İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب خرج فيه الروايتان وسواء فيما ذكرنا الرجل والمرأة لعموم قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه ولعموم المعنى الذي ذكرناه فيهما جميعا الفصل الثاني أن المنتقل إلى غير دين أهل الكتاب لا يقبل منه إلا الإسلام نص عليه أحمد واختاره الخلال وصاحبه وهو أحد أقوال الشافعي لأن غير الإسلام أديان باطلة قد أقر ببطلانها فلم يقر عليها كالمرتد وعن أحمد أنه لا يقبل إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه لأن دينه الأول قد أقررناه عليه مرة ولم ينتقل إلى خير منه فنقره عليه إن رجع إليه ولأنه منتقل من دين يقر أهله عليه إلى دين لا يقر أهله عليه فيقبل منه الرجوع إليه كالمرتد إذا رجع إلى الإسلام وعن أحمد رواية ثالثة أنه يقبل منه أحد ثلاثة أشياء الإسلام أو الرجوع إلى دينه الأول أو دين يقر أهله عليه لعموم قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب وقلنا لا يقر ففيه الروايتان إحداهما لا يقبل منه إلا الإسلام والأخرى لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه الفصل الثالث في صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه وفيه روايتان إحداهما أنه يقتل إن لم يرجع رجلا كان أو امرأة لعموم قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه ولأنه ذمي نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب يحتمل وجهين أحدهما يستتاب لأنه يسترجع عن دين باطل انتقل إليه فيستتاب كالمرتد والثاني لا يستتاب لأنه كافر أصلي أبيح قتله فأشبه الحربي فعلى هذا إن بادر وأسلم أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلا قتل والرواية الثانية عن أحمد قال إذا دخل اليهودي في النصرانية رددته إلى اليهودية ولم أدعه فيما انتقل إليه فقيل له أتقتله ولكن يضرب ويحبس قال وإن كان نصرانيا أو يهوديا فدخل في المجوسية كان أغلظ لأنه لا تؤكل ذبيحته ولا تنكح له امرأة ولا يترك حتى يرد إليها فقيل له تقتله إذا لم يرجع قال إنه لأهل ذلك وهذا نص في أن الكتابي المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب لا يقتل بل يكره بالضرب والحبس الفصل الرابع أن امرأة المسلم الذمية إذا انتقلت إلى دين غير دين أهل الكتاب فهي كالمرتدة لأن غير دين أهل الكتاب لا يحل نكاح نسائهم فمتى كان قبل الدخول انفسخ نكاحها في الحال ولا مهر لها لأن الفسخ من قبلها وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة في إحدى الروايتين والأخرى ينفسخ في الحال أيضا مسألة قال ( وأمته الكتابية حلال له دون أمته المجوسية ) الكلام في هذه المسألة في فصلين الفصل الأول أن أمته الكتابية حلال له وهذا قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه كرهه لأن الأمة الكتابية يحرم نكاحها فحرم التسري بها كالمجوسية ولنا قول الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين المؤمنون 6 ولأنها ممن يحل نكاح حرائرهم فحل له التسري بها كالمسلمة فأما نكاحها فيحرم لأن فيه إرقاق ولده وإبقاءه مع كافرة بخلاف التسري الفصل الثاني أن من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات وسائر الكوافر سوى أهل الكتاب لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين في قول أكثر أهل العلم منهم مرة الهمذاني والزهري وسعيد بن جبير والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي
قال ابن عبد البر على هذا جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء وما خالفه فشذوذ لا يعد خلافا ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس ووجه قوله عموم قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24 والآية الأخرى روى أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين بعثا قبل أوطاس فأصابوا منهم سبايا وكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة رواهما أبو داود وهو حديث صحيح وهم عبدة أوثان وهذا ظاهر في إباحتهن ولأن الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر سباياهم من كفار العرب وهم عبدة أوثان فلم يكونوا يرون تحريمهن لذلك ولا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمهن ولا أمر الصحابة باجتنابهن وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من بعض السبي نفلها إياه وأخذ عمر وابنه من سبي هوازن وغيرهما من الصحابة والحنفية أم محمد بن الحنيفية من سبي بني حنيفة وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهم مجوس فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن وهذا ظاهر في إباحتهن لولا اتفاق أهل العلم على خلافه وقد أجبت عن حديث أبي سعيد بأجوبة منها أنه يحتمل أنهن أسلمن كذلك وروي عن أحمد أنه سأله محمد بن الحكم قال قلت لأبي عبدالله هوازن أليس كانوا عبدة أوثان قال لا أدري كانوا أسلموا أو لا وقال ابن عبد البر إباحة وطئهن منسوخة بقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن البقرة 221 مسألة قال ( وليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية ) لأن الله تعالى قال من فتياتكم المؤمنات النساء 25 هذا ظاهر مذهب أحمد رواه عنه جماعة وهو قول الحسن والزهري ومكحول ومالك والشافعي والثوري والأوزاعي والليث وإسحاق وروي ذلك عن عمر وابن مسعود ومجاهد وقال أبو ميسرة وأبو حنيفة يجوز للمسلم نكاحها لأنها تحل بملك اليمين فحلت بالنكاح كالمسلمة ونقل ذلك عن أحمد قال لا بأس بتزويجها إلا أن الخلال رد هذه الرواية وقال إنما توقف أحمد فيها ولم ينفذ له قول ومذهبه أنها لا تحل لقول الله تعالى فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات النساء 25 فشرط في إباحة نكاحهن الإيمان ولم يوجد وتفارق المسلمة لأنه لا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة والكافرة تكون ملكا لكافر ويقر ملكه عليها وولدها مملوك لسيدها ولأنه عقد اعتوره نقصان نقص الكفر والملك فإذا اجتمعا منعا كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر وعدم الكتاب لم يبح نكاحها ولا فرق بين الحر والعبد في تحريم نكاحها لعموم ما ذكرنا من الدليل ولأن ما حرم على الحر تزويجه لأجل دينه حرم على العبد كالمجوسية مسألة قال ( ولا لحر مسلم أن يتزوج أمة مسلمة إلا أن لا يجد طولا بحرة مسلمة ويخاف العنت ) الكلام في هذه المسألة في شيئين أحدهما أنه يحل له نكاح الأمة المسلمة إذا وجد فيه الشرطان عدم الطول وخوف العنت وهذا قول عامة العلماء لا نعلم بينهم اختلافا فيه والأصل فيه قول الله سبحانه ومن لم يستطع منكم طولا النساء 25 والصبر عنها مع ذلك خير وأفضل لقول الله تعالى وأن تصبروا خير لكم النساء 25 والثاني إذا عدم الشرطان أو أحدهما لم يحل نكاحها لحر روي ذلك عن جابر وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن دينار ومكحول ومالك والشافعي وإسحاق وقال مجاهد مما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة وإن كان موسرا وبه قال أبو حنيفة إلا أن يكون تحته حرة لأن القدرة على النكاح لا تمنع النكاح كما يمنعه وجود النكاح كنكاح الأخت والخامسة
وقال قتادة والثوري إذا خاف العنت حل له نكاح الأمة وإن وجد الطول لأن إباحتها لضرورة خوف العنت وقد وجدت فلا يندفع إلا بنكاح الأمة فأشبه عادم الطول ولنا قول الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات إلى قوله ذلك لمن خشي العنت منكم النساء 25 فشرط في نكاحها عدم استطاعة الطول فلم يجز مع الاستطاعة كالصوم في كفارة الظهار مع عدم استطاعة الإعتاق ولأن في تزويج الأمة إرقاق ولده مع الغنى عنه فلم يجز كما لو كان تحته حرة وقياسهم ليس بصحيح فإن نكاح الخامسة والأخت إنما حرم لأجل الجمع وبالقدرة على الجمع لا يصير جامعا والعلة ها هنا هو الغنى عن إرقاق ولده وذلك يحصل بالقدرة على نكاح الحرة وأما من يجد الطول ويخاف العنت فإن كان ذلك لكونه لا يجد إلا حرة صغيرة لا أو غائبة أو مريضة لا يمكن وطؤها أو وجد مالا ولم يتزوج لقصور نسبه فله نكاح الأمة لأنه عاجز عن حرة تعفه وإن كانت الحرة في حبالة غيره فله نكاح أمة نص عليه أحمد في الغائبة وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم لا يجوز لوجدان الطول ولنا إنه غير مستطيع الطول إلى حرة تعفه فأشبه من لا يجد شيئا ألا ترى أن الله سبحانه جعل ابن السبيل الذي له اليسار في بلده فقيرا لعدم قدرته عليه في الحال فإن كانت له حرة يتمكن من وطئها والعفة بها فليس بخائف العنت فصل وإن قدر على تزويج كتابية تعفه لم يحل له نكاح الأمة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وذكر وجها آخر أنه يجوز لقول الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات وهذا غير مستطيع لذلك ولنا قول الله تعالى ذلك لمن خشي العنت منكم النساء 25 وهذا غير خائف له ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق فلم يجز له إرقاقه كما لو قدر على نكاح مؤمنة فصل ومن كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها لم يجز له نكاح أمة لا نعلم في هذا خلافا ولا فرق بين الكتابية والمسلمة في ذلك لما ذكرنا من قبل فصل فإن لم يجد طولا لكن وجد من يقرضه ذلك لم يلزمه لأن عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته ولصاحبته مطالبته به في الحال وكذلك إن رضيت الحرة بتأخير صداقها أو تفويض بضعها لأن لها مطالبته بعوضه وكذلك إن بذل له باذل أن يزنه عنه أو يهبه إياه لم يلزمه قبوله لما عليه من ضرر المنة وله في ذلك كله نكاح الأمة وإن لم يجد من يزوجه إلا بأكثر من مهر المثل وكان قادرا عليه ولا يجحف به لم يكن له نكاح الأمة وقال أصحاب الشافعي له ذلك كما لو لم يجد الماء إلا بزيادة عن ثمن المثل فله التيمم ولنا قول الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا النساء 25 وهذا مستطيع ولأنه قادر على نكاح حرة بما لا يضره فلم يجز له إرقاق ولده كما لو كان بمهر مثلها ولا نسلم ما ذكروه في التيمم ثم هذا مفارق للتييم من وجهين أحدهما أن التيمم رخصة عامة وهذا أبيح للضرورة ومع القدرة على الحرة لا ضرورة والثاني أن التيمم يتكرر فإيجاب شرائه بزيادة على ثمن المثل يفضي إلى الإجحاف به وهذا لا يتكرر فلا ضرر فيه
فصل وإن كان في يده مال فذكر أنه معسر وأن المال لغيره فالقول قوله لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فقبل قوله فيه كما لو ادعى مخافة العنت ومتى تزوج الأمة أقر أنه كان موسرا حال النكاح فرق بينهما لأنه أقر بفساد نكاحه وهكذا إن أقر أنه لم يكن يخشى العنت فإن كان قبل الدخول وصدقه السيد فلا مهر وإن كذبه فله نصف المسمى لأنه يدعي صحة النكاح والأصل معه وإن كان بعد الدخول فعليه المسمى جميعه إلا أن يكون مهر المثل أكثر فعلى قول من أوجب مهر المثل في النكاح الفاسد يلزمه مهر المثل لإقراره به فإن كان المسمى أكثر وجب وللسيد أن لا يصدقه فيما قال فيكون له من المهر ما يجب في النكاح الفاسد وهل ذلك المسمى أو مهر المثل على روايتين مسألة قال ( ومتى عقد عليها وفيه الشرطان عدم الطول وخوف العنت ثم أيسر لم ينفسخ النكاح ) هذا ظاهر المذهب وهو مذهب الشافعي وفي المذهب وجه آخر أنه يفسد النكاح وهو قول المزني لأنه إنما أبيح للحاجة فإذا زالت الحاجة لم يجز له استدامته كمن أبيح له أكل الميتة للضرورة فإذا وجد الحلال لم يستدمه ولنا إن فقد الطول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة فلم تعتبر استدامته كخوف العنت ويفارق أكل الميتة فإن أكلها بعد القدرة ابتداء للأكل وهذا لا يبتدىء النكاح إنما يستديمه والاستدامة للنكاح تخالف ابتداءه بدليل أن العدة والردة وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته فصل وإن تزوج على الأمة حرة صح وفي بطلان نكاح الأمة روايتان إحداهما لا يبطل وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء والشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه والرواية الثانية ينفسخ نكاح الأمة وهو قول ابن عباس ومسروق وإسحاق والمزني ووجه الروايتين ما تقدم في المسألة وقال النخعي إن كان له من الأمة ولد لم يفارقها وإلا فارقها ولا يصح لأن ما كان مبطلا للنكاح في غير ذات الولد أبطله في ذات الولد كسائر مبطلاته ولأن ولده منها مملوك لسيدها ونفقته عليه وقد استدل على بقاء النكاح بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة فإنه لو بطل بنكاح الحرة لبطل بالقدرة عليه فإن القدرة على المبدل كاستعماله بدليل الماء مع التراب مسألة قال ( وله أن ينكح من الإماء أربعا إذا كان الشرطان فيه قائمين ) اختلفت الرواية عن أحمد في إباحة أكثر من أمة إذا لم تعفه فعنه أنه قال إذا خشي العنت تزوج أربعا إذا لم يصبر كيف يصنع وهذا قول الزهري والحارث والعكلي ومالك وأصحاب الرأي والرواية الثانية قال أحمد لا يعجبني أن يتزوج إلا أمة واحدة يذهب إلى حديث ابن عباس وهو ما روي عن ابن عباس أن الحر لا يتزوج من الإماء إلا واحدة وقرأ ذلك لمن خشي العنت منكم النساء 25 وبه قال قتادة الشافعي وابن المنذر لأن من له زوجة يمكنه وطؤها لا يخشى العنت ووجه كالأولى قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا النساء 25 وهذا داخل في عمومها ولأنه عادم للطول خائف للعنت فجاز له نكاح أمة الأولى وقولهم لا يخشى العنت قلنا الكلام فيمن يخشاه ولا نتيجة إلا له وقول ابن عباس يحمل على من لم يخش العنت فكذلك الرواية الأخرى عن أحمد وإن تزوج حرة فلم تعفه فذكر فيها أبو الخطاب روايتين مثل نكاح الأمة في حق من تحته أمة لم تعفه لما ذكرنا وإن كانت الحرة تعفه فلا خلاف في تحريم نكاح الأمة وإن نكح أمة تعفه لم يكن له أن ينكح أخرى فإن نكحها فنكاحها باطل لأنه يبطل في إحداهما وليست إحداهما بأولى من الأخرى فبطل كما لو جمع بين أختين
فصل وللعبد أن ينكح الأمة وإن فقد فيه الشرطان لأنه مساو لها فلم يعتبر فيه هذان الشرطان كالحر مع الحرة وله نكاح أمتين معا وواحدة بعد واحدة لأن خشية العنت غير مشروطة فيه وإن تزوج حرة وقلنا ليست الحرية شرطا في نكاح الحرة فهل له أن ينكح أمة فيه روايتان إحداهما له ذلك وهو قول مالك والشافعي لأنها مساوية له فلم يشترط لصحة نكاحها عدم الحر كالحر مع الحرة ولأنه لو اشترط عدم الحرة لاشترط عدم القدرة عليها كما في حق الحرة والثانية لا يجوز وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لأنه يروى عن سعيد بن المسيب أنه قال تنكح الحرة على الأمة ولا تنكح الأمة على الحرة ولأنه مالك لبضع حرة فلم يكن له أن يتزوج أمة كالحر وإن عقد النكاح عليهما جميعا صح فيهما لأن كل واحدة يجوز إفرادها بالعقد فجاز بالجمع بينهما كالأمتين فصل وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين أحدهما انقضاء عدتها فإن حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعه ولا يحل نكاحها قبل وضعه وبهذا قال مالك وأبو يوسف وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وفي الأخرى قال يحل نكاحها ويصح وهو مذهب الشافعي لأنه وطء لا يلحق به النسب فلم يحرم النكاح كما لو لم تحمل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره يعني وطء الحوامل وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع صحيح وهو عام وروي عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج امرأة فلما أصابها وجدها حبلى فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مائة رواه سعيد و رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة مجحا على باب فسطاط فقال لعله يريد أن يلم بها قالوا نعم قال لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يستخدمه وهو لا يحل له أم كيف يورثه وهو لا يحل له أخرجه مسلم ولأنها حامل من غيره فحرم عليه نكاحها كسائر الحوامل وإذا ثبت هذا لزمتها العدة وحرم عليها النكاح فيها لأنها في الأصل لمعرفة براءة الرحم ولأنها قبل العدة يحتمل أن تكون حاملا فيكون نكاحها باطلا فلم يصح كالموطوءة بشبهة وقال أبو حنيفة والشافعي لا عدة عليها لأنه وطء لا تصير به المرأة فراشا فأشبه وطء الصغيرة ولنا ما ذكرناه لأنه إذا لم يصح نكاح الحامل فغيرها أولى لأن وطء الحامل لا يفضي إلى اشتباه النسب ويحتمل أن يكون ولدها من الأول ويحتمل أن يكون من الثاني فيفضي إلى اشتباه الأنساب فكان بالتحريم أولى ولأنه وطء في القبل فأوجب العدة كوطء الشبهة ولا نسلم وطء الصغير الذي يمكن منه الوطء والشرط الثاني أن تتوب من الزنا قاله قتادة وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يشترط ذلك لما روي أن عمر ضرب رجلا وامرأة في الزنا وحرص أن يجمع بينهما فأبى الرجل وروي أن رجلا سأل ابن عباس عن نكاح الزانية فقال يجوز أرأيت لو سرق من كرم ثم ابتاعه أكان يجوز
ولنا قول الله تعالى والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين النور 3 وهي قبل التوبة في حكم الزنا فإذا تابت زال ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقوله التوبة تمحو الحوبة وروي أن مرتدا دخل مكة فرأى امرأة فاجرة يقال لها عناق فدعته إلى نفسها فلم يجبها فلما قدم المدينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنكح عناقا فلم يجبه فأنزل الله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك النور 3 فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا عليه الآية وقال لا تنكحها ولأنها إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن أن تلحق به ولد غيره وتفسد فراشه فأما حديث عمر فالظاهر أنه استتابها وحديث ابن عباس ليس فيه بيان ولا تعرض له لمحل النزاع إذا ثبت هذا فإن عدة الزانية كعدة المطلقة لأنه استبراء الحرة فأشبه عدة الموطوءة بشبهة وحكى ابن أبي موسى أنها تستبرأ بحيضة لأنه ليس من نكاح ولا شبهة نكاح فأشبه استبراء أم الولد إذا أعتقت وأما التوبة فهي الاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب كالتوبة من سائر الذنوب وروي عن ابن عمر أنه قيل له كيف تعرف توبتها قال يريدها على ذلك فإن طاوعته فلم تتب وإن أبت فقد تابت فصار أحمد إلى قول ابن عمر اتباعا له والصحيح الأول فإنه لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنا ويطلبه منها ولأن طلبه ذلك منها إنما يكون في خلوة ولا تحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن فكيف يحل في مراودتها على الزنا ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن تعود إلى المصيبة فلا يحل للتعرض لمثل هذا ولأن التوبة من سائر الذنوب وفي حق سائر الناس وبالنسبة إلى سائر الأحكام على غير هذا الوجه فكذلك يكون هذا فصل وإذا وجد الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره في قول أكثر أهل العلم منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة والزهري والثوري والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة أنها لا تحل للزاني بحال قالوا لا يزالان زانيين ما اجتمعا لعموم الآية والخبر ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح لقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم النساء 24 ولأنها محللة لغير الزاني فحلت له كغيرها فصل وإن زنت امرأة رجل أو زنى زوجها لم يفسخ النكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده في قول عامة أهل السلم وبذلك قال مجاهد وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وعن جابر بن عبدالله أن المرأة إذا زنت يفرق بينهما وليس لها شيء وكذلك روي عن الحسن وعن علي رضي الله عنه أنه فرق بين رجل وامرأته زنى قبل الدخول بها واحتج لهم بأنه لو قذفها ولاعنها بانت منه لتحقيقه الزنا عليها فدل على أن الزنا بينهما
ولنا إن دعواه الزنا عليها لا يبينها ولو كان النكاح ينفسخ به لانفسخ بمجرد دعواه كالرضاع ولأنها معصية لا تخرج عن الإسلام فأشبهت السرقة فأما اللعان فإنه يقتضي الفسخ بدون الزنا بدليل أنها إذا لاعنته فقد قابلته فلم يثبت زناها ولذلك أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الحد على من قذفها والفسخ واقع ولكن أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت قال لا أرى أن يمسك مثل هذه وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه وتلحق به ولدا ليس منه قال ابن المنذر لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم فيكون مثل قول اأحمد هذا قال أحمد ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض وذلك لما روى رويفع بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر يسقي ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالى ولأنها ربما تأتي بولد من الزنا فينسب إليه والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة لأنها تكفي في استبراء الإماء وفي أم الولد إذا عتقت بموت سيدها أو بإعتاق سيدها فيكفي ها هنا والمنصوص ها هنا مجرد الاستبراء وقد حصل بحيضة فيكتفي بها فصل وإذا علم الرجل من جاريته الفجور فقال أحمد لا يطؤها لعلها تلحق به ولدا ليس منه قال ابن مسعود أكره أن أطأ أمتي وقد بغت وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان ينهى أن يطأ الرجل أمته وفي بطنها ولد جنين لغيره قال ابن عبد البر هذا مجمع على تحريمه وكان ابن عباس يرخص في وطء الأمة الفاجرة وروي ذلك عن سعيد بن المسيب ولعل من كره ذلك كرهه قبل الاستبراء أو إذا لم يحصنها أو يمنعها من الفجور ومن أباحه بعدهما فيكون القولان متفقين والله أعلم مسألة قال ( ومن خطب امرأة فلم تسكن إليه فلغيره خطبتها ) الخطبة بالكسر خطبة الرجل المرأة لينكحها والخطبة بالضم هي حمد الله والتشهد ولا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام أحدهما أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه أو تأذن لوليها في إجابته أو تزويجه فهذه يحرم على غير خاطبها خطبتها لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك متفق عليهما ولأن في ذلك إفسادا على الخاطب الأول وإيقاع العداوة بين الناس ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الرجل على بيع أخيه ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم إلا قوما حملوا النهي على الكراهة والظاهر أولى القسم الثاني أن ترده أو لأتركن إليه فهذه يجوز خطبتها لما روت فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه انكحي أسامة بن زيد متفق عليه فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية وأبي جهم لها ولأن تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرار بها فإنه لا يشاء أحد أن يمنع المرأة النكاح إلا منعها بخطبته إياها وكذلك لو عرض لها في عدتها بالخطبة فقال لا تفوتيني بنفسك وأشباه هذا لم تحرم خطبتها لأن في قصة فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لا تفوتينا بنفسك ولم ينكر خطبة أبي جهم ومعاوية لها وذكر ابن عبد البر أن ابن وهب روى بإسناده عن الحارث بن سعد بن أبي ديان أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير بن عبدالله وعلى مروان بن الحكم وعلى عبدالله بن عمر
فدخل على المرأة وهي جالسة في بيتها فقال عمر إن جرير بن عبدالله يخطب وهو سيد أهل المشرق ومروان يخطب وهو سيد شاب قريش وعبدالله بن عمر وهو من قد علمتم وعمر بن الخطاب فكشفت المرأة الستر فقالت أجاد أمير المؤمنين فقال نعم فقالت فقد أنكحت أمير المؤمنين فأنكحوه فهذا عمر قد خطب على واحد بعد واحد قبل أن يعلم ما تقول المرأة في الأول القسم الثالث أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضى والسكون تعريضا لا تصريحا كقولها ما أنت إلا رضى وما عنك رغبة فهذه في حكم القسم الأول لا يحل لغيره خطبتها هذا ظاهر كلام الخرقي وظاهر كلام أحمد فإنه قال إذا ركن بعضهم إلى بعض فلا يحل لأحد أن يخطب والركون يستدل عليه بالتعريض تارة وبالتصريح أخرى وقال القاضي ظاهر كلام أحمد إباحة خطبتها وهو مذهب الشافعي في الجديد الحديث فاطمة حيث خطبها صلى الله عليه وسلم وزعموا أن الظاهر من كلامهاركونها إلى أحدهما واستدل القاضي بخطبته لها قبل سؤالها هل وجد منها ما دل على الرضى أو لا ولنا عموم قوله عليه السلام لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولأنه وجد منها ما دل على الرضى به وسكونها إليه فحرت خطبتها كما لو صرحت بذلك وأما حديث فاطمة فلا حجة لهم فيه فإن فيه ما يدل على أنها لم تركن إلى واحد منهما من وجهين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان قال لها لا تسبقيني بنفسك وفي لفظ لا تفوتيني بنفسك وفي رواية إذا حللت فآذنيني فلم تكن لتفتات بالإجابة قبل أن تؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالمستشيرة له فيهما أو في العدول عنهما إلى غيرهما وليس في الاستشارة دليل على ترجيح أحد الأمرين ولا ميل إلى أحدهما على أنها إنما ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لترجع إلى قوله ورأيه وقد أشار عليها بتركهما لما ذكرنا من عيبهما فجرى ذلك مجرى ردها لهما وتصريحها بمنعهما ومن وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهما بخطبتها تعريضا بقول لها ما ذكرنا فكانت خطبته بعدهما مبنية على الخطبة السابقة لهما بخلاف ما نحن فيه فصل والتعويل في الرد والإجابة على الولي إن كانت مجبرة وعليها إن لم تكن مجبرة لأنها أحق بنفسها من وليها ولو أجاب هو ورغبت عن النكاح كان الأمر أمرها وإن أجاب وليها فرضيت فهو كإجابتها وإن سخطت فلا حكم لإجابته لأن الحق لها ولو أجاب الولي في حق المجبرة فكرهت المجاب واختارت غيره سقط حكم إجابة وليها لكون اختيارها مقدما على اختياره وإن كرهته ولم تجز سواه فينبغي أن يسقط حكم الإجابة أيضا لأنه قد أمر باستئمارها فلا ينبغي له أن يكرهها على ما لا ترضاه وإن أجابته ثم رجعت عن الإجابة وسخطته زال حكم الإجابة لأن لها الرجوع وكذلك إذا رجع الولي المجبر عن الإجابة زال حكمها لأن له النظر في أمر موليته ما لم يقع العقد وإن لم ترجع هي ولا وليها ولكن ترك الخاطب الخطبة أو أذن فيها جازت خطبتها لما روي في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يأذن له أو يترك رواه البخاري فصل وخطبة الرجل على خطبة أخيه في موضع النهي محرمة قال أحمد لا يحل لأحد أن يخطب في هذه الحال وقال أبو جعفر العكبري هي مكروهة غير محرمة وهذا نهي تأديب لا تحريم ولنا ظاهر النهي فإن مقتضاه التحريم ولأنه نهي عن الإضرار بالآدمي المعصوم فكان على التحريم كالنهي عن أكل ماله وسفك دمه فإن فعل فنكاحه صحيح نص عليه أحمد فقال لا يفرق بينهما وهو مذهب الشافعي وروي عن مالك وداود أنه لا يصح وهو قياس قول أبي بكر لأنه قال في البيع على بيع أخيه وهو باطل وهذا في معناه ووجهه أنه نكاح منهي عنه فكان باطلا كنكاح الشغار
ولنا إن المحرم لم يفارق العقد فلم يؤثر فيه كما لو صرح بالخطبة في العدة فصل ولا يكره للولي الرجوع عن الإجابة إذا رأى المصلحة لها في ذلك لأن الحق لها وهو نائب عنها في النظر لها فلا يكره له الرجوع الذي رأى المصلحة فيه كما لو ساوم في بيع دارها ثم تبين له المصلحة في تركها ولا يكره لها أيضا الرجوع إذا كرهت الخاطب لأنه عقد عمري يوم الضرر فيه فكان لها الاحتياط لنفسها والنظر في حظها وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف الوعد والرجوع عن القول ولم يحرم لأن الحق بعد لم يلزمهما كمن سام سلعة ثم بدا له ألا يبيعها فصل فإن كان الخاطب الأول ذميا لم تحرم الخطبة على خطبته نص عليه أحمد فقال لا يخطب على خطبة أخيه ولا يساوم على سوم أخيه إنما هو للمسلمين ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني أو استام على سومهم لم يكن داخلا في ذلك لأنهم ليسوا بإخوة للمسلمين وقال ابن عبد البر لا يجوز أيضا لأن هذا خرج مخرج الغالب لا لتخصيص المسلم به ولنا إن لفظ النهي خاص في المسلمين وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله وليس الذمي كالمسلم ولا حرمته كحرمته ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها وقوله خرج مخرج الغالب قلنا متى كان في المخصوص بالذكر معنى يصح أن يعتبر في الحكم لم يجز حذفه ولا تعدية الحكم بدونه وللأخوة الإسلامية تأثير في وجوب الاحترام وزيادة الاحتياط في رعاية حقوقه وحفظ قلبه واستبقاء مودته فلا يجوز خلاف ذلك والله أعلم مسألة قال ( ولو عرض لها وهي في العدة بأن يقول إني في مثلك لراغب وإن قصي شيء كان وما أشبهه من الكلام مما يدلها على رغبته فيها فلا بأس إذا لم يصرح ) وجملة ذلك أن المعتقدات على ثلاثة أضرب معتدة من وفاة أو طلاق ثلاث أو فسخ لتحريمها على زوجها كالفسخ برضاع أو لعان أو نحوه مما لا تحل بعد لزوجها فهذه يجوز التعريض بخطبتها في عدتها لقول الله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء البقرة 235 ولما روت فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما طلقها زوجها ثلاثا إذا حللت فآذنيني وفي لفظ لا تسبقيني بنفسك وفي لفظ لا تفوتينا بنفسك وهذا تعريض بخطبتها في عدتها ولا يجوز التصريح لأن الله تعالى لما خص التعويض بالإباحة دل على تحريم التصريح ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح فلا يؤمن أن يحملها الحرص عليه على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها والتعريض بخلافه القسم الثاني الرجعية فلا يحل لأحد التعويض بخطبتها ولا التصريح لأنها في حكم الزوجات فهي كالتي في صلب نكاحه القسم الثالث بائن يحل لزوجها نكاحها كالمختلعة والبائن يفسخ لغيبة أو إعسار ونحوه فلزوجها التصريح بخطبتها والتعريض لأنها مباحة له نكاحها في عدتها فهي كغير المعتدة وهل يجوز لغيره التعريض بخطبتها فيه وجهان للشافعي فيه أيضا قولان أحدهما يجوز لعموم الآية ولأنها بائن فأشبهت المطلقة ثلاثا والثاني لا يجوز لأن الزوج يملك أن يستبيحها فهي كالرجعية والمرأة في الجواب كالرجل في الخطبة فيما يحل ويحرم لأن الخطبة للعقد فلا يختلفان في حله وحرمته إذا ثبت هذا فالتعريض أن يقول إني في مثلك لراغب ورب راغب فيك
وقال القاسم بن محمد التعريض أن يقول إنك علي لكريمة وإني فيك لراغب وإن الله لسائق إليك خيرا أو رزقا وقال الزهري أنت جميلة وأنت مرغوب فيك وإن قال لا تسبقينا بنفسك أو لا تفوتينا بنفسك أو إذا حللت فآذنيني ونحو ذلك جاز قال مجاهد مات رجل وكانت امرأته تتبع الجنازة فقال رجل لا تسبقينا بنفسك فقالت سبقك غيرك وتجيبه المرأة إن قضي شيء كان وما نرغب عنك وما أشبهه والتصريح هو اللفظ الذي لا يحتمل غير النكاح نحو أن يقول زوجيني نفسك أو إذا انقضت عدتك تزوجتك ويحتمل أن هذا معنى قوله تعالى لا تواعدوهن سرا البقرة 235 فإن النكاح يسمى سرا قوله قال الشاعر فلن تطلبوا سرها للفتى ولن تسلموها لازهادها وقال الشافعي السر الجماع وأنشد لامرىء القيس ألا زعمت بسباسة القوم أنني كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ومواعدة السر أن يقول عندي جماع يرضيك ونحوه وكذلك إن قال رب جماع يرضيك فنهى عنه لما فيه من الهجر والفحش والدناءة والسخف فصل فإن صرح بالخطبة أو عرض في موضع يحرم التعريض ثم تزويجها بعد حلها صح نكاحه وقال مالك يطلقها تطليقة ثم يتزوجها وهذا غير صحيح لأن هذا المحرم لم يقارن العقد فلم يؤثر فيه كما في النكاح الثاني أو كما لو رآها متجردة ثم تزوجها فصل ويحرم على العبد نكاح سيدته قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل وروى الأثرم بإسناده عن أبي الزبير قال سألت جابرا عن العبد ينكح سيدته فقال جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابية وقد نكحت عبدها فانتهرها عمر وهم أن يرجمها وقال لا يحل لك ولأن أحكام النكاح مع أحكام الملك يتنافيان فإن كل واحد منهما يقتضي أن يكون الآخر بحكمه يسافر بسفره ويقيم بإقامته وينفق عليه فيتنافيان فصل وليس للسيد أن يتزوج أمته لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه ولو ملك زوجته وهي أمة انفسخ نكاحها وكذلك لو ملكت المرأة زوجها انفسخ نكاحها ولا نعلم في هذا خلافا ولا يجوز أن يتزوج أمة له فيها ملك ولا يتزوج مكاتبته لأنها مملوكته فصل ولا يجوز للحر أن يتزوج أمة ابنه لأن له فيها شبهة وهذا قول أهل الحجاز وقال أهل العراق له ذلك لأنها ليست مملوكة له ولا تعتق بإعتاقه لها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ولأنه لو ملك جزءا من أمة لم يصح نكاحها لها فما هي مضافة إليه بجملتها شرعا أولى بالتحريم وكذلك لا يجوز للعبد نكاح أم سيده أو سيدته مع ما ذكرنا من الخلاف ويجوز للعبد أن يتزوج أمة ابنه لأن الرق يقطع ولايته عن أبيه وماله ولهذا لا يلي ماله ولا نكاحه ولا يرث أحدهما صاحبه فهو كالأجنبي منه فصل وللابن نكاح أمة أبيه لأنه لا ملك له فيها ولا شبهة ملك فأشبه الأجنبي وكذلك سائر القرابات ويجوز أن يزوج الرجل ابنته المملوكة إذا قلنا ليست الحرية شرطا في الصحة ومتى مات الأب فورث أحد الزوجين صاحبه أو جزءا منه انفسخ النكاح وكذلك إن ملكه أو جزءا منه بغير الإرث لا نعلم فيه خلافا إلا أن الحسن قال إذا اشترى امرأته للعتق فأعتقها حين ملكها فهما على نكاحهما ولا يصح لأنهما متنافيان فلا يجتمعان قليلا ولا كثيرا فبمجرد الملك لها انفسخ نكاحه سابقا على عتقها وحكم المكاتب يتزوج بنت سيده أو سيدته حكم العبد في أنه إذا مات سيده انفسخ نكاحه وقال أصحاب الرأي بحاله لأنها لا تملكه إنما لها عليه دين وليس بصحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولأنه لو زال الملك عنه لما عاد بعجزه كما لو أعتق فصل وإذا ملكت المرأة زوجها أو بعضه فانفسخ نكاحها فليس ذلك بطلاق فمتى أعتقه ثم تزوجها لم تحتسب عليه بتطليقة
وبهذا قال الحكم وحماد ومالك والشافعي وابن المنذر وإسحاق وقال الحسن والزهري وقتادة والأوزاعي هي تطليقة وليس بصحيح لأنه لم يلفظ بطلاق صريح ولا كناية وإنما انفسخ النكاح بوجود ما ينافيه فأشبه انفساخه بإسلام أحدهما أو ردته ولو ملك الرجل بعض زوجته انفسخ نكاحها وحرم وطؤها في قول عامة المفتين حتى يستخلصها فتحل له بملك اليمين روي عن قتادة أنه قال لم يزده ملكه فيها إلا قربا وليس بصحيح لأن النكاح لا يبقى في بعضها وملكه لم يتم عليها ولا يثبت الحل فيما لا يملكه ولا نكاح فيه فصل ولا يجوز للرجل وطء جارية ابنه لأن الله تعالى قال إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 وليست هذه زوجة له ولا مملوكته ولأنه يحل لابنه وطؤها ولا تحل المرأة لرجلين فإن وطئها فلا حد عليه نص عليه أحمد وقال داود يحد وقال بعض الشافعية إن كان ابنه وطئها حد لأنها محرمة عليه على التأبيد ولنا إن له فيها شبهة لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك والحد يدرأ بالشبهات ولأن الأب لا يقتل بقتل ابنه والقصاص حق آدمي فإذا سقط بشبهة الملك فالحد الذي هو حق الله تعالى بطريق الأولى ولأنه لا يقطع بسرقة ماله ولا يحد بقذفه فكذلك لا يحد بالزنا بجاريته فإذا ثبت هذا فإنها تحرم على الابن على التأبيد وإن كان الابن قد وطئها حرمت عليهما على التأبيد وإذا لم تعلق من الأب لم يزل ملك الابن عنها ولم يلزمه قيمتها وقال أبو حنيفة يلزمه ضمانها لأنه أتلفها عليه وحرمه وطأها فأشبه ما لو قبلها ولنا أنه لم يخرجها عن ملكه ولم تنقص قيمتها فأشبه ما لو أرضعها امرأته فإنها تحرم على الابن ولا يجب له ضمانها وإن علقت منه فالولد حر يلحق به النسب لأنه من وطء لا يجب به الحد لأجل الشبهة فأشبه ولد الجارية المشتركة وتصير الجارية أم ولد للأب وقال الشافعي في أحد قوليه لا تصير أم ولد لأنها غير مملوكة له فأشبه ما لو وطىء جارية أجنبي بشبهة ولنا إنها علقت منه بحر لأجل الملك فأشبهت الجارية المشتركة إذا كان موسرا قال أصحابنا ولا يلزم الأب قيمة الجارية ولا قيمة ولدها ولا مهرها وقال الشافعي يلزمه ذلك كله إذا حكم بأنها أم ولد وهذا يبنى على أصل وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء وأنه ليس للابن مطالبة أبيه بدين له عليه ولا قيمة متلف وعندهم بخلاف ذلك وهذا يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى فصل وإن وطىء الابن جارية أبيه عالما بتحريم ذلك فعليه الحد ولا يلحقه النسب ولا تصير به الجارية أم ولد لأنه لا ملك له ولا شبهة ملك فأشبه وطء الأجنبية وكذلك سائر الأقارب فصل وإن وطىء الأب وابنه جارية الابن في طهر واحد فأتت بولد أري القافة فألحق بمن ألحقته به منهما وصارت أم ولد له كما لو انفرد بوطئها وإن ألحقته بهما وإن أولدها أحدهما بعد اخر فهي أم ولد للأول منهما خاصة لأنها بولادتها منه صارت له أم ولد لانفراده بإيلادها فلا تنقل بعد ذلك إلى غيره لأن أم الولد لا ينقل الملك فيها إلى غير مالكها وقد نقل عن أحمد في رجل وقع على جارية ابنه فإن كان الأب قابضا لها ولم يكن الابن وطئها فأحبلها الأب فالولد ولده والجارية له وليس للابن فيها شيء قال القاضي ظاهر هذا أن الابن إن كان وطئها لم تصر أم ولد للأب لأنه يحرم عليه وطؤها وأخذها فتكون قد علقت بمملوك وإن كان الأب قبضها ولم يكن الابن وطئها ملكها لأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما زاد على قدر نفقته ولم تتعلق به حاجته فيتملكه باب نكاح أهل الشرك
أنكحة الكفار صحيحة يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا إذا كانت المرأة ممن يجوز ابتداء نكاحها في الحال ولا ينظر صفة عقدهم وكيفيته ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول وأشباه ذلك بلا خلاف بين المسلمين قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحها ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع وقد أسلم خلق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم نساءهم وأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شروط النكاح ولا كيفيته وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة فكان يقينا ولكن ينظر في الحال فإذا كانت المرأة على صفة يجوز له ابتداء نكاحها أقر وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كأحد المحرمات بالنسب أو السبب أو المعتدة والمرتدة والوثنية والمجوسية والمطلقة ثلاثا لم يقر وإن تزوجها في العدة وأسلما بعد انقضائها أقر لأنها يجوز ابتداء نكاحها مسألة قال ( قال أبو القاسم رحمه الله تعالى ( وإذا أسلم الوثني وقد تزوج بأربع وثنيات ولم يدخل بهن بن منه وكن لكل واحدة نصف ما سمى لها إن كان حلالا أو نصف صداق مثلها إن كان ما سمى لها حراما ولو أسلم النساء قبله وقبل الدخول بن منه أيضا ولا شيء عليه لواحدة منهن فإن كان إسلامه وإسلامهن قبل الدخول معا فهن زوجات فإن كان دخل بهن ثم أسلم فمن لم تسلم منهن قبل انقضاء عدتها حرمت عليه منذ اختلف الدينان ) في هذه المسألة فصول خمسة أحدها أنه إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين أو كتابي يتزوج بوثنية أو مجوسية قبل الدخول تعجلت الفرقة بينهما من حين إسلامه ويكون ذلك فسخا لا طلاقا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تتعجل الفرقة بل إن كانا في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ وإن كانا قد دار الحرب وقف ذلك على انقضاء عدتها فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة فإن كان الإباء من الزوج كان طلاقا لأن الفرقة حصلت من قبله فكان طلاقا كما لو لفظ به وإن كان من المرأة كان فسخا لأن المرأة لا تملك الطلاق وقال مالك إن كانت هي المسلمة عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا وقعت الفرقة وإن كان هو المسلم تعجلت الفرقة لقوله سبحانه ولا تمسكوا بعصم الكوافر الممتحنة 10 ولنا إنه اختلاف دين يمنع الإقرار على النكاح فإذا وجد قبل الدخول تعجلت الفرقة كالردة على ملك كإسلام الزوج أو كما لو أبى الآخر الإسلام ولأنه إن كان هو المسلم فليس له إمساك كافرة لقوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر الممتحنة 10 وإن كانت هي المسلمة فلا يجوز إبقاؤها على نكاح مشرك ولنا على أنها فرقة فسخ أنها فرقة باختلاف الدين فكان فسخا كما لو أسلم الزوج وأبت المرأة ولأنها فرقة بغير لفظ فكانت فسخا كفرقة الرضاع الفصل الثاني أن الفرقة إذا حصلت قبل الدخول بإسلام الزوج فللمرأة نصف المسمى وإن كانت التسمية صحيحة أو نصف مهر مثلها إن كانت فاسدة مثل أن يصدقها خمرا أو خنزيرا لأن الفرقة حصلت بفعله وإن كانت بإسلام المرأة فلا شيء لها لأن الفرقة من جهتها وبهذا قال الحسن ومالك والزهري والأوزاعي وابن شبرمة والشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن لها نصف المهر إذا كان هي المسلمة واختارها أبو بكر وبه قال قتادة والثوري ويقتضيه قول أبي حنيفة لأن الفرقة حصلت من قبله بإبائه الإسلام وامتناعه منه وهي فعلت ما فرض الله عليها فكان لها نصف ما فرض الله لها كما لو علق طلاقها على الصلاة فصلت
ونقل عن أحمد في مجوسي أسلم قبل أن يدهل بامرأته لا شيء لها من الصداق ووجهه ما ذكرناه ووجه الأول أن الفرقة حصلت باختلاف الدين واختلاف الدين حصل بإسلامها فكانت الفرقة حاصلة بفعلها فلم يجب لها شيء كما لو ارتدت ويفارق تعليق الطلاق فإنه من جهة الزوج ولهذا لو علقه على دخول الدار فدخلت وقعت الفرقة ولها نصف المهر الفصل الثالث أن الزوجين إذا أسلما معا فهما على نكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف بحمد الله ذكر ابن عبد البر أنه إجماع من أهل العلم وذلك لأنه لم يوجد منهم اختلاف دين وقد روى أبو داود عن ابن عباس أن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته مسلمة بعده فقال يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردها عليه ويعتبر تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة لئلا يسبق أحدهما صاحبه فيفسد النكاح ويحتمل أن يقف على المجلس كالقبض ونحوه فإن حكم المجلس كلها حكم حالة العقد ولأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة فلو اعتبر ذلك لوقعت الفرقة بين كل مسلمين قبل الدخول إلا في الشاذ النادر فيبطل الإجماع الفصل الرابع أنه إذا إسلام أحدهما بعد الدخول ففيه عن أحمد روايتان إحداهما يقف على النقضاء العدة فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت العدة وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان فلا يحتاج إلى استئناف العدة وهذا قول الزهري والليث والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي وإسحاق ونحوه عن مجاهد وعبدالله بن عمر ومحمد بن الحسن والرواية الثانية تتعجل الفرقة وهو اختيار الخلال وصاحبه وقول الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ونصره ابن المنذر وقول أبي حنيفة ها هنا كقوله فيما قبل الدخول إلا أن المرأة إذا كانت في دار الحرب فانقضت عدتها وحصلت الفرقة لزمها استئناف العدة وقال مالك إن أسلم الرجل قبل امرأته عرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا وقعت الفرقة وإن كانت غائبة تعجلت الفرقة وإن أسلمت المرأة قبله وقفت على انقضاء العدة واحتج من قال بتعجيل الفرقة بقول سبحانه ولا تمسكوا بعصم الكوافر الممتحنة 10 ولأن ما يوجب العزيز فسخ النكاح لا يختلف بما قبل الدخول وبعده كالرضاع ولنا ما روى مالك في موطئه عن ابن شهاب قال كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم فلم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح قال ابن عبد البر وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده وقال ابن شهاب أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم وقدم فبايع النبي صلى الله عليه وسلم فثبتا على نكاحهما وقال ابن شبرمة كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبل الرجل فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما ولأن أبا سفيان خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ولم تسلم هند امرأته حتى فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فثبتا على النكاح وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبدالله بن أمية فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح بالأبواء فأسلما قبل نسائهما ولم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته ويبعد أن يتفق إسلامهما دفعة واحدة ويفارق ما قبل الدخول فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة كالمطلقة واحدة وها هنا لها عدة فإذا انقضت تبينا وقوع الفرقة من حين أسلم الأول فلا يحتاج إلى عدة ثانية لأن اختلاف الدين سبب الفرقة فتحتسب الفرقة منه كالطلاق
الفصل الخامس أنه إذا أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتى انقضت عدة المرأة انفسخ النكاح في قول عامة العلماء قال ابن عبد البر لم يختلف العلماء في هذا إلا شيء روي عن النخعي شذ فيه عن جماعة العلماء فلم يتبعه عليه أحد رغم أنها ترد إلى زوجها وإن طالت المدة لما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينت على زوجها أبي العاص بنكاحها الأول رواه أبو داود واحتج به أحمد قيل له أليس أنه ردها بنكاح مستأنف قال ليس له أصل وقيل كان بين إسلامها وردها إليه ثمان سنين ولنا قول الله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن الممتحنة 10 وقوله سبحانه ولا تمسكوا بعصم الكوافر الممتحنة 10 والإجماع المنعقد على تحريم تزوج المسلمات على الكفار فأما قصة أبي العاص مع امرأته فقال ابن عبد البر لا يخلو من أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار فتكون منسوخة بما جاء بعدها أو تكون حاملا استمر حكمها حتى أسلم زوجها أو مريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم أو تكون ردت إليه بنكاح جديد فقد روى ابن أبي شيبة في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها على أبي العاص بنكاح جديد ورواه الترمذي وقال سمعت عبد بن حميد يقول سمعت يزيد بن هارون يقول حديث ابن عباس أجود إسنادا والعمل على حديث عمرو بن شعيب فصل وإذا وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد الدخول فلها المهر كاملا لأنه استقر بالدخول فلم يسقط بشيء فإن كان مسمى صحيحا فهو لها لأن أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها أحكام الصحة وإن كان محرما وقد قبضته في حال الكفر فليس لها غيره لأننا لانتعرض لما مضى من أحكامهم وإن لم تقبضه وهو حرام فلها مهر مثلها لأن الخمر والخنزيرة لا يجوز أن يكون صداقا لمسلمة ولا في نكاح مسلم وقد صارت أحكامهم أحكام المسلمين فأما نفقة العدة فإن كانت هي المسلمة قبله فلها نفقة عدتها لأنه يتمكن من إبقاء نكاحها واستمتاعه منها بإسلامه معها فكانت لها النفقة كالرجعية وإن كان هو المسلم قبلها فلا نفقة لها عليه لأنه لا سبيل له إلى استبقاء نكاحها وتلافي حالها فأشبهت البائن وسواء أسلمت في عدتها أو لم تسلم فإن قيل إذا لم تسلم تبينا أن نكاحها انفسخ باختلاف الدينين فكيف تجب النفقة للبائن قلنا لأنه كان يمكن للزوج تلافي نكاحها إذا أسلمت بل يجب عليه ذلك فكانت في معنى الرجعية فإن قيل الرجعية جرت إلى البينونة بسبب منه وهذا السبب منها قلنا إلا أنه كان فرضا عليها مضيقا ويمكنه تلافيه بخلاف ما إذا أسلمت قبل الدخول فإنه يسقط مهرها جميعه لأنه ما أمكنه تلافيه فصل في اختلاف الزوجين لا يخلو اختلافهما من حالين أحدهما أن يكون قبل الدخول ففيه مسألتان المسألة الأولى أن يقول الزوج أسلمنا معا فنحن على النكاح وتقول هي بل أسلم أحدنا قبل صاحبه فانفسخ النكاح فقال القاضي القول قول المرأة لأن الظاهر معها وكذلك إذ يتعذر اتفاق الإسلام منهما دفعة واحدة والقول قول من الظاهر معه ولذلك كان القول قول صاحب اليد وذكر أبو الخطاب فها وجها آخر أن القول قول الزوج لأن الأصل بقاء النكاح والفسخ طارىء عليه فكان القول قول من يوافق قوله الأصل كالمنكر وللشافعي قولان كهذين الوجهين المسألة الثانية أن يقول الزوج أسلمت قبلي فلا صداق لك وتقول هي أسلمت قبلي فلي نصف الصداق فالقول قولها لأن المهر وجب بالعقد والزوج يدعي ما يسقطه والأصل بقاؤه ولم يعارضه ظاهر فبقي فإن اتفقا على أن أحدهما أسلم قبل صاحبه ولا يعلمان عينه فلها نصف الصداق كذلك ذكره أبو الخطاب وقال القاضي إن لم تكن قبضت فلا شيء لها لأنها تشك في استحقاقها فلا تستحق بالشك وإن كان بعد القبض لم يرجع عليها لأنه يشك في استحقاق الرجوع ولا يرجع مع الشك والأول أصح
لأن اليقين لا يزال بالشك وكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين وهذه قد كان صداقها واجبا لها وشكا في سقوطه فيبقى على الوجوب وأما إن اختلفا بعد الدخول ففيه أيضا مسألتان المسألة الأولى أن يقول أسلمنا معا أو أسلم الثاني منا في العدة فنحن على النكاح وتقول هي بل أسلم الثاني بعد العدة فانفسخ النكاح ففيه وجهان أحدهما القول قوله لأن الأصل بقاء النكاح والثاني القول قولها لأن الأصل عدم إسلام الثاني المسألة الثانية أن تقول أسلمت قبلك فلي نفقة العدة ويقول هو أسلمت قبلك فلا نفقة لك فالقول قولها لأن الأصل وجوب النفقة وهو يدعي سقوطها وإن قالت أسلمت بعد شهرين من إسلامي فلا نفقة لك فيهما وقالت بعد شهر فالقول قوله لأن الأصل عدم إسلامها في الشهر الثاني فأما إن ادعى هو ما يفسخ النكاح وأنكرته انفسخ النكاح لأنه يقر على نفسه بزوال نكاحه وسقوط حقه فأشبه ما لو ادعى أنها أخته من الرضاع فكذبته فصل وسواء فيما ذكرنا اتفقت الداران أو اختلفتا وبه قال مالك والأوزاعي والليث والشافعي وقال أبو حنيفة إن أسلم أحدهما وهما في دار الحرب ودخل دار الإسلام انفسخ النكاح ولو تزوج حربي حربية ثم دخل دار الإسلام وعقد الذمة انفسخ نكاحه لاختلاف الدارين ويقتضي مذهبه أن أحد الزوجين الذميين إذا دخل دار الحرب ناقضا للعهد انفسخ نكاحه لأن الدار اختلفت بهما فعلا وحكما فوجب أن تقع الفرقة بينهما كما لو أسلمت في دار الإسلام قبل الدخول ولنا إن أبا سفيان أسلم بمر الظهران وامرأته بمكة لم تسلم وهي دار حرب وأم حكيم أسلمت بمكة وهرب زوجها عكرمة إلى اليمن وامرأة صفوان بن أمية أسلمت يوم الفتح وهرب زوجها ثم أسلموا وأقروا على أنكحتهم مع اختلاف الدين والدار بهم ولأنه عقد معاوضة فلم يفسخ باختلاف الدار كالبيع ويفارق ما قبل الدخول فإن القاطع للنكاح اختلاف الدين المانع من الإقرار على النكاح دون ما ذكروه فعلى هذا لو تزوج مسلم مقيم بدار الإسلام حربية من أهل الكتاب صح نكاحه وعندهم لا يصح ولنا عموم قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 5 ولأنها امرأة يباح نكاحها إذا كانت في دار الإسلام فأبيح نكاحها في دار الحرب كالمسلمة مسألة قال ( ولو نكح أكثر من أربع في عقد واحد أو في عقود متفرقة ثم أصابهن ثم أسلم ثم أسلمت كل واحدة منهن في عدتها اختار أربعا منهن وفارق ما سواهن سواء كان من أمسك منهن أول من عقد عليهن أو آخرهن ) وجملة ذلك أن الكافر إذا أسلم ومعه أكثر من أربع نسوة فأسلمن في عدتهن أو كن كتابيات لم يكن له إمساكهن كلهن بغير خلاف نعلمه ولا يملك إمساك أكثر من أربعة فإذا أحب ذلك اختار أربعا منهن وفارق سائرهن سواء تزوجن في عقد أو في عقود وسواء اختار الأوائل أو الأواخر نص عليه أحمد وبه قال الحسن ومالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إن كان تزوجهن في عقد انفسخ نكاح جميعهن وإن كان في عقود فنكاح الأوائل صحيح ونكاح ما زاد على أربع باطل لأن العقد إذا تناول أكثر من أربع فتحريمه من طريق الجمع فلا يكون فيه مخيرا بعد الإسلام كما لو تزوجت المرأة زوجين في حال الكفر ثم أسلموا ولنا ما روى قيس بن الحارث قال أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ذلك فقال اختر منهن أربعا رواه أحمد وأبو داود وروى محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة فأسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخير منهن أربعا رواه الترمذي ورواه مالك في موطئه عن الزهري مرسلا ورواه الشافعي في مسنده عن ابن علية عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه
إلا أنه غير محفوظ غلط فيه معمر وخالف فيه أصحاب الزهري كذلك قال الحفاظ الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ولأن كل عدد جاز له ابتداء العقد عليه جاز له إمساكه بنكاح مطلق في حال الشرك كما لو تزوجن بغير شهود وأما إذا تزوجت بزوجين فنكاح الثاني باطل لأنها ملكته ملك غيرها وإن جمعت بينهما لم يصح لأنها لم تملكه جميع بعضها ولأن ذلك ليس بشائع عند أحد من أهل الأديان ولأن المرأة ليس لها اختيار النكاح وفسخه بخلاف الرجل فصل ويجب عليه أن يختار أربعا فما دون ويفارق سائرهن أو يفارق الجميع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر غيلان وقيسا بالاختيار وأمره يقتضي الوجوب ولأن المسلم لا يحوز إقراره على نكاح أكثر من أربع فإن أبى أجبر بالحبس والتعزير إلى أن يختار لأن هذا حق عليه يمكنه إيفاؤه وهو ممتنع منه فأجبر عليه كإيفاء الدين وليس للحاكم أن يختار عنه كما يطلق على المولى إذا امتنع من الطلاق لأن الحق ها هنا لغير معين وإنما تتعين الزوجات ياختياره وشهوته وذلك لا يعرفه الحاكم فينوب عنه فيه بخلاف المولى فإن الحق لمعين يمكن الحاكم إيفاؤه والنيابة عن المستحق فيه فإن جن خلي حتى يعود عقله ثم يجبر على الاختيار وعليه نفقة الجميع إلى أن يختار لأنهن محبوسات عليه ولأنهن في حكم الزوجات أيتهن اختار جاز فصل ولو زوج الكافر ابنه الصغير أكثر من أربع ثم أسلموا جميعا لم يكن له الاختيار قبل بلوغه فإنه لا حكم لقوله وليس لأبيه الاختيار عنه لأن ذلك حق يتعلق بالشهوة فلا يقوم غيره مقامه فيه فإذا بلغ الصبي كان له أن يختار حينئذ وعليه النفقة إلى أن يختار فصل فإن مات قبل أن يختار لم يقم وارثه مقامه لما ذكرنا في الحاكم وعلى جميعهن العدة لأن الزوجات لم يتعين منهن فمن كانت منهن حاملا فعدتها بوضعه ومن كانت آيسة أو صغيرة فعدتها أربعة أشهر وعشر لأنها أطول العدتين في حقها وإن كانت من ذوات القروء فعدتها أطول الأجلين من ثلاثة قروء أو أربعة أشهر وعشر لتقضي العدة بيقين لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة وعدة المختار عدة الوفاة وعدة المفارقة ثلاثة قروء فأوجبنا أطولهما لتنقضي العدة بيقين كما قلنا فيمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها عليه خمس صلوات وهذا مذهب الشافعي فأما الميراث فإن اصطلحن عليه فهو جائز كيفما اصطلحن لأن الحق لهن لا يخرج عنهن وإن أبين الصلح فقياس المذهب أن يقرع بينهن فتكون الأربع منهن بالقرعة وعند الشافعي يوقف الميراث حتى يصطلحن وأصل هذا يذكر في غير هذا الموضوع إن شاء الله تعالى فصل وصفة الاختيار أن يقول اخترت نكاح هؤلاء أو اخترت هؤلاء أو أمسكتهن أو اخترت حبسهن أو إمساكهن أو نكاحهن أو أمسكت نكاحهن أو ثبت نكاحهن أو أثبتهن وإن قال لما زاد على الأربع فسخت نكاحهن كان اختيارا للأربع وإن طلق إحداهن كان اختيارا لها لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة وإن قال قد فارقت هؤلاء أو اخترت فراق هؤلاء فإن لم ينو الطلاق كان اختيارا لغيرهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان اخترت منهن أربعا وفارق سائرهن وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحا فيه كما كان لفظ الطلاق صريحا فيه وكذا في حديث فيروز الديلمي قال فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها وهذا الموضع أخص بهذا اللفظ فيجب أن يتخصص فيه بالفسخ وإن نوى به الطلاق كان اختيارا لهن دون غيرهن وذكر القاضي فيه عند الإطلاق وجهين أحدهما أنه يكون اختيارا للمفارقات لأن لفظ الفراق صريح في الطلاق والأولى ما ذكرناه وإن وطىء إحداهن كان اختيارا لها في قياس المذهب لأنه لا يجوز إلا في ملك فيدل على الاختيار كوطء الجارية المبيعة بشرط الخيار ووطء الرجعية أيضا اختيار لها وإن آلى من واحدة منهن أو ظاهر منها لم يكن اختيارا لها
لأنه يصح في غير زوجة في أحد الوجهين وفي الآخر يكون اختيارا لها لأن حكمه لا يثبت في غير زوجة وإن قذفها لم يكن اختيارا لها لأنه يقع في غير زوجة فصل وإذا اختار منهن أربعا وفارق البواقي فعدتهن من حين اختار لأنهن بن منه بالاختيار ويحتمل أن تكون عدتهن من حين أسلم لأنهن بن بإسلامه وإنما يتبين ذلك باختياره فيثبت حكمه من حين الإسلام كما إذا أسلم أحد الزوجين ولم يسلم الآخر حتى انقضت عدتها وفرقهن فسخ لأنها تثبت بإسلامه من غير لفظ منهن وعدتهن كعدة المطلقات لأن عدة من انفسخ نكاحها كذلك وإن ماتت إحدى المختارات أو بانت منه وانقضت عدتها فله أن ينكح من المفارقات وتكون عنده على طلاق ثلاث لأنه لم يطلقها قبل ذلك وإن اختار أقل من أربع أو اختار ترك الجميع أمر بطلاق أربع أو تمام أربع لأن الأربع الزوجات لا يبن منه إلا بطلاق أو ما يقوم مقامه فإذا طلق أربعا منهن وقع طلاقه بهن وانفسه نكاح الباقيات لاختياره لهن وتكون عدة المطلقات من حين طلق وعدة الباقيات على الوجهين وإن طلق الجميع أقرع بينهن فإذا وقعت القرعة على أربع منهن كن المختارات ووقع طلاقه بهن وانفسخ نكاح البواقي فإن كان الطلاق ثلاثا فمتى انقضت عدتهن فله أن ينكح من الباقيات لأنهن لم يطلقن منه ولا تحل له المطلقات إلا بعد زوج وإصابة ولو أسلم ثم طلق الجميع فبل إسلامهن ثم أسلمن في العدة أمر أن يختار أربعا منهن فإذا اختارهن تبينا أن طلاقه وقع بهن لأنهن زوجات ويتعددن من حين طلاقه وبان البواقي باختياره لغيرهن ولا يقع بهن طلاقه وله نكاح أربع منهن إذا انقضت عدة المطلقات لأن هؤلاء غير مطلقات والفرق بين هذه وبين التي قبلها أن طلاقهن قبل إسلامهن في زمن ليس له الاختيار فيه فإذا أسلمن تجدد له الاختيار حينئذ وفي التي قبلها يطلقن وله الاختيار والطلاق يصلح اختيارا وقد أوقعه في الجميع وليس بعضهم أولى من بعض فصرنا إلى القرعة لتساوي الحقوق فصل وإذا أسلم قبلهن وقلنا بتعجيل الفرقة باختلاف الدين فلا كلام وإن قلنا يقف على انقضاء العدة ولم يسلمن حتى انقضت عدتهن تبينا أنهن بن منذ اختلف الدينان فإن كان قد طلقهن قبل انقضاء عدتهن تبينا أن طلاقه يقع بهن وله نكاح أربع منهم إذا أسلمن وإن كان وطئهن تبينا أنه وطىء غير نسائه وإن لاعنهن أو ظاهر أو قذف تبينا أن ذلك كان في غير زوجته وحكمه حكم ما لو خاطب بذلك أجنبية فإن أسلم بعضهن في العدة تبينا أنها زوجته فوقع الطلاق بها وكان وطؤه لها وطأ لمطلقته وإن كانت المطلقة غيرها فوطؤه لها وطء لامرأته وكذلك إن كان وطؤه لها قبل طلاقها وإن طلق الجميع فأسلم أربع نسوة منهن أو أقل في عدتهن ولم تسلم البواقي لعينت الزوجية في المسلمات ووقع الطلاق بهن فإذا سلم البواقي فله أن يتزوج بهن لأنه لم يقع طلاقه بهن فصل وإذا أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلم أربع منهن فله اختيارهن وله الوقوف إلى أن يسلم البواقي فإن مات اللاتي أسلمن ثم أسلم الباقيات فله اختيار الميتات وله اختيار الباقيات وله اختيار بعض هؤلاء وبعض هؤلاء لأن الاختيار ليس بعقد وإنما هو تصحيح للعقد الأول فيهن والاعتبار في الاختيار بحال ثبوته وحال ثبوته كن أحياء وإن أسلمت واحدة منهن فقال اخترتها جاز فإذا اختار أربعا على هذا الوجه انفسخ نكاح البواقي وإن قال للمسلمة اخترت فسخ نكاحها لم يصح لأن الفسه إنما يكون فيما زاد على الأربع والاختيار للأربع وهذه من جملة الأربع إلا أن يريد بالفسخ الطلاق فيقع لأنه كناية ويكون طلاقه لها اختيارا لها وإن قال اخترت فلانة قبل أن تسلم لم يصح لأنه ليس بوقت للاختيار لأنها جارية إلى بينونة فلا يصح إمساكها وإن فسخ نكاحها لم ينفسخ لأنه لما يجز الاختيار لم يجز الفسخ
وإن نوى بالفسخ الطلاق أو قال أنت طالق فهو موقوف فإن أسلمت ولم يسلم زيادة على أربع أو أسلم زيادة فاختارها تبينا وقوع الطلاق بها وإلا فلا فصل وإن قال كلما أسلمت واحدة اخترتها لم يصح لأن الاختيار لا يصح تعليقه على شرط ولا يصح في غير معنى وإن قال كلما أسلمت واحدة اخترت فسخ نكاحها لم يصح أيضا لأن الفسخ لا يتعلق بالشرط ولا يملكه في واحدة حتى يزيد عدد المسلمات على الأربع وإن أراد به الطلاق فهو كما لو قال كلما أسلمت واحدة فهي طالق وفي ذلك وجهان أحدهما يصح لأن الطلاق يصح تعليقه بالشرط ويتضمن الاختيار لها فكلما أسلمت واحدة كان اختيارا لها وتطلق بطلاقه والثاني لا يصح لأن الطلاق يتضمن الاختيار والاختيار لا يصح تعليقه بالشرط فصل وإذا أسلم ثم أحرم بحج أو عمرة ثم أسلمن فله الاختيار لأن الاختيار استدامة النكاح وتعيين المنكوحة فليس ابتداء له وقال القاضي ليس له الاختيار وهو ظاهر مذهب الشافعي ولنا إنه استدامة نكاح لا يشترط له رضاء المرأة ولا ولي ولا شهود ولا يتجدد به مهر فجاز له في الإحرام كالرجعة فصل وإذا أسلمن معه ثم متن قبل اختياره فله أن يختار منهن أربعا فيكون له ميراثهن ولا يرث الباقيات لأنهن لسن بزوجات له وإن مات بعضهن فله الاختيار من الأحياء وله الاختيار من الميتات وكذلك لو أسلم بعضهن فمتن ثم أسلم البواقي فله الاختيار من الجميع فإن اختار الميتات فله ميراثهن لأنهن متن وهن نساؤه وإن اختار غيرهن فلا ميراث له منهن لأنهن أجنبيات وإن لم يسلم البواقي لزم النكاح في الميتات وله ميراثهن وإن وطىء الجميع قبل إسلامهن ثم أسلمن فاختار أربعا منهن فليس لهن إلا لمسمى لأنهن زوجات ولسائرهن المسمى بالعقد الأول ومهر المثل للوطء الثاني لأنهن أجنبيات وإن وطئهن بعد إسلامهن فالموطوءات أولاهن المختارات والبواقي أجنبيات والحكم في المهر على ما ذكرناه مسألة قال ( ولو أسلم وتحته أختان اختار منهما واحدة ) هذا قول الحسن والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي عبيدة وقال أبو حنيفة في هذه كقوله في عشر نسوة ولنا ماروى الضحاك بن فيروز عن أبيه قال قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال طلق أيتهما شئت رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما ولأن أنكحة الكفار صحيحة وإنما حرم الجمع في الإسلام وقد أزاله فصح كما لو طلق إحداهما قبل إسلامه ثم أسلم والأخرى في حباله وهكذا الحكم في المرأة وعمتها أو خالتها لأن المعنى في الجميع واحد فصل ولو تزوج وثنية فأسلمت قبله ثم تزوج في شركة أختها ثم أسلما في عدة الأولى فله أن يختار منهما لأنه أسلم وتحته أختان مسلمتان وإن أسلم هو قبلها لم يكن له أن يتزوج أختها في عدتها ولا أربعا سواها فإن فعل لم يصح النكاح الثاني وإذا أسلمت الأولى في عدتها فنكاحها لازم أنها انفردت به فصل وإن تزوج أختين ودخل بهما ثم أسلم وأسلمتا معه فاختار إحداهما لم يطأها حتى تنقضي عدة أختها لئلا يكون واطئا لأحد الأتين في عدة الأخرى وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع قد دخل بهن فأسلمن معه وكن ثمانيا فاختار أربعا منهن وفارق أربعا لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات لئلا يكون واطئا لأكثر من أربع فإن كن خمسا ففارق إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة المفارقة فإن كن ستا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من المختارات فإن كن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء واحدة من المختارات ولا يطأ الباقيات حتى تنقضي عدة المفارقات فكلما انقضت عدة واحدة من المفارقات فله وطء واحدة من المختارات هذا قياس المذهب
فصل وإذا تزوج أختين في حال كفره فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول فاختار إحداهما فلا مهر للأخرى لأننا تبينا أن الفرقة وقعت بإسلامهم جميعا فلا تستحق مهرا كما لو فسخ النكاح لعيب في إحداهما ولأنه نكاح لا يقر عليه في الإسلام فلا يجب به مهر إذا لم يدخل بها كما لو تزوج المجوسي أخته ثم أسلما قبل الدخول وهكذا الحكم فيما زاد على الأربع إذا أسلموا جميعا قبل الدخول فاختار أربعا وانفسخ نكاح البواقي فلا مهر لهن لما ذكرنا والله أعلم مسألة قال ( وإن كانتا أما وبنتا فأسلم وأسلمنا معا قبل الدخول فسد نكاح الأم وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما إذا كان إسلامهم جميعا قبل الدخول فإنه يفسد نكاح الأم ويثبت نكاح البنت وهذا أحد قولي الشافعي واختيار المزني وقال في الآخر يختار أيتهما شاء لأن عقد الشرك إنما يثبت له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار فإذا اختار الأم فكأنه لم يعقد على البنت ولنا قول الله تعالى وأمهات نسائكم النساء 23 وهذه أم زوجته فتدخل في عموم الآية وأنها أم زوجته فتحرم عليه كما لو طلق ابنتها في حال شركه ولأنه لو تزوج البنت وحدها ثم طلقها حرمت عليه أمها إذا أسلم فإذا لم يطلقها وتمسك بنكاحها أولى وقولهم إنما يصح العقد بانضمام الاختيار إليه غير صحيح فإن أنكحه الكفار صحيحة ثبت لها أحكام الحصة وكذلك لو انفردت كان نكاحها صحيحا لازما من غير اختيار ولهذا فوض إليه الاختيار ها هنا ولا يصح أن يختار من ليس نكاحها صحيحا وإنما اختصت الأم بفساد نكاحها لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها على التأبيد فلم يمكن اختيارها والبنت لا تحرم قبل الدخول بأمخا فتعين النكاح فيها بخلاف الأختين الفصل الثاني إذا دخل بهما حرمتا على التأبيد الأم لأنها أم زوجته والبنت لأنها ربيبته من زوجته التي دخل بها قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وهذا قول الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك وأهل الحجاز والثوري وأهل العراق والشافعي ومن تبعهم وإن دخل بالأم وحدها فكذلك أن البنت تكون ربيبته مدخولا بأمها والأم حرمت بمجرد العقد على ابنتها وإن دخل بالبنت وحدها ثبت نكاحها وفسد نكاح أمها كما لو لم يدخل بها ولو لم تسلم معه إلا إحداهما كان الحكم كما لو أسلمنا معه معا فإن كانت المسلمة هي الأم فهي محرمة عليه على كل حال وإن كانت البنت ولم يكن دخل بأمها ثبت نكاحها وإن كان دخل بأمها فهي محرمة على التأبيد ولو أسلم وله جاريتان إحداهما أم الأخرى وقد وطئهما جميعا حرمتا عليه على التأبيد وإن كان قد وطىء إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد ولم تحرم الموطوءة وإن كان لم يطأ واحدة فله وطء أيتهما شاء فإذا وطئها حرمت الأخرى على التأبيد والله أعلم مسألة قال ( ولو أسلم عبد وتحته زوجتان قد دخل بهما فأسلمنا في العدة فهما زوجتاه ولو كن أكثر اختار منهن اثنتين ) وجملة ذلك أن حكم العبد فيما زاد على الاثنتين حكم الحر فيما زاد على أربع فإذا أسلم وتحته زوجتان فأسلمتا معه أو في عدتهما لزم نكاحهما حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة لأنه له الجمع بينهما في ابتداء نكاحه فكذلك في اختياره وإن كن أكثر اختار منهن اثنتين أيتهن شاء على ما مضى في الحر فلو كان تحته حرتان وأمتان فله أن يختار الحرتين أو الأمتين أو حرة وأمة وليس للحرة إذا أسلمت معه الخيار في فراقه لأنها رضيت بنكاحه وهو عبد ولم يتجدد رقه بالإسلام ولا تجددت حريتها بذلك فلم يكن لها خيار كما لو تزوجت معيبا تعلم عيبه ثم أسلما وذكر القاضي وجها أن لها الخيار لأن الرق عيب تجددت أحكامه بالإسلام فكأنه عيب حادث والأول أصح فإن الرق لم يزل عيبا ونقصا عند العقلاء ولم يتجدد نقصه بالإسلام فهو كسائر العيوب
فصل وإن أسلم وتحته أربع حرائر فأعتق ثم أسلمن في عدتهن أو أسلمن قبله ثم أعتق ثم أسلم لزمه نكاح الأربع لأنه ممن يجوز له الأربع في وقع اجتماع إسلامهم فإنه حر فأما إن أسلموا كلهم ثم أعتق قبل أن يختار لم يكن له أن يختار إلا اثنتين لأنه كان عبدا حين ثبت له الاختيار وهو حال اجتماعهم على الإسلام فتغير حاله بعد ذلك لا يغير الحكم كمن أسلم وتحته إماء فأسلمن معه ثم أيسر ولو أسلم ومعه اثنتان ثم أعتق ثم أسلم الباقيات لم يجز إلا اثنتين لأنه ثبت له الخيار بإسلام الأولتين فصل وإن تزوج أربعا فأسلمن وأعتقن قبل إسلامه فلهن فسخ النكاح لأنهن عتقن تحت عبد وإنما ملكن الفسخ وإن كن جاريات إلى بينونة لأنه قد يسلم فيقطع جريانهن إلى البينونة فإذا فسخن ولم يسلم الزوج بن باختلاف الدين من حين أسلمن وإن أسلم في العدة بن لفسخ النكاح وعليهن عدة الحرائر في الموضعين لأنهن ها هنا وجبت عليهن العدة وهن حرائر وفي التي قبلها عتقن في أثناء العدة التي يمكن الزوج تلافي النكاح فيها وأشبهن الرجعية فإن أخرن الفسخ حتى أسلم الزوج ولم يسقط بذلك حقهن من الفسخ لأن تركهن للفسخ اعتماد على جريانهن لبينونة فلم يتضمن الرضى بالنكاح كالرجعية إذا أعتقت وأخرت الفسخ ولو أسلم قبلهن ثم أعتقن فاخترن الفسخ صح لأنهن إماء عتقن تحت عبده وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم لا خيار لهن لأنه لا حاجة بهن إلى الفسخ لكونه يحصل بإقامتهن على الشرك بخلاف التي قبلها وليس بصحيح فإن السبب متحقق وقد يبدو لهن الإسلام وهو واجب عليهن فإن قيل فإذا أسلمن اخترن الفسخ قلنا يتضررن بطول العدة فإن ابتداءها من حين الفسخ ولذلك ملكن الفسخ فيما إذا أسلمن وعتقن قبله فأما إن اخترن المقام وقلن قد رضينا بالزوج فذكر القاضي أنه يسقط خيارهن لأنها حالة يصح فيها اختيار الفسخ فصح فيها اختيار الإقامة كحالة اجتماعهم على الإسلام وقال أصحاب الشافعي لا يسقط خيارهن لأن اختيارهن للإقامة ضد للحالة التي هن عليها وهي جريانهن إلى البينونة فلم يصح كما لو ارتدت الرجعية فراجعها الزوج حال ردتها وهذا يبطل بما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثم عتقت فاختارت زوجها فصل وإذا أسلم الحر وتحته إماء فأعتقت إحداهن ثم أسلمت ثم أسلم البواقي لم يكن له أن يختار من الإماء لأنه مالك لعصمة حرة حين اجتماعها على الإسلام وإن أسلمت إحداهن معه ثم أعتقت ثم أسلم البواقي فله أن يختار من الإماء لأن العبرة بحال الاختيار وهي حال اجتماعهم على الإسلام وحالة اجتماعهما على الإسلام كانت أمة فصل ولو أسلم وتحته أربع إماء وهو عادم للطول خائف للعنت فأسلمن معه فله أن يختار منهن واحدة فإن كانت لا تعفه فله أن يختار منهن من تعفه في إحدى الروايتين والأخرى لا يختار إلا واحدة وهذا مذهب للشافعي وتوجيههما قد مضى في ابتداء نكاح الإماء وإن عدم فيه الشرطان انفسخ النكاح في الكل لأ له خيار وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور له أن يختار منهن لأنه استدامة للعقد لا ابتداء له بدليل أنه لا يشترط له شروط العقد فأشبه الرجعة ولنا إن هذه امرأة لا يجوز ابتداء العقد عليها حال الإسلام فلم يملك اختيارها كالمعتدة من غيره وكذوات محارمه وأما الرجعة فهي قطع جريان النكاح إلى البينونة وهذا إثبات النكاح في امرأة وإن كان دخل بهن ثم أسلم ثم أسلمن في عدتهن فالحكم كذلك وقال أبو بكر لا يجوز له ها هنا اختيار بل بين بمجرد إسلامه لئلا يفضي إلى استدامة نكاح مسلم في أمة كافرة ولنا إن إسلامهن في العدة بمنزلة إسلامهن معه ولهذا لو كن حرائر مجوسيات أو وثنيات فأسلمن في عدتهن كان ذلك كإسلامهن معه وإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن انفسخ نكاحهن سواء كن كتابيات أو غير كتابيات لأنه لا يجوز له استدامة النكاح في أمة كتابية