İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وذكر بعض أصحابه أن البائع إذا اعتقد أنه يعصرها خمرا فهو محرم وإنما يكره إذا شك فيه وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه مسكرا قال الثوري بع الحلال ممن شئت واحتج لهم بقول الله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 ولأن البيع تم بأركانه وشروطه ولنا قول الله تعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة 2 وهذا نهي يقتضي التحريم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن في الخمر عشرة فروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وبائعها ومبتاعها وساقيها وأشار إلى كل معاون علهيا ومساعد فيها أخرج هذا الحديث الترمذي من حديث أنس وقال قد روي هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن بطة في تحريم النبيذ بإسناده عن محمد بن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمر بقلعه وقال بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها والآية مخصوصة بصور كثيرة فيخصص منها محل النزاع بدليلنا وقولهم تم البيع بشروطه وأركانه قلنا لكن وجد المانع منه إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك فأما إن كان الأمر محتملا مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله أو من يعمل الخل والخمر معا ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل ويحتمل أن يصح وهو مذهب الشافعي لأن المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه فلم يمنع صحة العقد كما لو دلس العيب ولنا إنه عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح كإجارة الأمة للزنا والغناء وأما التدليس فهو المحرم دون العقد ولأن التحريم ههنا لحق الله تعالى فأفسد العقد كبيع درهم بدرهمين ويفارق التدليس فإنه لحق آدمي فصل وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق أو في الفتنة وبيع الأمة للغناء أو إجارتها كذلك أو إجارة داره لبيع الخمر فيها أو لتتخذ كنيسة أو بيت نار وأشباه ذلك فهذا حرام ولاعقد باطل لما قدمنا قال ابن عقيل وقد نص أحمد رحمه الله على مسائل نبه بها على ذلك فقال في القصاب والخباز إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه ومن يخترط الأقداح لا يبيعها ممن يشرب فيها ونهى عن بيع الديباج للرجال ولا بأس ببيعه للنساء وروي عنه لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلا فصل قيل لأحمد رجل مات وخلف جارية مغنية وولدا يتيما وقد احتاج إلى بيعها قال يبيعها على أنها ساذجة فقيل له فإنها تساوي ثلاثين ألف درهم فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا قال لا تباع إلا على أنها ساذجة ووجه ذلك ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يجوز بيع المغنيات ولا أثمانهن ولا كسبهن قال الترمذي هذا لا نعرفه إلا من حديث علي بن زيد وقد تكلم فيه أهل العلم ورواه ابن ماجة وهذا يحمل على بيعهن لأجل الغناء فأما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء فلا تبطل كما أن العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر لصلاحيته للخمر فصل ولا يجوز بيع الخمر ولا التوكيل في بيعه ولا شراؤه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز وقال أبو حنيفة يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في بيعها وشرائها وهو غير صحيح
فإن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرمت التجارة في الخمر وعن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل الله اليهود إن الله تعالى حرم عليهم شحومها فجملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه متفق عليه ومن وكل في بيع الخمر وأكل ثمنه فقد أشبههم في ذلك ولأن الخمر نجسة محرمة يحرم بيعها والتوكيل في بيعها كالميتة والخنزير ولأنه يحرم عليه بيعه فحرم عليه التوكيل في بيعه كالخنزير مسألة قال ( ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان ولا يبطله شرط واحد ) ثبت عن أحمد رحمه الله أنه قال الشرط الواحد لا بأس به إنما نهي عن الشرطين في البيع ذهب أحمد إلى ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا تبع ما ليس عندك أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال الأثرم قيل لأبي عبد الله إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع فنفض يده وقال الشرط الواحد لا بأس به في البيع إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في البيع وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله وشرط ظهره إلى المدينة واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما فروي عن أحمد أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد فحكى ابن المنذر عنه وعن إسحاق فيمن اشترى ثوبا واشترط على البائع خياطته وقصارته أو طعاما واشترط طحنه وحمله إن اشترط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز وإن اشترط شرطين فالبيع باطل وكذلك فسر القاضي في شرحه الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد وأنه يطؤها ففسره بشرطين فاسدين وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع أن يقول إذا بعتكها فأنا أحق بها بالثمن وأن تخدمني سنة وظاهر كلام أحمد أى ن الشرطين المنهي عنهما ما كان من هذا النحو فأما إن شرط شرطين أو أكثر من مقتضى العقد أو مصلحته مثل أن يبيعه بشرط الخيار والتأجيل والرهن والضمين أو بشرط يسلم إليه المبيع أو الثمن فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر وقال القاضي في المجرد ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل سواء كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته أخذا من ظاهر الحديث وعملا بعمومه ولم يفرق الشافعي وأصحاب الرأي بين الشرط والشرطين ورووا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط ولأن الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد والحديث الذي رويناه يدل على الفرق ولأن الغرر اليسير إذا احتمل في العقد لا يلزم منه احتمال الكثير وحديثهم لم يصح وليس له أصل وقد أنكره أحمد ولا نعرفه مرويا في مسند ولا يعول عليه وقول القاضي إن النهي يبقى على عمومه في كل شرطين بعيد أيضا فإن شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر فيه بغير خلاف وشرط ما هو من مصلحة العقد كالأجل والخيار والرهن والضمين وشرط صفة في المبيع كالكتابة والصناعة فيه مصلحة العقد فلا ينبغي أن يؤثر أيضا في بطلانه قلت أو كثرت ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئا من هذا القسم فالظاهر أنه غير مراد له فصل والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم وخيار المجلس والتقابض في الحال فهذا وجوده كعدمه لا يفيد حكما ولا يؤثر في العقد الثاني تتعلق به مصلحة العاقدين كالأجل والخيار والرهن والضمين والشهادة أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع كالصناعة والكتابة ونحوها فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا
الثالث ما ليس من مقتضاه ولا من مصلحته ولا ينافي مقتضاه وهو نوعان أحدهما اشتراط منفعة البائع في المبيع فهذا قد مضى ذكره الثاني أن يشترط عقدا في عقد نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا آخر أو يشتري منه أو يؤجره أو يزوجه أو يسلفه أو يصرف له الثمن أو غيره فهذا شرط فاسد يفسد به البيع سواء اشترطه البائع أو المشتري وسنذكره إن شاء الله تعالى الرابع اشتراط ما ينافي مقتضى البيع وهو على ضربين أحدهما اشتراط ما بني على التغليب والسراية مثل أن يشترط البائع على المشتري عتق العبد فهل يصح على روايتين إحداهما يصح وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي لأن عائشة رضي عنها اشترت بريرة وشرطت أهلها عليها عتقها وولاءها فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم شرط الولاء دون العتق والثانية الشرط فاسد وهو مذهب أبي حنيفة لأنه شرط ينافي مقتض العقد أشبه إذا شرط أن لا يبيعه لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه أشبه ما لو شرط أن يبيعه وليس في حديث عائشة أنها شرطت لهم العتق وإنما أخبرتهم بإراتها لذلك من غير شرط فاشترطوا الولاء فإذا حكمنا بفساده فحكمه حكم سائر الشروط الفاسدة التي يأتي ذكرها وإن حكمنا بصحته فأعتقه المشتري فقد وفى بما شرط عليه وإن لم يعتقه ففيه وجهان أحدهما يجبر لأن الشرط العتق إذا صح تعلق بعينه فيجبر عليه كما لو نذر عنه والثاني لا يجبر لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط بدليل ما لو شرط الرهن والضمين فعلى هذا يثبت للبائع خيار الفسخ لأنه لم يسلم له ما شرطه له أشبه ما لو شرط عليه رهنا وإن تعيب المبيع أو كان أمة فأحبلها أعتقه وأجزأه لأن الرق باق فيه وإن استغله أو أخذ من كسبه شيئا فهو له وإن مات المبيع رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق فيقال كم قيمته لو بيع مطلقا وكم يساوي إذا بيع بشرط العتق فيرجع بقسط ذلك من ثمنه في أحد الوجهين وفي الآخر يضمن ما نقص من قيمته الضرب الثاني أن يشترط غير العتق مثل أن يشترط أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ولا يطأ أو يشترط عليه أن يبيعه أو يقفه أو متى نفق المبيع وإلا رده أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن وإن أعتقه فالولاء له فهذه وما أشبهها شروط فاسدة وهل يفسد بها البيع على روايتين قال القاضي المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح وهو ظاهر كلام الخرقي هاهنا وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأبي ثور والثانية البيع فاسد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط ولأنه شرط فاسد فأسد البيع كما لو شرط فيه عقدا آخر ولأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه والمشتري كذلك إذا كان الشرط له فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه والبيع من شرطه التراضي ولنا ما روت عائشة قالت جاءتني بريرة فقالت كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقلت إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون لي ولاؤك فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت إني عرضت عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال خذيها واشترطي الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه فأبطل الشرط ولم يبطل العقد
قال ابن المنذر خبر بريرة ثابت ولا نعلم خبرا يعارضه فالقول به يجب فإن قيل المراد بقوله اشترطي لهم الولاء أي عليهم بدليل أنه أمرها به ولا يأمرها بفاسد قلنا لا يصح هذا التأويل بوجهين أحدهما أن الولاء لها بإعتاقها فلا حاجة إلى اشتراطه الثاني أنهم أبوا البيع إلا أن يشترط لولاء لهم فكيف يأمرها بما يعمل أنهم لا يقبولونه منها وأما أمره بذلك فليس هو أمرا على الحقيقة وإنما هو صفة الأمر بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه كقوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم التوبة 80 وقوله فاصبروا أو لا تصبروا الطور 16 والتقدير واشترطي لهم الولاء أو لا تشترطي ولهذا قال عقيبه فإنما الولاء لمن أعتق وحديثهم لا أصل له على ما ذكرنا وذكره من المعنى في مقابلة النص غير مقبول فصل فإن حكمنا بصحة البيع فللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن ذكره القاضي وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط لأن البائع إنما سمح بيعها بهذا الثمن لما يحصل له من الغرض بالشرط والمشتري إنما سمح بزيادة الثمن من أجل شرطه فإذا لم يحصل غرضه ينبغي أن يرجع بما سمح به كما لو وجده معيبا فصل فإن حكمنا بفساد العقد لم يصحل به ملك سواء اتصل به القبض أو لم يتصل ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع ولا هبة ولا عتق ولا غيره وبهذا قال الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أن الملك يثبت فيه إذا اتصل به القبض وللبائع الرجوع فيه فيأخذه مع الزيادة المنفصلة إلا أن يتصرف فيه المشتري تصرفا يمنع الرجوع فيه فيأخذه قيمته واحتج بحديث بريرة فإن عائشة اشترتها بشرط الولاء فأعتقها فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم العتق والبيع فاسد ولأن المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء بعقد وقد حصل عليه الضمان للبدل عن عقد فيه تسليط فوجب أن يملكه كما لو كان العقد صحيحا ولنا إنه مقبوض بعقد فاسد فلم يملكه كما لو كان الثمن ميتة أو دما فأما حديث بريرة فإنما يدل على صحة العقد لا على ما ذكروه وليس في الحديث أن عائشة اشترتها بهذا الشرط بل الظاهر أن أهل بريرة حين بلغهم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشرط تركوه ويحتمل أن الشرط كان سابقا للعقد فلم يؤثر فيه فصل وعليه رد المبيع مع نمائه المتصل والمنفصل وأجرة مثله مدة بقائه في يده وإن نقص ضمن نقصه لأنها جملة مضمونة فأجزاؤها تكون مضمونة أيضا فإن تلف المبيع في يد المشتري فعليه ضمانه بقيمته يوم التلف قاله القاضي ولأن أحمد نص عليه في الغصب ولأنه قبضه بإذن ملكه فأشبه العارية وذكر الخرقي في الغصب أنه يلزمه قيمته أكثر ما كانت فيخرج ههنا كذلك وهو أولى لأن العين كانت على ملك صاحبها في حال زيادتها وعليه ضمان نقصها مع زيادتها فكذلك في حال تلفها كما لو أتلفها بالجناية ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل فإن كان المبيع أمة فوطئها المشتري فلا حد عليه لاعتقاده أنها ملكه ولأن في الملك اختلافا وعليه مهر مثلها لأن الحد إذا سقط للشبهة وجب المهر ولأن الوطء في ملك الغير يوجب المهر وعليه أرش البكارة إن كانت بكرا فإن قيل أليس إذا تزوج امرأة تزويجا فاسدا فوطئها فأزال بكارتها لا يضمن البكارة قلنا لأن النكاح تضمن الإذن في الوطء المذهب للبكارة لأنه معقود على الوطء ولا كذلك البيع فإنه ليس بمعقود على الوطء بدليل أنه يجوز شراء من لا يحل وطؤها ولا يحل نكاحها قلنا لأن مهر البكر ضمان المنفعة وأرش البكارة ضمان جزء فلذلك اجتمعا وأما الثاني فإنه إذا وطئها بكرا فقد استوفى نفع هذا الجزء فوجبت قيمته بما استوفى من نفعه فإذا أتلفه وجب ضمان عينه ولا يجوز أن تضمن العين ويسقط ضمان المنفعة كما لو غصب عينا ذات منفعة فاستوفى منفعتها ثم أتلفها أو غصب ثوبا فلبسه حتى أبلاه وأتلفه فإنه يضمن القيمة والمنفعة كذا ههنا
فصل وإن ولدت كان ولدها حرا لأنه وطئها بشبهة ويحق به النسب لذلك ولا ولاء عليه لأنه حر الأصل وعلى الواطىء قيمته يوم وضعه لأنه يوم الحيلولة بينه وبين صاحبه فإن سقط ميتا لم يضمن لأنه إنما يضمنه حني وضعه ولا قيمة له حينئذ فإن قيل فلو ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا وجب ضمانه قلنا الضارب يجب عليه غرة وههنا يضمنه بقيمته ولا قيمة له ولأن الجاني أتلفه وقطع نماءه وههنا يضمنه بالحيلولة بينه وبين سيده ووقت الحيلولة وقت السقوط وكان ميتا فلم يجب ضمانه وعليه ضمان نقص الولادة وإن ضرب بطنها أجنبي فألقت جنينا ميتا فعلى الضارب غرة عبد أو أمة للسيد منها أقل الأمرين من أرش الجنين أو قيمته يوم سقط لأن ضمان الضارب له قام مقام خروجه حيا ولذلك ضمنه البائع وإنما كان للسيد أقل الأمرين لأن الغرة إن كانت أكثر من القيمة فالباقي منها لورثته لأنه حصل بالحرية فلا يستحق السيد منها شيئا وإن كانت أقل لم يكن على الضارب أكثر منها لأنه بسبب ذلك ضمن وأن ضرب الواطىء بطنها فألقت الجنين ميتا فعليه الغرة أيضا ولا يرث منها شيئا وللسيد أقل الأمرين كما ذكرنا وإن سلم الجارية المبيعة إلى البائع حاملا فولدت عنده ضمن نقص الولادة وإن تلفت بذلك ضمنها لأن تلفها بسبب منه وإن ملكها الواطىء لم تصر بذلك أم ولد على الصحيح من المذهب لأنها علقت منه في غير ملكه فأشبه الزوجة وهكذا كل موضع حبلت في ملك غيره ولا تصير له أم ولد بهذا فصل إذا باع المشتري المبيع الفاسد لم يصح لأنه باع ملك غيره بغير إذنه وعلى المشتري رده على البائع الأول لأنه مالك ولبائعه أخذه حيث وجده ويرجع المشتري الثاني بالثمن على الذي باعه ويرجع الأول على بائعه فإن تلف في يد الثاني فللبائع مطالبة من شاء منهما لأن الأول ضامن والثاني قبضه من يد ضامنه بغير إذن صاحبه فكان ضامنا فإن كانت قيمته أكثر من ثمنه فضمن الثاني لم يرجع بالفضل على الأول لأن التلف في يده فاستقر الضمان عليه فإن ضمن الأول رجع بالفضل على الثاني فصل وإن زاد المبيع في يد المشتري بسمن أو نحوه ثم نقص حتى عاد إلى ما كان عليه أو ولادت الأمة في يد المشتري ثم مات ولدها احتمل أن يضمن تلك الزيادة لأنها زيادة في عين مضمونة أشبهت الزيادة في المغصوب واحتمل أن لا يضمنها لأنه دخل على أن لا يكون في مقابلة الزيادة عوض فعلى هذا تكون الزيادة أمانة في يده فإن تلفت بتفريطه أو عدوانه ضمنها وإلا فلا وإن تلفت العين بعد زيادتها أسقط تلك الزيادة من القيمة وضمنها بما بقي من القيمة حين أتلف قال القاضي وهذا ظاهر كلام أحمد فصل إذا باع بيعا فاسدا وتقابضا ثم أتلف البائع الثمن ثم أفلس فله الرجوع في المبيع وللمشتري أسوة الغرماء وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المشتري أحق بالمبيع من سائر الغرماء لأنه في يده فكان أحق به كالمرتهن ولنا إنه لم يقبضه وثيقة فلم يكن أحق به كما لو كان وديعة عنده بخلاف المرتهن فإنه قبضه على أنه وثيقة بحقه فصل إذا قال بع عبدك من فلان على أن علي خمسمائة فباعه بهذا الشرط فالبيع فاسد لأن الثمن يجب أن يكون جميعه على المشتري فإذا شرط كون بعضه على غيره لم يصح لأنه لا يملك المنع والثمن على غيره ولا يشبه هذا ما لو قال أعتق عبدك أو طلق امرأتك وعلي خمسمائة لكون هذا عوضا في مقابلة فك الزوجية ورقبة العبد ولذلك لم يجز في النكاح أما في مسألتنا فإنه معاوضة في مقابلة نقل الملك فلا يثبت لمن العوض على غيره وإن كان هذا القول على وجه الضمان صح البيع ولزم الضمان
فصل والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع يقال عربون وأربون وعربان وأربان قال أحمد لا بأس به وفعله عمر رضي الله عنه وعن ابن عمر أنه أجازه وقال ابن سيرين لا بأس به وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا وقال أحمد هذا في معناه واختار أبو الخطاب أنه لا يصح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروي ذلك عن ابن عباس والحسن لأن الني صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون رواه ابن ماجة ولأنه شرط للبائع شيئا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي ولأنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكل مدة فلم يصح كما لو قال ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما وهذا هو القياس وإنما صار أحمد فيه إلى ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا قال الأثرم قلت لأحمد تذهب إليه قال أي شيء أقول هذا عمر رضي الله عنه وضعف الحديث المروي روى هذا القصة الأثرم بإسناده فأما إن دفع إليه قبل البيع درهما وقال لا تبع هذه السلعة لغيري وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدىء وحسب الدرهم من الثمن صح لأن البيع خلا عن الشرط المفسد ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمة القائلين بفساد العربون وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء ولأن الانتظار باليع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة مسألة قال ( وإذا قال بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا لم ينعقد البيع وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذ منه دراهم بصرف ذكراه ) وجملته أن البيع بهذه الصفة باطل لأنه شرط في العقد أن يصارفه بالثمن الذي وقع العقد به والمصارفة عقد بيع فيكون بيعتان في بيعة قال أحمد هذا معناه وقد روى أبو هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا كل ما كان في معنى هذا مثل أن يقول بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا أو على أن تبيعني دارك أو على أن أؤجرك أو على أن تؤجرني كذا أو على أن تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي ونحو هذا فهذا كله لا يصح قال ابن مسعود الصفقتان في صفقة ربا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء وجوزه مالك وقال لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد إذا كان معلوما حلالا فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير ولنا الخبر وأن النهي يقتضي الفساد ولأن العقد لا يجب بالشرط لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط فيفسد العقد لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط فإذا فات فات الرضا به ولأنه شرط عقدا في عقد لم يصح كنكاح الشغار وقوله لا ألتفت إلى اللفظ لا يصح لأن البيع هو اللفظ فإذا كان فاسدا فكيف يكون صحيحا ويتخرج أن يصح البيع ويفسد الشرط بناء على ما لو شرط ما ينافي مقتض العقد كما سبق والله أعلم فصل وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو أن يقول بعتك هذا العبد بعشرة نقدا أو بخمسة عشرة نسيئة أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحا
هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق وهو أيضا باطل وهو قول الجمهور لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال بعتك هذا أو هذا ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح كما لو قال بعتك أحد عبيدي وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا لا بأس أن يقول أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب على أحدهما وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعد ما يجري في العقد فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال خذه أو قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقدا كافيا وإن لم يوجد ما يقوم مقام الإيجاب أو يدل عليه لم يصح لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابا لما ذكرنانه وقد روي عن أحمد فيمن قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم أنه يصح فيحتمل أن يلحق به هذا البيع فيخرج وجها في الصحة ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح لكونه جعالة يحتمل فيها الجهالة بخلاف البيع ولأن العمل الذي يستحق به الأجرة لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفقتين فتتعين الأجرة المسماة عوضا له فلا يفضي إلى التنازع وههنا بخلافه فصل ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه أو شرط المشتري ذلك عليه فهو محرم والبيع باطل وهذا مذهب مالك والشافعي ولا أعلم فيه خلافا إلا أن مالكا قال إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع ولنا ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي لفظ لا يحل بيع وسلف ولأنه اشترط عقدا في عقد ففسد كبيعتين في بيعة ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن القرض ورحا له وذلك ربا محرم ففسد كما لو صرح به ولأنه بيع فاسد فلا يعود صحيحا كما لو باع درهما بدرهمين ثم ترك أحدهما فصل وإذا جمع بين عقدين مختلفي القيمة بعوض واحد كالصرف وبيع ما يجوز التفرق فيه قبل القبض والبيع والنكاح أو الإجارة نحو أن يقول بعتك هذا الدينار وهذا الثوب بعشرين درهما أو بعتك هذه الدار وأجرتك الأخرى بألف أو باعه سيفا محلى بالذهب بفضة أو زوجتك ابنتي وبعتك عبدها بألف صح العقد فيهما لأنهما عينان يجوز أخذ العوض عن كل واحدة منهما منفردة فجاز العوض عنهما مجتمعتين كالعبدين وهذا أحد قولي الشافعي وقال أبو الخطاب في ذلك وجه آخر إنه لا يصح وهو القول الثاني للشافعي لأن حكمهما مختلف فإن المبيع يضمن بمجرد البيع والإجارة بخلافه والأول أصح وما ذكروه يبطل بما إذا باع شقصا وسيفا فإنه يصح مع اختلاف حكمهما بوجوب الشفعة في أحدهما دون الآخر فأما إن جمع بين الكتابة والبيع فقال كاتبتك وبعتك عبدي هذا بألف كل شهر مائة لم يصح لأن المكاتب قبل تمام الكتابة عبد قن فلا يصح أن يشتري من سيده شيئا ولا يثبت لسيده في ذمته ثمن وإذا بطل البيع فهل يصح في الكتابة بقسطها فيه روايتان نذكرهما في تفريق الصفقة وسوى أبو الخطاب بين هذه الصور وبين الصور التي قبلها فقال في الكل وجهان والذي ذكرناه إن شاء الله تعالى أولى فصل في تفريق الصفقة ومعناه أن يبيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز صفقة واحدة بثمن واحد وهو على ثلاثة أقسام أحدها أن يبيع معلوما ومجهولا كقوله بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف فهذا البيع باطل بكل حال ولا أعلم في بطلانه خلافا لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته والمعلوم مجهول الثمن ولا سبيل إلى معرفته لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط
الثاني أن يكون المبيعان مما ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء كعبد مشترك بينه وبين غيره باعه كله بغير إذن شريكه وكقفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما ففيه وجهان أحدهما يصح في ملكه بقسطه من الثمن ويفسد فيما لا يملكه والثاني لا يصح فيهما وأصل الوجهين أن أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين إحداهما يفسد فيهما والثانية يصح في الحرة والأولى أنه يصح فيما يملكه وهو قول مالك وأبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يصح وهو قول أبي ثور لأن الصفقة جمعت حلالا وحراما فغلب التحريم ولأن الصفقة إذا لم يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكل كالجمع بين الأختين وبيع درهم بدرهمين ولنا إن كل واحد منهما له حكم لو كان منفردا فإذا جمع بينهما ثبت لكل واحد منهما حكمه كما لو باع شقصا وسيفا لأن ما يجوز له بيعه قد صدر فيه البيع من أهله في محله بشرطه فصح كما لو انفرد ولأن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين وامتنع حكمه في أحد المحلين لثبوته عن قبوله فيصح في الآخر كما لو أوصى بشيء لآدمي وبهيمة وأما الدرهمان والأختان فليس واحد منهما أولى بالفساد من الأخر فلذلك فسد فيهما وههنا بخلافه القسم الثالث أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم عليهما الثمن بالأجزاء كعبد وحر وخل وخمر وعبد غيره وعبد حاضر وآبق فهذا يبطل البيع فيما لا يصح بيعه وفي الآخر روايتان نقل صالح عن أبيه فيمن اشترى عبدين فوجد أحدهما حرا رجع بقيمته من الثمن ونقل عنه مهنا فيمن تزوج امرأة على عبدين فوجد أحدهما حرا فلها قيمة العبدين فأبطل الصداق فيهما جميعا وللشافعي قولان كالروايتين وأبطل مالك العقد فيهما إلا أن يبيع ملكه وملك غيره فيصح في ملكه ويقف في ملك غيره على الإجازة ونحوه قول أبي حنيفة فإنه قال إن كان أحدهما لا يصح بيعه بنص أو إجماع كالحر والخمر لم يصح العقد فيهما وإن لم يثبت بذلك كملكه وملك غيره صح فيما بملكه لأن ما اختلفت فيه يمكن أن يلحقه حكم الإجازة بحكم بصحة بيعه وقال أبو ثور لا يصح بيعه لما تقدم في القسم الثاني ولأن الثمن مجهول لأنه إنما يتبين بالتقسيط للثمن على القيمة وذلك مجهول في الحال فلم لا يصح البيع به كما لو قال بعتك هذه السلعة برقمها أو بحصة من رأس المال ولأنه لو صرح به فقال بعتك هذا بقسطه من الثمن لم يصح فكذلك إذا لم يصرح وقال من نص الرواية الأولى إنه متى سمى ثمنا في مبيع يسقط بعضه لا يوجب ذلك جهالة تمنع الصحة كما لو وجد بعض المبيع معيبا فأخذ أرشه والقول بالفساد في هذا القسم إن شاء الله أظهر والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع إلا أن الظاهر فيها الصحة لأنها ليست عقود معاوضة فلا توجد جهالة العوض فيها فصل وإن وقع العقد على مكيل أو موزون فتلف بعضه قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي رواية واحدة ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن لأن العقد وقع صحيحا فذهاب بعضه لا يفسخه كما بعد القبض وكما لو وجد أحد المبيعين معيبا فرده أو أقال أحد المتبايعين الآخر في بعض المبيع فصل وإن كان لرجلين عبدان لكل واحد عبد فباعاهما صفقة واحدة بثمن واحد أو وكل أحدهما صاحبه فباعهما بثمن واحد ففيه وجهان أحدهما يصح فيهما ويتقسط العوض على قدر قيمتها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأن جملة الثمن معلومة فصح كما لو كانا لرجل واحد وكما لو باعا عبدا واحدا لهما أو قفيزين من صبرة واحدة والثاني لا يصح لأن كل واحد منهما مبيع بقسطه من الثمن وهو مجهول على ما قدمنا وفارق ما إذا كانا لرجل واحد فإن جملة المبيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط والعبد المشترك والقفيزان ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء فلا جهالة فيه
فصل ومتى حكمنا بالصحة في تفريق الصفقة وكان المشتري عالما بالحال فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وإن لم يعلم مثل أن اشترى عبدا يظنه كله للبائع فبان أنه لا يملك إلا نصفه أو عبدين فتبين أنه لا يملك إلا أحدهما فله الخيار بين الفسخ والإمساك لأن الصفقة تبعضت عليه وأما البائع فلا خيار له لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطه ولو وقع العقد على شيئين يفتقر إلى القبض فيهما أحدهما قبل قبضه فقال القاضي للمشتري الخيار بين إمساك الباقي بحصته وبين الفسخ لأن حكم ما قبل القبض في كون المبيع من ضمان البائع حكم ما قبل العقد بدليل أنه لو تعيب قبل قبضه لملك المشتري الفسخ به مسألة قال ( ويتجر الوصي بمال اليتيم ولا ضمان عليه والربح كله لليتيم فإن أعطاه لمن يضارب له به فللمضارب من الربح ما وافقه الوصي عليه ) وجملته أن لولي اليتيم أن يضارب بماله وأن يدفعه إلى من يضارب له به ويجعل له نصيبا من الربح أبا كان أو وصيا أو حاكما أو أمين حاكم وهو أولى من تركه وممن رأى ذلك ابن عمر والنخعي والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ويروى إباحة التجارة به عن عمر وعائشة والضحاك ولا نعلم أحدا كرهه إلا ما روي عن الحسن ولعله أراد اجتناب المخاطرة به ولأن حزنه أحفظ له والذي عليه الجمهور أولى لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أصح من المرفوع ولأن ذلك أحظ للمولى عليه لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون في أموالهم وأموال من يعز عليهم من أولادهم إلا أنه لا يتجر إلا في المواضع الآمنة ولا يدفعه إلا الأمين ولا يغرر بماله وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر في البحر فيحتمل أنه كان في موضع مأمون قريب من الساحل ويحتمل أنها جعلته من ضمانه عليها إن هلك غرمته فمتى اتجر في المال بنفسه فالربح كله لليتيم وأجاز الحسن بن صالح وإسحاق أن يأخذه الوصي مضاربة لنفسه لأنه جاز أن يدفعه بذلك إلى غيره فجاز أن يأخذ ذلك لنفسه والصحيح ما قلنا لأن الربح نماء مال اليتيم فلا يستحقه غيره إلا بعقد ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة مع نفسه فإما إن دفعه إلى غيره فللمضارب ما جعله له الولي ووافقه عليه أي اتفقا عليه في قولهم جميعا لأن الوصي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته وهذا فيه مصلحته فصار تصرفه فيه كتصرف المالك في ماله فصل ويجوز لولي اليتيم إبضاع ماله ومعناه دفعه إلى من يتجر به والربح كله لليتيم وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر ولأنه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى ويجوز أن يشتري له العقار لأنه مصلحة له فإنه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل والغرر فيه أقل من التجارة لأن أصله محفوظ ويجوز أن يبني له عقارا لأنه في معنى الشراء إلا أن يكون الشراء أحظ وهو ممكن فيتعين تقديمه وإذا أراد البناء بناء مما يرى الحظ في البناء به وقال أصحابنا يبنيه بالآجر والطين ولا يبني باللبن لأنه إذا هدم لا مرجوع له ولا بجص لأنه يلتصق بالأجر فلا يتخلص منه فإذا هدم فسد الآجر لأن تخليصه منه يفضي إلى كسره وهذا مذهب الشافعي والذي قلناه أولى إن شاء الله تعالى فإنه إذا كان الحظ له في البناء بغيره فتركه ضيع حظه وماله ولا يجوز تضييع الحظ العاجل وتحمل الضرر الناجز المتيقن لتوهم مصلحة بقاء الأجر عند هدم البناء ولعل ذلك لا يكون في حياته ولا يحتاج إليه مع أن كثيرا من البلدان لا يوجد فيها الآجر وكثير منها لم تجر عادتهم بالبناء
فلو كلفوا البناء به لاحتاجوا إلى غرامة كثيرة يحصل منها طائل وقول أصحابنا يختص من عادتهم البناء بالآجر كالعراق ونحوها فلا يصح في حق غيرهم فصل ولا يجوز بيع عقاره لغير حاجة لأننا نأمره بالشراء لما فيه من الحظ فيكون بيعه تفويتا للحظ فإن احتيج إلى بيعه جاز نقل أبو داود عن أحمد يجوز للوصي بيع الدور على الصغار إذا كان نظرا لهم وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق قالوا يبيع إذا رأى الصلاح قال القاضي لا يجوز إلا في موضعين أحدهما أن يكون به ضرورة إلى كسوة أو نفقة أو قضاء دين أو ما لا بد منه وليس له ما تندفع به حاجته الثاني أن يكون في بيعه غبطة وهو أن يدفع فيه زيادة كثيرة على ثمن المثل قال أبو الخطاب كالثلث ونحوه أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو نحوه وهذا مذهب الشافعي وكلام أحمد يقتضي إباحة البيع في كل موضع يكون نظرا لهم ولا يختص بما ذكروه وقد يرى الولي الحظ في غير هذا مثل أن يكون في مكان لا ينتفع به أو نفعه قليل فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه أو يرى شيئا في شرائه غبطة ولا يمكنه شراؤه إلا ببيع عقاره وقد تكون داره في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيها لسوء الجواز أو غيره فيبيعها ويشتري له بثمنها دارا يصلح له المقام بها وأشباه هذا مما لا ينحصر وقد لا يكون له حظ في بيع عقاره وإن دفع فيه مثلا ثمنه إما لحاجته إليه وإما لأنه لا يمكن صرف ثمنه في مثله فيضيع الثمن ولا يبارك فيه فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من باع دارا أو عقارا ولم يصرف ثمنه في مثله لم يبارك له فيه فلا يجوز بيعه إذا فلا معنى لتقييده بما ذكروه في الجواز ولا في المنع بل متى كان بيعه أحظ له جاز بيعه وإلا فلا فصل ويجوز لولي اليتيم كتابة رقيق اليتيم وإعتاقه على ال إذا كان الحظ فيه مثل أن تكون قيمته ألفا فيكاتبه بألفين أو يعتقه بألفين فإن لم يكن فيها حظ لم يصح وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز إعتاقه لأن الإعتاق بمال تعليق له على شرط فلم يملكه ولي اليتيم كالتعليق على دخول الدار وقال الشافعي لا تجوز كتابته ولا إعتاقه لأن المقصود منهما العتق دون المعاوضة فلم تجز كالإعتاق بغير عوض ولنا إنها معاوضة لليتيم فيها حظ فملكها وليه كبيعه ولا عبرة بنفع العبد ولا يضره كونه تعليقا فإنه إذا حصل الحظ لليتيم لا يضره نفع غيره ولا كون العتق حصل بالتعليق وفارق ما قاسوا عليه فإنه لا نفع فيه فمنع منه لعدم الحظ وانتفاء المقتضي لا لما ذكروه ولو قدر أن يكون في العتق بغير مال نفع كان نادرا ويتوجه أن يصح قال أبو بكر يتوجه العتق بغير عوض للحظ مثل أن يكون لليتيم جارية وابنتها يساويان مائة مجتمعين ولو أفردت إحداهما ساوت مائتين ولا يمكن إفرادها بالبيع فيعتق الأخرى لتكثر قيمة الباقية فتصير ضعف قيمتها فصل قال أحمد ويجوز للوصي أن يشتري لليتيم أضحية إذا كان له مال يعني مالا كثيرا لا يتضرر بشراء الأضحية فيكون ذلك على وجه التوسعة في النفقة في هذا اليوم الذي هو عيد ويوم فرح وفيه جبر قلبه وتطييبه وإلحاقه بمن له أب فينزل منزلة الثياب الحسنة وشراء اللحم سيما مع استحباب التوسعة في هذا اليوم وجرى العادة فيها بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل رواه مسلم ومتى كان خلط مال اليتيم أرفق به وألين في الخبز وأمكن في حصول الأدم فهو أولى وإن كان إفراده أرفق به أفرده لقوله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم البقرة 220 أي ضيق عليكم وشدد من قولهم أعنت فلان فلانا إذا ضيق عليه وشدد وعنت الرجل إذا ضلعت
ويجوز للوصي ترك الصبي في المكتب بغير إذن الحاكم وحكي لأحمد قول سفيان لا يسلم الوصي الصبي إلا بإذن الحاكم فأنكر ذلك وذلك لأن المكتب من مصالحه فجرى مجرى نفقته لمأكوله ومشروبه وملبوسه وكذلك يجوز له إسلامه في صناعة إذا كانت مصلحته في ذلك لما ذكرناه فصل وإذا كان الولي موسرا فلا يأكل من مال اليتيم شيئا إذا لم يكن أبا لقوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف النساء 6 وإن كان فقيرا فله أقل الأمرين من أجرته أو قدر كفايته لأنه يستحقه بالعمل والحاجة جميعا فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه فإذا أكل منه ذلك القدر ثم أيسر فإن كان أبا لم يلزمه عوضه رواية واحدة لأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء مع الحاجة وعدمها وإن كان غير الأب فهل يلزمه عوض ذلك على روايتين إحداهما لا يلزمه وهو قول الحسن والنخعي وأحد قولي الشافعي لأن الله تعالى أمر بالأكل من غير ذكر عوض فأشبه سائر ما أمر بأكله ولأنه عوض من عمله فلا يلزمه بدله كالأجير والمضارب والثانية يلزمه عوضه وهو قول عبيدة السلماني وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية لأنه استباحة بالحاجة من مال غيره فلزمه قضاؤه كالمضطر إلى طعام غيره والأول أصح لأنه لو وجب عليه إذا أيسر لكان واجبا في الذمة قبل اليسار فإن اليسار ليس بسبب للوجوب فإذا لم يجب بالسبب الذي هو الأكل لم يجب بعده وفارق المضطر فإن العوض واجب عليه في ذمته ولأنه لم يأكله عوضا عن شيء وهذا بخلافه فصل فأما قرض مال اليتيم فإذا لم يكن فيه حظ له لم يجز قرضه فمتى أمكن الولي التجاربة به أو تحصيل عقار له فيه الحظ لم يقرضه لأن ذلك يفوت الحظ على اليتيم وإن لم يمكن ذلك وكان قرضه حظا لليتيم جاز قال أحمد لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد مكافأته ومودته ويقرض على النظر والشفقة كما صنع ابن عمر وقيل لأحمد إن عمر استقرض مال اليتيم قال إنما استقرض نظرا لليتيم واحتياطا إن أصابه بشيء غرمه قال القاضي ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال في بلده فيريد نقله إلى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق أو نحوهما أو يكون مما يتلف بتطاول مدته أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها فيقرضه خوفا أن يسوس أو تنقص قيمته وأشباه هذا فيجوز القرض لأنه مما لليتيم فيه الحظ فجاز كالتجارة به وإن لم يكن فيه حظ وإنما قصد إرفاق المقترض وقضاء حاجته فهذا غير جائز لأنه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله وقرضه لثقة أمين أولى من إيداعه لأن الوديعة لا تضمن إذا تلفت فإن لم يجد من يستقرضه على هذه الصفة فله إيداعه لأنه موضع حاجة وول أودعه مع إمكان قرضه جاز ولا ضمان عليه فإنه ربما رأى الإيداع أحظ له من القرض فلا يكون مفرطا وكل موضع قلنا له قرضه فلا يجوز إلا لمليء أمين ليأمن جحوده وتعذر الإيفاء وينبغي أن يأخذ رهنا إن أمكنه وإن تعذر عليه أخذ الرهن جاز تركه في ظاهر كلام أحمد لأن الظاهر ممن يستقرضه من أجل حظ اليتيم أنه لا يبذل رهنا فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ وقال أبو الخطاب يقرضه إذا أخذ بالقرض رهنا فظاهر هذا أنه لا يقرضه إلا برهن لأن فيه احتياطا للمال وحفظا له عن الجحد والمطل وإن أمكنه أخذ الرهن فالأولى له أخذه احتياطا على المال وحفظا له فإن تركه احتمل أن يضمن إن ضاع المال لتفريطه واحتمل أن لا يضمن لأن الظاهر سلامته وهذا ظاهر كلام أحمد لكونه لم يذكر الرهن فصل قال أبو بكر وهل يجوز للوصي أن يستنيب فيما يتولى مثله بنفسه على روايتين لأنه متصرف بالإذن في مال غيره فأشبه الوكيل وقال القاضي يجوز ذلك للوصي وفي الوكيل روايتان
وفرق بينهما بأن الوكيل يمكنه الاستئذان والوصي بخلافه فصل وإذا ادعى الولي الإنفاق على الصبي أو على ماله أو عقاره بالمعروف من ماله أو ادعى أنه باع عقاره لحظه أو بناء لمصلحته أنه تلف قبل قوله وقال أصحاب الشافعي لا يمضي الحاكم بيع الأمين والوصي حتى يثبت عنده الحظ ببينة ولا يقبل قولهما في ذلك ويقبل قول الأب والجد ولنا إن من جاز له بيع العقار وشراؤه لليتيم يجب أن يقبل قوله في الحظ كالأب والجد ولأنه يقبل قوله في عدم التفريط فيما تصرف فيه من غير العقار فيقبل قوله في العقار كالأب وإذا بلغ الصبي فادعى أنه لا حظ له في البيع لم يقبل إلا ببينة فإن لم تكن بينة فالقول قول الولي مع يمينه وإن قال الولي أنفقت عليك منذ ثلاث سنين وقال الغلام ما مات أبي إلا منذ سنتين فالقول قول الغلام ذكره القاضي لأن الأصل حياة والده واختلافهما في أمر ليس الوصي أمينا فيه فكان القول قول من يوافق قوله الأصل فصل قال أحمد يجوز للوصي البيع على الغائب البالغ إذا كان من طريق النظر وقال أصحابنا يجوز للوصي على الصغار والكبار إذا كانت حقوقهم مشتركة في عقار في قسمه إضرار وبالصغار والكبار فيما لا بد منه ولعلهما أرادا هذه الصورة لأن في ذلك نظرا للصغار واحتياطا للميت في قضاء دينه وقال الشافعي لا يصح بيعه على الكبار لأنه تصرف في مال غيره من غير وكالة ولا ولاية فلم يصح كبيع ماله المفرد أو ما لا تضر قسمته وهذا هو الصحيح وما ذكروه لا أصل له يقاس عليه ويعارضه أن فيه ضررا على الكبار ببيع مالهم بغير إذنهم ولأنه لا يجوز له بيع غير العقار فلم يجز له بيع العقار كالأجنبي فصل ويصح تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي فيه في إحدى الروايتين وهو قول أبي حنيفة والثانية لا يصح حتى يبلغ وهو قول الشافعي لأنه غير مكلف أشبه غير المميز ولأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به التصرف لخفائه وتزايده تزايدا خفي التدريج فجعل الشارع له ضابطا وهو البلوغ فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة ولنا قول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 ومعناه اختبروهم لتعلموا رشدهم وإنما يتحقق اخبارهم بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء وليعلم هل يغبن أو لا ولأنه عاقل مميز محجور عليه فصح تصرفه بإذن وليه كالعبد وفارق غير المميز فإنه لا تحصل المصلحة بتصرفه لعدم تمييزه ومعرفته ولا حاجة إلى اختباره لأنه قد علم حاله وقولهم إن العقل لا يمكن الاطلاع عليه قلنا يعلم ذلك بآثار وجريان تصرفاته على وفق المصلحة كما يعلم في حق البالغ فإن معرفة رشده شرط دفع ماله إليه وصحة تصرفه كذا هاهنا فأما إن تصرف بغير إذن وليه لم يصح تصرفه ويحتمل أن يصح ويقف على إجازة الولي وهو قول أبي حنيفة ومبنى ذلك على ما إذا تصرف في مال غيره بغير إذنه وقد ذكرناها فيما مضى وأما غير المميز فلا يصح تصرفه وإن أذن له الولي فيه إلا في الشيء اليسير كما روى عن أبي الدرداء أنه اشترى من صبي عصفورا فأرسله ذكره ابن أبي موسى مسألة قال ( وما استدان العبد فهو في رقبته بفديه سيده أو يسلمه فإن جاوز ما استدان قيمته لم يكن على سيده أكثر من قيمته إلا أن يكون مأذونا له في التجارة فيلزم مولاه جميع ما استدان ) في هذه المسألة أربعة فصول أحدها في استدانة العبد يعني أخذه بالدين يقال أدان واستدان وتدين قال الشاعر يؤنبني في الدين قومي وإنما تدينت فيما سوف يكسبهم حمدا والعبيد قسمان محجور عليه فما لزمه من الدين بغير رضى سيده مثل أن يقترض أو يشتري شيئا في ذمته ففيه روايتان إحداهما يتعلق برقبته اختارها الخرقي وأبو بكر لأنه دين لزمه بغير إذن سيده فتعلق برقبته كأرش جنايته
والثانية يتعلق بذمته يتبعه الغريم به إذا أعتق وأيسر وهذا مذهب الشافعي لأنه متصرف في ذمته بغير إذن سيده فتعلق بذمته كعوض الخلع من الأمة وكالحر القسم الثاني المأذون له في التصرف أو في الاستدانة فما يلزمه من الدين هل يتعلق بذمة السيد أو برقته على روايتين وقال مالك والشافعي إن كان في يده مال قضيت ديونه منه وإن لم يكن في يده شيء تعلق بذمته يتبع به إذا عتق وأيسر لأنه دين ثبت برضى من له الدين أشبه غير المأذون له فوجب أن لا يتعلق برقبته كما لو استقرض بغير إذن سيده وقال أبو حنيفة يباع إذا طالب الغرماء بيعه وهذا معنان أنه تعلق برقبته لأنه دين ثبت برضى من له الدين فيباع فيه كما لو رهنه ولنا إنه إذا أذن له في التجارة فقد أغرى الناس بمعاملته وأذن فيها فصار ضامنا كما لو قال لهم داينوه أو أذن في استدانة تزيد على قيمته ولا فرق بين الدين الذي لزمه في التجارة المأذون فيها أو فيما لم يؤذن فيه مثل أن أذن له في التجارة في البر فاتجر في غيره فإنه لا ينفك عن التغرير إذ يظن الناس أنه مأذون له في ذلك أيضا الفصل الثاني فيما لزمه من الدين من أروش جناياته أو قيم متلفاته فهذا يتعلق برقبة العبد على كل حال مأذونا أو غير مأذون رواية واحدة وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وكل ما يتعلق برقته فإن السيد يتخير بين تسليمه للبيع وبين فدائه فإن سلمه فبيع وكان ثمنه أقل من أرش جنايته فليس للمجني عليه إلا ذلك لأن العبد هو الجاني فلا يجب على غيره شيء وإن كان ثمنه أكثر بالفضل لسيده وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أن السيد لا يرجع بالفضل ولعله يذهب إلى أن دفعه إليه عوضا عن الجناية فلم يبق لسيده فيه شيء كما لو ملكه إياه عوضا عن الجناية وهذا ليس بصحيح فإن المجني عليه لا يستحق أكثر من قدر أرش الجناية عليه كما لو جنى عليه حر والجاني لا يجب عليه أكثر من قدر جنايته ولأن الحق تعلق بعينه فكان الفضل من ثمنه لسيده كالرهن ولا يصح قولهم إنه دفعه عوضا لأنه لو كان عوضا لملكه المجني عليه ولم يبع في الجناية وإنما دفعه ليباع فيؤخذ منه عوض الجناية ويرد إليه الباقي ولذلك لو أتلف درهما لم يبطل حق سيده منه بذلك لعجزه عن أداء الدرهم من غير ثمنه وإن اختار السيد فداءه لزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته لأن أرش الجناية إن كان أكثر فلا يتعلق بغير العبد الجاني لعدم الجناية من غيره وإنما تجب قيمته وإن كان أقل فلم يجب بالجناية إلا هو وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه أرش جنايته بالغا ما بلغ لأنه يجوز أن يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من ثمنه فإذا منع بيعه لزمه جميع الأرش لتفويته ذلك وللشافعي قولان كالروايتين الفصل الثالث في تصرفاته أما غير المأذون فلا يصح بيعه ولا شراؤه بعين المال لأنه تصرف من المحجور فيما حجر عليه فيه فأشبه المفلس ولأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه فهو كتصرف الفضولي ويتخرج أن يصح ويقف على إجازة السيد كذلك وأما شراؤه بثمن في ذمته واقتراضه فيحتمل أن لا يصح لأنه محجور عليه أشبه السفيه ويحتمل أن يصح لأن الحجر لحق غيره أشبه المفلس والمريض ويتفرغ عن هذين الوجهين أن التصرف وإن كان فاسدا فللبائع والمقرض أخذ ماله إن كان باقيا سواء كان في يد العبد أو السيد وإن كان تالفا فله قيمته أو مثله إن كان مثليا فإن تلف في يد السيد رجع بذلك عليه لأن عين ماله تلف في يده وإن شاء كان ذلك متعلقا برقبة العبد لأنه الذي أخذه منه وإن تلف في يد العبد فالرجوع عليه وهل يتعلق برقبته أو ذمته على روايتين وإن قلنا التصرف صحيح والمبيع في يد العبد فللبائع فسخ البيع وللمقرض الرجوع فيما أقرض لأنه قد تحقق إعسار المشتري والمقترض
فهو أسوأ حالا من الحر المعسر وإن كان السيد قد انتزعه من يد العبد ملكه بذلك وله ذلك لأنه أخذ من عبده مالا في يده بحق فهو كالصيد فإذا ملكه السيد كان كهلاكه في يد العبد ولا يملك البائع والمقرض انتزاعه من السيد بحال وإن كان قد تلف استقر ثمنه في رقبة العبد أو في ذمته سواء تلف في يد العبد أو السيد وأما العبد المأذون له فيصح تصرفه في قدر ما أذن له فيه لا نعلم فيه خلافا ولا يصح فيما زاد نص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا أذن له في نوع انفك الحجر عنه وجاز له التصرف مطلقا لأن الحجر لا يتجزأ فإذا زال بعضه زال كله ولنا إنه متصرف بالإذن فاختص تصرفه بحمل الإذن كالوكيل وقولهم إن الحجر لا يتجزأ لا يصح فإنه لو صرح بالإذن له في بيع عين ونهيه عن بيع أخرى صح وكذلك في الشراء كالوكيل وإن أذن له السيد في ضمان أو كفالة ففعل صح وهل يتعلق بذمة السيد أو رقبة العبد على وجهين وإن رأى السيد عبده يتجر فلم ينهه لم يصر بذلك مأذونا له الفصل الرابع في تصرفاته إن كان مأذونا له في التجارة قبل إقراره في قدر ما أذن له ولم يقبل فيما زاد ولا يقبل إقرار غير المأذون له بالمال فإن أقر بعين في يده أو دين يتعلق برقبته لم يقبل على سيده لأنه يقر بحق على غيره فلم يقبل كما لو أقر أن سيده باعه ويثبت ذلك في ذمته يتبع به بعد العتق وإن أقر بجنايته استوى في ذلك المأذون له وغيره وينقسم ذلك أقساما أربعة أحدها جناية موجبها المال كإتلافه أو جناية خطأ أو شبه عمد أو جناية عمد فيما لا قصاص فيه كالجائفة ونحوها فلا يقبل إقراره بها لأنه إقرار بالمال فلم يقبل كما لو أقر بدراهم أو دنانير القسم الثاني جناية موجبها حد سوى السرقة أو قصاص فيما دون النفس فيقبل إقراره بذلك وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال زفر وداود والزني وجرير لا يقبل لأنه يسقط به حق السيد فلا يقبل كالإقرار بجناية الخطأ ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قطع يد عبد بإقراره بالسرقة وجلد عبدا أقر عنده بالزنا نصف الحد ولا مخالف له في الصحابة فكان إجماعا ولأن ما لا يقبل إقرار السيد فيه على العبد يقبل فيه إقرار العبد كالطلاق ولأن العد غير متهم فيه لأن ضرره به أخص وهو بألمه أمس فقبل إقراره كما لو أقرت به الزوجة وخرج على هذين المعنيين جناية الخطأ فإن إقرار السيد بها مقبول ولا يتضرر العبد بها القسم الثالث إقراره بالسرقة يقبل في الحد فيقطع ولا يقبل في المال سواء كانت العين تالفة أو باقية في يد السيد أو في يد العبد وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن لا يقطع إذا أقر بسرقة عين موجودة في يده وبهذا قال أبو حنيفة لأن العين محكوم بها لسيده فلا يقطع بسرقة عين لسيده ولأن المطالبة بالمسروق شرط في القطع وهذه لا يملك غير السيد المطالبة بها ولأن هذا شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولنا خبر علي رضي الله عنه ولأنه مقر بسرقة عين تبلغ نصابا فوجب قطعه كما لو أقر حر بسرقة عين في يد غيره وما ذكروه يبطل بهذه الصورة وإنما لم ترد العين إلى المسروق منه لحق السيد وأما في حق العبد فقد يثبت للمقر له ولهذا لو عتق وعادت العين إلى يده لزمه ردها إلى المقر له القسم الرابع الإقرار بما يوجب القصاص في النفس فروي عن أحمد أنه لا يقبل وعموم قول الخرقي إن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا أو طلق زوجته لزمه ذلك يقتضي قبول إقراره وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأنه أقر بما يوجب قصاصا فقبل كإقراره بقطع اليد ولأنه أحد نوعي القصاص فقبل إقراره به كالآخر ولأنه لا يقبل إقرار سيده عليه به فقبل إقراره به كالحد
واحتج أصحابنا بأن مقتضى القياس أن لا يقبل إقراره بالقصاص أصلا لأنه إقرار على مال سيده ولأنه متهم إذ يحتمل أن يكون عن مواطأة بينهما ليعفو على مال فيستحق رقبة العبد ولذلك لم تحمل العاقلة اعترافا فتركنا موجب القياس لخبر علي رضي الله عنه ففيما عداه يبقى على موجب القياس ويفارق القصاص في النفس القصاص في الطرف لأنه قد يحتمل أنه أراد التخلص من سيده ولو بفوات نفسه وكل موضع حكمنا بقبول إقراره بالقصاص فحكمه حكم الثابت بالبينة فلولي الجناية العفو والاستيفاء والعفو على مال فإن عفي تعلق الأرش برقبة العبد على ما مر بيانه ويحتمل أن لا يملك العفو على مال لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى الإقرار بمال مسألة قال ( وبيع الكلب باطل وإن كان معلما ) لا يختلف المذهب في بيع الكلب باطل أي كلب كان وبه قال الحسن وربيعة وحماد والأوزاعي والشافعي وداود وكره أبو هريرة ثمن الكلب ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله وعطاء والنخعي وجوز أبو حنيفة ببيع الكلاب كلها وأخذ ثمنها وعنه رواية في الكلب العقور أنه لا يجوز بيعه واختلف أصحاب مالك فمنهم من قال لا يجوز ومنهم من قال الكلب المأذون في إمساكه يجوز بيعه ويكره واحتج من أجاز بيعه بما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد ولأنه يباح الانتفاع به ويصح نقل اليد فيه والوصية به فصح بيعه كالحمار ولنا ما روى أبو مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن متفقه عليه وعن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث متفق عليهما وروي عن ابن عباس أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب فإن جاء يطلبه فاملوا كفه ترابا رواه أبو داود ولأنه حيوان نهى عن اقتنائه في غير حال الحاجة إليه أشبه الخنزير أو حيوان نجس العين أشبه الخنزير فأما حديثهم قال أحمد هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف وقال الدارقطني الصحيح أنه موقوف على جابر وقال الترمذي لا يصح إسناد هذا الحديث وقد روي عن أبي هريرة ولا يصح أيضا ويحتمل أنه أراد ولا كلب صيد وقد جاءت اللغة بمثل ذلك قال الشاعر وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان أي والفرقدان ثم هذا الحديث حجة على من أباح بيع غير كلب الصيد فصل ولا تجوز إجارته نص عليه أحمد وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم يجوز لأنها منفعة مباحة فجازت المعاوضة عنها كنفع الحمير ولنا أنه حيوان محرم بيعه لخبثه فحرمت إجارته كالخنزير وقياسهم ينتقض بضراب الفحل فإنها منفعة مباحة ولا يجوز إجارتها ولأن إباحة الانتفاع لم تبح بيعه فكذلك إجارته ولأن منفعته لا تضمن في الغصب فإنه لو غصبه غاصب مدة لم يلزمه لذلك عوض فلم يجز أخذ العوض عنها في الإجارة كنفع الخنزير فصل وتصح الوصية بالكلب الذي يباح اقتناؤه لأنها نقل لليد فيه من غير عوض وصتح هبته لذلك وقال القاضي لا تصح لأنها تمليك في الحياة أشبهت البيع والأول أصح ويفارق البيع لأنه يؤخذ عوضه وهو محرم ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين مسألة قال ( ومن قتله وهو معلم فقد أساء ولا غرم عليه ) أما قتل المعلم فحرام وفاعله مسيء ظالم وكذلك كل كلب مباح إمساكه لأنه محل منتفع به يباح اقتناؤه فحرم إتلافه كالشاة ولا نعلم في هذا خلافا ولا غرم على قاتله وبهذا قال الشافعي وقال مالك وعطاء عليه الغرم لما ذكرنا في تحريم إتلافه ولنا إنه محل يحرم أخذ عوضه لخبثه فلم يجب غرمه بإتلافه كالخنزير وإنما يحرم إتلافه لما فيه من الإضرار وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الضرر والإضرار فصل فأما قتل ما لا يباح إمساكه فإن الكلب الأسود البهيم يباح قتله لأنه شيطان
قال عبد الله بن الصامت سألت أبا ذر فقلت ما بال الأسود من الأحمر من الأبيض فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال الكلب الأسود شيطان رواه مسلم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم ويباح قتل الكلب العقور لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرام الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور متفق عليه ويقتل كل واحد من هذين وإن كان معلما للخبرين وعلى قياس الكلب العقور كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله لأنه يؤذي بلا نفع أشبه الذئب وما مضرة فيه لا يباح قتله لما ذكرنا من الخبر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الكلاب حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله ثم نهى عن قتلها وقال عليك بالأسود البهيم ذي الطفيتين فإنه شيطان رواه مسلم فصل ولا يجوز اقتناء الكلب إلا كلب الصيد أو كلب ماشية أو حرث لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط وعن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان قال سالم وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث متفق عليه وإن اقتناه لحفظ البيوت لم يججز للخبر ويحتمل الإباحة وهو قول أصحاب الشافعي لأنه في معنى الثلاثة فيقاس عليها والأول أصح لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما يتناول الخبر تحريمه قال القاضي وليس هو في معناها فقد يحتال اللص لإخراجه بشيء يطعمه إياه ثم يسرق المتاع وأما الذئب فلا يحتمل هذا في حقه ولأن اقتناءه في البيوت يؤذي المارة بخلاف الصحراء فصل فأما تربية الجرو الصغير لأحد الأمور الثلاثة فيجوز في أقوى الوجهين لأنه قصده لذلك فيأخذ حكمه كما يجوز بيع العبد الصغير والجحش الصغير الذي لا نفع فيه في الحال لمآله إلى الانتفاع ولأنه لو لم يتخذ الصغير ما أمكن جعل الكلب للصيد إذ لا يصير معلما إلا بالتعليم ولا يمكن تعلمه إلا بتربيته واقتنائه مدة يعلمه فيها قال الله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله المائدة 4 ولا يوجد كلب معلم بغير تعليم والوجه الثاني لا يجوز لأنه ليس من الثلاثة فصل ومن اقتنى كلبا للصيد ثم ترك الصيد مدة وهو يريد العود إليه لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه لأن ذلك لا يمكن التحرز منه وكذلك لو حصد صاحب الزرع أبيح له إمساك الكلب إلى أن يزرع زرعا آخر ولو هلكت ماشيته فأراد شراء غيرها فله إمساك كلبها لينتفع به في التي يشتريها فأما إن اقتنى كلب الصيد من لا يصيد به احتمل الجواز لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى كلب الصيد مطلقا واحتمل المنع لأنه اقتناه لغير حاجة أشبه غيره من الكلاب ومعنى كلب الصيد أي كلب يصيد به وهكذا الاحتمال لأن فيمن اقتنى كلبا ليحفظ له حرثا أو ماشية إن حصلت أو يصيد به إن احتاج إلى الصيد وليس له في الحال حرث ولا ماشية يحتمل الجواز لقصده ذلك كما لوحصد الزرع وأراد أن يزرع غيره فصل ولا يجوز بيع الخنزير ولا الميتة ولا الدم قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول به وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر وعلى أن بيع الخنزير وشراءه حرام وذلك لما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يقول إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام متفق عليه ولا يجوز بيع ما لا منفعة فيه كالحشرات كلها وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد
كالأسد والذئب وما لا يؤكل ولا يصاد به من الطير كالرخم والحدأة والغراب الأبقع وغراب البين وبيضها فكل هذا لا يجوز بيعه لأنه لا نفع فيه فأخذ ثمنه أكل مال بالباطل فصل ولا يجوز بيع السرجين النجس وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يجوز لأن أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير فكان إجماعا ولنا إنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة وما ذكروه فليس بإجماع فإن الإجماع اتفاق أهل العلم ولم يوجد ولأنه رجيع نجس فلم يجز بيعه كرجيع الآدمي فصل ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها وملكها ولا نعلم في ذلك خلافا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره رواه البخاري مسألة قال ( وبيع الفهد والصقر المعلم جائز وكذلك بيع الهر وكل ما فيه المنفعة ) وجملة ذلك أن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع من الكلب وأم الولد والوقف وفي المدبر والمكاتب والزيت النجس اختلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى لأن الملك لإطلاق التصرف والمنفعة المباحة يباح له استيفاءها فجاز له أخذ عوضها وأبيح لغيره بذل ما له فيها توصلا إليها ودفعا لحاجته بها كسائر ما أبيح بيعه وسواء في هذا ما كان ظاهرا كالثياب والعقار وبهيمة الأنعام والخيل والصيود أو مختلفا في نجاسته كالبغل والحمار وسباع البهائم وجوارح الطير التي تصلح للصيد كالفهد والصقر والبازي والشاهين والعقاب والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغاء وأشباه ذلك فكله يجوز بيعه وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر عبد العزيز وابن أبي موسى لا يجوز بيع الفهد والصقر ونحوهما لأنها نجسة فلم يجز بيعها كالكلب ولنا إنه حيوان أبيح اقتناؤه وفيه نفع مباح من غير وعيد في حبسه فأبيح بيعه كالبغل وما ذكراه يبطل بالبغل والحمار فإنه لا خلاف في إباحة بيعها وحكمها وحكم سباع البهائم في الطهارة والنجاسة وإباحة الاقتناء والانتفاع وأما الكلب فإن الشرع توعد على اقتنائه وحرمه إلا في حال الحاجة فصارت إباحته ثابتة بطريق الضرورة بخلاف غيره ولأن الأصل الإباحة بدليل قول الله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 ذكرنا من المعنى خرج منه ما استثناه الشرع لمعان غير موجودة في هذا فبقي على أصل الإباحة وأما الهر فقال الخرقي يجوز بيعها وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه كره ثمنها وروي ذلك عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد واختاره أبو بكر لما روى مسلم عن جابر أنه سئل عن ثمن السنور فقال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وفي لفظ رواه أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور قال الترمذي هذا حديث حسن وفي إسناده اضطراب ولنا ما ذكرنا فيما يصاد به من السباع ويحمل الحديث على غير المملوك منها أو ما لا نفع فيه منها بدليل ما ذكرنا ولأن البيع شرع طريقا للتوصل إلى قضاء الحاجة واسيتفاء المنفعة المباحة ليصل كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه مما يباح الانتفاع به فينبغي أن يشرع ذلك فيه ليصل كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه فما يباح الانتفاع به ينبغي أن يجوز بيعه فصل فإن كان الفهد والصقر ونحوهما مما ليس بمعلم ولا يقبل التعليم لم يجز بيعه لعدم النفع به وإن كان مما يمكن تعليمه جاز بيعه لأن مآله إلى الانتفاع فأشبه الجحش الصغير فصل فأما ما يصاد عليه كالبومة التي يجعلها شباشا لتجتمع الطير إليها فيصيده الصياد فيحتمل جواز بيعها للنفع الحاصل منها ويحتمل المنع لأن ذكل مكروه لما فيه من تعذيب الحيوان وكذلك اللقلق ونحوه فصل فأما بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير
فإن كان مما لا نفع فيه لم يجز بيعه طاهرا كان أو نجسا وإن كان ينفع به بأن يصير فرخا وكان طاهرا جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به أشبه أصله وإن كان نجسا كبيض البازي والصقر ونحوه فحكمه حكم فرخه وقال القاضي لا يجوز بيعه لأنه نجس لا ينتفع به في الحال وهذا ملغي بفرخه وبالجحش الصغير فصل قال أحمد أكره بيع القرد قال ابن عقيل هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب فأما بيعه لمن ينتفع به كحفظ المتاع والدكان ونحوه فيجوز لأنه كالصقر والبازي وهذا مذهب الشافعي وقياس قول أبي موسى المنع من بيعه مطلقا فصل وفي بيع العلق التي ينتفع بها مثل التي تعلق على وجه صاحب الكلف فتمص الدم والديدان التي تترك في الشص فيصاد بها السمك وجهان أصحهما جواز بيعها لحصول نفعها فهي كالسمك والثاني لا يجوز لأنها لا ينتفع بها إلا نادرا فأشبهت ما لا نفع فيه فصل ويجوز بيع دود القز وبزوه وقال أبو حنيفة في رواية عنه إن كان مع دود القز قز جاز بيعه وإلا فلا لأنه لا نتفع بعينه فهو كالحشرات وقيل لا يجوز بيع بزره ولنا إن الدود حيوان طاهر يجوز اقتناؤه لتملك ما يخرج منه أشبه البهائم ولأن الدود وبزره طاهر منتفع به فجاز بيعه كالثوب وقوله لا ينتفع بعينه يبطل بالبهائم التي لا يحصل منها نفع سوى النتاج ويفارق الحشرات التي لا نفع فيها أصلا فإن نفع هذه كثير لأن الحرير الذي هو أشرف ملابس الدنيا إنما يحصل منها فصل ويجوز بيع النحل إذا شاهدها محبوسة بحيث لا يمكنها أن تمتنع وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعها منفردة لما ذكر في دود القز ولنا إنه حيوان طاهر يخرج من بطونها شراب فيه منافع للناس فجاز بيعه كبهيمة الأنعام واختلف أصحابنا في بيعها في كواراتها فقال القاضي لا يجوز لأنه لا يمكن مشاهدة جميعها ولأنها لا تخلو من عسل يكون مبيعا معها وهو مجهول وقال أبو الخطاب يجوز بيعها في كواراتها ومنفردة عنها فإنه يمكن مشاهدتها في كواراتها إذا فتح رأسها ويعرف كثرته من قلته وخفاء بعضه لا يمنع صحة بيعه كالصبرة وكما لو كان في وعاء فإن بعضه يكون على بعض فلا يشاهد إلا ظاهره والعسل يدخل في البيع تبعا فلا يضر جهالته كأساسات الحيطان فإن لم يمكن مشاهدة النحل لكونه مستورا بأقراصه ولم يعرف لم يجز بيعه لجهالته فصل ذكر الخرقي أن الترياق لا يؤكل لأنه يقع فيه لحوم الحيات فعلى هذا لا يجوز بيعه لأن نفعه إنما يحصل بالأكل وهو محرم فخلا من نفع مباح فلم يجز بيعه كالميتة ولا يجوز التداوي به ولا بسم الأفاعي فأما السم من الحشائش والنبات فإن كان لا ينتفع به أو كان يقتل قليله لم يجز بيعه لعدم نفعه وإن انتفع به وأمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به أشبه بقية المأكولات فصل ولا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدبغ قولا واحدا قاله ابن أبي موسى وفي بيعه بعد الدبغ عنه خلاف وقد روى حرب عن أحمد أنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وأما غير ذلك نحو ريش الطير التي لها مخلب أو بعض جلود السباع التي لها أنياب فإن بيعها أسهل لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن أكل لحومها والصحيح عنه أنه لا يجوز وهذا ينبني على الحكم بنجاسة جلود الميتة وأنها لا تطهر بالدباغ وقد ذكرنا ذلك في بابه فصل فأما بيع لبن الآدميات فقال أحمد أكرهه واختلف أصحابنا في جوازه فظاهر كلام الخرقي جوازه لقوله وكل ما فيه المنفعة وهذا قول ابن حامد ومذهب الشافعي وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لأنه مائع خارج من آدمية فلم يجز بيعه كالعرق ولأنه من آدمي فأشبه سائر أجزائه والأول أصح لأنه لبن طاهر منتفع به فجاز بيعه كلبن الشاة ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر فأشبه المنافع
ويفارق العرق فإنه لا نفع فيه ولذلك لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها فإنه يجوز بيع العبد والأمة وإنما حرم بيع الحر لأنه ليس بمملوك وحرم بيع العضو المقطوع لأنه لا نفع فيه فصل واختلفت الرواية في بيع رباع مكة وإجارة دورها فروي أن ذلك غير جائز وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي عبيد وكرهه إسحاق لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لا تباع رباعها ولا تكرى بيوتها رواه الأثرم بإسناده وعن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مكة حرام بيع رباعها حرام إجارتها وهذا نص رواه سعيد بن منصور في سننه وروي أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره مسدد في مسنده ولأنها فتحت عنوة ولم تقسم فكانت موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الأرض التي فتحها المسلمون عنوة ولم يقسموها والدليل على أنها فتحت عنوة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار متفق عليه وروت أم هانىء قالت أجرت حموين لي فأراد علي أخي قتلهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إني أجرت حموين لي فزعم ابن أمي علي أنه قاتلهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت أو أمنا من أمنت يا أم هانىء متفق عليه ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل أربعة فقتل منهم ابن خطل ومقيس بن صبابة وهذا يدل على أنها فتحت عنوة والرواية الثانية أنه يجوز بيع رباعها وإجارتة بيوتها وروي ذلك عن طاوس وعمرو بن دينار وهذا قول الشافعي وابن المنذر وهو أظهر في الحجة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له أين تنزل غدا قال وهل ترك لنا عقيل من رباع متفق عليه يعني أن عقيلا باع رباع أبي طالب لأنه ورثه دون إخوته لكونه كان على دينه دونهما ولو كانت غير مملوكة لما أثر بيع عقيل شيئا ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم دور بمكة لأبي بكر والزبير وحكيم بن حزام وأبي سفيان وسائر أهل مكة فمنهم من باع ومنهم من ترك داره فهي في يد أعقابهم وقد باع حكيم بن حزام دار الندوة فقال ابن الزبير بعت مكرمة قريش فقال يا ابن أخي ذهبت المكارم إلا التقوى أو كما قال واشترى معاوية دارين واشترى عمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف ولم يزل أهل مكة يتصرفون في دورهم تصرف الملاك بالبيع وغيره ولم ينكره منكر فكان إجماعا وقد قرره النبي صلى الله عليه وسلم بنسبة دورهم إليهم فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن وأقرهم في دورهم ورباعهم ولم ينقل أحدا عن داره ولا وجد منه ما يدل على زوال أملاكهم وكذلك من بعده من الخلفاء حتى أن عمر رضي الله عنه مع شدته في الحق لما احتاج إلى دار السجن لم يأخذها إلا بالبيع ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأرض وما روي من الأحاديث في خلاف هذا فهو ضعيف وأما كونها فتحت عنوة فهو الصحيح الذي لا يمكن دفعه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أهلها فيها على أملاكهم ورباعهم فيدل ذذلك على أنه تركها لهم كما ترك لهوازن نساءهم وأبناءهم
وعلى القول الأول من كان ساكن دار أو منزل فهو أحق به يسكنه ويسكنه وليس له بيعه ولا أخذ أجرته ومن احتاج إلى مسكن فله بذل الأجرة فيه وإن احتاج إلى الشراء فله ذلك كما فعل عمر رضي الله عنه وكان أبو عبد الله إذا سكن أعطاهم أجرتها فإن سكن بأجرة فأمكنه أن لا يدفع إليهم الأجرة جاز له ذلك لأنهم لا يستحقونها وقد روي أن سفيان سكن في بعض رباع مكة وهرب ولم يعطهم أجرة فأدركوه فإخذوها منه وذكر لأحمد فعل سفيان فتبسم فظاهر هذا أنه أعجبه قال ابن عقيل والخلاف في غير مواضع المناسك أما بقاع المناسك كوضع السعي والرمي فحكمه حكم المساجد بغير خلاف فصل ومن بنى بناء بمكة بآلة مجلوبة من غير أرض مكة جاز بيعها كما يجوز بيع أبنية الوقوف وأنقاضها وإن كانت من تراب الحرم وحجارته انبنى جواز بيعها على الروايتين في بيع رباع مكة لأنها تابعة لمكة وهكذا تراب كل وقف وأنقاضه قال أحمد وأما البناء بمكة فإني أكرهه قال إسحاق البناء بمكة على وجه الاستخلاص لنفسه لا يحل وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ألا تبني بيتا قال متى مناخ لمن سبق فصل قال أحمد لا أعلم في بيع المصاحف رخصة ورخص في شرائها وقال الشراء أهون وكره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير وإسحاق وقال ابن عمر وددت أن الأيدي تقطع في بيعها وقال أبو الخطاب يجوز بيع المصحف مع الكراهة وهل يكره شراؤه وإبداله على روايتين ورخص في بيعها الحسن والحكم وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي لأن البيع يقع على الجلد والورق وبيع ذلك مباح ولنا قول الصحابة رضي الله عنهم لم نعلم لهم مخالفا في عصرهم ولأنه يشتمل على كلام الله تعالى فتجب صيانته عن البيع والابتذال وأما الشراء فهو أسهل لأنه استنقاذ للمصحف وبذل لما فيه فجاز كما أجاز شراء رباع مكة واستئجار دورها من لا يرى بيعها ولا أخذ أجرتها وكذلك أرض السواد ونحوها وكذلك دفع الأجرة إلى الحجام لا يكره مع كراهة كسبه وإن اشترى الكافر مصحفا فالبيع باطل وبه قال الشافعي وأجازه أصحاب الرأي وقالوا يجبر على بيعه لأنه أهل للشراء والمصحف محل له ولنا إنه يمنع من استدامة الملك عليه فمنع من ابتدائه كسائر ما يحرم بيعه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم فلا يجوز تمكينهم من التوصل إلى نيل أيديهم إياه فصل ولا يصح شراء الكافر مسلما وهذا قول مالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد القولين وقال أبو حنيفة يصح ويجبر على إزالة ملكه لأنه يملك المسلم بالإرث ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده فصح شراؤه كالمسلم ولنا إنه يمنع استدامة ملكه عليه فمنع ابتداءه كالنكاح ولأنه عقد يثبت الملك على المسلم للكافر فلم يصح كالنكاح والملك بالإرث والاستدامة أقوى من ابتداء الملك بالفعل والاختيار بدليل ثبوته بهما للمحرم في الصيد مع منعه من ابتدائه فلا يلزم من ثبوت الأقوى ثبوت ما دونه مع أننا نقطع الاستدامة عليه بمنعه منها وإجباره على إزالتها فصل ولو وكل كافر مسلما في شراء مسلم لم يصح الشراء لأن الملك يقع للموكل ولأن الموكل ليس بأهل لشرائه فلم يصح أن يشتري له كما لو وكل مسلم ذميا في شراء خمر وإن وكل المسلم كافرا يشتري له فاشتراه ففيه وجهان أحدهما يصح لأن المنع منه إنما كان لما فيه من ثبوت ملك الكافر على المسلم والملك يثبت للمسلم ههنا فلم يتحقق المانع والثاني لا يصح لأن ما منع من شرائه منع التوكيل فيه كالمحرم في شراء الصيد والكافر في نكاح المسلمة والمسلم لا يجوز أن يكون وكيلا لذمي في شراء الخمر فصل وإن اشترى الكافر مسلما يعتق عليه القرابة كأبيه وأخيه صح الشراء وعتق عليه في قول بعض أصحابنا وحكى فيه أبو الخطاب روايتين إحداهما لا يصح وهو قول بعض الأصحاب لأنه شراب يملك به المسلم