Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
والأصل أن الإجارة تبطل بموت المعقود له ولا تبطل بموت العاقد وإنما كان كذلك لأن استيفاء العقد بعد موت من وقع له العقد يوجب تغيير موجب العقد لأن من وقع له إن كان هو المؤاجر فالعقد يقتضي استيفاء المنافع من ملكه ولو بقيناه بعد موته لاستوفيت المنافع من ملك غيره وهذا خلاف مقتضى العقد وإن كان هو المستأجر فالعقد يقتضي استحقاق الأجرة من ماله ولو بقينا العقد بعد موته لاستحقت الأجرة من مال غيره وهذا خلاف موجب العقد بخلاف ما إذا مات من لم يقع العقد له كالوكيل ونحوه لأن العقد منه لا يقع مقتضيا استحقاق المنافع ولا استحقاق الأجرة من ملكه فإبقاء العقد بعد موته لا يوجب تغيير موجب العقد وكذلك الولي في الوقف إذا عقد ثم مات لا تنتقض الإجارة لأن العقد لم يقع له فموته لا يغير حكمه ولو استأجر دابة إلى مكة فمات المؤاجر في بعض المفازة فله أن يركبها أو يحمل عليها إلى مكة أو إلى أقرب الأماكن من المصر لأن الحكم ببطلان الإجارة ههنا يؤدي إلى الضرر بالمستأجر لما فيه من تعريض ماله ونفسه إلى التلف فجعل ذلك عذرا في بقاء الإجارة وهذا معنى قولهم إن الإجارة كما تفسخ بالعذر تبقى بالعذر وقالوا فيمن اكترى إبلا إلى مكة ذاهبا وجائيا فمات الجمال في بعض الطريق فللمستأجر أن يركبها إلى مكة أو يحمل عليها وعليه المسمى لأن الحكم بانفساخ الإجارة في الطريق إلحاق الضرر بالمستأجر لأنه لا يجد ما يحمله ويحمل قماشه وإلحاق الضرر بالورثة إذا كانوا غيبا لأن المنافع تفوت من غير عوض فكان في استيفاء العقد نظر من الجانبين فإذا وصل إلى مكة رفع الأمر إلى الحاكم لأنه لا ضرر عليه في فسخ الإجارة عند ذلك لأنه يقدر على أن يستأجر من جمال آخر ثم ينظر الحاكم في الأصلح فإن رأى بيع الجمال وحفظ الثمن للورثة أصلح فعل ذلك وإن رأى إمضاء الإجارة إلى الكوفة أصلح فعل ذلك لأنه نصب ناظرا محتاطا وقد يكون أحد الأمرين أحوط فيختار ذلك قالوا والأفضل إذا كان المستأجر ثقة أن يمضي القاضي الإجارة والأفضل إذا كان غير ثقة أن يفسخها فإن فسخها وقد كان المستأجر عجل الأجرة سمع القاضي بينته عليها وقضاه من ثمنها لأن الإجارة إذا انفسخت فللمستأجر إمساك العين حتى يستوفي جميع الأجرة وقام القضاء ( ( ( القاضي ) ) ) مقام الغائب فنصب له خصما وسمع عليه البينة ولو مات أحد ممن وقع له عقد الإجارة قبل انقضاء المدة وفي الأرض المستأجرة زرع لم يستحصد يترك ذلك في الأرض إلى أن يستحصد ويكون على المستأجر أو على ورثته ما سمى من الأجر لأن في الحكم بالانفساخ وقلع الزرع ضررا بالمستأجر وفي الإبقاء من غير عوض ضررا بالوارث ويمكن توفير الحقين من غير ضرر بإبقاء الزرع إلى أن يستحصد بالأجر فيجب القول به وإنما وجب المسمى استحسانا والقياس أن يجب أجر المثل لأن العقد انفسخ حقيقة بالموت وإنما بقيناه حكما فأشبه شبهة العقد واستيفاء المنافع بشبهة العقد توجب أجر المثل كما لو استوفاها بعد انقضاء المدة وجه الاستحسان أن التسمية تناولت هذه المدة فإذا مست الضرورة إلى الترك بعوض كان إيجاب العوض المسمى أولى لوقوع التراضي بخلاف الترك بعد انقضاء المدة لأن التسمية لم تتناول ما بعد انقضاء المدة فتعذر إيجاب المسمى فوجب أجر المثل ومنها هلاك المستأجر والمستأجر فيه لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود عليه بعد هلاكه فلم يكن في بقاء العقد فائدة حتى لو كان المستأجر عبدا أو ثوبا أو حليا أو ظرفا أو دابة معينة فهلك أو هلك الثوب المستأجر فيه للخياطة أو للقصارة بطلت الإجارة لما قلنا
وإن كانت الإجارة على دواب بغير أعيانها فسلم إليه دواب فقبضها فماتت لا تبطل الإجارة وعلى المؤاجر أن يأتيه بغير ذلك لأنه هلك ما لم يقع عليه العقد لأن الدابة إذا لم تكن معينة فالعقد يقع على منافع في الذمة وإنما تسلم العين ليقيم منافعها مقام ما في ذمته فإذا هلك بقي ما في الذمة بحاله فكان عليه أن يعين غيرها وقد ذكرنا اختلاف إشارة الروايات في الدار إذا انهدم كلها أو انقطع الماء عن الرحى أو الشرب من الأرض أن الإجارة تنفسخ أو يثبت حق الفسخ فيما تقدم وعلى هذا أيضا يخرج موت الظئر أن الإجارة تبطل به لأنها مستأجرة ومنها انقضاء المدة إلا لعذر لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية فتنفسخ الإجارة بانتهاء المدة إلا إذا كان ثمة عذر بأن انقضت المدة وفي الأرض زرع لم يستحصد فإنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل بخلاف ما إذا انقضت المدة وفي الأرض رطبة أو غرس أنه يؤمر بالقلع لأن في ترك الزرع إلى أن يدرك مراعاة الحقين والنظر من الجانبين لأن لقطعه غاية معلومة فأما الرطبة فليس لقطعها غاية معلومة فلو لم تقطع لتعطلت الأرض على صاحبها فيتضرر به وبخلاف الغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة أنه يؤمر بالقلع ولا يترك إلى وقت الحصاد بأجر لأن الترك في الإجارة لدفع الضرر عن المستأجر نظر له وهو مستحق للنظر لأنه زرع بإذن المالك فأما الغاصب فظالم متعد في الزرع فلا يستحق النظر بالترك مع ما أنه هو الذي أضر بنفسه حيث زرع أراضي غيره بغير حق فكان مضافا إليه ومنها عجز المكاتب بعد ما استأجر شيئا أنه يوجب بطلان الإجارة بلا خلاف لأن الأجرة استحقت من كسب المكاتب وبالعجز يبطل كسبه فتبطل الإجارة إذ لا سبيل إلى إيجابها من مال المولى فإن عجز بعد ما استأجر فالإجارة باقية في قول أبي يوسف وقال محمد تبطل والكلام فيه راجع إلى أصل نذكره في كتاب الهبة في كيفية ملك المولى كسب المكاتب عند عجزه أن عند أبي يوسف كسب المكاتب موقوف ملكه في الحقيقة على عجزه أو عتقه فإن عجز ملكه المولى من الأصل وإن عتق ملكه المكاتب من الأصل وعند محمد هو ملك المكاتب ثم إذا عجز انتقل إلى المولى كما ينتقل الملك من الميت إلى ورثته بالموت ووجه البناء على هذا الأصل أن عند أبي يوسف لما وقع الملك للمولى في الكسب من حين وجوده صار كأن الإجارة وجدت من المولى فلا تنتقض بعجز المكاتب ولما كان الملك للمولى فيه من طريق الانتقال من المكاتب عند عجزه على أصل محمد صار بمنزلة انتقال الملك من الميت إلى وارثه عند عجزه وذلك يوجب انتقاض الإجارة كذا هذا وأصل هذه المسألة في المكاتب إذا وهبت له هبة ثم عجز أن للواهب أن يرجع في قول أبي يوسف وعند محمد لا يرجع وسنذكره في كتاب الهبة والله عز وجل أعلم يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صورة الاستصناع ومعناه وإلى بيان جوازه وإلى بيان حكمه وإلى بيان صفته فصل أما صورة الاستصناع فهي أن يقول إنسان لصانع من خفاف أو صفار أو غيرهما اعمل لي خفا أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته فيقول الصانع نعم وأما معناه فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم هو مواعدة وليس ببيع وقال بعضهم هو بيع لكن للمشتري فيه خيار وهو الصحيح بدليل أن محمدا رحمه الله ذكر في جوازه القياس والاستحسان وذلك لا يكون في العدات وكذا أثبت فيه خيار الرؤية وأنه يختص بالبياعات وكذا يجري فيه التقاضي وإنما يتقاضى فيه الواجب لا الموعود ثم اختلفت عباراتهم عن هذا النوع من البيع قال بعضهم هو عقد على مبيع في الذمة وقال بعضهم هو عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل
وجه القول الأول أن الصانع لو أحضر عينا كان عملها قبل العقد ورضي به المستصنع لجاز ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي والصحيح هو القول الأخير لأن استصناع ( ( ( الاستصناع ) ) ) طلب الصنع فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعا فكان مأخذ الاسم دليلا عليه ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلما وهذا العقد يسمى استصناعا واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد ورضي به المستصنع فإنما جاز لا بالعقد الأول بل بعقد آخر وهو التعاطي بتراضيهما فصل وأما جوازه فالقياس أن لا يجوز لأنه بيع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم ويجوز استحسانا لإجماع الناس على ذلك لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير ( ( ( نكر ) ) ) وقد قال عليه الصلاة والسلام لا تجتمع أمتي على ضلالة وقال عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح والقياس يترك بالإجماع ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر من غير بيان المدة ومقدار الماء الذي يستعمل وفي قطعه الشارب للسقاء من غير بيان قدر المشروب وفي شراء البقل وهذه المحقرات كذا هذا ولأن الحاجة تدعو إليه لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مخصوص ونوع مخصوص على قدر مخصوص وصفة مخصوصة وقلما يتفق وجوده مصنوعا فيحتاج إلى أن يستصنع فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج وقد خرج الجواب عن قوله إنه معدوم لأنه ألحق بالموجود لمساس الحاجة إليه كالمسلم فيه فلم يكن بيع ما ليس عند الإنسان على الإطلاق ولأن فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والإجارة لأن السلم عقد على مبيع في الذمة واستئجار الصناع يشترط فيه العمل وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزا فصل وأما شرائط جوازه فمنها بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته لأنه لا يصير معلوما بدونه ومنها أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس من أواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولجم الحديد للدواب ونصول السيوف والسكاكين والقسي والنبل والسلاح كله والطشت والقمقمة ونحو ذلك ولا يجوز في الثياب لأن القياس يأبى جوازه وإنما جوازه استحسانا لتعامل الناس ولا تعامل في الثياب ومنها أن لا يكون فيه أجل فإن ضرب للاستصناع أجلا صار سلما حتى يعتبر فيه شرائط السلم وهو قبض البدل في المجلس ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في السلم وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد هذا ليس بشرط وهو استصناع على كل حال ضرب فيه أجلا أو لم يضرب ولو ضرب للاستصناع فيما لا يجوز فيه الاستصناع كالثياب ونحوها أجلا ينقلب سلما في قولهم ( ( ( قولهما ) ) ) جميعا
وجه قولهما أن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع وإنما يقصد به تعجيل العمل لا تأخير المطالبة فلا يخرج به عن كونه استصناعا أو يقال قد يقصد بضرب الأجل تأخير المطالبة وقد يقصد به تعجيل العمل فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشك والاحتمال بخلاف مالا يحتمل الاستصناع لأن ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل العمل فتعين أن يكون لتأخير المطالبة بالدين وذلك بالسلم ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا ضرب فيه أجلا فقد أتى بمعنى السلم إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجلا والعبرة في العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ ألا ترى أن البيع ينعقد بلفظ التمليك وكذا الإجارة وكذا النكاح على أصلنا ولهذا صار سلما فيما لا يحتمل الاستصناع كذا هذا ولأن التأجيل يختص بالديون لأنه وضع لتأخير المطالبة وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك إلا السلم إذ لا دين في الاستصناع ألا ترى أن لكل واحد منهما خيار الامتناع من العمل قبل العمل بالاتفاق ثم إذا صار سلما يراعى فيه شرائط السلم فإن وجدت صح وإلا فلا فصل وأما حكم الاستصناع فهو ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكا غير لازم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل وأما صفة الاستصناع فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل في الجانبين جميعا بلا خلاف حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين أن لكل واحد منهما الفسخ لأن القياس يقتضي أن لا يجوز لما قلنا وإنما عرفنا جوازه استحسانا لتعامل الناس فبقي اللزوم على أصل القياس وأما بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع فكذلك حتى كان للصانع أن يبيعه ممن شاء كذا ذكر في الأصل لأن العقد ما وقع على عين المعمول بل على مثله في الذمة لما ذكرنا أنه لو اشترى من مكان آخر وسلم إليه جاز ولو باعه الصانع وأراد المستصنع أن ينقض ( ( ( ينقص ) ) ) البيع ليس له ذلك ولو استهلكه قبل الرؤية فهو كالبائع إذا استهلك المبيع قبل التسليم كذا قال أبو يوسف فأما إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة فقد سقط خيار الصانع وللمستصنع الخيار لأن الصانع بائع ما لم يره فلا خيار له وأما المستصنع فمشترى ما لم يره فكان له الخيار وإنما كان كذلك لأن المعقود عليه وإن كان معدوما حقيقة فقد ألحق بالموجود ليمكن القول بجواز العقد ولأن الخيار كان ثابتا لهما قبل الإحضار لما ذكرنا أن العقد غير لازم فالصانع بالإحضار أسقط خيار نفسه فبقي خيار صاحبه على حاله كالبيع الذي فيه شرط الخيار للعاقدين إذا أسقط أحدهما خياره إنه يبقى خيار الآخر كذا هذا هذا جواب ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أن لكل واحد منهما الخيار وروي عن أبي يوسف أنه لا خيار لهما جميعا وجه رواية أبي يوسف أن الصانع قد أفسد متاعه وقطع جلده وجاء بالعمل على الصفة المشروطة ( فلو كان للمستصنع الامتناع من أخذه لكان فيه إضرار بالصانع بخلاف ما إذا قطع الجلد ولم يعمل فقال المستصنع لا أريد لأنا لا ندري أن العمل يقع على الصفة المشروطة أو لا فلم يكن الامتناع منه إضرارا بصاحبه فثبت الخيار وجه رواية أبي حنيفة رحمه الله أن في تخيير كل واحد منهما دفع الضرر عنه وإنه واجب والصحيح ظاهر الرواية لأن في إثبات الخيار للصانع ما شرع له الاستصناع وهو دفع حاجة المستصنع لأنه متى ثبت الخيار للصانع فكل ما فرع عنه يتبعه من غير المستصنع فلا تندفع حاجة المستصنع
وقول أبي يوسف أن الصانع يتضرر بإثبات الخيار للمستصنع مسلم ولكن ضرر المستصنع بإبطال الخيار فوق ضرر الصانع بإثبات الخيار للمستصنع لأن المصنوع إذا لم يلائمه وطولب بثمنه لا يمكنه بيع المصنوع من غيره بقيمة مثله ولا يتعذر ذلك على الصانع لكثرة ممارسته وانتصابه لذلك ولأن المستصنع إذا غرم ثمنه ولم تندفع حاجته لم يحصل ما شرع له الاستصناع وهو اندفاع حاجته فلا بد من إثبات الخيار له والله سبحانه وتعالى الموفق فإن سلم إلى حداد حديدا ليعمل له إناء معلوما بأجر معلوم أو جلدا إلى خفاف ليعمل له خفا معلوما بأجر معلوم فذلك جائز ولا خيار فيه لأن هذا ليس باستصناع بل هو استئجار فكان جائزا فإن عمل كما أمر استحق الأجر وإن فسد ( ( ( أفسد ) ) ) فله أن يضمنه حديدا مثله لأنه لما أفسده فكأنه أخذ حديدا له واتخذ منه آنية من غير إذنه والإناء للصانع لأن المضمونات تملك بالضمان والله أعلم بالصواب كتاب الشفعة الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان سبب ثبوت حق الشفعة وفي بيان شرائط ثبوت حق الشفعة وفي بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر وفي بيان مايبطل به حق الشفعة بعد ثبوته وفي بيان ما يملك به المشفوع فيه وفي بيان طريق التمليك وبيان كيفيته وفي بيان شرط التملك وفي بيان مايتملك به وفي بيان المتملك وفي بيان المتملك منه وفي بيان حكم اختلاف الشفيع والمشتري وفي بيان الحيلة في إبطال الشفعة وفي بيان أنها مكروهة أم لا أما سبب وجوب الشفعة فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ماهية السبب والثاني في بيان كيفيته أما الأول فسبب وجود ( ( ( وجوب ) ) ) الشفعة أحد الأشياء الثلاثة الشركة في ملك المبيع والخلطة وهي الشركة في حقوق الملك والجوار وإن شئت قلت أحد الشيئين الشركة والجوار ثم الشركة نوعان شركة في ملك المبيع وشركة في حقوقه كالشرب والطريق وهذا عند أصحابنا رضي الله عنهم وقال الشافعي السبب هو الشركة في ملك المبيع لا غير فلا تجب الشفعة عنده بالخلطة ولا بالجوار احتج بما روي عن رسول الله أنه قال إنما الشفعة في ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فصدر الحديث إثبات الشفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم لأن كلمة إنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه وآخره نفي الشفعة عند وقوع الحدود وصرف الطرق والحدود بين الجارين واقعة والطرق مصروفة فكانت الشفعة منفية ولأن الأخذ بالشفعة تملك مال المشتري من غير رضاه وعصمة ملكه وكون التملك إضرارا يمنع من ذلك فكان ينبغي أن لا يثبت حق الأخذ أصلا إلا أنا عرفنا ثبوته فيما لم يقسم بالنص غير معقول المعنى فبقي الأمر في المقسوم على الأصل أو ثبت معلولا بدفع ضرر خاص وهو ضرر القسمة لكونه ضررا لازما لا يمكن دفعه إلا بالشفعة فأما ضرر الجوار فليس بلازم بل هو ممكن الدفع بالرفع إلى السلطان والمقابلة بنفسه فلا حاجة إلى دفعه بالشفعة ولنا ما روي أنه سئل رسول الله عن أرض بيعت وليس لها شريك ولها جار فقال عليه الصلاة والسلام الجار أحق بشفعتها وهذا نص في الباب وروي عن رسول الله أنه قال الجار أحق بصقبه والصقب الملاصق أي أحق بما يليه وبما يقرب منه وروي الجار أحق بشفعته وهذا نص في الباب ولأن حق الشفعة بسبب الشركة إنما يثبت لدفع أذى الدخيل وضرره وذلك متوقع الوجود عند المجاورة فورود الشرع هناك يكون ورودا هنا دلالة وتعليل النص بضرر القسمة غير سديد لأن القسمة ليست بضرر بل هي تكميل منافع الملك وهي ضرر غير واجب الدفع لأن القسمة مشروعة ولهذا لم تجب الشفعة بسبب الشركة في العروض دفعا لضرر القسمة وأما قوله يمكن دفع الضرر بالمقابلة بنفسه والمرافعة إلى السلطان فنقول وقد لا يندفع بذلك ولو اندفع فالمقابلة والمرافعة في نفسها ضرر وضرر الجار السوء يكثر وجوده في كل ساعة فيبقى في ضرر دائم
وأما الحديث فليس في صدره نفي الشفعة عن المقسوم لأن كلمة إنما لا تقتضي نفي غير المذكور قال الله تبارك وتعالى إنما أنا بشر مثلكم وهذا لا ينفي أن يكون غيره عليه الصلاة والسلام بشرا مثله وآخره حجة عليه لأنه علق عليه الصلاة والسلام سقوط الشفعة بشرطين وقوع الحدود وصرف الطرق والمعلق بشرطين لا يترك عند وجود أحدهما وعنده يسقط بشرط واحد وهو وقوع الحدود وإن لم تصرف الطرق ثم هو مؤول وتأويله فإذا وقعت الحدود فتباينت وصرفت الطرق فتباعدت فلا شفعة أو لا شفعة مع وجود من لم ينفصل حده وطريقه فلا شفعة بالقسمة كما لا شفعة بالرد بخيار الرؤية لأن في القسمة معنى المبادلة فكان موضع الإشكال فأخبر أنه لا شفعة ليزول الإشكال والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وأما بيان كيفية السبب فالكلام فيه في موضعين أحدهما يعم حال انفراد الأسباب واجتماعها والثاني يخص حال ( ( ( حالة ) ) ) الاجتماع أما الذي يعم الحالين جميعا فهو أن السبب أصل الشركة لا قدرها وأصل الجوار لا قدره حتى لو كان للدار شريك واحد أو جار واحد أخذ كل الدار بالشفعة كثر شركته وجواره أو قل وعلى هذا يخرج قول أصحابنا رضي الله عنهم في قسمة الشفعة بين الشركاء عند اتحاد السبب وهو الشركة أو الجوار أنها تقسم على عدد الرؤوس لا على قدر الشركة وعند الشافعي رحمه الله على قدر الشركة في ملك المبيع حتى لو كانت الدار بين ثلاثة نفر لأحدهم نصفها وللآخر ثلثها ولآخر سدسها فباع صاحب النصف نصيبه كانت الشفعة بين الباقين نصفين عندنا على عدد الرؤس وعنده أثلاثا ثلثاه لصاحب الثلث وثلثه لصاحب السدس على قدر الشركة وجه قوله أن حق الشفعة من حقوق الملك لأنه ثبت لتكميل منافع الملك فيتقدر بقدر الملك كالثمرة والغلة ولنا أن السبب في موضع الشركة أصل الشركة وقد استويا فيه فيستويان في الاستحقاق والدليل على أن السبب أصل الشركة دلالة الإجماع والمعقول أما دلالة الإجماع فلأن الشفيع إذا كان واحدا يأخذ كل الدار بالشفعة ولو كان السبب قدر الشركة لتقدر حق الأخذ بقدرها وأما المعقول فلأن حق الشفعة إنما يثبت لدفع أذى الدخيل وضرره والضرر لا يندفع إلا بأخذ كل الدار بالشفعة فدل أن سبب الاستحقاق في الشركة هو أصل الشركة وقد استويا فيه فبعد ذلك لا يخلو إما أن يأخذ أحدهما الكل دون صاحبه وإما أن يأخذ كل واحد منهما الكل لا سبيل إلى الأول لأنه ليس أحدهما بأولى من صاحبه ولا سبيل إلى الثاني لاستحالة تملك دار واحدة في زمان واحد من اثنين على الكمال فتنصف بينهما عملا بكمال السبب بقدر الإمكان ومثل هذا جائز فإن من هلك عن ابنين كان ميراثه بينهما نصفين لأن بنوة كل واحد منهما سبب لاستحقاق كل الميراث إلا أنه لا يمكن إثبات الملك في مال واحد لكل واحد منهما على الكمال لتضايق المحل فينصف بينهما فكذا هذا وكذلك إذا كان لدار واحد ( ( ( واحدة ) ) ) شفيعان جاران جوارهما على التفاوت بأن كان جوار أحدهما بخمسة أسداس الدار وجوار الآخر لسدسها كانت الشفعة بينهما نصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق وهو أصل الجوار وعلى هذا يخرج ما إذا كان للدار شفيعان فأسقط أحدهما الشفعة أن للآخر أن يأخذ كل الدار بالشفعة لوجود سبب الاستحقاق للكل في حق كل واحد منهما وإنما القسمة للتزاحم والتعارض على ما بينا فإذا أسقط أحدهما زال التزاحم والتعارض فظهر حق الآخر في الكل فيأخذ الكل وكذلك لو كان الشفعاء جماعة فأسقط بعضهم حقه فللباقين أن يأخذوا الكل بالشفعة لما قلنا
ولو كان الدار ( ( ( للدار ) ) ) شفيعان وأحدهما غائب فللحاضران ( ( ( فللحاضر ) ) ) أن يأخذ كل الدار بالشفعة لأن سبب ثبوت الحق على الكمال وجد في حقه وقد تأكد حقه بالطلب ولم يعرف تأكد حق الغائب لأنه محتمل يحتمل أن يطلب ويحتمل أن لا يطلب أو يعرض فلم يقع التعارض والتزاحم فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقه الثابت المتأكد بحق يحتمل التأكد والعدم بل يقضي له بالكل عملا بكمال السبب من غير تعارض بخلاف ما إذا كان لرجلين على رجل ألف درهم فهلك الرجل وترك ألف درهم وأحد صاحبي الدين غائب أنه لا يسلم إلى الحاضر إلا خمسمائة لأن هناك حق كل واحد منهما يساوي حق الآخر في التأكد فيقسم بينهما على السوية لوقوع التعارض والتزاحم وكذلك لو كان للدار شفعاء بعضهم غائب وبعضهم حاضر يقضي بالدار بين الحضور على عدد رؤسهم لما قلنا ولو جعل بعضهم نصيبه لبعض لم يصح جعله في حق غيره وسقط حق الجاعل وقسمت على عدد رؤوس من بقي لأن حق الشفعة مما لا يحتمل النقل لأنه ليس بأمر ثابت في المحل فبطل الجعل في حق غيره وسقط حقه لكون الجعل دليل الإعراض وبقي كل الدار بين الباقين فيقسمونها على عدد الرؤس لما ذكرنا ولو كان أحدهم حاضرا فقضي له بكل الدار ثم جاء آخر يقضي له بنصف ما في يد الحاضر فإن جاء ثالث يقضي له بثلث ما في يد كل منهما لوقوع التعارض والتزاحم لاستواء الكل في سبب ثبوت الحق وتأكده فيقسم بينهم على السوية ولو أخذ الحاضر الكل ثم قدم الغائب وأراد أن يأخذ النصف فقال له الحاضر أنا أسلم لك الكل فإما أن تأخذ أو تدع فليس له ذلك وللذي قدم أن يأخذ النصف لأن القاضي لما قضى للحاضر بكل الدار تضمن قضاؤه بطلان حق الغائب عن النصف وصار الغائب مقضيا عليه في ضمن القضاء للحاضر بالكل فبعد ذلك وإن بطل القضاء لكن الحق بعدما بطل لا يتصور عوده ولو قضى بالدار للحاضر ثم وجد به عيبا فرده ثم قدم الغائب فليس له أن يأخذ بالبيع الأول إلا نصف الدار سواء كان الرد بالعيب بقضاء أو بغير قضاء وسواء كان قبل القبض أو بعده لما ذكرنا أنه لما قضى القاضي للحاضر بكل الدار بالشفعة فقد أبطل حق الغائب عن النصف وصار هو مقضيا عليه ضرورة القضاء على المشتري فبطلت شفعته في هذا النصف فلا يحتمل العود سواء كان الرد بالعيب بقضاء أو بغير قضاء لأنه إنما بطل حقه في النصف بالقضاء بالشفعة وبالرد بالعيب لا يتبين أن القضاء بالشفعة لم يكن وكذا يستوي فيه الرد قبل القبض وبعده لما قلنا ولو أراد الغائب أن يأخذ كل الدار بالشفعة برد الحاضر بالعيب ويدع البيع الأول ينظر إن كان الرد بغير قضاء فله ذلك لأن الرد بغير قضاء بيع مطلق فكان بيعا جديدا في حق الشفعة فيأخذ الكل بالشفعة كما يأخذ بالبيع المبتدأ هكذا ذكر محمد وأطلق الجواب ولم يفصل بينما إذا كان الرد بالعيب قبل القبض أو بعده من مشايخنا من قال ما ذكر من الجواب محمول على ما بعد القبض لأن الرد قبل القبض بغير قضاء بيع جديد وبيع العقار قبل القبض لا يجوز على أصله وإنما يستقيم إطلاق الجواب على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ومنهم من قال يستقيم على مذهب الكل لأن رضا الشفيع ههنا غير معتبر لكونه مجبورا في التمليك فكان رضاه ملحقا بالعدم وإن كان بقضاء فليس له أن يأخذ لأنه فسخ مطلق ورفع العقد من الأصل كأنه لم يكن والأخذ بالشفعة يختص بالبيع
ولو أطلع الحاضر على عيب قبل أن يقضي له بالشفعة فسلم الشفعة ثم قدم الغائب فإن شاء أخذ الكل وإن شاء ترك لأن القاضي إذا لم يقض بالشفعة للحاضر لم يبطل حق الغائب بل بقى في كل الدار لوجود سبب استحقاق الكل إلا أنه لم يظهر لمزاحمة الحاضر في الكل وبالتسليم زالت المزاحمة فظهر حق الغائب في كل الدار ولو رد الحاضر الدار بالعيب بعدما قضى له بالشفعة ثم حضر شفيعان أخذا ثلثي الدار بالشفعة والحكم في الإثنين والثلاث سواء يسقط حق الغائب بقدر حصة الحاضر لما قلنا وكذا لو كان الشفيع الحاضر اشترى الدار من المشتري ثم حضر الغائب فإن شاء أخذ كل الدار بالبيع الأول وإن شاء أخذ كلها بالبيع الثاني أما الأخذ بالبيع الأول فلأن حق الحاضر في الشفعة قد بطل بالشراء من المشتري لكون الشراء منه دليل الإعراض فزالت المزاحمة الموجبة للقسمة فبقي حق الغائب في كل الدار فيأخذ الكل بالبيع الأول إن شاء بخلاف الشفيع إذا اشترى الدار المشفوعة من صاحبها أنه لا تبطل شفعته لأن البطلان بالإقدام على الشراء ولا حق له قبل الشراء ليبطل به وأما الأخذ بالبيع الثاني فلأن البيع الثاني وجد ولا حق للحاضر في الشفعة لصيرورته معرضا بالشراء فيظهر حق الأخذ بالكل ولو كان المشتري الأول شفيعا للدار فاشتراها الشفيع الحاضر منه ثم قدم الغائب فإن شاء أخذ نصف الدار بالبيع الأول وإن شاء أخذ كلها بالبيع الثاني أما أخذ النصف بالبيع الأول فلأن المشتري الأول لم يثبت له حق قبل الشراء حتى يكون بشرائه معرضا عنه فإذا باعه من الشفيع الحاضر لم يثبت للغائب إلا مقدار ما كان يخصه بالمزاحمة مع الأول وهو النصف وأما أخذ الكل بالعقد الثاني فلأن السبب عند البيع الأول أوجب الشفعة للكل في الدار وقد بطل حق الشفيع الحاضر بالشراء لكون الشراء دليل الإعراض فبقي حق المشتري الأول والغائب في كل الدار فيقسم بينهما للتزاحم فيأخذ الغائب نصف الدار بالبيع الأول إن شاء وإن شاء أخذ الكل بالعقد الثاني لأن السبب عند العقد الثاني أوجب للشفيع حق الشفعة ثم بطل حق الشفيع الحاضر عند العقد الأول ولم يتعلق بإقدامه على الشراء الثاني بعقده حق لإعراضه فكان للغائب أن يأخذ كل الدار بالعقد الثاني ولو كان المشتري الأول أجنبيا اشتراها بألف فباعها من أجنبي بألفين ثم حضر الشفيع فالشفيع بالخيار إن شاء أخذ بالبيع الأول وإن شاء أخذ بالبيع الثاني لوجود سبب الاستحقاق وشرطه عند كل واحد من البيعين فكان له الخيار فإن أخذ بالبيع الأول سلم الثمن إلى المشتري الأول والعهدة عليه وينفسخ البيع الثاني ويسترد المشتري الثاني من الأول وإن أخذ بالبيع الثاني تم البيعان جميعا والعهدة على الثاني غير أنه إن وجد المشتري الثاني والدار في يده فله أن يأخذ بالبيع الثاني سواء كان المشتري الأول حاضرا أو غائبا وإن أراد أن يأخذ بالبيع الأول فليس له ذلك حتى يحضر المشتري الأول والثاني هكذا ذكر القاضي الإمام الإسبيجابي عليه الرحمة في شرحه مختصر الطحاوي ولم يحك خلافا وذكر الكرخي عليه الرحمة أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة وعند أبي يوسف رحمه الله حضرة الأول ليست بشرط وللشفيع أن يأخذ من الذي في يده ويدفع إليه ألفا ويقال له اتبع الأول وخذ منه ألفا وإن كان الثاني اشتراه بألف يؤخذ منه ويدفع إليه ألفا وجه قول أبي يوسف أن حق الشفعة حق متعلق بعين الدار فلا يشترط لاستيفائه حضرة المشتري
وجه قولهما أن الأخذ من غير حضرة المشتري الأول يكون قضاء على الغائب لأن الأخذ بالبيع الأول يوجب انفساخ البيع الأول على المشتري الأول على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تبارك وتعالى فيكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وأنه لا يجوز وقوله حق الشفعة متعلق بالعين ممنوع بل لا حق في العين وإنما الثابت حق التمليك على المشتري فلا بد من حضرته ولو كان المشتري باع نصف الدار ولم يبع جميعها فجاء الشفيع وأراد أن يأخذ بالبيع الأول أخذ جميع الدار ويبطل البيع في النصف الثاني من المشتري الثاني لأن سبب استحقاق الجميع وشرطه موجود عند البيع الأول فإذا أخذ الكل بالبيع الأول انفسخ البيع في النصف الثاني من المشتري لأنه تبين أنه تقدم على حق الشفيع في قدر النصف وإن أراد أن يأخذ النصف بالبيع الثاني فله ذلك لأن شرط الاستحقاق وهو البيع وجد في النصف وبطلت شفعته في النصف الذي في يد المشتري الأول لوجود دليل الإعراض ولو كان المشتري لم يبع الدار ولكنه وهبها من رجل أو تصدق بها على رجل وقبضها الموهوب له أو المتصدق عليه ثم حضر الشفيع والمشتري والموهوب له حاضران أخذها الشفيع بالبيع لا بالهبة لأن كون العقد معاوضة من شرائط الاستحقاق على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولا بد من حضرة المشتري حتى لو حضر الشفيع ووجد الموهوب له فلا خصومة معه حتى يجد المشتري فيأخذها بالبيع الأول والثمن للمشتري وتبطل الهبة كذا ذكر القاضي من غير خلاف وأما الكرخي فقد جعله على الخلاف الذي ذكرنا أن الذي في يده الدار وهو الموهوب له لم يكن خصما عندهما وعند أبي يوسف يكون خصما كما في البيع ولو وهب المشتري نصف الدار مقسوما وسلمه إلى الموهوب له ثم حضر الشفيع وأراد أن يأخذ النصف الباقي بنصف الثمن ليس له ذلك ولكنه يأخذ جميع الدار بجميع الثمن أو يدع لأن في أخذ البعض دون البعض تفريق الصفقة على المشتري وإذا أخذ الكل بطلت الهبة وكان الثمن كله للمشتري لا للموهوب له ولو اشترى دارا بألف ثم باعها بألفين فعلم الشفيع بالبيع الثاني ولم يعلم بالبيع الأول فأخذها بقضاء أو بغير قضاء ثم علم أن البيع الأول كان بألف فليس له أن ينقض أخذه لأنه لما أخذها بالبيع الثاني فقد ملكها وحق التمليك بالبيع الأول بعد ثبوت الملك له لا يتصور فسقط حقه في الشفعة في البيع الأول ضرورة ثبوت الملك له والثابت ضرورة يستوي فيه العلم والجهل فإن اشتراها بألف ثم زاده في الثمن ألفا فعلم الشفيع بالألفين ولم يعلم أن الألف زيادة فأخذها بألفين فإذا أخذ بقضاء القاضي أبطل القاضي الزيادة وقضى له بالألف لأن الزيادة غير ثابتة شرعا في حق الشفيع فكان القضاء بالزيادة قضاء بما ليس بثابت فيبطلها القاضي وإن أخذها بغير قضاء فليس له أن ينقض أخذه لأن الأخذ بغير قضاء بمنزلة شراء مبتدأ فسقط حقه في الشفعة ولو كان المشتري حين اشتراه بألف ناقضه البيع ثم اشتراه بألفين فأخذ الشفيع بألفين ولم يعلم بالبيع الأول ثم علم به لم يكن له أن ينقضه سواء كان بقضاء أو بغير قضاء لأنه اجتمع بيعان لا يمكن الأخذ بهما فإذا أخذ بأحدهما انتقض الآخر والله عز وجل أعلم وإذا كان للدار جاران أحدهما غائب والآخر حاضر فخاصم الحاضر إلى قاض لا يرى الشفعة بالجوار فأبطل شفعته ثم حضر الغائب فخاصمه إلى قاض يرى الشفعة قضى له بجميع الدار لأن قضاء القاضي الأول صادفت ( ( ( صادف ) ) ) محل الاجتهاد فنفذ وبطلت شفعة الحاضر فبقى حق الغائب في كل الدار لوجود سبب استحقاق الكل فيأخذ الكل بالشفعة ولو كان القاضي الأول قال أبطلت كل الشفعة التي تتعلق بهذا البيع لم تبطل شفعة الغائب كذا قاله محمد وهو صحيح لأنه قضاء على الغائب وأنه لا يجوز والله سبحانه وتعالى أعلم
وأما الذي يخص حالة الاجتماع فهو أن أسباب استحقاق الشفعة إذا اجتمعت يراعى فيها الترتيب فيقدم الأقوى فالأقوى فيقدم الشريك على الخليط والخليط على الجار لما روي عن رسول الله أنه قال الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من غيره ولأن المؤثر في ثبوت حق الشفعة هو دفع ضرر الدخيل وأذاه وسبب وصول الضرر والأذى هو الاتصال والاتصال على هذه المراتب فالاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من الاتصال بالخلط والاتصال بالخلط أقوى من الاتصال بالجوار والترجيح بقوة التأثير ترجيح صحيح فإن سلم الشريك وجبت للخليط وإن اجتمع خليطان يقدم الأخص على الأعم وإن سلم الخليط وجبت للجار لما قلنا وهذا جواب ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه إذا سلم الشريك فلا شفعة لغيره وجه رواية أبي يوسف أن الحق عند البيع كان للشريك لا لغيره ألا ترى أن غيره لا يملك المطالبة فإذا سلم سقط الحق أصلا والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة سبب صالح للاستحقاق إلا أنه يرجح البعض على البعض لقوة في التأثير على ما بينا فإذا سلم الشريك التحقت شركته بالعدم وجعلت كأنها لم تكن فيراعى الترتيب في الباقي كما لو اجتمعت الخلطة والجوار ابتداء وبيان هذا في مسائل دار بين رجلين في سكة غير نافذة طريقها من هذه السكة باع أحدهما نصيبه فالشفعة لشريكة لأن شريكته ( ( ( شركته ) ) ) في عين الدار وشركة أهل السكة في الحقوق فكان الشريك في عين الدار أولى بالشفعة فإذا سلم فالشفعة لأهل السكة كلهم يستوي فيه الملاصق وغير الملاصق لأنهم كلهم خلطاء في الطريق فإن سلموا فالشفعة للجار افذة ( ( ( الملاصق ) ) ) طريقها ( ( ( وعلى ) ) ) من هذه السكة باع أحدهما نصيبه فالشفعة لشريكة لأن شريكته في عين الدار وشركة أهل السكة في ( ( ( سكة ) ) ) الحقوق ( ( ( أخرى ) ) ) فكان الشريك ( ( ( نافذة ) ) ) في ( ( ( فبيعت ) ) ) عين ( ( ( دار ) ) ) الدار ( ( ( فيها ) ) ) أولى بالشفعة فإذا سلم فالشفعة لأهل السكة كلهم ( ( ( خاصة ) ) ) يستوي فيه ( ( ( خلطة ) ) ) الملاصق ( ( ( أهل ) ) ) وغير ( ( ( هذه ) ) ) الملاصق ( ( ( السكة ) ) ) لأنهم ( ( ( السفلى ) ) ) كلهم ( ( ( أخص ) ) ) خلطاء في الطريق ( ( ( السكة ) ) ) فإن ( ( ( العليا ) ) ) سلموا ( ( ( استوى ) ) ) فالشفعة للجار ( ( ( شفعتها ) ) ) فعتها أهل السكة العليا وأهل السكة السفلى لأن خلطتهم في السكة العليا سواء فيستوون في الاستحقاق وقال محمد رحمه الله أهل الدرب يستحقون الشفعة بالطريق إذا كان ملكهم أو كان فاء ( ( ( فناء ) ) ) غير مملوك أما إذا كان ملكا لهم فظاهر لوجود الخلطة وهي الشركة في الطريق وأما إذا كان فناء غير مملوك فلأنهم أخص به من غيرهم فكان في معنى المملوك وان كانت السكة نافذة فبيعت دار فيها فلا شفعة إلا للجار الملاصق لأن الشركة العامة إباحة معنى لما قلنا وإن كان مملوكا فهو في حكم غير النافذ والطريق النافذ الذي لا يستحق به الشفعة مالا يملك أهله سده لأنه إذا كان كذلك يتعلق به حق جميع المسلمين فكانت شركته عامة فيشبه الإباحة وعلى هذا يخرج النهر إذا كان صغيرا يسقى منه أراضي معدودة أو كروم معدودة فبيع أرض منها أو كرم إن الشركاء في النهر كلهم شفعاء يستوي الملاصق وغير الملاصق لاستوائهم في الخلطة وهي الشركة في الشرب وإن كان النهر كبيرا فالشفعة للجار الملاصق بمنزلة الشوارع
واختلف في الحد الفاصل بين الصغير والكبير قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا كان تجري فيه السفن فهو كبير وإن كان لا تجري فهو صغير وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال لا أستطيع أن أحد هذا بحد هو عندي على ما أرى حين يقع ذلك وروي عن أبي يوسف رحمه الله رواية أخرى أنه إن كان يسقى منه مراحان أو ثلاثة أو بستانان أو ثلاثة ففيه الشفعة وما زاد على ذلك فلا كذا ذكر الكرخي رضي الله عنه الاختلاف بين أصحابنا والقاضي لم يذكر خلافهم وإنما ذكر اختلاف المشايخ رحمهم الله قال بعضهم إن كان شركاء النهر بحيث يحصون فهو صغير وإن كانوا لا يحصون فهو كبير وقال بعضهم إن كانوا مائة فما دونهم فهو صغير وإن كانوا أكثر من مائة فهو كبير وقال بعضهم هو مفوض إلى رأي القاضي فإن رآه صغيرا قضى بالشفعة لأهله وإن رآه كبيرا قضى بها للجار الملاصق ولو نزع من هذا النهر نهر آخر فيه أرضون أو بساتين وكروم فبيع أرض أو بستان شربه من هذا النهر النازع فأهل هذا النهر أحق بالشفعة من أهل النهر الكبير ألا ترى أنهم مختصون بشرب النهر النازع فكانوا أولى كما في السكة المتشعبة ( ( ( المنشعبة ) ) ) من سكة غير نافذة ولو بيعت أرض على النهر الكبير كان أهله وأهل النهر النازع في الشفعة سواء لاستوائهم في الشرب قال محمد رحمه الله في قراح واحد في وسط ساقية جارية شرب هذا القراح منها من الجانبين فبيع القراح فجاء شفيعان أحدهما يلي هذه الناحية في القراح والآخر يلي الجانب الآخر قال هما شفيعان في القراح وليست الساقية بحائلة لأن الساقية من حقوق هذا القراح فلا يعتبر فاصلا كالحائط الممتد ولو كانت هذه الساقية بجوار القراح ويشرب منها ألف جريب من هذا القراح فأصحاب الساقية أحق بالشفعة من الجار لأنهم شركاء في الشرب والشريك مقدم على الجار لما مر والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما روي عن أبي يوسف أنه قال في دار بين رجلين ولرجل فيها طريق فباع أحدهما نصيبه من الدار أن الشريك أحق بالشفعة من صاحب الطريق لأن الشريك في عين العقار أحق من الخليط وكذلك إذا كانت الدار بين رجلين ولأحدهما حائط بأرضه في الدار بينه وبين آخر فباع الذي له شركة في الحائط نصيبه من الدار والحائط فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار والشريك في الحائط أولى بالحائط لأن الشريك في الحائط ليس بشريك في الدار بل هو جار لبقية الدار والشريك مقدم على الجار وكذلك دار بين رجلين ولأحدهما بئر في الدار بينه وبين آخر فباع الذي له شركة في البئر نصيبه من الدار والبئر فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار والشريك في البئر أحق بالبئر لما ذكرنا أن الشريك في البئر جار لبقية الدار والشريك مقدم على الجار وكذلك سفل بين رجلين ولأحدهما علو عليه بينه وبين آخر فباع الذي له نصيب في السفل والعلو نصيبه فلشريكه في السفل الشفعة في السفل ولشريكه في العلو الشفعة في العلو ولا شفعة لشريكه في السفل في العلو ولا لشريكه في العلو في السفل لأن شريكه في السفل جار العلو وشريكه في حقوق العلو وإن كان طريق العلو فيه ليس بشريك له في العلو والشريك في عين البقعة أو ما هو في معنى البقعة مقدم على الجار والشريك في الحقوق وشريكه في العلو جار للسفل أو شريكه في الحقوق إذا كان طريق العلو في تلك الدار ولا شركة له في عين البقعة فكان الشريك في عين البقعة أولى ولو كان لرجل علو على دار وطريقه فيها وبقية الدار لآخر فباع صاحب العلو العلو بطريقه فالقياس أن لا شفعة لصاحب السفل في العلو وفي الاستحسان تجب وجه القياس أن من شرائط وجوب الشفعة أن يكون المبيع عقارا والعلو منقول فلا تجب فيه الشفعة كما لا تجب في سائر المنقولات
وجه الاستحسان أن العلو في معنى العقار لأن حق البناء على السفل حق لازم لا يحتمل البطلان فأشبه العقار الذي لا يحتمل الهلاك فكان ملحقا بالعقار فيعطي حكمه ولو كان طريق هذا العلو في دار رجل آخر فبيع العلو فصاحب الدار التي فيها الطريق أولى بشفعة العلو من صاحب الدار التي عليها العلو لأن صاحب الدار التي فيها الطريق شريك في الحقوق وصاحب الدار التي عليها العلو جار والشريك مقدم على الجار فإن سلم صاحب الطريق الشفعة فإن لم يكن للعلو جار ملاصق أخذه صاحب الدار التي عليها العلو بالجوار لأنه جاره وإن كان للعلو جار ملاصق أخذه بالشفعة مع صاحب السفل لأنهما جاران وإن لم يكن جار العلو ملاصقا وبين العلو وبين مسكنه طائفة من الدار فلا شفعة له لأنه ليس بجار ولو باع صاحب السفل السفل كان صاحب العلو شفيعا لأنه جاره وليس شريكه وهو كدارين متجاورتين لأحدهما خشب على حائط الآخر إن صاحب الخشب لا يستحق إلا بالجوار ولا يستحق بالخشب شيئا ولو بيعت الدار التي فيها طريق العلو فصاحب العلو أولى بشفعة الدار من الجار لأنه شريك في الحقوق فكان مقدما على الجار وروي عن أبي يوسف أنه قال في بيت عليه غرفتان إحداهما فوق الأخرى ولكل غرفة طريق في دار أخرى وليس بينهما شركة في الطريق فباع صاحب البيت الأوسط بيته وسلم صاحب الطريق فالشفعة لصاحب العلو ولصاحب السفل جميعا لاستوائهما في الجاور ( ( ( الجوار ) ) ) فإن باع صاحب العلو كانت الشفعة للأوسط دون الأسفل لأن الجوار له لا للأسفل وعلى هذا يخرج ما روي عن أبي يوسف أنه قال في دار فيها مسيل ماء لرجل آخر فبيعت الدار كانت له الشفعة بالجوار لا بالشركة وليس المسيل كالشرب لأن صاحب المسيل مختص بمسيل الماء لا شركة للآخر فيه فصار كحائط لصاحب إحدى الدارين في الأخرى ولو أن حائطا بين داري رجلين والحائط بينهما فصاحب الشرك في الحائط أولى بالحائط من الجار وبقية الدار يأخذها بالجوار مع الجار بينهما هكذا روي عن أبي يوسف وزفر رحمها ( ( ( رحمهما ) ) ) الله وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أن الشريك في الحائط أولى بجميع الدار وجه هذه الرواية أن الشريك في الحائط شريك في بعض المبيع فكان أولى من الجار الذي لا شركة له كالشريك في الشرب والطريق وجه الرواية الأولى أن الشريك في الحائط شريك لكن في بقعة معينة وهي ما تحت الحائط لا في بقية الدار بل هو جار في بقية الدار فكان أولى بما هو شريك فيه وبقية الدار بينه وبين الجار الآخر لاستوائهما في الجوار وكذلك الدار لرجل فيها بيت بينه وبين غيره فباع الرجل الدار وطلب الجار الشفعة وطلبها الشريك في البيت فصاحب الشركة في البيت أولى بالبيت وبقية الدار بينهما نصفان قال الكرخي عليه الرحمة وأصح الروايات عن أبي يوسف أن الشريك في الحائط أولى ببقية الدار من الجار لما ذكرنا من تحقق ( ( ( تحقيق ) ) ) الشركة في نفس المبيع والشريك مقدم على الجار قال وعن محمد مسألة تدل على أن الشريك في الحائط أولى فإنه قال في حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة ولا يعلم أن الحائط بينهما إلا بالخشبة فبيعت إحدى الدارين قال فإن أقام الآخر بينة أن الحائط بينهما فهو أحق من الجار لأنه شريك وإن لم يقم بينة لم أجعله شريكا وقوله أحق من الجار أي أحق بالجميع لا بالحائط خاصة وهذا هو مقتضى ظاهر هذا الإطلاق
وروي عن أبي يوسف فيمن اشترى حائطا بأرضه ثم اشترى ما بقي من الدار ثم طلب جار الحائط الشفعة فله الشفعة فينهما فهو ( ( ( الحائط ) ) ) أحق من ( ( ( شفعة ) ) ) الجار لأنه ( ( ( فيما ) ) ) شريك وإن لم يقم بينة لم أجعله شريكا وقوله أحق من الجار أي أحق بالجميع لا بالحائط خاصة وهذا هو مقتضى ظاهر هذا الإطلاق وروي عن أبي يوسف فيمن اشترى حائطا بأرضه ثم اشترى ما بقي من الدار ثم طلب جار ( ( ( يكن ) ) ) الحائط الشفعة فله الشفعة فحب الطريق الشفعة في الطريق لأن الطريق إذا كان معينا كان بمنزلة الحائط على ما ذكرنا وهذا على الرواية التي تقول الشريك في الحائط جار في بقية الدار على ما ذكرنا فيما تقدم والله أعلم فصل وأما شرائط وجوب الشفعة فأنواع منها عقد المعاوضة وهو البيع أو ما هو في معناه فلا تجب الشفعة فيما ليس ببيع ولا بمعنى البيع حتى لا تجب بالهبة والصدقة والميراث والوصية لأن الأخذ بالشفعة يملك على المأخوذ منه بمثل ما ملك هو فإذا انعدم معنى المعاوضة فلو أخذ الشفيع فإما أن يأخذ بالقيمة وإما أن يأخذ مجانا بلا عوض لا سبيل إلى الأول لأن المأخوذ منه لم يملكه بالقيمة ولا سبيل إلى الثاني لأن الحد على التبرع ليس بمشروع فامتنع الأخذ أصلا وإن كانت الهبة بشرط العوض فإن تقابضا وجبت الشفعة لوجود معنى المعاوضة عند التقابض وإن قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر تجب الشفعة بنفس العقد وهذا بناء على أصل وهو أن الهبة بشرط العوض عندنا تبرع ابتداء معاوضة انتهاء وعنده معاوضة ابتداء وانتهاء ودلائل هذا الأصل في كتاب الهبة نذكرها هناك إن شاء الله تعالى ولو وهب عقارا من غير شرط العوض ثم إن الموهوب له عوضه من ذلك دارا فلا شفعة في الدارين لا في دار الهبة ولا في دار العوض لأن إعطاء دار العوض هبة مبتدأة إلا أنها اختصت بالمنع من الرجوع إلا أن تكون عوضا حقيقة بدليل أنه لو وهب عشرة دراهم فعوضه بخمسة جاز ولو كان عوضا حقيقة لما جاز لأنه يكون ربا دل أن الثاني ليس بعوض عن الأول حقيقة فلم يكن هذا معاوضة بل كان هبة مبتدأة فلم تجب به الشفعة وتجب الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح سواء كان الصلح على الدار عن إقرار أو إنكار أو سكوت لوجود معنى المعاوضة أما في الصلح عن إقرار فظاهر لأن المدعى ملك المدعي في حق المدعي والمدعى عليه فكانت الدار التي هي بدل الصلح عوضا عن ملك ثابت في حقهما جميعا فيتحقق معنى المعاوضة في هذا الصلح وأما في الصلح عن إنكار فلأن عند المدعى أنه أخذ الدار عوضا عن ملكه الثابت فكان الصلح معاوضة في حقه وكان للشفيع فيها حق الشفعة وكذا في الصلح عن سكوت المدعى عليه لأن المدعى إن كان محقا في دعواه كان بدل الصلح عوضا عن ملكه حقيقة وإن كان مبطلا كان عوضا عن ملكه في زعمه فيتحقق معنى المعاوضة في زعمه وكذا تجب الشفعة في الدار المصالح عنها عن إقرار لوجود معنى المعاوضة في هذا الصلح من الجانبين جميعا وأما عن إنكار فلا تجب به الشفعة لأن في زعم المدعى عليه أن الدار المدعاة ملكه وإنما بذل المال لدفع الخصومة الباطلة فلا يتحقق معنى المعاوضة في حقه فلم يكن للشفيع أن يأخذها منه بالشفعة للحال ولكنه يقوم مقام المدعى في إقامة الحجة فإن أقام البينة على صاحب اليد أن الدار كانت للمدعي أو حلف المدعى عليه فنكل فله الشفعة لأنه تبين أن الصلح وقع معاوضة حقيقة وإن لم تقم له الحجة فلا شفعة له
وكذلك لا تجب الشفعة في الدار المصالح عنها عن سكوت لأن المدعي إن كان محقا في دعواه كان الصلح معاوضة فتجب الشفعة وإن كان مبطلا لم يكن معاوضة في حق المدعى عليه فلا تجب الشفعة مع الاحتمال لأن الحكم كما لا يثبت بدون شرطه لا يثبت مع وجود الشك في شرطه لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك ولو كان بدل الصلح منافع فلا شفعة في الدار المصالح عنها سواء كان الصلح عن إنكار أو إقرار لأن بدل الصلح ليس بعين مال فلم يكن هذا الصلح معاوضة عين المال بعين المال وهذا من شرائط ثبوت الشفعة على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولو اصطلحا على أن يأخذ المدعى عليه الدار ويعطيه دارا أخرى فإن كان الصلح عن إنكار تجب في كل واحدة من الدارين الشفعة بقيمة الدار الأخرى لأن الصلح إذا كان عن إنكار كان الصلح على معاوضة دار بدار وإن كان عن إقرار لا يصح الصلح ولا تجب الشفعة في الدارين جميعا لأنهما جميعا ملك المدعي ولو اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم رد المشتري الدار بخيار رؤية أو شرط قبل القبض أو بعده فأراد الشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة بسبب الرد لم يكن له ذلك لأن الرد بخيار الرؤية والشرط ليس في معنى البيع ألا ترى أنه يرد من غير رضا البائع بل هو فسخ محض في حق الكل ورفع العقد من الأصل كأنه لم يكن فيعود إليه قديم ملكه فلم يتحقق معنى البيع فلا تجب الشفعة وكذا لو رد عليه بعيب قبل القبض أو بعده بقضاء القاضي لأن الرد بقضاء القاضي فسخ مطلق وإن كان بغير قضاء القاضي فللشفيع الشفعة لأن الرد بغير قضاء بيع جديد في حق ثالث وكذا الإقالة قبل القبض أو بعده لأنها بيع جديد في حق ثالث ولا تجب الشفعة في القسمة وإن كان فيها معنى المعاوضة لأنها ليست بمعاوضة محضة بل فيها معنى الإقرار والتمييز ألا ترى أنه يجري فيها الجبر فلم تكن معاوضة مطلقة فلا تجب فيها الشفعة كما إذا صالح عن دم عمد على دار أنه لا تجب الشفعة ومنها معاوضة المال بالمال فلا تجب في معاوضة المال بغير المال لأنه الأخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشتري فلو وجبت في معاوضة المال بغير المال فإما أن يأخذ بما تملك به المشتري ولا سبيل إليه لأنه تملك بالقصاص وإما أن يأخذ بقيمة الدار ولا سبيل إليه أيضا لأن المشتري لم يتملك به فامتنع التملك أصلا وعلى هذا يخرج ما إذا صالح الشفعة تملك بمثل ما تملك به المشتري فلو وجبت في معاوضة المال بغير المال فإما أن يأخذ بما تملك به المشتري ولا سبيل إليه لأنه تملك بالقصاص وإما أن يأخذ بقيمة الدار ولا سبيل إليه أيضا لأن المشتري لم يتملك به فامتنع التملك أصلا وعلى هذا يخرج ما إذا صالح عن دم العمد على دار أنه لا تجب الشبعة ( ( ( الشفعة ) ) ) لأن القصاص ليس بمال فلم توجد معاوضة المال بالمال وكذا لو صالح من جناية توجب القصاص فيما دون النفس على دار لما قلنا ولو صالح من جناية توجب الأرش دون القصاص على دار تجب فيها الشفعة بالأرش لوجود معاوضة المال بالمال وكذا لو أعتق عبدا على دار لأن العتق ليس بمال فلم توجد معاوضة المال بالمال ومنها معاوضة عين المال بعين المال فلا تجب في معاوضة عين المال بما ليس بعين المال لما ذكرنا أن التملك بما تملكه به المشتري غير ممكن والتملك بعين المال ليس تملكا بما تملك به المشتري فامتنع أصلا
وعلى هذا يخرج ما إذا جعل الدار مهرا بأن تزوج على دار أو جعلها بدل الخلع بأن خالع امرأته على دار أو جعلها أجرة في الإجارات بأن استأجر بدار لأن هذا معاوضة المال بالمنفعة لأن حكم الإجارة ثبت في المنفعة وكذا حكم النكاح وهو الصحيح على ما عرف في مسائل النكاح من الخلاف والمنفعة ليست بمال وهذا عند أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله هذا ليس بشرط وتجب الشفعة في هذه المواضع فيأخذها الشفيع بقيمة البضع وهي مهر المثل في النكاح والخلع وفي الإجارة بأجرة المثل وجه قوله أن الأخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشتري عند الإمكان وعند التعذر تقام قيمته مقامه ألا ترى أنه لو اشترى دارا بعبد فالشفيع يأخذها بقيمة البعد ( ( ( العبد ) ) ) لتعذر الأخذ بمثله إذ لا مثل له فتقوم قيمته مقامه كذا ههنا والمنافع تتقوم بالعقد بلا خلاف فتقام قيمة العوض مقامه ولنا أن المنافع في الأصل لا قيمة لها على أصول أصحابنا والأصل فيها أن لا تكون مضمونة لأن الشيء يضمن بمثله في الأصل والعرض لا يماثل العين ولهذا قالوا أنها لا تضمن بالغصب والإتلاف إلا أنها تتقوم بالعقد بطريق الضرورة ولحاجة الناس فبقي ما وراء ذلك على الأصل فلا يظهر تقومها في حق الشفيع ولو تزوج امرأة على دار أن ترد المرأة عليه ألفا فلا شفعة في شيء من الدار عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تجب الشفعة في حصة الألف وجه قولهما أن الدار بعضها مهر وبعضها مبيع فلئن تعذر إيجاب الشفعة في حصة المهر أمكن إيجابها في حصة المبيع فتجب في حصته وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يمكن إيجاب الشفعة في حصة المبيع إلا بعد قسمة الدار وفي قسمتها تقويم المنافع ولا قيمة لها إلا عند الضرورة على ما بينا ولأن المهر في الدار هو الأصل لأنها إنما دفعت الألف لتسلم لها الدار فإذا لم تثبت الشفعة في الأصل فكيف تجب في التابع ولو تزوجها على مهر مسمى ثم باع داره من المرأة بذلك المهر أو تزوجها بغير مهر مسمى ثم باع داره من المرأة بمهر المثل تجب فيها الشفعة لأن هذا مبيع مبتدأ فتجب به الشفعة ولو تزوجها على دار أو تزوجها على غير مسمى ثم فرض لها داره مهرا لا تجب فيها الشفعة لأن الغرض منه ليس ببيع بل هو تقدير المهر فلا تجب الشفعة ومنها أن يكون المبيع عقارا أو ( ( ( وما ) ) ) ما هو بمعناه فإن كان غير ذلك فلا شفعة فيه عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال مالك رضي الله عنه هذا ليس بشرط وتجب الشفعة في السفن وجه قوله أن السفينة أحد المسكنين فتجب فيها الشفعة كما تجب في المسكن الآخر وهو العقار ولنا ما روي عن رسول الله أنه قال لا شفعة إلا في ربع أو حائط لأن الشفعة في العقار ما وجبت لكونه مسكنا وإنما وجبت لخوف أذى الدخيل وضرره على سبيل الدوام وذلك لا يتحقق إلا في العقار ولا تجب إلا في العقار أو ما في معناه وهو العلو على ما نذكره إن شاء الله تعالى سواء كان العقار مما يحتمل القسمة أو لا يحتملها كالحمام والرحا والبئر والنهر والعين والدور الصغار عند أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي لا تجب الشفعة إلا في عقار يحتمل القسمة والكلام فيه يرجع إلى أصل تقدم ذكره وهو أن الشفعة عندنا وجبت معلولة بدفع ضرر الدخيل وأذاه على سبيل اللزوم وذلك يوجد فيما يحتمل القسمة وفيما لا يحتمل القسمة على السواء وعنده وجبت معلولة بدفع ضرر خاص وهو ضرر القسمة فلا يتعدى إلى ما لا يحتمل القسمة وهذا مع أنه تعليل لمنع التعدية قد أبطلناه فيما تقدم وروي عن النبي أنه قال إنما الشفعة فيما لم يقسم من غير فصل وإذا بيع سفل عقار دون علوه أو علوه دون سفله أو بيعا جميعا وجبت الشفعة
أما السفل فلا شك فيه لأنه عقار وأما العلو بدون السفل فتجب فيه الشفعة إذا كان العلو قائما استحسانا لأن حق البناء على السفل متعلق به على سبيل التأبيد فصار بمعنى العقاء ( ( ( العقار ) ) ) فتجب فيه الشفعة ولو انهدم العلو ثم بيع السفل وجبت الشفعة لصاحب العلو عن أبي يوسف وعند محمد لا شفعة له ذكره محمد في الزيادات وجه قول أبي يوسف أن البناء وإن بطل فحق البناء قائم وأنه حق متعلق بالبقعة على سبيل الاستقرار والتأبيد فكان بمنزلة البقعة وجه قول محمد أن الشفعة إنما تجب إما بالشركة في الملك أو الحقوق أو بجوار الملك ولم يوجد شيء من ذلك أما الشركة فظاهر الانتفاء وكذا الجوار لأن الجوار كان بالبناء وقد زال البناء فلا تجب الشفعة وذكر في الزيادات فيمن باع علوا فاحترق قبل التسليم بطل البيع هكذا ذكر ولم يحك خلافا من مشايخنا رحمهم الله من قال هذا قوله فأما على أصل أبي يوسف ينبغي أن لا يبطل لأنه يجعل في حق البناء بمنزلة العرصة فصار كأنه باع العرصة مع البناء فاحترق البناء ومنها زوال ملك البائع عن المبيع لأن الشفيع يملك المبيع على المشتري بمثل ما ملك به فإذا لم يزل ملك البائع استحال تملك المشتري فاستحال تملك الشفيع فلا تجب الشفعة في المبيع بشرط خيار البائع لأن خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه حتى لو أسقط خياره وجبت الشفعة لأنه تبين أن المبيع زال عن ملكه من حين وجود المبيع ولو كان الخيار للمشتري تجب الشفعة لأن خياره لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وحق الشفعة يقف عليه ولو كان الخيار لهما لم تجب الشفعة لأجل خيار البائع ولو شرط البائع الخيار للشفيع فلا شفعة له لأن شرط الخيار للشفيع شرط لنفسه وإنه يمنع وجوب الشفعة فإن أجاز الشفيع البيع جاز ولا شفعة لأن البيع تم من جهته فصار كأنه باع ابتداء وإن فسخ البيع فلا شفعة له لأن ملك البائع لم يزل والحيلة للشفيع في ذلك أن لا يفسخ ولا يجيز حتى يجيز البائع أو يجوز هو بمضي المدة فتكون له الشفعة وخيار العيب والرؤية لا يمنع وجوب الشفعة لأنه لا يمنع زوال ملك البائع ومنها زوال حق البائع فلا تجب الشفعة في المشتري شراء فاسدا لأن للبائع حق النقض والرد إلى ملكه ردا للفساد وفي إيجاب الشفعة تقرير الفساد حتى لو سقط حق الفسخ بأسباب مسقطة للفسخ كالزيادة وزوال ملك المشتري ونحو ذلك كان للشفيع أن يأخذ بالشفعة لأن المانع قيام الفسخ وقد زال كما لو باع بشرط الخيار له ثم أسقط الخيار وجبت الشفعة لزوال المانع من الوجوب وهو الخيار فكذا هذا ولو باعها المشتري شراء فاسدا بيعا صحيحا فجاء الشفيع فهو بالخيار إن شاء أخذها بالبيع الأول وإن شاء أخذها بالبيع الثاني لأن حق الشفيع ثابت عند كل واحد من البيعين لوجود سبب الثبوت عند كل واحد منهما وشرائطه فكان له الخيار غير أنه إن أخذ بالبيع الثاني أخذ بالثمن وإن أخذ بالبيع الأول أخذ بقيمة المبيع يوم القبض لأن الشفيع يتملك بما تملك به المشتري والمشتري الثاني تملك بالثمن لأن البيع الثاني صحيح والبيع الصحيح يفيد الملك بالمسمى وهو الثمن والمشتري الأول تملك المبيع بقيمته لأن البيع الفاسد يفيد الملك بقيمة المبيع لا بالثمن وإنما تعتبر قيمته يوم القبض لأن المبيع بيعا فاسدا مضمون بالقبض كالمغصوب وعلى هذا الأصل يخرج قول أبي حنيفة رضي الله عنه فيمن اشترى أرضا شراء فاسدا فبنى عليها إنه يثبت للشفيع حق الشفعة لأن حق البائع في القبض قد زال بالبناء وبطل فزال المانع من وجوب الشفعة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يثبت لأن حق البائع لم يبطل بالبناء فكان المانع قائما
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة رحمه الله في المريض إذا باع الدار من وارثه بمثل قيمتها وشفيعها أجنبي إنه لا شفعة له لأن بيع المريض مرض الموت عينا من أعيان ماله لوارثه فاسد عنده إلا إذا أجاز الورثة وإن كان بمثل القيمة ولا شفعة له في البيع الفاسد إلا إذا أجاز فتجب الشفعة ولو باعها من أجنبي بمثل قيمتها والوارث شفيعها لا شفعة للوارث عنده أيضا لأنه يصير كأنه باعها من الوارث ابتداء لتحول ملك الصفقة إليه أو لتقدير صفقة أخرى مع الوارث وذلك فاسد عنده وعندهما تجب الشفعة للوارث لأن العقد جائز هذا إذا باع بمثل القيمة فأما إذا باع وحابى بأن باعها بألفين وقيمتها ثلاثة آلاف فإن باعها من الوارث وشفيعها أجنبي فلا شك أنه لا شفعة عند أبي حنيفة عليه الرحمة لأن بيعها من الوارث بمثل القيمة فاسد عنده فبالمحاباة أولى ولا شفعة في البيع الفاسد وعندهما البيع جائز ولكن يدفع قدر المحاباة فتجب الشفعة ولو باع من أجنبي فكذلك لا شفعة للوارث عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الشفيع يأخذها بتلك الصفقة بالتحول إليه أو بصفقة مبتدأة مقدرة بينهما فكان بيعا من الوارث بالمحاباة وسواء أجازت الورثة أو لم يجيزوا لأن الإجازة محلها العقد الموقوف والشراء وقع نافذا من المشتري لأن المحاباة قدر الثلث وهي نافذة من الأجنبي فلغت الإجازة في حق المشتري فتلغو في حق الشفيع أيضا وأما عندهما فقد اختلفت الروايات فيه في رواية كتاب الشفعة من الأصل والجامع لا شفعة له وفي رواية كتاب الوصايا له الشفعة وهي من مسائل الجامع تعرف ثمة إن شاء الله تعالى ومنها ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التي يأخذها بالشفعة لأن سبب الاستحقاق جوار الملك والسبب إنما ينعقد سببا عند وجوب ( ( ( وجود ) ) ) الشرط والانعقاد أمر زائد على الوجود فإذا لم يوجد عند البيع كيف ينعقد سببا فلا شفعة له بدار يسكنها بالإجارة والإعارة ولا بدار باعها قبل الشراء ولا بدار جعلها مسجدا ولا بدار جعلها وقفا وقضى القاضي بجوازه أو لم يقض على قول من يجيز الوقف لأنه زال ملكه عنها لا إلى أحد ومنها ظهور ملكه للمشتري عند الإنكار بحجة مطلقة وهي البينة وهذا في الحقيقة شرط ظهور الحق لا شرط ثبوته وعلى هذا يخرج ما إذا أنكر المشتري كون الدار التي يشفع بها مملوكة للشفيع أنه ليس له أن يأخذ بالشفعة حتى يقيم البينة إنها داره وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف وروي عنه رواية أخرى أن هذا ليس بشرط والقول قول الشفيع ولا يحتاج إلى إقامة البينة وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله وجه هذه الرواية أن الملك كان ثابتا للشفيع في هذه الدار لوجود سبب الثبوت وما ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل ولأن اليد دليل الملك ألا ترى أن من رأى شيئا في يد إنسان حل له أن يشهد له بالملك دل أن اليد دليل الملك من حيث الظاهر فكان الملك ثابتا للشفيع ظاهرا وجه ظاهر الرواية أن سبب ثبوت الحكم لا يوجب بقاءه وإنما البقاء بحكم استصحاب الحال لا يصلح للإلزام على الغير كحياة المفقود وحرية الشهود ونحو ذلك والحاجة ههنا إلى إلزام المشتري فلا يظهر الملك في حق المشتري وقوله اليد دليل الملك قلنا إن سلم ذلك فالثابت باليد ملك يظهر في حق الدفع لا في حق الاستحقاق على الغير والحاجة ههنا إلى الاستحقاق على المشتري فلا يكفي الملك الثابت بظاهر اليد وذكر عن أبي يوسف فيمن ادعى على آخر دارا وأقام البينة على أن هذه الدار كانت في يد أبيه مات وهي في يده أنه يقضي له بالدار فإن جاء يطلب بها شفعة دار أخرى إلى جنبها لم يقض له بالشفعة حتى يقيم البينة على الملك لم يجعل القضاء باليد قضاء بالملك على الإطلاق حيث لم يوجب به الشفعة
وعلى هذا يخرج ما ذكر عن محمد أنه قال في حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة ولا يعلم أن الحائط بينهما إلا بالخشبة فبيعت إحدى الدارين أنه إن أقام الآخر بينة أن الحائط بينهما فهو أحق من الجار لأنه شريك وإن لم يقم بينة لم أجعله شريكا لأن ملك الحائط بينهما لم يثبت إلا بظاهر الاستعمال بالخشبة والملك الثابت بمثل هذا الظاهر لا يكفي لاستحقاق الشفعة قال ولو أقر البائع قبل البيع أن الحائط بينهما لم أجعل له بهذا شفعة بمنزلة دار في يد رجل أقر أنها لآخر فبيعت إلى جنبها دار فطلب المقر له الشفعة فلا شفعة له حتى يقيم البينة أن الدار داره لأن الملك في الموضعين جميعا ثبت بالإقرار وأنه حجة قاصرة فيظهر في حق المقر في المسألة الأولى وفي المسألة الثانية يظهر في حق المقر له خاصة ولا يتعدى إلى المشتري وذكر في المنتقى عن أبي يوسف في رجل في يده دار عرف القاضي أنها له فبيعت دار إلى جنب داره فقال الشفيع بعد بيع الدار التي فيها الشفعة داري هذه لفلان وقد بعتها منه منذ سنة وقال هذا في وقت يقدر على الأخذ بالشفعة أو طلبها لنفسه قال لا شفعة له في الدار حتى يقيم المقر له بينة على المشتري أما المقر فلا شك أنه لا شفعة له لأنه لا ملك له وقت البيع في الدار بإقراره بالبيع قبله وأما المقر له فلما ذكرنا أن الملك الثابت بالإقرار ليس بثابت بحجة مطلقة لكون الإقرار حجة قاصرة فلا يظهر في حق الاستحقاق على المشتري وذكر الخصاف في إسقاط الشفعة أن البائع إذا أقر بسهم من الدار للمشتري ثم باع منه بقية الدار أن الجار لا يستحق الشفعة لأن المشتري صار شريك البائع في ذلك السهم والشريك مقدم على الجار ومن أصحابنا من خطأ الخصاف في هذا وقال تجب الشفعة للجار لأن شركة المشتري لم تثبت إلا بالإقرار من البائع والإقرار حجة قاصرة فلا يظهر في حق الجار فكان على شفعته وكان يستدل بمسألة الحائط والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن لا تكون الدار المشفوعة ملكا للشفيع وقت البيع فإن كانت لم تجب الشفعة لاستحالة تملك الإنسان مال نفسه وعلى هذا يخرج ما إذا باع المأذون دار ( ( ( دارا ) ) ) والمولى شفيعها أنه إن لم يكن عليه دين فلا شفعة للمولى لأنها ملك المولى والعبد كالوكيل عنه بالبيع فلا تثبت له الشفعة وإن كان عليه دين فله الشفعة لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون فكان بمنزلة الأجنبي وكذا إذا باع المولى دارا والمأذون شفيعها وعليه دين فله الشفعة لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري وشراء كل واحد منهما من صاحبه جائز وإن لم يكن عليه دين فلا يتصور الأخذ بالشفعة لأن الأخذ يقع تملكا للمولى وتملك المولى محال ولو اشترى المأذون دارا والمولى شفيعها فإن كان عليه دين فلمولاه الشفعة لأن الملك بالشراء لم يقع للمولى وإن لم يكن عليه دين فلا يستحق الأخذ بالشفعة لأن الملك يقع له وكذا إذا اشترى المولى دارا والمأذون شفيعها فإن كان عليه دين فله الشفعة وإن لم يكن فلا يتصور الأخذ بالشفعة لما قلنا وأما المكاتب إذا باع أو اشترى دار ( ( ( دارا ) ) ) والمولى شفيعها فله أن يأخذ بالشفعة سواء كان عليه دين أو لم يكن لأنه فيما يبيع ويشتري مع المولى بمنزلة الأجنبي لأنه حر يدا ألا ترى أنه لا سبيل لمولاه على ما في يده فكان في حق ما في يده ملحقا بسائر الأجانب والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها عدم الرضا من الشفيع بالبيع وحكمه فإن رضي بالبيع أو بحكمه فلا شفعة له لأن حق الشفعة إنما يثبت له دفعا لضرر المشتري فإذا رضي بالشراء أو بحكمه فقد رضي بضرر جواره فلا يستحق الدفع بالشفعة ثم الرضا قد يكون صريحا وقد يكون دلالة
أما الصريح فلا يشكل وأما الدلالة فنحو أن يبيع الشفيع الدار المشفوع فيها بأن وكله صاحب الدار ببيعها فباعها فلا شفعة له لأن بيع الشفيع دلالة الرضا بالعقد وثبوت حكمه وهو الملك للمشتري وكذلك المضارب إذا باع دارا من مال المضاربة ورب المال شفيعها بدار له أخرى فلا شفعة لرب الدار سواء كان في الدار ربح أو لم يكن أما إذا لم يكن فيها ربح فلأن المضارب وكيله بالبيع والرضا بالتوكيل بالبيع رضا بالبيع وحكمه ضرورة وأنه يمنع وجوب الشفعة وإن كان فيها ربح أما في حصة رب المال فلما ذكرنا من وجود دلالة الرضا بالبيع في حصتها ( ( ( حصته ) ) ) وأما في حصة المضارب فلأنه متى امتنع الوجوب في حصة رب المال فلو ثبت في حصة المضارب لأدى إلى تفريق الصفقة على المشتري وأنه لا يجوز ولأن المشتري صار شريكا للمضارب والشريك مقدم على الجار ولو كان الشفيع وكيلا بشراء الدار المشفوع فيها فاشترى لموكله فللشفيع الشفعة لأن الشراء لغيره لا يكون فوق الشراء لنفسه والشراء لنفسه لا يمنع وجوب الشفعة حتى لو اشترى الدار المشفوع فيها ثم حضر شفيع آخر كان له أن يأخذ النصف بالشفعة فالشراء لغيره لأن لا يمنع الوجوب أولى ولو باع رب المال دارا لنفسه والمضارب شفيعها بدار من المضاربة فإن كان في يده من مال المضاربة وفاء بثمن الدار لم تجب الشفعة لأن الأخذ إذا ذاك يقع لرب المال وقد وجد منه دلالة الرضا بثبوت الملك للمشتري وأنه يمنع وجوب الشفعة ولو لم يكن في يده وفاء فإن لم يكن في الدار ربح فلا شفعة أيضا لأن الأخذ يقع لرب المال وإن كان فيها ربح فللمضارب أن يأخذها بالشفعة لنفسه لأن له نصيبا في ذلك ولم يوجد منه الرضا سقوط ( ( ( بسقوط ) ) ) حقه ولو اشترى أجنبي دارا إلى جنب دار المضاربة فإن كان في يد المضارب وفاء بالثمن فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة وله أن يسلم الشفعة لأن حق الأخذ له فيملك تسليمه وإن لم يكن في يده وفاء فإن كان في الدار ربح فالشفعة لرب المال والمضارب جميعا لأن الدار مشتركة بينهما وإن لم يكن فيها ربح فالشفعة لرب المال خاصة لأن الدار ملكه خاصة والشفعة من حقوق الملك وعلى هذا يخرج ما إذا باع الدار على أن يضمن له الشفيع الثمن من المشتري فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع أنه لا شفعة للشفيع لأن ضمان الثمن من المشتري دلالة الرضا بالشراء وحكمه لأن تمام العقد وإبرامه يتعلق به فكان دليل الرضا وكذا لو اشترى المشتري الدار على أن يضمن الشفيع الدرك عن البائع فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع أنه لا شفعة للشفيع لأنه لما ضمن الدرك فقد صار راضيا بالعقد وحكمه وهو الملك للمشتري فلم تجب الشفعة وأما إسلام الشفيع فليس بشرط لوجوب الشفعة فتجب لأهل الذمة فما ( ( ( فيما ) ) ) بينهم وللذمي على المسلم لأن هذا حق التملك على المشتري بمنزلة الشراء منه والكافر والمسلم في ذلك سواء لأنه من الأمور الدنيوية وروي عن شريح أنه قضى بالشفعة لذمي على مسلم فكتب إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فأجازه وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم فيكون ذلك إجماعا ولو اشترى ذمي من ذمي دارا بخمر أو خنزير وشفيعها ذمي أو مسلم وجبت الشفعة عند أصحابنا رحمهم الله
وقال الشافعي رحمه الله لا تجب بناء على أن ذلك ليس بمال عنده أصلا حتى لم يكن مضمونا بالإتلاف أصلا ومن شرط وجوب الشفعة معاوضة المال بالمال وعندنا هو مال متقوم في حق أهل الذمة بمنزلة الخل والشاة لنا ثم إذا وجبت الشفعة فإن كان الشفيع ذميا أخذ الدار بمثل الخمر وبقيمة الخنزير لأن الخمر عندهم من ذوات الأمثال كالخل والخنزير ليس من ذوات الأمثال بل من ذوات القيم كالشاة وإن كان مسلما أخذها بقيمة الخمر والخنزير لأن الأخذ تملك والمسلم ليس من أهل تملك الخمر والخنزير ومتى تعذر عليه التملك بالعين تملك بالقيمة كما لو كان الشراء بالعرض أنه يأخذها بقيمة العرض كذا هذا وكذا الحرية والذكورة والعقل والبلوغ والعدالة فتجب الشفعة للمأذون والمكاتب ومعتق البعض والنسوان وللصبيان ( ( ( والصبيان ) ) ) والمجانين وأهل البغي لأنه حق مبني على الملك وهؤلاء من أهل ثبوت الملك لهم إلا أن الخصم فيما يجب للصبي أو عليه وليه الذي يتصرف في ماله من الأب ووصيه والجد لأب ووصيه والقاضي ووصي القاضي فإذا بيعت دار والصبي شفيعها كان لوليه أن يطالب بالشفعة ويأخذ له لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري والولي يملك ذلك كما يملك الشراء فإن سلم الشفعة صح التسليم ولا شفعة للصبي إذا بلغ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يصح تسليمه والصبي على شفعته إذا بلغ وجه قوله إن هذا حق ثبت للصبي نظرا فإبطاله لا يكون نظرا في حقه ومثل هذا لا يدخل تحت ولاية الولي كالعفو عن قصاص وجب للصبي على إنسان والإبراء عن كفالته بنفس أو مال ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم ( ( ( رحمهما ) ) ) الله ما ذكرنا أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء فتسليمه امتناع من الشراء وللولي ولاية الامتناع من الشراء ألا ترى أن من قال بعت هذا الشيء لفلان الصبي لا يلزم الولي القبول وهذا لأن الولي يتصرف في مال الصبي على وجه المصلحة والمصلحة قد تكون في الشراء وقد تكون في تركه والولي أعلم بذلك فيفوض إليه وعلى هذا الخلاف إذا سكت الولي أو الوصي عن الطلب أنه يبطل حق الشفعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يبطل وذكر في نوادر أبي يوسف رحمه الله فيمن اشترى دارا وابنه الصغير شفيعها كان له أن يأخذ لابنه الصغير بالشفعة فإن لم يأخذ وسلم لنفسه جاز لأن الشراء لا ينافي الأخذ بالشفعة لأن كل واحد منهما تملك بعوض ولهذا لو كان وكيلا بالشراء لغيره كان له أن يأخذ بالشفعة لنفسه فلأن يملك الأخذ لابنه أولى وإذا ملك الأخذ ملك التسليم لأنه امتناع عن الأخذ ولو باع دارا لنفسه وابنه شفيعها لم يكن له أن يأخذ بالشفعة لأن الأخذ بالشفعة تملك والبيع تمليك فينافي التملك ولهذا لا يملك الوكيل بالبيع لغيره أن يأخذ بالشفعة وإذا لم يملك الأخذ لم يملك التسليم فلم يصح تسليمه وتوقف إلى حين بلوغ الصبي كما إذا لم يكن له ولي وأما الوصي إذا اشترى دارا لنفسه والصبي شفيعها لم يكن له أن يأخذ بالشفعة للصغير ولو سلم الشفعة فالصغير على شفعته وكذا إذا باع لأنه ملك الدار بالشراء لنفسه فبالأخذ بالشفعة للصغير يريد تمليك ما ملكه من الصغير والوصي لا يملك تمليك مال الصغير إلا إذا كان فيه نفع ظاهر له وإذا لم يملك الأخذ بالشفعة لم يكن سكوته عن الطلب تسليما للشفعة فبقي حق الصغير في الشفعة يأخذه إذا بلغ والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر فنقول وبالله تعالى التوفيق إنه يتأكد ويستقر بالطلب والكلام في الطلب في مواضع في بيان وقت الطلب وفي بيان شروطه وفي بيان كيفيته وفي بيان حكمه