İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل وإن غصب لوحا فرقع به سفينة فإن كانت على الساحل لزم قلعه ورده وإن كانت في لجة البحر واللوح في أعلاها بحيث لا تغرق بقلعه لزم قلعه وإن خيف غرقها بقلعه لم يقلع حتى تخرج إلى الساحل ولصاحب اللوح طلب قيمته فإذا أمكن رد اللوح استرجعه ورد القيمة كما لو غصب عبدا فأبق وقال أبو الخطاب إن كان فيها حيوان له حرمة أو مال لغير الغاصب لم يقلع كالخيط وإن كان فيها للغاصب أو لا مال فيها ففيها وجهان أحدهما لا يقلع والثاني يقلع في الحال لأنه أمكن رد المغصوب فلزم وإن أدى إلى تلف المال كرد الساجة المبني عليها ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين ولنا إنه أمكن رد المغصوب من غير إتلاف فلم يجز الإتلاف كما لو كان فيها مال غيره وفارق الساجة في البناء فإنه لا يمكن رده من غير إتلاف فصل وإذا غصب شيئا فخلطه بما يمكن تمييزه منه كحنطة بشعير أو سمسم أو صغار الحب بكباره أو زبيب أسود بأحمر لزمه تمييزه ورده وأجر المميز عليه وإن لم يكن تمييز جميعه وجب تمييزه ما أمكن وإن لم يكن تمييزه فهو على خمسة أضرب أحدها أن يخلطه بمثله من جنسه كزيت بزيت أو حنطة بمثلها أو دقيق بمثله أو دنانير أو دراهم بمثلها فقال ابن حامد يلزمه مثل المغصوب منه وهو ظاهر كلام أحمد لأنه نص على أنه يكون شريكا به إذا خلطه بغير الجنس فيكون تنبيها على ما إذا خلطه بجنسه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي إلا في الدقيق فإنه تجب قيمته لأنه عندهم ليس بمثلي وقال القاضي قياس المذهب أنه يلزمه مثله إن شاء منه وإن شاء من غيره لأنه تعذر عليه رد عين ماله بالخلط فأشبه ما لو تلف لأنه لا يتميز له شيء من ماله ولنا إنه قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي فلم ينتقل إلى المثل في الجميع كما لو غصب صانعا فتلف نصفه وذلك لأنه إذا دفع إليه منه فقد دفع إليه بعض ماله وبدل الباقي فكان أولى من دفعه من غيره الضرب الثاني والثالث والرابع أن يخلطه بخير منه أو دونه أو بغير جنسه فظاهر كلام أحمد أنهما شريكان يباع الجميع ويدفع إلى كل واحد منهما قدر حقه لأنه قال في رواية أبي الحارث في رجل له رطل زيت وآخر له رطل شيرج اختلطا يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته وذلك لأننا إذا فعلنا أوصلنا إلى كل واحد منهما عين ماله وإذا أمكن الرجوع إلى عين المال لم يرجع إلى البدل وإن نقص المغصوب عن قيمته منفردا فعلى الغاصب ضمان النقص لأنه حصل بفعله
وقال القاضي قياس المذهب أنه يلزم الغاصب مثله لأنه صار بالخلط مستهلكا وكذلك لو اشترى زيتا فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كأسوة الغرماء ولأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله فكان له بدله كما لو كان تالفا ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ما إذا اختلطا من غير غصب فأما المغصوب فقد وجد من الغاصب ما منع المالك من أخذ حقه من المثليات مميزا فلزمه مثله كما لو أتلفه إلا أنه إن خلطه بخير منه وبذل لصاحبه مثل حقه منه لزمه قبوله لأنه أوصل إليه بعض حقه بعينه وتبرع بالزيادة في مثل الباقي وإن خلطه بدون منه فرضي المالك بأخذ قدر حقه منه لزم الغاصب بذله لأنه أمكنه رد بعض المغصوب ورد مثل الباقي من غير ضرر وقيل لا يلزم الغاصب ذلك لأن حقه انتقل إلى الذمة فلم يجبر على غير مال وإن بذله للمغصوب منه فأباه لم يجبر على قبوله لأنه دون حقه وإن تراضيا بذلك جاز وكان المالك متبرعا بترك بعض حقه وإن اتفقا على أن يأخذ أكثر من حقه من الرديء أو دون حقه من الجيد لم يجز لأنه ربا لأنه يأخذ الزائد في القدر عوضا عن الجودة وإن كان بالعكس فرضي دون حقه من الرديء أو سمح الغاصب فدفع أكثر من حقه من الجيد جاز لأنه مقابل للزيادة وإنما هي تبرع مجرد وإن خلطه بغير جنسه فتراضيا على أن يأخذ أكثر من قدر حقه أو أقل لأنه بدله من غير جنسه فلا تحرم الزيادة بينهما الضرب الخامس أن يخلطه بما لا قيمة له كزيت خلطه بماء أو لبن شابه بماء فإن أمكن تخليصه وخلصه ورد نقصه وإن يكن تخليصه أو كان ذلك يفسده رجع عليه بمثله لأنه صار كالهالك وإن لم يفسده رده ورد نقصه وإن احتيج في تخليصه إلى غرامة لزم الغاصب ذلك لأنه بسببه ولأصحاب الشافعي في هذا الفصل نحو ما ذكرنا فصل وإن غصب ثوبا فصبغه لم يخل من ثلاثة أقسام أحدها إن يصبغه بصبغ له والثاني أن بصبغ للمغصوب منه الثالث أن بصبغ لغيرهما والأول لا يخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون الثوب والصبغ بحالهما لم تزد قيمتهما ولم تنقص مثل إن كانت قيمة كل واحد منهما خمسة فصارت قيمتهما بعد الصبغ عشرة فهما شريكان لأن الصبغ عين مال له قيمة فإن تراضيا بتركه لهما جاز وإن باعاه فثمنه بينهما نصفين الثاني إذا زادت قيمتها فصارا يساويان عشرين نظرت فإن كان ذلك لزيادة الثياب في السوق كانت الزيادة لصاحب الثوب وإن كانت لزيادة الصبغ في السوق فالزيادة لصاحبه وإن كانت لزيادتهما معا فهي بينهما على حسب زيادة كل واحد منهما فإن تساويا في الزيادة في السوق تساوى صاحباهما فيهما وإن زاد أحدهما ثمانية والآخر اثنين فهي بينهما كذلك وإن زادا بالغمل فالزيادة بينهما لأن عمل الغاصب زاد به في الثوب والصبغ وما عمله في المغصوب للمغصوب منه إذا كان أثرا وزيادة مال الغاصب له وإن نقصت القيمة لتغير الأسعار لم يضمنه الغاصب لما تقدم وإن نقص لأجل العمل فهو على الغاصب لأنه متعديه فإذا صار قيمة الثوب مصبوغا خمسة فهو كله لمالكه ولا شيء للغاصب لأن النقص حصل بعدوانه فكان عليه وإن صارت قيمته سبعة صار الثوب بينهما لصاحبه خمسة أسباعه ولصاحب الصبغ سبعاه وإن زادت قيمة الثوب في السوق فصار يساوي سبعة ونقص الصبغ فصار يساوي ثلاثة وكانت قيمة الثوب مصبوغا عشرة فهو بينهما لصاحب الثوب سبعة ولصاحب الصبغ ثلاثة وإن ساوى اثني عشر قسمت بينهما لصاحب الثوب نصفها وخمسها وللغاصب خمسها وعشرها وإن انعكس الحال فصار الثوب يساوي في السوق ثلاثة والصبغ سبعة انعكست القيمة فصلر لصاحب الصبغ ها هنا ما كان لصاحب الثوب في التي قبلها ولصاحب الثوب ما كان لصاحب الصبغ لأن زيادة السعر لا تضمن فإن أراد الغاصب فله الصبغ فقال أصحابنا له ذلك سواء أضر بالثوب أو لم يضر ويضمن نقص الثوب إن نقص
وبهذا قال الشافعي لأنه عين ماله فملك أخذه كما لو غرس في أرض غيره ولم يفرق أصحابنا بين ما يهلك صبغه بالقلع وبين ما لا يهلك وينبغي أن يقال ما يهلك بالقلع لا يملك قلعه لأنه سفه وظاهر كلام الخرقي أنه لا يمكن من قلعه إذا تضرر الثوب بقلعه لأنه قال في المشتري إذا بنى أو غرس في الأرض المشفوعة فله أخذه إذا لم يكن في أخذه ضرر وقال أبو حنيفة ليس له أخذه لأن فيه إضرارا بالثوب المغصوب فلم يمكن منه كقطع خرقة منه وفارق قلع الغرس لأن الضرر قليل يحصل له نفع قلع العروق من الأرض وإن اختار المغصوب منه قلع الصبغ ففيه وجهان أحدها يملك إجبار الغاصب عليه كما يملك إجباره على قلع شجرة من أرضه وذلك لأنه شغل ملكه بملكه على وجه أمكن تخليصه فلزمه تخليصه وإن استضر الغاصب كقلع الشجر وعلى الغاصب ضمان نقص الثوب وأجر القلع كما يضمن ذلك في الأرض والثاني لا يملك إجباره عليه ولا يمكن من قلعه لأن الصبغ يهلك بالاستخراج وقد أمكن وصول الحق إلى مستحقه بدونه بالبيع فلم يجبر على قلعه كقلع الزرع من الأرض وفارق الشجر فإنه لا يتلف بالقلع قال القاضي هذا ظاهر كلام أحمد ولعله أخذ ذلك من قول أحمد في الزرع وهذا مخالف للزرع لأن له غاية ينتهي إليها ولصاحب الأرض أخذه بنفقته فلا يمتنع عليه استرجاع أرضه في الحال بخلاف الصبغ فإنه لا نهاية له إلا تلف الثوب فهو أشبه بالشجر في الأرض ولا يختص وجوب القلع في الشجر بما لا يتلف فإنه يجبر على قلع ما يتلف وما لا يتلف ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإن بذل رب الثوب قيمة الصبغ للغاصب ليملكه لم يجبر على قبوله لأنه إجبار على بيع ماله فلم يجبر عليه كما لو بذل له قيمة الغراس ويحتمل أن يجبر على ذلك إذا لم يقلعه قياسا على الشجر والبناء في الأرض المشفوعة والعارية وفي الأرض المغصوبة إذا لم يقلعه الغاصب ولأنه أمر يرتفع به النزاع ويتخلص به أحدهما من صاحبه من غير ضرر فأجبر عليه كما ذكرنا وإن بذل الغاصب قيمة الثوب لصاحبه ليملكه لم يجبر على ذلك كما لو بذل صاحب الغراس قيمة الأرض لمالكها في هذه المواضع وإن وهب الغاصب الصبغ لمالك الثوب فهل يلزمه قبوله على وجهين أحدهما يلزمه لأن الصبغ صار من صفات العين فهو كزيادة الصفة في المسلم فيه الثاني لا يجبر لأن الصبغ عين يمكن إفرادها فلم يجبر على قبولها وظاهر كلام الخرقي أنه يجبر لأنه قال في الصداق إذا كان ثوبا فغصبه فبذلت له نصفه مصبوغا لزمه قبوله وإن أراد المالك بيع الثوب وأبى الغاصب فلع بيعه لأنه ملكه فلا يملك الغاصب منعه من بيع ملكه بعدوانه وإن أراد الغاصب بيعه لم يجبر المالك على بيعه لأنه متعد فلم يستحق إزالة ملك صاحب الثوب عنه بعدوانه ويحتمل أن يجبر ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه القسم الثاني أن يغصب ثوبا وصبغا من واحد فيصبغه به فإن لم تزد قيمتهما ولم تنقص ردهما ولا شيء عليه وإن زادت القيمة فهي للمالك ولا شيء للغاصب ولأنه إنما له في الصبغ أثر لا عين وإن نقصت بالصبغ فعلى الغاصب ضمان النقص لأنه بتعديه وإن نقص لتغير الأسعار لم يضمنه القسم الثالث أن يغصب ثوب رجل وصبغ آخر فيصبغه به فإن كانت القيمتان بحالهما فهما شريكان بقدر مالهما وإن زادت فالزيادة لهما وإن نقصت بالصبغ فالضمان على الغاصب ويكون النقص من صاحب الصبغ لأنه تبدد في الثوب ويرجع به على الغاصب وإن نقص لنقص سعر الثياب أو سعر الصبغ أو لنقص سعرهما لم يضمنه الغاصب وكان نقص مال كل واحد منهما من صاحبه وإن أراد صاحب الصبغ قلعه أو أراد ذلك صاحب الثوب فحكمهما حكم ما لو صبغه الغاصببصبغ من عنده على ما مر بيانه وإن غصب عسلا ونشاء وعقده حلواء فحكمه حكم ما لو غصب ثوبا فصبغه على ما ذكر فيه
الحكم الثاني أنه متى كان للمغصوب أجر فعلى الغاصب أجر مثله مدة مقامه في يديه سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب هذا هو المعروف في المذهب نص عليه أحمد في رواية الأثرم وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يضمن المنافع وهو الذي نصره أصحاب مالك وقد روى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن غصب دارا فسكنها عشرين سنة لا أجترىء أن أقول عليه سكنى ما سكن وهذا يدل على توقفه عن إيجاب الأجر إلا أن أبا بكر قال هذا قول قديم لأن محمد بن الحكم مات قبل أبي عبدالله بعشرين سنة واحتج من لم يوجب الأجر بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان وضمانها على الغاصب ولأنه استوفى منفعة بغير عقد ولا شبهة ملك فلم يضمنها كما لو زنا بامرأة مطاوعة ولنا إن كل ما ضمنه بالإتلاف في العقد الفاسد جاز أن يضمنه بمجرد الإتلاف كالأعيان ولأنه أتلف متقوما فوجب ضمانه كالأعيان أو نقول مال متقوم مغصوب فوجب ضمانه كالعين فأما الخبر فوارد في البيع ولا يدخل فيه الغاصب لأنه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالإجماع ولا يشبه الزنا لأنها رضيت بإتلاف منافعها بغير عوض ولا عقد يقتضي العوض فكان بمنزلة من أعاره داره ولو أكرهها عليه لزمه مهرها والخلاف قيم له منافع تستباح بعقد الإجارة كالعقار والثياب والدواب ونحوها فأما الغنم والشجر والطير ونحوها فلا شيء فيها لأنه لا منافع لها يستحق بها عوض ولو غصب جارية ولم يطأها ومضت عليها مدة تمكن الوطء فيها لم يضمن مهرها لأن منافع البضع لا تتلف إلا بالاستيفاء بخلاف غيرها ولأنها لا تقدر بزمن فيكون مضي الزمان يتلفها بخلاف المنفعة فصل إذا غصب طعاما فأطعمه غيره فللمالك تضمين أيهما شاء لأن الغاصب حال بينه وبين ماله والآكل أتلف مال غيره بغير إذنه وقبضه عن يد ضامنه بغير إذن مالكه فإن كان الآكل عالما بالغصب استقر الضمان عليه لكونه أتلف مال غيره بغير إذن عالما من غير تغرير فإذا ضمن الغاصب رجع عليه وإن ضمن الآكل لم يرجع على أحد وإن لم يعلم الآكل بالغصب نظرنا فإن كان الغاصب قال له كله فإنه طعامي استقر الضمان عليه لاعترافه بأن الضمان باق عليه وإنه لا يلزم الآكل شيء وإن لم يقل ذلك ففيه روايتان إحداهما يشتقر الضمان على الآكل وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد لأنه ضمن ما أتلف فلم يرجع به على أحد والثانية يستقر الضمان على الغاصب لأنه غر الآكل وأطعمه على أنه لا يضمنه وهذا ظاهر كلام الخرقي لقوله في المشتري للأمة يرجع بالمهر وكل ما غرم على الغاصب وأيهما استقر عليه الضمان فغرمه لم يرجع على أحد فإن غرمه صاحبه رجع عليه وإن أطعم المغصوب لمالكه فأكله عالما أنه طعامه برىء الغاصب وإن لم يعلم وقال له الغاصب كله فإنه طعامي استقر الضمان على الغاصب لما ذكرنا وإن كانت له بينة بأنه طعام المغصوب منه وإن لم يقل ذلك بل قدمه إليه وقال كله أو قال قد وهبتك إياه أو سكت فظاهر كلام أحمد أنه لا يبرأ لأنه قال في رواية الأثرم في رجل له قبل رجل تبعة فأوصلها إليه على سبيل صدقة أو هدية فلم يعلم فقال كيف هذا هذا يرى أنه هدية يقول له هذا لك عندي وهذا يدل على أنه لا يبرأ ها هنا بأكل المالك طعامه بطريق الأولى لأنه ثم رد إليه يده وسلطانه وها هنا بالتقديم إليه لم تعد إليه اليد والسلطان فإنه لا يتمكن من التصرف فيه بكل ما يريد من أخذه وبيعه والصدقة به فلم يبرأ الغاصب كما لو علفه لدوابه ويتخرج أن يبرأ بناء على ما مضى إذا أطعمه لغير مالكه
فإنه يستقر الضمان على الآكل في أحدى الروايتين فيبرأ ها هنا بطريق الأولى وهذا مذهب أبي حنيفة وإن وهب المغصوب لمالكه أو أهداه إليه فالصحيح أنه يبرأ لأنه قد سلمه إليه تسليما صحيحا تاما وزالت يد الغاصب وكلام أحمد في رواية الأثرم وارد فيما إذا أعطاه عوض حقه على سبيل الهدية فأخذه المالك على هذا الوجه لا على سبيل العوض فلم تثبت المعاوضة ومسألتنا فيما إذا رد إليه عين ماله وأعاد يده التي أزالها وإن باعه إياه وسلمه إليه برىء من الضمان لأنه قبضه بالابتياع والابتياع يوجب الضمان وإن أقرضه إياه برىء أيضا لذلك وإن أعاره إياه برىء أيضا لأن العارية توجب الضمان وإن أودعه إياه أو آجره إياه أو رهنه أو أسلمه عنده ليقصره أو يعلمه لم يبرأ من الضمان إلا أن يكون عالما الحل لأنه لم يعد إليه سلطانه إنما قبضه على أنه أمانة وقال بعض أصحابنا يبرأ لأنه عاد إلى يده وسلطانه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والأول أولى فإنه لو أباحه إياه فأكله لم يبرأ فها هنا أولى فصل إذا اختلف المالك والغاصب في قيمة المغصوب ولا بينة لأحدهما فالقول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته فلا يلزمه ما لم يقم عليه به حجة كما لو ادعى دينا فأقر ببعضه وكذلك إن قال المالك كان كاتبا أو له صناعة فأنكر الغاصب فالقول قوله كذلك فإن شهدت له البينة بالصفة ثبتت وإن قال الغاصب كانت فيه سلعة أو أصبع زائدة أو عيب فأنكر المالك فالقول قوله لأن الأصل عدم ذلك والقول قول الغاصب في قيمته على كل حال وإن اختلفا بعد زيادة قيمة المغصوب في وقت زيادته فقال المالك زادت قبل تلفه وقال الغاصب إنما زادت قيمة المتاع بعد تلفه فالقول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته وإن شاهدنا العبد معيبا فقال الغاصب كان معيبا قبل غصبه وقال المالك تعيب عندك فالقول قول الغاصب لأنه غارم ولأن الظاهر أن صفة العبد لم تتغير وإن غصبه خمرا ثم قال صاحبه تخلل عندك وأنكر الغاصب فالقول قوله لأن الأصل بقاؤه على ما كان وبراءة الذمة وإن اختلفا في رد المغصوب أو رد مثله أو قيمته فالقول قول المالك لأن الأصل عدم ذلك واشتغال الذمة به وإن اختلفا في تلفه فادعاه الغاصب وأنكره المالك فالقول قول الغاصب لأنه أعلم بذلك وتتعذر البينة عليه فإذا حلف فللمالك المطالبة ببدله لأنه تعذر رد العين فلزم بدلها كما لو غصب عبدا فأبق وقيل ليس له المطالبة بالبدل لأنه لا يدعيه وإن قال غصبت مني حديثا فقال بل عتيقا فالقول قول الغاصب لأن الأصل عدم وجوب الحديث وللمالك المطالبة بالعتيق لأنه دون حقه فصل وإذا باع عبدا فادعى إنسان على البائع أنه غصبه العبد وأقام بذلك ببينة انتقض البيع ورجع المشتري على البائع بثمنه وإن لم تكن بينة فأقر البائع والمشتري بذلك فهو كما لو قامت به بينة وإن أقر البائع وحده لم يقبل في حق المشتري لأنه لا يقبل إقراره في حق غيره ولزمت البائع قيمته لأنه حال بينه وبين ملكه ويقر العبد في يد المشتري لأنه ملكه في الظاهر وللبائع إحلافه ثم إن كان البائع لم يقبض الثمن فليس له مطالبة المشتري به لأنه لا يدعيه ويحتمل إن يملك مطالبته بأقل الأمرين من الثمن أو قيمة العبد لأنه يدعي القيمة على المشتري والمشتري يقر له بالثمن فقد اتفقا على استحقاق أقل الأمرين فوجب ولا يضر اختلافهما في السبب بعد اتفاقهما على حكمه كما لو قال لي عليك ألف من ثمن البيع فقال بل ألف من قرض وإن كان قد قبض الثمن فليس للمشتري استرجاعه لأنه لا يدعيه ومتى عاد العبد إلى البائع بفسخ أو غيره وجب عليه رده على مدعيه وله استرجاع ما أخذه منه وإن كان إقرار البائع في مدة الخيار له انفسخ البيع
لأنه يملك فسخه فقبل إقراره بما يفسخه وإن أقر المشتري وحده لزمه رد العبد ولم يقبل إقراره على البائع ولا يملك الرجوع عليه بالثمن إن كان قبضه ويلزمه دفعه عليه إن كان لم يقبضه وإن أقام المشتري بينة بما أقر به قبلت وله الرجوع بالثمن وإن أقام البائع بينة إذا كان هو المقر نظرنا فإن كان في حال البيع قال بعتك عبدي هذا أو ملكي لم تقبل بينته لأنه يكذبها وتكذبه وإن لم يكن قال ذلك قبلت لأنه يبيع ملكه وغير ملكه وإن أقام المدعي البينة سمعت ولا تقبل شهادة البائع له لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا وإن أنكراه جميعا فلع إحلافهما إن لم تكن له بينة قال أحمد في رجل يجد سرقته بعينها عند إنسان قال هو ملكه يأخذه اذهب إلى حديث سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به ويتبع المبتاع من باعه رواه هشيم عن موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عن سمرة وموسى بن السائب ثقة فصل وإن كان المشتري أعتق العبد فأقرا جميعا لم يقبل ذلك وكان العبد حرا لأنه قد تعلق به حق لغيرهما فإن وافقهما العبد فقال القاضي لا يقبل أيضا لأن الحرية يتعلق بها حق الله تعالى ولهذا لو شهد شاهدان بالعتق مع اتفاق السيد والعبد على الرق سمعت شهادتهما ولو قال رجل أنا حر ثم أقر بالرق لم يقبل إقراره وهذا مذهب الشافعي ويحتمل أن يبطل العتق إذا اتفقوا كلهم ويعود العبد إلى المدعي لأنه مجهول النسب أقر بالرق لمن يدعيه فصح كما لو لم يعتقه المشتري ومتى حكمنا بالحرية فللمالك تضمين أيهما شاء قيمته يوم عتقه ثم إن ضمن البائع رجع على المشتري لأنه أتلفه وإن رجع على المشتري لم يرجع على البائع إلا بالثمن لأن التلف حصل منه فاستقر الضمان عليه وإن مات العبد وخلف مالا فهو للمدعي لاتفاقهم على أنه له وإنما منعنا رد العبد إليه لتعلق حق الحرية به إلا أن يخلف وارثا فيأخذه ولا يثبت الولاء عليه لأحد لأنه لا يدعيه أحد وإن صدق المشتري البائع وحده رجع عليه بقيمته ولم يرجع المشتري بالثمن وبقية الأقسام على ما مضى فصل وإذا باع عبدا أو وهبه ثم ادعى أني فعلت ذلك قبل أن أملكه وقد ملكته الآن بميراث أو هبة من مالكه فيلزمك رده علي لأن البيع الأول والهبة باطلان وإن أقام بذلك بينة نظرت فإن كان قال حين البيع والهبة هذا ملكي أو بعتك ملكي هذا وكان في ضمنه إقرار بأنه ملكه نحو أن يقول قبضت ثمن ملكي أو أقبضته ونخو ذلك لم تقبل البينة لأنه مكذب لها وهي تكذبه وإن لم يكن كذلك قبلت الشهادة لأن الإنسان يبيع ويهب ملكه وغير ملكه
فصل إذا جنى العبد المغصوب جناية أوجبت القصاص فاقتص منه فضمانه على الغاصب لأنه قد تلف في يديه فإن عفي عنه على مال تعلق ذلك برقبته وضمان ذلك على الغاصب لأنه نقص حدث في يده فلزمه ضمانه لأن ضمان العبد ونقصه على سيده ويضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته كما يفديه سيده وإن جنى على ما دون النفس مثل أن قطع يدا فقطعت يده قصاصا فعلى الغاصب ما نقص العبد بذلك دون أرش اليد لأن اليد ذهبت بسبب غير مضمون فأشبه ما لو سقطت وإن عفي عنه على مال تعلق أرش اليد برقبته وعلى الغاصب أقل الأمرين من قيمته أو أرش اليد فإن زادت جناية العبد على قيمته ثم إنه مات فعلى الغاصب قيمته بدفعها إلى سيده فإذا أخذها تعلق أرش الجناية بها لأنها كانت متعلقة بالعبد فتلعقت ببدله كما أن الرهن إذا أتلفه متلف وجبت قيمته وتعلق الدين بها فإذا أخذ ولي الجناية القيمة من المالك رجع المالك على الغاصب بقيمة أخرى لأن القيمة التي أخذها استحقت بسبب كان في يد الغاصب فكانت من ضمانه ولو كان العبد وديعة فجنى جناية استغرقت قيمته ثم إن المودع قتله بعد ذلك وجبت عليه قيمته وتعلق بها أرش الجناية فإذا أخذها ولي الجناية لم يرجع على المودع لأنه جنى وهو غير مضمون عليه ولو أن العبد جنى في يد سيده جناية تستغرق قيمته ثم غصبه غاصب فجنى في يده جناية تستغرق قيمته بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما ورجع صاحب العبد على الغاصب بما أخذه الثاني منهما لأن الجناية كانت في يده وكان للمجني عليه أولا أن يأخذه دون الثاني لأن الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانيا فلا يتعلق به حقه ويتعلق به حق الأول لأنه بدل عن قيمة الجاني لا يزاحم فيه فإن مات هذا العبد في يد الغاصب فعليه قيمته تقسم بينهما ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة لأنه ضامن للجناية الثانية ويكون للمجني عليه أولا أن يأخذه لما ذكرناه مسألة قال ( من أتلف لذمي خمرا أو خنزيرا فلا غرم عليه وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه ) وجملة ذلك أنه لا يجب ضمان الخمر والخنزير سواء كان متلفه مسلما أو ذميا لمسلم أو ذمي نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهريق مسكرا لمسلم أو لذمي خمرا فلا ضمان عليه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يجب ضمانهما إذا أتلفهما على ذمي قال أبو حنيفة إن كان مسلما بالقيمة وإن كان ذميا بالمثل لأن عقد الذمة إذا عصم عينا قومها كنفس الآدمي وقد عصم خمر الذمي بدليل أن المسلم يمنع من إتلافها فيجب أن يقومها ولأنها مال لهم يتمولونها بدليل ما روي عن عمر رضي الله عنه أن عامله كتب إليه أن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر ثمنها وإذا كانت مالا وجب ضمانها كسائر أموالهم
ولنا إن جابرا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام متفق على صحته وما حرم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته كالميتة ولأن ما لم يكن مضمونا في حق المسلم لم يكن مضمونا في حق الذمي كالمرتد ولأنها غير متقومة فلا تضمن كالميتة ودليل أنها غير متقومة في حق المسلم فكذلك في حق الذمي فإن تحريمها ثبت في حقهما وخطاب النواهي يتوجه إليهما فما ثبت في حق أحدهما ثبت في حق الآخر ولا نسلم أنها معصومة بل متى أظهرت حلت إراقتها ثم لو عصمها ما لزم تقويمها فإن نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون غير متقومين وقولهم إنها مال عندهم ينتقض بالعبد المرتد فإنه مال عندهم وأما حديث عمر فمحمول على أنه أراد ترك التعرض لهم وإنما أمر بأخذ عشر أثمانها لأنهم تبايعوا وتقابضوا حكمنا لهم بالملك ولم ننقضه وتسميتها أثمانا مجاز كما سمى الله تعالى ثمن يوسف ثمنا فقال وشروه بثمن بخس يوسف 20 وأما قول الخرقي وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه فلأن كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لا أذى للمسلمين فيه من الكفر وشرب الخمر واتخاذه ونكاح ذوات المحارم لا يجوز لنا التعرض لهم فيه إذا لم يظهروه لأننا التزمنا إقرارهم عليه في دارنا فلا نعرض لهم فيما التزمنا تركه وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم فإن كان خمرا جازت إراقته وإن أظهروا صليبا أو طنبورا جاز كسره وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين فصل وإن غصب من ذمي خمرا لزمه ردها لأنه يقر على شربها وإن غصبها من مسلم لم يلزم ردها ووجبت إراقتها لأن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فأمره بإراقتها وإن أتلفها أو تلفت عنده لم يلزمه ضمانها لأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ولأن ما حرم الانتفاع به لم يجب ضمانه كالميتة والدم فإن أمسكها في يده حتى صارت خلا لزم ردها على صاحبها لأنها صارت خلا على حكم ملكه فلزم ردها إليه فإن تلفت ضمنها له لأنها مال للمغصوب منه تلف في يد الغاصب وإن أراقها فجمعها إنسان فتخللت عنده لم يلزمه رد الخل لأنه أخذها عند إتلافها وزوال اليد عنها فصل وإن غصب كلبا يجوز اقتناؤه وجب رده لأنه يجوز الانتفاع به واقتناؤه فأشبه المال وإن أتلفه لم يغرمه وإن حبسه مدة لم يلزمه أجر لأنه لا تجوز إجارته وإن غصب جلد ميتة فهل يجب رده على وجهين بناء على الروايتين في طهارته بالدبع فمن قال بطهارته أوجب رده لأنه يمكن إصلاحه فهو كالثوب النجس ومن قال لا يطهر لم بموجب رده لأنه لا سبيل إلى إصلاحه فإن أتلفه أو أتلف ميتة بجلدها لم يضمنه لأنه لا قيمة له بدليل أنه لا يحل بيعه وإن دبغه الغاصب لزم رده إن قلنا بطهارته لأنه كالخمر إذا تخللت ويحتمل أن لا يجب رده لأنه صار مالا بفعله بخلاف الخمر وإن قلنا لا يطهر لم يجب رده لأنه لايباح الانتفاع به ويحتمل أن يجب رده إذا قلنا يباح الانتفاع به في اليابسات لأنه نجس يباح الانتفاع به أشبه الكلب وكذلك قبل الدبغ فصل وإن كسر صليبا أو مزمارا أو طنبورا أو صنما لم يضمنه وقال الشافعي إن كان ذلك فصل يصلح لنفع مباح وإذا كسر لم يصلح لنفع مباح لزمه ما بين قيمته مفصلا ومكسورا لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه ضمانه وقال أبو حنيفة بضمن ولنا إنه لا يحل بيعه فلم يضمنه كالميتة والدليل على أنه لا يحل بيعه قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بمحق القينات والمعازف
فصل وإن كسر آنية من ذهب أو فضة لم يضمنها لأن اتخاذها محرم وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنه يضمن فإن مهنا نقل عنه فيمن هشم على غيره ابريقا فضة عليه قيمته بصوغه كما كان قيل له أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها فسكت والصحيح أنه لا ضمان عليه نص عليه أحمد في رواية المروذي فيمن كسر إبريق فضة لا ضمان عليه لأنه أتلف ما ليس بمباح فلم يضمنه كالميتة ورواية مهنا تدل على أنه رجع عن قوله ذلك لكونه سكت حين ذكر السائل تحريمه ولأن في هذه الرواية أنه قال يصوعه ولا يحل له صناعته فكيف يجب ذلك فصل وإن كسر آنية الخمر ففيها روايتان إحداهما يضمنها لأنه مال يمكن الانتفاع به ويحل بيعه فيضمنها كما لو لم يكن فيها خمر ولأن جعل الخمر فيها لا يقتضي سقوط ضمانها كالبيت الذي جعل مخزنا للخمر والثانية لا تضمن لما روى الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب قال قال عبدالله بن عمر أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمدية وهي الشفرة فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال اغد علي بها ففعلت فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته كلها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته وروي عن أنس قال كنت أسقي أبا طلحة وأبي بن كعب وأبا عبيدة شرابا من فضيخ فأتانا آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الدنان فاكسرها وهذا يدل على سقوط حرمتها وإباحة إتلافها فلا يضمنها كسائر المباحات فصل ولا يثبت الغصب فيما ليس بمال كالحر فإنه لا يضمن بالغصب إنما يضمن بالإتلاف وإن أخذ حرا فحبسه فمات عنده لم يضمنه لأنه ليس بمال وإن استعمله مكرها لزمه أجر مثله لأنه استوفى منافعه وهي متقومة فلزمه ضمانها كمنافع العبد وإن حبسه مدة لمثلها أجر ففيه وجهان أحدهما يلزمه أجر تلك المدة لأنه فوت منفعته وهي مال يجوز أخذ العوض عنها فضمنت بالغصب كمنافع العبد والثاني لا يلزمه لأنها تابعة لما لا يصح غصبه فأشبهت ثيابه إذا بليت عليه وأطرافه ولأنها تلفت تحت يديه فلم يجب ضمانها كما ذكرنا ولو منعه العمل من غير حبس لم يضمن منافعه وجها واحدا لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه فالحر أولى ولو حبس الحر وعليه ثياب لم يلزمه ضمانها لأنها تابعة لما لم تثبت اليد عليه في الغصب وسواء كان كبيرا أو صغيرا وهذا كله مذهب أبي حنيفة والشافعي فصل وأم الولد مضمونة بالغصب وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا تضمن لأن أم الولد لا تجري مجرى المال بدليل أنه لا يتعلق بها حق الغرماء فأشبهت الحر ولنا إن ما يضمن بالقيمة يضمن بالغصب كالقن ولأنها مملوكة فأشبهت المدبرة وفارقت الحرة فإنها ليست مملوكة ولا تضمن بالقيمة فصل وإذا فتح قفصا على طائر فطار أو حل دابته فذهبت ضمنها وبه قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي لا ضمان عليه إلا أن يكون أهاجهما حتى ذهبا عقيب وقال أصحاب الشافعي إن وقفا بعد الحل والفتح ثم ذهبا لم يضمنها وإن ذهبا عقيب ذلك ففيه قولان واحتجا بأن لهما اختيارا وقد وجدت منهما المباشرة ومن الفاتح سبب غير ملجىء فإذا اجتمعا لم يتعلق الضمان بالسبب كما لو حفر بئرا فجاء عبد لإنسان فرمى نفسه فيها
ولنا إنه ذهب بسبب فعله فلزمه الضمان كما لو نفره أو ذهب عقيب فتحه وحله والمباشرة إنما حصلت ممن لا يمكن إحالة الحكم عليه فيسقط كما لو نفر الطائر وأهاج الدابة أو أشلى كلبا على صبي فقتله أو أطلق نارا في متاع إنسان فإن للنار فعلا لكن لما لم يمكن إحالة الحكم عليها كان وجوده كعدمه ولأن الطائر وسائر الصيد من طبعه النفور وإنما يبقى بالمانع فإذا أزيل المانع ذهب بطبعه فكان ضمانه على من أزال المانع كمن قطع علاقة قنديل فوقع فانكسر وهكذا لو حل قيد عبد مذهب أو أسير فأفلت وإن فتح القفص وحل الفرس فبقيا واقفين فجاء إنسان فنفرهما فذهبا فالضمان على منفرهما لأن سببه أخص فاختص الضمان به كالدافع مع الحافر وإن وقع طائر إنسان على جدار فنفره إنسان فطار لم يضمنه لأن تنفيره لم يكن سبب فواته فإنه كان ممتنعا قبل ذلك وإن رماه فقتله ضمنه وإن كان في داره لأنه كان يمكنه تنفيره بغير قتله وكذلك لو مر الطائر في هواء داره فرماه فقتله ضمنه لأنه لا يملك منع الطائر من هواء داره فهو كما لو رماه في هواء دار غيره فصل ولو حل زقا فيه مائع فاندفق ضمنه سواء خرج في الحال أو خرج قليلا قليلا أو خرج منه شيء بل أسفله فسقط أو ثقل أحد جانبيه فلم يزل يميل قليلا قليلا حتى سقط بريج أو بزلزلة الأرض أو كان جامدا فذاب بشمس لأنه تلف بسبب فعله وقال القاضي لا يضمن إذا سقط بريح أو زلزلة ويضمن فيها سوى ذلك وهو قول أصحاب الشافعي ولهم فيما إذا ذاب بالشمس وجهان واحتجوا بأن فعله غير ملجىء والمعنى الحادث مباشرة فلم يتعلق الضمان بفعله كما لو دفعه إنسان ولنا إن فعله سبب تلفه ولم يتخلل بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه فوجب عليه الضمان كما لو خرج عقيب فعله أو مال قليلا قليلا وكما لو جرح إنسانا فأصابه الحر أو البرد فسرت الجناية فإنه يضمن وأما إن دفعه إنسان فإن المتخلل بينهما مباشرة يمكن الإحالة عليها بخلاف مسألتنا ولو كان جامدا فأدنى منه نارا فأذابه فسال فالضمان على من أذابه لأن سببه أخص لكون التلف يعقبه فأشبه المنفر مع فاتح القفص وقال بعض الشافعية لا ضمان على واحد منهما كسارقين نقب أحدهما وأخرج آخر المتاع وهذا فاسد لأن مدني النار ألجأه إلى الخروج فضمنه كما لو كان واقفا فدفقه والمسألة حجة عليه فإن الضمان على مخرج المتاع من الحرز والقطع حد لا يجب إلا بهتك الحرز وأخذ المال جميعا ثم إن الحد يدرأ بالشبهات بخلاف الضمان ولو أذابه أحدهما أولا ثم فتح الثاني رأسه فاندفق فالضمان على الثاني لأن التلف تعقبه وإن فتح زقا مستعلي الرأس فخرج بعض ما فيه واستمر خروجه قليلا قليلا فجاء آخر فكنسه فاندفق فضمان ما خرج بعد التكنيس على المكنس وما قبله على الفاتح لأن فعل الثاني أخص كالجارح والذابح فصل وإن حل رباط سفينة فذهبت أو غرقت فعليه قيمتها سواء تعقب فعله أو تراخى والخلاف فيها كالخلاف في الطائر في القفص
فصل إذا أوقد في ملكه نارا أو في موات فطارت شرارة إلى دار جاره فأحرقتها أو سقى أرضه فنزل الماء إلى أرض جاره فغرقها لم يضمن إذا كان فعل ما جرت به العادة من غير تفريط لأنه غير متعد ولأنها سراية فعل مباح فلم يضمن كسراية القود وفارق من حل زقا فاندفق لأنه متعد بحله ولأن الغالب خروج المائع من الزق المفتوح وليس الغالب سراية هذا الفعل المعتاد إلى تلف مال غيره وإن كان ذلك بتفريط منه بأن أجج نارا تسري في العادة لكثرتها أو في ريح شديدة تحملها أو فتح ماء كثيرا يتعدى أو فتح الماء في أرض غيره أو أوقد في دار غيره ضمن ما تلف به وإن سرى إلى غير الدار التي أوقد فيها والأرض التي الماء فيها لأنها سراية عدوان أشبهت سراية الجرح الذي تعدى به وإن أوقد نارا فأيبست أغصان شجرة غيره ضمنها لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة إلا أن تكون الأغصان في هوائه فلا يضمنها لأن دخولها عليه غير مستحق فلا يمنع من التصرف في داره لحرمتها وهذا الفصل مذهب الشافعي كما ذكرنا سواء فصل وإن ألقت الريح إلى داره ثوب غيره لزمه حفظه لأنه أمانة حصلت تحت يده فلزمه حفظه كاللقطة وإن لم يعرف صاحبه فهو لقطة تثبت فيه أحكامها وإن عرف صاحبه لزمه إعلامه فإن لم يفعل ضمنه لأنه أمسك مال غيره إذنه من غير تعريف فصار كالغاصب وإن سقط طائر في داره لم يلزمه حفظه ولا إعلام صاحبه لأنه محفوظ بنفسه وإن دخل برجه فأغلق علي الباب ناويا إمساكه لنفسه ضمنه لأنه أمسك مال غيره لنفسه فهو كالغاصب وإلا فلا ضمان عليه لأنه يتصرف في برجه كيف شاء فلا يضمن مال غيره بتلفه ضمنا لتصرفه الذي لم يتعد فيه فصل إذا أكلت بهيمة حشيش قوم ويد صاحبها عليها لكونه معها ضمن وإن لم يكن معها لم يضمن ما أكلته وإذا ساتعار من رجل بهيمته فأتلفت شيئا وهي في يد المستعير فضمانه على المتسعير سواء أتلفت شيئا لمالكها أو لغيره لأن ضمانه يجب باليد واليد للمتسعير وإن كانت البهيمة في يد الراعي فأتلفت شيئا لمالكها أو لغيره لأن ضمانه يجب باليد واليد للمستعير وإن كانت البهيمة في يد الراعي فأتلفت زرعا فالضمان على الراعي دون صاحبها لأن إتلافها للزرع في النهار لا يضمن إلا بثبوت اليد عليها واليد للراعي دون المالك فكان الضمان عليه كالمستعير وإن كان الزرع للمالك فإن كان ليلا ضمن أيضا لأن ضمان اليد أقوى بدليل إنه يضمن به في الليل والنهار جميعا فصل إذا شهد بالغصب شاهدان فشهد أحدهما أحدهما أنه غصبه يوم الخميس وشهد آخر أنه غصبه يوم الجمعة لم تتم البينة وله أن يحلف مع أحدهما وإن شهد أحدهما أنه أقر بالغصب بوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر ببعضه يوم الجمعة ثبتت البينة لأن الإقرار وإن اختلف رجع إلى أمر واحد وإن شهد أنه أقر أنه غصبه يوم الخميس وشهد الآخر أنه غصبه يوم الجمعة لم تثبت البينة أيضا وإن شهد له واحد وحلف معه ثبت الغصب فلو كان الغاصب حلف بالطلاق أنه لم يغصبه لم نوقع طلاقه لأن الشاهد واليمين بينة في المال لا في الطلاق والله أعلم كتاب الشفعة وهي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه وهي ثابتة بالسنة والإجماع أما السنة فما روي عن جابر رضي الله عنه قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة
متفق عليه ولمسلم قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به وللبخاري إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وأما الإجماع فقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليصه شريكه من الضرر فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم فإنه قال لا تثبت الشفعة لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك وهذا ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله والجواب عما ذكره من وجهين أحدهما أنا نشاهد الشركاء يبيعون ولا يعدم من يشتري منهم غير شركائهم ولم يمنعهم استحقاقه الشفعة من الشراء الثاني أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم فيسقط استحقاق الشفعة واشتقاق الشفعة من الشفع وهو الزوج فإن الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به وقيل اشتقاقها من الزيادة لأن الشفيع يزيد المبيع في ملكه مسألة قال أبو القاسم ( ولا تجب الشفعة إلا للشريك المقاسم فإذا وقت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) وجملة ذلك أن الشفعة تثبت على خلاف الأصل إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاء منه وإجبار له على المعاوضة مع ما ذكره الأصم لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة فلا تثبت إلا بشروط أربعة أحدها أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم فأما الجار فلا شفعة له وبه قال عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى الأنصاري وأبو الزناد وربيعة والمغيرة بن عبد الرحمن ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي الشفعة بالشركة ثم بالشركة في الطريق ثم بالجوار وقال أبو حنيفة يقدم الشريك فإن لم يكن وكان الطريق مشتركا كدرب لا ينفذ تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب والأقرب فالأرب فإن لم يأخذوا ثبتت للملاصق من درب آخر خاصة وقال العنبري وسوار تثبت بالشركة في المال وبالشركة في الطريق واحتجوا بما روى أبو رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجار أحق بصقبه رواه البخارب وأبو داود وروى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال جار الدار أحق بالدار رواه الترمذي قال حديث حسن صحيح ورواه الترمذي في حديث جابر الجار أحق بداره ينتظر به إذا كان غائبا إذا كان طريقهما واحد وقال حديث حسن ولأنه اتصال ملك يدوم ويتأبد فتثبت الشفعة به كالشركة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وروى ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب أو عن أبي سلمة أو عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قسما الأرض وحدت فلا شفعة فيها رواه أبو داود ولأن الشفعة ثبتت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في مجل النزاع فلا ثبتت فيه وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطالب الداخل المقاسمة فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق وهذا لا يوجد في المقسوم فأما حديث أبي رافع فليس بصريح في الشفعة فإن الصقب القرب يقال بالسين والصاد
وقال الشاعر كوفية نازح محلتها لا أمم دارها ولا صقب فيحتمل أنه أراد بإحسان جاره وصلته وعيادته ونحو ذلك وخبرنا صريح صحيح فيقدم وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال فحديث سمرة يرويه عنه الحسن ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة قال أصحاب الحديث قال ابن المنذر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث جابر الذي رويناه وما عداه من الأحاديث فيها مقال على أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك فإنه جاز أيضا ويسمى كل واحد من الزوجين جارا قال الشاعر أجارتنا بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقه قال الأعشى وتسمى الضرتان جارتين لاشتراكهما في الزوج قال حمل بن مالك كنت بين جارتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها وهذا يمكن في تأويل حديث أبي رافع أيضا إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون الطريق مفردة أو مشتركة قال أحمد في رواية ابن القاسم في رجل له أرض تشرب هي وأرض غيره من نهر واحد فلا شفعة له من أجل الشرب إذا وقعت الحدود فلا شفعة وقال في رواية أبي طالب وعبدالله ومثنى فيمن لا يرى الشفعة بالجوار وقدم إلى الحاكم فأنكر إنما هو اختيار وقد اختلف الناس فيه قال القاضي إنما هذا لأن يمين المنكر ها هنا على القطع والبت ومسائل الاجتهاد مظنونة فلا يقطع ببطلان مذهب المخالف ويمكن أن يحمل كلام أحمد ها هنا على الورع لا على التحريم لأنه يحكم ببطلان مذهب المخالف ويجوز للمشتري الامتناع به من تسليم المبيع فيما بينه وبين الله تعالى فصل الشرط الثاني أن يكون المبيع أرضا لأنها التي تبقى على الدوام ويدوم ضررها وأما غيرها فينقسم قسمين أحدهما تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض وهو البناء والغراس يباع مع الأرض فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض بغير خلاف في المذهب ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقضاؤه بالشفعة وفي كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط وهذا يدخل فيه البناء والأشجار القسم الثاني ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا ولا مفردا وهو الزرع والثمرة الظاهرة تباع مع الأرض فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يؤخذ ذلك بالشفعة مع أصوله لأنه متصل بما فيه الشفعة فيثبت فيه الشفعة تبعا كالبناء والغراس ولنا إنه لا يدخل في البيع تبعا فلا يؤخذ بالشفعة كقماش الدار وعكسه البناء والغراس وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة لكن الشارع جعل له سلطان الأخد بغير رضى المشتري فإن بيع الشحر وفيه ثمرة غير ظاهرة كالطلع غير المؤبر دخل في الشفعة لأنها تتبع في البيع فأشبهت الغراس في الأرض وأما ما بيع مفردا من الأرض فلا شفعة فيه سواء كان مما ينقل كالحيوان والثياب والسفن والحجارة والزرع والثمار أو لا ينقل كالبناء والغراس إذا بيع مفردا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وروي عن الحسن والثوري والأوزاعي والعنبري وقتادة وربيعة وإسحاق لا شفعة في المنقولات واختلف عن مالك وعطاء فقالا مرة كذلك ومرة قالا الشفعة في كل شيء حتى في الثوب قال ابن أبي موسى وقد روي عن أبي عبدالله رواية أخرى أن الشفعة واجبة فيما لاينقسم كالحجارة والسيف والحيوان وما في معنى ذلك قال أبو الخطاب وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تجب في البناء والغراس وإن بيع مفردا وهو قول مالك لعموم قوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم ولأن الشفعة وضعت لدفع الضرر وحصول الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم ولأن ابن أبي مليكة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشفعة في كل شيء
ولنا إن قول النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة لا يتناول إلا ما ذكرناه وإنما أراد ما لا ينقسم من الأرض بدليل قوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ولأن هذا مما لا يتباقى على الدوام فلا تجب فيه الشفعة كصبرة الطعام وحديث ابن أبي مليكة مرسل لم يرد في الكتب الموثوق بها والحكم في الغراق والدولاب والناعورة كالحكم في البناء فأما إن بيعت الشجرة مع قرارها من الأآض مفردة يتخللها من الأرض فحكمها حكم ما لا ينقسم من العقار ولأن هذا مما لا ينقسم على ما سنذكره ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال لأن القرار تابع لها إذا لم تجب الشفعة فيها مفردة لم تجب فيها تبعها وإن بيعت حصة من علو دار مشترك نظرت فإن كان السقف الذي تحته لصاحب السفل فلا شفعة في العلو لأنه بناء مفرد وإن كان لصاحب العلو فكذلك لأنه بناء منفرد لكونه لا أرض له فهو كما لو لم يكن السقف له ويحتمل ثبوت الشفعة لأن له قرارا فهو كالسفل فصل الشرط الثالث أن يكون المبيع مما يمكن قسمته فأما ما لا يمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والرحى الصغيرة والعضادة والطريق الضيقة والعراص الضيقة فعن أحمد فيها روايتان أحداهما لا شفعة فيه وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي والثانية فيها الشفعة وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج وعن مالك كالروايتين ووجه هذا عموم قوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم وسائر الألفاظ العامة ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر من لأنه يتأبد ضرره والأول ظاهر المذهب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة والمنقبة الطريق الضيق رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لاشفعة في بئر ولا فحل ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها ويمكن أن يقال إن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم وقولهم إن الضرر ها هنا أكثر لتأبده قلنا إلا أن الضرر في نحل الوفاق من غير جنس هذا الضرر وهو ولهم إن الضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية وفي الشفعة ها هنا ضرر غير موجود في محل الوفاق وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق فأما ما أمكن قسمته مما ذكرنا الحمام الكبير الواسع البيوت بحيث إذا قسم لم يستضر بالقسمة وأمكن الانتفاع به حماما فإن الشفعة تجب فيه وكذلك البئر والدول والعضائد متى أمكن أن يحصل من ذلك شيئان كالبئر ينقسم بئرين يرتقي الماء منهما وجبت الشفعة وكذلك إن كان مع البئر بياض أرض بحيث يحصل البئر في أحد النصيبين وجبت الشفعة إيضا لأنه تمكن القسم وهكذا الرحى إن كان لها حصن يمكن قسمته بحيث يحصل الحجر في أحد القسمين أو كان فيها أربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كل واحد منهما بحجرين وجبت الشفعة وإن لم يمكن إلا أن يحصل لكل واحد منهما ما لم يتمكن من إبقائها رحى لم تجب الشفعة فأما الطريق فإن الدار إذا بيعت ولها طريق في شارع أو درب نافذ فلا شفعة في تلك الدار ولا في الطريق لأنه لا شركة لأحد في ذلك وإن كان الطريق في درب غير نافذ ولا طريق للدار سوى تلك الطريق فلا شفعة أيضا لأن إثبات ذلك يضر بالمشتري لأن الدار تبقى لا طريق لها وإن كان للدار باب آخر يستطرق منه أو كان لها موضع يفتح منه باب لها إلى طريق نافذ نظرنا في طريق المبيع مع الدار فإن كان ممرا لا تمكن قسمته فلا شفعة فيه وإن كان تمكن قسمته وجبت الشفعة فيه لأنه أرض مشتركة تحتمل القسمة فوجبت فيه الشفعة كغير الطريق ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال لأن الضرر يلحق المشتري بتحويل الطريق إلى مكان آخر مع ما في الأخذ بالشفعة من تفويت صفقة المشتري وأخذ بعض المبيع من العقار دون بعض فلم يجز كما لو كان الشريك في الطريق شريكا في الدار فأراد أخذ الطريق وحدها والقول في دهليز الجار وصحته كالقول في الطريق المملوك وإن كان نصيب المشتري من الطريق كأثر من حاجته فذكرالقاضي أن الشفعة تجب في الزائد بكل حال لوجود المقتضي وعدم المانع والصحيح أنه لا شفعة فيه لأن في ثبوتها تبعيض صفقة المشتري ولا يخلو من الضرر
فصل الشرط الرابع أن يكون شقصا منتقلا بعوض وأما المنتقل بغير عوض كالهبة بغير ثواب والصدقة والوصية والإرث فلا شفعة فيه في قولعامة أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن مالك رواية أخرى في المنتقل بهبة أو صدقة أن فيه الشفعة ويأخذه الشفيع بقيمته وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة وهذا موجود في الشركة كيفما كان الضرر واللاحق بالمتهب دون ضرر المشتري لأن إقدام المشتري على شراء الشقص وبذله ماله فيه دليل حاجته إليه فانتزاعه منه أعظم ضررا من أخذه ممن لم يوجد منه دليل الحاجة إليه ولنا إنه انتقل بغير عوض أشبه الميراث ولأن محل الوفاق هو البيع والخبر ورد فيه وليس غيره في معناه لأن الشفيع يأخذه من المشتري بمثل السبب الذي انتقل به إليه ولا يمكن هذا في غيره ولأن الشفيع يأخذ الشقص بثمنه لا بقيمته وفي غيره يأخذ بقيمته فافترقا فأما المنتقل بعوض فينقسم قسمين أحدهما ما عوضه المال كالبيع فهذا فيه الشفعة بغير خلاف وهو في حديث جابر فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به وكذلك كل عقد جرى كجرى البيع كالصلح بمعنى البيع والصلح عن الجنايات الموجبة للمال والهبة المشروط فيها الثواب المعلوم لأن ذلك بيع ثبتت فيه أحكام البيع وهذا منها وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا لا تثبت الشفعة في الهبة المشروط فيها ثواب حتى يتقابضا لأن الهبة لا تثبت إلا بالقبض فأشبهت البيع بشرط الخيار ولنا إنه يملكها بعوض هو مال فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق الشفعة كالبيع ولا يصح ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة لأن العوض صرف اللفظ عن مقتضاه وجعله عبارة عن البيع خاصة عندهم فإنه يتعقد بها النكاح الذي لا تصح الهبة فيه بالاتفاق القسم الثاني ما انتقل بعوض غير المال نحو أن يجعل الشقص مهرا أو عوضا في الخلع أو في الصلح عن دم العمد فظاهر كلام الخرقي أنه لا شفعة فيه لأنه لم يتعرض في جميع مسائله لغير البيع وهذا قول أبي بكر وبه قال الحسن والشعبي وأبو ثور وأصحاب الرأي حكاه عنهم ابن المنذر واختاره وقال ابن حامد تجب فيه الشفعة وبه قال ابن شبرمة والحارث والعكلي ومالك وابن أبي ليلى والشافعي ثم اختلف بم يأخذه فقال ابن شبرمة وابن أبي ليلى يأخذ الشقص بقيمته قال القاضي هو قياس قولابن حامد لأننا لو أوجبنا مهر المثل لقومنا البضع على الأجانب وأضررنا بالشفيع لأن مهر المثل يتفاوت مع المسمى الناس فيه في العادة بخلاف البيع وقال الشريف أبو جعفر قال ابن حامد إن كان الشقص صداقا أو عوضا في خلع أو متعة في طلاق أخذه الشفيع بمهر المرأة وخو قول العكي والشافعي لأنه ملك الشقص ببدل ليس له مثل فيجب الرجوع إلى القيمة البدل في الأخذ بالشفعة كما لو باعه بعرض واحتجوا على ما أخذه بالشفعة بأنه عقار مملوك بعقد معاوضة فأشبه البيع ولنا إنه مملوك بغير مال أشبه الموهوب والموروث ولأنه يمتنع بمهر المثل لما ذكره مالك وبالقيمة لأنها ليست عوض الشقص فلا يجوز الأخذ بها كالموروث فيتعذر أخذه ولأنه ليس له عوض يمكن الأخذ به فأشبه الموهوب والموروث وفارق البيع فإنه أمكن الأخذ بعضوه فإن قلنا إنه يؤخذ بالشفعة وطلق الزوج قبل الدخول بعد عفو الشفيع رجع بنصف ما أصدقها لأنه موجود في يدها بصفته وإن طلقها بعد أخذ الشفيع رجع بنصف قيمته لأن ملكها زال عنه فهو كما لو باعته وإن طلق قبل الشفيع ثم علم ففيه وجهان أحدهما حق الشفيع مقدم لأن حقه أسبق لأنه يثبت بالبيع وحق الزوج بالطلاق الثاني حق الزوج أولى لأنه ثبت بالنص والإجماع
والشفعة ها هنا لا نص فيها ولا إجماع فأما إن عفا ثم طلق الزوج فرجع في نصف الشقص لم يستحق الشفيع الأخذ منه وكذلك إن جاء الفسخ من قبل المرأة فرجع الشقص كله إلى الزوج لم يستحق الشفيع أخذه لأنه عاد إلى المالك لزوال العقد فلم يستحق به كالشفيع كالرد بالعيب وكذلك كل فسخ يرجع به الشقص إلى العاقد كرده بعيب أو مقابلة أو اختلاف المتبايعين أو رده لغبن وقد ذكرنا في الإقالة رواية أخرى أنها بيع فثبتت فيها الشفعة وهو قول أبي حنيفة فعلى هذا لو لم يعلم الشفيع حتى تقايلا فله أن يأخذ من أيهما شاء وإن عفا عن الشفعة في البيع ثم تقابلا فله الأخذ بها فصل وإذا جنى جنايتين عمدا وخطأ فصالحه منهما على شقص فالشفعة في نصف الشقص دون باقيه وبه قال أبو يوسف ومحمد وهذا على الرواية التي نقول فيها إن موجب العمد القصاص عينا وإن قلنا موجبه أحد شيئين وجبت الشفعة في الجميع وقال أبو حنيفة لا شفعة في الجميع لأن في الأخذ بخا تبعيض الصفقة على المشتري ولنا إن ما قابل الخطأ عوض عن مال فوجبت فيه الشفعة كما لو انفرد ولأن الصفقة جمعت ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب فيه فوجبت فيما تجب فيه دون الآخر كما لو اشترى شقصا وسيفا وبهذا الأصل يبطل ما ذكره وقول أبي حنيفة أقيس لأن في الشفعة تبعيض الشقص على المشتري وربما لا يبقى منه ألا ما لا نفع فيه فأشبه ما لو أراد أحد الشفيعين أخذ بعضه مع عفو صاحبه بخلاف مسألة الشقص والسيف وأما إذا قلنا إن الواجد أحد شيئين فباختياره الصلح سقط القصاص وتعينت الدية فكان الجميع عوضا من المال فصل ولا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما وحده أيهما كان وقال أبو الخطاب يتخرج أن تثبت الشفعة لأن الملك انتقل فتثبت الشفعة في مدة الخيار كما بعد انقضائه وقال أبو حنيفة إن كان الخيار للبائع أو لهما لم تثبت الشفعة حتى ينقضي لأن في الأخذ بها إسقاط حق البائع من الفسخ وإلزام البيع في حقه بغير رضائه ولأن الشفيع إنما أخذ من المشتري ولم ينتقل الملك إليه وإن كان الخيار للمشتري فقد انتقل الملك إليه ولا حق لغيره فيه والشفيع يملك أخذه بعد لزوم البيع واستقرار الملك فلأن يملك ذلك قبل لزمه أولى وعامة ما يقدر ثبوت الخيار له وذلك لا يمنع الأخذ بالشفعة كما لو وجد به عيبا وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا إنه مبيع فيه الخيار فلم تثبت فيه الشفعة كما لو كان للبائع وذلك لأن الأخذ بالشفعة يلزم المشتري بالعقد بغير رضائه ويوجب العهدة عليه ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن فلم يجز كما لو كان الخيرا للبائع فإننا إنما منعنا من الشفعة لما فيه من إبطال خيار البائع وتفويت حق الرجوع عليه في عين مالهما وهما في نظر الشرع على السواء وفارق الرد بالعيب فإنه إنما ثبت لاستدراك الظلامة وذلك يزول بأخذ الشفيع فإن باع الشفيع حصته في مدة الخيرا عالما ببيع الأول سقطت شفعته وثبتت الشفعة فيما باعه للمشتري الأول في الصحيح من المذهب وفي وجه آخر أنه يثبت للبائع بناء على الملك في مدة الخيار لمن هو منهما وإن باعه قبل علمه بالبيع فكذلك وهو مذهب الشافعي لأن ملكه زال قبل ثبوت الشفعة ويتوجه على تخريج أبي الخطاب أن لا تسقط شفعته فيكون له على هذا أخذ الشقص من المشتري الأول وللمشتري الأول أن يأخذ الشقص الذي باعه الشفيع من مشتريه لأنه كان شريكا للشفيع حين بيعه فصل وبيع المريض كمبيع الصحيح في الصحة وثبوت وسائر الأحكام إذا باع بثمن المثل سواء كان لوارث أو غير وارث وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يصح بيع المريض مرض الموت لوارثه لأنه محجور عليه في حقه فلم يصح بيعه كالصبي
ولنا إنه حجر عليه في التبرع في حقه فلم يمنع الصحة فيما سواه كالأجنبي إذا لم يزد على التبرع بالثلث وذلك لأن الحجر في شيء لا يمنع صحة غيره كما أن الحجر على المرتهن في الرهن لا يمنع التصرف في غيره والحجر على المفلس في ماله لا يمنع التصرف في ذمته فأما بيعه بالمحاباة فلا يخلو إما أن يكون لوارث أو لغيره فإن كان لوارث بطلت المحاباة لأنها في المرض بمنزلة الوصية والوصية لوارث لا تجوز ويبطل البيع في قدر المحاباة من المبيع وهل يصح فيما عداه على ثلاثة أوجه أحدها لا يصح لأن المشتري بذل الثمن في كل المبيع فلم يصح في بيعه كما لو قال بعتك هذا الثوب بعشرة فقال قبلت البيع في نصفه أو قال قبلته بخمسة أو قال قبلت نصفه بخمسة ولأنه لم يمكن تصحيح البيع على الوجه الذي تواجبا عليه فلم يصح كتفريق الصفقة والثاني أنه يبطل البيع في قدر المحاباة ويصح فيما يقابل الثمن المسمى وللمشتري الخيار بين الأخذ والفسخ لأن الصفقة تفرقت عليه وللشفيع أخذ ما صح البيع فيه وإنما قلنا بالصحة لأن البطلان إنما جاء من المحاباة فاختص بما يقابلها الثالث أنه يصح في الجميع ويقف على أجازة الورثة لأن الوصية للوارث صحيحة في أصح الروايتين وتقف على إجازة الورثة فكذلك المحاباة له فإن أجازوا المحاباة صح البيع في الجميع ولا خيار للمشتري ويملك الشفيع الأخذ به لأنه يأخذ بالثمن وإن ردوا بطل البيع في قدر المحاباة وصح فيما بقي ولا يملك الشفيع الأخذ قبل إجازة الورثة وردهم لأن حقهم متعلق بالمبيع فلم يملك إبطاله وله أخذ ما صح البيع فيه وإن اختار المشتري الرد في هذه الصورة وفي التي قبلها واختار الشفيع الأخذ بالشفعة قدم الشفيع لأنه لا ضرر على المشتري وجرى مجرى المعيب إذا رضيه الشفيع بعيبه القسم الثاني إذا كان المشتري أجنبيا والشفيع أجنبي فإن لم تزد المحاباة على الثلث صح البيع وللشفيع الأخذ بذلك الثمن لأن البيع حصل به فلا يمنع منها كون المبيع مسترخصا وإن زادت على الثلث فالحكم فيه حكم أصل المحاباة في حق الوارق وإن كان الشفيع وارثا ففيه وجهان أحدهما له الأخذ بالشفعة لأن المحاباة وقعت لغيره فلم يمنع منها تمكن الوارث من أخذها كما لو وهب غريم وارثه مالا فأخذه الوارث والثاني يصح البيع ولا تجب الشفعة وهو قول أصحاب أبي حنيفة لأننا لو أثبتناها جعلنا للموروث سبيلا إلى إثبات حق لوارثه في المحاباة ويفارق الهبة لغريم الوارث لأن استحقاق الوارث الأخذ بدينه لا من جهة الهبة وهذا استحقاقه بالبيع الحاصل من موروثه فافترقا ولأصحاب الشافعي في هذا خمسة أوجه وجهان كهذين والثالث أن البيع باطل من أصله لإفضائه إلى ايصال المحاباة إلى الوارث وهذا فاسد لأن الشفعة فرع للبيع ولا يبطل الأصل ببطلان فرع له وعلى الوجه الأول ما حصلت للوارث المحاباة إنما حصلت لغيره ووصلت إليه بجهة الأخذ من المشتري فأشبه هبة غريم الوارث الوجه الرابع أن للشفيع أن يأخذ بقدر ما عدا المحاباة بقدره من الثمن بمنزلة هبة المقابل للمحاباة بالنصف مثلا هبة للنصف وهذا لا يصح لأنه لو كان بمنزلة هبة النصف ما كان للشفيع الأجنبي أخذ الكل لأن الموهوب لا شفعة فيه الخامس أن البيع يبطل في قدر المحاباة وهذا فاسد لأنها محاباة لأجنبي بما دون الثلث فلا تبطل كما لو لم يكن الشقص مشفوعا فصل ويملك الشفيع الشقص بأخذه بكل لفظ يدل على أخذه بأن يقول قد أخذته بالثمن أو تملكته بالثمن أو نحو ذلك إذا كان الثمن والشقص معلومين لا يفتقر إلى حكم حاكم وبهذا قال الشافعي وقال القاضي وأبو الخطاب يملكه بالمطالبة لأن البيع السابق سبب فإذا انضمت إليه المطالبة كان كالإيجاب في البيع انضم إليه القبول وقالأبو حنيفة يحصل بحكم الحاكم لأنه نقل للملك عن مالكه إلى غيره قهرا فافتقر إلى حكم الحاكم كأخذ دينه
ولنا إنه حق ثبت بالنص والإجماع فلم يفتقر إلى حاكم كالرد بالعيب وما ذكروه ينقض بهذا الأصل ويأخذ الرزوج نصف الصداق بالطلاق قيل الدخول ولأنه مال يتملكه قهرا فملكه بالأخذ كالغنائم والمباحات وباللفظ الدال على الأخذ لأنه بيع في الحقيقة لكن الشفيع يستقل به فانتقل باللفظ الدال عليه وقولهم يملك بالمطالبة بمجردها لا يصح لأنه لو ملك بها لما سقطت الشفعة بالعفو بعد المطالبة ولوجب أنه إذا كان له شفيعان فطلبا الشفعة ثم ترك أحدهما أن يكون للآخر أخذ قدر نصيبه ولا يملك أخذ نصيب صاحبه إذا ثبت هذا فإنه قال قد أخذت الشقص بالثمن الذي تم عليه العقد وهو عالم بقدره وبالمبيع صح الأخذ وملك الشقص ولا خيار له ولا للمشتري لأن الشقص يؤخذ قهرا والمقهور لا خيار له والآخذ قهرا لا خيار له أيضا كمسترجع المبيع لعيب في ثمنه أو الثمن لعيب في المبيع وإن كان الثمن مجهولا أو الشقص لم يملكه بذلك لأنه بيع في الحقيقة فيعتبر العلم بالعوضين كسائر البيوع وله المطالبة بالشفعة ثم يتعرف مقدار الثمن من المشتري أو من غيره والمبيع فيأخذه بثمنه ويحتمل أن له الأخذ مع جهالة الشقص بناء على بيع الغائب فصل وإذا أراد الشفيع أخذ الشقص وكان في يد المشتري أخذه منه وإن كان في يد البائع أخذه منه وكان كأخذه من المشتري هذا قياس المذهب وهو قول أبي حنيفة لأن العقد يلزم في بيع العقار قبل قبضه ويدخل المبيع في ملك المشتري وضمانه ويجوز له التصرف فيه بنفس العقد فصار قبل قبضه المشتري وقال القاضي ليس له أخذه من البائع ويجبر الحاكم المشتري على قبضه ثم يأخذه الشفيع منه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن الشفيع يشتري الشقص من المشتري فلا يأخذه من غيره وبنوا ذلك على أن المبيع لا يتم إلا بالقبض فإذا فات القبض بطل العقد وسقطت الشفعة فصل وإذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري ففيه وجهان أحدهما للشفيع الأخذ بالشفعة وهو قول أبي حنيفة والمزني والثاني ليس له الأخذ بها ونصره الشريف أبو جعفر في مسائله وهو قول مالك وأبي شريح لأن الشفعة فرع للبيع ولم يثبت فلا يثبت فرعه ولأن الشفيع إنما يأخذ الشقص من المشتري وإذا أنكر البيع لم يمكن الأخذ منه ووجه الأول أن البائع أقر بحقين حق للشفيع وحق للمشتري فإذا سقط حق المشتري بإنكاره ثبت حق الشفيع كما لو أقر بدار لرجلين فأنكر أحدهما ولأنه أقر للشفيع أنه مستحق لأخذ هذه الدار والشفيع يدعي ذلك فيوجب قبوله كما لو أقر أنها ملكه فعلى هذا يقبض الشفيع من البائع ويسلم إليه الثمن ويكون درك الشفيع على البائع لأن القبض منه ولم يثبت الشراء في حق المشتري وليس للشفيع ولا للبائع محاكمة المشتري ليثبت البيع في حقه وتكون العهدة عليه لأن مقصود البائع الثمن وقد حصل من الشفيع ومقصود الشفيع أخذ الشقص وضمان العهدة وقد حصل من البائع فلا فائدة في المحاكمة فإن قيل أليس لو ادعى على رجل دينا فقال آخر أنا أدفع إليك الدين الذي تدعيه ولا تخاصمه لا يلزمه قبوله فهل لا قلتم ها هنا كذلك قلنا في الدين عليه منة في قبوله من غير غريمه وها هنا بخلافه ولأن البائع يدعي أن الثمن الذي يدفعه الشفيع حق للمشتري عوضا عن هذا المبيع فصار كالنائب عن المشتري في دفع الثمن والبائع كالنائب عنه في دفع الشقص بخلاف الدين فإن كان البائع مقرا بقبض الثمن من المشتري بقي الثمن الذي على الشفيع لا يدعيه أحد لأن البائع يقول هو للمشتري والمشتري يقول لا أستحقه ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن يقال للمشتري إما أن تقبضه وإما أن تبرىء منه والثاني يأخذه الحاكم عنده
والثالث يبقى في ذمة الشفيع وفي جميع ذلك متى ادعاه البائع أو المشتري دفع إليه لأنه لأحدهما وإن تداعياه جميعا فأقر المشتري بالبيع وأنكر البائع أنه لم يقبض منه شيئا فهو للمشتري لأن البالئع قد أقر له به ولأن البائع إذا أنكر القبض لم يكن مدعيا هذا الثمن لأن البائع لا يستحق على الشفيع ثمنا إنما يستحقه على المشتري وقد أقر بالقبض منه وأما المشتري فإنه يدعيه وقد أقر له باستحقاقه فوجب دفعه إليه مسألة قال ( ومن لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع فلا شفعة له ) الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور إن طالب بها ساعة يعلم بالبيع وإلا بطلت نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فقال الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم وهذا قول ابن شبرمة والبتي والأوزاعي وأبي حنيفة والعنبري والشافعي في أحد قوليه وحكي عنأحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى من عفو أو مطالبة بقسمة ونحو ذلك وهذا قول مالك وقول الشافعي إلا أن مالكا قال تنقطع بمضي سنة وعنه بمضي مدة يعلم أنه تارك لها لأن هذا الخيار لا ضرر في تراخيه فلم يسقط بالتأخير كحق القصاص وبيان عدم الضرر أن النفع للمشتري باستغلال المبيع وإن أحدث فيه عمارة من غراس أو بناء فله قيمته وحكي عن ابن أبي ليلى والثوري أن الخيار مقدر بثلاثة أيام وهو قول الشافعي لأن الثلاث حد بها خيار الشرط فصلحت حدا لهذا الخيار والله أعلم ولنا ما روى ابن السلماني عن أبيه عن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة كحل العقال وفي لفظه أنه قال الشفعة كنشطة العقال إن قيدت وإن تركت فاللوم على من تركها وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشفعة لمن واثبها رواه الفقهاء في كتبهم لأنه خيار لدفع الضرر عن المال فكان على الفور كخيار الرد بالعيب ولأن إثباته على التراخي يضر المشتري لكونه لا يستقر ملكه على البيع ويمنعه من التصرف بعمارة خشية أخذه منه ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمته لأن خسارتها في الغالب أكثر من قيمتها مع تعب قلبه وبدنه فيها وبالتحديد بثلاثة أيام تحكم لا دليل عليه والأصل المقيس عليه ممنوع ثم هو باطل بخيار الرد بالعيب وإذا تقرر هذا فقال ابن حامد يتقدر الخيار بالمجلس وهو قول أبي حنيفة فمتى طالب في مجلس العالم ثبتت الشفعة وإن طال لأن المجلس كله في حكم حالة العقد بدليل أن القبض فيه لما يشترط فيها القبض كالقبض حالة العقد وظاهر كلام الخرقي أنه لا يتقدر بالمجلس بل متى بادر فطالب عقيب علمه وإلا بطلت شفعته وهذا ظاهر كلام أحمد وقول الشافعي لما ذكرنا من الخبر والمعنى وما ذكروه يبطل بخيار الرد بالعيب فعلى هذا متى أخر المطالبة عن وقت العلم لغير عذر بطلت شفعته وإن أخرها لعذر مثل أن يعلم ليلا فيؤخره إلى الصبح أو لشدة جوع أو عطش حتى يأكل ويشرب أو لطهارة إو إغلاق باب أو ليخرج من الحمام أو ليؤذن ويقيم ويأتي بالصلاة وسننها أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها شفعته لأن العادة تقديم هذه الحوائج على غيرها فلا يكون الاشتغل بها رضى بترك الشفعة إلا أن يكون المشتري حاضرا عنده في هذه الأحوال فيمكنه أن يطالبه من غير اشتغاله عن أشغاله فإن شفعته تبطل بتركه المطالبة لأن هذا لا يشغله عنها ولا تشغله بالمطالبة عنه فأما مع غيبته فلا لأن العادة تقديم هذه الحوائج فلم يلزمه تأخيرها كما لو أمكنه أن يسرع في مشيه أو يحرك دابته فلم يفعل ومضى على حسب عادته لم تسقطه شفعته لأنه طلب بحكم العادة
وإذا فرغ من حوائجه مضى على حسب عادته إلى المشتري فإذا لقيه بدأ السلام لأن ذلك السنة وقد جاء في الحديث من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ثم يطالب وإن قال بعد السلام بارك الله لك في صفقة يمينك أو دعا بالمغفرة ونحو ذلك لم تبطل شفعته لأن ذلك يتصل بالسلام فيكون من جملته والدعاء له بالبركة في الصفقة لنفسه لأن الشقص يرجع إليه فلا يكون ذلك رضى وإن اشتغل بكلام آخر أو سكت لغير حاجة بطلت شفعته لما قدمنا فصل فإن أخبره بالبيع مخبر فصدقه ولم يطالب بالشفعة بطلت شفعته سواء كان المخبر ممن يقبل خبره أو لا يقبل لأن العلم قد يحصل بخبر من لا يقبل لقرائن دالة على صدقه وإن قال لم أصدقه وكان المخبر ممن يحكم بشهادته كرجلين عدلين بطلت شفعته لأن قولهما حجة تثبت بها الحقوق وإن كان ممن لا يعمل بقوله كالفاسق والصبي لم تبطل شفعته وحكي عن أبي يوسف أنها تسقط لأنه خبر يعمل به في الشرع في الإذن في دخول الدار وشبهه فسقطت به الشفعة كخبر العدل ولنا أنه خبر لا يقبل في الشرع فأشبه قول الطفل والمجنون وإن أخبره رجل عدل أو مستور الحال سقطت شفعته ويحتمل أن لا تسقط ويروى هذا عن أبي حنيفة وزفر لأن الواحد لا تقوم به البينة ولنا إنه خبر لا تعتبر فيها الشهادة فقبل من العدل كالرواية والفتيا وسائر الأخبار الدينية وفارق الشهادة فإنه يحتاط لها باللفظ والمجلس وحضور المدعى عليه وإنكاره ولأن الشهادة يعارضها إنكار المنكر وتوجب الحق عليه بخلاف هذا الخبر والمرأة في ذلك كالرجل والعبد كالحر وقالالقاضي هما كالفاسق والصبي وهذا مذهب الشافعي لأن قولهما لا يثبت به حق ولنا إن هذا خبر وليس بشهادة فاستوى فيه الرجل والمرأة والعبد والحر كالرواية والأخبار الدينية والعبد من أهل الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص وهذا مما عداها فأشبه الحر فصل إذا أظهر المشتري أن الثمن مما وقع العقد به فترك الشفيع الشفعة لم تسقط الشفعة بذلك وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي ومالك إلا أنه قال بعد أن يحلف ما سلمت الشفعة إلا لمكان الثمن الكثير وقال ابن أبي ليلى لا شفعة له لأنه سلم ورضي ولنا إنه تركها للعذر فإنه لا يرضاه بالثمن الكثير ويرضاه بالقليل وقد لا يكون معه الكثير فلم تسقط بذلك كما لو تركها لعدم العلم وكذلك إن أظهر أن المبيع سهام قليلة فبانت كثيرة أو أظهر أنهما تبايعا بدنانير فبان أنها دراهم أو بدراهم فبانت دنانير وبهذا قال الشافعي وزفر وقال أبو حنيفة وصاحباه إن كانت قيمتها سواء سقطت الشفعة لأنهما كالجنس الواحد ولنا إنهما جنسان فأشبها الثياب والحيوان ولأنه قد يملك بالنقد الذي وقع به البيع دون ما أظهره فيتركه لعدم ملكه له وكذلك إن أظهر أنه اشتراه بنقد فبان أنه اشتراه بعوض أو بعرض فبان أنه بنقد أو بنوع من العرض فبان أن يغيره أو اشتراه مشتر فبان أنه اشتراه لغيره أو أظهر أنه اشتراه لغيره فبان أنه اشتراه له أو أنه اشتراه لإنسان فبان أنه اشتراه لغيره لأنه قد يرضى شركة إنسان دون غيره وقد يحابي إنسانا أو يخافه فيترك لذلك وكذلك إن أظهر أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه اشترى نصفه بنصفه أو أنه اشترى نصفه بثمن فبان أنه اشترى جميعه بضعفه أو أنه اشترى الشقص وحده فبان أنه اشتراه هو أو غيره أو أنه اشتراه هو وغيره فبان أنه اشتراه وحده لم تسقط الشفعة في جميع ذلك لأنه قد يكون له غرض فيما أبطنه دون ما أظهره فيترك لذلك فلم تسقط شفعته كما لو أظهر أنه اشتراه بثمن فبان أقل منه فأما إن أظهر أنه اشتراه بثمن فبان أنه اشتراه بأكثر أو أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه اشترى به بعضه سقطت شفعته لأن الضرر فيما أبطنه أكثر فإذا لم يرض به بالثمن القليل مع قلة ضرره فالكثير أولى