Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وجه قول محمد أن بينة الشفيع أكثر إثباتا لأنها تثبت زيادة استحقاق وهو استحقاق البناء فكانت أولى بالقبول ولأن العمل بالبينتين ههنا ممكن بأن يجعل كأنه باعهما بصفقتين ثم باعهما بصفقة واحدة فكان للشفيع أن يأخذها بأيهما شاء وجه قول أبي يوسف أن بينة المشتري أكثر إثباتا لأنها تثبت زيادة صفقة فكانت أولى بالقبول فأبو يوسف نظر إلى زيادة الصفقة ومحمد نظر إلى زيادة الاستحقاق وقال أبو يوسف إذا ادعى المشتري أنه أحدث البناء في الدار وقال الشفيع لا بل اشتريتها والبناء فيها إن القول قول المشتري لأنه لم يوجد من المشتري الإقرار بشراء البناء والشفيع يدعي عليه استحقاق البناء وهو ينكر ولو اشترى دارين ولهما شفيع ملاصق فقال المشتري اشتريت واحدة بعد واحدة وأنا شريكك في الثانية وقال الشفيع لا بل اشتريتهما صفقة واحدة ولي الشفعة فيهما جميعا فالقول قول الشفيع لأن سبب الاستحقاق ثابت فيهما جميعا وهو الجوار على سبيل الملاصقة وقد أقر المشتري بشرط الاستحقاق وهو شراؤهما إلا أنه بدعوى تفريق يدعي البطلان بعد وجود السبب وشرطه من حيث الظاهر فلا يصدق إلا ببينة وأيهما أقام بينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فهو على الاختلاف الذي ذكرنا بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ولو قال المشتري وهب لي هذا البيت مع طريقه من هذه الدار ثم اشتريت بقيتها وقال الشفيع لا بل اشتريت الكل فللشفيع الشفعة فيما أقر أنه اشترى ولا شفعة له فيما ادعى من الهبة لأنه وجد سبب الاستحقاق وهو الجوار ووجد شرطه وهو الشراء بإقراره ( ( ( بإقرار ) ) ) فهو بدعوى الهبة يريد بطلان حق الشفيع فلا يصدق وللشفيع الشفعة فيما أقر بشرائه ولا شفعة له في الموهوب لأنه لم يوجد من المشتري الإقرار بشرط الاستحقاق على الموهوب وأيهما أقام البينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشتري عند أبي يوسف رحمه الله لأنها تثبت زيادة الهبة وينبغي أن تكون البينة بينة الشفيع عند محمد رحمه الله لأنها تثبت زيادة الاستحقاق وروي عن محمد فيمن اشترى دارا وطلب الشفيع الشفعة فقال المشتري اشتريت نصفا ثم نصفا فلك النصف الأول وقال الشفيع لا بل اشتريت الكل صفقة واحدة ولي الكل فالقول قول الشفيع لأن سبب ثبوت الحق في الكل كان موجودا وفقد ( ( ( وقد ) ) ) أقر بشرط الثبوت وهو الشراء ولكنه يدعي أمرا زائدا وهو تفريق الصفقة فلا يقبل ذلك منه إلا ببينة فإن قال المشتري اشتريت ربعا ثم ثلاثة أرباع فلك الربع فقال الشفيع لا بل اشتريت ثلاثة أرضاع ( ( ( أرباع ) ) ) ثم ربعا فالقول قول الشفيع لأن السبب كان موجودا وقد أقر المشتري بشراء ثلاثة أرباع إلا أنه يدعي أمرا زائدا وهو سبق الشراء في الربع فلا يثبت إلا ببينة فإن قال المشتري اشتريت صفقة واحدة وقال الشفيع اشتريت نصفا ثم نصفا فأنا آخذ النصف فالقول قول المشتري يأخذ الشفيع الكل أو يدع لأن الشفيع يريد تفريق الصفة وفيه ضرر الشركة فلا يقبل قوله إلا ببينة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذي يرجع إلى صفة البيع فهو أن يختلفا في البتات والخيار أو في الصحة والفساد بأن اشترى دارا بألف درهم وتقابضا فأراد الشفيع أخذها بالشفعة فقال البائع والمشتري البيع كان بخيار البائع ولم يمض فلا شفعة لك وأنكر الشفيع الخيار فالقول قول البائع والمشتري وعلى الشفيع البينة إن كان البيع باتا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله وروي عن أبي ويوسف ( ( ( يوسف ) ) ) رواية أخرى أن القول قول الشفيع وجه هذه الرواية أن الظاهر شاهد للشفيع لأن البتات أصل في البيع والخيار فيه عارض فكان القول قول من يتمسك بالأصل وجه ظاهر الرواية أن الشفيع يدعي ثبوت حق الشفعة وهما ينكران ذلك بقولهما كان فيه خيار لأن حق الشفعة لا يجب في بيع فيه خيار فكان القول قول المنكر
ولأن البيع يقوم بالعاقدين فكانا أعرف بصفقته من الشفيع والرجوع في كل باب إلى من هو أعرف به ولهذا لو تصادقا على أن الثمن كان دنانير والشفيع يدعي أنه كان دراهم كان القول قولهما كذا هذا ولو كان البائع غائبا والدار في يد المشتري فأراد الشفيع أن يأخذ منه فقال المشتري كان للبائع فيه خيار وكذبه الشفيع فالقول قول المشتري أيضا لما ذكرنا من المعنيين وإن اختلف العاقدان فيما بينهما فادعى البائع الخيار وقال المشتري لم يكن فيه خيار كان القول قول المشتري ويأخذ الشفيع الدار في الرواية المشهورة وروي عن أبي يوسف أن القول قول البائع وجه هذه الرواية أن البائع بدعوى الخيار منكر للبيع حقيقة لأن البيع بشرط الخيار غير منعقد في حق الحكم وخيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه والمشتري والشفيع يدعيان الزوال عن ملكه فكان القول قول البائع كما لو وقع الاختلاف بينهم في أصل العقد وجه ظاهر الرواية أن الخيار لا يثبت إلا باشتراطهما فالبائع بدعوى الخيار يدعي الاشتراط على المشتري وهو ينكر فكان القول قوله كما لو ادعى المشتري الشراء بثمن مؤجل وادعى البائع التعجيل فالقول قول البائع لما أن التأجيل لا يثبت إلا بشرط يوجد من البائع وهو منكر للشرط فكان القول قوله كذا هذا بخلاف ما لو أنكر البائع البيع والمشتري يدعيه أن القول قول البائع لأنه أنكر زوال ملكه ولم يدع على المشتري فعلا فكان القول قوله ولو أراد الشفيع أن يأخذ الدار المشتراة بالشفعة فقال البائع والمشتري كان البيع فاسدا فلا شفعة لك وقال الشفيع كان جائزا ولى الشفعة فهو على اختلافهم في شرط الخيار للبائع في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف القول قول العاقدين ولا شفعة للشفيع وفي رواية عن أبي يوسف القول قول الشفيع وله الشفعة فأبو يوسف يعتبر الاختلاف بينهم في الصحة والفساد باختلاف المتعاقدين فيما بينهما ولو اختلفا فيما بينهما في الصحة والفساد كان القول قول من يدعي الصحة كذا هذا والجامع أن الصحة أصل في العقد والفساد عارض وهما يعتبران اختلافهم في هذا باختلافهم في البتات والخيار للبائع والجامع أن الشفيع بدعوى البتات والصحة يدعي عليهما حق التمليك وهما بدعوى الخيار والفساد ينكران ذلك فكان القول قولهما وكذا هما أعرف بصفة العقد الواقع منهما لقيامه بهما فكان القول في ذلك قولهما والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان الحيلة في إسقاط الشفعة فقد ذكروا لإسقاط الشفعة حيلا بعضها يعم الشفعاء كلهم وبعضها يخص البعض دون البعض أما الذي يعم كل الشفعاء فنحو أن يشتري الدار بأكثر من قيمتها بأن كانت قيمتها ألفا فيشتريها بألفين وينقد من الثمن ألفا إلا عشرة ثم يبيع المشتري من البائع عرضا قيمته عشرة بألف درهم وعشرة فتحصل الدار للمشتري بألف لا يأخذها الشفيع إلا بألفين وهذه الحيلة ليست بمسقطة للشفعة شرعا لكنها مانعة من الأخذ بالشفعة عادة ألا ترى أن للشفيع أن يأخذها بألفين ويلتزم الضرر وأما الذي يخص بعض الشفعاء دون بعض فأنواع منها أن يبيع دارا إلا ذراعا منها في طول الحد الذي يلي دار الشفيع فالشفيع لا يستحق الشفعة إما في قدر الذراع فلانعدام الشرط وهو البيع وإما فيما وراء ذلك فلانعدام السبب وهو الجوار ومنها أن يهب البائع الحائط الذي بينه وبين الجار مع أصله للمشتري مقسوما ويسلمه إليه أو يهب له من الأرض قدر ذراع من الجانب الذي يلي دار الشفيع ويسلمه إليه ثم يبيع منه البقية بالثمن فلا شفعة للجار لا في الموهوب ولا في المبيع أما في الموهوب فلانعدام شرط وجوب الشفعة وهو البيع وأما في المبيع فلانعدام سبب الوجوب وهو الجوار ومنها أن يبيع الدار نصفين فيبيع الحائط بأصله أولا بثمن كثير ثم يبيع بقية الدار بثمن قليل فلا شفعة للشفيع شرعا فيما وراء الحائط لانعدام السبب وهو الجوار ولا يأخذ الحائط عادة لكثرة الثمن
ومنها أن يبيع الدار والأرض في صفقتين فيبيع من الدار بناها ومن الأرض أشجارها أولا بثمن قليل ثم يبيع الأرض بثمن كثير فلا شفعة للشفيع في البناء والشجر شرعا لانفرادهما بالصفقة ولا يأخذ الأرض بذلك الثمن عادة ليضمن تكثير الثمن ومنها أن يبيع الدار نصفين فيبيع عشرا منها بثمن كثير ثم يبيع البقية بثمن قليل فلا يأخذ الشفيع العشر بثمنه عادة لما فيه من الضرر ولا شفعة له في تسعة أعشارها شرعا لأنه حين اشترى البقية كان شريك البائع بالعشر والشريك في البقعة مقدم على الجار والخليط وهذا النوع من الحيلة لا يصلح للشريك لأن الشفيع إذا كان شريكا له أن يأخذ نصف البقعة بقليل الثمن أيضا ولو كانت الدار لصغير فلا تباع بقية الدار بقليل الثمن لأنه لا يجوز إذ هو بيع مال الصغير بأقل من قيمته مقدار ما يتغابن الناس في مثله عادة والولي لا يملك ذلك فالسبيل فيه أن تباع بقية الدار بثمن مثله ومنها ما ذكره الخصاف رحمه الله أن يقر البائع بسهم من الدار للمشتري ثم يبيع بقية الدار منه فلا يستحق الشفيع الشفعة أما في القدر المقر به فلانعدام شرط الاستحقاق وهو البيع وأما فيما وراء ذلك فلأن المشتري صار شريك البائع في ذلك السهم والشريك في البقعة مقدم على الجار والخليط ومن مشايخنا من كان يفتي بوجوب الشفعة في هذه الصورة ويخطىء ( ( ( ويخطئ ) ) ) الخصاف لأن الشركة في السهم المقر به لم تثبت إلا بإقراره ( ( ( بإقرار ) ) ) فلا يظهر في حق الشفيع على ما بينا فيما تقدم والله عز وجل أعلم فصل وأما الكلام في كراهة الحيلة للإسقاط وعدمها فالحيلة أما إن كانت بعد وجوب الشفعة وأما إن كانت قبل الوجوب فإن كانت بعد الوجوب قيل إنها مكروهة بلا خلاف وذلك بأن يقول المشتري للشفيع صالحتك على كذا كذا درهما على أن تسلم لي شفعتك فيقبل فتبطل شفعته ولا يستحق بدل الصلح أو يقول له اشتر الدار مني بكذا فيقول اشتريت فتبطل شفعته ونحو ذلك وإن كانت قبل الوجوب فقد اختلف فيه قال أبو يوسف رحمه الله لا تكره وقال محمد رحمه الله تكره وجه قول محمد إن شرع الحيلة يؤدي إلى سد باب الشفعة وفيه إبطال هذا الحق أصلا ورأسا وجه قول أبي يوسف أن الحيلة قبل الوجوب منع من الوجوب بمباشرة سبب الامتناع شرعا وهذا جائز كالشراء والهبة وسائر التمليكات فإن المشتري يمنع حدوث الملك للبائع في المبيع بمباشرة سبب الامتناع شرعا وهو الشراء وكذا الهبة والصدقة وسائر التمليكات وقد خرج الجواب عن قول محمد رحمه الله أن هذا إبطال لحق الشفعة لأن إبطال الشيء بعد ثبوته ضرر والحق ههنا لم يثبت بعد ذلك فلا تكون الحيلة إبطالا له بل هو منع من الثبوت بمباشرة سبب الامتناع شرعا وأنه جائز فما ذكره أبو يوسف رحمه الله هو الحكم المر ( ( ( المروي ) ) ) وما ذكره محمد رحمه الله احتياطا والأصل في شرع الحيلة قوله سبحانه وتعالى في قصة سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الذبائح والصيود نحتاج في هذا الكتاب إلى بيان المأكول وغير المأكول من الحيوانات وإلى بيان المكروه منها وإلى بيان شرائط حل الأكل في المأكول وإلى بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول أما الأول فالحيوان في الأصل نوعان نوع يعيش في البحر ونوع يعيش في البر أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة فإنه يحل أكله إلا ما طفا منه وهذا قول أصحابنا رضي الله تعالى عنهم وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى رحمهم الله أنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك لكن بالذكاة وهو قول الليث بن سعد رحمه الله إلا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل
وقال الشافعي رحمه الله يحل جميع ذلك من غير ذكاة وأخذه ذكاته ويحل أكل السمك الطافي أما الكلام في المسألة الأولى فهم احتجوا بظاهر قوله تبارك وتعالى أحل لكم صيد البحر واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر فيقتضي أن يكون الكل حلالا وبقول النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن البحر فقال هو الطهور ماؤه والحل ميتته وصف ميتة البحر بالحل من غير فصل بين السمك وغيره ولنا قوله تبارك وتعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير من غير فصل بين البري والبحري وقوله عز شأنه ويحرم عليهم الخبائث والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث وروي عن رسول الله سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء فنهى عليه الصلاة والسلام عن قتل الضفادع وذلك نهى عن أكله وروى أنه لما سئل عنه فقال عليه الصلاة والسلام خبيثة من الخبائث ولا حجة لهم في الآية لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد وهو الاصطياد لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد لأنه مفعول فعل الصيد وإطلاق اسم الفعل يكون مجازا ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل ولأن الصيد اسم لما يتوحش ويمتنع ولا يمكن أخذه إلا بحيلة إما لطيرانه أو لعدوه وهذا إنما يكون حالة الاصطياد لا بعد الأخذ لأنه صار لحما بعده ولم يبق صيدا حقيقة لانعدام معنى الصيد وهو التوحش والامتناع والدليل عليه أنه عطف عليه قوله عز شأنه وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما والمراد منه الاصطياد من المحرم لا أكل الصيد لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم يصطده بنفسه ولا غيره بأمره فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم والمراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام والحل ميتته السمك خاصة بدليل قوله أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان السمك والجراد والدمان الكبد والطحال فسر عليه الصلاة والسلام بالسمك والجراد فدل أن المراد منها السمك ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من الآية وروينا من الخبر وأما المسألة الثانية وهي مسألة الطافي فالشافعي رحمه الله احتج بقوله تعالى وطعامه متاعا لكم معطوفا على قوله أحل لكم صيد البحر أي أحل لكم طعامه وهذا يتناول ما صيد منه وما لم يصد والطافي لم يصد فيتناوله بقوله عليه الصلاة والسلام في صفة البحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته وأحق ما يتناوله اسم الميتة الطافي لأنه الميت حقيقة وبقوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان السمك والجراد فسر النبي عليه الصلاة والسلام الميتة بالسمك من غير فصل بين الطافي وغيره ولنا ما روى عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله أنه نهى عن أكل الطافي وعن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال لا تبيعوا في أسواقنا الطافي وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما دسره البحر فكله وما وجدته يطفو على الماء فلا تأكله وأما الآية فلا حجة له فيها لأن المراد من قوله تعالى وطعامه ما قذفه البحر إلى الشط فمات كذا قال أهل التأويل وذلك حلالا ( ( ( حلال ) ) ) عندنا لأنه ليس بطاف إنما الطافي اسم لما مات في الماء من غير آفة وسبب حادث وهذا مات بسبب حادث وهو قذف البحر فلا يكون طافيا والمراد من الحديثين غير الطافي لما ذكرنا ثم السمك الطافي الذي لا يحل أكله عندنا هو الذي يموت في الماء حتف أنفه بغير سبب حادث منه سواء علا على وجه الماء أو لم يعل بعد أن مات في الماء حتف أنفه من غير سبب حادث وقال بعض مشايخنا هو الذي يموت في الماء بسبب حادث ويعلو على وجه الماء فإن لم يعلو ( ( ( يعل ) ) ) يحل والصحيح هو الحد الأول وتسميته طافيا لعلوه على وجه الماء عادة
وروى هشام عن محمد رحمهما الله في السمك إذا كان بعضها في الماء وبعضها على الأرض إن كان رأسها على الأرض أكلت وإن كان رأسها أو أكثره في الماء لم تؤكل لأن رأسها موضع نفسها فإذا كان خارجا من الماء فالظاهر أنه مات بسبب حادث وإذا كان في الماء أو أكثره فالظاهر أنه مات في الماء بغير سبب وقالوا في سمكة ابتلعت سمكة أخرى أنها تؤكل لأنها ماتت بسبب حادث ولو مات من الحر والبرد وكدر الماء ففيه روايتان في رواية لا يؤكل لأن الحر والبرد وكدر الماء ليس من أسباب الموت ظاهرا فلم يوجد الموت بسبب حادث يوجب الموت ظاهرا وغالبا فلا يؤكل وفي رواية يؤكل لأن هذه أسباب الموت في الجملة فقد وجد الموت بسبب حادث فلم يكن طافيا فيؤكل ويستوي في حل الأكل جميع أنواع السمك من الجريث والمار ( ( ( والمارماهي ) ) ) ما هي وغيرهما لأن ما ذكرنا من الدلائل في إباحة السمك لا يفصل بين سمك وسمك إلا ما خص بدليل وقد روي عن سيدنا علي وابن عباس رضي الله عنهما إباحة الجريث والسمك الذكر ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك فيكون إجماعا وأما الذي يعيش في البر فأنواع ثلاثة ما ليس له دم أصلا وما ليس له دم سائل وما له دم سائل مثل الجراد والزنبور والذباب والعنكبوت والعضابة والخنفساء والبغاثة والعقرب ونحوها لا يحل أكله إلا الجراد خاصة لأنها من الخبائث لاستبعاد الطباع السليمة إياها وقد قال الله تبارك وتعالى ويحرم عليهم الخبائث إلا أن الجراد خص من هذه الجملة بقوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان فبقي على ظاهر العموم وكذلك ما ليس له دم سائل مثل الحية والوزغ وسام أبرص وجميع الحشرات وهوام الأرض من الفأر والقراد والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس ونحوها ولا خلاف في حرمة هذه الأشياء إلا في الضب فإنه حلال عند الشافعي واحتج بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ? < أكلت على مائدة رسول الله لحم ضب > ? وعن ابن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي أنه قال إنه لم يكن بأرض قومي فأجد نفسي تعافه فلا أكله ولا أحرمه وهذا نص على عدم الحرمة الشرعية وإشارة إلى الكراهة الطبيعية ولنا قوله تبارك وتعالى ويحرم عليهم الخبائث وروي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام أهدى إليه لحم ضب فامتنع أن يأكله فجاءت سائلة فأرادت سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن تطعمها إياه فقال لها رسول الله أتطعمين ما لا تأكلين ولا يحتمل أن يكون امتناعه لما أن نفسه الشريفة عافته لأنه لو كان كذلك لما منع من التصدق به كشاة الأنصار أنه لما امتنع من أكلها أمر بالتصدق بها ولأن الضب من جملة المسوخ والمسوخ محرمة كالدب والقرد والفيل فيما قيل والدليل عليه ما روى أن رسول الله سئل عن الضب فقال عليه الصلاة والسلام إن أمة مسخت في الأرض وإني أخاف أن يكون هذا منها وهكذا روى عن بعض أصحاب رسول الله أنه قال كنا في بعض المغازي فأصابتنا مجاعة فنزلنا في أرض كثيرة الضباب فنصبنا القدور وكانت القدور تغلي إذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال ما هذا قلنا الضب يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام إن أمة مسخت فأخاف أن يكون هذا منها فأمر بإلقاء القدور وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وما روينا فهو خاطر والعمل بالخاطر أولى وما له دم سائل نوعان مستأنس ومستوحش أما المستأنس من البهائم فنحو الإبل والبقر والغنم بالإجماع وبقوله تبارك وتعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون وقوله سبحانه وتعالى الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون واسم الأنعام يقع على هذه الحيوانات بلا خلاف بين أهل اللغة ولا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى
وحكي عن بشر المريسي رحمه الله أنه قال لا بأس بأكل الحمار واحتج بظاهر قوله عز وجل قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ولم يذكر الحمير الإنسية وروي أن رجلا جاء إلى النبي وقال إنه فنى مالي ولم يبق لي إلا الحمر الأهلية فقال عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك فإني إنما كنت نهيتكم عن جلال القرية وروي عن جوال القرى بتشديد اللام وروي فإنما قذرت لكم جالة القرية ولنا قوله تبارك وتعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وسنذكر وجه الاستدلال بالآية إن شاء الله تعالى وروى أبو حنيفة عن نافع عن ابن سيدنا عمر رضي الله عنهما أنه قال نهى رسول الله في غزوة خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء وروي أن سيدنا عليا رضي الله عنه قال لابن عباس رضي الله عنهما وهو يفتي الناس في المتعة أن رسول الله نهى عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فرجع ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك وروي أنه قيل للنبي عليه الصلاة والسلام يوم خيبر أكلت الحمر فأمر أبا طلحة رضي الله عنه ينادي أن رسول الله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجز وروي فإنها رجس وهذه أخبار مستفيضة عرفها الخاص والعام وقبلوها وعملوا بها وظهر العمل بها وأما الآية فقد اختص منها أشياء غير مذكورة فيها فيختص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدلائل مع ما أن ما روينا من الأخبار مشهورة ويجوز نسخ الكتاب بالخبر المشهور ( ( ( المشهود ) ) ) وعلى أن في الآية الشريفة أنه لا يحل سوى المذكور فيها وقت نزولها لأن الأصل في الفعل هو الحال فيحتمل أنه لم يكن وقت نزول الآية تحريم سوى المذكور فيها ثم حرم ما حرم بعد على أنا نقول بموجب الآية لا محرم سوى المذكور فيها ونحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الأهلية إذ المحرم المطلق ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به فأما ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى محرما على الإطلاق بل نسميه مكروها فنقول بوجوب الامتناع عن أكلها عملا مع التوقف في اعتقاد الحل والحرمة وأما الحديث فيحتمل أن يكون المراد من قوله عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك أي من أثمانها كما يقال فلان أكل عقاره أي ثمن عقاره ويحتمل أن يكون ذلك إطلاقا للانتفاع بظهورها بالإكراء كما يحمل على شيء مما ذكرنا عملا بالدلائل كلها ويحتمل أنه كان قبل التحريم فانفسخ بما ذكرنا وإن جهل التاريخ فالعمل بالخاطر أولى احتياطا فإن قيل ما رويتم يحتمل أيضا أنه عله الصلاة والسلام نهى عن أكل الحمر يوم خيبر لأنها كانت غنيمة من الخمس أو لقلة الظهر أو لأنها كانت جلالة فوقع التعارض والجواب أن شيئا من ذلك لا يصلح محملا أما الأول فلأن ما يحتاج إليه الجند لا يخرج منه الخمس كالطعام والعلف وأما الثاني فلأن المروي أن رسول الله أمر بإكفاء القدور يوم خيبر ومعلوم أن ذلك مما لا ينتفع به في الظهر وأما الثالث فلأنه عليه الصلاة والسلام خص النهي بالحمر الأهلية وهذا المعنى لا يختص بالحمر بل يوجد في غيرها وأما لحم الخيل فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه يكره وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكره وبه أخذ الشافعي رحمه الله واحتجا بما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال نهى رسول الله عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل وروي أنه قال أطعمنا رسول الله لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر وروي عنه أنه قال كنا قد جعلنا في قدورنا لحم الخيل ولحم الحمار فنهان ( ( ( فنهانا ) ) ) النبي عليه الصلاة والسلام أن نأكل لحم الحمار وأمرنا أن نأكل لحم الخيل
وعن سيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها قالت نحرنا فرسا على رسول الله فأكلناه ولأبي حنيفة رضي الله عنه الكتاب والسنة ودلالة الإجماع أما الكتاب العزيز فقوله جل شأنه والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ووجه الاستدلال به ما حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما فإنه روي أنه سئل عن لحم الخيل فقرأ بهذه الآية الشريفة وقال ولم يقل تبارك وتعالى لتأكلوها فيكره أكلها وتمام هذا الاستدلال أن الله تبارك وتعالى ذكر الأنعام فيما تقدم ومنافعها وبالغ في ذلك بقوله تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون وكذا ذكر فيما بعد هذه الآية الشريفة متصلا بها منافع الماء المنزل من السماء والمنافع المتعلقة بالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والمنافع المتعلقة بالبحر على سبيل المبالغة بيان شفاء لا بيان كفاية وذكر في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ذكر منفعة الركوب والزينة ولم يذكر سبحانه وتعالى منفعة الأكل فدل أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكرناه ولو كان هناك منفعة أخرى سوى ما ذكرنا لم يحتمل أن لا نذكرها عند ذكر المنافع المتعلقة بها على سبيل المبالغة والاستقصاء وقوله عز وجل ويحل ( ( ( يحل ) ) ) لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ولحم الخيل ليس بطيب بل هو خبيث لأن الطباع السليمة لا تستطيبه بل تستخبثه حتى لا تجد أحدا ترك بطبعه إلا ويستخبثه وينقي طبعه عن أكله وإنما يرغبون في ركوبه إلا يرغب طبعه فيما كان مجبولا عليه وبه تبين أن الشرع إنما جاء بإحلال ما هو مستطاب في الطبع لا بما هو مستخبث ولهذا لم يجعل المستخبث في الطبع غذاء اليسر وإنما جعل ما هو مستطاب بلغ في الطيب غايته وأما السنة فما روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة فأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها فحرم رسول الله لحوم الحمر الأنسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وحرم الخلسة والنهبة وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال نهى رسول الله عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وعن المقدام بن معدي كرب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال حرم عليكم الحمار الأهلي وخيلها وهذا نص على التحريم وعن رسول الله أنه قال الخيل لثلاثة فهي لرجل ستر ولرجل أجر ولرجل وزر ولو صلحت للأكل لقال عليه الصلاة والسلام الخيل لأربعة لرجل ستر ولرجل أجر ولرجل وزر ولرجل طعام وأما دلالة الإجماع فهي أن البغل حرام بالإجماع وهو ولد الفرس فلو كانت أمه حلالا لكان هو حلالا أيضا لأن حكم الولد حكم أمه لأنه منها وهو كبعضها ألا ترى أن حمار وحش لو نزى على حمارة أهلية فولدت لم يؤكل ولدها ولو نزا حمار أهلي على حمارة وحشية وولدت يؤكل ولدها ليعلم أن حكم الولد حكم أمه في الحل والحرمة دون الفحل فلما كان لحم الفرس حراما كان لحم البغل كذلك وما روي في بعض الروايات عن جابر وما في رواية سيدتنا أسماء رضي الله عنها يحتمل أنه كان ذلك في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن أكل لحوم الحمر يوم خيبر وكانت الخيل تؤكل في ذلك الوقت ثم حرمت يدل عليه ما روي عن الزهري أنه قال ما علمنا الخيل أكلت إلا في حصار وعن الحسن رضي الله عنه أنه قال كان أصحاب رسول الله يأكلون لحوم الخيل في مغازيم ( ( ( مغازيهم ) ) ) فهذا يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة كما قال الزهري رحمه الله أو يحمل على هذا عملا بالدليل صيانة لها عن التناقض أو يترجح الحاظر على المبيح احتياطا وهذا الذي ذكرنا حجج أبي حنيفة رضي الله عنه على رواية الحسن أنه يحرم أكل لحم الخيل
وأما على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يكره أكله ولم يطلق التحريم لاختلاف الأحاديث المروية في الباب واختلاف السلف فكره أكل لحمه احتياطا لباب الحرمة وأما المتوحش منها نحو الظباء وبقر الوحش وحمر الوحش وإبل الوحش فحلال بإجماع المسلمين ولقوله تبارك وتعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وقوله عز شأنه ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وقوله سبحانه كلوا من طيبات ما رزقناكم ولحوم هذه الأشياء من الطيبات فكان حلالا وروي أنه لما سئل رسول الله يوم خيبر عن لحوم الحمر فقال الأهلية فقيل نعم فدل قول رسول الله على اختلاف حكم الأهلية والوحشية وقد ثبت أن الحكم في الأهلية الحرمة لما ذكرنا من الدلائل فكان حكم الوحشية الحل ضرورة وروي أن رجلا من فهر جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالروحاء ومع الرجل حمار وحشي عقره فقال هذه رميتي يا رسول الله وهي لك فقبله النبي عليه الصلاة والسلام وأمر سيدنا أبو ( ( ( أبا ) ) ) بكر رضي الله عنه فقسمه بين الرفاق والحديث وإن ورد في حمار الوحش لكن إحلال الحمار الوحشي إحلال للظبي والبقر الوحشي والإبل الوحشي من طريق الأولى لأن الحمار الوحشي ليس من جنسه من الأهلي ما هو حلال بل هو حرام وهذه الأشياء من جنسها من الأهلي ما هو حلال فكانت أولى بالحل وأما المستأنس من السباع وهو الكلب والسنور الأهلي فلا يحل وكذلك المتوحش منها المسمى بسباع الوحش والطير وهو كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لما روي في الخبر المشهور عن رسول الله أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وعن الزهري رضي الله عنه قال قال رسول الله كل ذي ناب من السباع حرام فذو الناب من سباع الوحش مثل الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد والثعلب والسنور البري والسنجاب والفنك والسمور والدلق والدب والقرد والفيل ونحوها فلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمة إلا الضبع فإنه حلال عند الإمام الشافعي رحمه الله واحتج بما روي عن عطاء عن جابر رضي الله عنهما أنه قال في الضبع كبش فقلت له أهو صيد فقال نعم فقلت يؤكل فقال نعم فقلت أسمعته من رسول الله فقال نعم ولنا أن الضبع سبع ذو ناب فيدخل تحت الحديث المشهور وما روي ليس بمشهور فالعمل بالمشهور أولى على أن ما روينا محرم وما رواه محلل والمحرم يقضي على المبيح احتياطا ولا بأس بأكل الأرنب لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال كنا عند رسول الله فأهدى له أعرابي أرنبة مشوية فقال لأصحابه كلوا وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد أنه قال أصبت أرنبين ( ( ( أرنبتين ) ) ) فذبحتهما بمروة وسألت عن ذلك رسول الله فأمرني بأكلهما وذو المخلب من الطير كالبازي والباشق والصقر والشاهين والحدأة والنعاب والنسر والعقاب وما أشبه ذلك فيدخل تحت نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي مخلب من الطير وروي أنه نهى عن كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة وعن كل ناب من الطير والمجثمة روى بكسر الثاء وفتحها من الجثوم وهو تلبد الطائر الذي من عادته الجثوم على غيره ليقتله وهو السباع من الطير فيكون نهيا على أكل كل ذير ( ( ( طير ) ) ) هذا عادته وبالفتح هو الصيد الذي يجثم عليه طائر فيقتله فيكون نهيا عن أكل كل طير قتله طير آخر بجثومه عليه وقيل بالفتح هو الذي يرمي حتى يجثم فيموت وما لا مخلب له من الطير فالمستأنس منه كالدجاج والبط والمتوحش كالحمام والفاختة والعصافير والقبج والكركي والغراب الذي يأكل الحب والزرع والعقعق ونحوها حلال بالإجماع فصل وأما بيان ما يكره من الحيوانات
فيكره أكل لحوم الإبل الجلالة وهي التي الأغلب من أكلها النجاسة لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الإبل الجلالة ولأنه إذا كان الغالب من أكلها النجاسات يتغير لحمها وينتن فيكره أكله كالطعام المنتن وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها لأن لحمها إذا تغير يتغير لبنها وما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن أن يحج عليها وأن يعتمر عليها وأن يغزي وأن ينتفع بها فيما سوى ذلك فذلك محمول على أنها انتنت في نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره القدوري رحمه الله في شرحه مختصر الكرخي وذكر القاضي في شرخه ( ( ( شرحه ) ) ) مختصر الطحاوي أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره إلا أن تحبس أياما وتعلف فحينئذ تحل وما ذكر القدوري رحمه الله أجود لأن النهي ليس لمعنى يرجع إلى ذاتها بل لعارض جاورها فكان الانتفاع بها حلالا في ذاته إلا أنه يمنع عنه لغيره ثم ليس لحبسها تقدير في ظاهر الرواية هكذا روي عن محمد رحمه الله أنه قال كان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يوقت في حبسها وقال تحبس حتى تطيب وهو قولهما أيضا وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة عليه الرحمة أنها تحبس ثلاثة أيام وروي ابن رستم رحمه الله عن محمد في الناقة الجلالة والشاة والبقر الجلال أنها إنما تكون جلالة إذا تفتت ( ( ( تفتتت ) ) ) وتغيرت ووجد منها ريح منتنة فهي الجلالة حينئذ لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها وبيعها وهبتها جائز هذا إذا كانت لا تخلط ولا تأكل إلا العذرة غالبا فإن خلطت فليست جلالة فلا تكره لأنها لا تنتن ولا يكره أكل الدجاج المحلى وإن كان يتناول النجاسة لأنه لا يغلب عليه أكل النجاسة بل يخلطها بغيرها وهو الحب فيأكل ذا وذا وقيل إنما لا يكره لأنه لا ينتن كما ينتن الإبل والحكم متعلق بالنتن ولهذا قال أصحابنا في جدي ارتضع بلبن خنزير حتى كبر أنه لا يكره أكله لأن لحمه لا يتغير ولا ينتن فهذا يدل على أن الكراهة في الجلالة لمكان التغير والنتن لا لتناول النجاسة ولهذا إذا خلطت لا يكره وإن وجد تناول النجاسة لأنها لا تنتن فدل أن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة والأفضل أن تحبس الدجاج حتى يذهب ما في بطنها من النجاسة لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله وذلك على طريق التنزه وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عليهما الرحمة أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب إلى ذلك للخبر ولما ذكرنا أن ما في جوفها من النجاسة يزول في هذه المدة ظاهرا وغالبا ويكره الغراب الأسود الكبير لما روى عن عروة عن أبيه أنه سئل عن أكل الغراب فقال من يأكل بعد ما سماه الله تبارك وتعالى فاسقا عنى بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم ولأن غالب أكلها الجيف فيكره أكلها كالجلالة ولا بأس بغراب الزرع لأنه يأكل الحب والزرع ولا يأكل الجيف هكذا روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال سألت أبا حنيفة عليه الرحمة عن أكل الغراب فرخص في غراب الزرع وكره الغداف فسألته عن الأبقع فكره ذلك وإن كان غرابا يخلط فيأكل الجيف ويأكل الحب لا يكره في قول أبي حنيفة عليه الرحمة قال وإنما يكره من الطير ما لا يأكل إلا الجيف ولا بأس بالعقعق لأنه ليس بذي مخلب ولا من الطير الذي لا يأكل إلا الحب كذا روي أبو يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة رحمه الله في أكل العقعق فقال لا بأس به فقلت إنه يأكل الجيف فقال إنه يخلط فحصل من قول أبي حنيفة أن ما يخلط من الطيور لا يكره أكله كالدجاج وقال أبو يوسف رحمه الله يكره لأن غالب أكله الجيف
فصل وأما بيان شرط حل الأكل في الحيوان المأكول فشرط حل الأكل في الحيوان المأكول البري هو الذكاة فلا يحل أكله بدونها لقوله تبارك وتعالى حرمت عليكم الميتة والدم إلى قوله عز شأنه وما أكل السبع إلا ما ذكيتم استثنى سبحانه وتعالى الذكي من المحرم والاستثناء من التحريم إباحة ثم الكلام في الذكاة في الأصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن الذكاة وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يستحب من الذكاة وما يكره منها فالذكاة نوعان نوعان اختياري ( ( ( اختيارية ) ) ) وضرورية أما الاختيارية فركنها الذبح فيما يذبح من الشاة والبقرة ونحوهما والنحر فيما ينحر وهو الإبل عند القدرة على الذبح والنحر لا يحل بدون الذبح والنحر لأن الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح وأنه لا يزول إلا بالذبح والنحر ولأن الشرع إنما ورد بأحلال الطيبات قال الله تبارك وتعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وقال سبحانه وتعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ولا يطيب إلا بخروج الدم المسفوح وذلك بالذبح والنحر ولهذا حرمت الميتة لأن المحرم وهو الدم المسفوح فيها قائم ولذا لا يطيب مع قيامه ولهذا يفسد في أدنى مدة ما يفسد في مثلها المذبوح وكذا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لما قلنا والذبح هو فرى الأوداج ومحله ما بين اللبة واللحيين لقول النبي عليه الصلاة والسلام الذكاة ما بين اللبة واللحية أي محل الذكاة ما بين اللبة واللحيين وروى الذكاة في الحلق واللبة والنحر فرى الأوداج ومحله آخر الحلق ولو نحر ما يذبح وذبح ما ينحر يحل لوجود فرى الأوداج ولكنه يكره لأن السنة في الإبل النحر وفي غيرها الذبح ألا ترى أن الله تعالى ذكر في الإبل النحر وفي البقر والغنم الذبح فقال سبحانه وتعالى فصل لربك وانحر قيل في التأويل أي انحر الجزور وقال الله عز شأنه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وقال تعالى وفديناه بذبح عظيم والذبح بمعنى المذبوح كالطحن بمعنى المطحون وهو الكبش الذي فدى به سيدنا إسماعيل أو سيدنا إسحاق صلوات الله عليهما على اختلاف أصل القصة في ذلك وكذا النبي عليه الصلاة والسلام نحر الإبل وذبح البقر والغنم فدل أن ذلك هو السنة وذكر محمد رحمه الله في الأصل وقال بلغنا أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ورضي عنهم كانوا ينحرون الإبل قياما معقولة اليد اليسرى فدل ذلك على أن النحر في الإبل هو السنة لأن الأصل في الذكاة إنما هو الأسهل على الحيوان وما فيه نوع راحة له فهو أفضل لما روي عن النبي قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته والأسهل في الإبل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف فإن قيل أليس روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال نحرنا مع رسول الله البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة أي ونحرنا البقرة عن سبعة لأنه معطوف على الأول فكان خبر الأول خبرا للثاني كقولنا جاءني زيد وعمرو فالجواب أن الذبح مضمر فيه ومعناه وذبحنا البقرة على عادة العرب في الشيء إذا عطف على غيره وخبر المعطوف عليه لا يحتمل الوجود في المعطوف أو لا يوجد عادة أن يضمر المتعارف المعتاد كما قال الشاعر ولقيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا أي متقلدا سيفا ومعتقلا رمحا وقال آخر علفتها تبنا وماءا ( ( ( وماء ) ) ) باردا أي علفتها تبنا وسقيتها ماءا ( ( ( ماء ) ) ) باردا لأن الرمح لا يحتمل التقلد أو لا يتقلد عادة والماء لا يعلف بل يسقى كذا ههنا الذبح في البقر هو المعتاد فيضمر فيه فصار كأنه قال نحرنا البدنة وذبحنا البقرة وهذا الذي ذكرنا قول عامة العلماء رضي الله تعالى عنهم
وقال مالك رحمه الله إذا ذبح البدنة لا تحل لأن الله تبارك وتعالى أمر في البدنة بالنحر بقوله عز شأنه فصل لربك وانحر فإذا ذبح فقد ترك المأمور به فلا يحل ولنا ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ما أنهر الدم وفرى الأوداج فكل وبه تبين أن الأمر بالنحر في البدنة ليس لعينه بل لإنهار الدم وإفراء الأوداج وقد وجد ذلك ولا بأس في الحلق كله أسفله أو أوسطه أو أعلاه لقوله عليه الصلاة والسلام الذكاة ما بين اللبة واللحيين وقوله عليه الصلاة والسلام الذكاة في الحلق واللبة من غير فصل ولأن المقصود إخرام ( ( ( إخراج ) ) ) الدم المسفوح وتطييب اللحم وذلك يحصل بقطع الأوداج في الحلق كله ثم الأوداج أربعة الحلقوم والمريء والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء فإذا فرى ذلك كله فقد أتى بالذكاة بكمالها وسننها وإن فرى البعض دون البعض فعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا قطع أكثر الأوداج وهو ثلاثة منها أي ثلاثة كانت وترك واحدا يحل وقال أبو يوسف رحمه الله لا يحل حتى يقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين وقال محمد رحمه الله لا يحل حتى يقطع من كل واحد من الأربعة أكثره وقال الشافعي رحمه الله إذا قطع الحلقوم والمريء حل إذا استوعب قطعهما وجه قول الشافعي رضي الله عنه أن الذبح إزالة الحياة والحياة لا تبقى بعد قطع الحلقوم والمريء عادة وقد تبقى بعد قطع الودجين إذ هما عرقان كسائر العروق والحياة تبقى بعد قطع عرقين من سائر العروق ولنا أن المقصود من الذبح إزالة المحرم وهو الدم المسفوح ولا يحصل إلا بقطع الودج وجه قول محمد عليه الرحمة أنه إذا قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة فقد حصل المقصود بالذبح وهو خروج الدم لأنه يخرج ما يخرج بقطع الكل وجه قول أبي يوسف أن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الآخر لأن الحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام والودجين مجري الدم فإذا قطع أحد الودجين حصل بقطعه المقصود منهما وإذا ترك الحلقوم ولم يحصل بقطع ما سواه المقصود منه ولذلك اختلفا ولأبي حنيفة عليه الرحمة أنه قطع الأكثر من العروق الأربعة وللأكثر حكم الكل فيما بنى على التوسعة في أصول الشرع والذكاة بنيت على التوسعة حيث يكتفي فيها بالبعض بلا خلاف بين الفقهاء وإنما اختلفوا في الكيفية فيقام الأكثر فيها مقام الجميع ولو ضرب عنق جزور أو بقرة أو شاة بسيفه وأبانها وسمى فإن كان ضربها من قبل الحلقوم تؤكل وقد أساء أما حل الآكل فلأنه أتى بفعل الذكاة وهو قطع العروق وأما الإساءة فلأنه زاد في ألمها زيادة لا يحتاج إليها في الذكاة فيكره ذلك وإن ضربها من القفا فإن ماتت قبل القطع بأن ضرب على التأني والتوقف لا تؤكل لأنها ماتت قبل الذكاة فكانت ميتة وإن قطع العروق قبل موته ( ( ( موتها ) ) ) تؤكل لوجود فعل الذكاة وهي حية إلا أنه يكره ذلك لأنه زاد في ألمها من غير حاجة وإن أمضى فعله من غير توقف تؤكل لأن الظاهر أن موتها بالذكاة وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح بالمروة أو بليطة القصب أو بشقة العصا أو غيرها من الآلات التي تقطع إنه يحل لوجود معنى الذبح وهو فري الأوداج وجملة الكلام فيه أن الآلة على ضربين آلة تقطع وآلة تفسخ والتي تقطع نوعان حادة وكليلة أما الحادة فيجوز الذبح بها حديدا كانت أو غير حديد والأصل في جواز الذبح بدون الحديد ما روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذكي بمروة أو بشقة العصا فقال عليه الصلاة والسلام أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله تعالى
وروى أن جارية لكعب بن مالك رضي الله عنه ذبحت شاة بمروة فسأل كعب رسول الله عن ذلك فأمر بأكلها ولأنه يجوز بالحديد والجواز ليس لكونه من جنس الحديد بل لوجود معنى الحديد بدليل أنه لا يجوز بالحديد الذي لا حد له فإذا وجد معنى الحد في المروة والليطة جاز الذبح بهما وأما الكليلة فإن كانت تقطع يجوز لحصول معنى الذبح لكنه يكره لما فيه من زيادة إيلام لا حاجة إليها ولهذا أمر رسول الله بتحديد الشفرة وإراحة الذبيحة وكذلك إذا جرح بظفر منزوع أو سن منزوع جاز الذبح بهما ويكره وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال أنهر الدم بما شئت إلا ما كان من سن أو ظفر فإن الظفر مدي الحبشة والسن عظم من الإنسان استثنى عليه الصلاة والسلام الظفر والسن من الإباحة والاستثناء من الإباحة يكون حظرا وعلل عليه الصلاة والسلام بكون الظفر مدى الحبشة وكون السن عظم الإنسان وهذا خرج مخرج الإنكار ولنا أنه لما قطع الأوداج فقد وجد الذبح بهما فيجوز كما لو ذبح بالمروة وليطة القصب وأما الحديث فالمراد السن القائم والظفر القائم لأن الحبشة إنما كانت تفعل ذلك لإظهار الجلادة وذاك بالقائم لا بالمنزوع والدليل عليه أنه روي في بعض الروايات إلا ما كان قرضا بسن أو حزا بظفر والقرض إنما يكون بالسن القائم وأما الآلة التي تفسخ فالظفر القائم والسن القائم ولا يجوز الذبح بهما بالاجماع ولو ذبحهما كان ميتة للخبر الذي روينا ولأن الظفر والسن إذا لم يكن منفصلا فالذابح يعتمد على الذبيح فيخنق وينفسخ فلا يحل أكله حتى قالوا لو أخذ غيره يده فأمر يده كما أمر السكين وهو ساكت يجوز ويحل أكله وعلى هذا يخرج الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه إن خرج حيا فذكى يحل وإن مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف وإن خرج ميتا فإن لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضا في قولهم جميعا لأنه بمعنى المضغة وإن كان كامل الخلق اختلف فيه قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يؤكل وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهم الله وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله لا بأس بأكله واحتجوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام ذكاة الجنين بذكاة أمه فيقتضي أنه يتذكى بذكاة أمه ولأنه تبع لأمه حقيقة وحكما أما الحقيقة فظاهر وأما الحكم فلأنه يباع ببيع الأم ويعتق بعتقها والحكم في التبع يثبت بعلة الأصل ولا يشترط له علة على حدة لئلا ينقلب التبع أصلا ولأبي حنيفة قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم والجنين ميتة لأنه لا حياة فيه والميتة ما لا حياة فيه فيدخل تحت النص فإن قيل الميتة اسم لزوال ( ( ( لزائل ) ) ) الحياة فيستدعي تقدم الحياة وهذا لا يعلم في الجنين فالجواب أن تقدم الحياة ليس بشرط لإطلاق اسم الميت قال الله تبارك وتعالى وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم على أنا إن سلمنا ذلك فلا بأس به لأنه يحتمل أنه كان حيا فمات بموت الأم ويحتمل أنه لم يكن فيحرم احتياطا ولأنه أصل في الحياة فيكون له أصل في الذكاة والدليل على أنه أصل في الحياة أنه يتصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم ولو كان تبعا للأم في الحياة لما تصور بقاؤه حيا بعد زوال الحياة عن الأم وإذا كان أصلا في الحياة يكون أصلا في الذكاة لأن الذكاة تفويت الحياة ولأنه إذا تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم لم يكن ذبح الأم سببا لخروج الدم عنه إذ لو كان لما تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم إذ الحيوان الدموي لا يعيش بدون الدم عادة فبقي الدم المسفوح فيه ولهذا إذا جرح يسيل منه الدم وأنه حرم بقوله سبحانه وتعالى دما مسفوحا وقوله عز شأنه حرمت عليكم الميتة والدم ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم لحمه أيضا
وأما الحديث فقد روي بنصب الذكاة الثانية معناه كذكاة أمه إذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه وقد يكون بحذف حرف التشبيه قال الله تعالى وهي تمر مر السحاب وقال عز شأنه ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت أي كنظر المغشي عليه وهذا حجة عليكم لأن تشبيه ذكاة الجنين بذكاة أمه يقتضي استواءهما في الافتقار إلى الذكاة ورواية الرفع تحتمل التشبيه أيضا قال الله سبحانه وتعالى وجنة عرضها السماوات ( ( ( السموات ) ) ) والأرض أي عرضها كعرض السموات فكيون ( ( ( فيكون ) ) ) حجة عليكم ويحتمل الكناية كما قالوا فلا تكون حجة مع الاحتمال مع أنه من أخبار الآحاد ورد فيما تعم به البلوى وأنه دليل عدم الثبوت إذ لو كان ثابتا لاشتهر وإذا خرجت من الدجاجة الميتة بيضة تؤكل عندنا سواء اشتد قشرها أو لم يشتد وعند الشافعي رحمه الله إن اشتد قشرها تؤكل وإلا فلا وجه قوله أنه إذا لم يشتد قشرها فهي من أجزاء الميتة فتحرم بتحريم الميتة وإذا اشتد قشرها فقد صار شيئا آخر وهو منفصل عن الدجاجة فيحل ولنا أنه شيء طاهر في نفسه مودع في الطير منفصل عنه ليس من أجزائه فتحريمها لا يكون تحريما له كما إذا اشتد قشرها ولو ماتت شاة وخرج من ضرعها لبن يؤكل عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يؤكل وهو قول الشافعي رحمهم الله جميعا إلا أن عند الشافعي لا يؤكل لكونه ميتة وعندهما لا يؤكل لنجاسة الوعاء ولأبي حنيفة عليه الرحمة قوله تبارك وتعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين والاستدلال بالآية من وجوه أحدهما ( ( ( أحدها ) ) ) أنه وصفه بكونه خالصا فيقتضي أن لا يشوبه شيء من النجاسة والثاني أنه سبحانه وتعالى وصفه بكونه سائغا للشاربين والحرام لا يسوغ للمسلم والثالث أنه سبحانه وتعالى من علينا بذلك إذ الآية خرجت مخرج المنة والمنة بالحلال لا بالحرام وعلى هذا الخلاف الأنفحة إذا كانت مائعة وإن كانت صلبة فعند أبي حنيفة رحمه الله تؤكل وتستعمل في الأدوية كلها وعندهما يغسل ظاهرها وتؤكل وعند الشافعي لا تؤكل أصلا وأما الاضطرارية فركنها العقر وهو الجرح في أي موضع كان وذلك في الصيد وما هو في معنى الصيد وإنما كان كذلك لأن الذبح إذا لم يكن مقدورا ولا بد من إخراج الدم لإزالة المحرم وتطييب اللحم وهو الدم المسفوح على ما بينا فيقام سبب الذبح مقامه وهو الجرح على الأصل المعهود في الشرع من إقامة السبب مقام المسبب عند العذر والضرورة كما يقام السفر مقام المشقة والنكاح مقام الوطء والنوم مضطجعا أو متوركا مقام الحدث ونحو ذلك وكذلك ما ند من الأبل والبقر والغنم بحيث لا يقدر عليها صاحبها لأنها بمعنى الصيد وإن كان مستأنسا وقد روي أن بعير ( ( ( بعيرا ) ) ) أند ( ( ( ند ) ) ) على عهد رسول الله فرماه رجل فقتله فقال رسول الله إن لهذه الأبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا وسواء ند البعير والبقر في الصحراء أو في المصر فذكاتهما العقر كذا روي عن محمد لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر عليهما قال محمد والبعير الذي ند على عهد رسول الله كان بالمدينة فدل أن ند البعير في الصحراء والمصر سواء في هذا الحكم وأما الشاة فإن ندت في الصحراء فذكاتها العقر لأنه لا يقدر عليها وإن ندت في المصر لم يجز عقرها لأنه يمكن أخذها إذ هي لا تدفع عن نفسها فكان الذبح مقدورا عليه فلا يجوز العقر وهذا لأن العقر خلف من الذبح والقدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف كما في التراب مع الماء والأشهر مع الأقراء وغير ذلك وكذلك ما وقع منها في قليب فلم يقدر على إخراجه ولا على مذبحه ولا منحره فإن ذكاته ذكاة الصيد لكونه في معناه لتعذر الذبح والنحر
وذكر في المنتقى في البعير إذا صال على رجل فقتله وهو يريد الذكاة حل أكله إذا كان لا يقدر على أخذه وضمن قيمته لأنه إذا كان لا يقدر على أخذه صار بمنزلة الصيد فجعل الصيال منه كنده لأنه يعجز عن أخذه فيعجز عن نحره فيقام الجرح فيه مقام النحر كما في الصيد ثم لا خلاف في الاصطياد بالسهم والرمح والحجر والخشب ونحوها أنه إذا لم يجرح لا يحل وأصله ما روي أن رسول الله سئل عن صيد المعراض فقال عليه الصلاة والسلام إذا خرق فكل وأن أصابه بعرض فلا تأكل فإنه وقيذ وأما الاصطياد بالجوارح من الحيوانات إما بناب كالكلب والفهد ونحوهما وإما بالمخلب كالبازي والشاهين ونحوهما فكذلك في الرواية المشهورة أنه إذا لم يجرح لا يحل حق ( ( ( حتى ) ) ) لو خنق أو صدم ولم يجرح ولم يكسر عضوا منه لا يحل في ظاهر الرواية وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يحل وجه هذه الرواية أن الكلب يأخذ الصيد على حسب ما يتفق له فقد يتفق له الأخذ بالجرح وقد يتفق بالخنق والصدم والحال حال الضرورة فيوسع الأمر فيه ويجعل الخندق ( ( ( الخنق ) ) ) والصدم كالجرح كما وسع في الذبح وجه ظاهر الرواية قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح وهي من الجراحة فيقتضي اعتبار الجرح ولأن الركن هو إخراج الدم وذلك بالذبح في حال القدرة وفي حال العجز أقيم الجرح مقامه لكونه سببا في خروج الدم ولا يوجد ذلك في الخنق وقد روي عن رسول الله في صيد المعراض إذا خرق فكل وان أصاب بعرضه فلا تأكله ( ( ( تأكل ) ) ) فإنه وقيذ وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال ما أصبت بعرضه فلا تأكل فهو وقيذ وما أصبت بحده فكل أراد عليه الصلاة والسلام الحل والحرمة على الجرح وعدم الجرح وسمى عليه الصلاة والسلام غير المجروح وقيذا وأنه حرام بقوله تبارك وتعالى والموقوذة ولأنها منخنقة وأنها محرمة بقوله عز وجل والمنخنقة فإن لم يجرحه ولم يخنقه ولكنه كسر عضوا منه فمات فقد ذكر الكرخي رحمه الله أنه لم يحك عن أبي حنيفة رحمه الله فيه شيء مصرح وذكر محمد في الزيادات وأطلق أنه إذا لم يجرح لم يؤكل وهذا الإطلاق يقتضي أنه لا يحل بالكسر وقال أبو يوسف إذا جرح بناب أو مخلب أو كسر عضوا فقتله فلا بأس بأكله فقد جعل الكسر جراحة باطنة فيلحق بالجراحة لظاهره في حكم بني على الضرورة والعذر وجه رواية محمد رحمه الله وهي الصحيحة أن الأصل هو الذبح وإنما أقيم الجرح مقامه في كونه سببا لخروج الدم وذلك لا يوجد في الكسر فلا يقام مقامه ولهذا لم يقم الخنق مقامه وقد قالوا إذا أصاب السهم ظلف الصيد فإن وصل إلى اللحم فأدماه حل وإلا فلا وهذا تفريع على رواية اعتبار الجرح ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم قيل وهذا قد يكون في شاة اعتلفت العناب اختلف المشايخ فيه قال أبو القاسم الصفار رحمه الله لا تأكل ( ( ( تؤكل ) ) ) لقوله عليه الصلاة والسلام ما فرى الأوداج وأنهر الدم فكل يؤكل بشرط إنهار الدم ولم يوجد ولأن الذبح لم يشرط لعينه بل لإخراج الدم المحرم وتطييب اللحم ولم يوجد فلا يحل وقال أبو بكر الإسكاف والفقيه أبو جعفر الهندواني رحمهما الله يؤكل لوجود الذبح وهو فرى الأوداج وأنه سبب لخروج الدم عادة لكنه امتنع لعارض بعد وجود السبب فصار كالدم الذي احتبس في بعض العروق عن الخروج بعد الذبح وذا لا يمنع الحل كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا قطع من إلية الشاة قطعة أو من فخذها أنه لا يحل المبان وإن ذبحت الشاة بعد ذلك لأن حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المبان وقت الإبانة لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت الإبانة وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة لا يظهر في الجزء المنفصل
وروي أن أهل الجاهلية كانوا يقطعون قطعة من إلية الشاة ومن سنام البعير فيأكلونها فلما بعث النبي المكرم عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ما أبين من الحي فهو ميت والجزء المقطوع مبان من حي وبائن منه فيكون ميتا وكذلك إذا قطع ذلك من صيد لم يؤكل المقطوع وإن مات الصيد بعد ذلك لما قلنا وقال الشافعي رحمه الله يؤكل إذا مات الصيد بذلك وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى وإن قطع فتعلق العضو بجلده لا يؤكل لأن ذلك القدر من التعلق لا يعتبر فكان وجوده والعدم بمنزلة واحدة وإن كان متعلقا باللحم يؤكل الكل لأن العضو المتعلق باللحم من جملة الحيوان وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به ولو ضرب صيدا بسيف فقطعه نصفين يؤكل النصفان عندنا جميعا وهو قول إبراهيم النخعي لأنه وجد قطع الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح فيؤكل الكل وإن قطع أقل من النصف فمات فإن كان مما يلي العجز لا يؤكل المبان عندنا وقال الشافعي يؤكل وجه قوله أن الجرح في الصيد إذا اتصل به الموت فهو ذكاة اضطرارية وإنها سبب الحل كالذبح ولنا قول النبي ما أبين من الحي فهو ميت والمقطوع مبان من الحي فيكون ميتا وأما قوله أن الجرح الذي اتصل به الموت ذكاة في الصيد فنعم لكن حال فوات الحياة عن المحل وعند الإبانة المحل كان حيا فلم يقع الفعل ذكاة له وعندما صار ذكاة كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة لا يلحق الجزء المنفصل وإن كان مما يلي الرأس يؤكل الكل لوجود قطع الأوداج فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقة فيحل به الكل وإن ضرب رأس صيد فأبانه نصفين طولا أو عرضا يوكل كله في قول أبي حينفة ( ( ( حنيفة ) ) ) ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال لا يوكل النصف البائن ويوكل ما بقي من الصيد والأصل فيه ما ذكرنا أن الأوداج متصلة بالدماغ فتصير مقطوعة بقطع الرأس وكان أبو يوسف على هذا ثم ظن أنها لا تكون إلا فيما يلي البدن من الرأس وإن كان المبان أكثر من النصف فكذلك يوكل الكل لأنه إذا قطع العروق فلم يكن ذلك ذبحا بل كان جرحا وأنه لا يبيح المبان لما ذكرنا وأما شرائط ركن الذكاة فأنواع بعضها يعم نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية وبعضها يخص أحدهما دون الآخر أما الذي يعمهما فمنها أن يكون عاقلا فلا تؤكل ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل والسكران الذي لا يعقل لما نذكر أن القصد إلى التسمية عند الذبح شرط ولا يتحقق القصد الصحيح ممن لا يعقل فإن كان الصبي يعقل الذبح ويقدر عليه تؤكل ذبيحته وكذا السكران ومنها أن يكون مسلما أو كتابيا فلا تؤكل ذبيحة أهل الشرك والمجوسي والوثني وذبيحة المرتد أما ذبيحة أهل الشرك فلقوله تعالى وما أهل لغير الله وقوله عز وجل وما ذبح على النصب أي للنصب وهي الأصنام التي يعبدونها وأما ذبيحة المجوس فلقوله عليه الصلاة والسلام سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ولأن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة من شرائط الحل عندنا لما نذكر ولم يوجد وأما المرتد فلأنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه فكان كالوثني الذي لا يقر على دينه ولو كان المرتد غلاما مراهقا لا تؤكل ذبيحته عند أبي حينفة ( ( ( حنيفة ) ) ) ومحمد وعند أبي يوسف تؤكل بناء على أن ردته صحيحة عندهما وعنده لا تصح وتؤكل ذبيحة أهل الكتاب لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم والمراد منه ذبائحهم إذ لو لم يكن المراد ذلك لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى لأن غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول ولأن مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها لأنه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت اطلاق اسم الطعام فيحل لنا أكلها ويستوي فيه أهل الحرب منهم وغيرهم لعموم الآية الكريمة
وكذا يستوي فيه نصارى بني تغلب وغيرهم لأنهم إلى دين النصارى إلا أنهم نصارى العرب فيتناولهم عموم الآية الشريفة وقال سيدنا علي رضي الله عنه لا تؤكل ذبائح نصارى العرب لأنهم ليسوا بأهل الكتاب وقرأ قوله عز شأنه ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وقال ابن عباس رضي الله عنهما تؤكل وقرأ قوله عز وجل ومن يتولهم منكم فإنه منهم والآية الكريمة التي تلاها سيدنا علي رضي الله عنه دليل على أنهم من أهل الكتاب لأنه قال عز وجل ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب أي من أهل الكتاب وكلمة من للتبعيض إلا أنهم يخالفون غيرهم من النصارى في بعض شرائعهم وذا يخرجهم عن كونهم نصارى كسائر النصارى فإن انتقل الكتابي إلى دين أهل الكتاب من الكفرة لا تؤكل ذبيحته لأن المسلم لو انتقل إلى ذلك الدين لا تؤكل ذبيحته فالكتابي أولى ولو انتقل غير الكتابي من الكفرة إلى دين أهل الكتاب تؤكل ذبيحته والأصل أنه ينظر إلى حاله ودينه فيه أنه ينظر إلى حاله ودينه وقت ذبيحته دون ما سواه وهذا أصل أصحابنا أن من انتقل من ملة يقر عليها يجعل كأنه من أهل تلك الملة من الأصل على ما ذكرنا في كتاب النكاح والمولود بين كتابي وغير كتابي تؤكل ذبيحته أيهما كان الكتابي الأب أو الأم عندنا قال مالك يعتبر الأب فإن كان كتابيا تؤكل وإلا فلا وقال الشافعي لا تؤكل ذبيحته رأسا والصحيح قولنا لأن جعل الولد تبعا للكتابي منهما أولى لأنه خيرهما دينا بالنسبة فكان باتباعه اياه أولى وأما الصابئون فتؤكل ذبائحهم في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعند أبي يوسف ومحمد لا تؤكل واختلاف الجواب لاختلاف تفسيرهم في الصابئين أنهم ممن هم وقد ذكرنا ذلك في كتاب النكاح ثم إنما تؤكل ذبيحة الكتابي إذا لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شيء أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده لأنه إذا لم يسمع شيئا يحمل على أنه قد سمى الله تبارك وتعالى وجرد التسمية تحسينا للظن به كما بالمسلم ولو سمع منه ذكر اسم الله تعالى لكنه عنى بالله عز وجل المسيح عليه السلام قالوا تؤكل لأنه أظهر تسمية هي تسمية المسلمين إلا إذا نص فقال بسم الله الذي هو ثالث ثلاثة فلا تحل وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم يقولون ما يقولون فقال رضي الله عنه قد أحل الله ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون فأما إذا سمع منه أنه سمى المسيح عليه الصلاة والسلام وحده أو سمى الله سبحانه وتعالى وسمى المسيح لا تؤكل ذبيحته كذا روى سيدنا علي رضي الله عنه ولم يرو عنه غيره خلافه فيكون إجماعا ولقوله عز وجل وما أهل لغير الله وهذا أهل لغير الله عز وجل به فلا يؤكل ومن أكلت ذبيحته ممن ذكرنا أكل صيده الذي صاده بالسهم أو بالجوارح ومن لا فلا ولأن أهلية المذكي شرط في نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية جميعا ومنها التسمية حالة الذكر عندنا وعند الشافعي ليست بشرط أصلا وقال مالك رحمه الله انها شرط حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ناسيا عنده والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فإنه احتج بقوله تبارك وتعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول انه لا يجد فيما أوحى إليه محرما سوى الأشياء الثلاثة ومتروك التسمية لم يدخل فيها فلا يكون محرما ولا يقال يحتمل أنه لم يكن المحرم وقت نزول الآية الكريمة سوى المذكور فيها ثم حرم بعد ذلك متروك التسمية بقوله عز وجل ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه لأنه قيل إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة ولو كان متروك التسمية محرما لكان واجدا له فيجب أن يستثنيه كما استثنى الأشياء الثلاثة
ولنا قوله عز وجل ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق والاستدلال بالآية من وجهين أحدهما أن مطلق النهي للتحريم في حق العمل والثاني أنه سمى أكل ( ( ( كل ) ) ) ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا بقوله عز وجل وإنه لفسق ولا فسق إلا بارتكاب المحرم ولا تحمل إلا على الميتة وذبائح أهل الشرك بقول بعض أهل التأويل في سبب نزول الآية الكريمة لأن العام لا يخص بالسبب عندنا بل يعمل بعموم اللفظ لما عرف في أصول الفقه مع ما أن الحمل على ذلك حمل على التكرار لأن حرمة الميتة وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخر وهي قوله عز وجل حرمت عليكم الميتة وقوله عز وجل وما أهل لغير الله به وقوله عز وجل وما ذبح على النصب فالحمل على ما قاله يكون حملا على ما قلنا ويكون حملا على فائدة جديدة فكان أولى وقوله عز وجل فاذكروا اسم الله عليها صواف ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ولو لم يكن شرطا لما وجب وروى الشعبي عن عدي بن حاتم رضي الله عنهما قال سألت رسول الله عن صيد الكلب فقال ما أمسك عليك ولم يأكل منه فكله فإن أخذه ذكاته فإن وجدت عند كلبك غيره فحسبت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل لأنك إنما ذكرت اسم الله تعالى على كلبك ولم تذكره على كلب غيرك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الأكل وعلل بترك التسمية فدل أنها شرط وأما الآية الكريمة ففيها أنه كان يجد وقت نزول الآية الشريفة محرما سوى المذكور فيها فاحتمل أنه كان كذلك وقت نزول الآية الشريفة وجد تحريم متروك التسمية بعد ذلك لما تلونا كما كان لا يجد تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمار والبغل عند نزولها ثم وجد بعد ذلك بوحي متلو أو غير متلو على ما ذكرنا وأما ما يروى أن سورة الأنعام نزلت كلها جملة واحدة فمروى على طريق الآحاد فلا يقبل في إبطال حرمة ثبتت بالكتاب على أن المذكور فيها من جملة المستثنى الميتة فما الدليل على أن متروك التسمية عمدا ليس بميتة بل هو ميتة عندنا مع أنه لا يجد فيما أوحى إليه محرما سوى المذكور ونحن لا نطلق اسم المحرم على متروك التسمية إذ المحرم المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به ولم يوجد ذلك في محل الاجتهاد إذا كان الاختلاف بين أهل الديانة وإنما نسميه مكروها أو محرما في حق الاعتقاد قطعا على طريق التعيين بل على الإبهام أن ما أراد الله عز وجل من هذا النهي فهو حق لكنا نمتنع عن أكله احتياطا وهو تفسير الحرمة في حق العمل وأما الكلام مع مالك رحمه الله فهو احتج بعموم قوله تبارك وتعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه من غير فصل بين العمد والسهو ولأن التسمية لما كانت واجبة حالة العمد فكذا حالة النسيان لأن النسيان لا يمنع الوجوب والحظر كالخطأ حتى كان الناسي والخاطىء ( ( ( والخاطئ ) ) ) جائز المؤاخذة عقلا ولهذا استوى العمد والسهو في ترك تكبيرة الافتتاح والطهارة وغيرها من الشرائط والكلام في الصلاة عمدا أو سهوا عندكم كذا ههنا ولنا ما روي عن راشد بن سعيد ( ( ( سعد ) ) ) عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ذبيحة المسلم حلال سمي أو لم يسم ما لم يتعمد وهذا نص في الباب وأما الآية فلا تتناول متروك التسمية لوجهين أحدهما أنه قال عز وجل وإنه لفسق أي ترك التسمية عند الذبح فسق وترك التسمية سهوا لا يكون فسقا وكذا كل متروك التسمية سهوا لا يلحقه سمة الفسق لأن المسألة اجتهادية وفيها اختلاف الصحابة فدل أن المراد من الآية الكريمة متروك التسمية عمدا لا سهوا
والثاني أن الناسي لم يترك التسمية بل ذكر اسم الله عز وجل والذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب قال الله تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا والناسي ذاكر بقلبه لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله عليه فقال رضي الله عنه اسم الله عز وجل في قلب كل مسلم فليأكل وعنه رواية أخرى قال إن المسلم ذكر الله في قلبه وقال كما لا ينفع الإسم في الشرك لا يضر النسيان في الإسلام وعنه رضي الله عنه في رواية أخرى قال في المسلم اسم الله تعالى فإذا ذبح ونسي أن يسمى فكل وإذا ذبح المجوسي وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه وعن سيدنا علي رضي الله عنه سئل عن هذا فقال إنما هي علة المسألة فثبت أن الناسي ذاكر فكانت ذبيحته مذكور التسمية فلا تتناولها الآية الكريمة وأما قوله إن النسيان لا يدفع التكليف ولا يدفع الحظر حتى لم يجعل عذرا في بعض المواضع على ما ضرب من الأمثلة فنقول النسيان جعل عذرا مانعا من التكليف والمؤاخذة فيما يغلب وجوده ولم يجعل عذرا فيما لا يغلب وجوده لأنه لو لم يجعل عذرا فيما يغلب وجوده لوقع الناس في الحرج والحرج مدفوع والأصل فيه إن من لم يعود نفسه فعلا يعذر في تركه واشتغاله بضده سهوا لأن حفظ النفس عن العادة التي هي طبيعة خامسة خطب صعب وأمر أمر فيكون النسيان فيه غالب الوجود فلو لم يعذر للحقه الحرج وليس كذلك إذا لم يعود نفسه مثاله أن الأكل والشرب من الصائم سهوا جعل عذرا في الشرع حتى لا يفسد صومه لأنه عود نفسه ذلك ولم يعودها ضده وهو الكف عن الأكل والشرب ولم يجعل ذلك عذرا في المصلى لأنه لم يعود نفسه ذلك في كل زمان بل في وقت معهود وهو الغداة والعشي خصوصا في حال الصلاة التي تخالف أوقات الأكل والشرب فكان الأكل والشرب فيها في غاية الندرة فلم يجعل عذرا والكلام في الصلاة من هذا القبيل لأن حالة الصلاة تمنع من ذلك عادة فكان النسيان فيها نادرا فلم يجعل عذرا وكذلك ترك تكبيرة الافتتاح سهوا لأن الشروع في الصلاة يكون بها وتركها سهوا عند تصميم العزم على الشروع فيها مما يندر فلم يعذر وكذا ترك الطهارة عند حضور وقت الصلاة سهوا لأن المسلم على استعداد الصلاة عند هجوم وقتها عادة فالشروع في الصلاة من غير طهارة سهوا يكون نادرا فلا يعذر ويلحق بالعدم فأما ذكر اسم الله تعالى فأمر لم يعوده الذابح نفسه لأن الذبح على مجرى العادة يكون من القصابين ومن الصبيان الذين لم يعودوا أنفسهم ذكر الله عز وجل فترك التسمية منهم سهوا لا يندر وجوده بل يغلب فجعل عذرا دفعا للحرج فهو الفرق بين هذه الجملة والله سبحانه وتعالى هو الموفق وإذا ثبت أن التسمية حالة الذكر من شرائط الحل عندنا فبعد ذلك يقع الكلام في بيان ركن التسمية وفي بيان شرائط الركن وفي بيان وقت التسمية أما ركنها فذكر اسم الله عز وجل أي اسم كان لقوله تبارك وتعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين من غير فصل بين اسم واسم وقوله عز شأنه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه لأنه إذا ذكر اسما من أسماء الله تبارك وتعالى لم يكن المأكول مما لم يذكر اسم الله عليه فلم يكن محرما وسواء قرن بالاسم الصفة بأن قال الله أكبر الله أجل الله أعظم الله الرحمن الله الرحيم ونحو ذلك أو لم يقرن بأن قال الله أو الرحمن أو الرحيم أو غير ذلك لأنه المشروط بالآية عز شأنه وقد وجد وكذا في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنهما إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل من غير فصل بين اسم واسم
وكذا التهليل والتحميد والتسبيح سواء كان جاهلا بالتسمية المعهودة أو عالما بها لما قلنا وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما في تكبيرة الافتتاح أنه يصير شارعا في الصلاة بلا إله إلا الله أو الحمد لله أو سبحان الله فههنا أولى وأما على أصل أبي يوسف رحمه الله فلا يصير شارعا بهذه الألفاظ وتصح بها عنده فيحتاج هو إلى الفرق والفرق له أن الشرع ما ورد هناك إلا بلفظ التكبير وههنا ورد بذكر اسم الله تعالى وسواء كانت التسمية بالعربية أو بالفارسية أو أي لسان كان وهو لا يحسن العربية أو يحسنها كذا روي بشر عن أبي يوسف رحمهما الله لو أن رجلا سمى على الذبيحة بالرومية أو بالفارسية وهو يحسن العربية أو لا يحسنها أجزأه ذلك عن التسمية لأن الشرط في الكتاب العزيز والسنة ذكر اسم الله تعالى مطلقا عن العربية والفارسية وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة رحمه الله في اعتباره المعنى دون اللفظ في تكبيرة الافتتاح فيستوي في الذبح التكبيرة العربية والعجمية من طريق الأولى فأما على أصلهما فهما يحتاجان إلى الفرق بين التكبير والتسمية حيث قالا في التسمية أنها جائزة بالعجمية سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن وفي التكبير لا يجوز بالعجمية إلا إذا كان لا يحسن العربية لأن المشروط ههنا ذكر اسم الله تعالى وأنه يوجد بكل لسان والشرط هناك لفظة التكبير لقوله عليه الصلاة والسلام لا تقبل صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى عليه الصلاة والسلام القبول بدون لفظ التكبير ولا يوجد ذلك بغير لفظ العربية وأما شرائط الركن فمنها أن تكون التسمية من الذابح حتى لو سمى غيره والذابح ساكت وهو ذاكر غير ناس لا يحل لأن المراد من قوله تبارك وتعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أي لم يذكر اسم الله عليه من الذابح فكانت مشروطة فيه ومنها أن يريد بها التسمية على الذبيحة فإن من أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا يحل لأن الله سبحانه وتعالى أمر بذكر اسم الله تعالى عليه في الآيات الكريمة ولا يكون ذكر اسم الله عليه إلا وأن يراد بها التسمية على الذبيحة وعلى هذا إذا قال الحمد لله ولم يرد به الحمد على سبيل الشكر لا يحل وكذا لو سبح أو هلل أو كبر ولم يرد به التسمية على الذبيحة وإنما أراد به وصفه بالوحدانية والتنزه عن صفات الحدوث لا غير لا يحل لما قلنا ومنها تجريد اسم الله سبحانه وتعالى عن اسم غيره وإن كان اسم النبي حتى لو قال بسم الله واسم الرسول لا يحل لقوله تعالى وما أهل لغير الله به وقول النبي موطنان لا أذكر فيهما عند العطاس وعند الذبح وقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما جردوا التسمية عند الذبح ولأن المشركين يذكرون مع الله سبحانه وتعالى غيره فتجب مخالفتهم بالتجريد ولو قال بسم الله ومحمد رسول الله فإن قال ومحمد بالجر لا يحل لأنه أشرك في اسم الله عز شأنه اسم غيره وإن قال محمد بالرفع يحل لأنه لم يعطفه بل استأنف فلم يوجد الإشراك إلا أنه يكره لوجود الوصل من حيث الصورة فيتصور بصورة الحرام فيكره وإن قال ومحمدا بالنصب اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يحل لأنه ما عطف بل استأنف إلا أنه أخطأ في الإعراب وقال بعضهم لا يحل لأن انتصابه بنزع الحرف الخافض كأنه قال ومحمد فيتحقق الإشراك فلا يحل هذا إذا ذكر الواو فإن لم يذكر بأن قال بسم الله محمد رسول الله فإنه يحل كيفما كان لعدم الشركة ( ( ( شركه ) ) ) ومنها أن يقصد بذكر اسم الله تعالى تعظيمه على الخلوص ولا يشوبه معنى الدعاء حتى لو قال اللهم اغفر لي لم يكن ذلك تسمية لأنه دعاء والدعاء لا يقصد به التعظيم المحض فلا يكون تسمية كما لا يكون تكبيرا وفي قوله اللهم اختلف المشايخ كما في التكبير
أما وقت التسمية فوقتها في الذكاة الاختيارية وقت الذبح لا يجوز تقديمها عليه إلا بزمان قليل لا يمكن التحرز عنه لقوله تبارك وتعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه والذبح مضمر فيه معناه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من الذبائح ولا يتحقق ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا وقت الذبح وكذا قيل في تأويل الآيتين الأخريين أن الذبح مضمر فيهما أي فكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله تعالى عليه فكان وقت التسمية الاختيارية وقت الذبح وأما الذكاة الاضطرارية فوقتها وقت الرمي والإرسال لا وقت الإصابة لقول النبي لعدي بن حاتم رضي الله عنه حين سأله عن صيد المعراض والكلب إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وقوله عليه أي على المعراض والكلب ولا تقع التسمية على السهم والكلب إلا عند الرمي والإرسال فكان وقت التسمية فيها هو وقت الرمي والإرسال والمعنى هكذا يقتضي وهو أن التسمية شرط والشرائط يعتبر وجودها حال وجود الركن لأن عند وجودها يصير الركن علة كما في سائر الأركان مع شرائطها هو المذهب الصحيح على ما عرف في أصول الفقه والركن في الذكاة الاختيارية هو الذبح وفي الاضطرارية هو الجرح وذلك مضاف إلى الرامي والمرسل وإنما السهم والكلب آلة الجرح والفعل يضاف إلى مستعمل الآلة لذلك اعتبر وجود التسمية وقت الذبح والجرح وهو وقت الرمي والإرسال ولا يعتبر وقت الإصابة في الذكاة الاضطرارية لأن الإصابة ليست من صنع العبد لا مباشرة ولا سببا بل محض صنع الله عز وجل يعني به مصنوعه هو مذهب أهل السنة والجماعة وهي المسألة المعروفة بالمتولدات وهذا لأن فعل العبد لا بد وأن يكون مقدور العبد ومقدور العبد ما يقوم بمحل قدرته وهو نفسه وذلك هو الرمي السابق والإرسال السابق فتعتبر التسمية عندهما على أن الإصابة قد تكون وقد لا تكون فلا يمكن إيقاع التسمية عليها وعلى هذا يخرج ما روي بشر عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه قال لو أن رجلا اضجع شاة ليذبحها وسمى ثم بدا له فأرسلها وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجزه ذلك ولا تؤكل لعدم التسمية على الذبيحة عند الذبح ولو رمى صيدا فسمى فأخطأ وأصاب آخر فقتله فلا بأس بأكله وكذلك إذا أرسل كلبا على صيد فأخطأ فأخذ غير الذي أرسله عليه فقتله لوجود التسمية على السهم والكلب عند الرمي والإرسال وذكر في الأصل أرأيت الذابح يذبح الشاتين والثلاثة فيسمى على الأولى ويدع التسمية على غير ذلك عمدا قال يأكل الشاة التي سمى عليها ولا يأكل ما سوى ذلك لما بينا ولو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها ثم ألقى السكين وأخذ سكينا آخر فذبح به يؤكل لأن التسمية في الذكاة الاختيارية تقع على المذبوح لا على الآلة والمذبوح واحد فلا يعتبر اختلاف الآلة بخلاف ما إذا سمى على سهم ثم رمى بغيره أنه لا يؤكل لأن التسمية في الذكاة الاضطرارية تقع على السهم لا على المرمى إليه وقد اختلف السهم فالتسمية على أحدهما لا تكون تسمية على الآخر ولو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها فكلمه إنسان فأجابه أو استسقى ماء فشرب أو أخذ السكن ( ( ( السكين ) ) ) فإن كان قليلا ولم يكثر ذلك منه ثم ذبح على تلك التسمية تؤكل وإن تحدث وأطال الحديث أو أخذ في عمل آخر أو حد شفرته أو كانت الشاة قائمة فصرعها ثم ذبح لا تؤكل لأن زمان ما بين التسمية والذبح إذا كان يسيرا لا يعتد به لأنه لا يمكن التحرز عنه فيلحق بالعدم ويجعل كأنه سمى مع الذبح وإذا كان طويلا يقع فاصلا بين التسمية والذبح فيصير كأنه سمى في يوم وذبح في يوم آخر فلم توجد التسمية عند الذبح متصلة به ولو سمى ثم انقلبت الشاة وقامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها فقد انقطعت التسمية