Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bölüm V07/P391–V07/P392

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم صيد المدينة وقطع شجرها ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة ، لا ينفر صيدها ، ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد فإن قال فيها صيدا ففيه قولان ، قال في القديم : يسلب القاتل لما روى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أخذ سلب رجل قتل صيدا في المدينة وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من وجدتموه يقتل صيدا في حرم المدينة فاسلبوه وقال في الجديد : لا يسلب لأنه موضع يجوز دخوله من غير إحرام فلا يضمن صيده كوج فإن قلنا : يسلب دفع سلبه إلى مساكين المدينة كما يدفع جزاء صيد مكة إلى مساكين مكة وقال شيخنا أبو الطيب رحمه الله : يكون سلبه لمن أخذه لأن سعد بن أبي وقاص أخذ سلب القاتل وقال : طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فصل : ويحرم صيد وج وهو واد بالطائف لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل صيد وج فإن قتل فيه صيدا لم يضمنه بالجزاء لأن الجزاء وجب بالشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم ، ووج لا يبلغ الحرم من الحرمة فلم يلحق به في الجزاء . + الشرح : حديث أبي هريرة ليس بمعروف عن أبي هريرة ولكن في الصحيح أحاديث عن غير أبي هريرة ويحصل بها مقصود المصنف في الدلالة هنا منها عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة الحديث رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف رواه مسلم وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن تقطع عضاهها أو يقتل صيدها رواه مسلم ، وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ، لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها رواه مسلم ، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المدينة حرام من كذا إلى كذا ، لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها ، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه البخاري . وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المدينة : لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها ، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ، ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما سبق والله أعلم .

Bölüm V07/P392–V07/P394

وأما حديث سعد بن أبي وقاص المذكور في الكتاب فرواه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعدا وجد عبدا يقطع شجرا ويخبطه فسلبه ، فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد عليهم غلامهم أو ما أخذ من غلامهم ، فقال : معاذ الله أن أآد شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي أن يرد عليهم رواه مسلم وعن سليمان بن أبي عبد الله قال : رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه ، فجاء مواليه فكلموه فيه ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم ، وقال من وجد أحدا فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه رواه أبو داود بإسناد كلهم ثقات حفاظ إلا سليمان بن أبي عبد الله هذا ، فقال أبو حاتم : ليس هو بالمشهور ، ولكن يعتبر بحديثه ، ولم يضعفه أبو داود ، وهذا الذي رواه بمعنى ما رواه مسلم ، فيقتضي مجموع هذا أن هذه الرواية صحيحة أو حسنة ، وفي رواية للبيهقي أن سعدا كان يخرج من المدينة فيجد الحاطب معه شجر رطب قد عضده من بعض شجر المدينة فيأخذ سلبه ، فيكلم فيه فيقول : لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لمن أكنز الناس مالا والله أعلم . وأما حديث صيد وج فرواه البيهقي بإسناده عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا إن صيد وج وعضاهه يعني شجره حرام محرم وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا ، لكن إسناده ضعيف قال البخاري في تاريخه : لا يصح ، ووج بواو مفتوحة ثم جيم مشددة وأما قول المصنف : إنه واد بالطائف فكذا قاله غيره من أصحابنا الفقهاء وأما أهل اللغة فيقولون : هو بلدة الطائف ، وقال الحازمي في كتابه المؤتلف والمختلف في الأماكن : وج اسم لحصون الطائف ، وقيل لواحد منها ، وربما اشتبه وج هذا بوح بالحاء المهملة قال الحازمي : هي ناحية بنعمان والله علم . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : يحرم التعرض لصيد حرم المدينة وشجره ، هذا هو المذهب ، وعليه نص الشافعي ، وأطبق عليه جماهير أصحابنا وحكى المتولي والرافعي قولا شاذا أنه مكروه ليس بحرام ، قال المتولي : وأخذ هذا القول من قول الشافعي ، ولا يحرم قتل صيد إلا صيد الحرم ، وأكره قتل صيد المدينة ، وهذا النقل شاذ ضعيف ، بل باطل منابذ للأحاديث الصحيحة السابقة وأما نص الشافعي فقال القاضي أبو الطيب : هذه الكراهة التي ذكرها الشافعي كراهة تحريم باتفاق أصحابنا ، ثم استدل ببعض ما قدمناه من الأحاديث الصحيحة السابقة ، فالصواب الجزم بالتحريم ، وعلى هذا فإن ارتكب هذا الحرام هل يضمن فيه قولان مشهوران الجديد : لا يضمن والقديم : يضمن ودليلهما في الكتاب ، وأجابوا للجديد عن حديث سعد في سلب الصائد بجوابين ضعيفين أحدهما : جواب الشيخ أبي حامد في تعليقه أنه محمول على التغليظ والثاني : جواب القاضي أبي الطيب في تعليقه وجماعة بأنه يحمل على أنه كان هذا حين كانت العقوبة بالأموال ثم نسخ ، وهذان الجوابان ضعيفان بل باطلان . والمختار ترجيح القديم ، ووجوب الجزاء فيه ، وهو سلب القاتل لأن الأحاديث فيه صحيحة بلا معارض والله أعلم .

Bölüm V07/P394–V07/P395

قال أصحابنا : وإذا قلنا : يضمن فوجهان حكاهما الفوراني والبغوي وصاحب البيان والرافعي أحدهما : يضمن كضمان حرم مكة على ما سبق والثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع الجمهور في الطريقتين أنه سلب الصائد وقاطع الشجر أو الكلأ ، وعلى هذا في المراد بالسلب طريقان أصحهما : وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار ممن قطع به الشيخ أبو حامد في تعليقه وأبو علي البندنيجي في جامعه والدارمي والماوردي والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والقاضي حسين والجرجاني وابن الصباغ والمصنف والشاشي والبغوي وخلائق لا ينحصرون ، ودليله الحديث والطريق الثاني : حكاه الرافعي فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني أن سلبه ثيابه فقط ، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي ، وقد أشار المتولي إلى هذا . وفي مصرف سلبه ثلاثة أوجه أصحها : أنه للسالب كالقتيل ، ودليله الحديث ، فإن سعدا أخذ السلب لنفسه ، وممن صحح هذا الوجه الدارمي والمحاملي في المجموع ، والقاضي أبو الطيب كما حكاه المصنف والثاني : أنه لفقراء المدينة وهذا الوجه حكاه القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد وغيرهم ، وقطع به المحاملي في التجريد ، واختاره القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب ، وأشار هو والمصنف إلى ترجيحه ، ولم يوافقا على هذا الترجيح وليس هو ترجيحا راجحا والثالث : أنه لبيت المال ، حكاه إمام الحرمين والغزالي وغيرهما ، وينكر على المصنف عبارته المذكورة فإنه أوهم أن المشهور في المذهب تفريعا على القديم أن السلب للمساكين وأن القاضي أبا الطيب انفرد باختيار كونه للسالب ، وليس الحكم كذلك ، بل الخلاف مشهور جدا للمتقدمين والمتأخرين ، فمن حكى الأوجه الثلاثة إمام الحرمين وآخرون ، وممن حكى الوجهين الأولين ، وهما كونه للسالب أو للفقراء الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والدارمي وأبو علي البندنيجي والماوردي والمحاملي في المجموع ، والقاضي حسين وخلائق نحوهم ابن الصباغ والجرجاني والمتولي والبغوي وآخرون لكن الجرجاني حكاهما في كتابه التحرير قولين ، والله أعلم . فإذا قلنا بالمذهب إن السلب كسلب القتيل ، قال أصحابنا : فهو مثله في كل شىء ، فكل شىء اتفقوا عليه هنا ، وكل شىء قالوا هناك : لا يدخل كالمتاع الذي في منزله لا يدخل هنا أيضا ، وكل شىء اختلفوا فيه هناك كالطوق والمنطقة ففيه هنا ذاك الخلاف . هكذا صرح به الشيخ أبو حامد وأبو علي البندنيجي والماوردي وآخرون ، فإذا قلنا بالمذهب إن السلب كسلب القتيل وأنه للسالب ، فقال الشيخ أبو حامد : يأخذ جميع ما معه من ثياب وفرش ونحو ذلك ، ويعطيه إزارا يستر به عورته ، فإذا قدر على ما يستر به عورته أخذ منه الإزار ، وقال الدارمي : لو كان عليه سراويل يأخذه السالب ويستر المسلوب نفسه ، فأشار إلى أنه لا يخلى له ساترا ، وقطع الماوردي بأنه يترك له ما يستر عورته وحكى الروياني وجهين في أنه هل يترك له ساتر العورة واختار أنه يترك ، قال : وهو قول الماوردي ، وهذا هو الأصح والله أعلم . ولو كان على الصائد والمحتطب ثياب مغصوبة لم يسلب بلا خلاف . صرح به الدارمي والقاضي أبو الطيب في المجرد ، وهو ظاهر كما لو كان مع الحربي المقتول مال أخذه من مسلم ، فإنه لا يستحقه السالب والله أعلم . قال الرافعي : وأعلم أن ظاهر الحديث وكلام الأصحاب أنه يسلب إذا اصطاد ، ولا يشترط الإتلاف ، وقال إمام الحرمين : لا أدري أيسلب إذا أرسل الصيد أم لا يسلب حتى يتلفه قال : وكلاهما محتمل ، قال : وليس عندنا فيه ثبت من توقيف ولا قياس قاله الإمام ، ولا فرق في هذا المذكور بين صيد وصيد ، ولا شجرة وشجرة ، وكان السلب في معنى المعاقبة للمتعاطي ، والله أعلم .

Bölüm V07/P395–V07/P397

المسألة الثانية : قال الشافعي في الإملاء : أكره صيد وج وللأصحاب فيه طريقان أصحهما : عندهم القطع بتحريمه ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي والمصنف والبغوي والمتولي والجمهور من أصحابنا في الطريقتين . قالوا : ومراد الشافعي بالكراهة كراهة تحريم الطريق الثاني : حكاه الشيخ أبو علي السنجي وإمام الحرمين والغزالي ومن تابعهم فيه وجهان أصحهما : يحرم والثاني : يكره ، ويجري الخلاف في شجره وخلاه ، صرح به الأصحاب ونقل أبو علي البندنيجي عن نصه في الإملاء أن الشجر كالصيد فإن قلنا بالمذهب وهو تحريمه فاصطاد فيه أو احتطب أو احتش فطريقان أصحهما : وبه قطع صاحب التلخيص و جماهير الأصحاب في الطريقتيين أنه يأثم ولا ضمان ، ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه اتفاق الأصحاب على هذا ، لأن الأصل أن لا ضمان إلا فيما ورد فيه الشرع ، ولم يرد في هذا شىء والطريق الثاني : حكاه إمام الحرمين والبغوي وغيرهما فيه خلاف الصحيح : لا ضمان والثاني : أنه كصيد المدينة وشجرها وخلاها ، والله أعلم . الثالثة : النقيع بالنون على المشهور ، وقيل بالباء ، وهو الحمى الذي حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الصدقة ونحوها ليس هو بحرم ، ولا يحرم صيده باتفاق الأصحاب وأما خلاه فحرام باتفاقهم صرح به أبو علي السنجي وإمام الحرمين والغزالي والبغوي والمتولي وآخرون وأما شجره ففيه طريقان قطع المتولي والبغوي بتحريمه ، وقال أبو علي والإمام الغزالي : في تحريمه وجهان لتردد الصيد والخلا ، فإن أخذ منه شجرا أو كلأ ففي وجوب ضمانه وجهان ، حكاهما أبو علي والإمام والبغوي وغيرهم أحدهما : لا كصيده وأصحهما : وجوب الضمان كحرم مكة . صححه إمام الحرمين والرافعي فعلى هذا تجب القيمة بلا خلاف ولا يسلب القاتل . قال البغوي والرافعي : تصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية ، هذا كلامهما وينبغي أن يكون مصرفه بيت المال والله أعلم . واستدلوا لهذه المسألة بحديث جابر رضي الله عنه قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن يهش هشا رقيقا ) رواه أبو داود بإسناد غير قوي ، لكنه لم يضعفه وروى البيهقي بإسناد أن عمر بن الخطاب قال لرجل : إني أستعملك على الحمى فمن رأيت يعضد شجرا أو يخبط فخذ فأسه وحبله ، قال آخذ رداءه قال : لا والله أعلم . فرع : في بيان الأحاديث الواردة في بيان حرم المدينة منها عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المدينة حرام ما بين عير إلى تور رواه البخاري ومسلم هكذا ، وفي رواية للبخاري ما بين عائر إلى كذا . قال أبو عبيد وغيره من العلماء : عير . ويقال له : عائر جبل معروف بالمدينة ، قالوا : وأما تور فلا يعرف أهل المدينة بها جبلا يقال له : تور ، وإنما تور جبل بمكة قالوا : فنرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد ، ولكنه غيره غلط الرواة فيه ، واستمرت الرواية . وقال أبو بكر الحازمي في كتابه المؤتلف في الأماكن الرواية الصحيحة ما بين عير إلى أحد ، قال : وقيل إلى تور قال : وليس له معنى . هذا كلامهم في هذا الحديث ، ولا يبعد أن الجبل كان يسمى تورا ثم هجر ذلك الاسم .

Bölüm V07/P397–V07/P398

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بين لابتيها حرام رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة واللابتان الحرتان ، تثنية لابة ، وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء ، والمدينة بين لابتين في شرقها وغربها ، وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة رواه مسلم . وعن أبي سعيد أيضا أن رسول الله سلاح لقتال ، ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف رواه مسلم . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ، ولا يصاد صيدها رواه مسلم . وعن أنس قال : أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة فقال : اللهم إني أحرم ما بين جبليها ، مثل ما حرم إبراهيم مكة رواه البخاري ومسلم ذكره البخاري في كتاب الدعوات في باب التعوذ من غلبات الرجال ، وفيها أحاديث أخر سبقت . وعن عدي بن زيد الحزاعي الصحابي قال : حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا تخبط شجرة ولا تعضد إلا ما يساق به الجمل رواه أبو داود بإسناد غير قوى ، فالحاصل أن حرم المدينة ما بين جبليها طولا ، وما بين لابتيها عرضا والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بصيد الحرم ونباته إحداها : أجمعت الأمة على تحريم صيد الحرم على الحلال ، فإن قتله فعليه الجزاء ، هذا مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة ، وقال داود : لا جزاء عليه لقوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم فقيده بالمحرمين . دليلنا ما سبق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تلف بسببه الطائر في دار الندوة ، وما سبق عن ابن عباس في الجراد ، وغير ذلك من الآثار ، وقياسا على صيد الإحرام وداود وإن لم يقل بالقياس فيستدل على إثبات القياس . الثانية : حكم جزاء الحرم كجزاء الإحرام ، فيتخير بين المثل والإطعام والصيام ، هذا مذهبنا ، وبه قال الأكثرون ، منهم مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة لا مدخل للصيام فيه ، قال : لأنه يضمنه ضمان الأموال ، بدليل أنه يضمنه لمعنى في غيره وهو الحرم ، فأشبه مال الآدمي . دليلنا القياس على صيد الإحرام . ولو سلك به مسلك مال الآدمي لم يدخله المثل والإطعام ، وليعتبر نقد البلد ، ولأن هذا المعنى موجود في صيد الإحرام وينتقض ما قالوه أيضا بكفارة القتل . الثالثة : إذا صاد الحلال في الحل وأدخله فله التصرف فيه بالبيع والذبح والأكل وغيرها ، ولا جزاء عليه ، وبه قال مالك وداود . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يجوز ذبحه ، بل يجب إرساله . قالا : فإن أدخله مذبوحا جاز أكله وقاسوه على المحرم . واستدل أصحابنا بحديث أنس أن كان له أخ صغير يقال له : أبو عمير ، وكان له نغر يلقب به ، فمات النغر ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يا أبا عمير ما فعل النغير رواه البخاري ومسلم وموضع الدلالة أن النغر من جملة الصيد ، وكان مع أبي عمير في حرم المدينة ، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيضا فإن الذي عنى الشرع منه صيد الحرم ، وهذا ليس بصيد حرم ، وقياسا على ما أدخل شجرة من الحل أو حشيشا والله أعلم . الرابعة : شجر الحرم عندنا حرام مضمون ، سوى ما أنبته الآدمي ، وما نبت بنفسه على المذهب . وبه قال أحمد . وقال بعض أصحابنا : لا يحرم ما أنبته الآدمي كما سبق .

Bölüm V07/P398–V07/P399

وقال أبو حنيفة : إن أنبته آدمي أو كان من جنس ما ينبته لم يحرم ، وإن كان مما لا ينبته آدمي ونبت بنفسه حرم . وقال مالك وأبو ثور وداود هو حرام ، لكن لا ضمان فيه . احتج لهم بالقياس على الزرع واحتج أصحابنا بعموم النهي ، وفرقوا بأن الزرع تدعو إليه الحاجة . الخامسة : يجوز رعى حشيش الحرم وخلاه عندنا ، وقال أبو حنيفة و أحمد : لا يجوز . ودليلنا حديث ابن عباس السابق حيث أرسل الأتان يرتع في منى ، ومنى من الحرم . السادسة : إذا أتلف شجرة في الحرم ضمن الكبيرة ببقرة ، الصغيرة بشاة ، وبه قال أحمد . وقال أبو حنيفة : يضمنها بالقيمة . ودليلنا أثر ابن الزبير وابن عباس . السابعة : إذا أرسل كلبا من الحل على صيد في الحرم ، أو من الحرم على صيد في الحل لزمه الجزاء . وقال أبو ثور : لا يلزمه . الثامنة : صيد حرم المدينة حرام عندنا ، وبه قال مالك وأحمد والعلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال : ليس بحرام دلينا الأحاديث السابقة . وإذا أتلف صيد المدينة فلا ضمان على الأشهر في مذهبنا ، وقال في القديم : يسلب القاتل وبه قال أحمد وهو المختار كما سبق ، وبه قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة ، وقال جمهور العلماء : لا ضمان فيه لا سلب ولا غيره . التاسعة : صيد وج حرام عندنا . قال العبدري : وقال العلماء كافة لا يحرم .

Bölüm V07/P399–V07/P400

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا وجب على المحرم دم لأجل الإحرام كدم التمتع والقران ، ودم الطيب ، وجزاء الصيد ، وجب عليه صرفه لمساكين الحرم لقوله تعالى : هديا بالغ الكعبة فإن ذبحه في الحل وأدخله الحرم نظرت فإن تغير وأنتن لم يجزئه لأن المستحق لحم كامل غير متغير فلا يجزئه المنتن المتغير وإن ، لم يتغير ففيه وجهان أحدهما : لا يجزئه لأن الذبح أحد مقصودي الهدى فأختص بالحرم كالتفرقة والثاني : يجزئه لأن المقصود هو اللحم ، وقد أوصل ذلك إليهم ، وإن وجب عليه طعام لزمه صرفه إلى مساكين الحرم ، قياسا على الهدى ، وإن وجب عليه صوم جاز أن يصوم في كل مكان ، لأنه لا منفعة لأهل الحرم في الصيام ، وإن وجب عليه هدى وأحصر عن الحرم جاز له أن يذبح ويفرق حيث أحصر ، لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ، وبين الحديبية وبين الحرم ثلاثة أميال ولأنه إذا جاز أن يتحلل في غير موضع التحلل لأجل الإحصار جاز أن ينحر الهدى في غير موضع النحر . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم ، وسبق أن الحديبية تقال بالتخفيف والتشديد والتخفيف أجود ، والمنتن بضم الميم وكسرها والهدى بإسكان الدال مع تخفيف الياء وبكسرها مع تشديد الياء لغتان الأولى أفصح . أما الأحكام : فقال الأصحاب : الدماء الواجبة في الحج لها زمان ومكان أما الزمان فالدماء الواجبة في الإحرام لفعل محظور أو ترك مأمور ، لا تختص بزمان ، بل تجوز في يوم النحر وغيره ، وإنما تختص بيوم النحر والتشريق الضحايا ، ثم ما سوى دم الفوات يراق في النسك الذي هو فيه وأما دم الفوات فيجوز تأخيره إلى سنة القضاء ، وهل يجوز إراقته في سنة الفوات فيه وجهان ، وقيل : قولان أصحهما : لا ، بل يجب تأخيره إلى سنة القضاء ، وقد ذكرهما المصنف بدليلهما في باب الفوات فإن قلنا يجوز فوقت الوجوب سنة الفوات وإن قلنا بالأصح ففي وقت الوجوب وجهان أصحهما : وقته إذا أحرم بالقضاء ، كما يجب دم التمتع بالإحرام بالحج ، ولهذا لو ذبح قبل تحلله من الفائت لم يجز على أصح الوجهين ، كما لو ذبح المتمتع قبل فراغ العمرة . هذا إذا كفر بالذبح فإذا كفر بالصوم فإن قلنا وقت الوجوب أن يحرم بالقضاء لم يقدم صوم الثلاثة على القضاء ، ويصوم السبعة إذا رجع وإن قلنا يجب بالفوات ففي جواز صوم ثلاثة في حجة الفوات وجهان ، ووجه المنع أنه إحرام ناقص والله أعلم . وأما المكان فالدماء الواجبة على المحرم ضربان واجب على المحصر بالإحصار ، أو بفعل محظور ، وسيأتي بيانه قريبا في فصل الدماء إن شاء الله تعالى والضرب الثاني : واجب على غير المحصر ، فيختص بالحرم ، ويجب تفريقه على مساكين الحرم ، سواء الغرباء الطارئون والمستوطنون ، لكن الصرف إلى المستوطنين أفضل ، له أن يخص به أحد الصنفين ، نص عليه الشافعي ، واتفقوا عليه وفي اختصاص ذبحه بالحرم خلاف حكاه المصنف وآخرون وجهين ، وحكاه آخرون قولين أصحهما : يختص ، فلو ذبحه في طرف الحل ونقله في الحال طريا إلى الحرم لم يجزئه والثاني : لا يختص ، فيجوز ذبحه خارج الحرم بشرط أن ينقله ويفرقه في الحرم قبل تغيير اللحم ، وسواء في هذا كله دم المتمتع والقران وسائر ما يجب بسبب في الحل أو الحرم ، أو بسبب مباح كالحلق للأذى . أو بسبب محرم ، وهذا هو الصحيح .

Bölüm V07/P400–V07/P402

وفي القديم قول : إن ما أنشىء سببه في الحل يجوز ذبحه وتفرقته في الحل قياسا على دم الإحصار ، وممن حكى هذا القول وفي وجه ضعيف أن ما وجب بسبب مباح لا يختص ذبحه وتفرقته بالحرم ، وفيه وجه أنه لو حلق قبل وصوله الحرم وذبح وفرق حيث حلق جاز ، وكل هذا شاذ ضعيف والمذهب ما سبق . قال الشافعي والأصحاب : ويجوز الذبح في جميع بقاع الحرم قريبها وبعيدها ، لكن الأفضل في حق الحاج الذبح بمنى ، وفي حق المعمر المروة ، لأنهما محل تحللهما . وكذا حكم ما يسوقانه من الهدى . فرع : قال القاضي حسين في الفتاوى : لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجز نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل ا لزكاة أم لا ، لأنه وجب لمساكين الحرم ، كمن نذر الصدقة على مساكين بلد فلم يجد القولين ، لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها بخلاف الهدى . فرع : إذا كان الواجب الإطعام بدلا عن الذبح ، وجب صرفه على مساكين الحرم ، سواء المستوطنون والطارئون كما قلنا في لحم المذبوح أما إذا كان الواجب الصوم فيجوز أن يصوم حيث شاء من أقطار ا لأرض لما ذكره المصنف . فرع : قال الماوردي والروياني : أقل ما يجزىء أن يدفع الواجب من اللحم إلى ثلاثة من مساكين الحرم إن قدر ، فإن دفع إلى اثنين مع قدرته على ثالث ضمن وفي قدر الضمان وجهان أحدهما : الثلث وأصحهما : أقل ما يقع عليه الاسم كالقولين في الزكاة وأما إذا فرق الطعام فوجهان أحدهما : يتقدر لكل مسكين مد كالكفارة فلا يزاد ولا ينقص ، فإن زاد لم يحسب ، وإن نقص لم يجزئه حتى يتمه مدا وأصحهما : لا يتقدر ، بل تجوز الزيادة على مد والنقص عنه . فرع : لو ذبح الهدى في الحرم فسرق منه قبل التفرقة لم يجزئه عما في ذمته ، ويلزمه إعادة الذبح ، وله شراء اللحم والتصدق به بدل الذبح ، لأن الذبح قد وجد ، وفي وجه ضعيف يكفيه التصدق بالقيمة حكاه الرافعي . فرع : قال الروياني وغيره : تلزمه النية عند التفرقة كسائر العبادات . فرع : قال أصحابنا : الدماء الواجبة في المناسك سواء تعلقت بترك واجب أو ارتكاب منهي حيث أطلقناها أردنا بها شاة ، فإن كان الواجب غيرها كالبدنة في الجماع نصصنا عليها ، ولا يجزىء فيها جميعا إلا ما يجزىء في الأضحية إلا في جزاء الصيد ، فيجب المثل في الصغير صغير ، وفي الكبير كبير ، وفي المعيب والمكسور مثله كما سبق . وقال أصحابنا : وكل من لزمه شاة جاز له ذبح بقرة أو بدنة مكانها ، لأنها أكمل ، كما يجزىء في الأضحية إلا في جزاء الصيد فلا يجزىء حيوان عن المثل . قال أصحابنا : وإذا ذبح بدنة أو بقرة مكان الشاة فهل الجميع فرض حتى لا يجوز أكل شىء منها أم الفرض سبعها فقط حتى يجوز أكل الباقي فيه وجهان الأصح : سبعها صححه الروياني وغيره ، وسبقت نظائر المسألة في باب صفة الوضوء ومواضع أخرى . ولو ذبح بدنة ونوى التصدق بسبعها عن الشاة الواجبة عليه وأكل الباقي جاز ، وله نحر البدنة عن سبع شياه لزمته . ولو اشترك جماعة في ذبح بدنة أو بقرة أراد بعضهم الهدى ، وبعضهم الأضحية ، وبعضهم اللحم ، جاز ، ولا يجوز اشتراك اثنين في شاتين لأن الانفراد ممكن .

Bölüm V07/P402–V07/P403

فرع : في كيفية وجوب الدماء وإبدالها ، وقد سبقت مقاصده مفرقة فأحببت جمعها ملخصا كما فعله الأصحاب ، وقد لخصها الرافعي متقنة فاقتصر على نقله ، قال : في ذلك نظران أحدهما : النظر في أن أي دم يجب مرتبا ، وأي دم يجب على التخيير ، وهاتان الصفتان متقابلتان فمعنى الترتيب أنه يجب الدم ، ولا يجوز العدول إلى غيره إلا إذا عجز عنه ، ومعنى التخيير أنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة عليه . النظر الثاني : في أنه أي دم يجب على سبيل التقدير ، وأي دم يجب على سبيل التعديل وهاتان الصفتان متقابلتان ، فمعنى التقدير أن الشرع قدر البدل المعدول إليه ترتيبا أو تخييرا ، أي مقدرا لا ولا ينقص ، ومعنى التعديل أنه أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة ، وكل دم بحسب الصفات المذكورة لا يخلو من أحد أربعة أوجه أحدها : التقدير والترتيب والثاني : الترتيب والتعديل والثالث : التخيير والتقدير والرابع : التخيير والتعديل وتفصيلهما بثمانية أنواع أحدها : دم التمتع ، وهو دم ترتيب وتقدير كما ورد به نص القران العزيز ، وقد سبق بيانه ، ودم القران في معناه وفي دم الفوات طريقان أصحهما : وبه قطع الجمهور أنه كدم التمتع في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام ، والثاني على قولين أحدهما : هذا والثاني : أنه كدم الجماع في الأحكام إلا أن هذا شاة والجماع بدنة لاشتراك الصورتين في وجوب القضاء . والثاني : جزاء الصيد ، وهو دم ترتيب وتعديل ، ويختلف بكون الصيد مثليا أو غيره ، وسبق إيضاحه ، وجزاء شجر الحرم وحشيشه كجزاء الصيد وقد سبق حكاية قول عن رواية أبي ثور أن دم الصيد على الترتيب ، وهو شاذ الثالث : دم الحلق والقلم ، وهو دم تخيير وتقدير ، فإذا حلق جميع شعره أو ثلاث شعرات تخير بين دم وثلاثة آصع لستة مساكين ، وصوم ثلاثة أيام وسبق بيانه . الرابع : الدم الواجب في ترك المأمورات كالإحرام من الميقات ، والرمي والمبيت بعرفة ليلة النحر ، وبمنى ليالي التشريق والدفع من عرفة قبل الغروب وطواف الوداع ، وفي هذا الدم أربعة أوجه أصحها : وبه قطع العراقيون وكثيرون من غيرهم أنه كدم التمتع في الترتيب والتقدير ، فإن عجز عن الدم صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع والثاني : أنه دم ترتيب . وتعديل لأن التعديل هو القياس ، وإنما يصار إلى الترتيب بتوقيف . فعلى هذا يلزمه شاة ، فإن عجز قومها دارهم واشترى بها طعاما وتصدق به ، فإن عجز صام عن كل مد يوما ، وإذا ترك حصاة ففيه أقوال مشهورة أصحها : يجب مد والثاني : درهم والثالث : ثلث شاة ، فإن عجز فالطعام ثم الصوم على ما يقتضيه التعديل بالقيمة والرابع : أنه دم ترتيب ، فإن عجز لزمه صوم الحلق والخامس : أنه دم تخيير وتعديل جزاء الصيد ، وهذان الوجهان شاذان ضعيفان الخامس : دم الاستمتاع كالتطيب والأدهان واللبس ومقدمات الجماع ، وفيه أربعة أوجه أصحها : أنه دم تخيير وتقدير كالحلق ، لاشتراكهما في الترفه والثاني : دم تخيير وتعديل كالصيد والثالث : دم ترتيب وتعديل والرابع : دم ترتيب وتقدير كالتمتع . السادس : دم الجماع ، وفيه طرق للأصحاب ، واختلاف منتشر المذهب منه أنه ترتيب وتعديل فيجب بدنة ، فإن عجز عنها فبقرة ، فإن عجز فسبع شياه فإن عجز قوم البدنة بدراهم ، والدراهم بطعام ثم تصدق به ، فإن عجز صام عن كل مد يوما وقيل : إذا عجز عن الغنم قوم البدنة وصام فإن عجز أطعم فيقدم الصيام على الإطعام ، ككفارة الظهار ونحوها ، وقيل : لا مدخل للإطعام والصيام هنا ، بل إذا عجز عن الغنم ثبت الفداء في ذمته إلى أن يجد تخريجا من أحد القولين في دم الإحصار ، ولنا قول ، وقيل : وجه .

Bölüm V07/P403–V07/P404

أنه يتخير بين البدنة والبقرة والغنم ، فإن عجز عنها فالإطعام ، ثم الصوم ، وقيل : يتخير بين البدنة والبقرة والشياه والإطعام والصيام السابع : دم الجماع الثاني أو الجماع بين التحللين ، وقد سبق خلاف في أن واجبهما بدنة أم شاة فإن قلنا بدنة فهي في الكيفية كالجماع الأول قبل التحللين كما سبق وإن قلنا شاة فكمقدمات الجماع . الثامن : دم الإحصار فمن تحلل بالإحصار فعليه شاة ولا عدول عنها إن وجدها ، فإن عدمها فهل له بدل فيه قولان مشهوران أحدهما : نعم كسائر الدماء والثاني : لا ، إذا لم يذكر في القرآن مشهوران أحدهما : نعم كسائر الدماء والثاني : لا ، إذا لم يذكر في القرآن بدله بخلاف غيره فإن قلنا : بالبدل ، ففيه أقوال أحدها : بدله الإطعام بالتعديل ، فإن عجز صام عن كل مد يوما وقيل يتخير على هذا بين صوم الحلق وإطعامه والقول الثاني : بدله الإطعام فقط ، وفيه وجهان أحدهما : ثلاثة آصع كالحلق والثاني : يطعم ما يقتضيه التعديل والقول الثالث : بدله الصوم فقط ، وفيه ثلاثة أقوال أحدها : عشرة أيام الثاني : ثلاثة والثالث : بالتعديل عن كل مد يوما ، ولا مدخل للطعام على هذا القول غير أنه يعتبر به قدر الصيام المذهب : على الجملة الترتيب والتعديل هذا آخر كلام الرافعي والله أعلم . 83 & باب صفة الحج والعمرة &

Bölüm V07/P404–V08/P001

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا أراد دخول مكة وهو محرم بالحج اغتسل بذي طوى ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء وادي طوى بات حتى صلى الصبح فاغتسل ثم دخل من ثنية كداء ، ويدخل من ثنية كداء من أعلى مكة ويخرج من السفلى ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى . + الشرح : حديث ابن عمر الثاني رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وروياه أيضا بلفظه من رواية عائشة أيضا وأما : حديثه الأول فرواه البخاري ومسلم أيضا بمعناه ولفظهما عن نافع قال وكان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ، ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وأما : طوى فبفتح الطاء وضمها وكسرها ثلاث لغات الفتح أجود . وممن حكى اللغات الثلاث صاحب المطالع وجماعات قالوا : والفتح أفصح وأشهر . واقتصر الحازمي في المؤتلف على ضمه ، واقتصر آخرون على الفتح ، وهو منون مصروف مقصور لا يجوز مده . قال صاحب المطالع : ووقع في لباب المستملي ذو الطواء ممدود ، وهو واد بباب مكة . وأما : الثنية فهي الطريق بين جبلين وأما : كداء العليا فبفتح الكاف وبالمد مصروف وأما : السفلى فيقال لها ثنية كدا بالضم مقصور . وأما مكة فلها أسماء كثيرة ، وقد قالوا كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى لهذا كثرت أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال بعضهم لله تعالى ألف اسم ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم وقد أشرت إلى هذا في أول تهذيب الأسماء و اللغات في أولا ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم فما حضرني من أسماء مكة ستة عشر اسما : أحدها مكة ، والثاني : بكة ، والثالث : أم القرى ، والرابع : البلد الأمين ، والخامس رحم بضم الراء وإسكان الحاء المهملة لأن الناس يتراحمون فيها ويتوادعون . السادس صلاح ، بكسر الحاء مبني على الكسر كقطاع ونظائرها سميت به لأمنها . السابع : الباسة بالباء الموحدة والسين المهملة لأنها تبس من ألحد فيها أي تحطمه . ومنه قوله تعالى : وبست الجبال الواقعة : 4 الثامن : الناسة بالنون . التاسع : النساسة قيل : لأنها تنس الملحد ، أي تطرده ، وقيل لقلة مائها ، والنس اليبس . العاشر : الحاطمة ، لحطمها الملحدين فيها . الحادي عشر : الرأس كرأس الإنسان . الثاني عشر : كوثى بضم الكاف وفتح المثلثة باسم موضع بها . الثالث عشر : العرش ، الرابع عشر : القادس . الخامس عشر : المقدسة من التقديس . السادس عشر : البلدة . وأما مكة وبكة فقيل : هما اسمان للبلدة ، وقيل : مكة الحرم كله ، وبكة المسجد خاصة ، وهي محكى عن الزهري وزيد بن أسلم ، وقيل : مكة اسم للبلد ، وبكة اسم البيت ، وهو قول إبراهيم النخعي وغيره . وقيل : مكة البلد وبكة البيت وموضع الطواف ، سميت بكة لازدحام الناس فيها ، يبك بعضهم بعضا ، أي يدفعه في زحمة الطواف ، وقيل لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها ، والبك الدق . وسميت مكة لقلة مائها من قولهم : امتك الفصيل ضرع أمه إذا امتصه . وقيل : لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها . والله أعلم .

Bölüm V08/P001–V08/P005

وأما مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلها أسماء : المدينة وطيبة وطابة والدار قال الله تعالى : ما كان لأهل المدينة التوبة : 120 و يقولون لئن رجعنا إلى المدينة المنافقين : 8 وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى سمى المدينة طابة قال العلماء : سميت طابة وطيبة من الطيب وهو الطاهر لخلوصها من الشرك وطهارتها . وقيل من طيب العيش . وقيل من الطيب وهو الرائحة الحسنة . وسميت الدار لأمنها وللاستقرار بها . والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : يستحب الغسل لدخول المحرم مكة . لما ذكره المصنف . وقد سبق بيان أغسال الحج في أول باب الإحرام ، وذكرنا هناك أنه إن عجز عن الغسل تيمم . وذكرنا فيه فروعا كثيرة . ويستحب هذا الغسل بذي طوى إن كانت في طريقه وإلا اغتسل في غير طريقها ، كنحو مسافتها وينوي به غسل دخول مكة ، وهو مستحب لكل محرم حتى الحائض والنفساء والصبي ، كما سبق بيانه في باب الإحرام . قال الماوردي : ولو خرج إنسان من مكة فأحرم بالعمرة من الحل واغتسل للإحرام ثم أراد دخول مكة ، فإن كان أحرم من موضع بعيد عن مكة ، كالجعرانة والحديبية استحب أن يغتسل أيضا لدخول مكة ، وإن أحرم من موضع قريب من مكة كالتنعيم أو من أدنى الحل لم يغتسل لدخول مكة ، لأن المراد من هذا الغسل النظافة وإزالة الوسخ عند دخوله ، وهو حاصل بغسله السابق . وهذا الغسل مستحب لكل داخل محرم ، سواء كان محرما بحج أو عمرة أو قران بلا خلاف ، وينكر على المصنف قوله وهو محرم بالحج ، فأوهم اختصاصه به ( والصواب ) حذف لفظة الحج كما حذفها في التنبيه والأصحاب . الثانية : يستحب للمحرم بالحج أن يدخل مكة قبل الوقوف بعرفات هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر السلف والخلف . وأما ما يفعله حجيج العراق من قدومهم إلى عرفات قبل دخول مكة فخطأ منهم وجهالة . وفيه ارتكاب بدعة وتفويت سنن منها : دخول مكة أولا ومنها : تفويت طواف القدوم وتفويت تعجيل السعي وزيارة الكعبة ، وكثرة الصلاة بالمسجد الحرام وحضور خطبة الإمام في اليوم السابع بمكة ، والمبيت بمنى ليلة عرفة والصلاة بها والنزول بنمرة ، وحضور تلك المشاهد ، وغير ذلك مما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى . الثالثة : يستحب إذا وصل الحرم أن يستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع بظاهره وباطنه ، ويتذكر جلالة الحرم ومزيته على غيره . قال جماعة من أصحابنا : يستحب أن يقول : اللهم إن هذا حرمك وأمنك فحرمني على النار ، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك ، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك . الرابعة : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : يستحب له دخول مكة من ثنية كداء التي بأعلى مكة ، وهي بفتح الكاف ، والمد كما سبق ومنها يتجرد إلى مقابر مكة ، وإذا خرج راجعا إلى بلده خرج من ثنية كدا بضم الكاف وبالقصر ، وهي بأسفل مكة قرب جبل قعيقان وإلى صوب ذي طوى . قال بعض أصحابنا : إن الخروج إلى عرفات يستحب أيضا أن يكون من هذه السفلى . وأعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أصحابنا أن الدخول من الثنية العليا مستحب لكل محرم داخل مكة ، سواء كانت في صوب طريقه أم لم تكن ، ويعتدل إليها من لم تكن في طريقه . وقال الصيدلاني والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والمتولي : إنما يستحب الدخول منها لمن كانت في طريقه ، وأما من لم تكن في طريقه فقالوا : لا يستحب له العدول إليها . قالوا : وإنما دخل النبي صلى الله عليه وسلم إتفاقا لكونها كانت في طريقه .

Bölüm V08/P005–V08/P007

هذا كلام الصيدلاني وموافقيه ، واختاره إمام الحرمين ونقله الرافعي عن جمهور الأصحاب . وقال الشيخ أبو محمد الجويني : ليست العليا على طريق المدينة ، بل عدل إليها النبي صلى الله عليه وسلم متعمدا لها ، قال : فيستحب الدخول منها لكل أحد ، قال : ووافق إمام الحرمين الجمهور في الحكم ، ووافق أبا محمد في أن موضع الثنية كما ذكره وهذا الذي قاله أبو محمد من كون الثنية ليست على نهج الطريق ، بل عدل إليها هو الصواب الذي يقضي به الحس والعيان ، فالصحيح استحباب الدخول من الثنية العليا لكل محرم قصد مكة ، سواء كانت في صوب طريقه أم لا ، وهو ظاهر نص الشافعي في المختصر ومقتضى إطلاقه فإنه قال : ويدخل المحرم من ثنية كدا ونقله صاحب البيان عن عامة الأصحاب . فرع : قال أصحابنا : له دخول مكة راكبا وماشيا ، وأيهما أفضل فيه وجهان حكاهما الرافعي أصحهما : ماشيا أفضل ، وبه قطع الماوردي لأنه أشبه بالتواضع والأدب وليس فيه مشقة ولا فوات مهم ، بخلاف الركوب في الطريق فإنه أفضل على المذهب كما سبق بيانه في الباب الأول من كتاب الحج لما ذكرناه هناك ، ولأن الراكب في الدخول متعرض لأن يؤذي الناس بدابته في الزحمة ، والله أعلم . وإذا دخل ماشيا فالأفضل كونه حافيا لو لم يلحقه مشقة ، ولا خاف نجاسة رجله ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : له دخول مكة ليلا ونهارا ولا كراهة في واحد منهما فقد ثبتت الأحاديث فيها كما سأذكره قريبا إن شاء الله تعالى ، وفي الفضيلة وجهان أصحهما : دخولها نهارا أفضل ، حكاه ابن الصباغ وغيره عن أبي إسحاق المروزي ، ورجحه البغوي وصاحب العدة وغيرهما ، وقال القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والعبدري : هما سواء في الفضيلة لا ترجيح لأحدهما على الآخر ، واحتج هؤلاء بأنه قد صح الأمران من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم ترجيح لأحدهما ولا نهي فكانا سواء ، واحتج من رجح النهار بأنه الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم في حجته وحجة الوداع وقال في آخرها لتأخذوا عني مناسككم فهذا ترجيح ظاهر للنهار ، ولأنه أعون للداخل وأرفق به وأقرب إلى مراعاته للوظائف المشروعة له على أكمل وجوهها وأسلم له من التأذي والإيذاء والله أعلم . وأما الحديثان الواردان في المسألة فأحدهما : حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى حتى أصبح ، ثم دخل مكة وكان ابن عمر يفعله ، رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم عن نافع أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ويبيت فيه حتى يصلي الصبح حين يقدم مكة . وأما الحديث الآخر فعن محرش الكعبي الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا معتمرا فدخل ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت رواه أبو داود والترمذي والنسائي وإسناده جيد ، قال الترمذي هو حديث حسن ، قال : ولا يعرف لمحرش عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث وثبت في ضبط محرش ثلاثة أقوال حكاها أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب أصحها : وأشهرها وهو الذي جزم به أبو نصر بن ماكولا . محرش بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الراء المشددة والثاني : محرش بكسر الميم وإسكان الخاء المهملة وفتح الراء والثالث : محرش بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة ، وهو قول علي بن المدني وادعى أنه الصواب والله تعالى أعلم .

Bölüm V08/P007

فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة فممن استحب دخولها نهارا ابن عمر وعطاء والنخعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر . وممن استحبه ليلا عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز . وممن قال هما سواء : طاوس والثوري . فرع : ينبغي أن يتحفظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحمة ، ويتلطف بمن يزاحمه ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها ، والكعبة التي هو متوجه إليها ويمهد عذر من زاحمه . فرع : قال الماوردي وغيره : يستحب دخول مكة بخشوع قلبه وخضوع جوارحه داعيا متضرعا . قال الماوردي : ويكون من دعائه ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند دخوله اللهم البلد بلدك والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك ، متبعا لأمرك راضيا بقدرك مبلغا لأمرك ، أسألك مسألة المضطر إليك المشفق من عذابك أن تستقبلني وأن تتجاوز عني برحمتك وأن تدخلني جنتك .

Bölüm V08/P007–V08/P009

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا رأى البيت دعا لما روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة ويستحب أن يرفع اليد في الدعاء لما روى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترفع الأيدي في الدعاء لاستقبال البيت ويستحب أن يقول : اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة ، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره ، تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا ، لما روى ابن جريح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال ذلك ويضيف إليه : اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام ، لما روى أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال ذلك . + الشرح : أما حديث أبي أمامة فغريب ليس بثابت . وأما حديث ابن عمر فرواه الإمام سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما ، وهو ضعيف باتفاقهم ، لأنه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الإمام المشهور ، وهو ضعيف عند المحدثين . وأما حديث ابن جريج فكذا رواه الشافعي والبيهقي عن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مرسل معضل . وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فرواه البيهقي وليس إسناده بقوي . أما الأحكام : فاعلم أن بناء البيت زاده الله فضلا وشرفا رفيعا ، يرى قبل دخول المسجد في مكان يقال له رأس الردم إذا دخل من أعلى مكة ، وهناك يقف ويدعو قال الشافعي والأصحاب : إذا رأى البيت استحب أن يرفع يديه ويقول ما ذكره المصنف من الذكر والدعاء ، ويدعو مع ذلك بما أحب من مهمات الدين والدنيا والآخرة ، وأهمها سؤال المغفرة ، وهذا الذي ذكرته من استحباب رفع اليدين هو المذهب ، وبه صرح المصنف والقاضي أبو حامد في جامعه ، والشيخ أبو حامد في تعليقه ، وأبو علي البندنيجي في جامعه ، والدارمي في الإستذكار ، والماوردي في الحاوي ، والقاضي أبو الطيب في المجرد ، والمحاملي في كتابيه ، والقاضي حسين والمتولي والبغوي وصاحب العدة وآخرون ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد : نص عليه الشافعي في الجامع الكبير . وقال صاحب الشامل : يستحب أن يرفع يديه مع هذا الدعاء ، ثم قال : قال الشافعي في الإملاء : لا أكرهه ولا أستحبه ، ولكن إن رفع كان حسنا . هذا نصه وليس في المسألة خلاف على الحقيقة ، لأن هذا النص محمول على وفق النص الذي نقله أبو الطيب وجزم به الأصحاب . وقد قدمت في آخر باب صفة الصلاة فصلا في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين في الدعاء في مواطن كثيرة . والله أعلم . فرع : هذا الذكر الذي ذكره المصنف هكذا جاء في الحديث ، وكذا ذكره الشافعي في الأم ، وكذا ذكره الأصحاب في جميع طرقهم ، ونقله المزني في المختصر فغيره فقال : وزد من شرفه وعظمته ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وقد كرر المهابة في الموضعين . قال أصحابنا في الطريقين : هذا غلط من المزني ، وإنما يقال في الثاني : وبرا ، لأن المهابة تليق بالبيت والبر يليق بالإنسان . وهكذا هو في الحديث وفي نص الشافعي في الأم ، وممن نقل اتفاق الأصحاب على تغليط المزني صاحب البيان . وكذا هو مصرح به في كتب الأصحاب . ووقع في الوجيز ذكر المهابة والبر جميعا في الأول ، وذكر البر وحده ثانيا ، وهذا أيضا مردود ، والإنكار في ذكره البر في الأول والله أعلم . قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد : التكبير عند رؤية الكعبة لا يعرف للشافعي أصلا ، قال ومن أصحابنا من قال : إذا رآها كبر . قال القاضي : هذا ليس بشيء .

Bölüm V08/P009–V08/P011

فرع : قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد قوله : اللهم أنت السلام المراد به أن السلام من أسماء الله تعالى ، قال وقوله ومنك السلام أي السلامة من الآفات ، وقوله حينا ربنا بالسلام أي اجعل تحيتنا في وفودنا عليك السلامة من الآفات . فرع : في مذاهب العلماء في رفع اليدين عند رؤية الكعبة . قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه ، وبه قال جمهور العلماء ، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وسفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، قال : وبه أقول . وقال مالك : لا يرفع ، وقد يحتج له بحديث المهاجر المكي قال : سئل جابر بن عبد الله عن الرجل الذي يرى البيت يرفع يديه فقال : ما كنت أرى أحدا يفعل هذا إلا اليهود ، قد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يفعله رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن ، ورواه الترمذي عن المهاجر المكي أيضا قال سئل جابر ابن عبد الله أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت فقال : حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكنا نفعله هذا لفظ رواية الترمذي وإسناده حسن قال أصحابنا : رواية المثبت للرفع أولى ، لأن معه زيادة علم . قال البيهقي : رواية غير جابر في إثبات الرفع أشهر عند أهل العلم من رواية المهاجر المكي . قال : والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت . والله أعلم . فرع : اتفق أصحابنا على أنه يستحب للمحرم أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة ، صرحوا بأنه لا فرق بين أن يكون في صوب طريقه أم لا ، فيستحب أن يعدل إليه من لم يكن على طريقه ، وهذا لا خلاف فيه . قال الخراسانيون : والفرق بينه وبين الثنية العليا على اختيار الخراسانيين حيث قالوا : لا يستحب العدول إليها كما سبق أنه لا مشقة في العدول إلى باب بني شيبة بخلاف الثنية . قال القاضي حسين وغيره : ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عدل إلى باب بني شيبة ولم يكن على طريقه . واحتج البيهقي للدخول من باب بني شيبة بما رواه بإسناده الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما قدم في عهد قريش دخل مكة من هذا الباب الأعظم ، وقد جلست قريش مما يلي الحجر ثم قال البيهقي : وروي عن ابن عمر مرفوعا في دخوله من باب بني شيبة ، وخروجه من باب الحناطين . قال : وإسناده عنه قوي . قال : وروينا عن ابن جريج عن عطاء قال : يدخل المحرم من حيث شاء ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة ، وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا قال البيهقي : هذا مرسل جيد ، والله أعلم . فرع : يستحب أن يقدم في دخوله المسجد رجله اليمنى ، وفي خروجه اليسرى ، ويقول الأذكار المشروعة عند دخول المساجد والخروج منها ، وقد سبق بيانها في آخر باب ما يوجب الغسل . وينبغي له أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع والمهابة والإجلال ، فهذه عادة الصالحين وعباد الله العارفين ، لأن رؤية البيت تشوق إلى رب البيت . وقد حكوا أن امرأة دخلت مكة فجعلت تقول : أين بيت ربي فقيل الآن ترينه ، فلما لاح البيت قيل لها : هذا بيت ربك : فاشتدت نحوه فألصقت جبينها بحائط البيت فما رفعت إلا ميتة وأن الشلبي رضي الله عنه غشى عليه عند رؤية الكعبة ثم أفاق فأنشد : هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق

Bölüm V08/P011–V08/P012

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويبتدىء بطواف القدوم ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت فإن خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة أتي بها قبل الطواف ، لأنها تفوت والطواف لا يفوت ، وهذا الطواف سنة لأنه تحية فلم يجب كتحية المسجد . + الشرح : حديث عائشة رواه البخاري ومسلم . قال أصحابنا : فإذا فرغ من أول دخوله مكة أن لا يعرج على استئجار منزل وحط قماش وتغيير ثيابه ولا شيء آخر غير الطواف ، بل يقف بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل . قال أصحابنا : فإذا فرغ من الدعاء عند رأس الردم قصد المسجد فدخله من باب بني شيبة كما ذكرنا ، فأول شيء يفعله طواف القدوم . استثنى الشافعي والأصحاب من هذه المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال ، قالوا فيستحب لها تأخير الطواف ودخول المسجد إلى الليل ، لأنه أستر لها وأسلم لها ولغيرها من الفتنة ، والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : فإذا دخل المسجد لا يشتغل بصلاة تحية المسجد ولا غيرها ، بل يبدأ بالطواف للحديث المذكور ، فيقصد الحجر الأسود ويبدأ بطواف القدوم ، وهو تحية المسجد الحرام . قال أصحابنا : والإبتداء بالطواف مستحب لكل داخل ، سواء كان محرما أو غيره إلا إذا خاف فوت الصلاة المكتوبة أو سنة راتبة أو مؤكدة أو فوت الجماعة في المكتوبة ، وإن كان وقتها واسعا أو كان عليه فائتة مكتوبة ، فإنه يقدم كل هذا على الطواف ثم يطوف ، ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد . واعلم أن العمرة ليس فيها طواف قدوم وإنما فيها طواف واحد ، يقال له : طواف الفرض وطواف الركن . وأما الحج ففيه ثلاثة أطوفة : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف الوداع ويشرع له وللعمرة طواف رابع وهو المتطوع به غير ما ذكرناه فإنه يستحب له الإكثار من الطواف ، فأما طواف القدوم فله خمسة أسماء : طواف القدوم والقادم والورود والوارد وطواف التحية ، وأما طواف الإفاضة فله أيضا خمسة أسماء طواف الإفاضة وطواف الزيارة وطواف الفرض وطواف الركن وطواف الصدر بفتح الصاد والدال ، وأما طواف الوداع فيقال له أيضا طواف الصدر . ومحل طواف القدوم أول قدومه ، ومحل طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات ونصف ليلة النحر ، ومحل طواف الوداع عند إرادة السفر من مكة بعد قضاء مناسكه كلها . واعلم أن طواف الإفاضة ركن لا يصح الحج إلا به ، وطواف الوداع فيه قولان أصحهما : أنه واجب والثاني : سنة ، فإن تركه أراق دما ، إن قلنا : هو واجب فالدم واجب ، وإن قلنا سنة فالدم سنة . وأما طواف القدوم فسنة ليس بواجب ، فلو تركه فحجه صحيح ولا شيء عليه ، لكنه فاتته الفضيلة . هذا هو المذهب ونص عليه الشافعي وقطع به جماهير العراقيين والخراسانيين . وذكر جماعة من الخراسانيين وغيرهم في وجوبه وجها ضعيفا شاذا وأنه إذا تركه لزمه دم ممن قاله وحكاه صاحب التقريب والدارمي والقاضي أبو الطيب في آخر صفة الحج من تعليقه ، وأبو علي السنجي بالسين المهملة وإمام الحرمين وصاحب البيان وآخرون . فرع : قد ذكرنا أنه يؤمر أن يأتي بطواف القدوم أول قدومه ، فلو أخره ففي فواته وجهان ، حكاهما إمام الحرمين ، لأنه يشبه تحية المسجد . فرع : أعلم أن طواف القدوم إنما يتصور في حق مفرد الحج ، وفي حق القارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلاها قبل الوقوف بعرفات ، فأما المكي فلا يتصور في حقه طواف القدوم ، إذ لا قدوم له .

Bölüm V08/P012–V08/P013

وأما المحرم بالعمرة فلا يتصور في حقه طواف قدوم ، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنهما ، ويتضمن القدوم كما تجزىء الصلاة المفروضة عن الفرض وتحية المسجد . قال أصحابنا : حتى لو طاف المعتمر بنية طواف القدوم وقع عن طواف العمرة ، كما لو كان عليه حجة الإسلام فأحرم بحجة تطوع فإنها تقع عن حجة الإسلام . وأما من أحرم بالحج مفردا أو قارنا ولم يدخل مكة إلا بعد الوقوف فليس في حقه طواف قدوم ، بل الطواف الذي يفعله بعد الوقوف طواف الإفاضة ، فلو نوى به طواف القدوم وقع عن طواف الإفاضة إن كان دخل وقته وهو نصف ليلة النحر ، كما قلنا في المعتمر إذا نوى طواف القدوم ، والله أعلم قال أصحابنا : ويسن طواف القدوم لكل قادم إلى مكة ، سواء كان حاجا أو تاجرا أو زائرا أو غيرهم ممن دخل محرما بعمرة أو بحج بعد الوقوف كما سبق . فرع : في صفة الطواف الكاملة . وإذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق ، ويسمى الركن الأسود ، ويقال له وللركن اليمانى : الركنان اليمانيان ، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاث أذرع إلا سبع أصابع ، ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه ويدنو منه ، بشرط أن لا يؤذي أحدا بالمزاحمة فيستلمه ، ثم يقبله من غير صوت يظهر في القبلة ويسجد عليه ، ويكرر التقبيل والسجود عليه ثلاثا ثم يبتدىء الطواف ويقطع التلبية في الطواف كما سبق بيانه في مسائل التلبية ، ويضطبع مع دخوله في الطواف ، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس ، والإضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن عند إبطه ويطرح طرفيه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفا . وصفة الطواف أن يحاذي جميعه جميع الحجر الأسود فيمر بجميع بدنه على جميع الحجر ، وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليمانى ، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ثم ينوي الطواف لله تعالى ثم يمشي مستقبل الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر ، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج ، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز لكنه فاتته الفضيلة ، ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفا حول البيت كله ، فيمر على الملتزم ، وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود والباب ، سمي بذلك لأن الناس يلزمونه عند الدعاء . ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الأسود ، ثم يمر وراء الحجر ، بكسر الحاء وإسكان الجيم وهو في صوب الشام والمغرب فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث ، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله الركنان الشاميان . وربما قيل : المغربيان ، ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع ، المسمى بالركن اليمانى ثم يمر منه إلى الحجر الأسود فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه فيكمل له حينئذ طوفة واحدة ، ثم يطوف كذلك ثانية وثالثة حتى يكمل سبع طوفات ، فكل مرة من الحجر الأسود إليه طوفة ، والسبع طواف كامل . وهذه صفة الطواف التي إذا اقتصر عليها صح طوافه ، وبقيت من صفاته المكملة أفعال وأقوال نذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى ، حيث ذكرها المصنف واعلم : أن الطواف يشتمل على شروط وواجبات لا يصح بدونها ، وعلى سنن يصح بدونها فأما الشروط الواجبات فثمانية مختلف في بعضها . أحدها : الطهارة عن الحدث وعن النجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في مشيه . الثاني : كون الطواف داخل المسجد . الثالث : إكمال سبع طوفات . الرابع : الترتيب ، وهو أن يبدأ من الحجر الأسود وأن يمر على يساره . الخامس : أن يكون جميع بدنه خارجا عن جميع البيت ، فهذه الخمسة واجبة بلا خلاف .

Bölüm V08/P013–V08/P014

السادس والسابع والثامن : نية الطواف وصلاته وموالاته ، وفي الثلاثة خلاف الأصح : أنها سنة والثاني : واجبة . وأما السنن فثمانية أيضا أحدها : أن يكون ماشيا والثاني : الإضطباع الثالث : الرمل الرابع : استلام الحجر الأسود وتقبيله ووضع الجبهة عليه الخامس : المستحبة في الطواف وسنذكرها إن شاء الله تعالى السادس : الموالاة بين الطوفات السابع : صلاة الطواف الثامن : أن يكون في طوافه خاشعا خاضعا متذللا ، حاضر القلب ملازم الأدب بظاهره وباطنه ، وفي حركته ونظره وهيئته ، فهذا خلاصة القول في الطواف وبيان صفته وواجباته ومندوباته ، وسنوضحها إن شاء الله تعالى على ترتيب المصنف ، والله أعلم .

Bölüm V08/P014–V08/P015

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن شرط الطواف الطهارة لقوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام ومن شرطه ستر العورة ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه إلى مكة فنادى ألا لا يطوفن بالبيت مشرك ولا عريان وهل يفتقر إلى النية فيه وجهان . أحدهما : يفتقر إلى النية لأنها عبادة تفتقر إلى البيت فافتقرت إلى النية كركعتي المقام . والثاني : لا يفتقر ، لأن نية الحج تأتي على ذلك كما تأتي على الوقوف . + الشرح : أما الحديث الأول فمروي من رواية ابن عباس مرفوعا بإسناد ضعيف والصحيح : أنه موقوف على ابن عباس ، كذا ذكره البيهقي وغيره من الحفاظ ، ويغني عنه ما سنذكره من الأحاديث الصحيحة في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما حديث بعث أبي بكر رضي الله عنه فهو في صحيحي البخاري و مسلم ، لكن غير المصنف لفظه ، وإنما لفظ روايتهما عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر ، أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان هذا لفظ رواية البخاري ومسلم ، وينكر على المصنف قوله في هذا الحديث روي ، فأتى به بصيغة تمريض مع أنه في الصحيحين ، وقال في الحديث الأول لقوله صلى الله عليه وسلم . فأتى به بصيغة الجزم ، مع أنه حديث ضعيف والصواب : العكس فيها . وقوله عبادة تفتقر إلى البيت احتراز من الوقوف والسعي والرمي والحلق وأما قوله فافتقرت إلى النية كركعتي المقام فيوهم أن ركعتي الطواف تختصان بالمقام وتفتقران إلى فعلهما عند البيت ، ولا خلاف أنهما تصحان في غير مكة بين أقطار الأرض كما سنوضحه قريبا في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولكن مراد المصنف بافتقارهما إلى البيت أنه لا تصح صلاتهما إلا إلى البيت حيث كان المصلي . أما الأحكام : ففي الفصل ثلاث مسائل : إحداها : يشترط لصحة الطواف الطهارة من الحدث ، والنجس ، في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في طوافه ، فإن كان محدثا أو مباشرا لنجاسة غير معفو عنها لم يصح طوافه . قال الرافعي : والمراد للأئمة تشبيه مكان الطواف بالطريق في حق المتنفل . وهو تشبيه لا بأس به . هذا كلامه . قلت : والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه أو ثوبه ، أو مشى عليها عمدا أو سهوا لم يصح طوافه . ومما عمت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره ، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطلعين العفو عنها . وينبغي أن يقال : يعفى عما يشق الإحتراز عنه من ذلك ، كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب ، وهو روثه ، وكما عفي عن أثر استنجاء بالأحجار ، وكما عفي عن القليل من طين الشوارع الذي تيقنا نجاسته ، وكما عفي عن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على الأصح ونظائر ما ذكرته كثيرة مشهورة ، وقد سبق بيانها واضحة في مواضعها . وقد سئل الشيخ أبو زيد المروزي عن مسألة من نحو هذا فقال بالعفو ، ثم قال : الأمر إذا ضاق اتسع ، كأنه يستمد من قول الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج : 78 ولأن محل الطواف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها لم يزل على هذا الحال ، ولم يمتنع أحد من المطاف لذلك ، ولا ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد بعده ممن يقتدى به بتطهير الطواف عن ذلك ولا ألزموا إعادة الطواف بسبب ذلك . والله تعالى أعلم .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 130 · Qur'an & Sunnah