İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
قلنا ومثله ها هنا فإنه إن كان المقر به كبيرا فلا بد من تصديقه فقد أقر به كل من يعتبر إقراره وإن كان صغيرا غير معتبر القول لم يثبت النسب بقول الآخر كما لو كانا ابنين أحدهما صغير فأقر البالغ بأخ لم يقبل ولم يقولوا إنه لا تعتبر موافقته كذا ها هنا ولأنه لو كان في يد إنسان عبد محكوم له بمله فأقر به لغيره ثبت للمقر له وإن كان المقر يخرج بالإقرار عن كونه مالكا كذا ها هنا فصل فإن خلف ابنا فأقر بأخ ثبت نسبه ثم إن أقر بثالث ثبت نسبه أيضا لأنه إقرار من جميع الورثة فإن قال الثالث الثاني ليس بأخ لنا فقال القاضي يسقط نسب الثاني لأن الثالث وارث منكر لنسب الثاني فأشبه ما لو كان نسبه ثابتا قبل الثاني وفيه وجه آخر لا يسقط نسبه ولا ميراثه لأن نسبه ثبت بقول الأول وثبت ميراثه فلا يسقط بعد ثبوته ولأنه أقر من هو كل الورثة حين الإقرار وثبت ميراثه فلا يسقط بعد ثبوته ولأن الثاني لو أنكر الثالث لم يثبت نسبه وإنما ثبت نسبه بإقراره فلا يجوز له إسقاط نسب من يثبت نسبه بقوله كالأول ولأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأصل بالفرع الذي يثبت به فصل وإن أقر الابن بأخويه دفعة واحدة فصدق كل واحد منهما صاحبه ثبت نسبهما وإن تكاذبا ففيهما وجهان أحدهما لايثبت نسبهما وهو مذهب الشافعي لأن كل واحد منهما لم يقر به كل الورثة والثاني يثبت نسبهما لأن كل واحد منهما وجد الإقرار به من ثابت النسب هو كل الورثة حين الإقرار فلم تعتبر موافقة غيره كما لو كانا صغيرين فإن كان أحدهما يصدق صاحبه دون الآخر ثبت نسب المتفق عليه منهما وفي الآخر وجهان وإن كانا توأمين ثبت نسبهما ولم يلتفت إلى إنكار المنكر منهما سواء تجاحدا معا أو جحد أحدهما صاحبه لأننا نعلم كذبهما فإنهما لا يفترقان ولو أقر الوارث بنسب أحدهما ثبت نسب الآخر لأنهما لا يفترقان في النسب وإن أقر بنسب صغيرين دفعة واحدة ثبت نسبهما على الوجه الذي يثبت فيه نسب الكبيرين المتجاحدين وهل يثبت على الوجه الآخر يحتمل أن يثبت لأنه أقر به كل الورثة حين الإقرار ولم يجحده أحد فأشبه ما لو انفرد ويحتمل ألا يثبت لأن أحدهما وارث ولم يقر بصاحبه فلم يجتمع كل الورثة على الإقرار به ويدفع المقر إلى كل واحد منهما ثلث الميراث سواء قلنا بثبوت النسب أو لم نقل لأنه مقر به فصل إذا خلف امرأة وأخا فأقرت المرأة بابن للميت وأنكر الأخ لم يثبت نسبه ودفعت إليه ثمن الميراث وهو الفضلة التي في يد الزوجة عن ميراثها وإن أقر به الأخ وحده لم يثبت نسبه ودفع إليه جميع ما في يده وهو ثلاثة أرباع المال فإن خلف اثنين فأقر أحدهما بامرأة لأبيه وأنكر الآخر لم تثبت الزوجية ويدفع إليها ثمن نصف الميراث ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة كقولنا لأن الزوجية زالت بالموت وإنما المقر به حقها من الميراث ولهم وجه آخر لا شيء لها وإن كان للميت امرأة أخرى فلا شيء للمقر لها لأن الفضل الذي تستحقه في يد غير المقر وكذلك ما كان مثل هذا مثل أن يخلف أخا من أب وأخا من أم فيقر الأخ من الأم بأخ للميت فلا شيء للمقر به سواء أقر بأخ من أبوين أو من أب أو من أم لأن ميراثه في يد غير المقر وإن أقر بأخوين من أم دفع إليهما ثلث ما في يده لأنه يقر أنهم شركاء في الثلث لكل واحد منهما تسع وفي يده سدس وهو تسع ونصف تسع فيفضل في يده نصف تسع وهو ثلث ما في يده فصل وإذا شهد من الورثة رجلان عدلان بنسب مشارك لهم في الميراث ثبت نسبه إذا لم يكونا متهمين وكذلك إن شهد على إقرار الميت به وإن كانا متهمين كأخوين من أم يشهدان بأخ من أبوين في مسألة فيها زوج وأختان من أبوين لم تقبل شهادتهما
لأن ثبوت نسبه يسقط العول فيتوفر عليهما الثلث وكذلك لو شهدا بأخ من أب في مسألة معهما أم وأخت من أبوين وأخت من أب لم تقبل شهادتهما لأن ثبوت نسبه يسقط أخته فنذهب العول من المسألة فإن لم يكونا وارثين أو لم يكن للميت تركة قبلت شهادتهما وثبت النسب لعدم التهمة فصل وإن أقر رجلان عدلان بنسب مشارك لهما في الميراث وثم وارث وغيرهما لم يثبت النسب ألا أن يشهدا به ويهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يثبت لأنهما بينة ولنا إنه إقرار من بعض الورثة فلم يثبت به النسب كالواحد وفارق الشهادة لأنه تعتبر فيها العدالة والذكورية والأقرار بخلافه فصل وإذا أقر بنسب ميت صغير أو مجنون ثبت نسبه وورثه وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن يثبت نسبه دون ميراثه لأنه متهم في قصد أخذ ميراثه وقال أبو حنيفة لا يثبت نسبه ولا إرثه لذلك ولنا إن علة ثبوت نسبه في حياته الإقرار به وهو موجود بعد الموت فيثبت به كحالة الحياة وما ذكروه يبطل ما إذا كان المقر به حيا موسرا أو المقر فقيرا فإنه يثبت نسبه ويملك المقر التصرف في ماله وإيقافه منه على نفسه وإن كان المقر به كبيرا عاقلا فكذلك في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي لأنه لا قول له أشبه الصغير وفيه وجه آخر أنه لا يثبت نسبه لأن نسب المكلف لا يثبت إلا بتصديقه ولم يوجد ويجاب عن هذا بأنه غير مكلف فإن ادعى نسب المكلف في حياته فلم يصدقه حتى مات المقر ثم صدقه ثبت نسبه لأنه وجد الإقرار والتصديق من المقر به فأشبه ما لو صدقه في حياته وقالأبو الخطاب وإذا أقر رجل يزوجية امرأة أو أقرت أن فلانا زوجها فلم يصدقه المقر إلا بعد موته ورثه لأنه وجد الإقرار والتصديق معا فصل وإذا خلف رجل امرأة وابنا من غيرها فأقر الابن بأخ له لم يثبت نسبه لأنه لم يقر به كل الورثة وهل يتوارثان فيها وجهان أحدهما يتوارثان لأن كل واحد منهما يقر أنه لا وارث له سوى صاحبه ولا منازع لهما والثاني لا يتوارثان لأن النسب بينهما لم يثبت لما كان لكل واحد منهما وارث غير صاحبه لم يرثه لأنه منازع في الميراث ولم يثبت نسبه فصل وإذا ثبت النسب بالإقرار ثم أنكر المقر لم يقبل إنكاره لأنه نسب ثبت بحجة شرعية فلم يزل بإنكاره كما لو ثبت ببينة أو بالفراش وسواء كان المقر به غير مكلف أو مكلفا فصدق المقر ويحتمل أن يسقط نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه لأنه ثبت باتفاقهما فزال برجوعهما كالمال والأول أصح لأنه نسب ثبت بالإقرار فأشبه نسب الصغير والمجنون وفارق المال لأن النسب يحتاط لإثباته فصل وإن أقرت المرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولا نسب قبل إقرارها وإن كانت ذات زوج فهل يقبل إقرارها على روايتين إحداهما لايقبل لأن فيه حملا لنسب الولد على زوجها ولم يقر به أو إلحاقا للعار به بولادة امرأته من غيره والثانية يقبل لأنها شخص أقر بولد يحتمل أن يكون منه فقبل كالرجل وقال أحمد في رواية ابن منصور في امرأة ادعت ولدا فإن كان لها إخوة أو نسب معروف فلا بد من أن يثبت أنه ابنها فإن لم يكن لها دافع فمن يحول بينها وبينه وهذا لأنها متى كانت ذات أهل فالظاهر أنه لا تخفي عليهم ولادتها فمتى ادعت ولدا لا يعرفونه فالظاهر كذبها ويحتمل أن تقبل دعواها مطلقا لأن النسب يحتاط له فأشبهت الرجل فصل ولو قدمت امرأة من بلد الروم ومعها طفل فأقر به رجل لحقه لوجود الإمكان وعدم المنازع لأنه يحتمل أن يكون دخل أرضهم أو دخلت في دار الإسلام ووطئها والنسب يحتاط لإثباته ولهذا لو ولدت امرأة رجل وهو غائب عنها بعد عشرين سنة من غيبته لحقه وإن لم يعرف له قدوم إليها ولا عرف لها خروج من بلدها فصل وإن أقر بنسب صغير لم يكن مقرا بزوجية أمه
وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كانت مشهورة بالحرية كان مقرا بزوجيتها لأن أنساب المسلمين وأحوالهم يجب حملها على الصحة وذلك أن تكون ولدته منه في نكاح صحيح ولنا إن الزوجية ليست مقتضى لفظه ولا مضمونه فلم يكن مقرا بها كما لو لم تكن معروفة بالحرية وما ذكروه لا يصح فإن النسب محمول على الصحة وقد يلحق بالوطء في النكاح الفاسد والشبهة فلا يلزمه بحكم إقراره ما لم يتضمنه لفظه ولم يوجبه فصل وإذا كان له أمة لها ثلاثة أولاد لا زوج لها ولا أقر بوطئها فقال أحد هؤلاء ولدي فإقراره صحيح ويطالب بالبيان فإن عين أحدهم ثبت نسبه وحريته ثم يسأل عن كيفية الاستيلاد فإن قال كان بنكاح فعلى الوالد الولاء لأنه قد مسه رق والأم وولداها الآخران رقيق قن وإن قال استولدتها في ملكي فالمقر به حر الأصل لا ولاء عليه والأمة أم ولد ثم إن كان المقر به الأكبر فأخواه أبناء أو ولد حكمهما حكمها في العتق بموت سيدها وإن كان الأوسط فالأكبر قن والأصغر له حكم أمه وإن عين الأصغر فأخواه رقيق قن لأنها ولدتهما قبل الحكم بكونها أم ولد وإن قال هو من وطء شبهة فالوالد حر الأصل وأخواه مملوكان وإن مات قبل أن يبين أخذ ورثته بالبيان ويقوم بيانهم مقام بيانه فإن بينوا النسب ولم يبينوا الاستيلاد ثبت النسب وحرية الولد ولم يثبت للأم ولا لولديها حكم الاستيلاد لأنه يحتمل أن يكون من نكاح أو وطء شبهة وإن لم يبينوا النسب وقالوا لا نعرف ذلك ولا الاستيلاد فإنا نريه القافة فإن ألحقوا به واحدا منهم ألحقناه ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره فإن لم تكن قافة أقرع بينهم فمن وقعت له القرعة عتق وورث وبهذا قال الشافعي إلا أنه لا يورثه بالقرعة ولنا إنه حر استندت حريته إلى إقرار أبيه فورث كما لو عينه في إقراره فصل وإذا كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد فقال أحد هذين ولدي من أمتي نظرت فإن كان لكل واحدة منهما زوج يمكن إلحاق الولد به لم يصح إقراره ولحق الولدان بالزوجين وإن كان لإحدهما زوج دون الأخرى انصرف الإقرار إلى ولد الأخرى لأنه الذي يمكن إلحاقه به وإن لم يكن لواحدة منهما زوج ولكن أقر السيد بوطئهما صارتا فراشا ولحق ولداهما به إذا أمكن أن يولد بعد وطئه وإن أمكن في أحداهما دون الأخرى انصرف الإقرار إلى من أمكن لأنه ولده حكما وإن لم يكن أقر بوطر واحدة منهما صح إقراره وتثبت حرية المقر به لأنه أقر بنسب صغير مجهول النسب مع الإمكان لا منازع له فيه فلحقه نسبه ثم يكلف البيان كما لو طلق إحدى نسائه فإذا بين قبل بيانه لأن المرجع في ذلك إليه ثم يطالب ببيان كيفية الولادة فإن قال استولدتها في ملكي فالولد حر الأصل لا ولاء عليه وأمه أم ولد وإن قال في نكاح فعلى الولد الولاء لأنه مسه رق والأمة قن لأنها علقت بمملوك وإن قال بوطء شبهة فالولد حر الأصل والأمة قن لأنها علقت به في غير ملك وإن ادعت الأخرى أنها التي استولدها فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الاستيلاد فأشبه ما لو ادعت ذلك من غير إقراره بشيء فإذا حلف رقت ورق ولدها وإذا مات ورثه ولده المقر به وإن كانت أمه قد صارت أم ولد عتقت أيضا وإن لم تصر أم ولد عتقت على ولدها إن كان هو الوارث وحده وإن كان معه غيره عتق منها بقدر ما ملك فإن مات قبل أن يبين قام وارثه مقامه في البيان لأنه يقوم مقامه في إلحاق النسب وغيره فإذا بين كان كما لو بين الموروث وإن لم يعلم الوارث كيفية الاستيلاد ففي الأمة وجهان أحدهما يكون رقيقا لأن الرق الأصل فلا يزول بالاحتمال والثاني يعتق لأن الظاهر أنها ولدته في ملكه
لأنه أقر بولدها وهي في ملكه وهذا منصوص الشافعي فإن لم يكن وارث أو كان وارث فلم يعين عرض للقافة فإن ألحقت به أحدهما ثبت نسبه وكان حكمه كما عين لو الوارث فإن لم تكن قافة أو كانت فلم تعرف أقرع بين الولدين فيعتق أحدهما بالقرعة لأن للقرغة مدخلا في أثبات الحرية وقياس المذهب ثبوت نسبه وميراثه على ما ذكرنا في التي قبلها وقال الشافعي لا يثبت نسب ولا ميراث واختلفوا في الميراث فقال المزني يوقف نصيب ابن لأننا تيقنا ابنا وارثا ولهم وجه آخر لا يوقف شيء لأنه لا يرجى انكشافه وقال أبو حنيفة يعتق من كل واحد نصفه ويستسعى في باقيه ولا يرثان وقال ابن أبي ليلى مثل ذلك إلا أنه يجعل الميراث بينهما نصفين ويدفعانه في سعايتهما والكلام على قسمة الحرية والسعاية يأتي في العتق إن شاء الله تعالى مسألة قال ( وكذلك إن أقر بدين على أبيه لزمه من الدين بقدر ميراثه ) وجملة ذلك أن الوارث إذا أقر بدين على موروثه قبل إقراره بغير خلاف نعلمه ويتعلق ذلك بتركة الميت كما لو أقر به الميت قبل موته فإن لم يخلف تركة لم يلزم الوارث بشيء لأنه لا يلزمه أداء دينه إذا كان حيا مفلسا فكذلك إذا كان ميتا وإن خلف تركة تعلق الدين بها فإن أحب الوارث تسليمها في الدين لم يلزمه إلا ذلك وإن أحب استخلاصها وإيفاء الدين من ماله فله ذلك ويلزمه أقل الأمرين من قيمتها أو قدر الدين بمنزلة الجاني وإن كان الوارث واحدا فحكمه ما ذكرنا وإن كانا اثنين أو أكثر وثبت الدين بإقرار الميت أو بينة أو إقرار جميع الورثة فكذلك وإذا اختار الورثة أخذ التركة وقضاء الدين من أموالهم فعلى كل واحد منهم من الدين بقدر ميراثه وإن أقر أحدهم لزمه من الدين بقدر ميراثه والخيرة إليه في تسليم نصيبه في الدين أو استخلاصه وإذا قدره من الدين فإن كانا اثنين لزمه النصف وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث وبهذا قال النخعي والحسن والحكم وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور والشافعي في أحد قوليه وقال أصحاب الرأي يلزمه جميع الدين أو جميع ميراثه وهذا آخر قولي الشافعي رجع إليه بعد قوله كقولنا لأن الدين يتعلق بتركته فلا يستحق الوارث منهما إلا ما فضل من الدين لقول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 ولأنه يقول ما أخذه المنكر أخذخ بغير استحقاق فكان غاصبا فتعلق الدين بما بقي من التركة كما لو غصبه أجنبي ولنا إنه لا يستحق أكثر من نصف الميراث فلا يلزمه أكثر من نصف الدين كما لو أقر أخوه ولأنه إقرار يتعلق بحصته وحصة أخيه فلا يجب عليه إلا ما يخصه كالإقرار بالوصية وإقرار أحد الشريكين على مال الشركة ولأنه حق لو ثبت ببينة أو قول الميت أو إقرار الوارثين لم يلزمه إلا نصفه فلم يلزمه بإقراره أكثر من نصفه كالوصية ولأن شهادته بالدين مع غيره تقبل ولو لزمه أكثر من حصته لم تقبل شهادته لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا
فصل إذا ادعى رجلان دارا بينهما ملكاها بسبب يوجب الاشتراك مثل أن يقولا ورثناها أو ابتعناها معا فأقر المدعى عليه بنصفها لأحدهما فذلك لهما جميعا لأنهما اعترفا أن الدار لهما مشاعة فإذا غصب غاصب نصفها كان منهما والباقي بينهما وإن لم يكونا ادعيا شيئا يقتضي الاشتراك بل ادعى كل واحد منهما نصفها فأقر لأحدهما بما ادعاه لم يشاركهه الآخر وكان على خصومته لأنهما لم يعترفا بالاشتراك فإن أقر لأحدهما بالكل وكان المقر له يعترف للآخر بالنصف سلمه إليه وكذلك إن كان قد تقدم إقراره بذلك وجب تسليم النصف إليه لأن الذي هي في يده قد اعترف له بها فصار بمنزلته فيثبت لمن يقر له وإن لم يكن اعترف للآخر وادعى جميعها أو ادعى أكثر من النصف فهو له فإن قيل فكيف يملك ولم يدع إلا نصفها قلنا ليس من شرط صحة الإقرار تقدم الدعوى بل متى أقر الإنسان بشيء فصدقه المقر له ثبت وقد وجد التصديق ها هنا في النصف الذي لم يسبق دعواه ويجوز أن يكون اقتصر على دعوى ألف لأن له حجة به أو لأن النصف الآخر قد اعترف له به فادعى النصف الذي لم يعترف به فإن لم يصدقه في إقراره بالنصف الذي لم يدعه ولم يعترف به للآخر ففيه ثلاثة أوجه أحدها يبطل الإقرار لأنه أقر به لمن يدعيه الثاني ينزعه الحاكم من يده حتى يثبت لمدعيه ويؤجره ويحفظ أجرته لمالكه والثالث يدفع إلى مدعيه لعدم المنازع فيه ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كنحو ما ذكرنا مسألة قال ( وكل من قلت القول قوله فلخصمه عليه اليمين ) يعني في هذا الباب وفيما أشبه مثل أن يقول عندي ألف ثم قال وديعة أو قال علي ثم قال وديعة أو قال له عندي رهن فقال المالك وديعة ومثل الشريك والمضارب والمنكر للدعوى وإذا اختلفا في قيمة الرهن أو قدره أو قدر الدين الذي الرهن به وأشباه هذا فكل من قلنا القول قوله فعليه لخصمه اليمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم لو أعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه تقوية لقوله واستظهارا والذي جعل القول قوله كذلك فيجب أن تشرع اليمين في حقه فصل إذا أقر أنه وهب وأقبض الهبة أو رهن وأقبض أو أنه قبض المبيع أو أجر المستأجر ثم أنكر ذلك وسأل إحلاف خصمه ففيه روايتان إحداهما لا يستحلف وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأن دعواه تكذيب لإقراره فلا تسمع كما لو أقر المضارب أنه ربح ألفا ثم قال غلطت ولأن الإقرار أقوى من البينة ولو شهدت البينة فقال احلفوه لي مع بينته لم يستحلف كذا ها هنا والثانية يستحلف وهو قول الشافعي وأبي يوسف لأن العادة جارية بالإقرار قبل القبض فيحتمل صحة ما قاله فينبغي أن يستحلف خصمه لنفي الاحتمال ويفارق الإقرار البينة لوجهين أحدهما أن العادة جارية بالإقرار بالقبض ولم تجر العادة بالشهادة على القبض قبله لأنها تكون شهادة زور والثاني أن إنكاره مع الشهادة طعن في البينة وتكذيب لها وفي الإقرار بخلافه ولم يذكر القاضي في المجرد غير هذا الوجه وكذلك لو أقر أنه اقترض منه ألفا وفبضها أو قال له علي ألف ثم قال ما كنت قبضتها وإنما أقررت لأقبضها فالحكم كذلك ولأنه يمكن أن يكون قد أقر بقبض ذلك بناء على قول وكيله وظنه والشهادة لا تجوز إلا على اليقين فأما إن أقر أنه وهبه طعاما ثم قال ما أقبضتكه وقال المتهب بل أقبضتنيه فالقول قول الواهب لأن الأصل عدم القبض وإن في يد المتهب فقال أقبضتينها بل أخذتها مني بغير إذن فالقول قول الواهب أيضا لأن الأصل عدم الإذن وإن كانت حين الهبة في يد المتهب لم يعتبر إذن الواهب وإنما يعتبر مضي مدة يتأتى القبض فيها وعلى من قلنا القول قوله منهما اليمين لما ذكرنا
مسألة قال ( والإقرار بدين في مرض موته كالإقرار في الصحة إذا كان لغير وارث ) هذا ظاهر المذهب وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز وحكى أصحابنا رواية أخرى أنه لا يقبل لأنه إقرار في مرض الموت أشبه الإقرار لوارث وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه لا يقبل إقراره بزيادة على الثلث لأنه ممنوع من عطية ذلك لأجنبي كما هو ممنوع من عطية الوارث فلا يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون ولنا إنه إقرار غير متهم فيه فقبل كالإقرار في الصحة يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وإبراء ذمته وتحري الصدق فكان أولى بالقبول وفارق الإقرار للوارث لأنه متهم فيه على ما سنذكره فصل فإن أقر لأجنبي بدين في مرضه وعليه دين ثبت ببينة أو إقرار في صحته وفي المال سعة لهما سواء وإن ضاق عن قضائهما فظاهر كلام الخرقي أنهما سواء وهو اختيار التميمي وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر أهل المدنية لأنهما حقان يجب قضاؤهما من رأس المال لم يختص أحدهما برهن فاستويا كما لو ثبتا ببينة وقال أبو الخطاب لا يحاص غرماء الصحة وقال القاضي هو قياس المذهب لنص أحمد في المفلس أنه إذا أقر وعليه دين ببينة يبدأ بالدين الذي بالبينة وبهذا قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي لأنه أقر بعد تعلق الحق بتركته فوجب أن لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة كغريم المفلس الذي أقر له بعد الحجر عليه والدليل على تعلق الحق بماله منعه من التبرع ومن الإقرار لوارث ولأنه محجور عليه ولهذا لا تنفذ هباته وتبرعاته فلم يشارك من أقر له قبل الحجر ومن ثبت دينه ببينة كالذي إقر له المفلس وإن أقر لهما جميعا في المرض تساويا ولم يقدم السباق منهما لأنهما استويا في الحال فأشبها غريمي الصحة مسألة قال ( وإن أقر لوارث لم يلزم باقي الورثة قبوله إلا ببينة ) وبهذا قالشريح وأبو هاشم وابن أذينة والنخعي ويحيى الأنصاري وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن القاسم وسالم وقال عطاء والحسن وإسحاق وأبو ثور يقبل لأن من صح الإقرار له في الصحة صح في المرض كالأجنبي وللشافعي قولان كالمذهبين وقال مالك يصح إذا لم يتهم ويبطل إن اتهم كمن له بنت وابن عم فأقر لابنته لم يقبل وإن أقر لابن عمه قبل لانه لا يتهم في أنه يزوي ابنته ويوصل المال إلى ابن عمه وعلة منع الإقرار التهمة فاختص المنع بموضعها ولنا إنه إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته فلم يصح بغير رضى ورثته كهبته ولأنه محجور عليه في حقه فلم يصح إقراره له كالصبي في حق جميع الناس وفارق الأجنبي فإن هبته له تصح وما ذكره مالك لا يصح فإن التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها فوجب اعتبارها بمظنتها وهو الإرث وكذلك اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما فصل وإن أقر لامرأته بمهر مثلها أو دونه صح في قولهم جميعا لا نعلم فيه مخالفا إلا الشعبي قال لا يجوز إقراره لها لأنه إقرار لوارث ولنا إنه إقرار بما تحقق سببه وعلم وجوده ولم تعلم البراءة منه فأشبه ما لو كان عليه دين ببينة فأقر بأنه لم يوفه وكذلك إن اشترى من وارثه شيئا فأقر له بثمن مثله لأن القول قول المقر له في أنه لم يقبض ثمنه وإن أقر لامرأته بدين سوى الصداق لم يقبل وإن أقر لها ثم أبانها ثم رجع تزوجها ومات في مرضه لم يقبل إقراره لها وقال محمد بن الحسن يقبل لأنها صارت إلى حال لا يتهم فيها فأشبه ما لو أقر المريض ثم برأ ولنا إنه إقرار لوارث في مرض الموت أشبه ما لو لم يبنها وفارق ما إذا صح من مرضه لأنه لايكون مرض الموت
فصل وإن أقر لوارث فصار غير وارث كرجل أقر لأخيه ولد له ثم ولد له ابن لم يصح إقراره له وإن أقر لغير وارث ثم صار وارثا صح إقراره له نص عليه أحمد في رواية ابن منصور إذا أقر لامرأة بدين في المرض ثم تزوجها جاز إقراره لأنه غير متهم وحكي له قول سفيان في رجل له ابنان فأقر لأحدهما بدين في مرضه ثم مات الابن وترك ابنا والأب حي ثم مات بعد ذلك جاز إقراره فقال أحمد لا يجوز وبهذا قال عثمان البتي وذكر أبو الخطاب رواية أخرى في الصورتين مخالفة لما قلنا وهو قول سفيان الثوري والشافعي لأنه معنى يعتبر فيه عدم الميراث فكان الاعتبار فيه بحالة الموت كالوصية ولنا إنه قول تعتبر فيه التهمة فاعتبرت حال وجوده دون غيره كالشهادة ولأنه إذا أقر لغير وارث ثبت الإقرار وصح لوجوده من أهله خاليا عن تهمة فيثبت الحق به ولم يوجد مسقط له فلا يسقط وإذا أقر لوارث وقع باطلا لاقتران التهمة به فلا يصح بعد ذلك ولأنه إقرار لوارث فلم يصح كما لو استمر الميراث وإن أقر لغير وارث صح واستمر كما لو استمر عدم الإرث أما الوصية فإنها عطية بعد الموت فاعتبرت فيها حالة الموت بخلاف مسألتنا فصل وإن أقر لوارث وأجنبي بطل في حق الوارث وصح في حق الأجنبي ويحتمل أن لا يصح في حق الأجنبي كما لو شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها بطلت شهادته في الكل وكما لو شهد لابنه وأجنبي وقال أبو حنيفة إن أقر لهما بدين من الشركة فاعترف الأجنبي بالشركة صح الإقرار لهما وإن جحدها صح له دون الوارث ولنا إنه إقرار لوارث وأجنبي فيصح للأجنبي دون الوارث كما لو أقر بلفظين أو كما لو جحد الأجنبي الشركة ويفارق الإقرار الشهادة لقوة الإقرار ولذلك لا تعتبر فيه العدالة ولو أقر بشيء له فيه نفع كالإقرار بنسب موسر قبل ولو أقر بشيء يتضمن دعوى على غيره قبل فيما عليه دون ما له كما لو قال لامرأته خلعتك على ألف بانت بإقراره والقول قولها في نفي العوض وإن قال لعبده اشتريت نفسك مني بألف فكذلك فصل ويصح إقرار المريض بوارث في أحدى الروايتين والأخرى لا يصح لأنه إقرار لوارث فأشبه الإقرار له بمال والأول أصح لأنه عند الإقرار غير وارث ويصح كما لو لم يصر وارثا ويمكن بناء هذه المسألة على ما إذا أقر لغير وارث ثم صار وارثا فمن صحح الإقرار ثم صححه ها هنا ومن أبطله أبطله وإن ملك ابن عمه فأقر في مرضه أنه كان أعتقه في صحته وهو أقرب عصبته عتق ولم يرثه لأن توريثه بوجب إبطال الإقرار بحريته وإذا بطلت الحرية سقط الإرث فصار توريثه سببا إلى إسقاط توريثه فأسقطنا التوريث وحده ويحتمل أن يرث لأنه حين الإقرار غير وارث فصح إقراره له كالمسألة قبلها فصل ويصح الإقرار من المريض بإحبال الأمة لأنه يملك ذلك فملك الإقرار به وكذلك كل ما ملكه ملك الإقرار به فإذا أقر بذلك ثم مات فإن بين أنه استولدها في ملكه فولده حر الأصل وأمه أم ولد تعتق من رأس المال وإن قال من نكاح أو وطء شبهة لم تصر الأمة أم ولد وعتق الولد فإن كان من نكاح فعليه الولاء لأنه مسه رق وإن قال من وطء شبهة لم تصر الأمة أم ولد وأن لم يتبين السبب فالأمة مملوكة لأن الأصل الرق ولم يثبت سبب الحرية ويحتمل أن تصير أم ولد لأن الظاهر استيلادها في ملكه من قبل أنها مملوكته والولادة موجودة ولا ولاء على الولد لأن الأصل عدمه فلا يثبت إلا بدليل فصل في الألفاظ التي يثبت بها الإقرار إذا قال له علي ألف أو قال له لي عليك ألف فقال نعم أو أجل أو صدقت أو لعمري أو أنا مقر به أو بما ادعيت أو بدعواك كان مقرا في جميع ذلك لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق قال الله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم الأعراف 44
وإن قال أليس لي عندك ألف قال بلى كان إقرارا صحيحا لأن بلى جواب للسؤال بحرف النفي قال الله تعالى ألست بربكم قالوا بلى الأعراف 172 وإن قال لك علي ألف في علمي أو فيما أعلم كان مقرا به لأن ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب وإن قال اقضني الألف الذي لي عليك قال نعم كان مقرا به لأنه تصديق لما ادعاه وإن قال اشتر عبدي هذا أو أعطني عبدي هذا فقال نعم كان إقرارا لما ذكرنا وإن قال لك علي ألف إن شاء الله تعالى كان مقرا به نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي ليس بإقرار لأنه علق إقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد ولأن ما علق على مشيئة الله تعالى لا سبيل إلى معرفته ولنا إنه وصل إقراره بما يرفعه كله ولا يصرفه إلى غير الإقرار فلزمه ما أقر به وبطل ما وصله به كما لو قال له علي ألف إلا ألفا ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكما آخر ولا يقتضي رفع الحكم أشبه ما لو قال له علي ألف في مشيئة الله تعالى وإن قال له علي ألف إلا أن يشاء الله صح الإقرار لأنه أقر ثم علق رفع الإقرار على أمر لا يعلم فلم يرتفع وإن قال لك علي ألف إن شئت أو إن شاء زيد لم يصح الإقرار وقال القاضي يصح لأنه عقبه بما يرفعه فصح الإقرار دون ما يرفعه كاستثناء الكل وكما لو قال إن شاء الله ولنا إنه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح كما لو قال له علي ألف إن شهد بها فلان وذلك لأن الإقرار إخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل ويفارق التعليق على مشيئة الله تعالى فإن مشيئة الله تعالى تذكر في الكلام تبركا وصلة وتفويضا إلى الله تعالى لا للاشتراط كقول الله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم الفتح 27 وقد علم الله أنهم سيدخلون بعير شك ويقول الناس صلينا إن شاء الله تعالى مع تيقنهم صلاتهم بخلاف مشيئة الآدمي الثاني أن ميشئة الله تعالى لا تعلم ألا بوقوع الأمر فلا يمكن وقف الأمر على وجودها ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا بتوقف الأمر على وجودها والماضي لا يمكن وقفه فيتعين حمل الأمر ها هنا على المستقبل فيكون وعدا لا إقرارا وإن قال بعتك إن شاء الله تعالى أو زوجتك إن شاء الله تعالى فقال أبو إسحاق بن شاقلا لا أعلم خلافا عنه في أنه إذا قيل له قبلت هذا النكاح فقال نعم ءن شاء الله تعالى إن النكاح وقع به قال أبو حنيفة ولو قال بعتك بألف إن شئت فقال قد شئت وقبلت صح لأن هذا الشرط من موجب العقد ومقتضاه فإن الإيجاب إذا وجد من البائع كان القبول إلى مشيئة المشتري واختياره وإن قال له علي ألفان إن قدم فلان لم يلزمه لأنه لم يقر بها في الحال وما لا يلزمه في الحال لا يصير واجبا عند وجود الشرط وإن قال إن شهد فلان علي لك بألف صدقته لم يكن إقرار لأنه يجوز إن يصدق الكاذب وإن قال إن شهد بها فلان فهو صادق احتمل أن لا يكون إقرارا لأنه علقه على شرط فأشبهت التي قبلها واحتمل أن يكون إقرارا في الحال لأنه يتصور صدقه إذا شهد بها إلا أن تكون ثابتة في الحال وقد أقر بصدقه وإن قال له علي ألف إن شهد بها فلان لم يكن إقرارا لأنه معلق على شرط
فصل وإن قال لي عليك ألف فقال أنا أقر لم يكن إقرارا لأنه وعد بالإقرار في المستقبل وإن قال لا أنكر لم يكن إقرارا لأنه لا يلزم من عدم الأنكار الإقرار فإن بينهما قسما آخر وهو السكوت عنهما وإن قال لا أنكر أن تكون محقا لم يكن إقرارا لذلك وإن قال أنا مقر ولم يزد احتمل أن يكون مفرا لأن ذلك عقيب الدعوى فيصرف إليها وكذلك إن قال أقررت قال الله تعالى قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا آل عمران 81 ولم يقولوا أقررنا بذلك ولا زادوا عليه فكان منهم إقرارا واحتمل أن لا يكون مقرا لأنه يحتمل أن يريد غير ذلك مثل أن يريد أنا مقر بالشهادة أو ببطلان دعواك وإن قال لعل أو عسى لم يكن مقرا لأنهما للترجي وإن قال أظن أو أحب أو أقدر لم يكن إقرارا لأن هذه الألفاظ تستعمل للشك وإن قال خذ أو اتزن لم يكن مقرا لأنه يحتمل خذ الجواب أو اتزن شيئا آخر وإن قال خذها أو اتزنها أو هي صحاح ففيه وجهان أحدهما ليس بإقرار لأن الصفة ترجع إلى المدعي ولم يقر بوجوبه ولأنه يحوز أن يعطيه ما يدعيه من غير أن يكون واجبا عليه فأمره بأخذها أولى أن لا يلزم منه الوجوب والثاني يكون إقرارا لأن الضمير يعود إلى ما تقدم وإن قال له علي ألف إذا جاء رأس الشهر أو إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف فقال أصحابنا الأول إقرار والثاني ليس بإقرار وهذا منصوص الشافعي لأنه في الأول بدأ بالإقرار والثاني ليس بإقرار ثم عقبه بما لا يقتضي رفعه لأن قوله إذا جاء رأس الشهر يحتمل أنه أراد المحل فلا يبطل الإقرار بأمر محتمل وفي الثاني بدأ بالشرط فعلق عليه لفظا يصلح للإقرار ويصلح للوعد فلا يكون إقرارا مع الاحتمال ويحتمل أنه لا فرق بينهما لأن تقديم الشرط وتأخيره سواء فيكون فيهما جميعا وجهان كتاب العارية مسألة قال ( والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير ) العارية إباحة الانتفاع بيعن من أعيان المال مشتقة من عار الشيء إذا ذهب وجاء منه قيل للبطال عيار لتردده في بطالته والعرب تقول أعاره وعاره مثل أطاعه وطاعه والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ويمنعون الماعون الماعون 7 روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا العواري وفسرها ابن مسعود فقال القدر والميزان والدلو وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة عام حجة الوداع العارية مؤداة والدين مقضي والمنحة مردودة والزعيم غارم أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وروى صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصبا يا محمد قال بل عارية مضمونة رواه أبو داود وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها لأنه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا إذا ثبت هذا فإن العارية مندوب إليها وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم وقيل هي واجبة للآية ولما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها الحديث قيل يا رسول الله وما حقها قال إعارة دلوها وإطراق فحلها ومنحة لبنها يوم وردها فذم الله تعالى مانع العارية وتوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكر في خبره
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك رواه ابن المنذر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ليس في المال حق سوى الزكاة وفي حديث الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذا فرض الله علي من الصدقة قال الزكاة فقال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع شيئا أو كما قال والآية فسرها ابن عمر والحسن البصري بالزكاة وكذلك زيد بن أسلم وقال عكرمة إذا جمع ثلاثتها فله الويل إذا سها عن الصلاة وراءى ومنع الماعون ويجب رد العارية إن كانت باقية بغير خلاف ويجب ضمانها إن كانت تالفه تعدى فيها المستعير أو لم يتعد روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة إليه ذهب عطاء الشافعي واسحاق وقال الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن شبرمة هي أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المستعير غير المغل ضمان ولأنه قبضتها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة قالوا وقول النبي صلى الله عليه وسلم العارية مؤداة يدل على أنها أمانة لقول الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بل عارية مضمونة وروى الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال على اليد ما أخذت حتى تؤديه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غير استحقاق ولا إذن في الإتلاف فكان مضمونا كالغاصب والمأخوذ على وجه السوم وحديثهم يرويه عمر بن عبد الجبار عن عبيد بن حسان عن عمرو بن شعيب وعمر وعبيد ضعيفان قاله الدارقطني ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والأجزاء وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه السوم فصل وإن شرط نفي الضمان لم يسقط وبهذا قال الشافعي وقال أبو حفص العكبري يسقط قال أبو الخطاب أومأ إليه أحمد وهو قول قتادة والعنبري لأنه لو أذن في إتلافها لم يجب ضمانها فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها وقيل بل مذهب قتادة والعنبري أنها لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها فيجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بل عارية مضمونة ولنا إن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد ما اقتضى الأمانة فكذلك كالوديعة والشركة والمضاربة والذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم إخبار بصفة العارية وحكمها وفارق ما إذا أذن في الإتلاف فإن الإتلاف فعل يصح الإذن فيه ويسقط حكمه إذ لا ينعقد موجبا للضمان مع الإذن فيه وإسقاط الضمان ها هنا نفي للحكم مع وجود سببه وليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه فصل وإذا انتفع بها وردها على صفتها فلا شيء عليه لأن المنافع مأذون في إتلافها فلا يجب عوضها وإن تلف شيء من أجزائها التي لا تذهب بالاستعمال فعليه ضمانها لأن ما ضمن جملته ضمنت أجزاؤه كالمغصوب وأما أجزاؤها التي تذهب بالاستعمال كمخمل المنشفة والقطيفة وخف الثوب يلبسه ففيه وجهان أحدهما يجب ضمانه لأنها أجزاء عين مضمونة فكانت مضمونة كما لو كانت مغصوبة ولأنها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها فتضمن إذا تلفت وحدهما كسائر الأجزاء والثاني لا يضمنها وهو قول الشافعي لأن الإذن في الاستعمال تضمنه فلا يجب ضمانه كالمنافع وكما لو أذن في إتلافها صريحا وفارق إذا تلفت العين قبل استعمالها لأنه لا يمكن تمييزها من العين ولأنه إنما أذن في إتلافها على وجه الانتفاع فإذت تلفت العين قبل ذلك فقد فاتت على غير الوجه الذي أذن فيه فضمنها كما لو أجر العين المستعارة فإنه يضمن منافعها فإذا قلنا لا يضمن الأجزاء فتلفت العين بعد ذهابها بالاستعمال فإنها تقوم حال التلف لأن الأجزاء التالفة تلفت غير مضمونة لكونها مأذونا في إتلافها فلا يجوز تقويمها عليه
وإن قلنا يجب ضمان الأجزاء قومت العين قبل تلف أجزائها وإن تلفت العين قبل ذهاب أجزائها ضمنها كلها بأجزائها وكذلك لو تلفت الأجزاء باستعمال غير مأذون فيه مثل أن يعيره ثوبا ليلبسه فحمل فيه ترابا فإنه يضمن نقصه ومنافعه لأنه تلف بتعديه وإن تلف بغير تعد منه ولا استعمال كتلفها لطول الزمان عليها ووقوع نار عليها فينبغي أن يضمن ما تلف منها بالنار ونحوها لأنه تلف لم يتضمنه الاستعمال المأذون فيه فأشبه تلفها بفعل غير مأذون فيه وما تلف بمرور الزمان عليه يكون حكمه حكم ما تلف بالاستعمال لأنه تلف بالإمساك المأذون فيه فأشبه تلفه بالفعل المأذون فيه فصل فأما ولد العارية فلا يجب ضمانه في أحد الوجهين لأنه لم يدخل في الأعارة فلم يدخل في الضمان ولا فائدة للمستعير فيه فأشبه الوديعة ويضمنه في الآخر لأنه ولد عين مضمونة فيضمن كولد المغصوبة والأول أصح فإن ولد المغصوبة لا يضمن إذا لم يكن مغصوبا وكذلك ولد العارية إذا لم يوجد مع أمه وإنما يضمن ولد المغصوبة إذا كان مغصوبا فلا أثر لكونه ولدا لها فصل ويجب ضمان العين بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال فإن لم تكن مثلية ضمنها بقيمتها يوم تلفها إلا على الوجه الذي فيه ضمان الإجزاء التالفة بالانتفاع المأذون فيه فإنه يضمنها بقيمتها قبل تلف أجزائها إن كانت قيمتها حينئذ أكثر وإن كانت أقل ضمنها بقيمتها يوم تلفها على الوجهين جميعا فصل وإن كانت العين باقية فعلى المستعير ردها إلى المعير أو وكيله في قبضها ويبرأ بذلك من ضمانها وإن ردها إلى المكان الذي أخذها منه أو إلى ملك صاحبها لم يبرأ من ضمانها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبرأ لأنها صارت كالمقبوضة فإن رد العواري في العادة يكون إلى أملاك أربابها فيكون مأذونا فيه من طريق العادة ولنا إنه لم يردها إلى مالكها ولا نائبه فيها فلم يبرأ منها كما لو دفعها إلى أجنبي وما ذكره يبطل بالسارق إذا رد المسروق إلى الحرز ولا تعرف العادة التي ذكرها وإن ردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يديه كزوجته المتصرفة في ماله ورد الدابة إلى سائسها فقياس المذهب أنه يبرأ قاله القاضي لأن أحمد قال في الوديعة إذا سلمها المودع إلى امرأته لم يضمنها ولأنه مأذون في ذلك عرفا أشبه ما لو أذن فيه نطقا ومؤنة الرد على المستعير لقول النبي صلى الله عليه وسلم العارية مؤداة وقوله على اليد ما أخذت حتى تؤديه وعليه ردها إلى الموضع الذي أخذها منه إلا أن يتفقا على ردها إلى غيره لأن ما وجب رده لزم رده إلى موضعه كالمغصوب فصل ولا تصح العارية ألا من جائز التصرف لأنه تصرف في المال فأشبه التصرف بالبيع وتعقد بكل فعل أو لفظ يدل عليها مثل قوله أعرتك هذا أو يدفع إليه شيئا ويقول أبحتك الانتفاع به أو خذ هذا فانتفع به أو يقول أعرني هذا أو أعطنيه أركبه أو أحمل عليه ويسلمه إليه وأشباه هذا لأنه إباحة للتصرف فصح بالقول والفعل الدال عليه كإباحة الطعام بقوله وتقديمه إلى الضيف فصل وتجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام كالدور والعقار والعبيد والجواري والدواب والثياب والحلي للبس والفحل للضراب والكلب للصيد وغير ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعار أدراعا وذكر إعارة دلوها وفحلها وذكر ابن مسعود عارية القدر والميزان فيثبت الحكم في هذه الأشياء وما عداها مقيس عليها إذا كان في معناها ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إباحته إذا لم يمنع منه مانع كالثياب ولأنها أعيان تجوز إجارتها فجازت إعارتها كالثياب ويجوز استعارة الدراهم والدنانير وليزن بها فإن استعارها لينفقها فهذا قرض وهذا قول أصحاب الرأي وقيل ليس هذا جائزا ولا تكون العارية في الدنانير وليس له أن يشتري بها شيئا ولنا إن هذا معنى القرض فانعقد القرض به كما لو صرح به فصل ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر لأنه لا يجوز تمكينه من استخذامه
فلم تجز إعارته لذلك ولا إعارة الصيد لمحرم لأنه لا يجوز له إمساكه ولا إعارة المرأة الجميلة لرجل غير محرمها وإنا كان يخلو بها أو ينظر إليها لأنه لا يؤمن عليها وتجوز إعارتها لامرأة ولذي محرمها ولا تجوز إعارة العين لنفع محرم كإعارة الدار لمن يشرب فيها الخمر أو يبيعه فيها أو يعصي الله تعالى فيها ولا إعارة عبده للزمر أو ليسقيه الخمر أو يحملها له أو يعصرها أو نحو ذلك ويكره أن يستعير والديه لخدمته لأنه يكره له استخدامها فكره استعارتهما لذلك فصل وتجوز الإعارة مطلقا ومقيدا لأنها إباحة فجاز فيها ذلك كإباحة الطعام ولأن الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة فإذا أعاره شيئا مطلقا أبيح له الانتفاع به في كل ما هو مستعد له من الانتفاع به فإذا أعاره أرضا مطلقا فله أن يزرع فيها ويغرس ويبني ويفعل فيها كل ما هي معدة له من الانتفاع لأن الإذن مطلق وإن أعاره للغراس أو للبناء فله أن يزرع فيها ما شاء لأن ضرره دون ضررهما فكأنه استوفى بعض ما أذن له فيه وإن استعارها للزرع لم يغرس ولم يبن لأن ضررهما أكثر فلم يكن الإذن في القليل إذنا في الكثير وإن استعارها للغراس أو للبناء ملك المأذون فيه منهما دون الآخر لأن ضررهما مختلف فإن ضرر الغراس في باطن الأرض لانتشار العروق فيها وضرر البناء في ظاهرها فلم يكن الإذن في أحدهما إذنا في الآخر وإن استعارها لزرع الحنطة فله زرعها وزرع ما هو أقل ضررا منها كالشعير والباقلا والعدس وله زرع ما ضرره كضرر الحنطة لأن الرضى بزراعة شيء رضى بضرره وما هو دونه وليس له زرع ما هو أكثر ضررا منه كالذرة والدخن والقطن لأن ضرره أكثر وحكم إباحة الانتفاع في العارية كحكم الانتفاع في الإجارة فيما له أن يستوفيه وما يمنع منه وسنذكر في الإجارة تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى وإن أذن له في زرع مرة لم يكن له أن يزرع أكثر منها وإن أذن له في غرس شجرة فانقلعت لم يكن له غرس أخرى وكذلك إن أذن له في وضع خشبة على حائط فانكسرت لم يملك وضع أخرى لأن الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه فصل وإن استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله لأن وكيله نائب عنه ويده كيده وليس له أن يؤجره لأنه لم يملك المنافع فلا يصح أن يملكها ولا نعلم في هذا خلافا ولا خلاف بينهم أن المستعير لا يملك العين وأجمعوا على أن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه وليس له أن يعيره غيره وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقالوا في الآخر له ذلك وهو قول أبي حنيفة لأنه يملكه على حسب ما ملكه فجاز كما للمستأجر أن يؤجر قال أصحاب الرأي إذ استعار ثوبا ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن وإن لم يسم من يلبسه فلا ضمان عليه وقالمالك إذا لم يعمل بها إلا الذي كان يعمل بها الذي أعيرها فلا ضمان عليه ولنا إن العارية إباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام وفارق الإجارة لأنه ملك الانتفاع على كل وجه فملك أن يملكها وفي العارية لم يملكها إنما ملك استيفاءها على وجه ما أذن له فأشبه من أبيح له أكل الطعام فعلى هذا إن أعار فللمالك الرجوع بأجر المثل وله إن يطالب من شاء منهما لأن الأول سلطه غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه والثاني استوفاه بغير إذنه فإن ضمن الأول رجع على الثاني لأن الاستيفاء حصل منه فاستقر الضمان عليه وإن ضمن الثاني لم يرجع على الأول إلا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة الحال فيحتمل أن يستقر الضمان على الأول لأنه غر الثاني ودفع إليه العين على أنه يستوفي منافعها بغير عوض وإن تلفت العين في يد الثاني استقر الضمان عليه بكل حال لأنه قبضها على أن تكون مضمونة عليه فإن رجع على الأول رجع الأول على الثاني وإن رجع على الثاني لم يرجع على أحد
فصل وإن أعاره شيئا وأذن له في إجارته مدة معلومة أو في إعارته مطلقا أو مدة جاز لأن الحق لمالكه فجاز ما أذن فيه وليس له الرجوع بعد عقد الإجارة حتى ينقضي لأن عقد الإجارة لازم وتكون العين مضمونة على المستعير غير مضمونة على المستأجر لأن عقد الإجارة لا يوجب ضمانا وإن أجره بغير إذن لم تصح الإجارة ويكون على المستأجر الضمان وللمالك تضمين من شاء منهما على ما ذكرناه في العارية فصل ويجوز أن يستعير عبدا يرهنه قال ابن المنذر أجمعوا على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه عند رجل على شيء معلوم إلى وقت معلوم فرهن ذلك على ما أذن له فيه أن ذلك جائز وذلك لأنه استعاره ليقضي به حاجته فصح كسائر العواري ولا يعتبر العلم بقدر الدين وجنسه لأن العارية لا يعتبر فيها العلم وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي يعتبر ذلك لأن الضرر يختلف بذلك ولنا إنها عارية لجنس من النفع فلم تعتبر معرفة قدره كعارية الأرض للزرع ولا يصير المعير ضامنا للدين وقال الشافعي في أحد قوليه يصير ضامنا له في رقبة عبده لأن العارية ما يستحق به منفعة العين والمنفعة ها هنا للمالك فدل على أنه ضمان ولنا إنه أعاره ليقضي منها حاجته فلم يكن ضامنا كسائر العواري وإنما يستحق بالعارية النفع المأذون فيه وما عداه من النفع فهو لمالك العين وإن عين المعين قدر الدين الذي يرهنه به وجنسه أو محلا تعين لأن العارية تتعين بالتعيين فإن خالفه في الجنس لم يصح لأنه عقد لم يأذن له فيه أشبه ما لو لم يأذن في رهنه وكذلك إذا أذن له في محل فخالفه فيه لأنه إذا أذن له في رهنه بدين مؤجل فرهنه بحال فقد لا يجد ما يفكه به في الحال وإن أذن في رهنه بحال فرهنه بمؤجل فلم يرض أن يحال بينه وبين عبده إلى أجل لم يصح وإن رهنه بأكثر مما قدره له لم يصح لأن من رضي بقدر من الدين لم يلزم أن يرضى بأكثر منه وإن رهنه بأنقص منه جاز لأن من رضي بعشرة رضي بما دونها عرفا فأشبه من أمر بشراء شيء بثمن فاشتراه بدونه وللمعير مطالبة الراهن بفكاك الرهن في الحال سواء كان بدين حال أو مؤجل لأن للمعير الرجوع في العارية متى شاء وإن حل الدين فلم يفكه الراهن جاز بيعه في الدين لأن ذلك مقتضى الرهن فإذا بيع في الدين أو تلف رجع السيد على الراهن بقيمته لأن العارية تضمن بقيمتها وإن تلف بغير تفريط فلا شيء على المرتهن لأن الرهن لا يضمن من غير تعد وإن استعار عبدا من رجلين فرهنه بمائة ثم قضى خمسين على أن تخرج حصة أحدهما لم تخرج لأنه رهنه بجميع الدين في صفقة فلا ينفك بعضه بقضاء بعض الدين كما لو كان العبد لواحد فصل وتجوز العارية مطلقة ومؤقتة لأنها إباحة فأشبهت إباحة الطعام وللمعير الرجوع في العارية أي وقت شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة ما لم يأذن في شغله بشيء يتضرر بالرجوع فيه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك إن كانت مؤقتة فليس له الرجوع قبل الوقت وإن لم تؤقت له مدة لزمه تركه مدة ينتفع بها في مثلها لأن المعير قد ملكه المنفعة في مدة وصارت العين في يده بعقد مباح فلم يملك الرجوع فيها بغير اختيار المالك كالعبد الموصى بخدمته والمستأجر ولنا إن المنافع المستقبلة لم تحصل في يده فلم يملكها بالإعارة كما لو لم تحصل العين في يده وأما العبد الموصى بخدمته فللموصي الرجوع ولم يملك الورثة الرجوع لأن التبرع من غيرهم وأما المستأجر فإنه مملوك بعقد معاوضة فيلزم بخلاف مسألتنا ويجوز للمستعير الرد متى شاء بغير خلاف نعلمه لأنه إباحة فكان لمن أبيح له تركه كإباحة الطعام فصل وإذا أطلق المدة في العارية فله أن ينتفع بها ما لم يرجع وإن وقتها فله أن ينتفع ما لم يرجع أو ينقضي الوقت
لأنه استباح ذلك بالإذن ففيما عدا محل الإذن يبقى على أصل التحريم فإن كان المعار أرضا لم يكن له أن يغرس ولا يبني ولا يزرع بعد الوقت أو الرجوع فإن فعل شيئا من ذلك لزمه قلع غرسه وبنائه وحكمه حكم الغاصب في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس لعرق ظالم حق وعليه أجر ما استوفاه من نفع الأرض على وجه العدوان ويلزمه القلع وتسوية الحفر ونقص الأرض وسائر أحكام الغصب لأنه عدوان فصل فإن أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع في العارية في أثنائه ضرر بالمستعير لم يجز له الرجوع لأن الرجوع يضر بالمستعير فلم يجز له الإضرار به مثل أن يعيره لوحا يرقع به سفينته فرقعها به ولجج بها في البحر لم يجز الرجوع ما دامت في البحر وله الرجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه لعدم الضرر فيه وإن أعاره أرضا ليدفن فيها فله الرجوع ما لم يدفن فيها فإذا دفن لم يكن له الرجوع ما لم يبل الميت وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه جاز كما تجوز إعارة الأرض للبناء والغراس وله الرجوع ما لم يضعه وبعد وضعه ما لم يبن عليه لأنه لا ضرر فيه فإن بنى عليه لم يجز الرجوع لما في ذلك من هدم البناء وإن قال أنا أدفع إليك أرش ما نقص بالقلع لم يلزم المستعير ذلك لأنه إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه ولا يجب على المستعير قلع شيء من ملكه بضمان القيمة وإن انهدم الحائط وزال الخشب عنه أو أزاله المستعير باختياره لم يملك إعادته سواء بنى الحائط بآلته أو بغيرها لأن العارية لا تلزم وإنما امتنع الرجوع قبل انهدامه لما فيه من الضرر بالمستعير بإزالة المأذون في وضعه وقد زال ذلك وكذلك إذا سقط الخشب والحائط بحاله وإن أعاره أرضا لزراعة شيء فله الرجوع ما لم يزرع فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهي الزرع فإن بذل له قيمة الزرع ليملكه لم يكن له ذلك نص عليه أحمد لأن له وقتا ينتهي إليه فإن كان مما يحصد قصيلا فله الرجوع في وقت إمكان حصاده لعدم الضرر فيه وإن لم يكن كذلك لم يكن له الرجوع حتى ينتهي وإن أذن له في البناء والغراس فيها فله الرجوع قبل قلعه فإذا غرس وبنى فللمالك الرجوع فيما بين الغراس والبناء لأنه لم يتعلق به ملك المستعير ولا ضرر عليه في الرجوع منه فأشبه ما لم يبن في الأرض شيئا ولم يغرس فيها ثم إن اختار المستعير أخذ بنائه وغراسه فله ذلك لأنه ملكه فملك نقله ويلزمه تسوية الحفر ذكره القاضي لأن المستعير رضي بذلك حيث أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه ويحتمل أن عليه تسوية الحفر لأن القلع باختياره فإنه لو امتنع منه لم يجبر عليه فلزمه تسوية الحفر كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها وإن أبى القلع فبذل له المعير ما ينقص بالقلع أو قيمة غراسه وبنائه قائما ليأخذه المعير أجبر المستعير عليه لأنه رجوع في العارية من غير إضرار وإن قال المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يكن له لأن الغراس تابع والأرض أصل ولذلك يتبعها الغراس والبناء في البيع ولا تتبعهما وبهذا كله قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يطالب المستعير بالقلع من غير ضمان إلا أن يكون أعاره مدة معلومة فرجع فيها قبل انقضائها لأن المعير لم يعره فكان عليه القلع كما لو شرط عليه ولنا إنه بنى وغرس بإذن المعير من غير شرط القلع فلم يلزمه القلع من غير ضمان كما لو طالبه قبل انقضاء الوقت وقولهم لم يعره ممنوع فإن الغراس والبناء يراد للتبقية وتقدير المدة ينصرف إلى ابتدائه كأنه قال له لا تغرس بعد هذه المدة فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النقص وامتنع المستعير عن القلع ودفع الأجرة لم يقلع لأن الإعارة تقتضي الانتفاع من غير ضمان والإذن فيما يبقى على الدوام وتضر إزالته رضا بالإبقاء
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس لعرق ظالم حق يدل بمفهومه على أن العرق الذي ليس بظالم له حق فعند ذلك إن اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه فعند ذلك إن اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه فيقال كم قيمة الأرض غير مغروسة ولا مبنية فإذا قيل عشرة قلنا وكم تساوي مغروسة ومبينة فإن قالوا خمسة عشر قلنا فللمعير ثلثا الثمن وللمستعير ثلثه وإن امتنعا عن البيع بقيا على حالهما وللمعير دخول أرضه كيف شاء والانتفاع بها بما لا يضر الغراس والبناء ولا ينتفع بهما وليس لصاحب الغراس والبناء الدخول إلا لحاجة مثل السقي وإصلاح الثمرة لأن الإذن في الغراس إذن فيما يعود بصلاحه وأخذ ثماره وسقيه وليس له دخولها للتفرج لأنه قد رجع في الإذن له ولكل واحد منهما بيع ما يختص به من الملك منفردا فيكون للمشتري مثل ما كان لبائعة وقال بعض أصحاب الشافعي ليس للمستعير بيع الشجر لأن ملكه فيه غير مستقر بدليل أن للمعير أخذه متى شاء بقيمته قلنا عدم استقراره لا يمنع بيعه بدليل الشقص المشفوع والصداق قبل الدخول وفي جميع هذه المسائل متى كان المعير شرط على المستعير القلع عند رجوعه ورد العراية غير مشغولة لزمه ذلك لأن المسلمين على شروطهم ولأن العارية مقيدة غير مطلقة فلم تتناول ما عدا المقيد لأن المستعير دخل في العارية راضيا بالتزام الضرر الداخل عليه بالقلع وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافا وأما تسوية الحفر الحاصلة بالقلع من الحفر ونحوه حيث اشترط القلع ولم يذكر أصحابنا على المستعير أجرا فيي شيء من هذه المسائل إلا فيما إذا استعار أرضا للزرع فزرعها ثم رجع المعير فيها قبل كمال الزرع فإن عليه أجر مثله من حين رجع المعير لأن الأصل جواز الرجوع وإنما منع من القلع لما فيه من الضرر ففي دفع الأجر جمع بين الحقين فيخرج في سائر المسائل مثل هذا الوجود هذا المعنى فيه ويحتمل أن لا يجب الأجر في شيء من المواضع لأن حكم العارية باق فيه لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها والإعارة تقتضي الانتفاع بغير عوض فصل وإذا استعار دابة ليركبها جاز لأن إجارتها لذلك جائزة والإعارة أوسع لجوازها فيما لا تجوز إجارته مثل إعارة الكلب للصيد فإن استعارها إلى موضع فجاوزه فقد تعدى وعليه الأجرة للزيادة خاصة فإذا استعارها إلى طبرية فتجاوز إلى القدس فعليه أجر ما بين طبرية والقدس خاصة وإن اختلفا فقال المالك أعرتكها إلى طبرية وقال المستعير أعرتنيها إلى القدس فالقول قول المالك وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك إن كان يشبه ما قال المستعير فالقول قوله وعيه الضمان ولنا إن المالك مدعى عليه فكان القول قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم لكن اليمين على المدعى عليه فصل ومن استعار شيئا فانتفع به ثم ظهر مستحقا فلمالكه أجر مثله يطالب به من شاء منهما فإن ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم لأنه غره بذلك وغرمه لأنه دخل على أن لا أجر له وإن رجع على المعير لم يرجع على أحد فإن الضمان استقر عليه قال أحمد في قصار دفع ثوبا إلى غير ضاحبه فلبسه فالضمان على القصار دون اللابس وإن تلف فالقيمة تستقر على المستعير لأنه دخل على العين أن مضمونة عليه فإن ضمن المعير رجع على المستعير وإن ضمن المستعير لم يرجع على أحد لأن الضمان استقر عليه وإن نقصت العين بالاستعمال انبنى على ضمان النقص فإن قلنا هو على المستعير فحكمه حكم القيمة وإن قلنا هو على المعير فهو كالأجر على ما بيناه فصل وإذا حمل السيل بذر رجل من أرضه إلى أرض غيره فنبت فيها لم يجبر على قلعه وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يجبر على ذلك إذا طالبه رب الأرض به لأن ملكه حصل في ملك غيره بغير إذنه فأشبه ما لو انتشرت إغصان شجرته في هواء ملك جاره
ولنا إن قلعه إتلاف للمال على ملكه ولم يوجد منه تفريط ولا يدوم ضرره فلا يجبر على ذلك كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو قتلها فإننا لا نجبره على قتلها ويفارق أغصان الشجرة فإنه يدوم ضرره ولا يعرف قدر ما يشغل من الهواء فيؤدي أجره إذا ثبت هذا فإنه يقر في الأرض إلى حين حصاده بأجر مثله وقال القاضي ليس عليه أجر لأنه حصل في أرض غيره بغير تفريطه فأشبه ما لو باتت دابته في أرض إنسان بغير تفريطه وهذا بعيد لأن إلزامه تبقية زرع ما أذن فيه في أرضه بغير أجر ولا انتفاع إضرار به وشغل لملكه بغير اختياره من غير عوض فلم يجز كما لو أراد إبقاء بهيمته في دار غيره عاما ويفارق مبيتها لأن ذلك لا يجبر المالك عليه ولا يمنع من إخراجها فإذا تركها اختيارا منه كان راضيا به بخلاف مسألتنا ويكون الزرع لمالم البذر لأنه من عين ماله ويحتمل أن يكون حكم هذا الزرع حكم الزرع الغاصب على ما سنذكره لأنه حصل في أرضه بغير إذنه فأشبه ما لو زرعه مالكه والأول أولى لأن هذا بغير عدوان وقد أمكن جبر حق مالك الأرض بدفع الأجر إليه وإن أحب مالكه قلعه فله ذلك وعليه تسوية الحفر وما نقصت الأرض لأنه أدخل النقص على ملك غيره لاستصلاح ملكه فأشبه المستعير وأما إن كان السيل حمل نوى فنبت شجرا في أرض غيره كالزيتون والنخيل ونحوه فهو لمالك النوى لأنه من نماء ملكه فهو كالزرع ويجبر على قلعه ها هنا لأن ضرره يدوم فأجبر على إزالته كأغصان الشجرة المنتشرة في هواء ملك غير ملكها وإن حمل السيل أرضا بشجرها فنبتت في أرض آخر كما كانت فهي لمالكها يجبر على إزالتها كما ذكرنا وفي كل ذلك إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر أو الزرع ذلك لصاحب الأرض التي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا أجر ولا غير ذلك لأنه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة إلى أصحاب الأرض المشغولة به إن شاء أخذه لنفسه وإن شاء قلعه فصل وإذا اختلف رب الدابة وراكبها فقال الراكب هي عارية وقال المالك بل اكتريتها فإن كانت الدابة باقية لم يخل من أن يكون الاختلاف عقيب العقد أو بعد مضي مدة لمثلها فإن كانت الدابة باقية لم يخل من أن يكون الاختلاف عقيب العقد أو بعد مضي مدة لمثلها فأن كان عقيب العقد فالقول قول الراكب لأن الأصل عدم عقد الإجارة وبراءة ذمة الراكب منها فيحلف ويرد الدابة إلى مالكها لأنها عارية وكذلك إن ادعى المالك أنها عارية وقال الراكب بل اكتريتها فالقول قول المالك مع يمينه لما ذكرنا وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر فادعى المالك الإجارة فالقول قوله مع يمينه وحكي ذلك عن مالك وقال أصحاب الرأي القول قول الراكب وهو منصوص الشافعي لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب وادعى المالك عوضا لها والأصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه فكان القول قوله ولنا إنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب فكان القول قول المالك كما لو اختلفا في عين فقال المالك بعتكها وقال الآخر وهبتنيها ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في الملك والعقد عليها ولو اختلفا في الأعيان كان القول قول المالك كذا ها هنا وما ذكروه يبطل بهذه المسألة ولأنهما اتفقا على أن المنافع لا تنتقل إلى الراكب إلا بنقل المالك لها فيكون القول قوله في كيفية الانتقال كالأعيان فيحلف المالك ويستحق الأجر وفي قدره وجهان أحدهما أجر المثل لأنهما لو اتفقا على وجوبه واختلفا في قدره وجب أجر المثل فمع الاختلاف في أصله أولى والثاني المسمى لأنه وجب بقول المالك ويمينه فوجب ما حلف عليه كالأصل وإن كان اختلافهما في أثناء المدة فالقول قول الراكب فيما مضى منها
والقول قول المستعير فيما بقي لأن ما بقي بمنزلة ما لو اختلفا عقيب العقد وإن ادعى المالك هذه الصورة أنها عارية وادعى الراكب أنها بأجر فالراكب يدعي استحقاق المنافع ويعترف بالأجر للمالك والمالك ينكر ذلك كله فالقول قوله مع يمينه فيحلف ويأخذ بهيمته وإن اختلفا في ذلك بعد تلف البهيمة قبل مضي مدة لمثلها أجر فالقول قول المالك سواء ادعى الإجارة أو الإعارة لأنه إن ادعى الإجارة فهو معترف للراكب ببراءة ذمته من ضمانها فيقبل إقراره على نفسه وإن ادعى الإعارة فهو يدعي قيمتها فالقول قوله لأنهما اختلفا في صفة القبض والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه فإذا حلف المالك استحق القيمة والقول في قدرها قول الراكب مع يمينه لأنه ينكر الزيادة المختلف فيها والأصل عدمها وإن اختلفا في ذلك بعد مضي مدة لمثلها أجر وتلف البهيمة وكان الأجر بقدر قيمتها أو كان ما يدعيه المالك منهما أقل مما يعترف به الراكب فالقول قول المالك بغير يمين سواء ادعى الإجارة أو الإعارة إذ لا فائدة في اليمين على شيء يعترف له به ويحتمل أن لا يأخذه إلا بيمين لأنه يدعي شيئا لا يصدق فيه ويعترف له الراكب بما يدعيه فيحلف على ما يدعيه وإن كان ما يدعيه المالك أكثر مثل إن كانت قيمة البهيمة أكثر من أجرها فادعى المالك أنها عارية لتجب له القيمة وأنكر استحقاق الأجرة وادعى الراكب أنها مكتراة أو كان الكراء أكثر من قيمتها فادعى المالك أنه أجرها ليجب له الكراء وادعى الراكب أنها عارية فالقول قول المالك في الصورتين لما قدمنا فإذا حلف استحق ما حلف عليه ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا فصل وإن قال المالك غصبتها وقال الراكب بل أعرتنيها فإن كان الاختلاف عقيب العقد والدابة قائمة لم يتلف منها شيء فلا معنى للاختلاف ويأخذ المالك بهيمته وكذلك إن كانت الدابة تالفة لأن القيمة على المستعير كوجوبها على الغاصب وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر فالاختلاف في وجوبه والقول قول المالك وهذا ظاهر قول الشافعي ونقلالمزني عنه أن القول قول الراكب لأن المالك يدعي عليه عوضا الأصل براءة ذمته من اليد أنها بحق فكان القول قول صاحبها ولنا ما قدمنا في الفصل الذي قبل هذا بل هذا أولى لأنهما ثم اتفقا على أن المنافع ملك للراكب وههنا لم يتفقا على ذلك فإن المالك ينكر انتقال الملك فيها إلى الراكب والراكب يدعيه والقول قول المنكر لأن الأصل عدم الانتقال فيحلف ويستحق الأجر وإن قال المالك غصبتها وقال الراكب أجرتنيها فالاختلاف ها هنا في وجوب القمية لأن الأجر يجب في الموضعين إلا أن يختلف المسمى وأجر المثل والقول قول المالك مع يمينه فإن كانت الدابة تالفة عقيب أخذها حلف وأخذ قيمتها وإن كانت قد بقيت مدة لمثلها أجر والمسمى بقدر أجر المثل أخذه المالك لاتفاقهما على استحقاقه وكذلك إن كان أجر المثل دون المسمى وفي اليمين وجهان وإن كان زائدا على المسمى لم يستحقه إلا بيمين وجها واحدا كتاب الغصب الغصب هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون البقرة 188 وقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا المائدة 38 والسرقة نوع من الغصب وأما السنة فروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا رواه مسلم وغيره وعن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه من سبع أرضين متفق عليه
وروى أبو حرة الرقاشي عن عمه وعمرو بن يثربي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه رواه أبو إسحاق الجوزجاني وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه إذا ثبت هذا فمن غصب شيئا لزمه رده ما كان باقيا بغير خلاف نعلمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولأن حق المغصوب منه معلق بعين ماله وماليته ولا يتحقق ذلك إلا برده فإن تلف في يده لزمه بدله لقول الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ولأنه لما تعذر رد العين وجب رد ما يقوم مقامها في المالية ثم ينظر فإن كان مما تتماثل أجزاؤه وتتفاوت صفاته كالحبوب والأدهان وجب مثله لأن المثل أقرب إليه من القيمة وهو مماثل له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى والقيمة مماثلة عن طريق الظن والاجتهاد فكان ما طريقه المشاهدة مقدما كما يقدم النص على القياس لكون النص طريقه الإدراك بالسماع والقياس طريقه الظن والاجتهاد وإن كان غير متقارب الصفات وهو ما عدا المكيل والموزون وجبت قيمته في قول الجماعة وحكي عن العنبري يجب في كل شيء مثله لما روت جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما رأيت صانعا مثل حفصة صنعت طعاما فبعثت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذني الأفكل فكسرت الإناء فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت فقال إناء مثل الإناء وطعام مثل الطعام رواه أبو داود وعن أنس أن إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم كسرت قصعة الأخرى فدفع النبي صلى الله عليه وسلم قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة وحبس المكسورة في بيته رواه أبو داود مطولا ورواه الترمذي ونحوه وقال حديث حسن صحيح ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بعيرا ورد مثله ولنا ما روى عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل متفق عليه فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنها متلفة بالعتق ولم يأمر بالمثل ولأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها وتتباين صفاتها فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها فكانت أولى وأما الخبر فمحمول على أنه جوز ذلك بالتراضي وقد علم أنها ترضى بذلك فصل وما تتماثل أجزاأه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير والحبوب والأدهان ضمن بمثله بغير خلاف قال ابن عبد البر كل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله ولا قيمته وأما سائر المكيل والموزون فظاهر كلام أحمد أنه يضمن بمثله أيضا فإنه قال في رواية حرب وإبراهيم بن هانىء ما كان من الدراهم والدنانير وما يكال ويوزن فعليه مثله دون القيمة فظاهر هذا وجوب المثل في كل مكيل وموزون إلا أن يكون مما فيه صناعة كمعمول الحديد والنحاس والرصاص من الأواني والآلات ونحوها والحلي من الذهب والفضة وشبهه والمنسوج من الحرير والكتان والقطن والصوف والشعر والمغزول من ذلك فإنه يضمن بقيمته لأن الصناعة تؤثر في قيمته وهي مختلفة فالقيمة فيه أحصر فأشبه غير الكيل والموزون
وذكر القاضي أن النقرة والسبيكة من الأثمان والعنب والرطب والكمثرى يضمن بقيمته وظاهر كلام أحمد يدل على ما قلنا وإنما خرج منه ما فيه الصناعة لما ذكرنا ويحتمل أن يضمن النقرة بقيمتها لتعذر وجود مثلها إلا بتكسير الدراهم المضروبة وسببكها وفيه إتلاف فعلى هذا إن كان المضمون بقيمته من جنس الأثمان وجبت قيمته من غالب نقد البلد فإن كانت من غير جنسه وجبت بكل حال وإن كانت من جنسه فكانت موزونة وجبت قيمته وإن كانت أقل أو أكثر قوم بغير جنسه لئلا يؤدي إلى الربا وقال القاضي إن كانت فيه صناعة مباحة فزادت قيمته من أجلها جاز تقويمه بجنسه لأن ذلك قيمته والصناعة لها قيمة وكذلك لو كسر الحلي وجب أرش كسره ويخالف البيع لأن الصناعة لا يقابلها العوض في العقود ويقابلها في الإتلاف ألا ترى أنها لا تنفرد بالعقد وتنفرد بضمانها بالإتلاف قال بعض أصحاب الشافعي هذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم مثل القول الأول وهو الذي ذكره أبو الخطاب لأن القيمة مأخوذة على سبيل العوض فالزيادة فيه ربا كالبيع والنقص وقد قال أحمد في رواية ابن منصور إذا كسر الحلي يصلحه أحب إلي قال القاضي وهذا محمول على أنهما تراضيا بذلك لا أنه على طريق الوجوب وهذا فيما إذا كانت الصناعة مباحة فإن كانت محرمة كالأواني وحلي الرجال لم يجز ضمانه بأكثر من وزنه وجها واحدا لأن الصناعة لا قيمة لها شرعا فهي كالمعدومة مسألة قال ( ومن غصب أرضا فغرسها أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها ومقدار نقصانها إن كان نقصها الغرس ) الكلام في هذه المسألة في فصول أحدها أنه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور ويجب ضمانها على غاصبها هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وروى ابن منصور عن أحمد فيمن غصب أرضا فزرعها ثم أصابها غرق من الغاصب غرم قيمة الأرض وإن كان شيئا من السماء لم يكن عليه شيء وظاهر هذا أنها لا تضمن بالغصب وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها ولا تضمن بالغصب وإن أتلفها ضمنها بالإتلاف لأنه لا يوجد فيها النقل والتحريم فلم يضمنها كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع لأن الغصب إثبات اليد على المال عدوانا على وجه تزول به يد المالك ولا يمكن ذلك في العقار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين رواه البخاري عن عائشة وفي لفظ من غصب شبرا من الأرض فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغصب ويظلم فيه ولأن ما ضمن في البيع وجب ضمانه في الغصب كالمنقول ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع وأما إذا حال بينه وبين متاعه فما استولى على ماله فنظيره ها هنا أن يحبس المالك ولا يستولي عل داره وأما ما تلف من الأرض بفعله أو سبب فعله كهدم حيطانها وتغريقها وكشط ترابها وإلقاء الحجارة فيها أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه فيضمنه بغير اختلاف في المذهب ولا بين العلماء لأن هذا إتلاف والعقار يضمن بالإتلاف من غير اختلاف ولا يحصل الغصب من غير استيلاء فلو دخل أرض إنسان أو داره لم يضمنها بدخوله سواء دخلها بإذنه أو غير إذنه وسواء كان صاحبها فيها أو لم يكن وقال بعض أصحاب الشافعي إن دخلها بغير إذنه ولم يكن صاحبها فيها ضمنها سواء قصد ذلك أو ظن أنها داره أذن له في دخولها لأن يد الداخل ثبتت عليها بذلك فيصير غاصبا فإن الغصب إثبات اليد العادية وهذا قد ثبتت يده بدليل أنهما لو تنازعا في الدار ولا بينة لهما حكم بها لمن هو فيها دون الخارج منها
ولنا إنه غير مستول عليها فلم يضمنها كما لو دخلها بإذنه أو دخل صحراءه ولأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمنه في العارية وهذا لا تثبت به العراية ولا يجب به الضمان فيها فكذلك لا يثبت به العصب إذا كان بغير إذن الفصل الثاني أنه إذا غرس في أرض غيره بغير إذنه أو بنى فيها فطلب صاحب الأرض قلع غراسه أو بنائه لزم الغاصب ذلك ولا نعلم فيه خلافا لما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس لعرق ظالم حق رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للرجل بأرضه وقضى للآخر أن ينزع نخله قال فلقد رأيتها تضرب في أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه فلزمه تفريغه كما لو جعل فيه قماشا وإذا قلعها لزمه تسوية الحفر ورد الأرض إلى ما كانت عليه لأنه ضرر حصل بفعله في ملك غيره فلزمته إزالته وإن أراد صاحب الأرض أخذ الشجر والبناء بغير عوض لم يكن له ذلك لأنه عين مال الغاصب فلم يملك صاحب الأرض أخذه كما لو وضع فيها أثاثا أو حيوانا وإن طلب أخذه بقيمته وأبى مالكه إلا القلع فله القلع لأنه ملكه فملك نقله ولا يجبر على أخذ القيمة لأنها معاوضة فلم يجبر عليها وإن اتفق على تعويضه عنه بالقيمة أو غيرها جاز لأن الحق لهما فجاز ما اتفقا عليه وإن وهب الغاصب الغراس والبناء لمالك الأرض ليتخلص من قلعه وقبله المالك جاز وإن أبى قبوله وكان في قلعه غرض صحيح لم يجبر على قبوله لما تقدم وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح احتمل أن يجبر على قبوله لأن فيه رفع الخصومة من غير غرض يفوت ويحتمل أن لا يجبر لأن فيه إجبارا على عقد يعتبر الرضى فيه وإن غصب أرضا وغراسا من رجل واحد فغرسه فيه فالكل لمالك الأرض فإن طالبه المالك بقلعه وفي قلعه غرض أجبر على قلعه لأنه فوت عليه غرضا مقصودا بالأرض فأخذ بإعادتها إلى ما كانت وعليه تسوية الأرض ونقصها ونقص الغراس لما ذكرنا وإن لم يكن في قلعه غرض لم يجبر على قلعه لأنه سفه فلا يجبر على السفه وقيل يجبر لأن المالك محكم في ملكه والغاصب غير محكم فإن أراد الغاصب قلعه ومنعه الحاكم لم يملك قلعه لأن الجميع ملك للمغصوب منه فلم يملك غيره التصرف فيه بغير إذنه فصل والحكم فيما إذا بنى في الأرض كالحكم فيما إذا غرس فيها في هذا التفصيل جميعه ألا أنه يتخرج أنه إذا بذل مالك الأرض القمية لصاحب البناء أجبر على قبولها إذا لم يكن في النقض غرض صحيح لأن النقص سفه والأول أصح لما روى الخلال بإسناده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ولأن ذلك معاوضة فلا يجبر عليها وإذا كانت الآلة من تراب الأرض وأحجارها فليس للغاصب النقض على ما ذكرنا في الغرس فصل وإن غصب دارا فجحصصها وزوقها وطالبه ربها بإزالته وفي إزالته غرض لزمه إزالته وأرش نقصها إن نقصت وإن لم يكن فيه غرض فوهبه الغاصب لمالكها أحبر على قبوله لأن ذلك صفة في الدار فأشبه قصارة الثوب ويحتمل أن لا يجبر لأنها أعيان متميزة فصارت بمنزلة القماش وإن طلب الغاصب قلعه ومنعه المالك