Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
فعقد المضاربة يبطل بالفسخ وبالنهي عن التصرف لكن عند وجود شرط الفسخ والنهي وهو علم صاحبه بالفسخ والنهي وأن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ والنهي فإن كان متاعا لم يصح وله أن يبيعه بالدراهم والدنانير حتى ينض كما ذكرنا فيما تقدم وإن كان عينا صح لكن له صرف الدراهم إلى الدنانير والدنانير إلى الدراهم بالبيع لما ذكرنا أن ذلك لا يعد بيعا لتجانسهما في معنى الثمنية وتبطل بموت أحدهما لأن المضاربة تشتمل على الوكالة والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل وسواء علم المضارب بموت رب المال أو لم يعلم لأنه عزل حكمي فلا يقف على العلم كما في الوكالة إلا أن رأس المال إذا صار متاعا فللوكيل أن يبيع حتى يصير ناضا لما بينا وتبطل بجنون أحدهما إذا كان مطبقا لأنه يبطل أهلية الأمر للآمر وأهلية التصرف للمأمور وكل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة وقد تقدم في كتاب الوكالة تفصيله ولو ارتد رب المال فباع المضارب واشترى بالمال بعد الردة فذلك كله موقوف في قول أبي حنيفة عليه الرحمة إن رجع إلى الإسلام بعد ذلك نفذ كله والتحقت ردته بالعدم في جميع أحكام المضاربة وصار كأنه لم يرتد أصلا وكذلك إن لحق بدار الحرب ثم عاد مسلما قبل أن يحكم بلحاقه بدار الحرب على الرواية التي يشترط حكم الحاكم بلحاقه للحكم بموته وصيرورة أمواله ميراثا لورثته فإن مات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه بطلت المضاربة من يوم ارتد على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة أن ملك المرتد موقوف إن مات أو قتل أو لحق فحكم باللحوق يزول ملكه من وقت الردة إلى ورثته ويصير كأنه مات في ذلك الوقت فيبطل تصرف المضارب بأمره لبطلان أهلية الأمر ويصير كأنه تصرف في ملك الورثة فإن كان رأس المال يومئذ قائما في يده لم يتصرف فيه ثم اشترى بعد ذلك فالمشتري وربحه يكون له لأنه زال ملك رب المال عن المال فينعزل المضارب عن المضاربة فصار متصرفا في ملك الورثة بغير أمرهم وإن كان صار رأس المال متاعا فبيع المضارب فيه وشراؤه جائز حتى ينض رأس المال لما ذكرنا في هذه الحالة لا ينعزل بالعزل والنهي ولا بموت رب المال فكذلك ردته فإن حصل في يد المضارب دنانير ورأس المال دراهم أو حصل في يده دراهم ورأس المال دنانير فالقياس أن لا يجوز له التصرف لأن الذي حصل في يده من جنس رأس المال معنى لاتحادهما في الثمنية فيصير كأن عين المال قائم في يده إلا أنهم استحسنوا فقالوا إن باعه ( ( ( باع ) ) ) بجنس رأس المال جاز لأن على المضارب أن يرد مثل رأس المال فكان له أن يبيع ما في يده كالعروض وأما على أصل أبي يوسف ومحمد فالردة لا تقدح في ملك المرتد فيجوز تصرف المضارب بعد ردة رب المال كما يجوز تصرف رب المال بنفسه عندهما فإن مات رب المال أو قتل كان موته كموت المسلم في بطلان عقد المضاربة وكذلك إن لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه لأن ذلك بمنزلة الموت بدليل أن ماله يصير ميراثا لورثته فبطل أمره في المال فإن لم يرتد رب المال ولكن المضارب ارتد فالمضاربة على حالها في قولهم جميعا لأن وقوف تصرف رب المال بنفسه لوقوف ملكه ولا ملك للمضارب فيما يتصرف فيه بل الملك لرب المال ولم توجد منه الردة فبقيت المضاربة إلا أنه لا عهدة على المضارب وإنما العهدة على رب المال في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لأن العهدة تلزم بسبب المال فتكون على رب المال وصار كما لو وكل صبيا محجورا أو عبدا محجورا فأما على قولهما فالعهدة عليه لأن تصرفه كتصرف المسلم وإن مات المضارب أو قتل على الردة بطلت المضاربة لأن موته في الردة كموته قبل الردة وكذا إذا لحق بدار الحرب وقضي بلحوقه لأن ردته مع اللحاق والحكم به بمنزلة موته في بطلان تصرفه
فإن لحق المضارب بدار الحرب بعد ردته فباع واشترى هناك ثم رجع مسلما فجميع ما اشترى وباع في دار الحرب يكون له ولا ضمان عليه في شيء من ذلك لأنه لما لحق بدار الحرب صار كالحربي إذا استولى على مال إنسان ولحق بدار الحرب أنه يملكه فكذا المرتد وأما ارتداد المرأة وعدم ارتدادها سواء في قولهم جميعا سواء كان المال لها أو كانت مضاربة لأن ردتها لا تؤثر في ملكها إلا أن تموت فتبطل المضاربة كما لو ماتت قبل الردة أو لحقت بدار الحرب وحكم بلحاقها لما ذكرنا أن ذلك بمنزلة الموت وتبطل بهلاك مال المضاربة في يد المضارب قبل أن يشتري به شيئا في قول أصحابنا لأنه تعين لعقد المضاربة بالقبض فيبطل العقد بهلاكه كالوديعة وكذلك لو استهلكه المضارب أو أنفقه أو دفعه إلى غيره فاستهلكه لما قلنا حتى لا يملك أن يشتري به شيئا للمضاربة فإن أخذ مثله من الذي استهلكه كان له أن يشتري به على المضاربة كذا روى الحسن عن أبي حنيفة لأنه أخذ عوض رأس المال فكان أخذ عوضه بمنزلة أخذ ثمنه فيكون على المضاربة وروى ابن رستم عن محمد أنه لو أقرضها المضارب رجلا فإن رجع إليه الدراهم بعينها رجعت على المضاربة لأنه وإن تعدى يضمن لكن زال التعدي فيزول الضمان المتعلق به وإن أخذ مثلها لم يرجع في المضاربة لأن الضمان قد استقر بهلاك العين وحكم المضاربة مع الضمان لا يجتمعان ولهذا يخالف ما رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الاستهلاك هذا إذا هلك مال المضاربة قبل أن يشتري المضارب شيئا فإن هلك بعد الشراء بأن كان مال المضاربة ألفا فاشترى بها جارية ولم ينقد الثمن البائع حتى هلكت الألف فقد قال أصحابنا الجارية على المضاربة ويرجع على رب المال بالألف فيسلمها إلى البائع وكذلك إن هلكت الثانية التي قبض يرجع بمثلها على رب المال وكذلك سبيل الثالثة والرابعة وما بعد ذلك أبدا حتى يسلم إلى البائع ويكون ما دفعه أولا رب المال وما غرم كله من رأس المال وإنما كان كذلك لأن المضارب متصرف لرب المال فيرجع بما لحقه من الضمان بتصرفه له كالوكيل غير أن الفرق بين الوكيل والمضارب أن الوكيل إذا هلك الثمن في يده فرجع بمثله إلى الموكل ثم هلك الثاني لم يرجع على الموكل والمضارب يرجع في كل مرة ووجه الفرق أن الوكالة قد انتهت بشراء الوكيل لأن المقصود من الوكالة بالشراء استفادة ملك المبيع لا الربح فإذا اشترى فقد حصل المقصود فانتهى عقد الوكالة بانتهائه ووجب على الوكيل الثمن للبائع فإذا هلك في يده قبل أن ينقده البائع وجب للوكيل على الموكل مثل ما وجب للبائع عليه فإذا قبضه مرة فقد استوفى حقه فلا يجب له عليه شيء آخر فأما المضاربة فإنها لا تنتهي بالشراء لأن المقصود منها الربح ولا يحصل إلا بالبيع والشراء مرة بعد أخرى فإذا بقي العقد فكان له أن يرجع ثانيا وثالثا وما غرم رب المال مع الأول يصير كله رأس المال لأنه غرم لرب المال بسبب المضاربة فيكون كله من مال المضاربة ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح فلو لم يصر ما غرم رب المال من رأس المال ويهلك مجانا يتضرر به رب المال لأنه يخسر ويربح المضارب وهذا لا يجوز
ولو قبض المضارب الألف الأولى فتصرف فيها حتى صارت ألفين ثم اشترى بها جارية قيمتها ألفان فهلكت الألفان قبل أن ينقدها البائع فإنه يرجع على رب المال بألف وخمسمائة ويغرم المضارب من ماله خمسمائة وهي حصته من الربح فيكون ربع الجارية للمضارب خاصة وثلاثة أرباعها على المضاربة ورأس المال في هذه الثلاثة الأرباع ألفان وخمسمائة وإنما كان كذلك لأنه لما اشترى الجارية بألفين فقد اشتراها أرباعا ربعها للمضارب وثلاثة أرباعها لرب المال لأنه اشتراها بعدما ظهر ملك المضارب في الربح لأنه اشتراها بألفين ورأس المال ألف فحصة رب المال من الربح خمسمائة وحصة المضارب خمسمائة فما اشتراه لرب المال رجع عليه وما اشتراه لنفسه فضمانه عليه وإنما خرج ربع ( ( ( ربح ) ) ) الجارية من المضاربة لأن القاضي لما ألزمه ضمان حصته من الربح فقد عينه ولا يتعين إلا بالقيمة فخرج الربح من المضاربة وبقي الباقي على ما كان عليه وقد لزم رب المال ألف وخمسمائة بسبب المضاربة فصار ذلك زيادة في رأس المال فصار رأس المال ألفين وخمسمائة فإن بيعت هذه الجارية بأربعة آلاف منها للمضارب ألف لأن ذلك حصته من الربح فكان ملكه وبقي ثلاثة آلاف على المضاربة لرب المال منها ألفان وخمسمائة رأس ماله يبقى ربح خمسمائة فيكون بينهما نصفين على الشرط ولو كانت الجارية تساوي ألفين والشراء بألف وهي مال المضاربة فضاعت غرمها رب المال كلها لأن الشراء إذا وقع بألف فقد وقع بثمن كله رأس المال وإنما يظهر الربع ( ( ( الربح ) ) ) في الثاني فيكون الضمان على رب المال بخلاف الفصل الأول فإن هناك الشراء وقع بألفين فظهر ربح المضارب وهلك ربع الجارية فيغرم حصة ذلك الربع من الثمن وروي عن محمد في المضارب إذا اشترى جارية بألفي درهم ألف ربح وقيمتها ألف فضاعت الألفان قبل أن ينقدها البائع أنه على المضارب الربع وهو خمسمائة وعلى رب المال ألف وخمسمائة وهذا على ما بينا قال محمد ولو اشترى جارية تساوي ألفين بأمة تساوي ألفا وقبض التي اشتراها ولم يدفع أمته حتى ماتتا جميعا في يده فإنه يغرم قيمة التي اشترى وهي ألف يرجع بذلك على رب المال لأن المضمون عليه قيمة الجارية التي اشتراها ولا فضل في ذلك عن رأس المال وهذا إنما يجوز وهو أن يشتري المضارب جارية قيمتها ألف بألفين إذا كان رب المال قال له اشتر بالقليل والكثير وإلا فشراء المضارب على هذا الوجه لا يصح في قولهم جميعا وذكر ابن سماعة عن محمد في موضع آخر في نوادره في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى المضارب وباع حتى صار المال ثلاثة آلاف فاشترى بثلاثة آلاف ثلاثة أعبد قيمة كل واحد ألف ولم ينقد المال حتى ضاع قال يغرم ذلك كله على رب المال ويكون رأس المال أربعة آلاف لأن المضارب لم يتعين له ملك في واحد من العبيد لأن كل واحد منهم يجوز أن يكون رأس المال لهذا لا ينفذ عتقه فيهم فيرجع بجميع ثمنهم وقد علل محمد لهذا فقال من قبل أن المضارب لم يكن يجوز عتقه في شيء من العبيد وهذا يخالف ما ذكره الكرخي فإنه قال إن محمدا يعتبر المضمون على المضارب الذي يغرمه دون ما وجب عليه من الثمن ومعنى هذا الكلام أن المضارب إذا قبض ولم ينقد الثمن حتى هلك كان المعتبر ما يجب عليه ضمانه فإن كان ما يضمنه زائدا على رأس المال كان على المضارب حصة ذلك وإلا فلا وهذا بخلاف الأول لأنا إذا اعتبرنا الضمان فقد ضمن أكثر من رأس المال
فإما أن يجعل عن محمد روايتان أو يكون الشرط فيما صار مضمونا على المضارب أن يتعين حقه فيه وهنا وإن ضمن فإنه لم يتعين حقه فيه وأما تعليله بعدم نفاذ العتق فلا يطرد لأنه لو اشترى بالألفين جارية تساوي ألفا يضمن وإن لم ينفذ عتقه فيه إلا أن يكون جعل نفوذ العتق في الجارية المشتراة بألفين وقيمتها ألفان عليه لوجوب الضمان عليه فما لا ينفذ عتقه فيه يكون عكس العلة فلا يلزمه طرده في جميع المواضع وقال محمد إذا اشترى المضارب عبدا بألف درهم وهي مال المضاربة ففقد المال فقال رب المال اشتريته على المضاربة ثم ضاع المال وقال المضارب اشتريته بعدما ضاع وأنا أرى أن المال عندي فإذا قد ضاع قبل ذلك فالقول قول المضارب لأن الأصل في كل من يشتري شيئا أنه يعتبر مشتريا لنفسه ولأن الحال يشهد به أيضا وهو هلاك المال فكان الظاهر شاهدا للمضارب فكان القول قوله وذكر محمد في المضاربة الكبيرة إذا اختلفا وقال رب المال ضاع قبل أن تشتري الجارية وإنما اشتريتها لنفسك وقال المضارب ضاع المال بعد ما اشتريتها وأنا أريد أن آخذك بالثمن ولا أعلم متى ضاع فالقول قول رب المال مع يمينه وعلى المضارب البينة أنه اشترى والمال عنده إنما ضاع بعد الشراء لأن رب المال ينفي الضمان عن نفسه والمضارب يدعي عليه الضمان ليرجع عليه بالثمن لأنه يدعي وقوع العقد له ورب المال ينكر ذلك فكان القول قوله ولأن الحال وهو الهلاك شهد لرب المال فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب لأنها تثبت الضمان فكانت أولى وإذا انفسخت المضاربة ومال المضاربة ديون على الناس وامتنع عن التقاضي والقبض فإن كان في المال ربح أجبر على التقاضي والقبض وإن لم يكن فيه ربح لم يجبر عليهما وقيل له أحل رب المال بالمال على الغرماء لأنه إذا كان هناك ربح كان له فيه نصيب فيكون عمله عمل الأجير والأجير مجبور على العمل فيما التزم وإن لم يكن هناك ربح لم تسلم له منفعة فكان عمله عمل الوكلاء فلا يجبر على إتمام العمل كما لا يجبر الوكيل على قبض الثمن غير أنه يؤمر المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه الدين حتى يمكنه قبضه لأن حقوق العقد راجعة إلى العاقد فلا تثبت ( ( ( يثبت ) ) ) ولاية القبض للآمر إلا بالحوالة من العاقد فيلزمه أن يحيله بالمال حتى لا يتوي حقه ولو ضمن العاقد لرب المال هذا الدين الذي عليه لم يجز ضمانه لأن العاقد قد جعله أمينا فلا يملك أن يجعل نفسه ضمينا فيما جعله العاقد أمينا ولو مات المضارب ولم يوجد مال المضاربة فيما خلف فإنه يعود دينا فيما خلف المضارب وكذا المودع والمستعير والمستبضع وكل من كان المال في يده أمانة إذا مات قبل البيان ولا تعرف الأمانة بعينها فإنه يكون عليه دينا في تركته لأنه صار بالتجهيل مستهلكا للوديعة ولا تصدق ورثته على الهلاك والتسليم إلى رب المال ولو عين الميت المال في حال حياته أو علم ذلك يكون ذلك أمانة في يد وصيه أو في يد وارثه كما كان في يده ويصدقون على الهلاك والدفع إلى صاحبه كما يصدق الميت في حال حياته والله عز وجل أعلم كتاب الهبة الكلام في هذا الكتاب في الأصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن الهبة وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم الهبة أما ركن الهبة فهو الإيجاب من الواهب فأما القبول من الموهوب له فليس بركن استحسانا والقياس أن يكون ركنا وهو قول زفر وفي قول قال القبض أيضا ركن وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن حلف لا يهب هذا الشيء لفلان فوهبه منه فلم يقبل
أنه يحنث استحسانا وعند زفر لا يحنث ما لم يقبل وفي قول ما لم يقبل ويقبض وأجمعوا على أنه إذا حلف لا يبيع هذا الشيء لفلان فباعه فلم يقبل أنه لا يحنث وعلى هذا الخلاف إذا قال رجل لآخر وهبت هذا الشيء منك فلم يقبل فقال المقر له لا بل قبلت فالقول قول المقر عندنا وعنده القول قول المقر له وأجمعوا على أنه لو قال بعت هذا الشيء منك فلم تقبل فقال المقر له لا بل قبلت أن القول قول المقر له وجه القياس أن الهبة تصرف شرعي والتصرف الشرعي وجوده شرعا باعتباره وهو انعقاده في حق الحكم والحكم لا يثبت بنفس الإيجاب فلا يكون نفس الإيجاب هبة شرعا لهذا أمكن الإيجاب بدون القبول تبعا كذا هذا وجه الاستحسان أن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شريطة القبول وإنما القبول والقبض لثبوت حكمها لا لوجودها في نفسها فإذا أوجب فقد أتى بالهبة فترتب عليها الأحكام والدليل على أن وقوع التصرف هبة لا يقف على القبول ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة أطلق اسم الهبة بدون القبض والحيازة وروي أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي عليه الصلاة والسلام حمار وحش وهو بالأبواء وفي رواية بودان فرده النبي عليه الصلاة والسلام وقال لولا أنا حرام وإلا لقبلنا فقد أطلق الراوي اسم الإهداء بدون القبول والإهداء من ألفاظ الهبة وروي أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه دعى سيدتنا عائشة رضي الله عنها في مرض موته فقال لها إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي بالعالية وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حرزتيه وإنما هو اليوم مال الوارث أطلق الصديق رضي الله عنه اسم النحل ( ( ( النحلى ) ) ) بدون القبض والنحل ( ( ( والنحلى ) ) ) من ألفاظ الهبة فثبت أن الهبة في اللغة عبارة عن نفس إيجاب الملك والأصل أن معنى التصرف الشرعي هو ما دل عليه اللفظ لغة بخلاف البيع فإنه اسم الإيجاب مع القبول فلا يطلق اسم البيع لغة وشريعة على أحدهما دون الآخر فما لم يوجدا لا يتسم التصرف بسمة البيع ولأن المقصود من الهبة هو اكتساب المدح والثناء بإظهار الجود والسخاء وهذا يحصل بدون القبول بخلاف البيع وكذا الغرض من الحلف هو منع النفس عن مباشرة المحلوف عليه وذلك هو الإيجاب لأنه فعل الواهب فيقدر على منع نفسه عنه فأما القبول والقبض ففعل الموهوب له فلا يكون مقدور الواهب والملك محكوم شرعي ثبت جبرا من الله تعالى شاء العبد أو أبى فلا يتصور منع النفس عنه أيضا بخلاف البيع فإنه وإن منع نفسه عن فعله وهو الإيجاب إلا أن الإيجاب هناك لا يصير تبعا بدون القبول فشرط القبول ليصير تبعا فالإيجاب هو أن يقول الواهب وهبت هذا الشيء لك أو ملكته منك أو جعلته لك أو هو لك أو أعطيته أو نحلته أو أهديته إليك أو أطعمتك هذا الطعام أو حملتك على هذه الدابة ونوى به الهبة أما قوله وهبت لك فصريح في الباب وقوله ملكتك يجري مجرى الصريح أيضا لأن تمليك العين للحال من غير عوض هو تفسير الهبة وكذا قوله جعلت هذا الشيء لك وقوله هو لك لأن اللام المضاف إلى من هو أهل للملك للتمليك فكان تمليك العين في الحال من غير عوض وهو معنى الهبة وكذا قوله أعطيتك لأن العطية المضافة إلى العين في عرف الناس هو تمليكها للحال من غير عوض وهذا معنى الهبة وكذا يستعمل الإعطاء استعمال الهبة يقال أعطاك الله كذا ووهبك بمعنى والنحلة هي العطية يقال فلان نحل ولده نحلى أي أعطاه عطية والهبة بمعنى العطية
وقوله أطعمتك هذا الطعام في معنى أعطيتك وقوله حملتك على هذه الدابة فإنه يحتمل الهبة ويحتمل العارية فإنه روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حمل رجلا على دابة ثم رآها تباع في السوق فأراد أن يشتريها فسأل رسول الله عن ذلك فقال لا ترجع في صدقتك فاحتمل تمليك العين واحتمل تملك ( ( ( تمليك ) ) ) المنافع فلا بد من النية للتعيين ولو قال منحتك هذا الشيء أو قال هذا الشيء لك منحة فهذا لا يخلو إما أن يكون ذلك الشيء مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك وإما أن يكون مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه فإن كان مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك كالدار والثوب والدابة والأرض بأن قال هذه الدار لك منحة أو هذاالثوب أو هذه الدابة أو هذه الأرض فهو عارية لأن المنحة في الأصل عبارة عن هبة المنفعة أو ما له حكم المنفعة وقد أضيف إلى ما يمكن الانتفاع به من غير استهلاكه من السكنى واللبس والركوب والزراعة لأن منفعة الأرض زراعتها فكان هذا تمليك المنفعة من غير عوض وهو تفسير الإعارة وكذا إذا قال لأرض بيضاء هذه الأرض لك طعمة كان عارية لأن عين الأرض مما لا يطعم وإنما يطعم ما يخرج منها فكان طعمة الأرض زراعتها فكان ذلك حينئذ إعارة ولصاحبها أن يأخذها إذا لم يكن فيها زرع وإن كان فيها زرع فالقياس أن يكون له ولاية القلع كالبناء والغرس وفي الاستحسان يترك إلى وقت الحصاد بأجر المثل وسنذكر وجهيها في كتاب العارية ولو منحه شاة حلوبا أو ناقة حلوبا أو بقرة حلوبا وقال هذه الشاة لك منحة أو هذه الناقة أو هذه البقرة كان عارية وجاز له الانتفاع بلبنها لأن اللبن وإن كان عينا حقيقة فهو معدود من المنافع عرفا وعادة فأعطي له حكم المنفعة كأنه أباح له شرب اللبن فيجوز له الانتفاع بلبنها وكذلك لو منحه جديا أو عناقا كان له عارية لأن الجدي بعرض أن يصير فحلا والعناق حلوبا وإن عنى بالمنحة الهبة في هذه المواضع فهو على ما عنى لأنه نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد على نفسه وإن كان مما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك كالمأكول والمشروب والدراهم والدنانير بأن قال هذا الطعام لك منحة أو هذا اللبن أو هذه الدراهم والدنانير كان هبة لأن المنحة المضافة إلى ما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك لا يمكن حملها على هبة المنفعة فيحمل على هبة العين وهي تمليكها وتمليك العين للحال من غير عوض هو تغيير الهبة هذا إذا كان الإيجاب مطلقا عن القرينة فأما إذا كان مقرونا بقرينة فالقرينة لا تخلو إما إن كان وقتا وإما إن كان شرطا وإما إن كان منفعة فإن كان وقتا بأن قال أعمرتك هذه الدار أو صرح فقال جعلت هذه الدار لك عمري أو قال جعلتها لك عمرك أو قال هي لك عمرك أو حياتك فإذا مت أنت فهي رد علي أو قال جعلتها لك عمري أو حياتي فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي فهذا كله هبة وهي للمعمر له في حياته ولورثته بعد وفاته والتوقيت باطل والأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه قال أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فإن من أعمر شيئا فإنه لمن أعمره وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله قال أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا يرجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث وعن جابر قال قال رسول الله من أعمر عمري حياته فهي له ولعقبه يرثها من يرثه بعده فدلت هذه النصوص على جواز الهبة وبطلان التوقيت لأن قوله جعلت هذه الدار لك أو هي لك تمليك العين للحال مطلقا ثم قوله عمري توقيت التمليك وإنه تغيير لمقتضى العقد وكذا تمليك الأعيان لا يحتمل التوقيت نصا كالبيع فكان التوقيت تصرفا مخالفا لمقتضى العقد والشرع فبطل وبقي العقد صحيحا
وإن كانت القرينة شرطا نظر إلى الشرط المقرون فإن كان مما يمنع وقوع التصرف تمليكا للحال يمنع صحة الهبة وإلا فيبطل الشرط وتصح الهبة وعلى هذا يخرج ما إذا قال أرقبتك هذه الدار أو صرح فقال جعلت هذه الدار لك رقبي أو قال هذه الدار لك رقبي ودفعها إليه فهي عارية في يده له أن يأخذها منه متى شاء وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف هذا هبة وقوله رقبى باطل احتج بما روي أن رسول الله أجاز العمرى والرقبى ولأن قوله داري لك تمليك العين لا تمليك المنفعة ولما قال رقبى فقد علقه بالشرط وأنه لا يحتمل التعليق فبطل الشرط وبقي العقد صحيحا ولهذا لو قال داري لك عمرى أنه تصح الهبة ويبطل شرط المعمر كذا هذا واحتجا بما روى الشعبي عن شريح أن رسول الله أجاز العمرى وأبطل الرقبى ومثلهما لا يكذب ولأن قوله داري لك رقبى تعليق التمليك بالخطر لأن معنى الرقبى أنه يقول إن مت أنا قبلك فهي لك وإن مت أنت قبلي فهي لي سمى الرقبى من الرقوب والارتقاب والترقب وهو الانتظار لأن كل واحد منهما ينتظر موت صاحبه قبل موته وذلك غير معلوم فكانت الرقبى تعليق التمليك بأمر له خطر الوجود والعدم والتمليكات مما لا تحتمل التعليق بالخطر فلم تصح هبة وصحت عارية لأنه دفع إليه وأطلق له الانتفاع به وهذا معنى العارية وهذا بخلاف العمرى لأن هناك وقع التصرف تمليكا للحال فهو بقوله عمرى وقت التمليك أنه لا يحتمل التوقيت فيبطل ( ( ( فبطل ) ) ) وبقي العقد على الصحة ولا حجة له في الحديث لأن الرقبى تحتمل أن تكون من المراقبة وهي الانتظار ويحتمل أن تكون من الأرقاب ( ( ( الرقاب ) ) ) وهو هبة الرقبة فإن أريد بها الأول كان حجة له وإن أريد بها الثاني لا يكون حجة لأن ذلك جائز فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يحمل على الثاني توفيقا بين الحديثين صيانة لكلام من يستحيل عليه التناقض عنه وبهذا تبين أن لا اختلاف بينهم في الحقيقة إن كان الرقبى والأرقاب مستعملان ( ( ( مستعملين ) ) ) في اللغة في هبة الرقبة وينبغي أن ينوي فإن عنى به هبة الرقبة يجوز بلا خلاف وإن عنى به مراقبة الموت لا يجوز بلا خلاف ولو قال لرجلين داري لأطولكما حياة فهو باطل لأنه لا يدرى أيهما أطول حياة فكان هذا تعليق التمليك بالخطر فبطل ولو قال داري لك حبيس فهذا عارية عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هو هبة وقوله حبيس باطل بمنزلة الرقبى وجه قوله أن قوله داري لك تمليك وقوله حبيس نفي الملك فلم يصح النفي وبقي التمليك على حاله وجه قولهما أن قوله حبيس خرج تفسيرا لقوله لك فصار كأنه ابتدأ بالحبيس فقال داري حبيس لك ولو قال ذلك كان عارية بالإجماع كذا هذا ولو قال داري رقبى لك كان عارية إجماعا ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ولو وهب جارية على أن بيعها ( ( ( يبيعها ) ) ) أو على أن يتخذها أم ولد أو على أن يبيعها لفلان أو على أن يردها عليه بعد شهر جازت الهبة وبطل الشرط لأن هذه الشروط مما لم تمنع وقوع التصرف تمليكا للحال وهي شروط تخالف مقتضى العقد فتبطل ويبقى العقد على الصحة بخلاف شروط الرقبى على ما بينا وبخلاف البيع فإنه تبطله هذه الشروط لأن القياس أن لا يكون قران الشرط الفاسد لعقد ما مفسرا له لأن ذكره في العقد لم يصح فيلحق بالعدم ويبقى العقد صحيحا إلا أن الفساد في البيع للنهي الوارد فيه ولا نهي في الهبة فيبقى الحكم فيه على الأصل ولأن دلائل شرعية الهبة عامة مطلقة من نحو قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وهذا يجري مجرى الترغيب في أكل المهر وقوله عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا وهذا ندب إلى التهادي والهدية هبة
وروينا عن الصديق رضي الله عنه أنه قال لسيدتنا عائشة رضي الله عنها إني كنت نحلتك كذا وكذا وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها ومن وهب هبة يرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض عنها ونحوه من الدلائل المقتضية لشرعية الهبة من غير فصل بين ما قرن بها شرط ( ( ( شرطا ) ) ) فاسد ( ( ( فاسدا ) ) ) أو لم يقرن وعلى هذا يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو وهب حيوانا واستثنى ما في بطنه أن الهبة جائزة في الأم والولد جميعا والاستثناء باطل والكل للموهوب له وجملة الكلام في العقود التي فيها استثناء الحمل أنها أقسام ثلاثة قسم منها يبطل ويبطل الاستثناء جميعا وقسم منها يصح ويبطل الاستثناء وقسم منها يصح ويصح الاستثناء أما الأول فهو البيع والإجارة والكتابة والرهن لأن الاستثناء لما في البطن بمنزلة شرط فاسد وهذه العقود تبطل بالشروط الفاسدة وأما القسم الثاني فالهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد لأن هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة فيصح العقد ويبطل الاستثناء ويدخل الأم والولد جميعا في العقد لأن الشرط الفاسد وهو الاستثناء فيها إذا لم يصح ( ( ( يصلح ) ) ) التحق بالعدم فصار كأنه لم يستثن وكذا العتق بأن أعتق جارية واستثنى ما في بطنها أنه يصح العتق ولا يصح الاستثناء حتى يعتق الأم والولد جميعا لما قلنا وأما القسم الثالث فالوصية بأن أوصى لرجل بجارية واستثنى ما في بطنها لأنه لما جعل الجارية وصية له واستثنى ما في بطنها فقد أبقى ما في بطنها ميراثا لورثته والميراث يجري فيما في البطن وهذا بخلاف ما إذا أوصى بجارية لرجل واستثنى خدمتها وغلتها لورثته أنه تصح الوصية ويبطل الاستثناء لأن الغلة والخدمة لا يجري فيهما الميراث بانفرادهما بدون الأصل ألا ترى أنه لو أوصى بخدمتها وغلتها لإنسان ومات الموصي ثم مات الموصى له بعد القبول لا تصير الغلة والخدمة ميراثا لورثة الموصى له بل تعود إلى ورثة الموصي وبمثله لو أوصى بما في بطن جاريته لإنسان والمسألة بحالها فإن الولد يصير ميراثا لورثة الموصى له وما افترقا إلا لما ذكرنا والله عز وجل أعلم وإن كانت القرينة منفعة بأن قال داري لك سكنى أو عمرى سكنى أو صدقة سكنى أو هبة سكنى أو سكنى هبة أو هي لك عمرى عارية ودفعها إليه فهذا كله عارية لأنه لما ذكر السكنى في قوله داري لك سكنى أو عمري سكنى أو صدقة سكنى دل على أنه أراد تمليك المنافع لأن قوله هذا لك ظاهرة وإن كان لتملك ( ( ( لتمليك ) ) ) العين لكنه يحتمل تمليك المنفعة لأن الإضافة إلى المستعير والمستأجر منفعة عرفا وشرعا وقوله سكنى موضوع للمنفعة لا تستعمل إلا لها فكان محكما فجعل تفسيرا للمحتمل وبيانا أنه أراد به تمليك المنفعة وتمليك المنفعة بغير عوض هو تفسير العارية وكذا قوله سكنى بعد ذكر الهبة يكون تفسيرا للهبة لأن قوله هبة يحتمل هبة العين ويحتمل هبة المنافع فإذا قال سكنى فقد عين هبة المنافع فكان بيانا لمراد المتكلم أنه أراد هبة المنافع وهبة المنفعة تمليكها من غير عوض وهو معنى العارية وإذا قال سكنى هبة فمعناها أن سكنى الدار هبة لك فكان هبة المنفعة وهو تفسير العارية ولو قال هي لك عمري تسكنها أو هبة تسكنها أو صدقة تسكنها ودفعها إليه فهو هبة لأنه ما فسر الهبة بالسكنى لأنه لم يجعله نعتا فيكون بيانا للمحتمل بل وهب الدار منه ثم شاوره فيما يعمل بملكه والمشورة في ملك الغير باطلة فتعلقت الهبة بالعين وقوله تسكنها بمنزلة قوله لتسكنها كما إذا قال وهبتها لك لتؤاجرها ولو قال هي لك تسكنها كانت هبة أيضا لأن الإضافة بحرف اللام إلى من هو أهل الملك للتمليك وقوله تسكنها مشورة على ما بينا فصل وأما الشرائط فأنواع
بعضها يرجع إلى نفس الركن وبعضها يرجع إلى الواهب وبعضها يرجع إلى الموهوب وبعضها يرجع إلى الموهوب له أما الأول فهو أن لا يكون معلقا بما له خطر الوجود والعدم من دخول زيد وقدوم خالد والرقبى ونحو ذلك ولا مضافا إلى وقت بأن يقول وهبت هذا الشيء منك غدا أو رأس شهر كذا لأن الهبة تمليك العين للحال وإنه لا يحتمل التعليق بالخطر والإضافة إلى الوقت كالبيع وأما ما يرجع إلى الواهب فهو أن يكون ممن يملك التبرع لأن الهبة تبرع فلا يملكها من لا يملك التبرع فلا تجوز هبة الصبي والمجنون لأنهما لا يملكان التبرع لكونه ضررا محضا لا يقابله نفع دنيوي فلا يملكها الصبي والمجنون كالطلاق والعتاق وكذا الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط العوض بلا خلاف لأن المتبرع بمال الصغير قربان ماله لا على وجه الأحسن ولأنه لا يقابله نفه ( ( ( نفع ) ) ) دنيوي وقد قال الله تعالى عز شأنه ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ولأنه إذا لم يقابله عوض دنيوي كان التبرع ضررا محضا وترك المرحمة في حق الصغير فلا يدخل تحت ولاية الولي لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا إضرار ( ( ( ضرار ) ) ) في الإسلام وقوله عليه الصلاة والسلام من لا يرحم صغيرنا فليس منا ولهذا لم يملك طلاق امرأته وإعتاق عبده وسائر التصرفات الضارة المحضة وإن شرط الأب العوض لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يجوز وعلى هذا هبة المكاتب والمأذون أنه لا يجوز عندهما سواء كان بعوض أو بغير عوض وعنده يجوز بشرط العوض والأصل عندهما أن كل من لا يملك التبرع لا يملك الهبة لا بعوض ولا بغير عوض والأصل عنده أن كل من يملك البيع يملك الهبة بعوض وجه قول محمد أن الهبة تمليك فإذا شرط فيها العوض كانت تمليكا بعوض وهذا تفسير البيع وإنما اختلفت العبارة ولا عبرة باختلافها بعد اتفاق المعنى كلفظ البيع مع لفظة التمليك ولهما أن الهبة بشرط العوض تقع تبرعا ابتداء ثم تصير بيعا في الانتهاء بدليل أنها تفيد الملك قبل القبض ولو وقعت بيعا من حين وجودها لما توقف الملك فيه على القبض لأن البيع يفيد الملك بنفسه دل أنها وقعت تبرعا ابتداء وهؤلاء لا يملكون التبرع فلم تصح الهبة حين وجودها فلا يتصور أن تصير بيعا بعد ذلك وأما ما يرجع إلى الموهوب فأنواع منها أن يكون موجودا وقت الهبة فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد بأن وهب ما يثمر نخلة العام وما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك بخلاف الوصية والفرق أن الهبة تمليك للحال وتمليك المعدوم محال والوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت والإضافة لا تمنع جوازها وكذلك لو وهب ما في بطن هذه الجارية أو ما في بطن هذه الشاة أو ما في ضرعها لا يجوز وإن سلطه على القبض عند الولادة والحلب لأنه لا وجه لتصحيحه للحال لاحتمال الوجود والعدم لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل وقد يكون لداء في البطن وغيره وكذا انتفاخ الضرع قد يكون باللبن وقد يكون بغيره فكان له خطر الوجود والعدم ولا سبيل لتصحيحه بالإضافة إلى ما بعد زمان الحدوث لأن التمليك بالهبة مما لا يحتمل الإضافة إلى الوقت فبطل ولهذا لايجوز بيعه بخلاف ما إذا وهب الدين من غير من عليه الدين وسلطه على القبض أنه يصح استحسانا لأنه أمكن تصحيحه للحال لكون الموهوب موجودا مملوكا للحال مقدور القبض بطريقه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى
وكذلك لو وهب زيدا ( ( ( زبدا ) ) ) في لبن أو دهنا في سمسم أو دقيقا في حنطة لا يجوز وإن سلطه على قبضه عند حدوثه لأنه معدوم للحال فلم يوجد محل حكم العقد للحال فلم ينعقد ولا سبيل إلى الإضافة إلى وقت الحدوث فبطل أصلا بخلاف ما إذا وهب صوفا على ظهر الغنم وجزه وسلمه أنه يجوز لأن الموهوب موجود مملوك للحال إلا أنه لم ينفذ للحال لمانع وهو كون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب فإذا جزه فقد زال المانع لزوال الشغل فينفذ عند وجود القبض كما لو وهب شقصا مشاعا ثم قسمه وسلمه ومنها أن يكون مالا متقوما فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلا كالحر والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام والخنزير وغير ذلك على ما ذكرنا في البيوع ولا هبة ما ليس بمال مطلق كأم الولد والمدبر المطلق والمكاتب لكونهم أحرارا من وجه ولهذا لم يجز بيع هؤلاء ولا هبة ما ليس بمتقوم كالخمر ولهذا لم يجز بيعها ومنها أن يكون مملوكا في نفسه فلا تجوز هبة المباحات لأن الهبة تمليك وتمليك ما ليس بمملوك محال ومنها أن يكون مملوكا للواهب فلا تجوز هبة مال الغير بغير إذنه لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك وإن شئت رددت هذا الشرط إلى الواهب وكل ذلك صحيح لأن المالك والمملوك من الأسماء الإضافية والعلقة التي تدور عليها الإضافة هي الملك فيجوز رد هذا الشرط إلى الموهوب ويجوز رده إلى الواهب في صناعة الترتيب فافهم وسواء كان المملوك عينا أو دينا فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين قياسا واستحسانا وأما هبة الدين لغير من عليه الدين فجائز أيضا إذا أذن له بالقبض وقبضه استحسانا والقياس أن لا يجوز وإن أذن له بالقبض وجه القياس أن القبض شرط جواز الهبة وما في الذمة لا يحتمل القبض بخلاف ما إذا وهب لمن عليه لأن الدين في ذمته وذمته في قبضه فكان الدين في قبضه بواسطة قبض الذمة وجه الاستحسان أن ما في الذمة مقدور التسليم والقبض ألا ترى أن المديون يجبر على تسليمه إلا أن قبضه بقبض العين فإذا قبض العين قام قبضها مقام قبض عين ما في الذمة إلا أنه لا بد من الإذن بالقبض صريحا ولا يكتفي فيه بالقبض بحضرة الواهب بخلاف هبة العين لما نذكره في موضعه ومنها أن يكون محوزا فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم كالعبد والحمام والدن ونحوها وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله ليس بشرط وتجوز هبة المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم عنده واحتج بظاهر قوله عز وجل فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أوجب سبحانه وتعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول إلا أن يوجد الحط من الزوجات عن النصف من غير فصل بين العين والدين والمشاع والمقسوم فيدل على جواز هبة المشاع في الجملة
وبما روي أن رسول الله أنه لما شدد في الغلول في الغنيمة في بعض الغزوات فقام عليه الصلاة والسلام إلى سنام بعير وأخذ منه وبرة ثم قال أما إني لا يحل لي من غنيمتكم ولو بمثل هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود فيكم ردوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على صاحبه إلى يوم القيامة فجاء أعرابي بكبة من شعر فقال أخذتها لأصلح بها بردعة بعيري يا رسول الله فقال أما نصيبي فهو لك وسأسلمك الباقي وهذا هبة المشاع فيما يقسم وروي أن رسول الله نزل على أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فنظر إلى موضع المسجد فوجده بين أسعد بن زرارة وبين رجلين من قومه فاستباع أسعد نصيبهما ليهب الكل من رسول الله فأبيا ذلك فوهب أسعد نصيبه من النبي عليه الصلاة والسلام فوهبا أيضا نصيبهما من رسول الله فقد قبل النبي عليه الصلاة والسلام الهبة في نصيب أسعد وقبل في نصيب الرجلين أيضا ولو لم يكن جائزا لما قبل لأن أدنى حال فعل النبي عليه الصلاة والسلام الجواز ولأن الشياع لا يمنع حكم هذا التصرف ولا شرطه لأن حكم الهبة الملك والشياع لا يمنع الملك ألا ترى أنه يجوز بيع المشاع وكذا هبة المشاع فيما لا يقسم وشرطه هو القبض والشيوع لا يمنع القبض لأنه يحصل قابضا للنصف المشاع بتخلية الكل ولهذا جازت هبة المشاع فيما لا يقسم وإن كان القبض فيها شرطا لثبوت الملك كذا هذا ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قال في مرض موته لسيدتنا عائشة رضي الله عنها إن أحب الناس إلي غنى أنت وأعزهم علي فقرا أنت وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي بالعالية وإنك لم تكوني قبضتيه ولا جذيتيه وإنما هو اليوم مال الوارث اعتبر سيدنا الصديق رضي الله عنه القبض والقيمة في الهبة لثبوت الملك لأن الحيازة في اللغة جمع الشيء المفرق في حيز وهذا معنى القسمة لأن الأنصباء الشائعة قبل القسمة كانت متفرقة والقسمة تجمع كل نصيب في حيز وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال ما بال أحدكم ينحل ولده نحلا لا يحوزها ولا يقسمها ويقول إن مت فهو له وإن مات رجعت إلي وأيم الله لا ينحل أحدكم ولده نحلى لا يجوزها ( ( ( يحوزها ) ) ) ولا يقسمها فيموت إلا جعلتها ميراثا لورثته والمراد من الحيازة القبض هنا لأنه ذكرها بمقابلة القسمة حتى لا يؤدي إلى التكرار أخرج الهبة من أن تكون موجبة للملك بدون القبض والقسمة وروي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال من وهب ثلث كذا أو ربع كذا لا يجوز ما لم يقاسم وكل ذلك بمحضر من أصحاب رسول الله ولم ينقل أنه أنكر عليهم منكر فيكون إجماعا ولأن القبض شرط جواز هذا العقد والشيوع يمنع من القبض لأن معنى القبض هو التمكن من التصرف في المقبوض والتصرف في النصف الشائع وحده لا يتصور فإن سكنى نصف الدار شائعا ولبس نصف الثوب شائعا محال ولا يتمكن من التصرف فيه بالتصرف في الكل لأن العقد لم يتناول الكل وهكذا نقول في المشاع الذي لا يقسم أن معنى القبض هناك لم يوجد لما قلنا إلا أن هناك ضرورة لأنه يحتاج إلى هبة بعضه ولا حكم للهبة بدون القبض والشياع مانع من القبض الممكن للتصرف ولا سبيل إلى إزالة المانع بالقسمة لعدم احتمال القسمة فمست الضرورة إلى الجواز وإقامة صورة التخلية مقام القبض الممكن من التصرف ولا ضرورة هنا لأن المحل محتمل للقسمة فيمكن إزالة المانع من القبض الممكن بالقسمة
أو نقول الصحابة رضي الله عنهم شرطوا القبض المطلق والمطلق ينصرف إلى الكامل وقبض المشاع قبض قاصر لوجوده من حيث الصورة دون المعنى على ما بينا إلا أنه اكتفي بالصورة في المشاع الذي لا يحتمل القسمة للضرورة التي ذكرنا ولا ضرورة هنا فلزم اعتبار الكمال في القبض ولا يوجد في المشاع ولأن الهبة عقد تبرع فلو صحت في مشاع يحتمل القسمة لصار عقد ضمان لأن الموهوب له يملك مطالبة الواهب بالقسمة فيلزمه ضمان القسمة فيؤدي إلى تغيير المشروع ولهذا توقف الملك في الهبة على القبض لما أنه لو ملكه بنفس العقد لثبتت له ولاية المطالبة بالتسليم فيؤدي إلى إيجاب الضمان في عقد التبرع وفيه تغيير المشروع كذا هذا بخلاف مشاع لا يحتمل القسمة لأن هناك لا يتصور إيجاب الضمان على المتبرع لأن الضمان ضمان القسمة والمحل لا يحتمل القسمة فهو الفرق وأما الآية فلا حجة له فيها لأن المراد من المفروض الدين لا العين ألا ترى أنه قال إلا أن يعفون والعفو إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل وكذا الغالب في المهر أن يكون دينا وهبة الدين ممن عليه الدين جائز لأنه إسقاط الدين عنه وإنه جائز في المشاع وأما حديث الكبة فيحتمل أن النبي وهب نصيبه منه واستوهب البقية من أصحاب الحقوق فوهبوا وسلموا الكل جملة وفي الحديث ما يدل عليه فإنه قال قال رسول الله وسأسلمك الباقي وما كان هو عليه الصلاة والسلام ليخلف في وعده وهبة المشاع على هذا السبيل جائزة عندنا على أن ذلك كان هبة مشاع لا ينقسم من حيث المعنى لأن كبة واحدة لو قسمت على الجم الغفير لا يصيب كلا منهم إلا نزر حقير لا ينتفع به فكان في معنى مشاع لا ينقسم وأما حديث أسعد بن زرارة فحكاية حال يحتمل أنه وهب نصيبه وشريكاه وهبا نصيبهما منه وسلموا الكل جملة وهذا جائز عندنا ويحتمل أن الأنصباء كانت مقسومة مفرزة ويجوز أن يقال في مثل هذا بينهم إذا كانت الجملة متصلة بعضها ببعض كقرية بين جماعة أنها تضاف إليهم وإن كانت أنصباؤهم مقسومة واحتمل بخلافه فلا يكون حجة مع الاحتمال لأن حكاية الحال لا عموم له ولو قسم ما وهب وأفرزه ثم سلمه إلى الموهوب له جاز لأن هبة المشاع عندنا منعقد موقوف نفاذه على القسمة والقبض بعد القسمة هو الصحيح إذ الشيوع لا يمنع ركن العقد ولا حكمه وهو الملك ولا سائر الشرائط إلا القبض الممكن من التصرف فإذا قسم وقبض فقد زال المانع من النفاذ فينفذ وحديث الصديق رضي الله عنه لا يدل عليه فإنه قال لسيدتنا عائشة رضي الله عنها إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي وكان ذلك هبة المشاع فيما ينقسم لأن النحل من ألفاظ الهبة ولو لم ينعقد لما فعله الصديق رضي الله عنه لأنه ما كان ليعقد عقدا باطلا فدل قول الصديق رضي الله عنه على انعقاد العقد في نفسه وتوقف حكمه على القسمة والقبض وهو عين مذهبنا والله أعلم وكذلك لو وهب نصف داره من رجل ولم يسلم إليه ثم وهب منه النصف الآخر وسلم إليه جملة جاز لما قلنا ولو وهب منه نصف الدار وسلم إليه بتخلية ( ( ( بنحلة ) ) ) الكل ثم وهب منه النصف الآخر وسلم لم تجز الهبة لأن كل واحد منهما هبة المشاع وهبة المشاع فيما يقسم لا تنفذ إلا بالقسمة والتسليم ويستوي فيه الجواب في هبة المشاع بين أن يكون من أجنبي أو شركة شريكه كل ذلك يجوز لقول جماعة من الصحابة رضي الله عنهم لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة من غير فصل ولأن المانع هو الشياع عند القبض وقد وجد وعلى هذا الخلاف صدقة المشاع فيما ينقسم أنه لا يجوز عندنا خلافا للشافعي رحمه الله وجه قوله أن الشياع لا يمنع حكم التصرف وهو الملك ولا شرطه وهو القبض ولا يمنع جوازه كالمفروض ولنا أن القبض شرط جواز الصدقة ومعنى القبض لا يتحقق في الشائع أو لا يتكامل فيه لما بينا في الهبة
ولأن التصدق تبرع كالهبة وتصحيحه في المشاع يصيرها عقد ضمان فيتغير المشروع على ما بينا ( ( ( ينافي ) ) ) في الهبة ولو وهب شيئا ينقسم من رجلين كالدار والدراهم والدنانير ونحوها وقبضاه لم يجز عند أبي حنيفة وجاز عند أبي يوسف ومحمد وأجمعوا على أنه لو وهب رجلان من واحد شيئا ينقسم وقبضه أنه يجوز فأبو حنيفة يعتبر الشيوع عند القبض وهما يعتبرانه عند العقد والقبض جميعا فلم يجوز أبو حنيفة هبة الواحد من اثنين لوجود الشياع وقت القبض وهما جوازها ( ( ( جوزاها ) ) ) لأنه لم يوجد الشياع في الحالين بل وجد أحدهما دون الآخر وجوزوا هبة الاثنين من واحد أما أبو حنيفة رحمه الله فلعدم الشيوع في وقت القبض وأما هما فلانعدامه في الحالين لأنه وجد عند العقد ولم يوجد عند القبض ومدار الخلاف بينهم على حرف وهو أن هبة الدار من رجلين تمليك كل الدار جملة أو تمليك من أحدهما والنصف من الآخر فعند أبي حنيفة تمليك النصف من أحدهما والنصف من الآخر فيكون هبة المشاع فيما ينقسم كأنه أفرد تمليك كل نصف من كل واحد منهما بعقد على حدة وعندهما هي تمليك الكل منهما لا تمليك النصف من هذا والنصف من ذلك فلا يكون تمليك الشائع فيجوز وجه قولهما أن العمل بموجب الصيغة هو الأصل وذلك فيما قلنا لأن قوله وهبت هذه الدار كلها هبة كل الدار جملة منهما لا هبة النصف من أحدهما والنصف من الآخر لأن ذلك توزيع وتفريق واللفظ لا يدل عليه ولا يجوز العدول عن موجب اللفظ لغة إلا لضرورة الصحة وفي العدول عن ظاهر الصيغة ههنا فساد العقد بسبب الشيوع فوجب العمل بظاهر الصيغة وهو تمليك الكل منهما وموجب التمليك منها ثبوت الملك لهما في الكل وإنما يثبت الملك لكل واحد منهما في النصف عند الانقسام ضرورة المزاحمة واستوائهما في الاستحقاق إذ ليس كل واحد منهما أولى من الآخرة ( ( ( الآخر ) ) ) لدخول كل واحد منهما في العقد على السواء كالأخوين في الميراث عند الاستواء في الدرجة إن الميراث يكون بينهما نصفين وإن كان سبب الاستحقاق في حق كل واحد منهما على الكمال حتى لو انفرد أحدهما يستحق كل المال وإذا جاءت المزاحمة مع المساواة في الاستحقاق يثبت عند انقسام الميراث في النصف وكذا الشفيعان يثبت لكل واحد منهما أخذ نصف الدار بالشفعة لضرورة المزاحمة والاستواء في الاستحقاق وإن كان السبب في حق كل واحد منهما صالحا لإثبات حق الشفعة في الكل حتى لو سلم أحدهما يكون الكل للآخر وعلى هذا مسائل فلم يكن الانقسام على التناصف موجب الصيغة بل لتضايق المحل لهذا جاز الرهن من رجلين ( ( ( رجل ) ) ) فكان ذلك رهنا من كل واحد منهما على الكمال إذ لو كان رهن النصف من هذا والنصف من ذلك لما جاز لأنه يكون رهن المشاع لهذا لو قضى الراهن دين أحدهما كان للآخر حبس الكل دل أن ذلك رهن الكل من كل واحد منهما كذا هذا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن هذا تمليك مضاف إلى الشائع فلا يجوز كما إذا ملك نصف الدار من أحدهما والنصف من الآخر بعقد على حدة والدليل على أن هذا تمليك مضاف إلى الشائع أن قوله وهبت هذه الدار منكما إما أن يكون تمليك كل الدار من كل واحد منهما وإما أن يكون تمليك النصف من أحدهما والنصف من الآخر لا سبيل إلى الأول لأن الدار الواحدة يستحيل أن تكون مملوكة لكل واحد منهما على الكمال والمحال لا يكون موجب العقد فتعين الثاني وهو أن يكون تمليك النصف من أحدهما والنصف من الآخر لهذا لم يملك كل منهما التصرف في كل الدار بل في نصفها ولو كان كل الدار مملوكا لكل واحد منهما لملك وكذا كل واحد منهما يملك مطالبة صاحبه بالتهايؤ أو بالقسمة وهذا آية ثبوت الملك له في النصف
وإذا كان هذا تمليك الدار لهما على التناصف كان تمليكا مضافا إلى الشائع كأنه أفرد لكل واحد منهما العقد في النصف والشيوع يؤثر في القبض الممكن من التصرف على ما مر وقد خرج الجواب عن قولهما إن موجب الصيغة ثبوت الملك في كل الدار لكل واحد منهما على الكمال لما ذكرنا أن هذا محال والمحال لا يكون موجب العقد ولا العاقد بعقده يقصد أمرا محالا أيضا فكان موجب العقد التمليك منهما على التناصف لأن هذا تمليك الدار منهما فكان عملا بموجب الصيغة من غير إحالة فكان أولى بخلاف الرهن فإن الدار الواحدة تصلح مرهونة عند كل واحد منهما لأن الرهن هو الحبس واجتماعهما على الحبس متصور بأن يحبساه معا أو يضعاه جميعا على يدي عدل فتكون الدار محبوسة كلها عند كل واحد منهما وهذا مما لا يمكن تحقيقه في الملك فهو الفرق وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا وهب من رجلين فقسم ذلك وسلم إلى كل واحد منهما جاز لأن المانع هو الشيوع عند القبض وقد زال هذا إذا وهب من رجلين شيئا مما يقسم فإن كان مما لا يقسم جاز بالإجماع لما ذكرنا فيما تقدم ثم على أصلهما إذا قال لرجلين وهبت لكما هذه الدار لهذا نصفها ولهذا نصفها جاز لأن قوله لهذا نصفها ولهذا نصفها خرج تفسيرا للحكم الثابت بالعقد إذ لا يمكن جعله تفسيرا لنفس العقد لأن العقد وقع تمليك الدار جملة منهما على ما بينا فجعل تفسيرا لحكمه فلا يوجب ذلك إشاعة في العقد ولو قال وهبت لك نصفها ولهذا نصفها لم يجز لأن الشيوع دخل على نفس العقد فمنع الجواز ولو قال وهبت لكما هذه الدار ثلثها لهذا وثلثاها لهذا لم يجز عند أبي يوسف وجاز عند محمد وجه قوله ( ( ( قول ) ) ) محمد أن العقد متى جاز لاثنين يستوي فيه التساوي والتفاضل كعقد البيع وجه قول أبي يوسف أن الجواز عند التساوي بطريق التفسير للحكم الثابت بالعقد وذلك لا يوجب شيوعا في العقد ولما فضل أحد النصيبين عن الآخر تعذر جعله تفسيرا لأن مطلق العقد لا يحتمل التفاضل فكان تفضيل أحد النصيبين في معنى إفراد العقد لكل واحد منهما فكان هبة المشاع والشيوع يؤثر في الهبة ولا يؤثر في البيع ولو رهن من رجلين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه أو نصفه لهذا ونصفه لذلك على التفاضل والتناصف لا يجوز بالإجماع بخلاف ما إذا أبهم بأن قال وهبت منكما أنه يجوز ولو وهب من فقيرين شيئا ينقسم فالهبة من فقيرين بمنزلة التصدق عليهما لأن الهبة من الفقير صدقة لأنه يبتغي بها وجه الله تعالى وسنذكر حكمها إن شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج هبة الشجر دون الثمر والثمر دون الشجر والأرض دون الزرع والزرع دون الأرض إنها غير جائزة لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب اتصال جزء بجزء فكان كهبة المشاع ولو فضل ( ( ( فصل ) ) ) وسلم جاز كما في هبة المشاع ولو تصدق بعشرة دراهم على رجلين فإن كانا غنيين لم يجز عند أبي حنيفة ويجوز عندهما لأن التصدق على الغني ميتة ( ( ( هبة ) ) ) في الحقيقة والهبة من اثنين لا تجوز وعندهما جائز ( ( ( جائزة ) ) ) وإن كانا فقيرين فعندهما تجوز كما تجوز في الهبة من رجلين وعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان في كتاب الهبة لا يجوز وفي الجامع الصغير يجوز وجه رواية كتاب الهبة أن الشياع كما يمنع جواز الهبة يمنع جواز الصدقة على ما ذكرنا فيما تقدم وههنا يتحقق الشيوع في القبض
وجه رواية الجامع وهي الصحيحة أن معنى الشيوع في القبض لا يتحقق في الصدقة على فقيرين لأن المتصدق يتقرب بالصدقة إلى الله عز وجل ثم الفقير يقبض من الله تعالى قال الله تبارك وتعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وقال عليه الصلاة والسلام الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد الفقير والله تعالى واحد لا شريك له فلا يتحقق معنى الشيوع كما لو تصدق على فقير واحد ثم وكل بقبضها وكيلين بخلاف التصدق على غنيين لأن الصدقة على الغني يبتغى بها وجه الغني فكانت هدية لا صدقة قال عليه الصلاة والسلام الصدقة يبتغى بها وجه الله تعالى والدار الآخرة والهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة والهدية هبة فيتحقق معنى الشيوع في القبض وأنه مانع من الجواز عنده ومنها القبض وهو أن يكون الموهوب مقبوضا وإن شئت رددت هذا الشرط إلى الموهوب له لأن القابض والمقبوض من الأسماء الإضافية والعلقة التي تدور عليها الإضافة من الجانبين هي القبض فيصح رده إلى كل واحد منهما في صناعة الترتيب فتأمل والكلام في هذا الشرط في موضعين في بيان أصل القبض أنه شرط أم لا وفي بيان شرائط صحة القبض أما الأول فقد اختلف فيه قال عامة العلماء شرط والموهوب قبل القبض على ملك الواهب يتصرف فيه كيف شاء وقال مالك رحمه الله ليس بشرط ويملكه الموهوب له من غير قبض وجه قوله أن هذا عقد تبرع بتمليك العين فيفيد الملك قبل القبض كالوصية ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم وهو ما روينا أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما اعتبرا القسمة والقبض لجواز النحلى بحضرة الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر فيكون إجماعا وروي عن سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة ولم يرد عن غيرهم خلافه ولأنها عقد تبرع فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فتصير عقد ضمان وهذا تغيير المشروع بخلاف الوصية لأنه ليس في إيجاب الملك فيها قبل القبض تغييرها عن موضعها إذ لا مطالبة قبل المتبرع وهو الموصي لأنه ميت وكذلك القبض شرط جواز الصدقة لا يملك قبل القبض عند عامة العلماء وقال ابن أبي ليلى وغيره من أهل الكوفة ليس بشرط وتجوز الصدقة إذا أعلمت وإن لم تقبض ولا تجوز الهبة ولا النحلى إلا مقبوضة واحتجوا بما روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما قالا إذا أعلمت ( ( ( علمت ) ) ) الصدقة جازت من غير شرط القبض ولنا ما روي عن رسول الله أنه قال خبرا عن الله سبحانه وتعالى يا ابن آدم تقول مالي مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت اعتبر الله سبحانه وتعالى الإمضاء في الصدقة والإمضاء هو التسليم دل أنه شرط وروي عن سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وابن عباس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أنهم قالوا لا تتم الصدقة إلا بالقبض ولأن التصدق عقد تبرع فلا يفيد الحكم بنفسه كالهبة وما روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما محمول على صدقة الأب على ابنه الصغير وبه نقول لا حاجة هناك إلى القبض حملناه على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض
والثاني شرائط صحة القبض فأنواع منها أن يكون القبض بإذن المالك لأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في باب البيع حتى لو قبض المشتري من غير إذن البائع قبل نقد الثمن كان للبائع حق الاسترداد فلأن يكون في الهبة أولى لأن البيع يصح بدون القبض والهبة لا صحة لها بدون القبض فلما كان الإذن بالقبض شرطا لصحته فيما لا يتوقف صحته على القبض فلأن يكون شرطا فيما يتوقف صحته على القبض أولى ولأن القبض في باب الهبة يشبه الركن وإن لم يكن ركنا على الحقيقة فيشبه القبول في باب البيع ولا يجوز القبول من غير إذن البائع ورضاه فلا يجوز القبض من غير إذن الواهب أيضا والإذن نوعان صريح ودلالة أما الصريح فنحو أن يقول اقبض أو أذنت لك بالقبض أو رضيت وما يجري هذا المجرى فيجوز قبضه سواء قبضه بحضرة الواهب أو بغير حضرته استحسانا والقياس أن لا يجوز قبضه بعد الافتراق عن المجلس وهو قول زفر رحمه الله لأن القبض عنده ركن بمنزلة القبول على أحد قوليه فلا يصح بعد الافتراق عن المجلس كما لا يصح القبول عنده بعد الافتراق وإن كان بإذن الواهب كالقبول في باب البيع وجه الاستحسان ما روي أن رسول الله حمل إليه ست بدنات فجعلن يزدلفن إليه فقام عليه الصلاة والسلام فنحرهن بيده الشريفة وقال من شاء فليقطع وانصرف فقد أذن لهم رسول الله بالقبض بعد الافتراق حيث أذن لهم بالقطع فدل على جواز القبض واعتباره بعد الافتراق ولأن الإذن بقبض الواهب صريحا بمنزلة إذن البائع بقبض المبيع وذلك يعمل بعد الافتراق كذا هذا وأما الدلالة فهي أن يقبض الموهوب له العين في المجلس ولا ينهاه الواهب فيجوز قبضه استحسانا والقياس أن لا يجوز كما لا يجوز بعد الافتراق وهو قول زفر وقد ذكرنا القياس والاستحسان في الزيادات ولو قبض المشتري المبيع بيعا جائزا بحضرة البائع قبل نقد الثمن لم يجز قبضه قياسا واستحسانا حتى كان له أن يسترد وفي البيع الفاسد اختلاف روايتي الكرخي والطحاوي رحمهما الله ذكرناهما في البيوع وجه القياس أن القبض ركن في الهبة كالقبول فيها فلا يجوز من غير إذن كالقبول من باب البيع وجه الاستحسان أن الإذن بالقبض وجد من طريق الدلالة لأن الإقدام على إيجاب الهبة إذن بالقبض لأنه دليل قصد التمليك ولا ثبوت للملك إلا بالقبض فكان الإقدام على الإيجاب إذنا بالقبض دلالة والثابت دلالة كالثابت نصا بخلاف ما بعد الافتراق لأن الإقدام دلالة الإذن بالقبض في المجلس لا بعد الافتراق ولأن للقبض في باب الهبة شبها بالركن فيشبه القبول في باب البيع وإيجاب البيع يكون إذنا بالقبول في المجلس لا بعد الافتراق فكذا إيجاب الهبة يكون إذنا بالقبض لا بعد الافتراق ولو وهب شيئا متصلا بغيره مما لا تقع عليه الهبة كالثمر المعلق على الشجر دون الشجر أو الشجر دون الأرض أو حلية السيف دون السيف أو القفيز من الصبرة أو الصوف على ظهر الغنم وغير ذلك مما لا جواز للهبة فيه إلا بالفصل والقبض ففصل وقبض فإن قبض بغير إذن الواهب لم يجز القبض سواء كان الفصل والقبض بحضرة الواهب أو بغير حضرته ولأن الجواز في المنفصل عند حضرة الواهب للإذن الثابت دلالة الإيجاب ولم يوجد ههنا لأن الإيجاب لم يقع صحيحا حين وجوده فلا يصح الاستدلال على الإذن بالقبض وإن قبض بإذنه يجوز استحسانا والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر بناء على أن العقد إذا وقع فاسدا من حين وجوده لا يحتمل الجواز عنده بحال لاستحالة انقلاب الفاسد جائزا وعندنا يحتمل الجواز بإسقاط المفسد مقصورا على الحال أو من حين وجود العقد بطريق البيان على اختلاف الطريقين اللذين ذكرناهما في كتاب البيع وكذلك إذا وهب دينا له على إنسان لآخر إنه إن قبض الموهوب له بإذن الواهب صريحا جاز قبضه استحسانا والقياس أن لا يجوز وقد ذكرنا وجه القياس والاستحسان فيما تقدم وإن قبضه بحضرته ولم ينهه عن ذلك لا يجوز قياسا واستحسانا فرق بين العين والدين
ووجه الفرق أن الجواز في هبة العين عند عدم التصريح بالإذن لكون الإيجاب فيها دلالة الإذن بالقبض لكون دلالة قصده تمليك ما هو ملكه من الموهوب له وإيجاب الهبة في الدين لغير من عليه الدين لا تصح دلالة الإذن بقبضه لأن دلالته بواسطة دلالة قصد التمليك وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يتحقق إلا بالتصريح بالإذن بالقبض لأنه إذا أذن له بالقبض صريحا قام قبضه مقام قبض الواهب فيصير بقبض العين قابضا للواهب أولا ويصير المقبوض ملكا له أولا ثم يصير قابضا لنفسه من الواهب فيصير الواهب على هذا التقدير الذي ذكرنا واهبا ملك نفسه والموهوب له قابضا ملك الواهب فصحت الهبة والقبض وإذا لم يصرح بالإذن بالقبض بقي المقبوض من المال العين على ملك من عليه فلم تصح الهبة فيه فلا يجوز قبض الموهوب له فهو الفرق بين الفصلين ومنها أن لا يكون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب لأن معنى القبض وهو التمكن من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع الشغل وعلى هذا يخرج ما إذا وهب دارا فيها متاع الواهب وسلم الدار إليه أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع فإنه لا يجوز لأن الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد قيل الحيلة في صحة التسليم أن يودع الواهب المتاع عند الموهوب له أولا ويخلي بينه وبين المتاع ثم يسلم الدار إليه فتجوز الهبة فيها لأنها مشغولة بمتاع هو في يد الموهوب له وفي هذه الحيلة إشكال وهو أن يد المودع يد المودع معنى فكانت يده قائمة على المتاع فتمنع صحة التسليم ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلم فارغا جاز وينظر إلى حال القبض لا إلى حال العقد لأن المانع من النفاذ قد زال فينفذ كما في هبة المشاع ولو وهب ما فيها من المتاع دون الدار وخلى بينه وبين المتاع جازت الهبة لأن المتاع لا يكون مشغولا بالدار والدار تكون مشغولة بالمتاع لهذا افترقا فيصح تسليم المتاع ولا يصح تسليم الدار ولو جمع في الهبة بين المتاع وبين الدار الذي فيها فوهبهما جميعا صفقة واحدة وخلى بينه وبينهما جازت الهبة فيهما جميعا لأن التسليم قد صح فيهما جميعا فإن فرق بينهما في الهبة بأن وهب أحدهما ثم وهب الآخر فهذا لا يخلو إما إن جمع بينهما في التسليم وإما إن فرق فإن جمع جازت الهبة فيهما جميعا وإن فرق بأن وهب أحدهما وسلم ثم وهب الآخر وسلم نظر في ذلك وروعي فيه الترتيب إن قدم هبة الدار فالهبة في الدار لم تجز لأنها مشغولة بالمتاع فلم يصح تسليم الدار وجازت في المتاع لأنه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه ولو قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعا أما في المتاع فلأنه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه وأما في الدار فلأنها وقت التسليم كانت مشغولة بمتاع هو ملك الموهوب فلا يمنع صحة القبض وعلى هذا الأصل أيضا يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو حيوانا واستثنى ما في بطنه أنه لا يجوز لأنه لو جاز لكان ذلك هبة ما هو مشغول بغيره وإنها غير جائزة لأنه لا جواز لها بدون القبض وكون الموهوب مشغولا بغيره يمنع صحة القبض ولو أعتق ما في بطن جاريته ثم وهب الأم يجوز وذكر في العتاق أنه لو دبر ما في بطن جاريته لا يجوز منهم من قال في المسألة روايتان وجه رواية عدم الجواز أن الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فأشبه هبة دار فيها متاع الواهب وجه رواية الجواز وهي رواية الكرخي إن حرية الجنين تجعله مستثنى من العقد لأن حكم العقد لم يثبت فيه مع تناوله إياه ظاهرا وهذا معنى الاستثناء ولو استثناه لفظا جازت الهبة في الأم فكذا إذا كان مستثنى في المعنى ومنهم من قال في المسألة رواية واحدة وفرق بين الإعتاق والتدبير ووجه الفرق أن المدبر مال المولى فإذا وهب الأم فقد وهب ما هو مشغول بمال الواهب فلم يجز كهبة دار فيها متاع الواهب
وأما الحر فليس بمال فصار كما لو وهب دارا فيها حر جالس وذا لا يمنع جواز الهبة كذا هذا ومنها أن لا يكون الموهوب متصلا بما ليس بموهوب اتصال الأجزاء لأن قبض الموهوب وحده لا يتصور وغيره ليس بموهوب فكان هذا في معنى المشاع وعلى هذا يخرج ما إذا وهب أرضا فيها زرع دون الزرع أو شجرا عليها ثمر دون الثمر أو وهب الزرع دون الأرض أو الثمر دون الشجر وخلى بينه وبين الموهوب له أنه لا يجوز لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب اتصال جزء بجزء فمنع صحة القبض ولو جذ الثمر وحصد الزرع ثم سلمه فارغا جاز لأن المانع من النفاذ وهو ثبوت الملك قد زال ولو جمع بينهما في الهبة فوهبهما جميعا وسلم متفرقا جاز ولو فرق بينهما في الهبة فوهب كل واحد منهما بعقد على حدة بأن وهب الأرض ثم الزرع أو الزرع ثم الأرض فإن جمع بينهما في التسليم جازت الهبة فيهما جميعا وإن فرق لا تجوز الهبة فيهما جميعا قدم أو أخر سواء بخلاف الفصل الأول لأن المانع من صحة القبض هنا الاتصال وإنه لا يختلف والمانع هناك الشغل وإنه يختلف نظير هذا ما إذا وهب نصف الدار مشاعا من رجل ولم يسلم إليه حتى وهب النصف الباقي منه وسلم الكل أنه يجوز ولو وهب النصف وسلم ثم وهب الباقي وسلم لا يجوز كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا وهب صوفا على ظهر غنم إنه لا يجوز لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب وهذا يمنع صحة القبض ولو جزه وسلمه جاز لزوال المانع والله عز وجل أعلم وعلى هذا إذا وهب دابة وعليها حمل بدون الحمل لا تجوز ولو رفع الحمل عنها وسلمها فارغا جاز لما قلنا بخلاف هبة ما في بطن جاريته أو ما في بطن غنمه أو ما في ضرعها أو هبة سمن في لبن أو دهن في سمسم أو زيت في زيتون أو دقيق في حنطة أنه يبطل وإن سلطه على قبضه عند الولادة ( ( ( الولاة ) ) ) أو عند استخراج ذلك لأن الموهوب هناك ليس محل العقد لكونه معدوما لهذا لم يجز بيعها فلا تجوز هبتها وهنا بخلافه على ما تقدم ومنها أهلية القبض وهي العقل فلا يجوز قبض المجنون والصبي الذي لا يعقل وأما البلوغ فليس بشرط لصحة القبض استحسانا فيجوز قبض الصبي العاقل ما وهب له والقياس أن يكون شرطا ولا يجوز قبض الصبي وإن كان عاقلا وجه القياس أن القبض من باب الولاية ولا ولاية له على نفسه فلا يجوز قبضه في الهبة كما لا يجوز في البيع وجه الاستحسان أن قبض الهبة من التصرفات النافعة المحضة فيملكه الصبي العاقل كما يملك وليه ومن هو في عياله وكذا الصبية إذا عقلت جاز قبضها لما قلنا وكذلك الحرية ليست بشرط فيجوز قبض العبد المحجور عليه إذا وهب له هبة ولا يجوز قبض المولى عنه سواء كان على العبد دين أو لا فالقبض إلى العبد والملك للمولى في المقبوض لأن القبض من حقوق العقد والعقد وقع للعبد فكان القبض إليه ولأن الأصل في بني آدم الحرية والرق لعارض فكان الأصل فيهم إطلاق التصرف لهم والانحجار لعارض الرق عن التصرف يتضمن الضرر بالمولى ولم يوجد فبقي فيه على أصل الحرية والمقبوض كسب العبد وكسب العبد القن للمولى وكذلك المكاتب إذا وهب له هبة فالقبض إليه ولا يجوز قبض المولى عنه لما قلنا في القن فإذا قبض المكاتب فهو أحق به فلا يملكه المولى لأن الهبة كسبه والمكاتب أحق باكتسابه ومنها الولاية في أحد نوعي القبض وجملة الكلام فيه أن القبض نوعان قبض بطريق الأصالة وقبض بطريق النيابة أما القبض بطريق الأصالة فهو أن يقبض بنفسه لنفسه وشرط جوازه العقل فقط على ما بينا وأما القبض بطريق النيابة فالنيابة في القبض نوعان نوع يرجع إلى القابض ونوع يرجع إلى نفس القبض
أما الأول الذي يرجع إلى القابض فهو القبض للصبي وشرط جوازه الولاية بالحجر والعيلة عند عدم الولاية فيقبض للصبي وليه أو من كان الصبي في حجره وعياله عند عدم الولي فيقبض له أبوه ثم وصي أبيه بعده ثم جده أبو أبيه بعد أبيه ووصيه ثم وصي جده بعده سواء كان الصبي في عيال هؤلاء أو لم يكن فيجوز قبضهم على هذا الترتيب حال حضرتهم لأن لهؤلاء ( ( ( هؤلاء ) ) ) ولاية عليهم فيجوز قبضهم له وإذا غاب أحدهم غيبة منقطعة جاز قبض الذي يتلوه في الولاية لأن التأخير إلى قدوم الغائب تفويت المنفعة على الصغير فتنتقل الولاية إلى من يتلوه وإن كان دونه كما في ولاية الإنكاح ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأربعة مع وجود واحد منهم سواء كان الصبي في عيال القابض أو لم يكن وسواء كان ذا رحم محرم منه كالأخ والعم والأم ونحوهم أو أجنبيا لأنه ليس لغير هؤلاء ولاية التصرف في مال الصبي فقيام ولاية التصرف لهم تمنع ثبوت حق القبض لغيرهم فإن لم يكن أحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من كان الصبي في حجره وعياله استحسانا والقياس أن لا يجوز لعدم الولاية ولا يجوز قبض من لم يكن في عياله أجنبيا كان أو ذا رحم محرم منه قياسا واستحسانا وإنما كان كذلك لأن الذي في عياله له عليه ضرب ولاية ألا ترى أنه يؤدبه ويسلمه في الصنائع التي للصبي فيها منفعة وللصبي في قبض الهبة منفعة محضة فقيام هذا القدر من الولاية يكفي لتصرف فيه منفعة محضة للصبي وأما من ليس في عياله فلا ولاية له عليه أصلا فلا يجوز قبضه له كالأجنبي والقبض للصبية إذا عقلت ولها زوج قد دخل بها زوجها أيضا استحسانا لأنها في عياله لكن هذا إذا لم يكن أحد من هؤلاء فأما عند وجود واحد منهم فلا يجوز قبض الزوج كذا ذكره الحاكم الجليل في مختصره وأما الثاني الذي يرجع إلى نفس القبض فهو أن القبض الموجود في الهبة ينوب عن قبض الهبة سواء كان الموجود وقت العقد مثل قبض الهبة أو أقوى منه لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب إذ المتماثلان غير أن ينوب كل واحد منهما مقام صاحبه ويسد مسده فتثبت المناوبة مقتضى المماثلة وإذا كان أقوى منه يوجد فيه المستحق وزيادة وبيان هذا في مسائل إذا كان الموهوب في يد الموهوب له وديعة أو عارية فوهب منه جازت الهبة وصار قابضا بنفس العقد ووقع العقد والقبض معا ولا يحتاج إلى تجديد القبض بعد العقد استحسانا والقياس أن لا يصير قابضا ما لم يجدد القبض وهو أن يخلي بين نفسه وبين الموهوب بعد العقد وجه القياس أن يد المودع إن كانت يده صورة فهي يد المودع معنى فكان المال في يده فصار كأنه وهب له ما في يده فلا بد من القبض بالتخلية وجه الاستحسان أن القبضين متماثلان لأن كل واحد منهما قبض غير مضمون إذ الهبة عقد تبرع وكذا عقد الوديعة والعارية فتماثل القبضان ( ( ( القابضان ) ) ) فيتناوبان ضرورة بخلاف بيع الوديعة والعارية من المودع والمستعير لأن قبضهما لا ينوب عن قبض البيع لأنه قبض أمانة وقبض البيع قبض ضمان فلم يتماثل القبضان بل الموجود أدنى من المستحق فلم يتناوبا ولو كان الموهوب في يده مغصوبا أو مقبوضا ببيع فاسد أو مقبوضا على سوم الشراء فكذا ينوب ذلك عن قبض الهبة لوجود المستحق بالعقد وهو أصل القبض وزيادة ضمان ولو كان الموهوب مرهونا في يده ذكر في الجامع أنه يصير قابضا وينوب قبض الرهن عن قبض الهبة لأن قبض الهبة قبض أمانة وقبض الرهن في حق العين قبض أمانة أيضا فيتماثلان فناب أحدهما عن الآخر ولئن كان قبض الرهن قبض ضمان فقبض الضمان أقوى من قبض الأمانة والأقوى ينوب عن الأدنى لوجود الأدنى فيه وزيادة وإذا صحت الهبة بالقبض بطل الرهن ويرجع المرتهن بدينه على الراهن
وذكر الكرخي أنه لا يصير قابضا حتى يجدد القبض بعد عقد الهبة لأن قبض الرهن وإن كان قبض ضمان لكن هذا ضمان لا تصح البراءة منه فلا يحتمل الإبراء بالهبة ليصير قبض أمانة فيتجانس القبضان فيبقى قبض ضمان فاختلف القبضان فلا يتناوبان بخلاف المغصوب والمقبوض على سوم الشراء لأن ذلك الضمان مما تصح البراءة عنه فيبرأ عنه بالهبة ويبقى قبض بغير ضمان فتماثل القبضان ( ( ( القابضان ) ) ) فيتناوبان ولو كان مبيعا قبل القبض فوهب من البائع جاز ولكن لا يكون هبة بل يكون إقالة حتى لا تصح بدون قبول البائع ولو باعه من البائع قبل القبض لا يجعل إقالة بل يبطل أصلا ورأسا والفرق بينهما ما ذكرنا في كتاب البيوع ولو نحل ابنه الصغير شيئا جاز ويصير قابضا له مع العقد كما إذا باع ماله منه حتى لو هلك عقيب البيع يهلك من مال الابن لصيرورته قابضا للصغير مع العقد وينبغي للرجل أن يعدل بين أولاده في النحلى لقوله سبحانه وتعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وأما كيفية العدل بينهم فقد قال أبو يوسف العدل في ذلك أن يسوي بينهم في العطية ولا يفضل الذكر على الأنثى وقال محمد العدل بينهم أن يعطيهم على سبيل الترتيب في المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين كذا ذكر القاضي الاختلاف بينهما في شرح مختصر الطحاوي وذكر محمد في الموطأ ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده في النحلى ( ( ( النحل ) ) ) ولا يفضل بعضهم على بعض وظاهر هذا يقتضي أن يكون قوله مع قول أبي يوسف وهو الصحيح لما روي أن بشيرا أبا النعمان أتى بالنعمان إلى رسول الله فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال له رسول الله كل ولدك نحلته مثل هذا فقال لا فقال النبي عليه الصلاة والسلام فأرجعه وهذا إشارة إلى العدل بين الأولاد في النحلة وهو التسوية بينهم ولأن في التسوية تأليف القلوب والتفضيل يورث الوحشة بينهم فكانت التسوية أولى ولو نحل بعضا وحرم بعضا جاز من طريق الحكم لأنه تصرف في خالص ملكه لا حق لأحد فيه إلا أنه لا يكون عدلا سواء كان المحروم فقيها تقيا أو جاهلا فاسقا على قول المتقدمين من مشايخنا وأما على قول المتأخرين منهم لا بأس أن يعطي المتأدبين والمتفقهين دون الفسقة الفجرة فصل وأما حكم الهبة فالكلام فيه في ثلاث مواضع في بيان أصل الحكم وفي بيان صفته وفي بيان ما يرفع الحكم أما أصل الحكم فهو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض لأن الهبة تمليك العين من غير عوض فكان حكمها ملك الموهوب من غير عوض وأما صفته فقد اختلف فيها قال أصحابنا هي ثبوت ملك غير لازم في الأصل وللواهب أن يرجع في هبته وإنما يثبت اللزوم ويمتنع الرجوع بأسباب عارضة وقال الشافعي رحمه الله الثابت بالهبة ملك لازم في الأصل ولا يثبت الرجوع إلا في هبة الولد خاصة وهي هبة الوالد لولده فنقول يقع الكلام في هذا الفصل في مواضع في بيان ثبوت حق الرجوع في الهبة وفي بيان شرائط صحة الرجوع بعد ثبوت الحق وفي بيان العوارض المانعة من الرجوع وفي بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعا أما ثبوت حق الرجوع فحق الرجوع في الهبة ثابت عندنا خلافا للشافعي رحمه الله احتج بما روي عن رسول الله أنه قال لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا فيما يهب الوالد لولده وهذا نص في مسألة هبة الأجنبي والوالد وروي عن رسول الله أنه قال العائد في هبته كالعائد في قيئه والعود في القيء حرام كذا في الهبة ولأن الأصل في العقود هو اللزوم والامتناع بعارض خلل في المقصود ولم يوجد لأن المقصود من الهبة اكتساب الصيت بإظهار الجود والسخاء لا طلب العوض فمن طلب منهما العوض فقد طلب من العقد ما لم يوضع له فلا يعتبر طلبه أصلا ولنا الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم