التجارة تبادل المال بالمال والإجارة كذلك ولهذا يملكها المأذون وأنه لا يملك ما ليس بتجارة فثبت أن الإجارة تجارة فدخلت تحت النص وقال النبي لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه فلا يصح مع الكراهة والهزل والخطأ لأن هذه العوارض تنافي الرضا فتمنع صحة الإجارة ولهذا منعت صحة البيع وأما إسلام العاقد فليس بشرط فيصح من المسلم والكافر والحربي المستأمن كما يصح البيع منهم وكذا الحرية فيصح من المملوك المأذون وينفذ من المحجور وينعقد ويتوقف على ما بينا والله عز وجل أعلم وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فضروب منها أن يكون المعقود عليه وهو المنفعة معلوما علما يمنع من المنازعة فإن كان مجهولا ينظر إن كانت تلك الجهالة مفضية إلى المنازعة تمنع صحة العقد وإلا فلا لأن الجهالة المفضية إلى المنازعة تمنع من التسليم والتسلم فلا يحصل المقصود من العقد فكان العقد عبثا لخلوه عن العاقبة الحميدة وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة يوجد التسليم والتسلم فيحصل المقصود ثم العلم بالمعقود عليه وهو المنفعة يكون ببيان أشياء ومنها بيان محل المنفعة حتى لو قال أجرتك إحدى هاتين الدارين أو أحد هذين العبدين أو قال استأجرت أحد هذين الصانعين لم يصح العقد لأن المعقود عليه مجهول لجهالة محله جهالة مفضية إلى المنازعة فتمنع صحة العقد وعلى هذا قال أبو حنيفة إذا باع نصيبا له من دار غير مسمى ولا يعرفه المشتري أنه لا يجوز لجهالة النصيب
وقال أبو يوسف ومحمد يجوز إذا علم به بعد ذلك وإن كان عرفه المشتري وقت العقد أو عرفه في المجلس جاز سواء كان البائع يعرفه أو لا يعرفه بعد أن صدق المشتري فيما قال وجواب أبي حنيفة مبني على أصلين أحدهما أن بيع النصيب لا يجوز عنده وهو قول محمد وعند أبي يوسف جائز والثاني أن إجارة المشاع غير جائزة عنده وإن كان المستأجر معلوما من نصف أو ثلث أو غير ذلك فالمجهول أولى وعندهما إجارة المشاع جائزة وإنما فرق محمد بين الإجارة والبيع حيث جوز إجارة النصيب ولم يجوز بيع النصيب لأن الأجرة لا تجب بنفس العقد على أصل أصحابنا وإنما تجب عند استيفاء المعقود عليه وهو المنفعة والنصيب عند الاستيفاء معلوم بخلاف البيع فإن البدل فيه يجب بنفس العقد وعند العقد النصيب مجهول وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ما إذا استأجر من عقار مائة ذراع أو استأجر من أرض جريبا أو جريبين أنه لا يجوز كما لا يجوز البيع لأن اسم الذراع عنده يقع على القدر الذي يحله الذراع من البقعة المعينة وذلك للحال مجهول وكذا إجارة المشاع لا تجوز عنده وإن كان معلوما فالمجهول أولى وعندهما الذارع ( ( ( الذراع ) ) ) كالسهم وتجوز إجارة السهم كذا إجارة الذراع وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع وعلى هذا تخرج إجارة المشاع من غير الشريك عند أبي حنيفة أنها لا تجوز لأن المعقود عليه مجهول لجهالة محله إذ الشائع اسم لجزء من الجملة غير عين من الثلث والربع ونحوهما وإنه غير معلوم فأشبه إجارة عبد من عبدين وعندهما جائز كبيع الشائع وبه أخذ الشافعي وتخرج المسألة على أصل آخر هو أولى بالتخريج عليه ونذكر الدلائل هناك إن شاء الله تعالى وإن استأجر طريقا من دار ليمر فيها وقتا معلوما لم يجز في قياس قول أبي حنيفة لأن البقعة المستأجرة غير معلومة من بقية الدار فكان إجارة المشاع فلا يجوز عنده وعندهما يجوز ولو استأجر ظهر بيت ليبيت عليه شهرا أو ليضع متاعه عليه اختلف المشايخ فيه لاختلاف فسخ ( ( ( نسخ ) ) ) الأصل ذكر في بعضها أنه لا يجوز وفي بعضها أنه يجوز وهو الصحيح لأن المعقود عليه معلوم وذكر في الأصل إذا استأجر علو منزل ليبني عليه ( ( ( عليها ) ) ) لا يجوز في قياس قول أبي حنيفة لأن البناء عليه يختلف في الخفة والثقل والثقيل منه يضر بالعلو والضرر لا يدخل في العقد لأن الأجير لا يرضى به فكان مستثنى من العقد دلالة ولا ضباط ( ( ( ضابط ) ) ) له فصار محل المعقود عليه مجهولا بخلاف ما إذا استأجر أرضا ليبني عليها أنه يجوز لأن الأرض لا تتأثر لثقل البناء وخفته ويجوز في قياس قول أبي يوسف ومحمد لأن البناء المذكور ينصرف إلى المتعارف والجواب ما ذكرنا أنه ليس لذلك حد معلوم وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر شربا من نهر أو مسيل ماء في أرض أنه لا يجوز لأن قدر ما يشغل الماء من النهر والأرض غير معلوم ولو استأجر نهرا ليسوق منه الماء إلى أرض له فيسقيها لم يجز وذكر في الأصل إذا استأجر نهرا يابسا يجري فيه الماء إلى أرضه أو رحى لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وقال أرأيت لو استأجر ميزابا ليسيل فيه ماء المطر على سطح المؤاجر ألم يكن هذا فاسدا وذكر هشام عن محمد فيمن استأجر موضعا معلوما من أرض مؤقتا بوقت معلوم يسيل فيه ماءه أنه يجوز فصار عن محمد روايتان وجه هذه الرواية أن المانع جهالة البقعة وقد زالت الجهالة بالتعيين
وجه الرواية المشهورة وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن مقدار ما يسيل من الماء في النهر والمسيل مختلف والكثير منه مضر بالنهر والسطح والمضر منه مستثنى من العقد دلالة وغير المضر غير مضبوط فصار محل المعقود عليه مجهولا ولو استأجر ميزابا ليركبه في داره كل شهر بشيء مسمى جاز لأن الميزاب المركب في داره لا تختلف منفعته بكثرة ما يسيل فيه وقلته فكان محل المعقود عليه معلوما ولو استأجر بالوعة ليصب فيها وضوأ ( ( ( وضوءا ) ) ) لم يجز لأن مقدار ما يصب فيها من الماء مجهول والضرر يختلف فيه بقلته وكثرته فكان محل المعقود عليه مجهولا وعل ( ( ( وعلى ) ) ) هذا يخرج أيضا ما إذا استأجر حائطا ليضع عليه جذوعا أو يبني عليه سترة أو يضع فيه ميزابا أنه لا يجوز لأن وضع الجذع وبناء السترة يختلف باختلاف الثقل والخفة والثقيل منه يضر بالحائط والضرر مستثنى من العقد دلالة وليس لذلك المضر حد معلوم فيصير محل المعقود عليه مجهولا وكذلك لو استأجر من الحائط موضع كوة ليدخل عليه الضوء أو موضعا من الحائط ليتد فيه وتدا لم يجز لما قلنا فإن قيل أليس أنه لو استأخر ( ( ( استأجر ) ) ) دابة بغير عينها يجوز وإن كان المعقود عليه مجهولا لجهالة محله فالجواب أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لحاجة الناس إلى سقوط اعتبارها لأن المسافر لو استأجر دابة بعينها فربما تموت الدابة في الطريق فبتطل ( ( ( فتبطل ) ) ) الإجارة بموتها ولا يمكنه المطالبة بدابة أخرى فيبقى في الطريق فيقضي بغير حمولة فيتضرر به فدعت الضرورة إلى الجواز وإسقاط اعتبار هذه الجهالة لحالة الناس فلا تكون الجهالة مفيضة ( ( ( مفضية ) ) ) إلى المنازعة كجهالة المدة وقدر الماء الذي يستعمل في الحمام وقال هشام سألت محمدا عن الإطلاء بالنورة بأن قال أطليك بدانق ولا يعلم بما يطليه من غلظه ونحافته قال هو جائز لأن مقدار البدن معلوم بالعادة والتفاوت فيه يسير لا يفضي إلى المنازعة ولأن الناس يتعاملون ذلك من غير نكير فسقط اعتبار هذه الجهالة بتعامل الناس ومنها بيان المدة في إجارة الدور والمنازل والبيوت والحوانيت وفي استئجار الظئر لأن المعقود عليه لا يصير معلوما ( ( ( معلوم ) ) ) القدر بدونه فترك بيانه يفضي إلى المنازعة وسواء قصرت المدة أو طالت من يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك بعد أن كانت معلومة وهو أظهر أقوال الشافعي وفي بعضها أنه لا يجوز أكثر من سنة وفي بعضها أنه لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة والقولان لا معنى لهما لأن المانع إن كان هو الجهالة فلا جهالة وإن كان عدم الحاجة فالحاجة قد تدعو إلى ذلك وسواء عين اليوم أو الشهر أو السنة أو لم يعين وينعين ( ( ( ويتعين ) ) ) الزمان الذي يعقب العقد لثبوت حكمه وقال الشافعي لا يصح العقد ما لم يعين الوقت الذي يلي العقد نصا وجه قوله أن قوله يوما أو شهرا أو سنة مجهول لأنه اسم لوقت منكر جهالة ( ( ( وجهالة ) ) ) الوقت توجب جهالة المعقود عليه وليس في نفس العقد ما يوجب تعيين بعض الأوقات دون بعض فيبقى مجهولا فلا بد من التعيين ولنا أن التعيين قد يكون نصا وقد يكون دلالة وقد وجد ههنا دلالة التعيين من وجهين أحدهما أن الإنسان إنما يعقد عقد الإجارة للحاجة والحاجة عقيب العقد قائمة والثاني أن العاقد يقصد بعقده الصحة ولا صحة لهذا العقد إلا بالصرف في الشهر الذي يعقب العقد فيتعين بخلاف ما إذا قال لله علي أن أصوم شهرا أو أعتكف شهرا أن له أن يصوم ويعتكف أي شهر أحب ولا يتعين الشهر الذي يلي النذر لأن تعين الوقت ليس بشرط لصحة النذر فوجب المنذور به في شهر منكر فله أن يعين أي شهر شاء
ولو آجر داره شهرا أو شهورا معلومة فإن وقع العقد في غرة الشهر يقع على الأهلة بلا خلاف حتى لو نقص الشهر يوما كان عليه كمال الأجرة لأن الشهر اسم للهلال وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر ففي إجارة الشهر يقع على ثلاثين يوما بالإجماع لتعذر اعتبار الأهلة فتعتبر بالأيام وأما في إجارة الشهر ففيها روايتان عن أبي حنيفة وفي رواية اعتبر الشهور كلها بالأيام وفي رواية اعتبر تكميل هذا الشهر بالأيام من الشهر الأخير والباقي بالأهلة وهكذا ذكر في الأصل فقال إذا استأجر سنة أولها هذا اليوم وهذا اليوم لا ربعة عشر من الشهر فإنه يسكن بقية هذا الشهر وأحد عشر شهرا بالأهلة وستة عشر يوما من الشهر الأخير وهذا غلط وقع من الكاتب والصحيح أن يقال وأربعة عشر يوما لأن ستة عشر يوما قد سكن فلم يبق لتمام الشهر بالأيام إلا أربعة عشر يوما وهكذا ذكر في بعض النسخ وإنما يسكن ستة عشر يوما إذا كان سكن أربعة عشر يوما وهو قول أبي يوسف ومحمد ووجهه ما ذكرنا في كتاب الطلاق لأن اسم الشهور للأهلة إذ الشهر اسم للهلال لغة إلا أنه لا يمكن اعتبار الأهلة في الشهر الأول فاعتبر فيه الأيام ويمكن فيما بعده فيعمل بالأصل ولأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه لأنه يتجدد ويحدث شيئا فشيئا فيصير عند تمام الشهر الأول كأنه عقد الإجارة ابتداء فيعتبر بالأهلة بخلاف العدة أنه يعتبر فيها الأيام على إحدى الروايتين لأن كل جزء من أجزاء العدة ليس بعدة ولأن العدة فيها حق الله تعالى فاعتبر فيها زيادة العدد احتياطا والإجارة حق العبد فلا يدخله الاحتياط وجه الرواية الأخرى أن الشهر الأول يكمل بالأيام بلا خلاف وإنما يكمل بالأيام من الشهر الثاني فإذا كمل بالإيام من الشهر الثاني يصير أول الشهر الثاني بالأيام فيكمل من الشهر الثالث وهكذا إلى آخر الشهور ولو قال أجرتك هذه الدار سنة كل شهر بدرهم جاز بالإجماع لأن المدة معلومة والأجرة معلومة فلا يجوز ولا يملك أحدهما الفسخ قبل تمام السنة من غير عذر ولو لم يذكر السنة فقال أجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم جاز في شهر واحد عند أبي حنيفة وهو الشهر الذي يعقب العقد كما في بيع العين بأن قال بعت منك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم أنه لا يصح إلا في قفيز واحد عنده لأن جملة الشهور مجهولة فأما الشهر الأول فمعلوم وهو الذي يعقب العقد وذكر القدوري أن الصحيح من قول أبي يوسف ومحمد أنه لا يجوز أيضا وفرقا بين الإجارة وبين ( ( ( وبيع ) ) ) العين من حيث أن كل شهر لا نهاية له فلا يكون المعقود عليه معلوما بخلاف الصبرة لأنه يمكن معرفة الجملة بالكيل وعامة مشايخنا قالوا تجوز هذه الإجارة على قولهما كل شهر بدرهم كما في بيع الصبرة كل قفيز بدرهم وفي بيع المذروع كل ذراع بدرهم وعند أبي حنيفة لا يجوز البيع في المذروع في الكل لا في ذراع واحد ولا في الباقي وفي المكيل والموزون يجوز في واحد ولا يجوز في الباقي في الحال إلا إذا علم المشتري جملته في المجلس لأن بيع قفيز من صبرة جائز لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لعدم التفاوت بين قفيز وقفيز فأما بيع ذراع من ثوب فلا يجوز لتفاوت في أجزاء الثوب فيفضي إلى المنازعة
وقال الشافعي هذه الإجارة فاسدة واعتبرها ببيع كل ثوب من هذه الأثواب بدرهم وهذا الاعتبار غير سديد لأن الثياب تختلف في أنفسها اختلافا فاحشا ولا يمكن تعيين واحد منها لا ختلافها فأما الشهور فإنها لا تختلف فيتعين واحد منها للإجارة عند أبي حنيفة وهو الشهر الأول لما بينا وإذا جاز في الشهر الأول لا غير عند أبي حنيفة فلكل واحد منهما أن يترك الإجارة عند تمام الشهر الأول فإذا دخل الشهر الثاني ولم يترك أحدهما انعقدت الإجارة في الشهر الثاني لأنه إذا مضى الشهر الأول ولم يترك أحدهما فقد تراضيا على انعقاد العقد في الشهر الثاني فصارا كأنهما جددا العقد وكذا هذا عند مضي كل شهر بخلاف ما إذا أجر شهرا وسكت ولم يقل كل شهر لأن هناك لم يسبق منه شيء يبني عليه العقد في الشهر الثاني ثم اختلف مشايخنا في وقت الفسخ وكيفيته قال بعضهم إذا أهل الهلال يقول أحدهما على الفور فسخت الإجارة فإذا قال ذلك لا ينعقد في الشهر الثاني وإن سكتا عنه انعقدت وقال بعضهم يفسخ أحدهما الإجارة في الحال فإذا جاء رأس الشهر عمل ذلك الفسخ السابق وقال بعضهم يفسخ أحدهما ليلة الهلال أو يومها وإن سكتا حتى غربت الشمس من اليوم الأول انعقدت الإجارة في الشهر الثاني وهذا أصح الأقاويل ومعنى الفسخ ههنا هو منع انعقاد الإجارة في الشهر الثاني لأنه رفع العقد الموجود من الأصل ولو استأجر دلوا وبكرة ليسقي غنمه ولم يذكر المدة لم يجز لأن قدر الزمان الذي يسقي فيه الغنم غير معلوم فكان قدر المعقود عليه مجهولا وإن بين المدة جاز لأنه صار معلوما ببيان المدة والله عز وجل أعلم وأما بيان ما يستأجر له في هذا النوع من الإجارة أعنى إجارة المنازل ونحوها فليس بشرط حتى لو استأجر شيئا من ذلك ولم يسم ما يعمل فيه جاز وله أن يسكن فيه نفسه ومع غيره وله أن يسكن فيه غيره بالإجارة والإعارة وله أن يضع فيه متاعا وغيره غير أنه لا يجعل فيه حدادا ولا قصارا ولا طحانا ولا ما يضر بالبناء ويوهنه وإنما كان كذلك لأن الإجارة شرعت الانتفاع ( ( ( للانتفاع ) ) ) والدور والمنازل والبيوت ونحوها معدة للانتفاع بها بالسكنى ومنافع العقار المعدة للسكنى متقاربة لأن الناس لا يتفاوتون في السكنى فكانت معلومة من غير تسمية وكذا المنفعة لا تتفاوت بكثرة السكان وقلتهم إلا تفاوتا يسيرا وأنه ملحق بالعدم ووضع المتاع من توابع السكنى وذكر في الأصل أن له أن يربط في الدار دابته وبعيره وشاته لأن ذلك من توابع السكنى وقيل أن هذا الجواب على عادة أهل الكوفة والجواب فيه يختلف باختلاف العادة فإن كان في موضع جرت العادة بذلك فله ذلك وإلا فلا وإنما لم يكن له أن يقعد فيه من يضر بالبناء ويوهنه من القصار والحداد والطحان لأن ذلك إتلاف العين وأنه لم يدخل تحت العقد إذ الإجارة بيع المنفعة لا بيع العين ولأن مطلق العقد ينصرف إلى المعتاد والظاهر أن الحانوت الذي يكون في صف البزازين أنه لا يؤاجر لعمل الحداد والقصار والطحان فلا ينصرف مطلق العقد إليه أذ المطلق محمول على العادة فلا يدخل غيره في العقد إلا بالتسمية أو بالرضا حتى لو آجر حانوتا في صف الحدادين من حداد يدخل عمل الحدادة فيه من غير تسمية للعادة وإنما كان له أن يؤاجر من غيره ويعير لأنه ملك المنفعة فكان له أن يؤاجر من غيره بعوض وبغير عوض وأما في إجارة الأرض فلا بد فيها من بيان ما تستأجر له من الزراعة والغرس والبناء وغير ذلك فإن لم يبين كانت الإجارة فاسدة إلا إذا جعل له أن ينتفع بها بما شاء وكذا إذا استأجرها للزراعة فلا بد من بيان ما يزرع فيها أو يجعل له أن يزرع فيها ما شاء وإلا فلا يجوز العقد لأن منافع الأرض تختلف باختلاف البناء والغرس والزراعة
وكذا المزروع يختلف منه ما يفسد الأرض ومنه ما يصلحها فكان المعقود عليه مجهولا جهالالة ( ( ( جهالة ) ) ) مفضية إلى المنازعة فلا بد من البيان بخلاف السكنى فإنها لا تختلف وأما في إجارة الدواب فلا بد فيها من بيان أحد الشيئين المدة أو المكان فإن لم يبين أحدهما فسدت لأن ترك البيان يفضي إلى المنازعة وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر دابة يشيع عليها رجلا أو يتلقاه أن الإجارة فاسدة إلا أن يسمى موضعا معلوما لما قلنا وكذا إذا استأجرها إلى الجبانة لأن الجبانة تختلف أولها وأوسطها وآخرها لأنها موضع واسع تتباعد أطرافها وجوانبها بخلاف ما إذا استأجر دابة إلى الكوفة أنه يصح العقد وإن كان أطرافها وجوانبها متباعدة لأن المكان هناك معلوم بالعادة وهو منزله الذي بالكوفة لأن الإنسان إذا استأجر إلى بلده فإنما يستأجر إلى بيته ألا ترى أنه ما جرت العادة بين المكاريين ( ( ( المكارين ) ) ) بطرح الحمولات على أول جزء من البلد فصار منزله بالكوفة مذكورا دلالة والمذكور دلالة كالمذكور نصا ولا عادة في الجبانة على موضع بعينه حتى يحمل العقد عليه حتى لو كان في الجبانة موضع لا يركب إلا إليه يصح العقد وينصرف إليه كما يصح إلى الكوفة ولو تكاراها بدرهم يذهب عليها إلى حاجة له لم يجز ما لم يبين المكان لأن الحوائج تختلف منها ما ينقضي بالركوب إلى موضع ومنها ما لا ينقضي إلا بقطع مسافة بعيدة فكانت المنافع مجهولة فتفسد الإجارة وذكر في الأصل إذا تكارى دابة من الفرات إلى جعفي وجعفي قبيلتان بالكوفة ولم يسم إحداهما أو إلى الكناسة وفيها كناستان ولم يسم أحداهما أو إلى بجيلة وبها بجيلتان الظاهرة والباطنة ولم يسم إحداهما أن الإجارة فاسدة لأن المكان مجهول ولا بد فيها من بيان ما يستأجر له في الحمل والركوب لأنهما منفعتان مختلفتان وبعد بيان ذلك لا بد من بيان ما يحمل عليها ومن يركبها لأن الحمل يتفاوت بتفاوت المحمول والناس يتفاوتون في الركوب فترك البيان يفضي إلى المنازعة وذكر في الأصلإذا استأجر بعيرين من الكوفة إلى مكة فحمل على أحدهما محملا فيه رجلان وما يصلح لهما من الوطاء والدثر وقد رأى الرجلين ولم ير الوطاء والدثر وأحدهما زاملة يحمل عليها كذا كذا محتوما من السويق والدقيق وما يصلحهما من الزيت والخل والمعاليق ولم يبين ذلك واشترط عليه ما يكتفي به من الماء ولم يبين ذلك فهذا كله فاسد بالقياس ولكن قال أبو حنيفة استحسن ذلك وجه القياس أنه شرط عملا مجهولا لأنه قدر الكسوة والدثار يختلف باختلاف الناس فصارت المنافع مجهولة وجه الاستحسان أن الناس يفعلون ذلك من لدن رسول الله إلى يومنا هذا فكان ذلك إسقاطا منهم اعتبار هذه الجهالة فلا يفضي إلى المنازعة وإن اشترط المستأجر أن يحمل عليه من هدايا مكة من صالح ما يحمل الناس فهو جائز لأن قدر الهدايا يعلم بالعادة وهذا مما يفعله الناس في سائر الأعصار من غير نكير وان بين وزن المعاليق ووصف ذلك والهدايا أحب إلينا لأنه يجوز قياسا واستحسانا وذلك يكون أبعد من الخصومة لذلك قال أحب إلينا ولكل محل قربتين من ماء وإداوتين من أعظم ما يكون لأن هذا كله يصير معلوما بالعادة وذكره أفضل وكذا الخيمة والقبة وذكره أفضل لما قلنا وفي استئجار العبد للخدمة والثوب للبس والقدر للطبخ لا بد من بيان المدة لما قلنا والقياس أن يشترط بيان نوع الخدمة في استئجار العبد للخدمة لأن الخدمة تختلف فكانت مجهولة
وفي الاستحسان لا يشترط وينصرف إلى المتعارف وليس له أن يسافر به فلا بد من بيان ما يلبس وما يطبخ في القدر لأن اللبس يختلف باختلاف اللابس والقدر يختلف باختلاف المطبوخ فلا بد من البيان ليصير المعقود عليه معلوما فإن اختصما حين وقعت الإجارة في هذه الأشياء قبل أن يزرع أو يبني أو يغرس أو قبل أن يحمل على الدابة أو يركبها أو قبل أن يلبس الثوب أو يطبخ في القدر فإن القاضي يفسخ الإجارة لأن العقد وقع فاسدا ورفع الفساد واجب حقا للشرع فإن زرع الأرض وجمل ( ( ( وحمل ) ) ) الدابة ولبس الثوب وطبح ( ( ( وطبخ ) ) ) في القدر فمضت المدة فله ما سمي استحسانا والقياس أن يكون له أجر المثل لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد واستيفاء المنفعة بعقد فاسد يوجب أجر المثل لا المسمى وجه الاستحسان بأن المفسد جهالة المعقود عليه والمعقود عليه قد تعين بالزراعة والحمل واللبس والطبخ فزالت الجهالة فقد استوفى المعقود عليه في عقد صحيح فيجب كمال المسمى كما لو كان متعينا في الابتداء ولو فسح ( ( ( فسخ ) ) ) القاضي الإجارة ثم زرع أو حمل أو لبس أو غير ذلك لا يجب شيء لأن القاضي لما نقض العقد فقد بطل العقد فصار مستعملا مال الغير من غير عقد فصار غاصبا والمنافع على أصلنا لا تتقوم إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد ولم يوجد ومنها بيان العمل في استئجار الصناع والعمال لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد العقد حتى لو استأجر عاملا ولم يسم له العمل من القصارة والخياطة والرعي ونحو ذلك لم يجز العقد وكذا بيان المعمول فيه في الأجير المشترك أما بالإشارة والتعيين أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة في ثوب القصارة والخياطة وبيان الجنس والقدر في إجارة الراعي من الخيل أو الإبل أو البقر أو الغنم وعددها لأن العمل يختلف باختلاف المعمول وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر حفارا ليحفر له بئرا أنه لا بد من بيان مكان الحفر وعمق البئر وعرضها لأن عمل الحفر يختلف باختلاف عمق المحفور وعرضه ومكان الحفر من الصلابة والرخاوة فيحتاج إلى البيان ليصير المعقود عليه معلوما وهل يشترط فيه بيان المدة أما في استئجار الراعي المشترك فيشترط لأن قدر المعقود عليه لا يصير معلوما بدونه وأما في استئجار القصار المشترك والخياط المشترك فلا يشترط حتى لو دفع إلى خياط أو قصار أثوابا معلومة ليخيطها أو ليقصرها جاز من غير بيان المدة لأن المعقود عليه يصير معلوما بدونه وأما في الأجير الخاص فلا يشترط بيان جنس المعمول فيه ونوعه وقدره وصفته وإنما يشترط بيان المدة فقط وبيان المدة في استئجار الظئر شرط جوازه بمنزلة استئجار العبد للخدمة لأن المعقود عليه هو الخدمة فما جاز فيه جاز في الظئر وما لم يجز فيه لم يجز فيها إلا أن أبا حنيفة استحسن في الظئر أن تستأجر بطعامها وكسوتها لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ولو استأجر إنسانا ليبيع له ويشتري ولم يبين المدة لم يجز لجهالة قدر منفعة البيع والشراء ولو بين المدة بأن استأجره شهرا ليبيع له ويشتري جاز لأن قدر المنفعة صار معلوما ببيان المدة وما روي عن بعض الصحابة رضوان ( ( ( رضي ) ) ) الله عليهم ( ( ( عنهم ) ) ) قال كنا نبيع في أسواق المدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول الله وسمانا بأحسن الأسماء فقال يا معشر التجار إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب فشوبوه بالصدقة والسمسار هو الذي يبيع أو يشتري لغيره بالأجرة فهو محمول على ما إذا كانت المدة معلومة وكذا إذا قال بع لي هذا الثوب ولك درهم وبين المدة وإن لم يبين فباع واشترى فله أجر مثل عمله لأنه استوفى منفعته بعقد فاسد
قال الفضل بن غانم سمعت أبا يوسف قال لا بأس أن يستأجر القاضي رجلا مشاهرة على أن يضرب الحدود بين يديه وإن كان غير مشاهرة فالإجارة فاسدة لأنها إذا كانت مشاهرة كان المعقود عليه معلوما ببيان المدة ويستحق الأجرة فيها بتسليم النفس عمل أو لم يعمل وإذا لم يذكر الوقت بقي المعقود عليه مجهولا لأن قدر الحدود التي سماها غير معلوم وكذا محل الإقامة مجهول وذكر محمد في السير الكبير إذا استأجر الإمام رجلا ليقتل المرتدين والأسارى لم يجز عند أصحابنا وإن استأجره لقطع اليد جاز ولا فرق بينهما عندي والإجارة جائزة فيهما هكذا ذكر محمد وأراد بقوله أصحابنا أبا يوسف وأبا حنيفة وعلى هذا الخلاف إذا استأجر رجل رجلا لاستيفاء القصاص في النفس وجه قوله أنه استأجره لعمل معلوم وهو القتل ومحله معلوم وهو العنق إذ لا يباح له العدول عنه فيجوز كما لو استأجره لقطع اليد وذبح الشاة ولهما أن محله من العنق ليس بمعلوم بخلاف القطع فإن محله من اليد معلوم وهو المفصل وكذا محل الذبح الحلقوم والودجان وذلك معلوم وقال ابن رستم عن محمد في رجل قال لرجل اقتل هذا الذئب أو هذا الأسد ولك درهم وهما صيد ليسا للمستأجر فقتله فإن له أجر مثله لا أجاوز به درهما لأن الأسد والذئب إذا لم يكونا في يده فيحتاج في قتلهما إلى المعالجة فكان العمل مجهولا وإنما وجب عليه أجر المثل لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد ويكون الصيد للمستأجر لأن قتل الصيد سبب لتملكه وعمل الأجير يقع للمستأجر فصار كأنه قتله بنفسه وعلى هذا يخرج ما إذا قال لرجل استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم أو لتقصر هذا الثوب اليوم أو لتخبز قفيز دقيق اليوم أو قال استأجرتك هذا اليوم لتخيط هذا الثوب أو لتقصر أو لتخبز قدم اليوم أو أخره أن الإجارة فاسدة في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد جائزة وعلى هذا الخلاف إذا استأجر الدابة إلى الكوفة أياما مسماة فالإجارة فاسدة عنده وعندهما جائزة وجه قولهما أن المعقود عليه هو العمل لأنه هو المقصود والعمل معلوم فأما ذكر المدة فهو التعجيل فلم تكن المدة معقودا عليها فذكرها لا يمنع جواز العقد وإذا وقعت الإجارة على العمل فإن فرغ منه قبل تمام المدة أي اليوم فله كمال الأجر وإن لم يفرغ منه في اليوم فعليه أن يعمله في الغد كما إذا دفع إلى خياط ثوبا ليقطعه ويخيطه قميصا على أن يفرغ منه في يومه هذا أو اكترى من رجل إبلا إلى مكة على أن يدخله إلى عشرين ليلة كل بعير بعشرة دنانير مثلا ولم يزد على هذا أن الإجارة جائزة ثم إن وفى بالشرط أخذ المسمى وإن لم يف به فله أجر مثله لا يزاد على ما شرطه ولأبي حنيفة أن المعقود عليه مجهول لأنه ذكر أمرين كل واحد منهما يجوز أن يكون معقودا عليه أعني العمل والمدة أما العمل فظاهر وكذا ذكر المدة بدليل أنه لو استأجره يوما للخبازة من غير بيان قدر ما يخبز جاز وكان الجواب باعتبار أنه جعل المعقود عليه المنفعة والمنفعة مقدرة بالوقت ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقودا عليه لأن حكمهما مختلف لأن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل لأنه يكون أجيرا خالصا والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل لأنه يصير أجيرا مشتركا فكان المعقود عليه أحدهما وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان مجهولا وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد بخلاف تلك المسألة لأنه قوله على أن يفرغ منه في يومي هذا ليس جعل الوقت معقودا عليه بل هو بيان صفة العمل بدليل أنه لو لم يعمل في اليوم وعمل في الغد يستحق أجر المثل
ولو قال أجرتك هذه الدار شهرا بخمسة دراهم أو هذه الأخرى شهرا بعشرة دراهم أو كان هذا القول في حانوتين أو عبدين أو مسافتين مختلفتين بأن قال أجرتك هذه الدابة إلى واسط بكذا أو إلى مكة بكذا فذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة استحسانا وعند زفر والشافعي لا يجوز قياسا وعلى هذا إذا خيره بين ثلاثة أشياء وإن ذكر أربعة لم يجز وعلى هذا أنواع الخياطة والصبغ أنه إن ذكر ثلاثة جاز عندنا ولا يجوز ما زاد عليها كما في بيع العين وجه القياس أنه أضاف العقد إلى أحد المذكورين وهو مجهول فلا يصح ولهذا لم يصح إذا أضيف إلى أحد الأشياء الأربعة ولنا أنه خيره بين عقدين معلومين في محلين متقومين ببدلين معلومين كما لو قال إن رددت الآبق من موضع كذا فلك كذا وإن رددته من موضع كذا فلك كذا وكما لو قال إن خيطت ( ( ( خطت ) ) ) هذا الثوب فبدرهم وإن خيطت ( ( ( خطت ) ) ) هذا الآخر فبدرهم وعملهما سواء وكما لو قال إن سرت على هذه الدابة إلى موضع كذا فبدرهم وإن سرت إلى موضع كذا فبدرهم والمسافة سواء وأما قولهما أن العقد أضيف إلى أحد المذكورين من غير عين فنعم لكن فوض خيار التعيين إلى المستأجر ومثل هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة كجهالة قفيز من الصبرة ولهذا جاز البيع فالإجارة أولى لأنها أوسع من البيع ألا ترى أنها تقبل من الخطر ما لا يقبله البيع ولهذا جوزوا هذه الإجارة من غير شرط الخيار ولم يجوزوا البيع إلا بشرط الخيار وكذلك إذا دفع إلى خياط ثوبا فقال له إن خطته فارسيا فلك درهم وإن خطته روميا فلك درهمان أو قال لصباغ إن صبغت هذا الثوب بعصفر فلك درهم وإن صبغته بزعفران فلك درهمان فذلك جائز لأنه خيره بين إيفاء منفعتين معلومتين فلا جهالة ولأن الأجر على أصل أصحابنا لا يجب إلا بالعمل وحين يأخذ في أحد العملين تعين ذلك الأجر وهذا عند أصحابنا الثلاثة فأما عند زفر الإجارة ( ( ( فالإجارة ) ) ) فاسدة لأن المعقود عليه مجهول والجواب ما ذكرناه ولو قال أجرتك هذه الدار شهرا على أنك إن قعدت فيها حدادا فأجرها عشرة وإن بعت فيها الخز فخمسة فالإجارة جائزة في قول أبي حنيفة الأخير وقال أبو يوسف ومحمد الإجارة فاسدة وجه قولهما أن الأجر لا يجب بالسكنى وإنما يجب بالتسليم وهو التخلية وحالة التخلية لا يدري ما يسكن فكان البدل عنده مجهولا بخلاف الرومي والفارسي لأن البدل هناك يجب بابتداء العمل ولا بد وأن يبتدىء بأحد العملين وعند ذلك يتعين البدل ويصير معلوما عند وجوده ولأبي حنيفة أنه خير بين منفعتين معلومتين فيجوز كما في خياطة الرومية والفارسية وهذا لأن السكنى وعمل الحدادة مختلفتان ( ( ( مختلفان ) ) ) والعقد على واحد منهما صحيح على الانفراد فكذا على الجمع وقولهما بأن الأجر ههنا يجب بالتسليم من غير عمل مسلم لكن العمل يوجد ظاهرا وغلبا ( ( ( وغالبا ) ) ) لأن الانتفاع عند التمكين من الانتفاع هو الغالب فلا يجب الاحتراز عنه على أن بالتخلية وهو التمكن من الانتفاع يجب أقل الأجرين لأن الزيادة تجب بزيادة الضرر ولم توجد زيادة الضرر وأقل الأجرين معلوم فلا يؤدي إلى الجهالة وهذا جواب إمام الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي وعلى هذا الخلاف كل ما كان أجره يجب بالتسليم ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو باطل عندهما وعند أبي حنيفة العقد جائز وأي التعيين استوفى وجب أجر ذلك كما سمى وإن أمسك الدار ولم يسكن فيها حتى مضت المدة فعليه أقل المسميين لما ذكرنا أن الزيادة إنما تجب باستفاء ( ( ( باستيفاء ) ) ) منفعة زائدة ولم يوجد ذلك فلا يجب بالتسليم وهو التخلية إلا أقل الأجرين
وعلى هذا الخلاف إذا استأجر دابة إلى الحيرة على أنه إن حمل عليها شعيرا فبنصف درهم وإن حمل عليها حنطة فبدرهم فهو جائز على قول أبي حنيفة الآخر وعلى قولهما لا يجوز وكذلك إن استأجر دابة إلى الحيرة بدرهم وإلى القادسية بدرهمين فهو جائز عنده وعلى قولهما ينبغي أن لا يجوز لما ذكرنا ولو استأجر دابة من بغداد إلى القصر بخمسة وإلى الكوفة بعشرة قال محمد لو كانت المسافة إلى القصر النصف من الطريق إلى الكوفة فالإجارة جائزة وإن كانت أقل أو أكثر فهي فاسدة على أصلهما لأن المسافة إذا كانت النصف فحال ما يسير يصير البدل معلوما لأنه إن سار إلى القصر أو إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر خمسة فأما إذا كانت المسافة إلى القصر أقل من النصف أو أكثر فالأجرة حال ما يسير مجهولة لأنه إن سار إلى القصر فالأجرة خمسة وإن سار إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر بحصته من المسافة وجهالة الأجرة عند وجود سبب وجوبها تفسد العقد عندهما فأما على قول أبي حنيفة فالعقد جائز لأنه سمى منفعتين معلومتين لأنه كل واحدة منهما بدل معلوم ولو أعطى خياطا ثوبا فقال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم قال أبو حنيفة الشرط الأول صحيح والثاني فاسد حتى لو خاطه اليوم فله درهم وإن خاطه غدا فله أجر مثله على ما نذكر تفسيره وقال أبو يوسف ومحمد الشرطان جائزان وقال زفر الشرطان باطلان وبه أخذ الشافعي فنتكلم مع زفر والشافعي في اليوم الأول لأنهما خالفا أصحابنا الثلاثة فيه والوجه لهما أن المعقود عليه مجهول ولنا أنه سمى في اليوم الأول عملا معلوما وبدلا معلوما وفساد الشرط الثاني لا يؤثر في الشرط الأول كمن عقد إجارة صحيحة وإجارة فاسدة وأما اليوم الثاني فوجه قول أبي يوسف ومحمد على نحو ما ذكرنا في اليوم الأولى ( ( ( الأول ) ) ) أنه سمى في اليوم الثاني عملا معلوما وبدلا معلوما كما في الأول فلا معنى لفساد العقد فيه ( ( ( به ) ) ) كما لا يفسد في اليوم الأول ولأبي حنيفة أنه اجتمع في اليوم الثاني بدلان متفاوتان في القدر لأن البدل المذكور في اليوم الأول جعل مشروطا في اليوم الثاني بدليل أنه لو لم يذكر لليوم الثاني بدلا آخر وعمل في اليوم الثاني يستحق المسمى في الأول فلو لم يجعل المذكور من البدل في اليوم الأول مشروطا في الثاني لما استحق المسمى وإذا اجتمع بدلان في اليوم الثاني صار كأنه قال في اليوم الثاني فلك درهم أو نصف درهم فكان الأجر مجهولا فوجب فساد العقد فإذا خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم هكذا ذكر في الأصل وفي الجامع الصغير وذكر محمد في الإملاء وهو إحدى روايتي ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف وإحدى روايتي ابن سماعة في نوادره عن محمد وروى ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في رواية أخرى أن له في اليوم الثاني أجر مثله لا يزاد على نصف درهم وذكر القدوري أن هذه الرواية هي الصحيحة ووجهها أن الواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يزاد على المسمى والمسمى في اليوم الثاني نصف درهم لا درهم إنما الدرهم مسمى في اليوم الأول وذلك عقد آخر فلا يعتبر فيه
وجه رواية الأصل أنه اجتمع في الغد تسميتان لأن التسمية الأولى عند مجيء الغد قائمة لما ذكرنا فيعمل بها ( ( ( بهما ) ) ) فتعتبر الأولى لمنع الزيادة والثانية لمنع النقصان فإن خاط نصفه في اليوم الأول ونصفه في الغد فله نصف المسمى لأجل خياطته في اليوم الأول وأجر المثل لأجل خياطته في الغد لا يزاد على درهم ولا ينقص عن نصف درهم فإن خاطه في اليوم الثالث فقد روى ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة أن له أجر مثله لا يجاوز به نصف درهم لأن صاحب الثوب لم يرض بتأخيره إلى الغد بأكثر من النصف فبتأخيره إلى اليوم الثالث أولى فإن قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلا أجر لك ذكر محمد في إملائه أنه إن خاطه في اليوم الأول فله درهم وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم لأن إسقاطه في اليوم الثاني لا ينفي وجوبه في اليوم الأول ونفي التسمية في اليوم الثاني لا ينفي أصل العقد فكان في اليوم الثاني عقد لا تسمية فيه ويجب أجر المثل ولو قال إن خطته أنت فأجرك درهم وإن خاطه تلميذك فأجرك نصف درهم فهذا والخياطة الرومية والفارسية سواء ولو استأجر دارا شهرا بعشرة دراهم على أنه إن سكنها يوما ثم خرج فعليه عشرة دراهم فهو فاسد لأن المعقود عليه مجهول وهو سكنى شهر أو يوم والله عز وجل أعلم ومنها أن يكون مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعا لأن العقد لا يقع وسيلة إلى المعقود بدونه فلا يجوز استئجار الآبق لأنه لا يقدر على استيفاء منفعته حقيقة لكونه معجوز التسليم حقيقة ولهذا لم يجز بيعه ولا تجوز إجارة المغصوب من غير الغاصب كما لا يجوز بيعه من غيره لما قلنا وعلى هذا يخرج ( ( ( تخرج ) ) ) إجارة المشاع من غير الشريك أنها غير جائزة عند أبي حنيفة وزفر وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي أنها جائزة وجه قولهم أن الإجارة أحد نوعي البيع فيعتبر بالنوع الآخر وهو بيع العين وأنه جائز في المشاع كذا هذا فلو امتنع إنما يمتنع لتعذر استيفاء منفعة بسبب الشياع والمشاع مقدور الانتفاع بالمهايأة ولهذا جاز بيعه وكذا يجوز من الشريك أو من الشركاء في صفقة واحدة فكذا من الأجنبي والدليل عليه أن الشيوع الطاريء لا يفسد الإجارة فكذا المقارن لأن الطارىء في باب الإجارة مقارن لأن المعقود عليه المنفعة وأنها تحدث شيئا فشيئا فكان كل جزء يحدث معقودا عليه مبتدأ ولأبي حنيفة أن منفعة المشاع غير مقدور ( ( ( مقدورة ) ) ) الاستيفاء لأن استيفاءها بتسليم المشاع والمشاع غير مقدور بنفسه لأنه اسم لسهم غير معين وغير المعين لا يتصور تسليمه بنفسه حقيقة وإنما يتصور تسليمه بتسليم الباقي وذلك غير معقود عليه فلا يتصور تسليمه شرعا
وأما قولهما أنه يمكن استيفاء منفعة المشاع بالتهايىء ( ( ( بالتهايؤ ) ) ) فنقول لا يمكن على الوجه الذي يقتضيه العقد وهو الانتفاع بالنصف في كل المدة لأن التهايؤ بالزمن انتفاع بالكل في نصف المدة وذا ليس بمقتضى العقد والتهايؤ بالمكان انتفاع برفع المستأجر في كل المدة لأن نصف هذا النصف له بالملك ونصفه على طريق البدل عما في يد صاحبه وأنه ليس بمقتضى العقد أيضا فإذا لا يمكن تسليم المعقود عليه على الوجه الذي يقتضيه العقد أصلا ورأسا فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعا ولأن تجويز هذا العقد بالمهايأة يؤدي إلى الدور لأنه لا مهايأة إلا بعد ثبوت الملك ولا ملك إلا بعد وجود العقد ولا عقد إلا بعد وجود شرطه وهو القدرة على التسليم فيتعلق كل واحد بصاحبه فلا يتصور وجوده بخلاف البيع لأن كون المبيع مقدور الانتفاع ليس بشرط لجواز البيع فإن بيع المهر والجحش والأرض السبخة جائز وإن لم يكن منتفعا بها ولهذا يدخل الشرب والطريق في الإجارة من غير تسمية ولا يدخلان في البيع إلا بالتسمية لأن كون المستأجر منتفعا به بنفسه شرط صحة الإجارة ولا يمكن الانتفاع بدون الشرب والطريق بخلاف البيع وأما الإجارة من الشريك فعن أبي حنيفة فيه روايتان ولئن سلمنا على الرواية المشهورة فلأن المعقود عليه هناك مقدور الاستيفاء بدون المهايأة لأن منفعة كل الدار تحدث على ملك المستأجر لكن بسببين مختلفين بعضها بسبب الملك وبعضها بسبب الإجارة وكذا الشيوع الطاريء فيه روايتان عن أبي حنيفة وفي رواية تفسد الإجارة كالمقارن وفي رواية لا تفسد وهي الرواية المشهورة عنه ووجهها أن عدم الشيوع عنده شرط جواز هذا العقد وليس كل ما يشترط لابتداء العقد يشترط لبقائه كالخلو عن العدة فإن العدة تمنع ابتداء العقد ولاتمنع البقاء كذا هذا وسواء كانت الدار كلها لرجل فأجر نصفها من رجل أو كانت بين اثنين فأجر أحدهما نصيبه من رجل كذا ذكر الكرخي في جامعه نصا عن أبي حنيفة أن الإجارة لا تجوز في الوجهين جميعا ذكر أبو طاهر الدباس أن إجارة المشاع إنما لا تجوز عند أبي حنيفة إذا أجر الرجل بعض ملكه فأما إذا أجر أحد الشريكين نصيبه فالعقد جائز بلا خلاف لأن في الصورة الأولى تقع المهايأة بين المستأجر وبين المؤاجر فتكون الدار في يد المستأجر مدة وفي يد المؤاجر مدة ولا يجوز أن يستحق المؤاجر الأجر مع كون الدار في يده والمهايأة في الصورة الثانية إنما تقع بين المستأجر وبين غير المؤاجر وهذا لا يمنع استحقاق الأجر لجواز أن تكون الدار في يد غير المستأجر وأجرتها عليه كما لو أعارها ثم أجرها والصحيح ما ذكره الكرخي لأن ما ذكرنا من المانع يعم الوجهين جميعا وسواء كان المستأجر محتملا للقسمة أو لا لأن المانع من الجواز لا يوجب الفصل بينهما بخلاف الهبة فإن المانع ثمة خص المحتمل للقسمة وهو ما ذكرنا في كتاب الهبة ولو آجر مشاعا يحتمل القسمة فقسم وسلم جاز لأن المانع قد زال كما لو باع الجذع في السقف ثم نزع وسلم وكما لو وهب مشاعا يحتمل القسمة ثم قسم وسلم فإن اختصما قبل القسمة فأبطل الحاكم الإجارة ثم قسم وسلم بعد ذلك لم يجز العقد لأن العقد انفسخ من الأصل بإبطال الحاكم فلا يحتمل الجواز إلا بالاستئناف ويجوز إجارة الإثنين من واحد لأن المنافع تدخل في يد المستأجر جملة واحدة من غير شيوع ويستوفيها من غير مهايأة ولو مات أحد المؤاجرين حتى انقضت الإجارة في حصته لا تنقض في حصة الحي وإن صارت مشاعة وهو المسمى بالشيوع الطارىء لما ذكرنا وكذا يجوز رهن الإثنين من واحد وهبة الإثنين من واحد لعدم الشيوع عند القبض وكذا تجوز إجارة الواحد من الإثنين لأن المنافع تخرج من ملك الآجر جملة واحدة من غير شياع ثم ثبت الشياع لضرورة تفرق ملكيهما في المنفعة وأنه يوجب قسمة المنفعة بالتهايىء ( ( ( بالتهايؤ ) ) ) فينعدم الشيوع
ولو مات أحد المستأجرين حتى انقضت ( ( ( انتقضت ) ) ) الإجارة في حصته بقيت في حصة الحي كما كانت ويجوز رهن الواحد من اثنين أيضا لأن الرهن شرع وثيقة بالدين فجميع الرهن يكون وثيقة لكل واحد من المرتهنين ألا ترى أنه لو قضى الراهن دين أحدهما لم يكن له أن يأخذ بعض الرهن وأما هبة الواحد من اثنين فإنما لا تجوز عند أبي حنيفة لأن الملك في باب الهبة يقع بالقبض والشيوع ثابت عند القبض وأنه يمنع من القبض فيمنع من وقوع الملك على ما نذكر في كتاب الهبة وإن استأجر أرضا فيها زرع للآجر أو شجر أو قصب أو كرم أو ما يمنع من الزراعة لم تجز لأنها مشغولة بمال المؤاجر فلا يتحقق تسليمه فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعا فلم تجز كما لو اشترى جذعا في سقف وكذا لو استأجر أرضا فيها رطبة فالإجارة فاسدة لأنه لا يمكن تسليمها إلا بضرر وهو قلع الرطبة فلا يجبر على الإضرار بنفسه فلم تكن المنفعة مقدورة الاستيفاء شرعا فلم تجز كما لو اشترى جذعا في سقف فإن قلع رب الأرض الرطبة فقال للمستأجر أقبض الأرض فقبضها فهو جائز لأن المانع قد زال فصار كشراء الجذع في السقف إذا نزعه البائع وسلمه إلى المشتري فإن اختصما قبل ذلك فأبطل الحاكم الإجارة ثم قلع الرطبة بعد ذلك لم يصح العقد لأن العقد قد بطل بأبطال الحاكم فلا يحتمل العود فإن مضى من مدة الإجارة يوم أو يومان قبل أن يختصما ثم قلع الرطبة فالمستأجر بالخيار إن شاء قبضها على تلك الإجارة وطرح عنه ما لم يقبض وإن شاء لم يقبض فرقا بين هذا وبين الدار إذا سلمها المؤاجر في بعض المدة أن المستأجر لا يكون له خيار الترك ووجه الفرق أن المقصود من إجارة الأرض الزراعة والزراعة لا تمكن في جميع الأوقات بل في بعض الأوقات دون بعض وتختلف بالتقديم والتأخير فالمدة المذكورة فيها يقف بعضها على بعض ويكون الكل كمدة واحدة فإذا مضى بعضها فقد تغير عليه صفة العقد لاختلاف المعقود فكان له الخيار بخلاف إجارة الدار لأن المقصود منها السكنى وسكنى كل يوم لا تعلق له بيوم آخر فلا يقف بعض المدة فيها على بعض فلا يوجب خللا في المقصود من الباقي فلا يثبت الخيار ولو اشترى أطراف رطبة ثم استأجر الأرض لتبقية ذلك لم تجز الإجارة لأن أصل الرطبة ملك المؤاجر فكانت الأرض مشغولة بملك المؤاجر واستئجار بقعة مشغولة بمال المؤاجر لم تصح لأن كونها مشغولة بملكه يمنع التسليم فيمنع استيفاء المعقود عليه كاستئجار أرض فيها زرع المؤاجر ولو اشترى الرطبة بأصلها ليقلعها ثم استأجر الأرض مدة معلومة لتبقيتها جاز لأن الأرض ههنا مشغولة بمال المستأجر وذا لا يمنع الإجارة كما لو استأجر ما هو في يده وكذلك إذا اشترى شجرة فيها ثمر بثمرها على أن يقلعها ثم استأجر الأرض فبقاها فيها جاز لما قلناه ( ( ( قلنا ) ) ) قال محمد وإن استعار الأرض في ذلك كله فهو جائز لأن المالك بالإعارة أباح الانتفاع بملكه فيجوز وعلى هذا يخرج ما ذكرنا أيضا من استئجار الفحل للإنزال ( ( ( للإنزاء ) ) ) واستئجار الكلب المعلم والبازي المعلم للاصطياد أنه لا يجوز لأن المنفعة المطلوبة منه غير مقدورة الاستيفاء إذ لا يمكن إجبار الفحل على الضراب والإنزال ولا إجبار الكلب والبازي على الصيد فلم تكن المنفعة التي هي معقود عليها مقدورة الاستيفاء في حق المستأجر فلم تجز وعلى هذا يخرج استئجار الإنسان للبيع والشراء أنه لا يجوز لأن البيع والشراء لا يتم بواحد بل بالبائع والمشتري فلا يقدر الأجير على إيفاء المنفعة بنفسه فلا يقدر المستأجر على الاستيفاء فصار كما لو استأجر رجلا ليحمل خشبة بنفسه وهو لا يقدر على حملها بنفسه ولو ضرب لذلك مدة بأن استأجره شهرا ليبيع له ويشتري جاز لما مر
وعلى هذا يخرج الاستئجار على تعليم القرآن والصنائع أنه لا يجوز لأن الأجير لا يقدر على إيفاء العمل بنفسه فلا يقدر المستأجر على الإستيفاء وإن شئت أفردت لجنس هذه المسائل شرطا فقلت ومنها أن يكون العمل المستأجر له مقدور الاستيفاء من العامل بنفسه ولا يحتاج فيه إلى غيره وخرجت المسائل عليه والأول أقرب إلى الصناعة فافهم وعلى هذا يخرج الاستئجار على المعاصي أنه لا يصح لأنه استئجار على منفعة غير مقدورة الاستيفاء شرعا كاستئجار الإنسان للعب واللهو وكاستئجار المغنية والنائحة للغناء والنوح بخلاف الاستئجار لكتابة الغناء والنوح أنه جائز لأن الممنوع عنه نفس الغناء والنوح لا كتابتهما وكذا لو استأجر رجلا ليقتل له رجلا أو ليسجنه أو ليضربه ظلما وكذا كل إجارة وقعت لمظلمة لأنه استئجار لفعل المعصية فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعا فإن كان ذلك بحق بأن استأجر إنسانا لقطع عضو جاز لأنه مقدور الاستيفاء لأن محله معلوم فيمكنه أن يضع السكين عليه فيقطعه وإن استأجره لقصاص في النفس لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وتجوز عند محمد هو يقول استيفاء القصاص بطريق مشروع هو حز الرقبة والرقبة معلومة فكان المعقود عليه مقدور الاستيفاء فأشبه الاستئجار لذبح الشاة وقطع اليد وهما يقولان أن القتل بضرب العنق يقع على سبيل التجافي عن المضروب فلربما ( ( ( فربما ) ) ) يصيب العنق وربما يعدل عنه إلى غيره فإن أصاب كان مشروعا وإن عدل كان محظورا لأنه يكون مثلة وإنها غير مشروعة بخلاف الاستئجار على تشقيق الحطب لأنه وإن كان ذلك يقع على سبيل التجافي فكله مباح وههنا بخلافه فلم يكن هذا النوع من المنفعة مقدور الاستيفاء وليس كذلك القطع والذبح لأن القطع يقع بوضع السكين على موضع معلوم من اليد وهو المفصل وإمراره عليه وكذلك الذبح فهو الفرق ولو استأجر ذمي من مسلم بيعة ليصلي فيها لم يجز لأنه استئجار لفعل المعصية وكذا لو استأجر ذمي من ذمي لما قلنا ولو استأجر الذمي دارا من مسلم وأراد أن يصلي فيها من غير جماعة أو يتخذها مصلى للعامة فقد ذكرنا حكمه فيما تقدم ولو استأجر ذمي مسلما ليخدمه ذكر في الأصل أنه يجوز وأكره للمسلم خدمة الذمي أما الكراهة فلأن الاستخدام استذلال فكان إجارة المسلم نفسه منه إذلالا لنفسه وليس للمسلم أن يذل نفسه خصوصا بخدمة الكافر وأما الجواز فلأنه عقد معاوضة فيجوز كالبيع وقال أبو حنيفة أكره أن يستأجر الرجل امرأة حرة يستخدمها ويخلو بها وكذلك الأمة وهو قول أبي يوسف ومحمد أما الخلوة فلأن الخلوة بالمرأة الأجنبية معصية وأما الاستخدام فلأنه لا يؤمن معه الاطلاع عليها والوقوع في المعصية ويجوز الاستئجار لنقل الميتات والجيف والنجاسات لأن فيه رفع أذيتها عن الناس فلو لم تجز لتضرر بها الناس وقال ابن رستم عن محمد أنه قال لا بأس بأجرة الكناس أرأيت لو استأجره ليخرج له حمارا ميتا أما يجوز ذلك ويجوز الاستئجار على نقل الميت الكافر إلى المقبرة لأنه جيفة فيدفع أذيتها عن الناس كسائر الأنجاس وأما الاستئجار على نقله من بلد إلى بلد فقد قال محمد ابتلينا بمسألة ميت مات من المشركين فاستأجروا له من يحمله إلى موضع فيدفنه في غير الموضع الذي مات فيه أراد بذلك إذا استأجروا له من ينقله من بلد إلى بلد فقال أبو يوسف لا أجر له وقلت أنا إن كان الحمال الذي حمله يعلم أنه جيفة فلا أجر له وإن لم يعلم فله الأجر وجه قول محمد أن الأجير إذا علم أنه جيفة فقد نقل ما لا يجوز له نقله فلا يستحق الأجر وإذا لم يعلم فقد غروه بالتسمية والغرور يوجب الضمان ولأبي يوسف أن الأصل أن لا يجوز نقل الجيفة وإنما رخص في نقلها للضرورة وهي ضرورة رفع أذيتها ولا ضرورة في النقل من بلد إلى بلد فبقي على أصل الحرمة كنقل الميتة من بلد إلى بلد
ومن استأجر حمالا يحمل له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا أجر له كذا ذكر في الأصل وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة وعندهما يكره لهما أن هذه إجارة على المعصية لأن حمل الخمر معصية لكونه إعانة على المعصية وقد قال الله عز وجل ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ولهذا لعن الله تعالى عشرة منهم حاملها والمحمول إليه ولأبي حنيفة أن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح وكذا ليس بسبب للمعصية وهو الشرب لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب فكانت سببا محضا فلا حكم له كعصر العنب وقطفه والحديث محمول على الحمل بنية الشرب وبه نقول إن ذلك معصية ويكره أكل أجرته ولا تجوز إجارة الإماء للزنا لأنها إجارة على المعصية وقيل فيه نزل قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا وروي عن رسول الله أنه نهى عن مهر البغي وهو أجر الزانية على الزنا وتجوز الإجارة للحجامة وأخذ الأجرة عليها لأن الحجامة أمر مباح وما ورد من النهي عن كسب الحجام في الحديث عن رسول الله أنه قال من السحت عسب التيس وكسب الحجام فهو محمول على الكراهة لدناءة الفعل والدليل عليه ما روي أن رسول الله لما قال ذلك أتاه رجل من الأنصار فقال إن لي حجاما وناضحا فأعلف ناضحي من كسبه قال نعم وروى أنه احتجم وأعطى الحجام دينارا ولا يجوز استئجار الرجل أباه ليخدمه لأنه مأمور بتعظيم أبيه وفي الاستخدام استخفاف به فكان حراما فكان هذا استئجارا على المعصية وسواء كان الأب حرا أو عبدا استأجره ابنه من مولاه ليخدمه لأنه لا يجوز استئجار الأب حرا كان أو عبدا وسواء كان الأب مسلما أو ذميا لأن تعظيم الأب واجب وإن اختلف الدين قال الله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وهذا في الأبوين الكافرين لأنه معطوف على قوله عز وجل وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وإن شئت أفردت لجنس هذه المسائل شرطا وخرجتها عليه فقلت ومنها أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء فإن كانت محظورة الاستيفاء لم تجز الإجارة لكن في هذا شبهة التداخل في الشروط والصناعة تمنع من ذلك وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلا على العمل في شيء هو فيه شريكه نحو ما إذا كان بين اثنين طعام فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يحمل نصيبه إلى مكان معلوم والطعام غير مقسوم فحمل الطعام كله أو استأجر غلام صاحبه أو دابة صاحبه على ذلك أنه لا تجوز هذه الإجارة عند أصحابنا وإذا حمل لا أجر له وعند الشافعي هذه الإجارة جائزة وله الأجر إذا حمل وجه قوله أن الأجر تابع نصف منفعة الحمل الشائعة من شريكه لأن الإجارة بيع المنفعة فتصح في الشائع كبيع العين وهذا لأن عمله وهو الحمل وإن صادف محلا مشتركا وهو لا يستحق الأجرة بالعمل في نصيب نفسه فيستحقها بالعمل في نصيب شريكه ولنا أنه أجر ما لا يقدر على إيفائه لتعذر تسليم الشائع بنفسه فلم يكن المقدور ( ( ( المعقود ) ) ) عليه مقدور الاستيفاء وإنما لا يجب الأجر أصلا لأنه لا يتصور استيفاء المعقود عليه إذ لا يتصور حمل نصف الطعام تبايعا ووجوب أجر المثل يقف على استيفاء المعقود عليه ولم يوجد فلا يجب بخلاف ما إذا استأجر من رجل بيتا له ليضع فيه طعاما مشتركا بينهما أو سفينة أو جوالقا إن الإجارة جائزة لأن التسليم ثمة يتحقق بدون الوضع بدليل أنه لو سلم السفينة والبيت والجوالق ولم يضع وجب الأجر وههنا لا يتحقق بدون العمل وهو الحمل والمشاع غير مقدور الحمل بنفسه