İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل قوله الوتر ركعة يحتمل أنه أراد جميع الوتر ركعة وما يصلى قبله ليس من الوتر كما قال الإمام أحمد إنا نذهب في الوتر إلى ركعة ولكن يكون قبلها صلاة عشر ركعات ثم يوتر ويسلم ويحتمل أنه أراد أقل الوتر ركعة فإن أحمد قال إنا نذهب في الوتر إلى ركعة وإن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس وممن روي عنه أنه أوتر بثلاث عمر وعلي وأبي وأنس وابن مسعود وابن عباس وأبو أمامة وعمر بن عبد العزيز وبه قال أصحاب الرأي قال أبو الخطاب أقل الوتر ركعة وأكثره إحدى عشر ركعة وأدنى الكمال ثلاث ركعات وقال الثوري وإسحاق الوتر ثلاث وخمس وسبع وإحدى عشرة وقال أبو موسى ثلاث أحب إلي من واحدة وخمس أحب إلي من ثلاث وسبع أحب إلي من خمس وتسع أحب إلي من سبع وقال ابن عباس إنما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك يوتر بما شاء وقد روى أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل أخرجه أبو داود وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بتسع وروت أنه كان يوتر بسبع وروت أنه كان يوتر بخمس رواهن مسلم وعن عبد الله بن قيس قال قلت لعائشة بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر قالت كان يوتر بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وعشر وثلاث ولم يكن يوتر بأقل من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة رواه أبو داود مسألة قال ( يقنت فيها ) يعني أن القنوت مسنون في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة هذا المنصوص عند أصحابنا وهذا قول ابن مسعود وإبراهيم وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك عن الحسن وعنأحمد رواية أخرى أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان وروي ذلك عن علي وأبي وبه قال ابن سيرين وسعيد بن أبي الحسن والزهري ويحيى بن ثابت ومالك والشافعي واختاره أبو بكر الأثرم لما روي عن الحسن أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي لهم عشرين ليلة ولا يقنت إلا في النصف الثاني رواه أبو داود وهذا كالإجماع وقالقتادة يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان لهذا الخبر وعن ابن عمر أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان وعنه لا يقنت في صلاة بحال والرواية الأولى هي المختارة عند أكثر الأصحاب وقد قال أحمد في رواية المروذي كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان ثم إني قنت هو دعاء وخير ووجهه ما روي عن أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وكان للدوام وفعل أبي يدل على أنه رآه ولا ينكر اختلاف الصحابة في هذا ولأنه وتر فيشرع فيه القنوت كالنصف الآخر ولأنه ذكر يشرع في الوتر فيشرع في جميع السنة كسائر الأذكار فصل ويقنت بعد الركوع نص عليه أحمد وروي نحو ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وأبو قلابة وأبي المتوكل وأيوب السختياني وبه قال الشافعي وروي عن أحمد أنه قال أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع فإنه قنت قبله فلا بأس ونحو هذا قال أيوب السختياني
لما روى حميد قال سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال كنا نقنت قبل الركوع وبعده رواه ابن ماجة وقال مالك وأبو حنيفة يقنت قبل الركوع وروي ذلك عن أبي وابن مسعود وأبي موسى والبراء وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وحميد الطويل لأن في حديث أبي ويقنت قبل الركوع وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع رواه مسلم قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن هذه المسألة فقال أقنت بعد الركوع وذكر حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير واحد قنت بعد الركوع وحديث ابن مسعود يرويه أبان بن أبي عياش وهو متروك الحديث وحديث أبي قد تكلم فيه أيضا وقيل ذكر القنوت فيه غير صحيح والله أعلم فصل ويستحب أن يقول في قنوت الوتر ما روى الحسن بن علي رضي الله عنهما قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت أخرجه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئا أحسن من هذا ويقول ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في وتره وقد ذكرناه عن عمر رضي الله عنه أنه قنت في صلاة الفجر فقال بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك وهاتان سورتان في مصحف أبي بن كعب وروى أبو عبيد بإسناده عن عروة أنه قال قرأت في مصحف أبي بن كعب هاتين السورتين اللهم إنا نستعينك اللهم إياك نعبد وقالابن سيرين كتبهما أبي في مصحفه يعني إلى قوله بالكفار ملحق قال ابن قتيبة نحفد نبادر وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع والجد بكسر الجيم أي الحق لا اللعب ملحق بكسر الحاء لاحق هكذا يروى هذا الحرف يقال لحقت القوم وألحقتهم بمعنى واحد ومن فتح الحاء أراد أن الله يلحقه إياه وهو معنى صحيح غير أن الرواية هي الأولى وقال الخلال سألت ثعلبا عن ملحق وملحق فقال العرب تقولهما معا فصل إذا أخذ الإمام في القنوت أمن من خلفه لا نعلم فيه خلافا وقاله إسحاق وقال القاضي وإن دعوا معه فلا بأس وقيل لأحمد إذا لم أسمع قنوت الإمام أدعو قال نعم فيرفع يديه في حال القنوت قال الأثرم كان أبو عبد الله يرفع يديه في القنوت إلى صدره واحتج بأن ابن مسعود رفع يديه في القنوت إلى صدره وروي ذلك عن عمر وابن عباس وبه قال إسحاق وأصحاب الرأي وأنكره مالك والأوزاعي ويزيد بن أبي مريم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك ولا تدع بظهورهما فإذا فرغت فامسح بهما وجهك رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه فعل من سمينا من الصحابة وإذا فرغ من القنوت فهل يمسح وجهه بيده فيه روايتان إحداهما لا يفعل لأنه روي عن أحمد أنه قال لم أسمع فيه بشيء ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب مسح وجهه فيه كسائر دعائها الثانية يستحب للخبر الذي رويناه وروى السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع يديه ومسح وجهه بيديه ولأنه دعاء يرفع يديه فيه فيمسح بهما وجهه كما لو كان خارجا عن الصلاة وفارق سائر الدعاء فإنه لا يرفع يديه فيه
فصل ولا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء وقال مالك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والشافعي يسن القنوت في صلاة الصبح في جميع الزمان لأن أنسا قال ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا رواه الإمام أحمد في المسند وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه رواه مسلم وروى أبو هريرة وأبو مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وعن أبي مالك قال قلت لأبي يا أبة إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة نحوا من خمس سنين أكانوا يقنتون قال أي بني محدث قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم وقال إبراهيم النخعي أول من قنت في صلاة الغداة علي وذلك أنه كان رجلا محاربا يدعو على أعدائه وروى سعيد في سننه عن هشيم عن عروة الهمذاني عن الشعبي قال لما قنت علي في صلاة الصبح أنكر ذلك الناس فقال علي إنما استنصرنا على عدونا هذا وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم رواه سعيد وحديث أنس يحتمل أنه أراد طول القيام فإنه يسمى قنوتا وقنوت عمر يحتمل أنه كان في أوقات النوازل فإن أكثر الروايات عنه أنه لم يكن يقنت وروى ذلك عنه جماعة فدل على أن قنوته كان في وقت نازلة فصل فإن نزل بالمسلمين نازلة فللإمام أن يقنت في صلاة الصبح نص عليه أحمد قال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل عن القنوت في الفجر فقال إذا نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام وأمن من خلفه ثم قال مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر يعني بابك قال أبو داود سمعت أحمد يسأل عن القنوت في الفجر فقال لو قنت أياما معلومة ثم يترك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو قنت على الخرمية أو قنت على الدوام والخرمية هم أصحاب بابك وبهذا قال أبو حنيفة والثوري وذلك لما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه وأن عليا قنت وقال إنما استنصرنا على عدونا هذا ولا يقنت آحاد الناس ويقول في قنوته نحوا مما قال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض قال عبد الله عن أبيه كل شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت إنما هو في الفجر ولا يقنت في الصلاة إلا في الوتر والغداة إذا كان مستنصرا يدعو للمسلمين وقال أبو الخطاب يقنت في الفجر والمغرب لأنهما صلاتا جهر في طرفي النهار وقيل يقنت في صلاة الجهر كلها قياسا على الفجر ولا يصح هذا لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه القنوت في غير الفجر والوتر مسألة قال ( مفصولة مما قبلها ) الذي يختاره أبو عبد الله أن يفصل ركعة الوتر بما قبلها وقال إن أوتر بثلاث لم يسلم فيهن لم يضيق عليه عندي وقال يعجبني أن يسلم في الركعتين وممن كان يسلم بين الركعتين والركعة ابن عمر حتى يأمر ببعض حاجته
وهو مذهب معاذ القارىء ومالك والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة لا يفصل بسلام وقال الأوزاعي إن فصل فحسن وإن لم يفصل فحسن وحجة من لم يفصل قول عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وقولها كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا فظاهر هذا أنه كان يصلي الثلاث بتسليم واحد وروت أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن رواه مسلم ولنا ما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة رواه مسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة متفق عليه وقيل لابن عمر ما مثنى مثنى قال يسلم في كل ركعتين وقال عليه السلام الوتر ركعة من آخر الليل رواه مسلم وعن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم رواه الأثرم بإسناده وهذا نص فأما حديث عائشة الذي احتجوا به فليس فيه تصريح بأنها تسليم واحد وقد قالت في الحديث الآخر يسلم بين كل ركعتين فأما إذا أوتر بخمس فيأتي الكلام فيه إذا ثبت هذا فإنه إذا صلى خلف إمام يصلي الثلاث بتسليم واحد تابعه لئلا يخالف إمامه وبه قال مالك وقد قال أحمد في رواية أبي داود فيمن يوتر فيسلم من الثنتين فيكرهونه يعني أهل المسجد قال فلو صار إلى ما يريدون يعني أن ذلك سهل ولا تضر موافقته إياهم فيه فصل يجوز أن يوتر بإحدى عشرة ركعة وبتسع وبسبع وبخمس وبثلاث وبواحدة لما ذكرنا من الأخبار فإن أوتر بإحدى عشرة سلم من كل ركعتين وإن أوتر بثلاث سلم من الثنتين وأوتر بواحدة وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهد ولم يسلم ثم يجلس بعد السابعة فيتشهد ويسلم وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة فيتشهد ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويسلم ونحو هذا قال إسحاق وقال القاضي في السبع لا يجلس إلا في آخرهن أيضا كالخمس فإما الإحدى عشرة والثلاث فقد ذكرناهما وأما الخمس فقد روي عن زيد بن ثابت أنه كان يوتر بخمس لا ينصرف إلا في آخرها وروى عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منها إلا في آخرها متفق عليه وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن وفي لفظ فتوضأ ثم صلى سبعا أو خمسا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن رواه أبو داود وقال صالح مولى التوأمة أدركت الناس قبل الحرة يقومون بإحدى وأربعين ركعة ويوترون بخمس يسلمون بين كل اثنتين ويوترون بواحدة ويصلون الخمس جميعا رواه الأثرم وأما التسع والسبع فروى زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام قال قلت يعني لعائشة يا أم المؤمنين أنبئني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ ويصلي سبع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد
فتلك إحدى عشر ركعة يا بني فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه في الأول قال فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال صدقت رواه مسلم وأبو داود وفي حديث أبي داود فقالابن عباس هذا هو الحديث وفيه أوتر بسبع لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة وفيه من طريق أخرى ويسلم بتسليمة شديدة يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه وهذا صريح في أن السبع يجلس فيها عقب السادسة ولعل القاضي يحتج بحديث ابن عباس صلى سبعا أو خمسا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن وعن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع أو خمس لا يفصل بينهن بتسليم ولا كلام رواه ابن ماجه وكلا الحديثين فيه شك في السبع وليس في واحد منهما أنه لا يجلس عقيب السادسة وحديث عائشة فيه تصريح بذلك وهو ثابت فيتعين تقديمه فصل الوتر غير واجب وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو بكر هو واجب وبه قال أبو حنيفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا خفت الصبح فأوتر بواحدة وأمر به في أحاديث كثيرة والأمر يقتضي الوجوب وروى أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل رواه أبو داود وابن ماجه وعن بريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا رواه أحمد في المسند من غير تكرار وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله من المسند أيضا وعن خارجة بن حذاقة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة فقال إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر رواه أحمد وأبو داود وعن أبي بصرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر الوتر رواه الأثرم واحتج به أحمد ولنا ما روى عبد الله بن محيريزأن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول إن الوتر واجب قال فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته فقال عبادة كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة رواه أبو داود وأحمد وعن علي رضي الله عنه إن الوتر ليس بحتم ولا كصلواتكم المكتوبة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر ثم قال يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر رواه أحمد في المسند وقد ثبت أن الأعرابي لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما فرض الله علي في اليوم والليلة قال خمس صلوات قال هل علي غيرهن قال لا إلا أن تطوع فقال الأعرابي والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال أفلح الرجل إن صدق ولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة فلم يكن واجبا كالسنن وقد روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره متفق عليه وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة رواه مسلم وغيره وأحاديثهم قد تكلم فيها ثم إن المراد بها تأكيده وفضيلته
وأنه سنة مؤكدة وذلك حق وزيادة الصلاة يجوز أن تكون سنة والتوعد على تركه للمبالغة كقوله من أكل هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا فصل وهو سنة مؤكدة قالأحمد من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة وأراد المبالغة في تأكيده لما قد ورد من الأحاديث في الأمر به والحث عليه فخرج كلامه مخرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فقد صرح في رواية حنبل فقال الوتر ليس بمنزلة الفرض فلو أن رجلا صلى الفريضة وحدها جاز له وهما سنة مؤكدة الركعتان قبل الفجر والوتر فإن شاء قضى الوتر وإن شاء لم يقضه وليس هما بمنزلة المكتوبة واختلف أصحابنا في الوتر وركعتي الفجر فقال القاضي ركعتا الفجر آكد من الوتر لاختصاصهما بعدد لا يزيد ولا ينقص فأشبها المكتوبة وقال غيره الوتر آكد وهو أصح لأنه مختلف في وجوبه وفيه من الأخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر لكن ركعتا الفجر تليه في التأكيد والله أعلم فصل ووقته ما بين العشاء وطلوع الفجر الثاني فلو أوتر قبل العشاء لم يصح وتره وقال الثوري وأبو حنيفة إن صلاه قبل العشاء ناسيا لم يعده وخالفه صاحباه فقالا يعيد وكذلك قال مالك والشافعي فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوتر جعله الله لكم ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر وفيه حديث أبي بصرة إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح وفي المسند عن معاذ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول زادني ربي صلاة وهي الوتر ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر ولأنه صلاة قبل وقته فأشبه ما لو صلى نهارا وإن أخر الوتر حتى يطلع الصبح فات وقته وصلاه قضاء وروي عن ابن مسعود أنه قال الوتر ما بين الصلاتين وعن علي رضي الله عنه نحوه لحديث أبي بصرة والصحيح أن وقته إلى طلوع الفجر لحديث معاذ والحديث الآخر وقول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة فأوترت له ما قد صلى وقال اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا متفق عليه وقال أوتروا قبل أن تصبحوا وقال الوتر ركعة من آخر الليل وقال من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله أخرجهن مسلم فصل والأفضل فعله في آخر الليل لقول النبي صلى الله عليه وسلم من خاف أن لا يقوم آخر الليل فلوتر من أوله ومن طمع أن يقوم آخره فلوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل وهذا صريح وقال صلى الله عليه وسلم الوتر ركعة من آخر الليل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر آخر الليل وقالت عائشة من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى وتره إلى السحر ومن كان له تهجد جعل الوتر بعد تهجده لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وقال اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا مع ما ذكرنا من الأخبار فإن خاف أن لا يقوم من آخر الليل استحب أن يوتر أوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء بالوتر قبل النوم وقال من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر من أوله وهذه الأحاديث كلها صحاح رواها مسلم وغيره وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر متى توتر قال أوتر من أول الليل وقال لعمر متى توتر قال آخر الليل فقال لأبي بكر أخذ هذا بالحزم وقال لعمر وأخذ هذا بالقوة وأي وثت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأه لا نعلم فيه خلافا وقد دلت الأخبار عليه فصل ومن أوتر من الليل ثم قام للتهجد فالمستحب أن يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره روي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمار وسعد بن أبي وقاص وعائذ بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وكان علقمة لا يرى نقض الوتر وبه قال طاوس وأبو مجلز وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي وأبو ثور
وقيل لأحمد ولا ترى نقض الوتر فقال لا ثم قال وإن ذهب إليه رجل فأرجو أنه قد فعله جماعة ومروي عن علي وأسامة وأبي هريرة وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وهو قول إسحاق ومعناه أنه إذا قام للتهجد يصلي ركعة تشفع الوتر الأول ثم يصلي مثنى مثنى ثم يوتر في آخر التهجد ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ولنا ما روى قيس بن طلق قال زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان فأمسى عندنا وأفطر ثم قام بنا تلك الليلة ثم انحدر إلى المسجد فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قدم رجلا فقال أوتر بأصحابك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا وتران في ليلة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال أما أنا فإني أنام على فراشي فإن استيقظت صليت شفعا حتى الصباح رواه الأثرم وكان سعيد بن المسيب يفعله فصل فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته في الوتر وأحب أن يوتر آخر الليل فإنه إذا سلم الإمام لم يسلم معه وقام فصلى ركعة أخرى يشفع بها صلاته مع الإمام نص عليه وقال إن شاء أقام على وتر وشفع إذا أقام وإن شاء صلى مثنى قال ويشفع مع الإمام بركعة أحب إلي وسئل أحمد عمن أوتر يصلي بعدها مثنى مثنى قال نعم ولكن يكون الوتر بعد ضجعه فصل ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر في الثلاث الأولى بسبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون غافر 1 وفي الثالثة قل هو الله أحد الإخلاص 1 وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وقال الشافعي يقرأ في الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين وهو قول مالك في الوتر وقال في الشفع لم يبلغني فيه شيء معلوم وقد روي عن أحمد أنه سئل يقرأ بالمعوذتين في الوتر قال ولم لا يقرأ وذلك لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى ب سبح اسم ربك الأعلى الأعلى 1 وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين رواه ابن ماجة ولنا ما روى أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ب سبح اسم ربك الأعلى و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد رواه أبو داود وابن ماجة وعن ابن عباس مثله رواه ابن ماجة وحديث عائشة في هذا لا يثبت فإنه يرويه يحيى بن أيوب وهو ضعيف وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين فصل قال أحمد رحمه الله الأحاديث التي جاءت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدمة قيل له أوتر في السفر بواحدة قال يصلي قبلها ركعتين قيل له يكون بين الركعة وبين المثنى ساعة قال يعجبني أن يكون بعده ومعه ثم احتج فقال صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة فقيل له رجل تنفل بعد العشاء الآخرة ثم تعشى ثم أراد أن يوتر قال نعم وسئل عمن صلى من الليل ثم نام ولم يوتر قال يعجبني أن يركع ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بواحدة وسئل عن رجل أصبح ولم يوتر قال لا يوتر بركعة إلا أن يخاف طلوع الشمس قيل يوتر بثلاث قال نعم يصلي الركعتين إلا أن يخاف طلوع الشمس
قيل له فإذا لحق مع الإمام ركعة الوتر قال إن كان الإمام يفصل بينهن بسلام أجزأته الركعة وإن كان الإمام لا يسلم في الثنتين تبعه ويقضي مثل ما صلى فإذا فرغ قام يقضي ولا يقنت وقيل لأبي عبد الله رجل ابتدأ يصلي تطوعا ثم بدا له فجعل تلك الركعة وترا فقال لا كيف يكون هذا قد قلب نيته قيل له ابتدىء الوتر قال نعم وقال أبو عبد الله إذا قنت قبل الركوع كبر ثم أخذ في القنوت وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا فرغ من القراءة كبر ثم قنت ثم كبر حين يركع وروي عن علي وابن مسعود والبراء وهو قول الثوري ولا نعلم فيه خلافا فصل يستحب أن يقول بعد وتره سبحان الملك القدوس ثلاثا ويمد صوته بها في الثالثة لما روى أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الوتر قال سبحان الملك القدوس وهكذا رواه أبو داود وروى عبد الرحمن بن أبزى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ب سبح اسم ربك الأعلى و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات ثم يرفع صوته بها في الثالثة أخرجه الإمام أحمد في المسند مسألة قال ( وقيام شهر رمضان عشرون ركعة يعني صلاة التراويح ) وهي سنة مؤكدة وأول من سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وقالت عائشة صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة وكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفترض عليكم قال وذلك في رمضان رواهما مسلم وعن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو نفلتنا قيام هذه الليلة قال فقال إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة قال فلما كانت الرابعة لم يقم فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال قلت وما الفلاح قال السحور ثم لم يقم بنا بقية الشهر رواه أبو داود والأثرم وابن ماجه وعن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال ما هؤلاء قيل هؤلاء أناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي بهم وهم يصلون بصلاته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصابوا ونعم ما صنعوا رواه أبو داود وقال رواه مسلم بن خالد وهو ضعيف ونسبت التراويح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصليها بهم فروى عبد الرحمن بن عبد القاري قال خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب قال ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله أخرجه البخاري
فصل والمختار عند أبي عبد الله رحمه الله فيها عشرون ركعة وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وقال مالك ستة وثلاثون وزعم أنه الأمر القديم وتعلق بفعل أهل المدينة فإن صالحا مولى التوأمة قال أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس ولنا إن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب كان يصلي لهم عشرين ركعة وقد روى الحسن أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي لهم عشرين ليلة ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني فإذا كانت العشر الأواخر تخلف أبي فصلى في بيته فكانوا يقولون أبق أبي رواه أبو داود ورواه السائب بن يزيد وروي عنه من طرق وروى مالك عنيزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة وعن علي أنه أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة وهذا كالإجماع فأما ما رواه صالح فإن صالحا ضعيف ثم لا ندري من الناس الذين أخبر عنهم فلعله قد أدرك جماعة من الناس يفعلون ذلك وليس ذلك بحجة ثم لو ثبت أن أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر وأجمع عليه الصحابة في عصره أولى بالاتباع قال بعض أهل العلم إنما فعل هذا أهل المدينة لأنهم رادوا مساواة أهل مكة فإن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأحق أن يتبع فصل والمختار عند أبي عبد الله فعلها في الجماعة قال في رواية يوسف بن موسى الجماعة في التراويح أفضل وإن كان رجل يقتدى به فصلاها في بيته خفت أن يقتدي الناس به وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالخلفاء وقد جاء عن عمر أنه كان يصلي في الجماعة وبهذا قال المزني وابن عبد الحكم وجماعة من أصحاب أبي حنيفة قال أحمد كان جابر وعلي وعبد الله يصلونها في جماعة قالالطحاوي كل من اختار التفرد ينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام في المساجد فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا ويروى نحو هذا عن الليث بن سعد وقال مالك والشافعي قيام رمضان لمن قوي في البيت أحب إلينا لما روى زيد بن ثابت قال احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته قال ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا فقال ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة رواه مسلم ولنا إجماع الصحابة على ذلك وجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأهله في حديث أبي ذر وقوله إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة وهذا خاص في قيام رمضان فيقدم على عموم ما احتجوا به وقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لهم معلل بخشية فرضه عليهم ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم القيام بهم معللا بذلك أيضا أو خشية أن يتخذه الناس فرضا وقد أمن هذا أن يفعل بعده فإن قيل فعلي لم يقم مع الصحابة قلنا قد روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا رضي الله عنه قام بهم في رمضان وعن إسماعيل بن زياد قال مر على المساجد وفيها القناديل في شهر رمضان فقال نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا رواهما الأثرم فصل قال أحمد رحمه الله يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم ولا سيما في الليالي القصار والأمر على ما يحتمله الناس وقال القاضي لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن
ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه والتقدير بحال الناس أولى فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل كما روى أبو ذر قال قمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور وقد كان السلف يطيلون الصلاة حتى قال بعضهم كانوا إذا انصرفوا يستعجلون خدمهم بالطعام مخافة طلوع الفجر وكان القارىء يقرأ بالمائتين فصل قال أبو داود سمعت أحمد يقول يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته قال وكان أحمد يقوم مع الناس ويوتر معهم قال الأثرم وأخبرني الذي كان يؤمه في شهر رمضان أنه كان يصلي معهم التراويح كلها والوتر قال وينتظرني بعد ذلك حتى أقوم ثم يقوم كأنه يذهب إلى حديث أبي ذر إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته قال أبو داود وسئل أحمد عن قوم صلوا في رمضان خمس تراويح لم يتروحوا بينها قال لا بأس قال وسئل عمن أدرك من ترويحه ركعتين يصلي إليها ركعتين فلم ير ذلك وقال هي تطوع وقيل لأحمد تؤخر القيام يعني في التراويح إلى آخر الليل قال لا سنة المسلمين أحب إلي فصل وكره أبو عبدالله التطوع بين التراويح وقال فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر فذكر لأبي عبدالله فيه رخصة عن بعض الصحابة فقال هذا باطل إنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير وقال أحمد يتطوع بعد المكتوبة ولا يتطوع بين التراويح وروى الأثرم عن أبي الدرداء أنه أبصر قوما يصلون بين التراويح فقال ما هذه الصلاة أتصلي وإمامك بين يديك ليس منا من رغب عنا وقال من قلة فقه الرجل أن يرى في المسجد وليس في صلاة فصل فأما التعقيب وهو أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة أو يصلي التراويح في جماعة أخرى فعن أحمد أنه لا بأس به لأن أنس بن مالك قال ما يرجعون إلا لخير يرجونه أو لشر يحذرونه وكان لا يرى به بأسا ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة إلا أنه قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة وقال أبو بكر الصلاة إلى نصف الليل أو إلى آخره لم تكره رواية واحدة وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم والصحيح أنه لا يكره لأنه خير وطاعة فلم يكره كما لو أخره إلى آخر الليل فصل في ختم القرآن قال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله فقلت أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح قال اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين قلت كيف أصنع قال إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع لنا ونحن في الصلاة وأطل القيام قلت بم أدعو قال بما شئت قال ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائما ويرفع يديه قال حنبل سمعت أحمد يقول في ختم القرآن إذا فرغت من قراءة قل أعوذ برب الناس الناس 1 فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع قلت إلى أي شيء تذهب في هذا قال رأيت أهل مكة يفعلونه وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة قالالعباس بن عبد العظيم وكذلك أدركنا الناس بالبصرة بمكة ويروي أهل المدينة في هذا شيئا وذكر عن عثمان بن عفان فصل واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك فحكي عن القاضي أنه قال جرت هذه المسألة في وقت شيخنا أبي عبدالله فصلى وصلاها القاضي أبو يعلى أيضا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه فجعل القيام مع الصيام وذهب أبو حفص العكبري إلي ترك القيام وقال المعول في الصيام على حديث ابن عمر وفعل الصحابة والتابعين ولم ينقل عنهم قيام تلك الليلة واختاره التميميون لأن الأصل بقاء شعبان وإنما صرنا إلى الصوم احتياطا للواجب والصلاة غير واجبة فتبقى على الأصل
فصل قال أبو طالب سألت أحمد إذا قرأ قل أعوذ برب الناس يقرأ من البقرة شيئا قال لا فلم يستحب أن يصل ختمته بقراءة شيء ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه قال أبو داود وذكرت لأحمد قول ابن المبارك إذا كان الشتاء فاختم القرآن في أول الليل وإذا كان الصيف فاختمه في أول النهار فكأنه أعجبه ذلك لما روي عن طلحة بن مصرف قال أدركت أهل الخير من صدر هذه الأمة يستحبون الختم في أول الليل وفي أول النهار يقولون إذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وإذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي وقال بعض أهل العلم يستحب أن يجعل ختمة النهار في ركعتي الفجر أو بعدهما وختمة الليل في ركعتي المغرب أو بعدهما يستقبل بختمة أول الليل وأول النهار فصل ويستحب أن يجمع أهله عند ختم القرآن وغيرهم لحضور الدعاء قال لأحمد كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده وروي ذلك عن مسعود وغيره ورواه ابن شاهين مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحسن أبو بكر التكبير عند آخر كل سورة من الضحى إلى آخر القرآن لأنه روي عن أبي بن كعب أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك رواه القاضي في الجامع بإسناده فصل وسئل أبو عبد الله عن ازمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة ترى لمن خلفه أن يقرأها قال نعم ينبغي أن يفعل قد كان بمكة يوكلون رجلا يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها فإذا كان ليلة الختمة أعاده وإنما استحب ذلك لتتم الختمة ويكمل الثواب فصل ولا بأس بقراءة القرآن في الطريق والإنسان مضطجع قال إسحاق بن إبراهيم خرجت مع أبي عبد الله إلى الجامع فسمعته يقرأ سورة الكهف وعن إبراهيم التميمي قال كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق فإذا قرآت السجدة قلت له أتسجد في الطريق قال نعم وعن عائشة أنها قالت إني لا أقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري رواه الفريابي في فضائل القرآن عن عائشة فصل يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ليكون له ختمة في كل أسبوع قال عبد الله بن أحمد كان أبي يختم القرآن في النهار في كل سبعة يقرأ في كل يوم سبعا لا يتركه نظرا وقال حنبل كان أبو عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو اقرأ القرآن في سبع ولا تزيدن على ذلك رواه أبو داود وعن أوس بن حذيفة قال قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أبطأت عنا الليلة قال إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده رواه أبو داود ويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يوما لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عبد الله بن عمرو في كم تختم القرآن قال في أربعين يوما ثم قال في شهر ثم قال في عشرين ثم قال في خمس عشرة ثم قال في عشر ثم قال في سبع لم ينزل من سبع أخرجه أبو داود وقال أحمد أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به فكان ما ذكرنا أولى وهذا إذا لم يكن له عذر فأما مع العذر فواسع له فصل وإن قرأه في ثلاث فحسن لما روي عن عبد الله بن عمرو قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن بي قوة قال اقرأه في ثلاث رواه أبو داود
فإن قرأه في أقل من ثلاث فقد روي عن عبد الله أنه قال أكره أن يقرأه في أقل من ثلاث وذلك لما روى عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث رواه أبو داود وروي عن أحمد أن ذلك غير مقدر وهو على حسب ما يجد من النشاط والقوة لأن عثمان كان يختمه في ليلة وروي ذلك عن جماعة من السلف والترتيل أفضل من قراءة الكثير مع العجلة لأن الله تعالى قال ورتل القرآن ترتيلا المزمل 4 وعن عائشة أنها قالت ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة رواه مسلم وعنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختم القرآن في أقل من ثلاث رواه أبو عبيد في فضائل القرآن وقال ابن مسعود من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهذه كهذا الشعر ونثر كنثر الدقل فصل كره أبو عبد الله القراءة بالألحان وقال هي بدعة وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في أشراط الساعة أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم غناء ولأن القرآن معجز في لفظه ونظمه والألحان تغيره وكلام أحمد في هذا محمول على الإفراط في ذلك بحيث يجعل الحركات حروفا ويمد في غير موضعه فأما تحسين القراءة والترجيع فغير مكروه فإن عبد الله بن المغفل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح قال فقرأ ابن المغفل ورجع في قراءته قال معاوية بن قرة لولا أني أخاف أن تجتمع علي الناس لحكيت لكم قراءته رواهما مسلم وفي بعض الألفاظ فقال أأأ وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به يعني استمع وقال النبي صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقد اختلف السلف في معنى قوله يتغنى بالقرآن فقال ابن عيينة وأبو عبيد وجماعة وغيرهما معناه يستغني بالقرآن قال أبو عبيد وكيف يجوز أن يحمل على أن من لم يغن بالقرآن ليس من النبي صلى الله عليه وسلم وقالت طائفة منهم معناه يحسن قراءته ويترنم به ويرفع صوته به كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا وقال الشافعي يرفع صوته به وقال أبو عبد الله حزنه فيقرؤه بحزن مثل صوت أبي موسى وعلى كل حال فقد ثبت أن تحسين الصوت بالقرآن وتطريبه مستحب غير مكروه ما لم يخرج ذلك إلى تغيير لفظه وزيادة حروفه فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أستمع قراءة رجل في المسجد لم أسمع قراءة أحسن من قراءته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستمع قراءنه ثم قال هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى إنني مررت بك البارحة وأنت تقرأ فقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود فقال أبو موسى لو أعلم أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا مع ما ذكرنا من الأخبار والله أعلم باب الإمامة صلاة الجماعة الجماعة واجبة للصلوات الخمس روي نحو ذلك عن ابن مسعود وأبي موسى وبه قال عطاء والأوزاعي وأبو ثور ولم يوجبها مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة متفق عليه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على اللذين قالا صلينا في رحالنا ولو كانت واجبة لأنكر عليهما ولأنها لو كانت واجبة في الصلاة لكانت شرطا لها كالجمعة ولنا قوله الله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة النساء 102 ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم متفق عليه وفيه ما يدل على أنه أراد الجماعة لأنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها وعن أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب رواه مسلم وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا فغيره أولى وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا وما العذر قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى أخرجه أبو داود وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية أخرجه أبو داود وحديثهم يدل على أن الجماعة غير مشترطة ولا نزاع بيننا فيه ولا يلزم من الوجوب الاشتراط كواجبات الحج والإحداد في العدة فصل وليست الجماعة شرطا لصحة الصلاة نص عليه أحمد وخرج ابن عقيل وجها في اشتراطها قياسا على سائر واجبات الصلاة وهذا ليس بصحيح بدليل الحديثين اللذين احتجوا بهما والإجماع فإننا لا نعلم قائلا بوجوب الإعادة على من صلى وحده إلا أنه روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو موسى أنهم قالوا من سمع النداء من غير عذر فلا صلاة له 3 فصل وتنعقد الجماعة باثنين فصاعدا لا نعلم فيه خلافا وقد روى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الاثنان فما فوقها جماعة رواه ابن ماجه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما وأم النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة مرة وابن مسعود مرة وابن عباس مرة ولو أم الرجل عبده أو زوجته أدرك فضيلة الجماعة وإن أم صبيا جاز في التطوع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أم فيه ابن عباس وهو صبي وإن أمه في الفرض فقال لأحمد لا تنعقد به الجماعة لأنه لا يصلح أن يكون إماما لنقص حاله فأشبه من لا تصح صلاته وقال أبو الحسن الآمدي فيه رواية أخرى أنه يصح أن يكون إماما لأنه متنفل فجاز أن يكون مأموما بالمفترض كالبالغ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي فاتته الجماعة من يتصدق على هذا فيصلي معه فصل ويجوز فعلها في البيت والصحراء وقيل فيه رواية أخرى إن حضور المسجد واجب إذا كان قريبا منه لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان متفق عليه وقالت عائشة صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا رواه البخاري وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الجماعة فصليا معهم تكن لكما نافلة وقوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد لا نعرفه إلا من قوله على نفسه كذلك رواه سعيد في سننه والظاهر أنه إنما أراد الجماعة وعبر بالمسجد عن الجماعة لأنه محلها ومعناه لا صلاة لجار المسجد إلا مع الجماعة وقيل أراد به الكمال والفضيلة فإن الأخبار الصحيحة دالة على أن الصلاة في غير المسجد صحيحة جائزة
فصل وفعل الصلاة فيما كثر فيه الجمع من المساجد أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى رواه أحمد في المسند فإن تساويا في الجماعة ففعلها في المسجد العتيق أفضل لأن العبادة فيه أكثر وإن كان في جواره أو في غير جواره مسجد لا تنعقد الجماعة فيه إلا بحضوره ففعلها فيه أولى لأنه يعمره بإقامة الجماعة فيه ويحصلها لمن يصلي فيه وإن كانت تقام فيه وكان في قصده غيره كسر قلب إمامه أو جماعته فجبر قلوبهم أولى وإن لم يكن كذلك فهل الأفضل قصد الأبعد أو الأقرب فيه روايتان إحداهما قصد الأبعد لتكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته والثانية الأقرب لأن له جوارا فكان أحق بصلاته كما أن الجار أحق بهدية جاره ومعروفه من البعيد وإن كان البلد ثغرا فالأفضل اجتماع الناس في مسجد واحد ليكون أعلى للكلمة وأوقع للهيبة وإذا جاءهم خبر عن عدوهم سمعه جميعهم وإن أرادوا التشاور في أمر حضر جميعهم وإن جاء عين الكفار رآهم فأخبر بكثرتهم قال الأوزاعي لو كان الأمر إلي لسمرت أبواب المساجد التي في الثغر أو نحو هذا ليجتمع الناس في مسجد واحد فصل ولا يكره إعادة الجماعة في المسجد ومعناه أنه إذا صلى إمام الحي وحضر جماعة أخرى استحب لهم أن يصلوا جماعة وهو قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنخعي وقتادة وإسحاق وقال سالم وأبو قلابة وأيوب وابن عون والليث والبتي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي لا تعاد الجماعة في مسجد له إمام راتب في غير ممر الناس فمن فاتته الجماعة صلى منفردا لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والعداوة والتهاون في الصلاة مع الإمام ولأنه مسجد له إمام راتب فكره فيه إعادة الجماعة كمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولنا عموم قوله النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المسجد تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة وفي رواية بسبع وعشرين درجة وروى أبو سعيد قال جاء رجل وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيكم يتجر هذا فقام رجل فصلى معه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه الأثرم وأبو داود فقال ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه وروى الأثرم بإسناده عن أبي إمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد قال فلما صلينا قال وهذان جماعة ولأنه قادر على الجماعة فاستحب له فعلها كما لو كان المسجد في ممر الناس فصل فأما إعادة الجماعة في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى فقد روي عن أحمد كراهة إعادة الجماعة فيها وذكره أصحابنا لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الراتب فيها إذا أمكنتهم الصلاة في الجماعة مع غيره وظاهر خبر أبي سعيد وأبي أمامة أن ذلك لا يكره لأن الظاهر أن هذا كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى يقتضيه أيضا فإن فضيلة الجماعة تحصل فيها كحصولها في غيرها مسألة قال ( ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ) لا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه على غيرهما واختلف في أيهما يقدم على صاحبه فمذهب أحمد رحمه الله تقديم القارىء وبهذا قال ابن سيرين والثوري وأصحاب الرأي وقال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة لأنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه فيكون أولى كالإمامة الكبرى والحكم ولنا ما روى أوس بن ضمعج عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم السنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا أو قال سلما وروى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم رواهما مسلم
وعن ابن عمر قال لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا رواه البخاري وأبو داود وكان فيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد وفي حديث عمر بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليؤمكم أكثركم قرآنا ولأن القراءة ركن في الصلاة فكان القادر عليها أولى كالقادر على القيام مع العاجز عنه فإن قيل إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارىء لأن أصحابه كان أقرؤهم أفقههم فإنهم كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها قلنا اللفظ عام فيجب الأخذ بعمومه دون خصوص السبب ولا يخص ما لم يقم دليل على تخصيصه على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن استووا فأعلمهم بالسنة ففاضل بينهم في العلم بالسنة مع تساويهم في القراءة ولو قدم القارىء لزيادة علم لما نقلهم عند التساوي فيه إلى الأعلم بالسنة ولو كان العلم بالفقه على قدر القراءة للزم من التساوي في القراءة التساوي فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أقرؤكم أبي وأقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضكم زيد بن ثابت فقد فضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة وفضل بالقراءة من هو مفضول بالقضاء والفرائض وعلم الحلال والحرام قيل لأبي عبد الله حديث النبي صلى الله عليه وسلم مروا أبا بكر يصلي بالناس أهو خلاف حديث أبي مسعود قال لا إنما قوله لأبي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة يعني أن الخليفة أحق بالإمامة وإن كان غيره أقرأ منه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه فصل ويرجع أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليؤمكم أكثركم قرآنا وإن تساويا في قدر ما يحفظ كل واحد منهما وكان أحدهما أجود قراءة وإعرابا فهو أولى لأنه أقرأ فيدخل في عموم قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وإن كان أحدهما أكثر حفظا والآخر أقل لحنا وأجود قراءة فهو أولى لأنه أعظم أجرا في قراءته لقوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح مسألة قال ( فإن استووا فأفقههم ) وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة للإتيان بواجباتها وسننها وجبرها إن عرض ما يحوج إليه فيها فإن اجتمع فقيهان قارئان وأحدهما اقرأ والآخر أفقه قدم الأقرأ نص عليه للخبر وقال ابن عقيل الأفقه أولى لتميزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة وهذا يخالف عموم الخبر فلا يعول عليه وإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة والآخر أعرف بما سواها فالأعلم بأحكام الصلاة أولى لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة بخلاف الآخر مسألة قال ( فإن استووا فأسنهم ) يعني أكبرهم سنا يقدم عند استوائهم في القراءة والفقه وظاهر قول أحمد انه يقدم أقدمهما هجرة ثم أسنهما لأنه إلى حديث أبي مسعود وهو مرتب هكذا قالالخطابي وعلى هذا الترتيب توجد أكثر أقاويل العلماء ومعنى تقدم الهجرة أن يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام لأن الهجرة قربة وطاعة فيقدم السابق إليها لسبقه إلى الطاعة فإذا استويا فيها إما لهجرتهما معا أو عدمهما معا فأسنهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه ليؤمكما أكبركما متفق عليه ولأن الأسن أحق بالتوقير والتقديم وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سهل لما تكلم في أخيه كبر كبر أي دع الأكبر يتكلم وقال أبو عبد الله بن حامد أحقهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أسنهم
والصحيح الأخذ بما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم السابق بالهجرة ثم الأسن لتصريحه بالدلالة ولا دلالة في حديث مالك بن الحويرث على تقديم الأسن لأنه لم يثبت في حقهما هجرة ولا تفاضلهما في شرف ويرجح بتقديم الإسلام كالترجيح بتقديم الهجرة فإن بعض الألفاظ حديث أبي مسعود فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولأن الإسلام أشرف من الهجرة فإذا قدم بتقدمها فتقدمه أولى فإذا استووا في هذا كله قدم أشرفهم أي أعلاهم نسبا وأفضلهم في نفسه وأعلاهم قدرا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قدموا قريشا ولا تقدموها فصل فإن استووا في هذه الخصال قدم أتقاهم وأورعهم لأنه أشرف في الدين وأفضل وأقرب إلى الإجابة وقد جاء إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال ذكره الإمام أحمد في رسالته ويحمل تقديم هذا على الأشرف لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا وقد قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات 13 فإذا استووا في هذا كله أقرع بينهم نص عليه أحمد رحمه الله وذلك لأن سعد بن أبي وقاص أقرع بينهم في الأذان فالإمامة أولى ولأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق وإن كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد وتعاهده فهو أحق به وكذلك إن رضي الجيران أحدهما دون الآخر قدم بذلك ولا يقدم بحسن الوجه لأن لا مدخل له في الإمامة ولا أثر له فيها وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا إيجاب لا نعلم فيه خلافا فلو قدم المفضول كان ذلك جائزا لأن الأمر بعد هذا أمر أدب واستحباب مسألة قال ( ومن صلى خلف من يعلن ببدعة أو يسكر أعاد ) الإعلان الإظهار وهو ضد الإسرار وظاهر هذا أن من ائتم بمن يظهر بدعته ويتكلم بها ويدعو إليها أو يناظر عليها فعليه الإعادة ومن لم يظهر بدعته فلا إعادة على المؤتم به وإن كان معتقدا لها قال الأثرم قلت لأبي عبد الله الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف فقال نعم آمره أن يعيد قيل لأبي عبد الله هكذا أهل البدع كلهم قال لا إن منهم من يسكت ومنهم من يقف ولا يتكلم وقال لا تصل خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه وقال لا تصل خلف المرجىء إذا كان داعية وتخصيصه الداعية ومن يتكلم بالإعادة دون من يقف ولا يتكلم يدل على ما قلناه وقال القاضي المعلن بالبدعة من يعتقدها بدليل وغير المعلن من يعتقدها تقليدا ولنا إن حقيقة الإعلان هو الإظهار وهو ضد الإخفاء والإسرار قال الله تعالى ويعلم ما تسرون وما تعلنون التغابن 4 وقال تعالى مخبرا عن إبراهيم ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن إبراهيم 38 ولأن المظهر لبدعته لا عذر للمصلي خلفه لظهور حاله والمخفي لها من يصلي خلفه معذور وهذا له أثر في صحة الصلاة ولهذا لم تجب الإعادة خلف المحدث والنجس إذا لم يعلم حالهما لخفاء ذلك منهما ووجبت على المصلي خلف الكافر والأمي لظهور حالهما غالبا وقد روي عن أحمد أنه لا يصلي خلف مبتدع بحال قال في رواية أبي الحارث لا يصلي خلف مرجىء ولا رافضي ولا فاسق إلا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد وقال أبو داود قال أحمد متى ما صليت خلف من يقول القرآن مخلوق فأعد قلت وتعرفه قال نعم وعن مالك أنه لا يصلى خلف أهل البدع فحصل من هذا أن من صلى خلف مبتدع معلن ببدعته فعليه الإعادة ومن لم يعلنها ففي الإعادة خلفه روايتان وأباح الحسن وأبو جعفر والشافعي الصلاة خلف أهل البدع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا خلف من قال لا إله إلا الله رواه الدارقطني ولأنه رجل صلاته صحيحة فصح الائتمام به كغيره وقالنافع كان ابن عمر يصلي مع الخشبية والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون
فقيل له أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا فقال من قال حي على الصلاة أجبته ومن قال حي على الفلاح أجبته ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا رواه سعيد وقالابن المنذر وبعض الشافعية من نكفره ببدعته كالذي يكذب الله ورسوله ببدعته لا يصلى خلفه ومن لا نكفره تصح الصلاة خلفه ولنا ما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره يقول لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان أو يخاف سوطه أو سيفه رواه ابن ماجه وهذا أخص من حديثهم فتعين تقديمه وحديثهم نقول به في الجمع والأعياد وتعاد هو مطلق فالعمل به في موضع يحصل الوفاء بدلالتهم وقياسهم منقوض بالخنثى والأمي ويروى عن حبيب بن عمر الأنصاري عن أبيه قال سألت واثلة بن الأسقع قلت أصلي خلف القدري قال لا تصلي خلفه ثم قال أما أنا فلو صليت خلفه لأعدت صلاتي رواه الأثرم وأما قول الخرقي أو يسكر فإنه يعني من يشرب ما يسكره من أي شراب كان فإنه لا يصلى خلفه لفسقه وإنما خصه بالذكر فيما يرى من سائر الفساق لنص أحمد عليه قال أبو داود سألت أحمد وقيل له إذا كان الإمام يسكر قال لا تصل خلفه البتة وسأله رجل قال صليت خلف رجل ثم علمت أنه يسكر أعيد قال نعم أعد قال أيتهما صلاتي قال التي صليت وحدك وسأله رجل قال رأيت رجلا سكران أصلي خلفه قال لا قال فأصلي وحدي قال أين أنت في البادية المساجد كثيرة قال أنا في حانوتي قال تخطاه إلى غيره من المساجد فأما من يشرب من النبيذ المختلف فيه ما لا يسكره معتقدا حله فلا بأس بالصلاة خلفه نص عليهأحمد فقال يصلي خلف من يشرب المسكر على التأويل نحن نروي عنهم الحديث ولا نصلي خلف من يسكر وكلام الخرقي بمفهومه يدل على ذلك لتخصيصه من سكر بالإعادة خلفه وفي معنى شارب ما يسكر كل فاسق فلا يصلى خلفه نص عليه أحمد فقال لا تصلي خلف فاجر ولا فاسق وقال أبو داود سمعت أحمد رحمه الله سئل عن إمام قال أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهما قال أسأل الله العافية من يصلي خلف هذا وروي عنه أنه قال لا تصل خلف من لا يؤدي الزكاة ولا تصل خلف من يشارط ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط وهذه النصوص تدل على أنه لا يصلى خلف فاسق وعنه رواية أخرى أن الصلاة جائزة وذكرها أصحابنا وهذا مذهب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وكان ابن عمر يصلي خلف الحجاج والحسين والحسن وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما وصلوا وراء الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر وصلى الصبح أربعا وقال أزيدكم فصار هذا إجماعا وروي عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها قال قلت فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة رواه مسلم وفي لفظ فإن صليت لوقتها كانت نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك وفي لفظ فإن أدركت الصلاة معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي وفي لفظ فإنها زيادة خير وهذا فعل يقتضي فسقهم وقد أمره بالصلاة معهم وقول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة عام فيتناول محل النزاع ولأنه رجل تصح صلاته لنفسه فصح الائتمام به كالعدل ووجه الأولى قوله عليه السلام لا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطانه أو سيفه ولأن الإمامة تتضمن حمل القراءة ولا يؤمن تركه لها ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة
وليس ثم أمارة ولا غلبة ظن يؤمنان ذلك والحديث أجبنا عنه وفعل الصحابة محمول على أنهم خافوا الضرر بترك الصلاة معهم فقد روينا عنعطاء وسعيد بن جبير أنهما كانا في المسجد والحجاج يخطب فصليا بالإيماء وإنما فعلا ذلك لخوفهما على أنفسهما إن صليا على وجه يعلم بهما ورويناه عن قسامة بن زهير قال لما كان من شأن فلان ما كان قال أبو بكر تنح عن مصلانا فإنا لا نصلي خلفك وحديث أبي ذر يدل على صحتها نافلة والنزاع في الفرض فصل فأما الجمع والأعياد فإنها تصلى خلف كل بر وفاجر وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة وكذلك العلماء الذين في عصره وقد رويناه أن رجلا جاء محمد بن النضر فقال له إن لي جيرانا من أهل الأهواء لا يشهدون الجمعة قال حسبك ما تقول فيمن رد على أبي بكر وعمر قال رجل سوء قال فإن رد على النبي صلى الله عليه وسلم قال يكفر قال فإن رد على العلي الأعلى ثم غشي عليه ثم أفاق فقال ردوا عليه والذي لا إله إلا هو فإنه قال يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة 9 وهو يعلم أن بني العباس سيلونها ولأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة وتليها الأئمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية إذا ثبت هذا فإنها تعاد خلف من يعاد خلفه غيرها قالأحمد أما الجمعة فينبغي شهودها فإن كان الذي يصلي منهم أعاد وروي عنه أنه قال من أعادها فهو مبتدع وهذا يدل بعمومه على أنها لا تعاد خلف فاسق ولا مبتدع لأنها صلاة أمر بها فلم تجب إعادتها كسائر الصلوات فصل فإن كان المباشر لها عدلا والمولى له غير مرضي الحال لبدعته أو فسقه لم يعدها نص عليه وقيل له إنهم يقولون إذا كان الذي وضعه يقول بقولهم فسدت الصلاة قال لست أقول بهذا ولأن صلاته إنما ترتبط بصلاة إمامه فلا يضر وجود معنى في غيره كالحدث أو كونه أميا وعنه تعاد والصحيح الأول فصل وإن لم يعلم فسق إمامه ولا بدعته حتى صلى معه فإنه يعيد نص عليه وقال ابن عقيل لا إعادة عليه لأن ذلك مما يخفى فأشبه المحدث والنجس والصحيح أن هذا ينظر فيه فإن كان ممن يخفي بدعته وفسوقه صحت الصلاة خلفه لما ذكرنا في أول المسألة وإن كان ممن يظهر ذلك وجبت الإعادة خلفه على الرواية التي تقول بوجوب إعادتها خلف المبتدع لأنه معنى يمنع الائتمام فاستوى فيه العلم وعدمه كما لو كان أميا والحدث والنجاسة يشترط خفاؤهما على الإمام والمأموم معا ولا يخفى على الفاسق فسق نفسه ولأن الإعادة إنما تجب خلف من يعلن ببدعته وليس ذلك في مظنة الخفاء بخلاف الحدث والنجاسة فصل وإن لم يعلم حاله ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به فصلاة المأموم صحيحة نص عليه أحمد لأن الأصل في المسلمين السلامة ولو صلى خلف من يشك في إسلامه فصلاته صحيحة لأن الظاهر أنه لا يتقدم للإمامة إلا مسلم فصل فأما المخالفون في الفروع كأصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي فالصلاة خلفهم صحيحة غير مكروهة نص عليه أحمد لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتم ببعض مع اختلافهم في الفروع فكان ذلك إجماعا ولأن المخالف إما أن يكون مصيبا في اجتهاده فله أجران أجر لاجتهاده وأجر لإصابته أو مخطئا فله أجر على اجتهاده ولا إثم عليه في الخطأ لأنه محظوظ عنه فإن علم أنه يترك ركنا أو شرطا يعتقده المأموم دون الإمام فظاهر كلام أحمد صحة الائتمام به قالالأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل صلى بقوم وعليه جلود الثعالب فقال إن كان يلبسه وهو يتأول أيما إهاب دبغ فقد طهر فيصلى خلفه
قيل له أفتراه أنت جائزا قال لا نحن لا نراه جائزا ولكن إذا كان هو يتأول فلا بأس أن يصلى خلفه ثم قال أبو عبد الله لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه ثم قال نحن نرى الوضوء من الدم فلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك ومن سهل في الدم أي بلى ورأيت لبعض أصحاب الشافعي مسألة مفردة في الرد على من أنكر هذا واستدل بأن الصحابة كان يصلي بعضهم خلف بعض مع الاختلاف ولأن كل مجتهد مصيب أو كالمصيب في حط المأثم عنه وحصول الثواب وصحة الصلاة لنفسه فجائز الائتمام به كما لو لم يترك شيئا وذكرالقاضي فيه رواية أخرى أنه لا يصح ائتمامه به لأنه يرتكب ما يعتقده المأموم مفسدا للصلاة فلم يصح ائتمامه به كما لو خالفه في القبلة حال الاجتهاد فيها فصل وإن فعل شيئا من المختلف فيه يعتقد تحريمه فإن كان يترك ما يعتقده شرطا للصلاة أو واجبا فيها فصلاته فاسدة وصلاة من يأتم به وإن كان المأموم في اعتقاد ذلك لأنه ترك واجبا في الصلاة ففسدت صلاته وصلاة من ائتم به كالمجمع عليه وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في غير الصلاة كالمتزوج بغير ولي ممن يرى فساده وشارب يسير النبيذ ممن يعتقد تحريمه فهذا إن دام على ذلك فهو فاسق حكمه حكم سائر الفساق فإن لم يدم عليه فلا بأس بالصلاة خلفه لأنه من الصغائر ومتى كان الفاعل كذلك عاميا قلد من يعتقد جوازه فلا شيء عليه لأن فرض العامي سؤال العلماء وتقليدهم لقول الله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون النحل 43 فصل ولا تصح الصلاة خلف مجنون لأن صلاته لنفسه باطلة وإن كان يجن تارة ويفيق أخرى فصلى وراءه حال إفاقته صحت صلاته ويكره الائتمام به لئلا يكون قد احتلم حال جنونه ولم يعلم ولئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها لوجود الجنون فيها والصلاة صحيحة لأن الأصل السلامة فلا تفسد بالاحتمال فصل وإذا أقيمت الصلاة والإنسان في المسجد والإمام ممن لا يصلح للإمامة فإن شاء صلى خلفه وأعاد وإن نوى الصلاة وحده ووافق الإمام في الركوع والسجود والقيام والقعود فصلاته صحيحة لأنه أتى بأفعال الصلاة وشروطها على الكمال فلا تفسد بموافقته غيره في الأفعال كما لو لم يقصد الموافقة وروي عن أحمد أنه يعيد قال الأثرم قلت لأبي عبدالله الرجل يكون في المسجد فتقام الصلاة ويكون الرجل الذي يصلي بهم لا يرى الصلاة خلفه ويكره الخروج من المسجد بعد النداء لقول النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصنع قال إن خرج كان في ذلك شنعة ولكن يصلي معه ويعيد وإن شاء أن يصلي بصلاته ويكون يصلي لنفسه ثم يكبر لنفسه ويركع لنفسه ويسجد لنفسه ولا يبالي أن يكون سجوده مع سجوده وتكبيره مع تكبيره قلت فإن فعل هذا لنفسه أيعيد قال نعم قلت فيكف يعيد وقد جاء أن الصلاة هي الأولى وحديث النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوا صلاتكم معهم سبحة قال إنما ذاك صلى وحده فنوى الفرض أما إذا صلى معه وهو ينوي أن لا يعتد بها فليس هذا مثل هذا فقد نص على الإعادة ولكن تعليله إفسادها بكونه نوى أن لا يعتد بها يدل على صحتها وإجزائها إذا نوى الاعتداد بها وهو الصحيح لما ذكرنا أولا وكذلك لو كان الذين لا يرضون الصلاة خلفه جماعة فأمهم أحدهم ووافقوا الإمام في الركوع والسجود كان جائزا والله أعلم مسألة قال ( وإمامة العبد والأعمى جائزة ) هذا قول أكثر أهل العلم وروي عن عائشة رضي الله عنها أن غلاما لها كان يؤمها وصلى ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد وممن أجاز ذلك الحسن والشعبي والنخعي والحكم والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وكره أبو مجلز إمامة العبد وقال مالك لا يؤمهم إلا أن يكون قارئا وهو أميون
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى وقال أبو ذر إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف وأن أصلي الصلاة لوقتها فإن أدركت القوم وقد صلوا كنت أحرزت صلاتك وإلا كانت لك نافلة رواه مسلم ولأنه إجماع الصحابة فعلت عائشة ذلك وروي أن أبا سعيد مولى أبي أسيد قال تزوجت وأنا عبد فدعوت نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوني فكان فيهم أبو ذر وابن مسعود وحذيفة فحضرت الصلاة وهم في بيتي فتقدم أبو ذر ليصلي بهم فقالوا له ما وراءك فالتفت إلى ابن مسعود فقال أكذلك يا أبا عبد الرحمن قال نعم فقدموني وأنا عبد فصليت بهم رواه صالح في مسائله بإسناده وهذه قصة مثلها ينتشر ولم ينكر ولا عرف مخالف لها فكان ذلك إجماعا ولأن الرق حق ثبت عليه فلم يمنع صحة إمامته كالدين ولأنه من أهل الأذان للرجال يأتي بالصلاة على الكمال فكان له أن يؤمهم كالحر وأما الأعمى فلا نعلم في حصة إمامته خلافا إلا ما حكي عن أنس أنه قال ما حاجتهم إليه وعن ابن عباس أنه قال كيف أؤمهم وهم يعدلونني إلى القبلة والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤم وهو أعمى وعتبان بن مالك وقتادة وجابر وقال أنس إن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى رواه أبو داود وعن الشعبي أنه قال غزا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة غزوة كل ذلك يقدم ابن أم مكتوم يصلي بالناس رواه أبو بكر ولأن العمى فقد حاسة لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها فأشبه فقد الشم إذا ثبت هذا فالحر أولى من العبد لأنه أكمل منه وأشرف ويصلي الجمعة والعبد إماما بخلاف العبد وقال أبو الخطاب والبصير أولى من الأعمى لأنه يستقبل القبلة بعمله ويتوقى النجاسات ببصره وقال القاضي هما سواء لأن الأعمى أخشع لأنه لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه فيكون ذلك في مقابلة فضلة البصير عليه فيتساويان والأول أصح لأن البصير لو أغمض عينه كان مكروها ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحبا لأنه يحصل بتغميضه ما يحصله الأعمى ولأن البصير إذا غض بصره مع إمكان النظر كان له الأجر فيه لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارا والأعمى يتركه اضطرارا فكان أدنى حالا وأقل فضيلة فصل ولا تصح إمامة الأخرس بمثله ولا غيره لأنه لا يترك ركنا وهو القراءة تركا مأيوسا من زواله فلم تصح إمامته كالعاجز عن الركوع والسجود فصل وتصح إمامة الأصم لأنه لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ولا شروطها فأشبه الأعمى فإن كان أصم أعمى صحت إمامته لذلك وقال بعض أصحابنا لا تصح إمامته لأنه إذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا إشارة والأولى صحتها فإنه لا يمنع من صحة الصلاة احتمال عارض لا يتيقن وجوده كالمجنون حال إفاقته فصل فأما أقطع اليدين قال أحمد رحمه الله لم أسمع فيه شيئا وذكر الآمدي فيه روايتين إحداهما تصح إمامته اختارها القاضي لأنه عجز لا يخل بركن في الصلاة فلم يمنع صحة إمامته كأقطع أحد الرجلين والأنف والثانية لا تصح اختارها أبو بكر لأنه يخل بالسجود على بعض أعضاء السجود أشبه العاجز عن السجود على جبهته وحكم أقطع اليد الواحدة كالحكم في قطعهما جميعا وأما أقطع الرجلين فلا يصح الائتمام به لأنه مأيوس من قيامه فلم تصح إمامته كالزمن وإن كان مقطوع إحدى الرجلين ويمكنه القيام صحت إمامته ويتخرج على قول أبي بكر أن لا تصح إمامته لإخلاله بالسجود على عضو والأول أصح لأنه يسجد على الباقي من رجله أو حائلها مسألة قال ( وإن أم أمي أميا وقارئا أعاد القارىء وحده ) الأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها أو يخل بحرف منها وإن كان يحسن غيرها فلا يجوز لمن يحسنها أن يأتم به ويصح لمثله أن يأتم به ولذلك خص الخرقي القارىء بالإعادة فيما إذا أم أميا وقارئا