Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bölüm V02/P064–V02/P067

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما سوى هذه الأشياء الخمسة لا ينقض الوضوء ، كدم الفصد والحجامة والقىء لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل سحاجمه . + الشرح : أما حديث أنس هذا فرواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما وضعفوه ويغني عنه ما سنذكره إن شاء الله تعالى . ومذهبنا أنه لا ينتقض الوضوء بخروج شيء من غير السبيلين ، كدم الفصد والحجامة والقىء والرعاف سواء قل ذلك أو كثر . وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأبو هريرة وعائشة وابن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وطاوس وعطاء ومكحول وربيعة ومالك وأبو ثور وداود . قال البغوي : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . وقالت طائفة : يجب الوضوء بكل ذلك ، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق . قال الخطابي : وهو قول أكثر الفقهاء ، وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما ، وعن عطاء وابن سيرين وابن أبي ليلى وزفر . ثم اختلف هؤلاء في الفرق بين القليل والكثير ، واحتجوا بما روى عن معدان بن طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال معدان فلقيت ثوبان فذكرت ذلك له ، فقال : أما صببت له وضوءه . وعن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس أو رعف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم وبما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فتوضئى لكل صلاة فعلل وجوب الوضوء بأنه دم عرق وكل الدماء كذلك . وعن يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من كل دم سائل وعن سلمان قال رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد سال من أنفى دم فقال : أحد لذلك وضوءا وعن ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رعف في صلاته توضأ ثم بنى على ما بقى من صلاته ولأنه نجس خرج إلى محل يلحقه حكم التطهير فنقض كالبول . واحتج أصحابنا بحديث أنس المذكور في الكتاب لكنه ضعيف كما سبق وأجود منه حديث جابر أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرسا المسلمين ليلة في غزوة ذات الرقاع ، فقام أحدهما يصلي ، فجاء رجل من الكفار فرماه بسهم فوضعه فيه ، فنزعه ثم رماه بآخر ثم ركع وسجد ودماؤه تجري رواه أبو داود في سننه بإسناد حسن . واحتج به أبو داود ، وموضع الدلالة أنه خرج دماء كثيرة واستمر في الصلاة ، ولو نقض الدم لما جاز بعده الركوع والسجود وإتمام الصلاة . وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم ينكره . وهذا محمول على أن تلك الدماء لم يكن يمس ثيابه منها إلا قليل يعفى عن مثله . هكذا قاله أصحابنا ولا بد منه . وأنكر الخطابي على من يستدل بهذا الحديث مع سيلان الدماء على ثيابه وبدنه ويجاب عنه بما ذكرنا . واحتجوا أيضا بما رواه البيهقي عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم في ترك الوضوء من ذلك ولأن ما لا يبطل قليله لا يبطل كثيره كالجشاء وهذا قياس الشافعي . وأحسن ما أعتقده في المسألة أن الأصل أن لا نقض حتى يثبت بالشرع ولم يثبت ، والقياس ممتنع في هذا الباب لأن علة النقض غير معقولة . وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث أبي الدرداء فمن أوجه أحسنها أنه ضعيف مضطرب ، قاله البيهقي وغيره من الحفاظ . والثاني : لو صح لحمل على ما تغسل به النجاسة ، وهذا جواب البيهقي وغيره .

Bölüm V02/P067–V02/P068

والثالث : أنه يحتمل الوضوء لا بسبب القىء فليس فيه أنه توضأ من القىء . والجواب عن حديث ابن جريج من أوجه أحسنها أنه ضعيف بإتفاق الحفاظ ، وضعفه من وجهين : أحدهما : أن رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج ، وابن جريج حجازي ، ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة عند أهل الحديث . والثاني : أنه مرسل ، قال الحفاظ : المحفوظ في هذا أنه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبو زرعة وأبو أحمد بن عدى والدارقطني والبيهقي وغيرهم ، وقد بين الدارقطني والبيهقي ذلك أحسن بيان . والجواب الثاني : لو صح لحمل على غسل النجاسة كما سبق وبه أجاب الشافعي والأصحاب وغيرهم ، والثالث : أنه محمول على الإستحباب . والجواب عن حديث المستحاضة من وجهين : أحدهما : أنه ضعيف غير معروف وحديث المستحاضة مشهور في الصحيحين بغير هذه الزيادة ، وهي ذكر الوضوء فهي زيادة باطلة . والثاني : لو صح لكان معناه إعلامها أن هذا الدم ليس حيضا بل هو موجب للوضوء لخروجه من محل الحدث ولم يرد أن خروج الدم من حيث كان يوجب الوضوء ، ومن العجب تمسكهم بهذا الحديث الضعيف الذي لو صح لم يكن فيه دلالة ، وقد قال إمام الحرمين في الأساليب : إن هذا الحديث مما يعتمدونه وهذا أشد تعجبا . وأما حديث تميم الداري ، فجوابه من أوجه . أحدها : أنه ضعيف وضعفه من وجهين : أحدهما : أن يزيد ويزيد الراويين مجهولان والثاني : أنه مرسل أو منقطع ، فإن عمر بن عبد العزيز لم يسمع تميما . الجواب الثاني والثالث : لو صح حمل على غسل النجاسة أو الإستحباب ، والجواب عن حديثي سلمان وابن عباس من الأوجه الثلاثة ، وأما قياسهم فرده أصحابنا وقالوا : الحدث المجمع عليه غير معقول المعنى ولا يصح القياس لعدم معرفة العلة . قال أبو بكر بن المنذر : لا وضوء في شيء من ذلك لأني لا أعلم مع من أوجب الوضوء فيه حجة . هذا كلام ابن المنذر الذي لا شك في إتقانه وتحقيقه وكثرة إطلاعه على السنة ومعرفته بالدلائل الصحيحة وعدم تعصبه والله أعلم . وأما قول المصنف : لا ينقض الوضوء بشيء سوى هذه الخمسة فهو كقوله في أول الباب الذي ينقضه خمسة ، وقد قدمنا في أول الباب أنه ترك ثلاثة : إنقطاع الحدث الدائم ، ونزع الخف ، والردة على خلاف فيهما .

Bölüm V02/P068–V02/P072

قال المصنف رحمه الله تعالى : وكذلك أكل شيء من اللحم لا ينقض الوضوء ، وحكى ابن القاص قولا آخر : إن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء ، وليس بمشهور ، والدليل على أنه لا ينقض الوضوء : ما روى جابر رضي الله عنه قال : كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ولأنه إذا لم ينتقض الوضوء بأكل لحم الخنزير وهو حرام فلأن لم ينتقض بغيره أولى . + الشرح : حديث جابر صحيح ، رواه أبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ، ومذهبنا أنه لا ينتقض الضوء بشيء من المأكولات ، سواء ما مسته النار وغيره غير لحم الجزور . وفي لحم الجزور بفتح الجيم وهو لحم الإبل ، قولان ، الجديد المشهور لا ينتقض ، وهو الصحيح عند الأصحاب والقديم أنه ينتقض ، وهو ضعيف عند الأصحاب ولكنه هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل ، وهو الذي أعتقد رجحانه ، وقد أشار البيهقي إلى ترجيحه واختياره والذب عنه ، وسنرى دليله إن شاء الله تعالى . وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب أحدها : لا يجب الوضوء بأكل شيء سواء ما مسته النار ولحم الإبل وغير ذلك ، وبه قال جمهور العلماء وهو محكى عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي طلحة وأبي الدرداء وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي أمامة رضي الله عنهم وبه قال جمهور التابعين ومالك وأبو حنيفة . وقالت طائفة : يجب مما مسته النار ، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبي قلابة وأبي مجلز وحكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة ابن عمر وأبي طلحة وأبي موسى وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم . وقالت طائفة : يجب من أكل لحم الجزور خاصة ، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ويحيى بن يحيى ، وحكاه الماوردي عن جماعة من الصحابة زيد بن ثابت وابن عمر وأبي موسى وأبي طلحة وأبي هريرة وعائشة ، وحكاه ابن المنذر عن جابر بن سمرة الصحابي ومحمد بن إسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة واختاره من أصحابنا أبو بكر بن خزيمة وابن المنذر ، وأشار إليه البيهقي كما سبق . واحتج من أوجبه مما مست النار بأحاديث صحيحة منها حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم توضأوا مما مست النار رواها كلها مسلم في صحيحه ، وفي المسألة عن أبي طلحة وأبي موسى وأبي سعيد وأم حبيبة وأم سلمة وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة ، منها حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتب شاة ثم صلى ولم يتوضأ رواه البخاري ومسلم . وعن عمرو بن أمية الضمري قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة يأكل منها ثم صلى ولم يتوضأ رواه البخاري ومسلم من طرق ، وعن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل عندها كتفا ثم صلى ولم يتوضأ رواه مسلم . وعن أبي رافع قال : أشهد لكنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ رواه مسلم ، وعن جابر وعائشة وأم سلمة مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي وغيره : وفي الباب عن عثمان وابن مسعود وسويد بن النعمان ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة وأبي هريرة وعبد الله ابن الحرث ورافع بن خديج وغيرهم .

Bölüm V02/P072–V02/P073

واحتج الأصحاب أيضا بحديث جابر المذكور في الكتاب ، واعترض عليه جماعة ممن نفى القول بإيجاب الوضوء ، فقالوا : لا دلالة فيه لأنه مختصر من حديث طويل رواه أبو داود وغيره عن جابر قال : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى امرأة من الأنصار فقربت شاة مصلية ( أي مشوية ) فأكل وأكلنا فحانت الظهر فتوضأ ثم صلى ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل ثم حانت صلاة العصر فصلى ولم يتوضأ قالوا فقوله آخر الأمرين يريد هذه القضية وأن الصلاة الثانية هي آخر الأمرين يعني آخر الأمرين من الصلاتين لا مطلقا . وممن قال هذا التأويل أبو داود السجستاني . قالوا : والأحاديث الواردة بالأمر بالضوء متأخرة على حديث جابر وناسخة له ، وممن قال هذا الزهري وغيره فعندهم أن أحاديث ترك الوضوء منسوخة بأحاديث الأمر به ، وهذا الذي قالوه ليس كما زعموه ، فأما تأويلهم حديث جابر فهو خلاف الظاهر بغير دليل فلا يقبل وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونه آخر الأمرين ، فلعل هذه القضية هي آخر الأمرين واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء ، ويجوز أيضا أن يكون ترك الوضوء قبلها ، فإنه ليس فيها أن الوضوء كان بسبب الأكل ، وأما دعواهم نسخ أحاديث ترك الوضوء فهي دعوى بلا دليل فلا تقبل . وروى البيهقي عن الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي شيخ مسلم قال : اختلف الأول والآحر من هذه الأحاديث ، فلم يقف على الناسخ منها ببيان يحكم به فأخذنا بإجماع الخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة رضي الله عنهم في الرخصة في ترك الوضوء مع أحاديث الرخصة . والجواب عن أحاديثهم أنها منسوخة هكذا أجاب الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء ومنهم من حمل الوضوء فيها عم المضمضة وهو ضعيف . واحتج القائلون بوجوب الوضوء بأكل لحم الجزور بحديث جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم قال : إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل رواه مسلم من طرق . وعن البراء سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فأمر به قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان حديث جابر والبراء . وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة : لم نر خلافا بين علماء الحديث في صحة هذا الحديث وانتصر البيهقي لهذا المذهب ، فقال بعد أن ذكر ما ذكرناه : وأما ما روى عن علي وابن عباس رضي الله عنهم الوضوء مما خرج وليس مما دخل فمرادها ترك الوضوء مما مست النار قال : وأما ما روى عن أبي جعفر عن ابن مسعود أنه أتى بقصعة من لحم الجزور من الكبد والسنام فأكل ولم يتوضأ فهو منقطع وموقوف قال وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . واحتج أصحابنا بأشياء ضعيفة في مقابلة هذين الحديثين فتركتها لضعفها والمعتمد للمذهب حديث جابر المذكور : كان آخر الأمرين ولكن لا يرد عليهم لأنهم يقولون ينتقض بأكله نيئا وأصحابنا يقولون : هو محمول أكله مطبوخا لأنه الغالب المعهود . وأجاب الأصحاب عن حديث جابر بن سمرة والبراء بجوابين : أحدهما : أن النسخ بحديث جابر كان آخر الأمرين . والثاني : حمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة قالوا : وخصت الإبل بذلك لزيادة سهوكة لحمها ، وقد نهى أن يبيت وفي يده أو فمه دسم خوفا من عقرب ونحوها وهذان الجوابان اللذان أجاب بهما أصحابنا ضعيفان .

Bölüm V02/P073–V02/P074

أما حمل الوضوء على اللغوي فضعيف لأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي كما هو معروف في كتب الأصول وأما النسخ فضعيف أو باطل لأن حديث ترك الوضوء مما مست النار عام ، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص ، والخاص يقدم على العام ، سواء وقع قبله أو بعده وأقرب ما يستروح إليه قول الخلفاء الراشدين وجماهير الصحابة والله أعلم . فرع : لا فرق عند أحمد بين أكل الإبل مطبوخا ونيئا ومشويا ففي كله الوضوء ، وكذا قولنا القديم ، ولأحمد رواية أنه يجب الوضوء من شرب لبن الإبل ولا أعلم أحدا وافقه عليها ، ومذهبنا ومذهب العلماء كافة لا وضوء من لبنها . واحتج أصحاب أحمد بحديث عن أسيد بن حضير بضم أولهما والحاء مهملة والضاد معجمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا توضأوا من ألبان الغنم وتوضأوا من ألبان الإبل رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف فلا حجة فيه ودليلنا أن الأصل الطهارة ولم يثبت ناقض . واختلف أصحاب أحمد في كل كبد الجزور وطحاله وسنامه ودهنه ومرقه ، وعندنا وعند الجمهور لا ينقض لما سبق في اللبن ، وأما قول الغزالي رحمه الله في الوسيط لا وضوء مما مسته النار خلافا لأحمد فمما أنكروه عليه ، لأن أحمد لا ينقض بما مست النار ، وإنما ينقض بالجزور خاصة والله أعلم .

Bölüm V02/P074–V02/P076

قال المصنف رحمه الله تعالى : وكذلك لا ينتقض الطهر بقهقهة المصلي لما روى عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء . + الشرح : حديث جابر هذا روى مرفوعا وموقوفا على جابر ورفعه ضعيف قال البيهقي وغيره : الصحيح أنه موقوف على جابر ، وذكره البخاري في صحيحه عن جابر موقوفا عليه ، ذكره تعليقا ، والضحك معروف ، وهو بفتح الضاد وكسر الحاء ، هذا أصله ، ويجوز إسكان الحاء مع فتح الضاد وكسرها ، ويجوز كسرهما فهي أربعة أوجه . واختلف العلماء في الضحك في الصلاة إن كان بقهقهة ، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا ينقض ، وبه قال ابن مسعود وجابر وأبو موسى الأشعري ، وهو قول جمهور التابعين فمن بعدهم . وروى البيهقي عن أبي الزناد قال : أدركت من فقهائنا الذي ينتهي إلى قولهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبا بكر بن عبد الرحمن ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عبيد الله بن عتبة ، وسليمان بن يسار ومشيخة جلة سواهم يقولون : الضحك في الصلاة ينقضها ولا ينقض الوضوء ، قال البيهقي : وروينا نحوه عن عطاء والشعبي والزهري ، وحكاه أصحابنا عن مكحول ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود . وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة : ينقض الوضوء . وعن الأوزاعي روايتان ، وأجمعوا أن الضحك إذا لم يكن فيه قهقهة لا يبطل الوضوء ، وعلى أن القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء . واحتج للقائلين بالنقض في الصلاة بما روى عن أبي العالية والحسن البصري ومعبد الجهني وإبراهيم النخعي والزهري : أن رجلا أعمى جاء والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فتردى بماء في بئر فضحك طوائف من الصحابة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة . وعن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم الضحك في الصلاة قرقرة تبطل الصلاة والوضوء ولأنها عبادة يبطلها الحدث فأبطلها الضحك كالصلاة واحتج أصحابنا بحديث جابر المذكور في الكتاب وقد بيناه ، وبأن الضحك لو كان ناقضا لنقض في الصلاة وغيرها كالحدث ، لأنها صلاة شرعية فلم ينقض الضحك فيها الوضوء ، كصلاة الجنازة فقد وافقوا عليها . وذكر الأصحاب أقيسة كثيرة ومعاني ، والمعتمد أن الطهارة صحيحة ونواقض الوضوء محصورة ، فمن ادعى زيادة فليثبتها ولم يثبت في النقض بالضحك شيء أصلا . وأما ما نقلوه عن أبي العالية ورفقته وعن عمران وغير ذلك مما رووه فكلها ضعيفة واهية بإتفاق أهل الحديث . قالوا : ولم يصح في هذه المسألة حديث . وقد بين البيهقي وغيره وجوه ضعفها بيانا شافيا ، فلا حاجة إلى الإطالة بتفصيله مع الإتفاق على ضعفها . وأما قياسهم فلا يصح لأن الأحداث لا تثبت قياسا لأنها غير معقولة العلة كما سبق ولو صح لكان منتقضا بغسل الجنابة فإنه يبطله خروج المني ولا يبطله الضحك في الصلاة بالإجماع . قال ابن المنذر : بعد أن ذكر اختلاف العلماء فيه وبقول من قال لا وضوء نقول : لا لأنا لا نعلم لمن أوجب الوضوء حجة . قال : والقذف في الصلاة عند من خالفنا لا يوجب الوضوء فالضحك أولى والله أعلم . فرع : قدمنا في أول الباب أن الردة لا تنقض الوضوء عندنا على الصحيح وبه قال جمهور العلماء . وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وأبو داود : تنقض . واحتجوا بقوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء إلا من صوت أو ريح وهو حديث صحيح سبق بيانه أول الباب . والجواب عن الآية الكريم أن المراد بالإحباط من مات على الردة كما قال سبحانه وتعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم

Bölüm V02/P076–V02/P078

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يتوضأ من الضحك في الصلاة ومن الكلام القبيح لما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلى من أتوضأ من الطعام الطيب ، وقالت عائشة رضي الله عنها : يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج ، وأشدهما حدث اللسان . + الشرح : الأثر المذكور ، عن ابن عباس مشهور ، رواه البخاري في كتاب الضعفاء ، وأشار إلى تضعيفه ، وقول عائشة : الكلمة العوراء أي القبيحة قال الهروي ، قال ابن الأعرابي : تقول العرب للردىء من الأمور والأخلاق أعور والأنثى عوراء ثم إن المصنف حمل هذه الآثار على الوضوء الشرعي الذي هو غسل الأعضاء المعروفة ، وكذا حملها ابن المنذر وجماعة من أصحابنا . وقال ابن الصباغ الأشبه أنهم أرادوا غسل الفم ، وكذا حملها المتولي على غسل الفم ، وحكى الشاشي في المعتمد كلام ابن الصباغ . ثم قال وهذا بعيد بل ظاهر كلام الشافعي أنه أراد الوضوء الشرعي . قال : والمعنى يدل عليه لأن غسل الفم لا يؤثر فيما جرى من الكلام وإنما يؤثر فيه الوضوء الشرعي ، والغرض منه تكفير الخطايا كما ثبت في الأحاديث فحصل أن الصحيح أو الصواب استحباب الوضوء الشرعي من الكلام القبيح ، كالغيبة والنميمة والكذب والقذف وقول الزور والفحش وأشباهها . ولا خلاف في استحبابه إذا ضحك في الصلاة ولا يجب شيء من ذلك . قال ابن المنذر في كتابيه الإشراف و الإجماع وابن الصباغ : أجمع العلماء على أنه لا يجب الوضوء من الكلام القبيح ، كالغيبة والقذف وقول الزور وغيرها ونقل الروياني عن الشيعة إيجاب الوضوء من ذلك . والشعية لا يعتد بخلافهم . واحتج الشافعي ثم ابن المنذر ثم البيهقي وأصحابنا في المسألة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قال في حلفه باللات والعزي فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لغيره : تعالى أقامرك فليتصدق رواه البخاري ومسلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله وما أوجب الطهارة فلا فرق فيه بين ما وجد منه بتعمده واختياره ، وما وجد بغير تعمد واختياره ، كالساهي والمكره على الحدث . ومن سبقه الحدث ودليله الكتاب والسنة . قال الله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا والجنابة تكون باحتلام وغير قصد واختيار وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في المذي بالوضوء ، وهو يخرج بلا قصد . وقد سبق في اللمس والمس ساهيا وجه شاذ ضعيف . أنهما لا ينقضان . فرع : قال أبو العباس بن القاص في التلخيص لا يبطل شيء من العبادات بعد انقضاء فعلها إلا الطهارة إذا تمت ثم أحدث فتبطل قال القفال في شرح التلخيص قال غير أبي العباس لا نقول بطلت الطهارة بل نقول انتهت نهايتها . فإن أطلقنا لفظ بطلت فهو مجاز . وذكر جماعة غير القفال أيضا الخلاف ، والأظهر قول من يقول : انتهت ولا يقول : بطلت إلا مجازا . كما يقال : إذا غربت الشمس انتهى الصوم ولا يقال بطل . وإذا مضت مدة الإجارة يقال انتهت الإجارة لا بطلت . وقوله لا يبطل شيء من العبادات بعد إنقضائها يستثنى منه الردة المتصلة بالموت فإنها تحبط العبادات بالنص والإجماع والله أعلم .

Bölüm V02/P078–V02/P079

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة لأن الطهارة يقين فلا يزال ذلك بالشك . وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقين الحدث لأن الحدث يقين فلا يزال بالشك ، وإن تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما نظرت فإن كان قبلهما طهارة فهو الآن محدث ، لأنه تيقن أن الطهارة قبلهما ورد عليها حدث فأزالها وهو يشك هل ارتفع هذا الحدث بطهارة بعده أم لا فلا يزال يقين الحدث بالشك وإن كان قبلهما حدث فهو الآن متطهر لأنه ( قد ) تيقن أن الحدث قبلهما ( قد ) ورد عليه طهارة فإزالته وهو يشك هل ارتفعت هذه الطهارة بحدث بعدها أم لا فلا يزال يقين الطهارة بالشك . وهذا كما نقول في رجل أقام بينة بدين وأقام المدعي عليه بينة بالبراءة ، فإنا نقدم بينة البراءة لأنا تيقنا أن البراءة وردت على دين واجب فأزالته ، ونحن نشك هل اشتغلت ذمته بعد البراءة بدين بعدها فلا يزال يقين البراءة بالشك . + الشرح : في الفصل ثلاث مسائل : إحداها : إذا تيقن الحدث وشك هل تطهر أم لا فليزمه الوضوء بالإجماع ودليله مع الإجماع ما ذكره المصنف . الثانية : تيقن الطهارة ، وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة ، ولا يلزمه الوضوء ، سواء حصل الشك ، وهو في صلاة أو غيرها ، هذا مذهبنا ، وبه قال جمهور العلماء . وحكى أصحابنا عن الحسن البصري أنه إن شك وهو في صلاة فلا وضوء عليه وإن كان في غيرها لزمه الوضوء ، وحكى المتولي والرافعي وجها لأصحابنا مثله وعن مالك ثلاث روايات ، إحداها : مثله ، والثانية : يلزمه الوضوء بكل حال ، والثالثة : يستحب . ودليل الجمهور ما ذكره المصنف مع قوله صلى الله عليه وسلم : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا رواه البخاري ومسلم ، وسبق في أول الباب . قال أصحابنا وسواء في الشك استوى احتمالان عنده أو ترجح أحدهما فالحكم سواء وقد قدمت بيان هذه القاعدة في باب الشك في نجاسة الماء . قال إمام الحرمين : اتفق الأصحاب على أن من تيقن الوضوء وغلب على ظنه الحدث فله الأخذ بالوضوء ، قال : وقد ذكرنا قولين للشافعي رحمه الله في أن ما يغلب على الظن نجاسته هل يحكم بنجاسته قال : وكان شيخي يقول الفرق بينهما أن الإجتهاد يتطرق إلى تمييز الطاهر من النجس لأن للنجاسة أمارات بخلاف الحدث والطهارة ، قال الإمام : وعندي من هذا فضل مباحثة فأقول تمييز الحيض من الإستحاضة ، والمني من غيره ، إنما هو بالصفات وهذا اجتهاد . فإطلاق القول بأن الإجتهاد لا يتطرق إلى الأحداث غير سديد ، ثم ذكر الإمام لنفسه فرقا بعبارة طويلة حاصلة أن الأسباب التي تظن بها النجاسة كثيرة جدا ، وهي قليلة في الأحداث فلا مبالاة بالنادر منها فتعين التمسك بحكم اليقين . قال أصحابنا : وإذا تيقن الطهارة وشك في الحدث استحب أن يتوضأ ، فإن توضأ ودام الإشكال فوضوءه وصلاته صحيحان مجزيان ، وإن بان كونه كان محدثا ففي إجزائه وجهان سبقا في آخر نية الوضوء . المسألة الثالثة : إذا علم أنه جزى منه بعد طلوع الشمس طهارة وحدث لا يعلم أسبقهما ففيه أربعة أوجه . أحدها : أنه بضد ما كان قبل طلوع الشمس ودليله ما ذكره المصنف وهذا الوجه هو قول أبي العباس بن القاص ذكره في باب المسح على الخف من كتابه التلخيص ، وبه قطع المصنف هنا وفي التنبيه ، وهكذا قطع به جمهور المصنفين . فعلى هذا لو لم يعرف ما كان قبلهما لزمه الوضوء صرح به الدارمي والمتولي وغيرهما لأنهما تعارضا وما قبلهما لا يعرف ولا بد من طهارة متيقنة أو مظنونة أو مستصحبة وليس هنا شيء فوجب الوضوء .

Bölüm V02/P079–V02/P080

والوجه الثاني : أنه يتعارض الأمران ويسقطان ويكون حكمه ما كان قبلهما فإن كان قبل طلوع الشمس متطهرا فهو الآن متطهر وإلا فمحدث ، وهذا الوجه حكاه جماعات من الخراسانيين وحكاه الدارمي وغيره عن ابن المرزبان . قال الدارمي وغيره ورجع عنه ابن المرزبان إلى قول ابن القاص حين بلغه وهذا الوجه غلط لا شك فيه لأنا علمنا بطلان ما قبلهما قطعا ، فكيف نحكم ببقائه ونعمل بمقتضاه . والوجه الثالث : يعمل بما يظنه ، فإن تساويا فمحدث ، وهذا الوجه اختاره الدارمي في الاستذكار . والوجه الرابع : يلزمه الوضوء بكل حال وهذا هو الأظهر المختار حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وابن الصباغ والمتولي والروياني والشاشي وآخرون ، قال القاضي أبو الطيب : هو قول عامة أصحابنا ، وأشار ابن الصباغ إلى ترجيحه واختاره الدارمي في كتابه الاستذكار وغيره ورجحه غيره ودليله أن الطهارة والحدث بعد طلوع الشمس تعارضا فليس أحدهما أولى من الآخر وما قبلهما تحققنا بطلانه ولا بد من طهارة معلومة أو مظنونة أو مستصحبة فوجب الوضوء ، ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة ، وقال المتولي والرافعي : صورتهما فيمن عادته تجديد الوضوء ، فأما من لم يعتده فالظاهر أن طهارته تكون بعد الحدث فيكون الآن متطهرا وتباح له الصلاة والله أعلم . وأما قول المصنف : لا يزال اليقين بالشك فمعناه حكم اليقين ، وقد سبق بيان هذه العبارة في باب الشك في نجاسة الماء . وقوله الآن هو الزمان الحاضر وأما قياسه على مسألة البراءة من الدين ، فكذا قاسه أصحابنا لكن صورها المتولي تصويرا حسنا مشابها لمسألة الحدث ، وقال : استشهد أصحابنا ، فقالوا : لو علمنا لزيد على عمرو ألف درهم فأقام عمرو بينة بالأداء أو الإبراء فأقام زيد بينة أن عمرا أقر له بألف درهم مطلقا لم يثبت بهذه البينة شيء لاحتمال أن الألف الذي أقر به هي الألف الذي علمنا وجوبه وقامت البينة ببراءته منه ولا تشغل ذمته بالإحتمال ولهذه المسألة فروع ، وتتمات سبق بيانها ، في آخر باب الشك في نجاسة الماء ، والله أعلم .

Bölüm V02/P080–V02/P083

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحدث حرمت عليه الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور ويحرم عليه الطواف ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ويحرم عليه مس المصحف لقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون ولما روى حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ويحرم عليه حمله في كمه لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله وهو في الهتك أبلغ وأولى . ويجوز أن يتركه بين يديه ويتصفح أوراقه بخشية لأنه غير مباشر له ولا حامل له . وهل يجوز للصبيان حمل الألواح وهم محدثون فيه وجهان : أحدهما : لا يجوز كما لا يجوز لغيرهم . والثاني : يجوز لأن طهارتهم لا تنحفظ وحاجتهم إلى ذلك ماسة ، وإن حمل رجل متاعا ، وفي جملته مصحف وهو محدث جاز ، لأن القصد نقل المتاع فعفى عما فيه من القرآن كما لو كتب كتابا إلى دار الشرك وفيه آيات من القرآن ، وإن حمل كتابا من كتب الفقه وفيه آيات من القرآن أو حمل الدراهم الأحدية أو الثياب التي طرزت بآيات من القرآن ففيه وجهان : أحدهما : لا يجوز لأنه يحمل القرآن . والثاني : يجوز لأن القصد منه غير القرآن ، وإن كان على موضع من بدنه نجاسة فمس المصحف بغيره جاز ، وقال القاضي أبو القاسم الصيمري رحمه الله : لا يجوز كما لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف بظهره ، وإن كانت الطهارة تجب في غيره وهذا لا يصح لأن حكم الحدث يتعدى وحكم النجاسة لا يتعدى محلها . + الشرح : في هذا الفصل مسائل إحداها : حديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور صحيح رواه مسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنهما ، وحديث الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام رواه البيهقي وغيره من رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صعيف ، والصحيح عندهم أنه موقوف على ابن عباس ، وحديث لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر رواه المصنف والشيخ أبو حامد ، عن حكيم بن حزام ، والمعروف في كتب الحديث والفقه أنه عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه له لما وجهه إلى اليمن وإسناده ضعيف ، رواه مالك في الموطأ مرسلا ورواه البيهقي أيضا من رواية ابن عمر والله أعلم . الثانية : في اللغات والألفاظ والأسماء لا يقبل الله صلاة بغير طهور هو بضم الطاء ويجوز فتحها في لغة والمراد به فعل الطهارة ، وفي المصحف ثلاث لغات ضم الميم وفتحها وكسرها تقدم بيانهن في نية الوضوء . قوله : فلأن يحرم هو بفتح اللام وقد سبق بيانه في مواضع والدراهم الأحدية بفتح الهمزة والحاء وكسر الدال وتشديد الياء هي المكتوب عليها ( قل هو الله أحد ) . وأما حكيم بن حزام بالزاي فهو أبو خالد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى أسلم يوم الفتح وكان ولد في جوف الكعبة ولم يصح أن غيره ولد في الكعبة . وعاش مائة وعشرين سنة ستين في الجاهلية ، وستين في الإسلام وتوفي بالمدينة ، وأما الصيمري فهو بصاد مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة ، ثم ميم مفتوحة على المشهور ، وحكى ضمها وقد بينته في تهذيب الأسماء وهو منسوب إلى قرية عند البصرة وقيل غير ذلك وهو أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين بن محمد كان من كبار أئمة أصحابنا حضر مجلس أبي حامد المروروذي وتفقه علي أبي الفياض وتفقه عليه أقضى القضاة الماوردي صاحب الحاوي وكان حافظا للمذهب حسن التصانيف له مصنفات كثيرة في أنواع من العلوم منها الإيضاح في المذهب نحو سبع مجلدات نفيس وقد بسطت حاله في تهذيب الأسماء .

Bölüm V02/P083–V02/P084

المسألة الثالثة : أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدث وأجمعوا على أنها لا تصح منه سواء إن كان عالما بحدثه أو جاهلا أو ناسيا لكنه إن صلى جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه وإن كان عالما بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة ولا يكفر عندنا بذلك إلا أن يستحله ، وقال أبو حنيفة : يكفر لإستهزائه . دليلنا أنه معصية فأشبهت الزنا وأشباهه ، هذا كله إذا لم يأت ببدل ولا اضطر إلى الصلاة محدثا . أما المستحاضة وسلس البول وسائر من به حدث دائم ومن صلى بالتيمم ومن صلى الفرض بلا ماء ولا تراب لعدمهما أو أكره على الصلاة محدثا فلا شك في أنه لا إثم عليه في هذه المواضع في الصلاة وإن كان محدثا . وحكم سجود التلاوة والشكر حكم الصلاة في ذلك وأما ما يفعله عوام الفقراء وشبههم من سجودهم بين يدي المشايخ وربما كانوا محدثين فهو حرام بإجماع المسلمين . وسواء في ذلك كان متطهرا أو غيره وسواء استقبل القبلة أم لا . وقد يتخيل كثير منهم أن ذلك تواضع وكسر للنفس وهذا خطأ فاحش وغباوة ظاهرة فكيف تكسر النفوس أو تتقرب إلى الله تعالى بما حرمه وربما اغتر بعضهم بقوله تعالى : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا يوسف : 101 والآية منسوخة أو متأولة كما هو العلماء . وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن هذا السجود الذي قدمناه فقال : هو من عظائم الذنوب ونخشى أن يكون كفرا . المسألة الرابعة : يحرم على المحدث الطواف بالكعبة . فإن طاف عصى ولم يصح . هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه . وقال أبو حنيفة يصح بلا طهارة وفي تحريمه عنه روايتان دليلنا الحديث المذكور وهو صحيح . عن ابن عباس كما ذكرنا . وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ للطواف وقال : لتأخذوا عني مناسككم وسواء الطواف في حج وعمرة وغيره والله أعلم . المسألة الخامسة : يحرم على المحدث مس المصحف وحمله سواء إن حمله بعلاقته أو في كمه أو على رأسه . وحكى القاضي حسين والمتولي وجها أنه يجوز حمله بعلاقته وهو شاذ في المذهب وضعيف . قال أصحابنا : وسواء مس نفس الأسطر أو ما بينها أو الحواشي أو الجلد فكل ذلك حرام . وفي مس الجلد وجه ضعيف أنه يجوز . وحكى الدارمي وجها شاذا بعيدا أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي ولا ما بين الأسطر ولا يحرم إلا نفس المكتوب . والصحيح الذي قطع به الجمهور تحريم الجميع . وفي مس العلاقة والخريطة والصندوق إذا كان المصحف فيها وجهان مشهوران أصحهما يحرم ، وبه قطع المتولي والبغوي لأنه متخذ للمصحف منسوب إليه كالجلد . والثاني : يجوز واختاره الروياني في مس الصندوق . وأما حمل الصندوق وفيه المصحف فاتفقوا على تحريمه . قال أبو محمد الجويني في الفروق : وكذا يحرم تحريكه من مكان إلى مكان ، وأما إذا تصفح أوراقه بعود ففيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما وبه قطع المصنف وسائر العراقيين يجوز ، لأنه غير مباشر له ولا حامل . والثاني : لا يجوز ورجحه الخراسانيون لأنه حمل الورقة وهي بعض المصحف ، ولو لف كمه على يده وقلب الأوراق بها فهو حرام . هكذا صرح به الجمهور منهم الماوردي والمحاملي في المجموع وإمام الحرمين والغزالي والروياني وغيرهم ، وفرقوا بينه وبين العود بأن الكم متصل به وله حكم أجزائه في منع السجود عليه وغيره بخلاف العود . قال إمام الحرمين ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم ، قال ومن ذكر فيه خلافا فهو غالط ، وشذ الدارمي عن الأصحاب فقال إن مسه بخرقة أو بكمه فوجهان ، وإن مسه بعود جاز .

Bölüm V02/P084–V02/P086

وأما إذا حمل المصحف في متاع فوجهان حكاهما الماوردي والخراسانيون أصحهما وبه قطع المصنف والجمهور ، ونقل الماوردي والبغوي عن نص الشافعي يجوز لأنه غير مقصود . والثاني : يحرم لأنه حامله حقيقة ولا أثر لكون غيره معه ، كما لو حمل المصلي متاعا فيه نجاسة فإن صلاته تبطل ، قال الماوردي : وصورة المسألة أن يكون المتاع مقصودا بالحمل ، فإن كان بخلافه لم يجز ، وإنما قاس المصنف على ما إذا كتب كتابا إلى دار الشرك فيه آيات ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى دار الشرك كتابا فيه شيء من القرآن مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى دار الكفر فدل على أن الآيات في ضمن كتاب لا يكون لها حكم المصحف والله سبحانه أعلم . وأما إذا حمل كتاب فقه وفيه آيات من القرآن أو كتاب حديث فيه آيات أو دراهم أو ثوبا أو عمامة طرز بآيات أو طعاما نقش عليه آيات فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما بالإتفاق جوازه . وقطع به إمام الحرمين والبغوي وجماعات ومنهم من قطع به في الثوب وخص الخلاف بالدراهم وعكسه المتولي فقطع بجواز مس كتاب الفقه وجعل الوجهين في مس ثوب أو خشبة أو حائط أو طعام أو دراهم عليها آيات . وكذا ذكر غيره الوجهين في مس الحائط أو الحلوى والخبز المنقوش بقرآن . والصحيح الجواز مطلقا لأنه ليس بمصحف ولا في معناه . قال المتولي وغيره : إذا لم نحرمه فهو مكروه وفيما قالوه نظر . وقال الماوردي : الدراهم والدنانير المنقوشة بقرآن ضربان ضرب لا يتداوله الناس كثيرا ولا يتعاملون به غالبا كالتي عليها سورة الإخلاص وضرب يتداولونه كثيرا فالأول لا يجوز حمله وفي الثاني الوجهان . والمشهور في كتب الأصحاب إطلاق الوجهين بلا فرق بين المتداول وغيره . فالفرق غريب نقلا ضعيف دليلا ، قال القاضي حسين : ويجوز مس خاتم نقش بآيات وحمله ، ولعله فرعه على الصحيح وإلا فهو كالدراهم . وأما إذا كان على موضع من بدنه نجاسة غير معفو عنها فإن أصاب المصحف بموضع النجاسة فهو حرام بلا خلاف . وإن أصابه بغيره فوجهان . الصحيح أنه لا يحرم وبه قطع الجمهور . وقال الصيمري : يحرم وقد ذكر المصنف دليلهما . قال القاضي أبو الطيب : هذا الذي قاله الصيمري مردود بالإجماع . قال المتولي : إذا قلنا بالمذهب أنه لا يحرم فهو مكروه . وفيما قاله نظر . وأما الصبي فإن كان غير مميز لم يجز لوليه تمكينه من المصحف لئلا ينتهكه . وإن كان مميزا فهل يجب على الولي والمعلم تكليفه الطهارة لحمل المصحف واللوح ومسهما فيه وجهان مشهوران أصحهما عند الأصحاب لا يجب للمشقة . ونقله الماوردي عن أكثر الأصحاب ، وقطع القاضي حسين والمتولي به في اللوح ، وذكر الوجهين في المصحف ، وقطع الجرجاني بأنه لا يمنع من مس المصحف واللوح في الكتب ، والمشهور طرد الوجهين فيهما في المكتب وغيره ، وقول المصنف هل يجوز للصبيان فيه وجهان ، أحدهما : لا يجوز . والثاني : يجوز ، وقد قال مثله الفوراني وابن الصباغ والروياني وهو تساهل ، فإن الصبي ليس مكلفا فكيف يقال هل يجوز له فيه وجهان والعبارة الصحيحة ما قدمناه والله أعلم . فرع : في مسائل إحداها : أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث والأفضل أنه يتطهر لها ، قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : ولا نقول قراءة المحدث مكروهة ، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث . الثانية : كتاب تفسير القرآن إن كان القرآن فيه أكثر ، كبعض كتب غريب القرآن حرم مسه وحمله وجها واحدا ، كذا ذكره الماوردي وغيره ونقله الروياني عن الأصحاب ، وإن كان التفسير أكثر كما هو الغالب ففيه أوجه أصحها لا يحرم لأنه ليس بمصحف ، وبهذا قطع الدارمي وغيره . والثاني : يحرم لتضمينه قرآنا كثيرا .

Bölüm V02/P086–V02/P087

والثالث : إن كان القرآن متميزا عن التفسير بخط غليظ حمرة أو صفرة ونحو ذلك حرم وإلا فلا ، وبه قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وضعفه غيرهم قال المتولي : وإذا لم يحرم كره ، وأما كتب القراءات فجعلها الشيخ نصر المقدسي ككتب الفقه وقطع هو بجوازها . وأما كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق الماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم جواز مسها وحملها مع الحدث وقال المتولي والروياني : يكره . والمختار ما قاله آخرون أنه إن لم يكن فيها شيء من القرآن جاز والأولى أن لا يفعل إلا بطهارة ، وإن كان فيها قرآن فعلى الوجهين في كتب الفقه . الثالثة : يجوز للمحدث مس التوراة والإنجيل وحملهما ، وكذا قطع به الجمهور وذكر الماوردي والروياني فيه وجهين أحدهما لا يجوز ، والثانية قالا وهو قول جمهور أصحابنا يجوز لأنها مبدلة منسوخة . قال المتولي : فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل كره مسه ولا يحرم قال الرافعي : وحكم المنسوخ تلاوته من القرآن حكم التوراة . الرابعة : إذا كتب المحدث أو الجنب مصحفا نظر إن حمله أو مسه في حال كتابته حرم وإلا فالصحيح جوازه لأنه غير حامل ولا ماس ، وفيه وجه مشهور أنه يحرم . ووجه ثالث حكاه الماوردي أنه يحرم على الجنب دون المحدث . الخامسة : إذا كتب القرآن في لوح فله حكم المصحف فيحرم مسه وحمله على البالغ المحدث ، هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأكثرون ، وفيه وجه مشهور أنه لا يحرم لأنه لا يراد للدوام بخلاف المصحف فعلى هذا يكره ، قاله في التتمة ، ولا فرق بين أن يكون المكتوب قليلا أو كثيرا فيحرم على الصحيح ، قال إمام الحرمين : لو كان على اللوح آية أو بعض آية كتب للدراسة حرم مسه وحمله . السادسة : لا يجوز كتابة القرآن بشيء نجس ، ذكره البغوي وغيره ، قال البغوي وغيره : يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى . قال القاضي حسين والبغوي وغيرهما : وإذا كتب قرآنا على حلوى وطعام فلا بأس بأكله . قال القاضي : فإن كان على خشبة كره إحراقها . السابعة : قال القاضي حسين وغيره : لا يجوز توسد المصحف ولا غيره من كتب العلم ، قال القاضي : إلا أن يخاف عليه السرقة فيجوز ، وهذا الإستثناء فيه نظر ، والصواب منعه في المصحف وإن خاف السرقة . قال القاضي حسين : ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام ولا يمكن المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف لئلا ينتهكه . الثامنة : لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث . صرح به الدارمي وغيره بلا يجب ذلك صيانة للمصحف ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز على الوضوء فله حمله على الحدث . قال القاضي أبو الطيب : ولا يلزمه التيمم له لأنه لا يرفع الحدث وفيما قاله نظر . وينبغي أن يجب التيمم لأنه وإن لم يرفع الحدث فيبيح الصلاة ومس المصحف وحمله . التاسعة : قال القاضي حسين وغيره : يكره للمحدث حمل التعاويذ يعنون الحروز قال أبو عمرو بن الصلاح في الفتاوي : كتابة الحروز واستعمالها مكروه وترك تعليقها هو المختار .

Bölüm V02/P087–V02/P088

وقال في فتوى أخرى : يجوز تعليق الحروز التي فيها قرآن على النساء والصبيان والرجال يجعل عليها شمع ونحوه ويستوثق من النساء وشبههن بالتحدير من دخول الخلاء بها والمختار أنه لا يكره إذا جعل عليه شمع ونحوه لأنه لم يرد فيه نهي ونقل ابن جرير الطبري عن مالك نحو هذا فقال : قال مالك لا بأس بما يعلق على النساء الحيض ، والصبيان من القرآن إذا جعل في كن كقصبة حديد أو جلد يحرز عليه وقد يستدل للإباحة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات : أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون قال : وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن . العاشرة : إذا تيمم المحدث تيمما صحيحا فله مس المصحف ، وإن كان لم يرتفع حدثه وكذا إذا توضأ من به حدث دائم كالمستحاضة فله مس المصحف وحمله ، وأما من لم يجد ماء ولا ترابا فيصلي على حاله للضرورة ويحرم عليه مسه وحمله لعدم الضرورة . الحادية عشرة : اتفقوا على أنه لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو واتفقوا أنه يجوز أن يكتب إليهم الآية والآيتان وشبههما في أثناء كتاب لحديث أبي سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا فيه : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية . الثانية عشرة : قال أصحابنا لا يمنع الكافر سماع القرآن ويمنع مس المصحف وهل يجوز تعليمه القرآن ينظر إن لم يرج إسلامه لم يجز ، وإن رجى جاز في أصح الوجهين وبه قطع القاضي حسين ورجحه البغوي وغيره . والثاني : لا يجوز كما لا يجوز بيعه المصحف ، وإن رجى إسلامه . قال البغوي : وحيث رآه معاندا لا يجوز تعليمه بحال ، وهل يمنع التعليم فيه وجهان حكاهما المتولي والروياني وغيرهما أصحهما يمنع . الثالثة عشرة : أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه ، فلو ألقاه والعياذ بالله في قاذورة كفر ، وأجمعوا على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وإيضاح الخط دون مشقة وتعليقه ، ويسحتب نقط المصحف وشكله لأنه صيانة له من اللحن والتحريف ، وفي تذهيبه وتفضيضه خلاف سنذكره حيث ذكره المصنف والأصحاب في باب زكاة الذهب والفضة ، وبيع المصحف وشراؤه جائز عندنا وفي كراهة بيعه وجهان المنصوص يكره ، وفي مذاهب للسلف سنوضحها حيث ذكره المصنف في باب ما يجوز بيعه إن شاء الله تعالى . وبيعه للكفار حرام ، وفي انعقاده قولان أصحهما لا ينعقد ، وسنوضحه مع فروعه في كتاب البيع إن شاء الله تعالى ، وأما آداب قراءة القرآن وتفضيلها على التسبيح وتحسين الصوت بالقرآن ونحو ذلك فسأذكره موضحا إن شاء الله تعالى في آخر باب ما يوجب الغسل فهو أليق به . فرع : في مذاهب العلماء في مس المصحف وحمله : مذهبنا تحريمهما ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء . وعن الحكم وحماد وداود : يجوز مسه وحمله وروى عن الحكم وحماد جواز مسه بظهر الكف دون بطنه . واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن وهرقل محدث ، يمسه وأصحابه ، ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار ، ولأنه إذا لم تحرم القراءة فالمس أولى ، وقاسوا حمله على حمله في متاع .

Bölüm V02/P088–V02/P090

واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين الواقعة : 79 فوصفه بالتنزيل ، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا ، فإن قالوا المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون ولهذا قال : يمسه بضم السين على الخبر ، ولو كان المصحف لقال يمسه بفتح السين على النهي ، فالجواب أن قوله تعالى : تنزيل ، ظاهر في إرادة المصحف فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح ، وأما رفع السين فهو بلفظ الخبر ، كقوله : ( لا تضار والدة بولدها ) على قراءة من رفع . وقوله صلى الله عليه وسلم : لا يبيع أحدكم على بيع أخيه بإثبات الياء ، ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في العربية ، فإن قالوا : لو أريد ما قلتم لقال لا يمسه إلا المتطهرون ، فالجواب أنه يقال في المتوضىء مطهر ومتطهر واستدل أصحابنا بالحديث المذكور وبأنه قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر رضي الله عنهم ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة . والجواب عن قصة هرقل أن ذلك الكتاب كان فيه آية ولا يسمى مصحفا ، وأبيح حمل الصبيان الألواح للضرورة ، وأبيحت القراءة للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت وحمله في المتاع لأنه غير مقصود ، وبالله التوفيق . & باب الإستطابة & الإستطابة والإستنجاء والإستجمار عبارات عن إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه فالإستطابة والإستنجاء يكونان تارة بالماء وتارة بالأحجار . والإستجمار يختص بالأحجار مأخوذا من الجمار وهي الحصى الصغار . وأما الإستطابة فسميت بذلك لأنها تطيب نفسه بإزالة الخبث . قال الأزهري : يقال إستطاب يستطيب فهو مستطيب ، وأطاب يطيب فهو مطيب إذا فعل ذلك . وأما الإستنجاء فقال الأزهري : قال شمر : هو مأخوذ من نجوت الشجر وأنجيتها إذا قطعتها كأنه يقطع الأذى عنه ، وقال ابن قتيبة : هو مأخوذ من النجوة وهي ما يرتفع من الأرض وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة تستر بنجوة قال الأزهري : قول شمر أصح والله أعلم .

Bölüm V02/P090–V02/P092

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء عليه ذكر الله تعالى ، فالمستحب إن ينحيه ، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه وإنما وضعه لأنه كان عليه محمد رسول الله . + الشرح : حديث أنس هذا مشهور ، رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وغيرهم في كتاب الطهارة ، والترمذي في اللباس ، والنسائي في الزينة وضعفه أبو داود والنسائي والبيهقي ، قال أبو داود : هو منكر ، وإنما يعرف عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه وقال النسائي : هذا الحديث غير محفوظ وخالفهم الترمذي فقال : حديث حسن صحيح غريب . وقوله : وإنما وضعه إلى آخره هو من كلام المصنف لا من الحديث ولكنه صحيح ، ففي الصحيحين أن نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم كان : محمد رسول الله ويقال خاتم وخاتم بكسر التاء وفتحها وخاتام وخيتام أربع لغات ، والخلاء بالمد وهو الموضع الخالي ، وقوله كان إذا دخل الخلاء أي أراد الدخول . وأما حكم المسألة : فاتفق أصحابنا على استحباب تنحية ما فيه ذكر الله تعالى عند إرادة دخول الخلاء ولا تجب التنحية ، وممن صرح بأنه مستحب المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، والمحاملي في كتبه الثلاثة وابن الصباغ والشيخ نصر المقدسي في كتبه الثلاثة الإنتخاب و التهذيب و الكافي وآخرون . قال المتولي والرافعي وغيرهما لا فرق في هذا بين أن يكون المكتوب عليه درهما ودينارا أو خاتما أو غير ذلك ، وكذا إذا كان معه عوذة ، وهي الحروز المعروفة استحب أن ينحيه صرح به المتولي وآخرون وألحق الغزالي في الإحياء و الوسيط بذكر الله تعالى اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال إمام الحرمين لا يستصحب شيئا عليه اسم معظم ولم يتعرض الجمهور لغير ذلك الله تعالى ، وفي اختصاص هذا الأدب بالبنيان وجهان ، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه يختص ، وقطع الجمهور بأنه يشترك فيه البنيان والصحراء وهو ظاهر كلام المصنف وصرح به المحاملي وغيره . وإذا كان معه خاتم ، فقد قلنا ينزعه قبل الدخول فلو لم ينزعه سهوا أو عمدا ودخل فقيل : يضم عليه كفه لئلا يظهر . قال ابن المنذر : إن لم ينزعه جعل فصه مما يلي بطن كفه ، وحكى ابن المنذر عن جماعة من التابعين ابن المسيب والحسن وابن سيرين ، الترخيص في استصحابه ، والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يقول إذا دخل الخلاء باسم الله لقوله صلى الله عليه وسلم : ستر ما بين عورات أمتي وأعين الجن باسم الله . + الشرح : هذا الحديث رواه الترمذي وغيره من رواية علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول باسم الله قال الترمذي : إسناده ليس بالقوى . والستر بكسر السين الحجاب ، قال ابن السكيت يقال : ما دون ذلك الأمر ستر وما دونه حجاب ، وما دونه وجاح بمعنى واحد ، والوجاح بواو مفتوحة وجيم ثم ألف ثم حاء مهملة ، وقوله : باسم الله هكذا يكتب باسم بالألف ، وإنما تحذف الألف من بسم الله الرحمن الرحيم لكثرة تكرارها ، كذا علله أهل الأدب والمصنفون في الخط وفيه نظر ، وقوله : إذا دخل أي أراد الدخول وهذا الأدب متفق على استحبابه ويستوي فيه الصحراء والبنيان صرح به المحاملي والأصحاب والله أعلم .

Bölüm V02/P092–V02/P094

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال ذلك . + الشرح : حديث أنس هذا رواه البخاري ومسلم ، قال الخطابي : الخبث بضم الباء جماعة الخبيث والخبائث جمع الخبيثة يريد ذكور الشياطين وإناثهم قال : وعامة المحدثين يقولون : خبث ، وهو غلط والصواب الضم ، وهذا الذي غلطهم الخطابي فيه ليس بغلط بل إنكار تسكين الباء وشبهه غلط ، فإن التسكين في هذا وشبهه جائز تخفيفا بلا خلاف عند أهل النحو والتصريف ، وهو باب معروف عندهم فمن ذلك كتب ورسل وعنق وأشباهها مما هو على ثلاثة أحرف مضموم الأول والثاني ، ولعل الخطابي أراد أنه ليس ساكنا في الأصل ، ولم يرد إنكار الإسكان تخفيفا ، ولكن عبارته موهمة ، وقد صرح جماعة من أئمة هذا الفن بإسكان الباء منهم أبو عبيد القاسم بن سلام إمام هذا الفن ، واختلف الذين رووه ساكن الباء في معناه فقيل : الخبث الشر وقيل : الكفر ، وقيل : الشيطان . والخبائث : المعاصي . قال ابن الأعرابي : الخبث في كلام العرب المكروه ، فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان من الملل فهو الكفر وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار . وقوله : إذا دخل الخلاء أي إذا أراد دخوله وكذا جاء مصرحا به في رواية للبخاري ، وهذا الذكر مجمع على استحبابه ، وسواء فيه البناء والصحراء وقول المصنف يقول : باسم الله ويقول : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ، فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يقدم التسمية وهكذا صرح به إمام الحرمين والغزالي والروياني والشيخ نصر وصاحبا العدة و البيان وآخرون ، وقد جاء في رواية من حديث أنس هذا : بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ويخالف هذا التعوذ في الصلاة والقراءة فإنه يقدم على البسملة لأن التعوذ هناك للقراءة والبسملة من القرآن فقدم التعوذ عليها بخلاف هذا والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويقول : إذا خرج غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني وروت عائشة رضي الله عنها قالت : ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلاء إلا قال : غفرانك . + الشرح : حديث أبي ذر هذا ضعيف رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة من طرق بعضها مرفوع وبعضها موقوف على أبي ذر وإسناده مضطرب غير قوي ورواه ابن ماجه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف . قال الترمذي : لا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ، وأما حديث عائشة فصحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ورواه النسائي في اليوم والليلة ، قال الترمذي : حديث حسن ، ولفظ روايتهم كلهم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال غفرانك وبين هذا اللفظ ولفظ المصنف تفاوت لا يخفى لكن المقصود يحصل جاء في الذي يقال عقب الخروج أحاديث كثيرة ليس فيها شيء ثابت إلا حديث عائشة المذكور وهذا مراد الترمذي بقوله لا يعرف في الباب إلا حديث عائشة والله أعلم . وغفرانك منصوب بتقدير أسألك غفرانك أو اغفر عفرانك ، والوجهان مقولان في قول الله تعالى : غفرانك ربنا والأول أجود ، واختاره الخطابي وغيره ، قال الخطابي : وقيل في سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذكر في هذا الموطن قولان . أحدهما : أنه استغفر من ترك ذكر الله تعالى حال لبثه على الخلاء ، وكان لا يهجر ذكر الله تعالى إلا عند الحاجة . والثاني : أنه استغفر خوفا من تقصيره في شكر نعمة الله تعالى التي أنعمها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه ، فرأى شكره قاصرا عن بلوغ هذه النعمة فتداركه بالإستغفال ، وقولها ( خرج من الغائط ) أي الموضع الذي يتغوط فيه ، قال أهل اللغة : أصل الغائط المكان المطمئن كانوا يأتونه للحاجة ، فكنوا به عن نفس الحدث ، كراهة لإسمه ، ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها ، واستعمال الكنايات في كلامها وصون الألسن مما تصان الأبصار والأسماع عنه وهذا الذي ذكره المصنف متفق على استحبابه ويشترك فيه البناء والصحراء صرح به المحاملي وغيره والله أعلم . وأبو ذر اسمه جندب بفتح الدال وضمها ابن جنادة بالضم ، وقيل في اسمه أقوال أخر أسلم بمكة في أول الأمر رابع وقيل خامس خمسة ومناقبه كثيرة مشهورة وزهده من المشهورات ، توفي بالربذة سنة اثنتين وثلاثين ، وقد بسطت أحواله في تهذيب الأسماء رضي الله عنه ، والله أعلم .

Bölüm V02/P094–V02/P095

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى ، وفي الخروج اليمنى لأن اليسار للأذى واليمنى لما سواه . + الشرح : اليسار بفتح الياء وكسرها لغتان الفتح أفصح عند الجمهور ، وخالفهم ابن دريد ، وهذا الأدب متفق على استحبابه وهذه قاعدة معروفة ، وهي أن ما كان من التكريم بدىء فيه اليمنى وخلافه باليسار ، وقد قدمت هذه القاعدة بأمثلتها ودلائلها من الأحاديث الصحيحة في باب صفة الوضوء في فصل غسل اليد وفي اختصاص هذا الأدب بالبنيان وجهان . أحدهما وبه قطع إمام الحرمين والغزالي يختص ، وهو ظاهر كلام المصنف وكثيرين ، وأصحهما لا يختص . صرح به المحاملي في كتبه وغيره ، ونقله الرافعي عن الأكثرين ، قال : فيقدم في الصحراء رجله اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه وإذا فرغ قدم اليمنى في انصرافه . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان في الصحراء أبعد لما روى المغيرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد ويستتر عن العيون بشيء لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : امن أتى الغائط فليستتر ، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به . + الشرح : حديث المغيرة صحيح رواه أحمد بن حنبل والدارمي في مسنديهما ، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة . قال الترمذي هو حديث حسن صحيح . وعن المغيرة أيضا قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال : يا مغيرة خذ الأداوة ، فأخذتها ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته رواه البخاري ومسلم . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد فيه ضعف يسير ، وسكت عليه أبو داود ، فهو حسن عنده ، وأما حديث أبي هريرة فحسن ، رواه أحمد والدارمي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد حسنة . وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : كان أحب ما استتر به النبي صلى الله عليه وسلم هدف أو حائش نخل رواه مسلم ، والحائش بالحاء المهملة والشين المعجمة ، وهو الحائط ، والكثيب بالثاء المثلثة ، قطعة من الرمل مستطيلة محدودبة تشبه الربوة ، وهذان الأدبان متفق على استحبابهما ، وجاء فيهما أحاديث كثيرة جمعتها في جامع السنة قال الرافعي وغيره : ويحصل هذا التستر بأن يكون في بناء مسقف أو محوط يمكن سقفه ، أو يجلس قريبا من جدار وشبهه ، وليكن الساتر قريبا من آخرة الرحل ، وليكن بينه وبينه ثلاث أذرع فأقل ، ولو أناخ راحلته وتستر بها ، أو جلس في وهدة أو نهر أو أرخى ذيله حصل هذا الغرض والله أعلم .

Bölüm V02/P095–V02/P097

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط ولا بول ويجوز ذلك في البنيان لما روت عائشة رضي الله عنها أن ناسا كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو قد فعلوها حولوا بمقعدتي إلى القبلة ولأن في الصحراء خلقا من الملائكة والجن يصلون فيستقبلهم بفرجه ، وليس ذلك في البنيان . + الشرح : حديث أبي هريرة صحيح رواه الشافعي في مسنده ، وفي الأم بإسناده الصحيح بهذا اللفظ المذكور في الكتاب ، ورواه مسلم في صحيحه دون قوله : لغائط ولا بول ، ورواه البخاري ومسلم من رواية أبي أيوب ، ووقع في المهذب لغائط باللام . وقد روى هذا الحديث لغائط وبغائط ، باللام وبالباء ، وكلاهما صحيح . وأما حديث عائشة فرواه أحمد بن حنبل وابن ماجه وإسناده حسن ، لكن أشار البخاري في تاريخه في ترجمة خالد بن أبي الصلت إلى أن فيه علة . قوله صلى الله عليه وسلم أو قد فعلوها هو بفتح الواو ، هي واو العطف ، وهو استفهام توبيخ وتقريع . قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون إنما جعل الإستفهام للتوبيخ لأنه يقتضي الإقرار ، بما الإقرار به فضيحة كما يقتضي الإستفهام الأخبار عن المستفهم عنه ، والمقعدة بفتح الميم ، وهي موضع القعود لقضاء حاجة الإنسان . أما حكم المسألة : فمذهبنا أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط في الصحراء ، ولا يحرم ذلك في البنيان ، ودليله ما ذكره المصنف مع ما سأذكره في فروع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا الخراسانيون وجماعة من العراقيين منهم صاحب الشامل : إنما يجوز الإستقبال والإستدبار في البنيان بشرط أن يكون بينه وبين الجدار ونحوه ثلاثة أذرع فما دونها ، ويكون الجدار ونحوه مرتفعا قدر مؤخرة الرحل ، فإن زاد ما بينهما على ثلاث أذرع أو قصر الحائل عن مؤخرة الرحل فهو حرام ، إلا إذا كان في بيت بني لذلك فلا حرج فيه . قالوا : ولو كان في الصحراء وتستر بشيء على ما ذكرناه من الشرطين زال التحريم ، فالإعتبار بالساتر وعدمه . فحيث وجد الساتر بالشرطين حل في البناء والصحراء وحيث فقد أحد الشرطين حرم في الصحراء والبناء . وذكر الماوردي والروياني وجهين ، أحدهما : هذا والثاني : يحل في البناء مطلقا بلا شرط ويحرم في الصحراء مطلقا ، وإن قرب من الساتر . والصحيح الأول . قال أصحابنا : ولا فرق في الساتر بين الجدار والدابة والوهدة وكثيب الرمل ونحو ذلك . ولو أرخى ذيله في قبالة القبلة فهل يحصل به الستر فيه وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وغيره أحدهما : لا يحصل لأنه لا يعد ساترا وأصحهما : يحصل لأن المقصود أن لا يستقبل ولا يستدبر بسوءته ، وهذا المقصود يحصل بالذيل ، وبهذا الثاني قطع الفوراني وآخرون وصححه الإمام والغزالي في البسيط وحيث جوزنا الإستقبال قال المتولي : يكره ، وقال إمام الحرمين : إذا كان في بيت يعد مثله ساترا لم يحرم الإستقبال والإستدبار ، لكن الأدب أن يتوقاهما ويهيىء مجلسه ماثلا عنهما ولم يتعرض الجمهور للكراهة التي ذكرها المتولي ، والمختار أنه لاكراهة ، للأحاديث التي سنذكرها إن شاء الله تعالى ، لكن الأدب والأفضل الميل عن القبلة إذا أمكن بلا مشقة ، والله أعلم . فرع : إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط ، ثم أراد استقبالها حال الإستنجاء ، فمقتضى مذهبنا وإطلاق أصحابنا جوازه ، لأن النهي ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط ، وهذا لم يفعله .

Bölüm V02/P097–V02/P099

ونقل الروياني في الحلية جوازه عن أبي حنيفة قال : وهو صحيح يحتمله مذهبنا ، ولا كراهة أيضا في إخراج الريح إلى القبلة لما ذكرناه والله أعلم . فرع : قال العبدري من أصحابنا في كتابه الكفاية . يجوز عندنا الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها في البناء والصحراء ، قال : وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود ، واختلف فيه أصحاب مالك ، فجوزه ابن القاسم وكرهه ابن حبيب ، ونقل غير العبدري من أصحابنا أيضا أنه لا كراهة فيه عندنا ، لأن الشرع ورد في البول والغائط ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يحرم استقبال بيت المقدس ببول ولا غائط ، ولا استدباره لا في البناء ولا في الصحراء . قال المتولي وغيره ولكنه يكره . ونقل الروياني عن الأصحاب أيضا أنه يكره لكونه كان قبله . وأما حديث معقل بن أبي معقل الأسدي رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط رواه أحمد بن حنبل وأبو داود وابن ماجه وغيرهم وإسناده جيد ، ولم يضعفه أبو داود ، فأجاب عنه أصحابنا بجوابين لمتقدمي أصحابنا ، أحدهما : أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حيث كان قبله ، ثم نهى عن الكعبة حين صارت قبلة فجمعهما الراوي . قال صاحب الحاوي : هذا تأويل أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة والثاني : المراد بالنهي أهل المدينة لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة ، وإن استدبره استقبلها ، والمراد بالنهي عن استقبالهما النهي عن استقبال الكعبة واستدبارها . قال صاحب الحاوي : هذا تأويل عن بعض المتقدمين ، فهذان تأويلان مشهوران للأصحاب ، ولكن في كل واحد منهما ضعف ، والظاهر المختار أن النهي وقع في وقت واحد ، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان ، ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال على ما سبق ، وفي بيت المقدس نهى تنزيه ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه ، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة الكعبة . وقد اختار الخطابي هذا التأويل . فإن قيل : لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه قلنا : للإجماع فلا نعلم من يعتد به حرمه . والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط . وهي أربعة مذاهب : أحدها : مذهب الشافعي أن ذلك حرام في الصحراء جائز في البنيان على ما سبق ، وهذا قول العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي ومالك وإسحاق ورواية عن أحمد . والمذهب الثاني : يحرم ذلك في الصحراء والنباء وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد والنخعي والثوري وأبي ثور ورواية عن أحمد . والثالث : يجوز ذلك في البناء والصحراء وهو قول عروة بن الزبير وربيعة وداود الظاهري . والرابع : يحرم الإستقبال في الصحراء والبناء ويحل الإستدبار فيهما وهو رواية عن أبي حنيفة وأحمد . واحتج لمن حرم مطلقا بحديث أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس أحدكم على حاجة فلا يستقبلن القبلة ولا يستدبرها رواه مسلم . وعن سلمان رضي الله عنه قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة لغائط أو بول رواه مسلم ، قالوا ولأنه إنما منع لحرمة القبلة وهذا موجود في البناء كالصحراء ولأنه لو كفى الحائل لجاز في الصحراء ، فإن بيننا وبين الكعبة أودية وجبالا وأبنية .