İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
والأمر يقتضي الوجوب ومداومة النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها وهذا دليل الوجوب ولأنها من أعلام الدين الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة ولأنها لو لم تجب لم يجب قتال تاركيها كسائر السنن يحققه أن القتال عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب كالقتل والضرب فأما حديث الأعرابي فلا حجة لهم فيه لأن الأعراب لا تلزمهم الجمعة لعدم الاستيطان فالعيد أولى والحديث الآخر مخصوص بما ذكرناه على أنه إنما صرح بوجوب الخمس وخصها بالذكر لتأكيدها ووجوبه على الأعيان ووجوبها على الدوام وتكررها في كل يوم وليلة وغيرها يجب نادرا ولعارض كصلاة الجنازة والمنذورة والصلاة المختلف فيها فلم يذكرها وقياسهم لا يصح لأن كونها ذات ركوع وسجود لا أثر له بدليل أن النوافل كلها فيها ركوع وسجود وهي غير واجبة فيجب حذف هذا الوصف لعدم تأثره ثم ينقض قياسهم بصلاة الجنازة وينتقض على كل حال بالمنذورة مسألة قال ( ويظهرون التكبير في ليالي العيدين وهو في الفطر آكد لقول الله تعالى ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون البقرة 185 ) وجملته أنه يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم مسافرين كانوا أو مقيمين لظاهر الآية المذكورة قال بعض أهل العلم في تفسيرها لتكملوا عدة رمضان ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم ومعنى إظهار التكبير رفع الصوت به واستحب ذلك لما فيه من إظهار شعائر الإسلام وتذكير الغير وكان ابن عمر يكبر في فتية بمنى يسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مني تكبيرا قال أحمد كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا ويعجبنا ذلك واختص بالفطر بمزيد تأكيد لورود النص فيه وليس التكبير واجبا وقال داود هو واجب في الفطر لظاهر الآية ولنا إنه تكبير في عيد فأشبه تكبير الأضحى ولأن الأصل عدم الوجوب ولم يرد من الشرع إيجابه فيبقى على الأصل والآية ليس فيها أمر إنما أخبر الله تعالى عن إرادته فقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم البقرة 185 فصل ويستحب أن يكبر في طريق العيد ويجهر بالتكبير قال ابن أبي موسى يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرا حتى يأتي الإمام المصلى ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته وينصتون فيما سوى ذلك قال سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عنابن عمر أنه كان إذا خرج من بيته إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى وروي ذلك عن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى واختلف فيه عنإبراهيم فصل قال القاضي التكبير في الأضحى مطلق ومقيد فالمقيد عقيب الصلوات والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان وأما الفطر فمسنونه مطلق غير مقيد على ظاهر كلام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وقال أبو الخطاب يكبر من غروب الشمس من ليلة الفطر إلى خروج الإمام إلى الصلاة في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي وفي الأخرى إلى فراغ الإمام من الصلاة مسألة قال ( فإذا أصبحوا تطهروا ) وجملته أنه يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال علقمة وعروة وعطاء والنخعي والشعبي وقتادة وأبو الزناد ومالك والشافعي وابن المنذر لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر والأضحى وروي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك رواه ابن ماجه فعلى هذه الأشياء تكون الجمعة عيدا ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة وإن اقتصر على الوضوء أجزأه لأنه إذا لم يجب الغسل للجمعة مع الأمر به فيها فغيرها أولى
فصل ويستحب أن يتنظف ويلبس أحسن ما يجد ويتطيب ويتسوك كما ذكرنا في الجمعة لما ذكرنا من الحديث وقال عبد الله بن عمر وجد عمر حلة من إستبرق في السوق فأخذها فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتع هذه تتجمل بها في العيدين والوفد فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هذه لباس من لا خلاق لهم متفق عليه وهذا يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع كان مشهورا وروى ابن الأحمر في العيدين والجمعة بإسناده عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين بردة حبرة وبإسناده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده وقال مالك سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد والإمام بذلك أحق لأنه المنظور إليه من بينهم إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقي عليه أثر العبادة والنسك وقال أحمد في رواية المروذي طاوس كان يأمر بزينة الثياب وعطاء قال هو يوم التخشع واستحسنهما جميعا وذكر استحباب خروجه في ثياب اعتكافه في غير هذا الموضع فصل ووقت الغسل بعد طلوع الفجر في ظاهر كلام الخرقي لقوله فإذا أصبحوا تطهروا قال القاضي والآمدي إن اغتسل قبل الفجر لم يصب سنة الاغتسال لأنه غسل الصلاة في اليوم فلم يجز قبل الفجر كغسل الجمعة وقال ابن عقيل المنصوص عن أحمد أنه قبل الفجر وبعده لأن زمن العيد أضيق من وقت الجمعة فلو وقف على الفجر ربما فات ولأن المقصود منه التنظيف وذلك يحصل بالغسل في الليل لقربه من الصلاة والأفضل أن يكون بعد الفجر ليخرج من الخلاف ويكون أبلغ في النظافة لقربه من الصلاة وهو قول الخرقي تطهروا لم يخص به الغسل بل هو ظاهر في الوضوء وهو غير مختص بما بعد الفجر مسألة قال ( وأكلوا إن كان فطرا ) السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي وهذا قول أكثر أهل العلم منهم علي وابن عباس ومالك والشافعي وغيرهم لا نعلم فيه خلافا قال أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات رواه البخاري وفي رواية استشهد بها ويأكلن وترا وروي عن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي رواه الأثرم والترمذي ولفظ رواية الأثرم حتى يضحي ولأن يوم الفطر يوم حرم فيه الصيام عقيب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة والأضحى بخلافه ولأن في الأضحى شرع الأضحية والأكل منها فاستحب أن يكون فطره على شيء منها قال أحمد والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من ذبيحته وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل فصل والمستحب أن يفطر على التمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر عليه ويأكلهن وترا لقول أنس ويأكلهن وترا لأن الله تعالى وتر يحب الوتر ولأن الصائم يستحب له الفطر كذلك مسألة قال ( ثم غدوا إلى المصلى مظهرين للتكبير ) السنة أن يصلي العيد في المصلى أمر بذلك علي رضي الله عنه واستحسنه الأوزاعي وأصحاب الرأي وهو قول ابن المنذر وحكي عن الشافعي إن كان مسجد البلد واسعا فالصلاة فيه أولى لأنه خير البقاع وأطهرها ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده وكذلك الخلفاء بعده ولا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الأفضل مع قربه ويتكلف فعل الناقص مع بعده ولا يشرع لأمته ترك الفضائل ولأننا قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص والمنهي عنه هو الكامل ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر ولأن هذا إجماع المسلمين فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى فيصلون العيد في المصلى مع سعة المسجد وضيقه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المصلى مع شرف مسجده وصلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد مع شرفه وروينا عن علي رضي الله عنه أنه قيل له قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد فقال أخالف السنة إذا ولكن نخرج إلى المصلى واستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعا فصل ويستحب للإمام إذا خرج أن يخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد كما فعل علي رضي الله عنه فروى هزيل بن شرحبيل قال قيل لعلي رضي الله عنه لو أمرت رجلا يصلي بضعفة الناس هونا في المسجد الأكبر قال إن أمرت رجلا يصلي أمرته أن يصلي لهم أربعا رواه سعيد وروي أنه استخلف أبا مسعود فصلى بهم في المسجد فصل وإن كان عذر يمنع الخروج من مطر أو خوف أو غيره صلوا في الجامع كما روى أبو هريرة أنه أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد في المسجد رواه أبو داود وابن ماجة فصل يستحب التكبير إلى العيد بعد صلاة الصبح إلا الإمام فإنه يتأخر إلى وقت الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل كذلك قال أبو سعيد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة رواه مسلم ولأن الإمام ينتظر ولا ينتظر ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس فلا بأس قال مالك مضت السنة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة فأما غيره فيستحب له التكبير والدنو من الإمام ليحصل له أجر التكبير وانتظار الصلاة والدنو من الإمام من غير تخطي رقاب الناس ولا أذى أحد قال عطاء بن السائب كان عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل يصليان الفجر يوم العيد وعليهما ثيابهما ثم يتدافعان إلى الجبانة أحدهما يكبر والآخر يهلل وروي عن ابن عمر أنه كان يخرج حتى تخرج الشمس فصل ويستحب أن يخرج إلى العيد ماشيا وعليه السكينة والوقار كما ذكرنا في الجمعة وممن استحب المشي عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري والشافعي وغيرهم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا رواه ابن ماجه وقال علي رضي الله عنه من السنة أن يأتي العيد ماشيا رواه الترمذي وقال حديث حسن وإن كان له عذر وكان مكانه بعيدا فركب فلا بأس قالأحمد رحمه الله نحن نمشي ومكاننا قريب وإن بعد ذلك عليه فلا بأس أن يركب قال حدثنا سعيد حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبير أنه سمع عمر بن عبد العزيز على المنبر يوم الجمعة يقول إن الفطر غدا فامشوا إلى مصلاكم فإن ذلك كان يفعل ومن كان من أهل القرى فليركب فإذا جاء المدينة فليمش إلى المصلى فصل ويكبر في طريق العيد ويرفع صوته بالتكبير وهو معنى قول الخرقي مظهرين للتكبير قال أحمد يكبر جهرا إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى
روي ذلك عن علي وابن عمر وأبي أمامة وأبي رهم وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان وأبي بكر بن محمد وفعله النخعي وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وبه قال الحكم وحماد مالك وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة يكبر يوم الأضحى ولا يكبر يوم الفطر لأن ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال ما شأن الناس فقيل يكبرون فقال أمجانين الناس وقال إبراهيم إنما يفعل ذلك الحواكون ولنا إنه فعل من ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم وقولهم قال نافع كان ابن عمر يكبر يوم العيد في الأضحى والفطر ويكبر ويرفع صوته وقال أبو جميلة رأيت عليا رضي الله عنه خرج يوم العيد فلم يزل يكبر حتى انتهى إلى الجبانة فأما ابن عباس فكان يقول يكبرون مع الإمام ولا يكبرون وحدهم وهذا خلاف مذهبهم وإذا ثبت هذا فإنه يكبر حتى يأتي المصلى لما ذكرنا عن علي رضي الله عنه وغيره قال الأثرم قيل لأبي عبد الله في الجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى أو حتى يخرج الإمام قال حتى يأتي المصلى وقال القاضي فيه رواية أخرى حتى يخرج الإمام فصل ولا بأس بخروج النساء يوم العيد إلى المصلى وقال ابن حامد يستحب ذلك وقد روي عن أبي بكر وعلي رضي الله عنه أنهما قالا حق على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله في العيدين وروت أم عطية قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق وذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال لتبلسها أختها من جلبابها متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم ولفظ رواية البخاري قالت كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها وحتى يخرج الحيض فيكن خلف الناس فيكبرون بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته وعن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددنا عليه فقال أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن وأمرنا بالعيدين أن نخرج فيهما الحيض والعتق لا جمعة علينا ونهانا عن اتباع الجنائز رواه أبو داود وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب مكرهه النخعي ويحيى الأنصاري وقالا لا نعرف خروج المرأة في العيدين عندنا وكرهه سفيان وابن المبارك ورخص أهل الرأي للمرأة الكبيرة وكرهوه للشابة لما في خروجهن من الفتنة وقول عائشة رضي الله عنها لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها ولا شك بأن تلك يكره لها الخروج وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ولا يخرجن في ثياب البذلة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وليخرجن تفلات ولا يخالطن الرجال بل يكن ناحية منهم مسألة قال ( فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين ) لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان وفيما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد ركعتين وفعله الأئمة بعده إلى عصرنا لم نعلم أحدا فعل غير ذلك ولا خالف فيه وقد قال عمر رضي الله عنه صلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى وقوله حلت الصلاة يحتمل معنيين أحدهما أن معناه إذا دخل وقتها والصلاة ها هنا صلاة العيد وحلت من الحلول كقولهم حل الدين إذا جاء أجله
والثاني معناه إذا أبيحت الصلاة يعني النافلة ومعناه إذا خرج وقت النهي وهو إذا ارتفعت الشمس قيد رمح وحلت من الحل وهو الإباحة كقول الله تعالى ويحل لهم الطيبات الأعراف 157 وهذا المعنى أحسن لأن فيه تفسيرا لوقتها وتعريفا له بالوقت الذي عرف في مكان آخر وعلى القول الأول ليس فيه بيان لوقتها فعلى هذا يكون وقتها من حين ترتفع الشمس قيد رمح إلى أن يقوم قائم الظهير وذلك ما بين وقتي النهي عن صلاة النافلة وقال أصحاب الشافعي أول وقتها إذا طلعت الشمس لما روى يزيد بن خمير قال خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين صلاة التسبيح رواه أبو داود وابن ماجة ولنا ما روى عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ولأنه وقت نهى عن الصلاة فيه فلم يكن وقتا كقبل طلوع الشمس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس بدليل الإجماع على أن الأفضل فعلها في ذلك الوقت ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إلا الأفضل والأولى ولو كان لها وقت قبل ذلك لكان تقييده بطلوع الشمس تحكما بغير نص ولا معنى نص ولا يجوز التوقيت بالتحكم وأما حديث عبد الله بن بسر فإنه أنكر إبطاء الإمام عن وقتها المجمع عليه فإنه لو حمل على غير هذا لم يكن ذلك إبطاء ولا جاز إنكاره ولا يجوز أن يحمل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في وقت النهي لأنه مكروه بالاتفاق على أن الأفضل خلافه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليداوم على المكروه ولا المفضول ولو كان يداوم على الصلاة فيه لوجب أن يكون هو الأفضل والأولى فتعين حمله على ما ذكرنا فصل ويسن تقديم الأضحى ليتسع وقت التضحية وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم أن أخر صلاة الفطر وعجل صلاة الأضحى ولأن لكل عيد وظيفة فوظيفة الفطر إخراج المفطرة ووقتها قبل الصلاة ووظيفة الأضحى التضحية ووقتها بعد الصلاة وفي تأخير الفطر وتقديم الأضحى توسيع لوظيفة كل منهما مسألة قال ( بلا أذان ولا إقامة ) ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد بخلافه إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام وقيل أول من أذن في العيد ابن زياد وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله على أنه لا يسن لها أذان ولا إقامة وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيد بغير أذان ولا إقامة فروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة وعن جابر مثله متفق عليه وقال جابر بن سمرة صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بلا أذان ولا إقامة رواه مسلم وعن عطاء قال أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدها يخرج الإمام ولا إقامة رواه مسلم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع مسألة قال ( ويقرأ في كل ركعة منها بالحمد لله وسورة ويجهر بالقراءة ) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه يشرع قراءة الفاتحة وسورة في كل ركعة من صلاة العيد وأنه يسن الجهر إلا أنه روي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا قرأ في العيدين أسمع من يليه ولم يجهر ذلك الجهر وقال ابن المنذر أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة وفي إخبار من أخبر بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم دليل على أنه كان يجهر ولأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة
ويستحب أن يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية نص عليه أحمد لأن النعمان بن بشير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب سبح اسم ربك الأعلى رواه مسلم وقال الشافعي يقرأ ب ق و اقتربت الساعة لما روي أن عمر سأل أبا واقد الليثي ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ به في الفطر والأضحى فقال كان يقرأ ب ق والقرآن المجيد و اقتربت الساعة وانشق القمر رواه مسلم وقال أبو حنيفة ليس فيه شيء يوقت وكان ابن مسعود يقرأ بالفاتحة وسورة من المفصل ومهما قرأ به أجزأه وكان حسنا إلا أن الأول أحسن لأن عمر رضي الله عنه عمل به وكان ذلك مذهبه ولأن في سبح الحث على الصلاة وزكاة الفطر على ما قاله سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى قد أفلح من تزكى الأعلى 14 فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها فصل وتكون القراءة بعد التكبير في الركعتين نص عليه أحمد وروي ذلك عن أبي هريرة وفقهاء المدينة السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والشافعي والليث وقد روي عن أحمد أنه يوالي بين القراءتين ومعناه أن يكبر في الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها اختارها أبو بكر وروي ذلك عن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى وأبي مسعود البدري والحسن وابن سيرين والثوري وهو قول أصحاب الرأي لما روي عن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر تكبيره على الجنازة ويوالي بين القراءتين لاواه أبو داود وروى أبو عائشة جليس لأبي هريرة أن سعد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر فقال أبو موسى كان يكبر أربعا تكبيره على الجنازة فقال حذيفة صدق ولنا ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة رواه الأثرم وابن ماجه والترمذي وقال هو حديث حسن وهو أحسن حديث في الباب وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين سبعا وخمسا قبل القراءة رواه أحمد في المسند وعن عبد الله بن عمرو قال قال النبي صلى الله عليه وسلم التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخيرة والقراءة بعدهما كليهما رواه ضعيف قاله الخطابي وليس في رواية أبي داود أنه والى بين القراءتين ثم نحمله على أنه والى بين الفاتحة والسورة لأن قراءة الركعتين لا يمكن الموالاة بينهما لما بينهما من الركوع والسجود مسألة قال ( ويكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الافتتاح ) قال أبو عبد الله يكبر في الأولى سبعا مع تكبيرة الإحرام ولا يعتد بتكبيرة الركوع لأن بينهما قراءة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات ولا يعتد بتكبيرة النهوض ثم يقرأ في الثانية ثم يكبر ويركع وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والمزني وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وابن عمر ويحيى الأنصاري قالوا يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا وبه قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق إلا أنهم قالوا يكبر سبعا في الأولى سوى تكبيرة الافتتاح لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح وروي عن ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي يكبر سبعا سبعا وقال أبو حنيفة والثوري في الأولى والثانية ثلاثا ثلاثا واحتجوا بحديثي أبي موسى اللذين ذكرناهما ولنا أحاديث كثير وعبد الله بن عمرو وعائشة التي قدمناها
قال ابن عبد البر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حسان أنه كبر في العيد سبعا في الأولى وخمسا في الثانية من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا هو أولى ما عمل به وحديث عائشة المعروف عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في الفطر والأضحى سبعا وخمسا سوى تكبيرتي الركوع رواه أبو داود وابن ماجه وحديث أبي موسى ضعيف يرويه أبو عائشة جليس أبي هريرة وهو غير معروف مسألة قال ( ويرفع يديه مع كل تكبيرة ) وجملته أنه يستحب أن يرفع يديه في حال تكبيره وحسب رفعهما مع تكبيرة الإحرام وبه قال عطاء والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وقال مالك والثوري لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام لأنها تكبيرات في أثناء الصلاة فأشبهت تكبيرات السجود ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير قال أحمد أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله وروي عن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد رواه الأثرم ولا يعرف له مخالف في الصحابة ولا يشبه هذا تكبير السجود لأن هذه يقع طرفاها في القيام فهي بمنزلة تكبيرة الافتتاح مسألة قال ( ويستفتح في أولها ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين وإن أحب قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم وإن أحب قال غير ذلك ويكبر في الثانية خمس تكبيرات سوى التكبيرة التي يقوم بها من السجود ويرفع يديه مع كل تكبيرة ) قوله يستفتح يعني يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب التكبيرة الأولى ثم يكبر تكبيرات العيد ثم يتعوذ ثم يقرأ وهذا مذهب الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن الاستفتاح بعد التكبيرات اختارها الخلاا وصاحبه وهو قول الأوزاعي لأن الاستفتاح تليه الإستعاذة وهي قبل القراءة وقال أبو يوسف يتعوذ قبل التكبير لئلا يفصل بين الاستفتاح والاستعاذة ولنا أن الاستفتاح شرع ليستفتح به الصلاة فكان في أولها كسائر الصلوات والاستعاذة شرعت للقراءة فهي تابعة لها فتكون عند الابتداء بها لقول الله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم النحل 98 وقد روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ قبل القراءة وإنما جمع بينهما في سائر الصلوات لأن القراءة تلي الاستفتاح من غير فاصل فلزم أن يليه ما يكون في أولها بخلاف مسألتنا وأيا ما فعل كان جائزا وإذا فرغ من الاستفتاح حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم فعل هذا بين كل تكبيرتين فإن قال ما ذكره الخرقي فحسن لأنه يجمع ما ذكرناه وإن قال غيره نحو أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أو ما شاء من الذكر فجائز وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي يكبر متواليا لا ذكر بينه لأنه لو كان بينه ذكر مشروع لنقل كما نقل التكبير ولأنه ذكر من جنس مسنون فكان متواليا كالتسبيح في الركوع والسجود ولنا ما روى علقمة أن عبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه فقال عبد الله تبدأ فتكبر تكبيرة تفتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن
رواه الأثرم في سننه ولأننها تكبيرات حال القيام فاستحب أن يتخللها ذكر كتكبيرات الجنازة وتفارق التسبيح لأنه ذكر يخفى ولا يظهر بخلاف التكبير وقياسهم منتقض بتكبيرات الجنازة قال القاضي يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة وهذا قول الشافعي فصل والتكبيرات والذكر بينها سنة وليس بواجب ولا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا ولا أعلم فيه خلافا فإن نسي التكبير وشرع في القراءة لم يعد إليه قاله ابن عقيل وهو أحد قولي الشافعي لأنه سنة فلم يعد إليه بعد الشروع في القراءة كالاستفتاح وقال القاضي فيها وجه آخر أنه يعود إلى التكبير وهو قول مالك وأبي ثور والقول الثاني للشافعي لأنه ذكره في محله فيأتي به كما قبل الشروع في القراءة وهذا لأن محله القيام وقد ذكره فيه فعلى هذا يقطع القراءة ويكبر ثم يستأنف القراءة لأنه قطعها متعمدا بذكر طويل وإن كان المنسي شيئا يسيرا احتمل أن يبني لأنه لم يطل الفصل أشبه ما لو قطعها بقول آمين واحتمل أن يبتدىء لأن محل التكبير قبل القراءة ومحل القراءة بعده فيستأنفها ليأتي بها بعده وإن ذكر التكبير بعد القراءة فأتى به لم يعد القراءة وجها واحدا لأنها وقعت موقعها وإن لم يذكره حتى ركع سقط وجها واحدا لأنه فات المحل وكذلك المسبوق إذا أدرك الركوع لم يكبر فيه وقال أبو حنيفة يكبر فيه لأنه بمنزلة القيام بدليل إدراك الركعة به ولنا إنه ذكر مسنون حال القيام فلم يأت به في الركوع كالاستفتاح وقراءة السورة والقنوت عنده وإنما أدرك الركعة بإدراكه لأنه أدرك معظمها ولم يفته إلا القيام وقد حصل منه ما يجزي في تكبيرة الإحرام فأما المسبوق إذا أدرك الإمام بعد تكبيره فقال ابن عقيل يكبر لأنه أدرك محله ويحتمل أن لا يكبر لأنه مأمور بالإنصات إلى قراءة الإمام ويحتمل أنه إن كان يسمع قراءة الإمام أنصت وإن كان بعيدا كبر فصل وإذا شك في عدد التكبيرات بنى على اليقين فإن كبر ثم شك هل نوى الإحرام أو لا ابتدأ الصلاة هو ومن خلفه لأن الأصل عدم النية إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه وسائر المسألة قد سبق شرحها مسألة قال ( فإذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما فإن كان فطرا حضهم على الصدقة وبين لهم ما يخرجون وإن كان أضحى يرغبهم في الأضحية ويبين لهم ما يضحي به ) وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين إلا عن بني أمية وروي عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلاه ولم يصح ذلك عنهما ولا يعتد بخلاف بني أميه لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم ومخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ود أنكر عليهم فعلهم وعد بدعة ومخالفا للسنة فإن ابن عمر قال إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه وروى ابن عباس مثله رواه مسلم ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة وروى طارق بن شهاب قال قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال خالفت السنة كانت الخطبة بعد الصلاة فقال ترك ذاك يا أبا فلان فقام أبو سعيد فقال أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فمن لم يستطع فلينكره بلسانه فمن لم يستطع فلينكره بقلبه وذلك أضعف الإيمان رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق ورواه مسلم في صحيحه ولفظه فليغيره فعلى هذا ممن خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب لأنه خطب في غير محل الخطبة أشبه ما لو خطب في الجمعة بعد الصلاة إذا ثبت هذا فإن صفة الخطبتين كصفة خطبتي الجمعة إلا أنه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع متواليات
قال القاضي وإن أدخل بينهم تهليلا أو ذكرا فحسن وقال سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات ثم يخطب وفي الثانية سبع تكبيرات ويستحب أن يكثر التكبير في أضعاف خطبته وروى سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير في خطبتي العيدين رواه ابن ماجه فإذا كبر في أثناء الخطبة كبر الناس بتكبيره وقد روي عن أبي موسى أنه كان يكبر يوم العيد على المنبر اثنتين وأربعين تكبيرة ويجلس بين الخطبتين لما روى ابن ماجة بإسناده عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام ويجلس عقيب صعوده المنبر وقيل لا يجلس عقيب صعوده لأن الجلوس في الجمعة للأذان ولا أذان ها هنا فإن كان الفطر أمرهم بصدقة الفطر وبين لهم وجوبها وثوابها وقدر المخرج وجنسه وعلى من تجب والوقت الذي يخرج فيه وفي الأضحى يذكر الأضحية وفضلها وأنها سنة مؤكدة وما يجزي فيها ووقت ذبحها والعيوب التي تمنع منها وكيفية تفرقتها وما يقوله عند ذبحها لما روي عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول ما يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف رواه البخاري وروى مسلم نحوه وعن جابر قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس فذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن متفق عليه وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو شاة لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء ومن ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وقد أصاب سنة المسلمين فصل والخطبتان سنة لا يجب حضورهما ولا استماعهما لما روى عبد الله بن السائب قال شهدتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب رواه النسائي وابن ماجه ورواه أبو داود وقال هو مرسل وإنما أخرت عن الصلاة والله أعلم لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها من تركها بخلاف خطبة الجمعة والاستماع لها أفضل وقد روي عن الحسن وابن سيرين أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب وقال إبراهيم يخطب الإمام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس لاستماع الخطبة لئلا يختلطن بالرجال وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في موعظته النساء بعد فراغه من خطبته دليل على أنهن لم ينصرفن قبل فراغه وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع فصل ويستحب أن يخطب قائما لما روى جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد ثم قام رواه ابن ماجه ولأنها خطبة عيد فأشبهت خطبة الجمعة وإن خطب قاعدا فلا بأس لأنها غير واجبة فأشبهت صلاة النافلة وإن خطب على راحلته فحسن قال سعيد حدثنا هشيم حدثنا حصين حدثنا أبو جميلة قال رأيت عليا صلى يوم عيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب على دابته ورأيت عثمان بن عفان يخطب على راحلته ورأيت المغيرة بن شعبة يخطب على راحتله مسألة قال ( ولا يتنفل قبل صلاة العيدين ولا بعدها )
وجملته أنه يكره التنقل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة سواء كان في المصلى أو المسجد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر وروي ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى وقال به شريح وعبد الله بن مغفل والشعبي ومالك والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج ومسروق وقال الزهري لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر أن أحدا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها يعني صلاة العيد وقال ما صلى قبل العيد بدري ونهى عنه أبو مسعود البدري وروي أن عليا رضي الله عنه رأى قوما يصلون قبل العيد فقال ما كان هذا يفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أحمد أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها وأهل البصرة يتطوعون قبلها وبعدها وأهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها وهذا قول علقمة والأسود ومجاهد وابن أبي ليلى والنخعي والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وقال مالك لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها وله في المسجد روايتان إحداهما يتطوع لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين وقال الشافعي يكره التطوع للإمام دون المأموم لأن الإمام لا يستحب له التشاغل عن الصلاة ولم يركه للمأموم لأنه وقت لم ينه ن الصلاة فيه أشبه ما بعد الزوال ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما متفق عليه وروى ابن عمر نحوه ولأنه إجماع كما ذكرناه عن الزهري وغيره ونهى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ورووا الحديث وعملوا به ولأنه وقت نهي الإمام عن التنفل فيه فكره للمأموم كسائر أوقات النهي وكما قبل الصلاة عند أبي حنيفة وكما لو كان في المصلى عند مالك قال الأثرم قلت لأحمد قال سليمان بن حرب إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التطوع لأنه كان إماما قالأحمد فالذين رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوعوا ثم قال ابن عمر وابن عباس هما راوياه وأخذا به يشير والله أعلم إلى أن عمل راوي الحديث به تفسير له وتفسيره يقدم على تفسير غيره ولو كانت الكراهة للإمام كيلا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به ولأنه تنفل في المصلى وقت صلاة العيد فكره كالذي سلموه وقياسهم منتقض للإمام وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في صلاة العيد سبعا وخمسا ويقول لا صلاة قبلها ولا بعدها حكى ابن عقيل أن الإمام ابن بطة رواه بإسناده فصل قيل لأحمد فإن كان رجل يصلي صلاة في ذلك الوقت قال أخاف أن يقتدي به بعض من يراه يعني لا يصلي قال ابن عقيل وكره أحمد أن يتعمد لقضاء صلاة وقال أخاف أن يقتدوا به فصل وإنما يكره التنفل في موضع الصلاة فأما في غيره فلا بأس به وكذلك لو خرج منه ثم عاد إليه بعد الصلاة فلا بأس بالتطوع فيه قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها ورأيته يصلي بعدها ركعات في البيت وربما صلاها في الطريق يدخل بعض المساجد وروي عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين رواه ابن ماجة ولأنه إنما ترك الصلاة في موضع الصلاة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لاشتغاله بالصلاة وانتظارها وهذا معدوم في غير موضع الصلاة مسألة قال ( وإذا غدا من طريق رجع من غيره )
وجملته أن الرجوع في غير الطريق التي غدا منها سنة وبهذا قال مالك والشافعي والأصل فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله قالأبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره قال الترمذي هذا حديث حسن وقال بعض أهل العلم إنما فعل هذا قصدا لسلوك الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة ويعود في الأقرب لأنه أسهل وهو راجع إلى منزله وقيل كان يحب أن يشهد له الطريقان وقيل كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم وسرورهم برؤيته وينتفعون بمسألته وقيل لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الفقراء وقيل لتبرك الطريقين بوطئه عليهما وفي الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله ولأنه قد يفعل الشيء لمعنى ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل والاضطباع في طواف القدوم وفعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار وبقي سنة بعد زوالهم ولهذا روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في الرملان الآن ولمن نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين ثم قال مع ذلك لا ندع شيئا فعلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة قال ( ومن فاتته صلاة العيد صلى أربع ركعات كصلاة التطوع وإن أحب فصل بسلام بين كل ركعتين ) وجملته أن من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه لأنها فرض كفاية وقام بها من حصلت الكفاية به فإن أحب قضاءها فهو مخير إن شاء صلاها أربعا إما بسلام واحد وإما بسلامين وروي هذا عن ابن مسعود وهو قول الثوري وذلك لما روى عبد الله بن مسعود أنه قال من فاته العيد فليصل أربعا ومن فاتته الجمعة فليصل أربعا وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال إن أمرت رجلا أن يصلي بضعفة الناس أمرته أن يصلي أربعا رواهما سعيد قال أحمد رحمه الله يقوي ذلك حديث علي أنه أمر رجلا يصلي بضعفة الناس أربعا ولا يخطب ولأنه قضاء صلاة عبد فكان أربعا كصلاة الجمعة وإن شاء أن يصلي ركعتين كصلاة التطوع وهذا قول الأوزاعي لأن ذلك تطوع وإن شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير نقل ذلك عن أحمد وإسماعيل بن سعد واختارها الجوزجاني وهذا قول النخعي ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر لما روي عن أنس أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات وهو مخير إن شاء صلاها وحده وإن شاء في جماعة قيل لأبي عبد الله أين يصلي قال إن شاء مضى إلى المصلى وإن شاء حيث شاء فصل وإن أدرك الإمام في التشهد جلس معه فإذا سلمم الإمام قال فصلى ركتين يأتي فيهما بالتكبير لأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع فقضاها على صفتها كسائر الصلوات وإن أدركه في الخطبة فإن كان في المسجد صلى تحية المسجد لأنها إذا صليت في خطبة الجمعة التي يجب الإنصات لها ففي خطبة العيد أولى ولا يكون حكمه في ترك التحية حكم من أدرك العيد وقال القاضي يجلس فيستمع الخطبة ولا يصلي لئلا يشتغل بالصلاة عن استماع الخطبة وهذا التعليل يبطل بالداخل في خطبة الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الداخل بالركوع مع أن خطبة الجمعة آكد فإما إن لم يكن في المسجد فإنه يجلس فيستمع ثم إن أحب قضى صلاة العيد على ما ذكرناه فصل إذا لم يعلم بيوم العيد إلا بعد زوال الشمس خرج من الغد فصلى بهم العيد وهذا قول الأوزاعي والثوري وإسحاق وابن المنذر وصوبه الخطابي وحكي عن أبي حنيفة أنها لا تقضى
وقال الشافعي إن علم بعد غروب الشمس كقولنا وإن علم بعد الزوال لم يصل لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فلا تقضي بعد فوات وقتها كصلاة الجمعة وإنما يصليها إذا علم بعد غروب الشمس لأن العيد هو الغد لقول النبي صلى الله عليه وسلم فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون ولنا ما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ركبا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم رواه أبو داود وقال الخطابي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب ولأنها صلاة مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كسائر الفرائض وقياسهم على الجمعة لا يصح لأنها معدول بها عن الظهر بشرائط منها الوقت فإذا فات واحد منها رجع إلى الجمعة لا يصح لأنها معدول بها عن الظهر بشرائط منها الوقت فإذا فات واحد منها رجع إلى الأصل فصل فأما الواحد إذا فاتته حتى تزول الشمس وأحب قضاءها متى أحب وقال ابن عقيل لا يقضيها إلا من الغد قياسا على المسألة التي قبلها وهذا لا يصح لأن ما يفعله تطوع فمن أحب أتى به وفارق ما إذا لم يعلم الإمام والناس لأن الناس تفرقوا يومئذ على أن العيد في الغد فلا يجتمعون إلا من الغد ولا كذلك ها هنا فإنه لا يحتاج إلى اجتماع الجماعة ولأن صلاة الإمام هي الصلاة الواجبة التي يعتبر لها شروط العيد ومكانه وصفة صلاته فاعتبر لها الوقت وهذا بخلافه فصل ويشترط الاستيطان لوجوبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه وكذلك العدد المشترط للجمعة لإنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة وفي إذن الإمام روايتان أصحهما ليس بشرط ولا يشترط شيء من ذلك لصحتها لأنها تصح من الواحد في القضاء وقال أبو الخطاب في ذلك كله روايتان وقال القاضي كلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة وهذا مذهب أبي حنيفة إلا أنه لا يرى ذلك إلا في مصر لقوله لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع والثانية يصليها المنفرد والمسافر والعبد والنساء على كل حال وهذا قول الحسن والشافعي لأنه ليس من شرطها الاستيطان فلم يكن من شرطها الجماعة كالنوافل إلا أن الإمام إذا خطب مرة ثم أرادوا أن يصلوا لم يخطبوا وصلوا بغير خطبة كيلا يؤدي إلى تفريق الكلمة والتفصيل الذي ذكرناه أولى ما قيل به إن شاء الله تعالى مسألة قال ( ويبتدىء التكبير يوم عرفة منن صلاة الفجر ) لا خلاف بين العلماء رحمهم الله في أن التكبير مشروع في عيد النحر واختلفوا في مدته فذهب إمامنا رضي الله عنه إلى أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم وإليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والشافعي في بعض أقواله وعن ابن مسعود أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى العصر من يوم النحر وإليه ذهب علقمة والنخعي وأبو حنيفة لقوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات الحج 28 وهي العشر وأجمعنا على أنه لا يكبر قبل يوم عرفة فينبغي أن يكبر يوم عرفة ويوم النحر وعن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أن التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق وبه قال مالك والشافعي في المشهور عنه لأن الناس تبع للحاج والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة ويكبرون مع الرمي وإنما يرمون يوم النحر فأول صلاة بعد ذلك الظهر وآخر صلاة يصلون بمنى الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة وأقبل علينا فقال الله أكبر الله أكبر ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق
أخرجه الدارقطني من طرق وفي بعضها الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رواه سعيد عن عمر وعلي وابن عباس وروي بإسناده عن محمد بن سعيد أن عبد الله كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر فأتانا علي بعده فكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد قبل لأحمد رحمه الله بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق قال الإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ولأن الله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات البقرة 203 وهي أيام التشريق فتعين الذكر في جميعها ولأنها أيام يرمي فيها فكان التكبير فيها كيوم النحر وقوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات الحج 28 والمراد به ذكر الله تعالى على الهدايا والأضاحي ويستحب التكبير عند رؤية الأنعام في جميع العشر وهذا أولى من قولهم وتفسيرهم لأنهم لم يعملوا به في كل العشر ولا في أكثره وإن صح قولهم فقد أمر الله تعالى بالذكر في أيام معدودات وهي أيام التشريق فيعمل به أيضا وأما المحرمون فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر لما ذكروه لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية وغيرهم يبتدىء من يوم عرفة لعدم المانع في حقهم مع وجود المقتضى وقولهم إن الناس تبع لهم في هذا دعوى مجردة لا دليل عليها فلا تسمع فصل وصفة التكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق وابن المبارك إلا أنه زاد على ما هدانا لقوله لتكبروا الله على ما هداكم الحج 37 وقال مالك والشافعي يقول الله أكبر الله أكبر ثلاثا لأن جابرا صلى في أيام التشريق فلما فرغ من صلاته قال الله أكبر الله أكبر الله أكبر وهذا لا يقوله إلا توقيفا ولأن التكبير شعار العيد فكان وترا كتكبير الصلاة والخطبة ولنا خبر جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو نص في كيفية التكبير وأنه قول الخليفتين الراشدين وقول ابن مسعود وقول جابر لا يسمع مع قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقدم على قول أحد مما ذكرنا فكيف قدموه على قول جميعهم ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعا كتكبير الأذان وقولهم إن جابرا لا يفعله إلا توقيفا فاسد لوجوه أحدها أنه قد روي خلاف قوله فكيف يترك ما صرح به لاحتمال وجود ضده الثاني أنه إن كان قوله توقيفا كان قول من خالفه توقيفا فكيف قدموا الضعيف على ما هو أقوى منه مع إمامة من خالفه وفضلهم في العلم عليه وكثرتهم الثالث أن هذا ليس بمذهب لهم فإن قول الصحابي لا يحمل على التوقيف عندهم الرابع أنه إنما يحمل على التوقيف ما خالف الأصول وذكر الله تعالى لا يخالف الأصل ولاسيما إذا كان وترا مسألة قال ( ثم لا يزال يكبر دبر كل صلاة مكتوبة صلاها في جماعة وعن أبي عبد الله رحمه الله أنه يكبر لصلاة الفرض وإن كان وحده حتى يكبر لصلاة العصر من آخر أيام التشريق ثم يقطع ) المشروع عند إمامنا رحمه الله التكبير عقيب الفرائض في الجماعات في المشهور عنه قال الأثرم قلت لأبي عبد الله أذهب إلى فعل ابن عمر إنه كان لا يكبر إذا صلى وحده قال أحمد نعم وقال ابن مسعود إنما التكبير على من صلى في جماعة وهذا مذهب الثوري وأبي حنيفة وقال مالك لا يكبر عقيب النوافل ويكبر عقيب الفرائض كلها وقال الشافعي يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة منفردا صلاها أو في جماعة لأنها صلاة مفعولة فيكبر عقيبها كالفرض في جماعة
ولنا قول ابن مسعود وفعل ابن عمر ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة فكان إجماعا ولأنه ذكر مختص بوقت العيد فاختص بالجماعة ولا يلزم من مشروعيته للفرائض مشروعيته للنوافل كالأذان والإقامة وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه يكبر لفرض وإن كان منفردا وهو مذهب مالك لأنه ذكر مستحب للمسبوق فاستحب للمنفرد كالسلام فصل والمسافرون كالمقيمين فيما ذكرنا وكذلك النساء يكبرن في الجماعة وفي تكبيرهن في الانفراد روايتان كالرجال قال ابن منصور قلت لأحمد قال سفيان لا يكبر النساء أيام التشريق إلا في جماعة قال أحسن وقال البخاري كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد وينبغي لهن أن يخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال وعن أحمد رواية أخرى أنهن لا يكبرن لأن التكبير ذكر يشرع فيه رفع الصوت فلم يشرع في حقهن كالأذان فصل والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته نص عليه أحمد وهذا قول أكثر أهل العلم وقالالحسن يكبر ثم يقضي لأنه ذكر مشروع في آخر الصلاة فيأتي به المسبوق قبل القضاء كالتشهد وعن مجاهد ومكحول يكبر ثم يقضي ثم يكبر لذلك ولنا إنه ذكر شرع بعد السلام فلم يأت به في أثناء الصلاة كالتسليمة الثانية والدعاء بعدها وإن كان على المصلي سجود سهو بعد السلام يجده ثم يكبر وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه مخالفا وذلك لأنه سجود مشروع للصلاة فكان التكبير بعد وبعد تشهده كسجود صلب الصلاة وآخر مدة التكبير العصر من آخر أيام التشريق لما ذكرناه في المسألة التي قبلها فصل وإذا فاتته صلاة من أيام التشريق فقضاها فيها فحكمها حكم المؤداة في التكبير لأنها صلاة في أيام التشريق وكذلك إن فاتته من غير أيام التشريق فقضاها فيها كذلك وإن فاتته من أيام التشريق فقضاها في غيرها لم يكبر لأن التكبير مقيد بالوقت فلم يفعل في غيره كالتلبية فصل ويكبر مستقبل القبلة حكاه أحمد عن إبراهيم قال أبو بكر وعليه العمل وذلك لأنه ذكر مختص بالصلاة أشبه الأذان والإقامة ويحتمل أن يكبر كيفما شاء لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم فقال الله أكبر الله أكبر وإن نسي التكبير حتى خرج من المسجد لم يكبر وهذا قول أصحاب الرأي لأنه مختص بالصلاة من بعدها فأشبه سجود السهو ويحتمل أن يكبر وهذا قول أصحاب الرأي لأنه مختص بالصلاة من بعدها فأشبه سجود السهو ويحتمل أن يكبر لأنه ذكر فاستحب وإن خرج وبعد كالدعاء والذكر المشروع بعدها وإن ذكره في المسجد عاد إلى مكانه فجلس واستقبل القبلة فكبر وقال الشافعي يكبر ماشيا وهذا أقيس لأن التكبير ذكر مشروع بعد الصلاة فأشبه سائر الذكر قال أصحابنا يكبر ماشيا وهذا أقيس لأن التكبير ذكر مشروع بعد الصلاة فأشبه سائر الذكر قال أصحابنا وإذا أحدث قبل التكبير لم يكبر عامدا كان أو ساهيا لأن الحدث يقطع الصلاة عمده وسهوه وبالغ ابن عقيل فقال إن يكبر حتى تكلم لم يكبر والأولى إن شاء الله أن يكبر لأن ذلك ذكر منفرد بعد سلام الإمام فلا تشترط له الطهارة كسائر الذكر ولأن اشتراط الطهارة إما بنص أو معناه ولم يوجد ذلك وإذا نسي الإمام التكبير كبر المأموم وهذا قول الثوري لأنه ذكر يتبع الصلاة أشبه سائر الذكر فصل قال القاضي ظاهر كلام أحمد أنه يكبر عقيب صلاة العيد وهو قول أبي بكر لأنها صلاة مفروضة في جماعة فأشبهت الفجر وقال أبو الخطاب لا يسن لأنها ليست من الصلوات الخمس أشبهت النوافل والأول أولى لأن هذه الصلاة أخص بالعيد فكانت أحق بتكبيره
فصل ويشرع التكبير في أدبار الصلوات وكان ابن عمر يكبر بمنى في تلك الأيام خلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا وكان يكبر في قبته بما يسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مني تكبيرا وكذلك يستحب التكبير في أيام العشر كلها لقول الله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات الحج 28 كما قال واذكروا الله في أيام معدودات البقرة 203 والأيام المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق قال البخاري وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ويستحب الاجتهاد في عمل الخير في أيام العشر من الذكر والصلاة والصيام والصدقة وسائر أعمال البر لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد إلا رجل يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء أخرجه البخاري فصل قال أحمد رحمه الله ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد تقبل الله منا ومنك وقال حرب سئل أحمد عن قول الناس في العيدين تقبل الله منا ومنكم قال لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة قيل وواثلة بن الأسقع قال نعم قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد قال لا وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث منها أن محمد بن زياد قال كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك وقال أحمد إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد وقال علي ابن ثابت سألت مالك بن أنس منذ خمسس وثلاثين سنة وقال لم يزل يعرف هذا بالمدينة وروي عن أحمد أنه قال لا أبتدي به أحدا وإن قاله أحد رددته عليه فصل قال القاضي ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار وقال الأثرم سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة قال أرجو أن لا يكون به بأس قد فعله غير واحد وروى الأثرم عن الحسن قال أول من عرف بالبصرة ابن عباس رحمه الله وقال أحمد أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث وقال الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة قال أحمد لا بأس به إنما هو دعاء وذكر لله فقيل له تفعله أنت قال أما أنا فلا وروي عن يحيى بن معين أنه حضر مع الناس عشية عرفة كتاب صلاة الخوف صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى : ^(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية . وأما السنة فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف وجمهور العلماء متفقون على أن حكمها باق بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو يوسف إنما كانت تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى وإذا كنت فيهم وليس بصحيح فإن ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به فإن الله تعالى أمر باتباعه بقوله فاتبعوه الأنعام 155 وسئل عن القبلة للصائم فأجاب بأنني أفعل ذلك فقال السائل لست مثلنا فغضب وقال إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى وأعلمكم بما أتقي
ولو اختص بفعله لما كان الإخبار بفعله جوابا ولا غضب من قول السائل لست مثلنا لأن قوله إذا يكون صوابا وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحتجون بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرونها معارضة لقوله وناسخة له ولذلك لما أخبرت عائشة وأم سلمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم تركوا به خبر أبي هريرة من أصبح جنبا فلا صوم لله ولما ذكروا ذلك لأبي هريرة قال هن أعلم إنما حدثني به الفضل بن عباس ورجع عن قوله ولو لم يكن فعله حجة لغيره لم يكن معارضا لقوله وأيضا فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على صلاة الخوف فروي أن عليا رضي الله عنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير وصلى أبو موسى الأشعري صلاة الخوف بأصحابه وروي أن سعيد بن العاص كان أميرا على الجيش بطبرستان فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقال حذيفة أنا فقدمه صلى بهم فأما تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب فلا يوجب تخصيصه بالحكم لما ذكرناه ولأن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على مانعي الزكاة قولهم إن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة بقوله خذ من أموالهم صدقة التوبة 103 وقد قال الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 وهذا لا يختص به فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق ولم يصل قلنا هذا كان قبل نزول صلاة الخوف وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون ناسخا لما قبله ثم إن هذا الاعتراض باطل في نفسه إذ لا خلاف في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يصلي صلاة الخوف وقد أمره الله تعالى بذلك في كتابه فلا يجوز الاحتجاج بما يخالف الكتاب والإجماع ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة نسيانا فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن صلاتها فقالوا ما صلينا وروي أن عمر قال ما صليت العصر فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها أو كما جاء ويدل على صحة هذا أنه لم يكن ثم قتال يمنعه من الصلاة فدل على ما ذكرناه مسألة قال ( وصلاة الخوف إذا كان بإزاء العدو وهو في سفر صلى بطائفة ركعة وأتمت لأنفسها أخرى بالحمد لله وسورة ثم ذهبت تحرس وجاءت الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو فصلت معه ركعة وأتمت لأسها أخرى بالحمد لله وسورة ويطيل التشهد حتى يتموا التشهد ويسلم بهم ) وجملة ذلك أن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات في حق الإمام والمأموم جميعا فإذا كان في سفر يبيح القصر صلى بهم ركعتين بكل طائفة ركعة وتتم لأنفسها أخرى على الصفة المذكورة وإنما يجوز ذلك بشرائط منها أن يكون العدو مباح القتال وأن لا يؤمن هجومه قال القاضي ومن شرطها كون العدو في غير جهة القبلة ونص أحمد على خلاف ذلك في رواية الأثرم فإنه قال قلت له حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة كانوا أو مستدبرين قال نعم هو أنكى ولأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لانتشارهم أو استتارهم أو الخوف من كمين فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تقويتها قال أبو الخطاب ومن شرطها أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر وقال القاضي إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه لأن أحمد ذهب إلى ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ووجه قولهما أن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع لقوله تعالى فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم النساء 102 وأقل لفظ الجمع ثلاثة والأولى أن لا يشترط هذا لأن ما دون الثلاثة عدد تصح به الجماعة فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة
وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العدد وجها واحدا ولذلك اكتفينا بثلاثة ولم يكن كذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويستحب أن يخفف بهم الصلاة لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف وكذلك الطائفة التي تفارقه تصلي لنفسها تقرأ بسورة خفيفة ولا تفارقه حتى يستقل قائما لأن النهوض يشتركون فيه جميعا فلا حاجة إلى مفارقتهم إياه قبله والمفارقة إنما جازت للعذر ويقرأ ويتشهد ويطيل في حال الانتظار حتى يدركوه وقال الشافعي في أحد قوليه لا يقرأ حال الانتظار بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية ليكون قد سوى بين الطائفتين ولنا إن الصلاة ليس فيها حال سكوت والقيام محل للقراءة فينبغي أن يأتي بها فيه كما في التشهد إذا انتظرهم فإنه يتشهد ولا يسكت كذا ها هنا والتسوية بينهم تحصل بانتظاره إياهم في موضعين والأولى في موضع واحد إذا ثبت هذا فقال القاضي إن قرأ في انتظارهم قرأ بعدما جاؤوا بقدر فاتحة الكتاب وسورة خفيفة وإن لم يقرأ في انتظارهم قرأ إذا جاؤوا بالفاتحة وسورة خفيفة وهذا على سبيل الاستحباب ولو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعا ركعوا معه وصحت لهم الركعة مع ترك السنة وإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى وأطال التشهد بالدعاء والتوسل حتى يدركوه ويتشهدوا ثم يسلم بهم وقال مالك يتشهدون معه إذا سلم الإمام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق وما معك النساء وهذا يدل على أن صلاتهم كلها معه وفي حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة ثم سلم رواه أبو داود وروي أنه سلم بالطائفة الثانية ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم وبهذا قال مالك والشافعي إلا فيما ذكرنا من الاختلاف وقال أبو حنيفة يصلي كما روى ابن عمر قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين والطائفة الأخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى لهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة متفق عليه وقال أبو حنيفة يصلي بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة للعدو ثم تنصرف التي صلت معه إلى وجه العدو وهي في صلاتها ثم تجيء الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام الركعة الثانية ثم يسلم الإمام وترجع الطائفة إلى وجه العدو وهي في الصلاة ثم تأتي الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها فتصلي ركعة منفردة ولا تقرأ فيها لأنها في حكم الائتمام ثم تنصرف إلى وجه العدو ثم تأتي الطائفة الأخرى إلى موضع الصلاة فتصلي الركعة الثانية منفردة وتقرأ فيها لأنها قد فارقت الإمام بعد فراغه من الصلاة فحكمها حكم المسبوق إذا فارق إمامه قال وهذا أولى لأنكم جوزتم للمأموم فراق إمامه قبل فراغه من الصلاة وهي الطائفة الأولى وللثانية فراقه في الأفعال فيكون جالسا وهم قيام يأتون ركعة وهم في إمامته ولنا ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم رواه مسلم وروى سهل بن أبي حثمة مثل ذلك والعمل بهذا أولى لأنه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب
أما موافقة الكتاب فإن قول الله تعالى ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك النساء 102 يقتضي أن جميع صلاتها معه وعنده تصلي معه ركعة فقط وعندنا جميع صلاتها معه إحدى ركعتين توافقه في أفعاله وقيامه والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه ومن مفهوم قوله ( لم يصلوا ) أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها وأما الاحتياط للصلاة فإن كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية بعضها توافق الإمام فيها فعلا وبعضها تفارقه وتأتي به وحدها كالمسبوق وعنده تنصرف في الصلاة فإما أن تمشي وإما أن تركب وهذا عمل كثير وتستدبر القبلة وهذا ينافي الصلاة وتفرق بين الركعتين تفريقا كثيرا بما ينافيها ثم جعلوا الطائفة الأولى مؤتمة بالإمام بعد سلامه ولا يجوز أن يكون المأموم مأموما في ركعة يأتي بها بعد سلام إمامه وأما الاحتياط للحرب فإنه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض وإعلام غيره بما يراه مما خفي عليه من أمر العدو وتحذيره وإعلام الذين مع الإمام بما يحدث ولا يمكن هذا على قولهم ولأن مبنى صلاة الخوف على التخفيف لأنهم في وضع الحاجة إليه وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف ما كانت حال الأمن لأن كل طائفة تحتاج إلى مضي إلى مكان الصلاة ورجوع إلى وجاه العدو وانتظار لمضي الطائفة الأخرى ورجوعها فعلى تقدير أن يكون بين المكانين نصف ميل تحتاج كل طائفة إلى مشي ميل وانتظار للأخرى قدر مشي ميل وهي في الصلاة ثم تحتاج إلى تكليف الرجوع إلى موضع الصلاة لإتمام الصلاة من غير حاجة إليه ولا مصلحة تتعلق به فلو احتاج الآمن إلى مثل هذه الكلفة في الجماعة لسقطت عنه فكيف يكلف الخائف هذا وهو في مظنة التخفيف والحاجة إلى الرفق به وأما مفارقة الإمام فجائزة للعذر ولا بد منها على القولين فإنهم جوزوا للطائفة الأولى مفارقة الإمام والذهاب إلى وجه العدو وهذا أعظم مما ذكرناه فإنه لا نظير له في الشرع ولا يوجد مثله في موضع آخر فصل وإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة جاز نص عليه أحمد ولكن يكون تاركا للأولى والأحسن وبهذا قال ابن جرير وبعض أصحاب الشافعي فصل ولا تجب التسوية بين الطائفتين لأنه لم يرد بذلك نص ولا قياس ويجب أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو ممن تحصل الثقة بكفايتها وحراستها ومتى خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الأخرى فللإمام أن ينهد إليهم بمن معه ويبنوا على ما مضى من صلاتهم فصل فإن صلوا الجمعة صلاة الخوف جاز إذا كانت طائفة أربعين فإن قيل فالعدد شرط في الجمعة كلها ومتى ذهبت الطائفة الأولى بقي الإمام منفردا فتبطل كما لو نقص العدد فالجواب أن هذا جاز لأجل العذر ولأنه يترقب مجيء الطائفة الأخرى بخلاف الانفضاض ولا يجوز أن يخطب بإحدى الطائفتين ويصلي بالأخرى حتى يصلي معه من حضر الخطبة وبهذا قال الشافعي فصل والطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقة الإمام فإن سها لحقهم حكم سهوه فيما قبل مفارقته وإن سهوا لم يلزمهم حكم سهوهم لأنهم مأمومون وأما بعد مفارقته فإن سها لم يلزمهم حكم سهوه فإن سهوا لحقهم حكم سهوهم لأنهم منفردون وأما الطائفة الثانية فيلحقها حكم سهو إمامها في جميع صلاته ما أدركت منها وما فاتها كالمسبوق يلحقه حكم سهو إمامه فيما لم يدركه ولا يلحقها حكم سهوها في شيء من صلاتها لأنها إن فارقته فعلا لقضاء ما فاتها فهي في حكم المؤتم به لأنهم يسلمون بسلامه فإذا فرغت من قضاء ما فاتها سجد وسجدت معه فإن سجد الإمام قبل إتمامها سجدت لأنها مؤتمة به فيلزمها متابعته ولا تعيد السجود بعد فراغها من التشهد لأنها لم تنفرد عن الإمام فلا يلزمها من السجود أكثر مما يلزمه بخلاف المسبوق وقال القاضي ينبني هذا على الروايتين في المسبوق إذا سجد مع إمامه ثم قضى ما عليه وقد ذكرنا الفرق بينهما
مسألة قال ( وإن خاف وهو مقيم صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة والطائفة الأخرى تتم بالحمد لله وسورة ) وجملة ذلك أن صلاة الخوف جائزة في الحضر إذا احتيج إلى ذلك بنزول العدو قريبا من البلد وبه قال الأوزاعي والشافعي وحكي عن مالك أنها لا تجوز في الحضر لأنها الآية إنما دلت على صلاة ركعتين وصلاة الحضر أربعا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها في الحضر وخالفه أصحابه فقالوا كقولنا ولنا قول الله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة النساء 102 الآية وهذا عام في كل حال وترك النبي صلى الله عليه وسلم فعلها في الحضر إنما كان لغناه عن فعلها في الحضر وقولهم إنما دلت الآية على ركعتين قلنا وقد يكون في الحضر ركعتان الصبح والجمعة والمغرب ثلاث ويجوز فعلها في الخوف في السفر ولأنها حالة خوف فجازت فيها صلاة الخوف كالسفر فإذا صلى بهم الرباعية صلاة الخوف فرقهم فرقتين فصلى بكل طائفة ركعتين وهل تفارقه الطائفة الأولى في التشهد الأول أو حين يقوم إلى الثالثة على وجهين أحدهما حين قيامه إلى الثالثة وهو قول مالك والأوزاعي لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار والتشهد يستحب تخفيفه ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس للتشهد كان كأنه على الرضف حتى يقوم ولأن ثواب القائم أكثر ولأنه إذا انتظرهم جالسا فجاءت الطائفة فإنه يقوم قبل إحرامهم فلا يحصل اتباعهم له في القيام والثاني في التشهد لتدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة ولأن الانتظار في الجلوس أخف على الإمام ولأنه متى انتظرهم قائما احتاج إلى قراءة السورة في الركعة الثالثة وهو خلاف السنة وأيا ما فعل كان جائزا وإذا جلس الإمام للتشهد الأخير جلست الطائفة معه فتشهدت التشهد الأول وقامت وهو جالس فأتمت صلاتها ولأنها لم يحصل لها مع الإمام قراءة السورة ويطول الإمام التشهد والدعاء حتى تصلي الركعتين ثم يتشهد ويسلم بهم فأما الطائفة الأولى فإنما تقرأ في الركعتين بهعد مفارقة إمامها الفاتحة وحدها لأنها آخر صلاتها وقد قرأ إمامها بها السورة في الركعتين الأولين وظاهر المذهب أن ما تقضيه الطائفة الثانية أول صلاتها فعلى هذا تستفتح إذا فارقت إمامها وتستعيذ وتقرأ الفاتحة وسورة وقد روي أنه آخر صلاتها ومقتضاه ألا تستتفح ولا تستعيذ ولا تقرأ السورة وعلى كل حال فينبغي لها أن تخفف وإن قرأت سورة فلتكن من أخف السور أو تقرأ آية أو اثنتين من سورة وينبغي للإمام أن يعجل بالسلام حتى يفرغ أكثرهم من التشهد فإن سلم قبل فراغ بعضهم أتم تشهده وسلم فصل واختلفت الرواية فيما يقضيه المسبوق فروي أنه أول صلاته وما يدركه مع الإمام آخرها وهذا ظاهر المذهب كذلك قال ابن عمر ومجاهد وابن سيرين ومالك والثوري وحكي عن الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف والحسن بن حي وروي عن أحمد أن ما يقضيه آخر صلاته وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق والمزني وأبو ثور وهو قول الشافعي ورواية عن مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم وما فاتكم فأتموا متفق عليه ولأنه آخر صلاته حقيقة فكان آخرها حكما كغير المسبوق ولأنه يتشهد في آخر ما يقضيه ويسلم ولو كان أول صلاته لما تشهد وكان يكفيه تشهده مع الإمام وللرواية الأولى قوله وما فاتكم فاقضوا وهو صحيح ولأنه يسمى قضاء والقضاء للفائت والفائت أول الصلاة ومعنى قوله فأتموا أي اقضوا لأن القضاء إتمام ولذلك سماه فائتا والفائت أول الصلاة ولأنه يقرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة فكان أول الصلاة كغير المسبوق ولا أعلم خلافا بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة وسورة
قال ابن عبد البر كل هؤلاء القائلين بالقولين جميعا يقولون يقضي ما فاته بالحمد لله وسورة على حسب ما قرأ إمامه إلا إسحاق والمزني وداود قالوا يقرأ بالحمد وحدها وعلى قول من قال إنه يقرأ في القضاء بالفاتحة وسورة ولا تظهر فائدة الخلاف إلا أن يكون في الاستفتاح والاستعاذة حال مفارقة الإمام وفي موضع الجلسة للتشهد الأول في حق من أدرك ركعة من المغرب والرباعية والله أعلم فصل واختلفت الرواية في موضع الجلسة والتشهد الأول في حق من أدرك ركعة من المغرب أو الرباعية إذا قضى فروي عن أحمد أنه إذا قام استفتح فصلى ركعتين متواليتين يقرأ في كل واحدة بالحمد لله وسورة نص عليه في رواية حرب وفعل ذلك جندب وذلك لأنهما أول صلاته فلم يتشهد بينهما كغير المسبوق ولأن القضاء على صفة الأداء والأداء لا جلوس فيه ولأنهما ركعتان يقرأ في كل واحدة منهما بالحمد لله وسورة فلم يجلس بينهما كالمؤداتين والرواية الثانية أنه يقوم فيأتي بركعة يقرأ فيها بالحمد لله وسورة ثم يجلس ثم يقوم فيأتي بأخرى بالحمد لله وسورة في المغرب أو بركعتين متواليتين في الرباعية يقرأ في أولاها بالحمد لله وسورة وفي الثانية بالحمد وحدها نقلها صالح وأبو داود والأثرم وفعل ذلك مسروق وقال عبد الله بن مسعود كما فعل مسروق يفعل وهو قول سعيد بن المسيب فإنه روي عنه أنه قال للزهري ما صلاة يجلس في كل ركعة منها قال سعيد هي المغرب إذا أدركت منها ركعة ولأن الثالثة آخر صلاته فعلا فيجب أن يجلس قبلها كغير المسبوق وقد روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم قال جاء جندب ومسروق إلى المسجد وقد صلوا ركعتين من المغرب فدخلا في الصف فقرأ جندب في الركعة التي أدرك مع الإمام ولم يقرأ مسروق فلما سلم الإمام قاما في الركعة الثانية فقرأ جندب وقرأ مسروق وجلس مسروق في الركعة الثانية وقام جندب وقرأ مسروق في الركعة الثالثة ولم يقرأ جندب فلما قضيا الصلاة أتيا عبد الله فسألاه عن ذلك وقصا عليه القصة فقال عبد الله كما فعل مسروق يفعل وقال عبد الله إذا أدركت ركعة من المغرب فاجلس فيهن كلهن وأيا ما فعل من ذلك جاز إن شاء الله تعالى ولذلك لم ينكر عبد الله على جندب فعله ولا أمره بإعادة صلاته فصل إذا فرقهم في الرباعية فرقتين فصلى بالأولى ثلاث ركعات وبالثانية ركعة أو بالأولى ركعة والثانية ثلاثا صحت الصلاة لأنه لم يزد على انتظارين ورد الشرع بمثلهما وبهذا قال الشافعي إلا أنه قال يسجد للسهو ولا حاجة إليه لأن السجود للسهو ولا سهو ها هنا ولو قدر أنه فعله ساهيا لم يحتج إلى سجود لأنه مما لا يبطل عمده الصلاة فلا يسجد لسهوه كما لو رفع يديه في غير موضع الرفع وترك رفعهما في موضعه