Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bölüm V05/P264–V05/P265

الخامسة : ذكر الماوردي وغيره أنه يكره إيقاد النار عند القبر ، وسبقت المسألة وسيأتي في باب التعزية كراهية المبيت في المقبرة وكراهة الجلوس على قبر ودوسه ، والاستناد إليه والإتكاء عليه ، & باب التعزية والبكاء على الميت & البكاء يمد ويقصر ، لغتان ، المد أفصح ، والعزاء بالمد التعزية ، وهما الصبر على ما به من مكروه ، وعزاه أي صبره وحثة على الصبر قال الأزهري رحمه الله : أصلها التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه .

Bölüm V05/P265–V05/P269

قال المصنف رحمه الله تعالى : تعزية أهل الميت سنة لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من عزى مصابا فله مثل أجره ويستحب أن يعزى بتعزية الخضر عليه السلام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يقول : إن في الله سبحانه وتعالى عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك ، ودركا من كل فائت فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإن المصاب من حرم الثواب ويستحب أن يدعو للميت فيقول : أعظم الله أجرك ، وأحسن عزاك ، وغفر لميتك ، وإن عزى مسلما بكافر قال : أعظم الله أجرك ، وأحسن عزاءك ، وإن عزى كافرا بمسلم قال : أحسن الله عزاءك وغفر لميتك ، وإن عزى كافرا بكافر قال : أخلف الله عليك ، ولا نقص عددك ، ويكره الجلوس للتعزية ، لأن ذلك محدث والمحدث بدعة . + الشرح : حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه الترمذي وغيره بإسناد ضعيف ، وعن أبي برزة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة رواه الترمذي وضعفه وأما : قصة تعزية الخضر عليه السلام فرواها الشافعي في الأم : بإسناد ضعيف إلا أنه لم يقل الخضر عليه السلام ، بل سمعوا قائلا يقول : فذكر هذه التعزية ، ولم يذكر الشافعي الخضر عليه السلام ، وإنما ذكره أصحابنا وغيرهم ، وفيه دليل منهم لاختيارهم ما هو المختار ، وترجيح ما هو الصواب ، وهو أن الخضر عليه السلام حي باق وهذا قول أكثر العلماء . وقال بعض المحدثين : ليس هو حيا واختلفوا في حاله ، فقال كثيرون كان نبيا لا رسولا ، وقال آخرون : كان نبيا رسولا ، وقال آخرون : كان وليا ، وقيل : كان ملكا من الملائكة وهذا غلط ، وقد أوضحت اسمه وحاله والاختلاف وما يتعلق به في تهذيب الأسماء واللغات . وقوله : خلفا من كل هالك هو بفتح اللام أي بدلا ، والدرك اللحاق وقوله : ولا نقص عددك هو بنصب الدال ورفعها وقوله : أخلف الله عليك أي رد عليك مثل ما ذهب منك ، قال جماعة من أهل اللغة : يقال : أخلف الله عليك إذا كان الميت ممن يتصور مثله كالابن والزوجة والأخ لمن والده حي ومعناه رد الله عليك مثله ، قالوا : ويقال : خلف الله عليك إذا لم يتصور حصول مثله ، كالوالدين أي كان الله خليفة من فقدته عليك . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : التعزية مستحبة ، قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يعزى جميع أقارب الميت أهله الكبار والصغار الرجال والنساء ، إلا أن تكون المرأة شابة فلا يعزيها إلا محارمها ، قالوا : وتعزية الصلحاء والضعفاء عن احتمال المصيبة والصبيان آكد ، ويستحب التعزية بما ذكره المصنف من تعزية الخضر وغيرها مما فيه تسلية وتصبير . ومن أحسنه ما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا في الموت فقال للرسول : ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فمرها فلتصبر ولتحتسب وذكر تمام الحديث ، وهو من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات من الأصول والفروع والآداب وقد أشرت إلى بعضها في الأذكار ، وفي شرح صحيح مسلم وأما وقت التعزية فقال أصحابنا هو من حين الموت إلى حين الدفن ، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام ، قال الشيخ أبو محمد الجويني : وهذه المدة للتقريب لا للتحديد .

Bölüm V05/P269–V05/P270

قال أصحابنا : وتكره التعزية بعد الثلاثة لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد الثلاثة ، فلا يجدد له الحزن ، هذا هو الصحيح المعروف ، وجزم السرخسي في الأمالي بأنه يعزى قبل الدفن وبعده في رجوعه إلى منزله ، ولا يعزى بعد وصوله منزله . وحكي إمام الحرمين وجها أنه لا أمد للتعزية ، بل يبقى بعد ثلاثة أيام وإن طال الزمان ، لأن الغرض الدعاء ، والحمل على الصبر ، والنهي عن الجزع ، وذلك يحصل مع طول الزمان ، وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاص في التلخيص ، وأنكره عليه القفال في شرحه وغيره من الأصحاب ، والمذهب أنه يعزى ولا يعزى بعد ثلاثة ، وبه قطع الجمهور ، قال المتولي وغيره : إلا إذا كان أحدهما غائبا فلم يحضر إلا بعد الثلاثة فإنه يعزيه . قال أصحابنا : وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده ، لكن بعد الدفن أحسن وأفضل ، لأن أهله قبل الدفن مشغولون بتجهيزه . ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر . فكان ذلك الوقت أولى بالتعزية . قال أصحابنا . إلا أن يظهر فيهم جزع ونحوه فيجعل التعزية ليذهب جزعهم أو يخف . وأما قول المصنف رحمه الله في تعزية المسلم كذا . وفي تعزية الكافر كذا . فهكذا قاله أصحابنا . وحاصله الجمع بين الدعاء للميت والمعزى به . والمشهور تقديم الدعاء للمعزى كما ذكره المصنف : أعظم الله أجرك وأحسن عزاك ، وغفر لميتك . وحكى السرخسي فيه ثلاثة أوجه أحدها : هذا . قال : وهو قول أبي إسحاق المروزي . قال : لأنه المخاطب فبدىء به والثاني : يقدم الدعاء للميت فيقول : غفر الله لميتك وأعظم الله أجرك وأحسن عزاك . لأن الميت أحوج إلى الدعاء . والثالث : يتخير فيقدم من شاء . قال أصحابنا رحمهم الله : وقوله في الكافر : ولا نقص عددك لتكثر الجزية المأخوذة منهم . ممن صرح بهذا الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وأبو علي البندنيجي والسرخسي والبغوي وصاحبا العدة والبيان والرافعي وآخرون وهو مشكل لأنه دعاء ببقاء الكافر ودوام كفره فالمختار تركه والله أعلم . وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته ونقله الشيخ أبو حامد في التعليق وآخرون عن نص الشافعي . قالوا : يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا : بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها ، صرح به المحاملي ونقله عن نص الشافعي رحمه الله في الأم ، قال الشافعي في الأم : وأكره المآتم ، وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء ، فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر ، هذا لفظه في الأم ، وتابعه الأصحاب عليه واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر ، وهو أنه محدث . وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم جلس يعرف فيه الحزن وأنا أنظر من شق الباب ، فأتاه رجل فقال : إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن رواه البخاري ومسلم . فرع في مذاهب العلماء ذكرنا أن مذهبنا استحباب التعزية قبل الدفن ، وبعده بثلاثة أيام ، وبه قال أحمد ، وقال الثوري وأبو حنيفة : يعزى قبل الدفن لا بعده .

Bölüm V05/P270–V05/P272

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة ، لما روى جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئا ، ثم ذرفت عيناه ، فقال عبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله أتبكي أولم تنه عن البكاء قال : لا ، ولكن نهيت عن النوح ولا يجوز لطم الخدود ، ولا شق الجيوب ، لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية . + الشرح : حديث ابن مسعود رواه البخاري ومسلم . وحديث جابر رواه الترمذي هكذا وقال : هو حديث حسن ، ومعناه في الصحيحين من رواية غير جابر ، ومعنى لا تغنى عنك شيئا أي لا ندفع ولا نكف وقوله : ذرفت عيناه بفتح الذال المعجمة والراء أي سال دمعها والجاهلية من الجهل . قال الواحدي رحمه الله : هو اسم لما كان قبل الإسلام في الفترة لكثرة جهلهم . والندب تعديد محاسن الميت مع البكاء كقولها : واجبلاه واسنداه واكريماه ونحوها والنياحة رفع الصوت بالندب . قال الشافعي والأصحاب : البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى لحديث جابر بن عتيك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب ، فصاح النسوة وبكين ، فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية ، قالوا : وما الوجوب يا رسول الله قال : الموت حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة . ولفظ الشافعي في الأم : وأرخص في البكاء قبل الموت ، فإذا مات أمسكن وقال صاحب الشامل وطائفة : يكره البكاء بعد الموت لظاهر الحديث في النهي ، ولم يقل الجمهور : ويكره وإنما قالوا : الأولى تركه قالوا : وهو مراد الحديث ولفظ الشافعي محتمل ، هذا كله في البكاء بلا ندب ولا نياحة ، أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونشر الشعر والدعاء بالويل والثبور ، فكلها محرمة باتفاق الأصحاب ، وصرح الجمهور بالتحريم ، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة وكذا وقع لفظ الكراهة في نص الشافعي في الأم وحملها الأصحاب على كراهة التحريم ، وقد نقل جماعة الإجماع في ذلك . قال إمام الحرمين رحمه الله : ورفع الصوت بإفراط في معنى شق الجيب ، قال غيره : هذا إذا كان مختارا فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف ، وأما قول الشافعي رحمه الله في الأم : وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فمراده الجلوس للتعزية وقد سبق بيانه . فرع : في الأحاديث الواردة في أن الميت يعذب بما نيح عليه وبالبكاء عليه وبيان تأويلها ومذاهب العلماء فيها . عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الميت يعذب في قبره بما نيح عليه رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه قال : وعن ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه قال ابن عباس : لما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت : رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله وقالت : حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى .

Bölüm V05/P272–V05/P274

فما قال ابن عمر شيئا رواه البخاري ومسلم وعن عائشة رضي الله عنها : أنها قيل لها : أن ابن عمر يقول : الميت يعذب ببكاء الحي فقالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها ، فقال : إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها رواه البخاري ومسلم . وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي : واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذا فلما مات لم تبك عليه رواه البخاري رحمه الله ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول : واجبلاه واسنداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا أنت رواه الترمذي وقال : حديث حسن وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اثنتان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب ، والنياحة على الميت رواه مسلم ، فهذه الأحاديث وسبهها في التحريم وتعذيب الميت وجاء في الإباحة ما قد يشابه هذا وليس هو منه وهو حديث أنس رضي الله عنه قال : لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة رضي الله عنها : واكرب أبتاه ، فقال : ليس على أبيك كرب بعد اليوم ، فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها : أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب رواه البخاري رحمه الله . واختلف العلماء في أحاديث تعذيب الميت بالبكاء فتأولها المزني وأصحابنا وجمهور العلماء على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب بكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه ومنسوب إليه ، قالوا : فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه ، فلا يعذب ببكائهم ونوحهم ، لقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى قالوا : وكان من عادة العرب الوصية بذلك ، ومنه قول طرفة بن معبد : إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقى على الجيب يا ابنة معبد قالوا : فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادا لهم . وقالت طائفة : هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما ، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما ، فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما ، إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط ، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ، فمن أهلها عذب بهما . وقالت طائفة : معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم ، وتلك الشمائل قبائح في الشرع فيعذب بها ، كما كانوا يقولون : يا مرمل النسوان ومؤتم الولدان مخرب العمران ومفرق الأخدان ، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا ، وهو حرام شرعا . وقالت طائفة : معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير وغيره . قال القاضي عياض : وهو أولى الأقوال . واحتجوا بحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم : زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال : إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه .

Bölüm V05/P274

فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم وقالت عائشة رضي الله عنها معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور ، وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين والله أعلم .

Bölüm V05/P274–V05/P275

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب ( للرجال ) زيارة القبور ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : زار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال : إني استأذنت ربي عز وجل أن استغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت والمستحب أن يقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، ويدعو لهم لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يخرج إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال : لعن الله زوارات القبور . + الشرح : حديث أبي هريرة الأول رواه مسلم في صحيحه . ولم يقع هذا الحديث في رواية عبد الغافر الفارسي ل صحيح مسلم ، وهو موجود لغيره من الرواة عن الجلودي ، وأخرجه البيهقي في السنن وعزاه إلى صحيح مسلم . وأما حديث عائشة فرواه مسلم في صحيحه . وأما حديث أبي هريرة الأخير فرواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وكذلك رواه غيره ، ورواه أبو داود في سننه من رواية ابن عباس رضي الله عنهما ، والبقيع بالباء الموحدة والغرقد شجر معروف قال الهروي : هو من العضاة وهي كل شجر له شوك . وقال غيره هو العوسج قالوا : وسمي بقيع الغرقد لشجرات غرقد كانت به قديما ، وبقيع الغرقد هو مدفن أهل المدينة . وقوله : السلام عليكم دار . فدار ، منصوب قال صاحب المطالع : هو منصوب على الاختصاص أو على النداء المضاف ، والأول أفصح . وقال : ويصح الجر على البدل من الكاف والميم في عليكم ، والمراد بالذكر على هذا الوجه الأخير الجماعة أو أهل الدار ، وعلى الأول مثله أو المنزل ، وقوله صلى الله عليه وسلم : وإنا شاء الله بكم لاحقون فيه أقوال . أحدها : أنه ليس على وجه الاستثناء الذي يدخل الكلام لشك وارتياب ، بل على عادة المتكلم لتحسين الكلام . حكاه الخطابي رحمه الله . الثاني : هو استثناء على بابه . وهو راجع إلى التخوف في هذا المكان ، والصحيح أنه للتبرك وامتثال قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وقيل فيه أقوال أخر تركتها لضعفها ، ومن أضعفها قول من قال : إنه صلى الله عليه وسلم : دخل المقبرة ومعه مؤمنون حقيقة ، وآخرون يظن بهم النفاق وكان الاستثناء منصرفا إليهم ، وهذا غلط لأن الحديث في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم : خرج في آخر الليل إلى البقيع وحده ورجع في وقته ، ولم يكن معه أحد إلا عائشة رضي الله عنها كانت تنظره من بعيد ، ولا يعلم أنها تنظره ، فهذا تصريح بإبطال هذا القول ، وإن كان قد حكاه الخطابي وغيره ، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به ، وقيل إن الاستثناء راجع إلى استصحاب الإيمان ، وهذا غلط فاحش ، وكيف يصح هذا وهو صلى الله عليه وسلم يقطع بدوام إيمانه ، ويستحيل بالدلالة العقلية المقررة وقوع الكفر ، فهذا القول وإن حكاه الخطابي وغيره باطل نبهنا عليه لئلا يغتر به ، وكذا أقول أخر قيلت ، هي فاسدة ظاهرة الخطأ لا حاجة إلى ارتكابها ولا ضرورة بحمد الله في الكلام إلى حمله على تأويل بعيد ، بل الصحيح منه ما قدمته والله أعلم .

Bölüm V05/P275–V05/P277

أما الأحكام : فاتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور ، وهو قول العلماء كافة نقل العبدري فيه إجماع المسلمين ، ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة ، وكانت زيارتها منهيا عنها أولا ثم نسخ ، ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وزاد أحمد بن حنبل والنسائي في روايتهما : فزوروها ولا تقولوا هجرا والهجر الكلام الباطل ، وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية ، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه واستشهرت معالمه أبيح لهم الزيارة وأحاط صلى الله عليه وسلم بقوله : ولا تقولوا هجرا . قال أصحابنا رحمهم الله : ويستحب للزائر أن يدنو من قبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حيا وزاره ، وأما النساء فقال المصنف وصاحب البيان : لا تجوز لهن الزيارة وهو ظاهر هذا الحديث ولكنه شاذ في المذهب ، والذي قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه ، وذكر الروياني في البحر وجهين أحدهما : يكره كما قاله الجمهور والثاني : لا يكره قال : وهو الأصح إذا أمن عندي الافتتان . وقال صاحب المستظهري : وعندي إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم ، قال : وعليه يحمل الحديث : لعن الله زوارات القبور وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره ، إلا أن تكون عجوزا لا تشتهي ، فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد ، وهذا الذي قاله حسن ، ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث ، واختلف العلماء رحمهم الله في دخول النساء في قوله صلى الله عليه وسلم : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها . والمختار عند أصحابنا أنهن لا يدخلن في ضمن الرجال ، ومما يدل أن زيارتهن ليست حراما حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : مر بامرأة تبكي عند قبر فقال : اتق الله واصبري رواه البخاري ومسلم ، وموضع الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم لم ينهها عن الزيارة . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كيف أقول يا رسول الله يعني إذا زرت القبور قال : قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون رواه مسلم ، قال أصحابنا رحمهم الله : ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر ، ويدعو لمن يزوره ، ولجميع أهل المقبرة ، والأفضل أن يكون السلام والدعاء بما ثبت في الحديث ، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ، ويدعو لهم عقبها ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب . قال الحافظ أبو موسى الأصفهاني رحمه الله ، في كتابه آداب زيارة القبور : الزائر بالخيار إن شاء زاره قائما ، وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه في الحياة ، فربما جلس عنده ، وربما زاره قائما ومارا قال : ورورى القيام عند القبر من حديث أبي أمامة والحكم بن الحارث وابن عمر وأنس ، وعن جماعة من السلف رضي الله عنهم ، قال أبو موسى : وقال الإمام أبو الحسن محمد ابن مرزوق الزعفران وكان من الفقهاء المحققين في كتابه في الجنائز : ولا يستلم القبر بيده ، ولا يقبله قال : وعلى هذا مضت السنة .

Bölüm V05/P277

قالأبو الحسن : واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعا ، ينبغي تحنب فعله وينهى فاعله ، قال : فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه ، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة ، قال أبو موسى : وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون : المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا وجه الميت ، يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه ، فإن ذلك عادة النصارى قال : وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهي عن تعظيم القبور ، ولأنه إذا لم يستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يسن ، مع استحباب استلام الركنين الآخرين ، فلأن لا يستحب مس القبور أولى ، والله أعلم .

Bölüm V05/P277–V05/P279

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز الجلوس على القبر ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ولا يدوسه من غير حاجة لأن الدوس كالجلوس ، فإذا لم يجز الجلوس لم يجز الدوس ، فإن لم يكن طريق إلى قبر من يزوره إلا بالدوس جاز له ، لأنه موضع عذر ، ويكره المبيت في المقبرة لما فيها من الوحشة . + الشرح : حديث أبي هريرة رواه مسلم ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على النهي عن الجلوس على القبر للحديث المذكور ، لكن عبارة الشافعي في الأم وجمهور الأصحاب في الطرق كلها أنه يكره الجلوس وأرادوا به كراهة التنزيه كما هو المشهور في استعمال الفقهاء صرح به كثيرون منهم ، وقال المصنف والمحاملي في المقنع : لا يجوز ، فيحتمل أنهما أرادا التحريم ، كما هو الظاهر من استعمال الفقهاء قولهم : لا يجوز ويحتمل أنهما أرادا كراهة التنزيه لأن المكروه غير جائز عند الأصوليين ، وقد سبق في المهذب مواضع مثل هذا ، كقوله في الاستطابة لا يجوز الاستنجاء باليمين ، وقد بيناها في مواضعها . قال المصنف والأصحاب رحمهم الله ووطؤه كالجلوس عليه ، قال أصحابنا : وهكذا يكره الإتكاء عليه ، قال المارودي والجرجاني وغيرهما : ويكره أيضا الاستناد إليه ، وأما المبيت في المقبرة فمكروه من غير ضرورة ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في كراهة الجلوس على القبر ، والإتكاء عليه ، والاستناد إليه ، قد ذكرنا أن ذلك مكروه عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، منهم النخعي والليث وأبو حنيفة وأحمد وداود ، وقال مالك : لا يكره . فرع : المشهور في مذاهبنا أنه لا يكره المشي في المقابر بالنعلين والخفين ونحوهما ممن صرح بذلك من أصحابنا الخطابي والعبدري وآخرون ، ونقله العبدري عن مذهبنا ومذهب أكثر العلماء ، قال أحمد بن حنبل رحمه الله : يكره ، وقال صاحب الخاوي : يخلع نعليه لحديث بشير بن معبد الصحابي المعروف بابن الخصاصية قال : بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال : يا صاحب السبتتين ويحك ، ألق سبتتيك ، فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن واحتج أصحابنا بحديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه إلى آخر الحديث رواه البخاري ومسلم وأجابوا عن الحديث الأول بجوابين أحدهما : وبه أجاب الخطابي أنه يشبه أنه كرههما المعنى لأن النعال السبتية بكسر السين هي المدبوغة بالقرظ ، وهي لباس أهل الترفعه والتنعم ، فنهى عنهما لما فيهما من الخيلاء ، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع ، ولباس أهل الخشوع والثاني : لعله كان فيهما نجاسة ، قالوا : وحملنا على تأويله الجمع بين الحديثين .

Bölüm V05/P279–V05/P280

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يبنى على القبر مسجدا ، لما روى أبو مرثد الغنوى رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إليه وقال : لا تتخذوا قبري وثنا ، فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدقال الشافعي رحمه الله : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه ، وعلى من بعده من الناس . + الشرح : حديث أبي مرثد رواه مسلم مختصرا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وثبت معناه عن جماعة من الصحابة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه البخاري ومسلم رحمهما الله وعن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه قال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا رواه البخاري ومسلم ، وأبو مرثد بفتح الميم والثاء المثلثة واسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاي ابن حصين ، ويقال ابن الحصين الغنوي بفتح الغين المعجمة والنون توفي بالشام سنة ثنتي عشرة ، وقيل : سنة إحدى وهو ابن ست وستين سنة ، وحضر هو وابنه مرثد بدرا . واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره ، لعموم الأحاديث ، قال الشافعي والأصحاب : وتكره الصلاة إلى القبور ، سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى : قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله : ولا يصلى إلى قبره ، ولا عنده تبركا به واعظاما له للأحاديث ، والله أعلم .

Bölüm V05/P280–V05/P282

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يصلحوا لأهل الميت طعاما لما روي إنه : لما قتل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم عنه . + الشرح : الحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من وراية عبد الله بن جعفر ، قال الترمذي حديث حسن ، وروراه أحمد بن حنبل وابن ماجة أيضا من رواية أسماء بنت عميس وقوله : صلى الله عليه وسلم يشغلهم بفتح الياء وحكي ضمها وهو شاذ ضعيف ، وقد وقع في المهذب يشغلهم عنه ، والذي في كتب الحديث يشغلهم بحذف عنه ، وكان قتل جعفر رضي الله عنه في جمادي الآخرة سنة ثمان من الهجرة في غزوة مؤتة ، وهي موضع معروف بالشام عند الكرك ، واتفقت نصوص الشافعي في الأم والمختصر والأصحاب على أنه يستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يعملوا طعاما لأهل الميت ، ويكون بحيث يشبعهم في يومهم وليلتهم . قال الشافعي في المختصر : وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما يشبعهم ، فإنه سنة ، وفعل أهل الخير ، قال أصحابنا : ويلح عليهم في الأكل ولو كان الميت في بلد آخر يستحب لجيران أهله أن يعملوا لهم طعاما ، ولو قال المصنف : ويستحب لأقرباء الميت وجيران أهله لكان أحسن لدخول هذه الصورة . قال أصحابنا رحمهم الله : ولو كان النساء ينحن لم يجز اتخاذ طعام لهن ، لأنه إعانة على المعصية . قال صاحب الشامل وغيره : وأما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس عليه فلم يقل فيه شيء ، وهو بدعة غير مستحبة . هذا كلام صاحب الشامل . ويستدل لهذا بحديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة بإسناد صحيح . وليس في رواية ابن ماجه : بعد دفنه وأما : الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عقر في الإسلام رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح ، وفي رواية أبي داود : قال عبد الرزاق : كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة . فرع في مسائل تتعلق بكتاب الجنائز إحداها قال الشافعي في الأم وأصحابنا : يستحب مسح رأس اليتيم ودهنه وإكرامه ، ولا يقهر ولا ينهر . الثانية : المستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها ، فلا يشتغلوا بشيء غير الفكر فيما هي لاقية وصائرة إليه ، وفي حاصل الحياة وأن هذا آخرها ولا بد منه وقد أفرد ابن المنذر في الإشراف والبيهقي في السنن الكبير بابا في هذه المسألة قال ابن المنذر روينا عن قيس بن عباد ، بضم العين وتخفيف الباء ، قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث ، عند القتال ، وعند الجنائز وعند الذكر قال : وذكر الحسن البصري عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهم يستحبون حفض الصوت عند الجنائز وعند قراءة القرآن وعند القتال قال : وكره الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وإسحاق قول القائل خلف الجنازة : استغفروا الله له ، وقال عطاء : هي محدثة وبه قاله الأوزاعي قال ابن المنذر : ونحن نكره من ذلك ما كرهوا .

Bölüm V05/P282–V05/P283

الثالثة : عن عبيد بن خالد الصحابي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : موت الفجأة أخذه أسف وروي مرفوعا هكذا وموقوفا على عبيد الله بن خالد رواه أبو داود هكذا بالوجهين بإسناد صحيح ، قال الخطابي رحمه الله في تفسير هذا الحديث : الأسف الغضبان ومنه قوله تعالى : فلما آسفونا وذكر المدائني أن إبراهيم الخليل وجماعة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ماتوا فجأة ، قال : وهو موت الصالحين وهو تخفيف على المؤمن ويحتمل أن يقال : إنه لطف ورفق بأهل الاستعداد للموت المتيقظين ، وأما غيرهم ممن له تعلقات يحتاج إلى الإيصاء والتوبة واستحلال من بينه وبينه معاملة أو مصاحبة ونحو ذلك فالفجأة في حقه أخذة أسف وروى البيهقي عن ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما قالا في موت الفجأة هو راحة للمؤمنين وأخذه أسف للفاجر ورواه مرفوعا من رواية عائشة رضي الله عنها . الرابعة : عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا رجلا مختلفا في توثيقه ، وقد روى له البخاري في صحيحه قال الحاكم : هو صحيح قال الخطابي رحمه الله : استعمل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه الحديث على ظاهره ، قال : وقد روى في تحسين الكفن أحاديث قال : وتأوله بعض العلماء على أن المراد بالثياب العمل فيبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو سيىء والعرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيوب وبدنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك قال : واستدل هذا القائل بقوله صلى الله عليه وسلم : يحشر الناس حفاة عراة فدل على أنه ليس المراد بالثياب التي هي الكفن قال وتأوله بعضهم على أن البعث غير الحشر فيجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفاة . الخامسة : ثبت في الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه . السادسة : يستحب للمريض أن يتعاهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته واستدلوا له بحديث خبيب بن عدي ، بضم الخاء المعجمة رضي الله عنه : أنه لما أرادت كفار قريش قتله استعار موسى يستحد بها رواه البخاري رحمه الله .

Bölüm V05/P283–V05/P285

السابعة : عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة رواه البخاري ومسلم رحمهما الله وفي رواية لمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت قال نزلت في عذاب القبر وعن أنس رضي الله عنه قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا في الجنة فيراهما جميعا قال قتادة : وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملي عليه خضرا إلى يوم بيعثون وأما المنافق أو الكافر فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه ، فيقال : لا دريت ولا بليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول : هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، فيفسح له في قبره سبعين في سبعين ثم ينور له فيه ، وذكر نحو ما سبق فيه وفي المنافق رواه الترمذي وقال : حديث حسن وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة رواه أحمد بن حنبل والنسائي والترمذي وغيرهم وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . الثامنة : ثبتت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يتعوذ من عذاب القبر وأنه أمر بالتعوذ وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر وقد سبق بيان جملة من هذا في الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام ، ومذهب أهل الحق إثبات عذاب القبر للكفار ولمن شاء الله من العصاة ، وشبهوه بالنائم الذي تراه ساكنا غير حاس بشيء وهو في نعيم ، أو عذاب ونكد . وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر رواه مسلم . وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال : يهود تعذب في قبورها رواه البخاري ومسلم . التاسعة : عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت أفينفعها إن تصدقت عنها قال : نعم رواه البخاري ومسلم . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة في الصحيح مشهورة ، وأجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله ، وسنبسط الكلام فيها إن شاء الله تعالى في آخر كتاب الوصية ، حيث ذكر المصنف والشافعي والأصحاب المسألة ، وإنما قصدت التنبيه هنا على أصل المسألة .

Bölüm V05/P285–V05/P287

العاشرة : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر وراه الترمذي وضعفه . ( الحادية عشرة في موت الأطفال ) عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم رواه البخاري ومسلم . وتحلة القسم قوله عز وجل : وإن منكم إلا واردها والمختار أن المراد به المرور على الصراط . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء : ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار . فقالت امرأة : واثنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم واثنين رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها فقالت : يا رسول الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة . فقال : دفنت ثلاثة قالت : نعم . قال : لقد احتظرت بحظار شديد من النار رواه مسلم وعن أبي حسان قال : قلت لأبي هريرة مات لي ابنان فما أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نطيب أنفسنا عن موتانا قال : قال نعم صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه أو قال أبوه فيأخذ بثوبه أو قال بيده فلا يتنماها أو قال ينتهى حتى يدخله الله وأباه الجنة رواه مسلم . قال أهل الغريب : الدعاميص جمع دعموص كبرغوث وبراغيث ، قالوا : وهو الدخال في الأمور . ومعناه أنهم سياحون في الجنة دخالون في منازلهم لا يمنعون من موضع منها . كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون الدخول على الحرم . وجاءت في الباب أحاديث كثيرة غير ما ذكرته ، ومنها أن موت الواحد من الأولاد حجاب من النار وكذا السقط . والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة . = كتاب الزكاة = قال الإمام أبو الحسن الواحدي : الزكاة تطهير للمال ، وإصلاح له ، وتمييز وإنماء كل ذلك قد قيل ، قال : والأظهر أن أصلها عن الزيادة ، يقال : زكا الزرع يزكو زكاء زماء ممدود ، وكل شيء ازداد فقد زكا ، قال : والزكاة أيضا الصلاح وأصلها من زيادة الخير ، يقال : رجل زكي أي زائد الخير من قوم أزكياء ، وزكى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير ، وسمي ما يخرج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة ، لأنها تزيد في المال الذي أخرجت منه ، وتوفره في المعنى وتقيه الآفات ، هذا كلام الواحدي . وأما : الزكاة في الشرع فقال صاحب الحاوي وآخرون : هو اسم لأخذ شيء مخصوص من مال مخصوص ، على أوصاف مخصوصة ، لطائفة مخصوصة . واعلم : أن الزكاة لفظة عربية معروفة قبل ورود الشرع ، مستعملة في أشعارهم وذلك أكثر من أن يستدل له ، قال صاحب الحاوي : وقال داود الظاهري : لا أصل لهذا الاسم في اللغة ، وإنما عرف بالشرع قال صاحب الحاوي : وهذا القول ، وإن كان فاسدا فليس الخلاف فيه مؤثرا في أحكام الزكاة .

Bölüm V05/P287–V05/P289

قال المصنف رحمه الله تعالى : الزكاة ركن من أركان الإسلام ، وفرض من فروضه ، والأصل فيه قوله عز وجل : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة البقرة : 34 وروى أبو هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا فأتاه رج فقال : يا رسول الله ما الإسلام قال : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان ، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ردوا علي الرجل ، فلم يروا شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وتقدم بيان اللغات في جبريل في مواقيت الصلاة ، وقوله عز وجل : وأقيموا الصلاة قال العلماء : إقامتها أدامتها والمحافظة عليها بحدودها ، يقال قام بالأمر وأقامه إذا أتى به موفيا حقوقه قال أبو علي الفارسي : أشبه من أن تفسر بيتمونها ، والمراد جنس الصلاة الواجبة وذكر أصحابنا في كتب الأصول والفروع خلافا في هذه هل هي مجملة أم لا فقالوا : قال أبو إسحاق المروزي وغيره من أصحابنا هي مجملة . قال البندنيجي هذا هو المذهب لأن الزكاة لا تجب إلا في مال مخصوص إذا بلغ قدرا مخصوصا ، ويجب قدر مخصوص وليس في الآية بيان شيء من هذا ، فهي مجملة بينتها السنة إلا أنها تقتضي أهل الوجوب . وقال بعض أصحابنا : ليست مجملة ، بل هي عامة ، بل كل ما تناوله اسم الوكاة فالآية تقضي وجوبه والزيادة عليه تعرف بالسنة . قال القاضي : أبو الطيب في تعليقه وآخرون من أصحابنا : فائدة الخلاف أنا إذا قلنا : مجملة فهي حجة في أصل وجوب الزكاة ولا يحتج بها في مسائل الخلاف ، وإن قلنا ليست مجملة كانت حجة في أصل وجوب الزكاة وفي مسائل الخلاف تعلقا بعمومها والله أعلم . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة فخالف بين اللفظين لقول الله تعالى : إن الصلاة كانت على المؤمنين وثبت في أحاديث كثيرة وصف الصلاة بالمكتوبة لحديث : خمس صلوات كتبهن الله وحديث : أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وسمى الزكاة مفروضة لأنها مقدرة ، لأنها تحتاج إلى تقدير الواجب ، ولهذا سمي ما يخرج في الزكاة فرائض . وفي الصحيحين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر وفي صحيح البخاري في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه فريضة الصدقة . وقيل غاير بين اللفظين لئلا يتكرر اللفظ ، والفصاحة والبلاغة تمنع تكريره ، والله أعلم . وأما قول المصنف : الزكاة ركن وفرض فتوكيد وبيان ، لكونه يصح تسمية الزكاة ركنا وفرضا ، وقد استعمل المصنف مثل هذه العبارة في الصوم والحج ، والله أعلم . وأما حكم المسألة : فالزكاة فرض وركن بإجماع المسلمين ، وتظاهرت دلال الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك ، والله أعلم .

Bölüm V05/P289–V05/P290

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تجب الزكاة إلا على حر مسلم ، فأما المكاتب والعبد إذا ملكه المولى مالا فلا زكاة عليه ، لأنه لا يملك في قوله الجديد ويملك في قوله القديم ، إلا أنه ملك ضعيف لا يحتمل المواساة ، ولهذا لا تجب عليه نفقة الأقارب ولا يعتق ( عليه ) أبوه إذا اشتراه فلم تجب عليه الزكاة ، وفيمن نصفه حر ونصفه عبد وجهان أحدهما : لا تجب عليه الزكاة لأنه ناقص بالرق فهو كالعبد القن والثاني : أنها تجب فيما ملكه بنصفه الحر ، لأنه يملك بنصفه الحر ملكا تاما ، فوجب عليه الزكاة كالحر . + الشرح : قوله ولا تجب الزكاة إلا على حر مسلم ، ولم يقل تام الملك كما قال في التنبيه ، وهذا الذي قاله هنا حسن ، لأن مقصوده في هذا الفصل بيان صفة الشخص الذي تجب عليه الزكاة ، وكونه تام الملك صفة للكمال ، فأخره ثم ذكر في أول الذي يلي هذا في فصل صفات المال ، وهذا ترتيب حسن . أما وجوب الزكاة على الحر المسلم فظاهر لعموم الكتاب والسنة والإجماع فيمن سوى الصبي والمجنون ، ومذهبنا وجوبها في مال الصبي والمجنون ، وسنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى . وأما المكاتب فلا زكاة عليه لا في عشر زرعه ولا في ماشيته وسائر أمواله ولا خلاف في شيء من هذا عندنا ، ولا يجب عليه زكاة الفطر أيضا ، وفيها وجه ضعيف ذكره المصنف في باب زكاة الفطر ، والمذهب أنها لا تجب عليه ، ودليل الجميع ضعف ملكه . قال أصحابنا : فإن عتق المكاتب والمال في يده استأنف له الحول من حين العتق وإن عجز فصار المال للسيد ابتدأ الحول من حينئذ . وأما العبد القن والمدبر والمستولدة إذا ملكهم المولى مالا فإن قلنا بالجديد الصحيح أنه لا يملك بالتمليك وجب على السيد زكاة ما ملك ، ولا أثر للتمليك لأنه باطل ، وإن قلنا بالقديم إنه يملك لم يلزم العبد زكاته لما ذكره المصنف ، وهل يلزم السيد زكاة هذا المال فيه طريقان : الصحيح : منهما وهو المشهور ، وبه قطع كثيرون : لا يلزمه لأنه لا يملكه . والطريق الثاني : حكاه الماوردي وإمام الحرمين والغزالي في البسيط وآخرون فيه وجهان أصحهما : لا يلزمه والثاني : يلزمه لأن فائدة الملك القدرة على التصرف فيه ، وذلك حاصل بخلاف ملك المكاتب . قال الماوردي : هذا الوجه غلط : لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده ، ومع هذا تلزمه زكاته : قلت أما الفرق فظاهر لأن ملك الولد تام ويجب فيه الزكاة بخلاف العبد ، والله أعلم . وأما من بعضه حر وبعضه رقيق ففيه وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما واختلفوا في أصحهما ، فقال العراقيون : الصحيح أنه لا تجب الزكاة ، وبهذا قطع أكثر العراقيين أو كثير منهم وجماعة من الخراسانيين . ممن قطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في المجموع وابن الصباغ وغيرهم من العراقيين ، ونقله إمام الحرمين في النهاية عن العراقيين ، وقطع به الخراسانيين المتولي ، وصحح أكثر الخراسانيين الوجوب ، ممن صححه منهم إمام الحرمين والبغوي ، وقطع به الغزالي في كتبه ، واستبعد إمام الحرمين قول العراقيين ، واحتج بأن الشافعي رضي الله عنه نص على أن من بعضه حر وبعضه رقيق يكفر كفارة الحر الموسر . قال : وإذا وجبت كفارة الأحرار فالزكاة أولى لأن المعتمد فيها الإسلام والملك التام وقد وجدوا .

Bölüm V05/P290

وحجة العراقيين أنه في أكثر الأحكام له حكم العبيد ، فلا تقبل شهادته ولا ولاية له على ولده الحر ولا على مال ولده ، ولا جمعة عليه ولا تنعقد به ولا حج عليه ، ولذلك هو كالرقيق في نكاحه وطلاقه وعدتها ، والحدود على قاذفه ولا يرث ، ولا خيار لها إذا أعتق بعضها تحت عبد ، ولا قصاص على الحر بقتله وعلى من هو مثله على الأصح ، ولا يكون قاضيا ولا قاسما ولا مقوما ، وغير ذلك من الأحكام فوجب أن تلحق الزكاة بذلك . فإن قيل : جزموا بوجوب زكاة الفطر عليه ، فما الفرق فالجواب ما أجاب به صاحب الشامل أن زكاة الفطر تتبعض فيجب عليه نصف صاع وعلى سيده نصفه وزكاة الأموال لا تتبعض ، وإنما تجب على تمام والله أعلم .

Bölüm V05/P290–V05/P291

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الكافر فإن كان أصليا لم تجب عليه الزكاة لأنه حق لم يلتزمه فلا يلزمه كغرامة المتلفات ، وإن كان مرتدا لم تسقط عنه كما وجب في حال الإسلام ، لأنه ثبت وجوبه فلم تسقط بردته كغرامة المتلفات ، وأما في حال الردة فإنه يبنى على ملكه وفي ملكه ثلاثة أقوال أحدها : يزول بالردة فلا تجب عليه الزكاة والثاني : لا يزول فتجب عليه الزكاة لأنه حق التزمه بالإسلام فلم يسقط بالردة كحقوق الآدميين والثالث : إنه موقوف ، فإن رجع إلى الإسلام حكمنا بأنه قد زال ملكه ، فلا تجب عليه الزكاة . + الشرح : قوله في الكافر الأصلي : لا تجب عليه ، ليس مخالفا لقول جمهور أصحابنا وغيرهم في الأصول إن الكفار يخاطبون بفروع الشرع ، وقد سبق في أول كتاب الصلاة بيان ذلك واضحا مع فوائد تتعلق بأحكام الكفار . وأما قوله لأنه حق لم يلتزمه فلا يلزمه كغرامة المتلفات فقد ينكر عليه ، ويقال هذا دليل ناقص عن الدعوى لأن مراد المصنف أن الزكاة لا تجب على الكافر ، سواء كان حربيا أو ذميا ، وهذا لا خلاف فيه ، فدليل المصنف ناقص ، لأنه دليل لعدم الوجوب في حق الحربي دون الذمي ، فإن الذمي يلزمه غرامة المتلفات . والجواب : أنه أراد أن الزكاة حق لم يلتزمه الحربي ولا الذمي فلا يلزمه واحد منهما كما لا تجب غرامة المتلفات على من لم يلتزمها وهو الحربي ، وهذا جواب حسن ، واتفق أصحابنا مع نصوص الشافعي رحمه الله على أنه لا تجب الزكاة على الكافر الأصلي حربيا كان أو ذميا فلا يطالب بها في كفره ، وإن أسلم لم يطالب بها في مدة الكفر . وأما المرتد فإن وجب عليه زكاة قبل ردته لم تسقط عنه بالردة عندنا باتفاق الأصحاب . وقال أبو حنيفة : تسقط بناء على أصله أن المرتد يصير كالكافر الأصلي ، دليلنا ما ذكره المصنف ، وأما زمن الردة فهل تجب عليه فيه زكاة فيه طريقان حكاهما إمام الحرمين والرافعي وغيرهما : أحدهما القطع بوجوب الزكاة ، وبه قال ابن سريج كالنفقات والغرامات والطريق الثاني ، وهو المشهور وبه قطع الجمهور فيه ثلاثة أقوال بناء على بقاء ملكه وزواله أحدها : يزول ملكه فلا زكاة . والثاني : يبقى فتجب وأصحها : أنه موقوف إن عاد إلى الإسلام وتبينا بقاءه فتجب وإلا فلا ، وتتصور المسألة إذا بقي مرتدا حولا ولم نعلم ثم علمنا ولم نقدر على قتله ، أو ارتد وقد بقي من الحول ساعة فلم يقتل أو لم يسلم إلا بعد الحول والله أعلم . قال أصحابنا : وإن قلنا : لا تجب الزكاة فارتد في أثناء الحول انقطع الحول ، فإذا أسلم استأنف ، وإن قلنا : تجب لم ينقطع ، قال أصحابنا : وإذا أوجبناها فأخرج في حال الردة أجزأه ، كما لو أطعم عن الكفارة بخلاف الصوم لا يصح منه ، لأنه عمل بدني فلا يصح إلا ممن يكتب له ، هكذا صرح به البغوي والجمهور وقال إمام الحرمين : قال صاحب التقريب : لو قلت : إذا ارتد لم يخرج الزكاة ما دام مرتدا لم يكن بعيدا لأن الزكاة قربة محضة مفتقرة إلى النية ، ولا تجب على الكافر الأصلي ، فتعذر أداؤها من المرتد . قال صاحب التقريب : هل هذا إذا حكمنا بأن ملكه لا يزول ومضى حول في الردة لم يخرج الزكاة أيضا لما ذكرنا ، فإن أسلم لزمه إخراج ما وجب في إسلامه وردته . ولو قتل مرتدا وقد تعذر أداء الزكاة على هذا الاحتمال فتسقط في حكم الدنيا ، ولا تسقط المعاقبة بها في الآخرة .

Bölüm V05/P291–V05/P292

قال إمام الحرمين : مما قطع به الأصحاب إخراج الزكاة لحق المساكين عاجلا ولكن يحتمل أن يقال : إذا أسلم لم يلزمه إعادة الزكاة ، فيه وجهان الممتنع من أداء الزكاة إذا أخذها الإمام منه قهرا ، ولم ينو الممتنع ، هذا آخر كلام الإمام والمذهب أنها تجزىء لما نقلناه أولا عن الجمهور ، والله أعلم .