İbn Âbidîn — Reddü'l-Muhtâr (Hanefî)
فقد قال في المحيط والذخيرة رجل وهب لرجل وصيفا فشب عند الموهوب وكبر وطال وشاخ وانتقصت قيمته ليس للواهب الرجوع لأنه زاد في بدنه وطال في جثته ثم انتقص من وجه آخر بشيخوخته وحين زاد سقط حق الرجوع فلا يعود بعد ذلك ولو كان طويلا يوم وهبه وطال عند الموهوب له وكان الطول نقصانا وكان ينتقص به فهذه ليست بزيادة حقيقة فلا يمنع الرجوع ويكون الشيء زيادة صورة نقصانا معنى كالإصبع الزائدة وما أشبه ذلك كما في الذخيرة وذكر الناطفي في أجناسه ولو وهب أمة فسمنت وكبرت له أن يرجع وكذا جميع الحيوانات ا ه وفي الهندية عن المحيط ولو وهب أمة فشبت وكبرت لا يرجع وكذلك جميع الحيوانات ا ه فهما قولان للمشايخ ط لكن الموافق لمافي قاضيخان أوفق حيث ذكر عدم الرجوع ولم يتعرض لخلافه كما يأتي قريبا فتأمل قوله ( واعتمده القهستاني ) حيث قال وفيه إشعار بأن مانع الزيادة إذا ارتفع كما إذا بنى ثم هدم عاد حق الرجوع كما في المحيط ا ه قوله ( فليتنبه له ) بمنزلة قوله وفيه نظر وعلله بقوله لأن الساقط الخ قوله ( لأن الساقط لا يعود ) وفيه أن هذا من باب زوال المانع كما إذ تزوجت المرأة وسقط حقها في الحضانة فإنها إذا بانت عاد حقها فيها لزوال المانع ولذا اعتمد في شرح الملتقى العود هكذا وجد في بعض النسخ وهي التي كتب عليها الحلبي وفي بعض النسخ تقديم العلة على قوله فليتنبه وعليها فهو تعليل لقوله وإن زالت الخ وهو الصواب وغيرها خطأ من الناسخ والحاصل أن هذا من باب زوال المانع لا عود الساقط لما علمت من أن الزيادة المتصلة من موانع الرجوع فكان الوجه ما في الخانية وسيصرح به نقلا عن الدرر حيث قال قضى ببطلان الرجوع لمانع ثم زال المانع عاد الرجوع فأفاد صحة الرجوع ولو بعد القضاء بعدمه عند وجود المانع إذا زال ذلك المانع لا من باب الساقط حتى لا يرجع حتى لو قضى ببطلان الرجوع لمانع ثم زال يعود الرجوع كما يأتي ويؤيده ما يأتي في المانع الرابع خروج الموهوب إلا إذا رجع الثاني فله الرجوع فكذلك هنا قوله ( إن عدا زيادة ) قال في المنح إذا كان يوجب الزيادة في الأرض وإن كان يوجب لا يمنع الرجوع وإن كان يوجب في قطعة منها بأن كانت الأرض كبيرة بحيث لا يعد مثلها زيادة فيها كله امتنع في تلك القطعة دون غيرها كذا في الرمز وفي السراجية إذا وهب أرضا فبنى الموهوب له فيها بناء بطل الرجوع ولو زال البناء عاد في حق الرجوع انتهى وفي المنهاج رجل وهب لرجل أرضا بيضاء أنبت في ناحية منها نخلا أو بنى بيتا أو دكانا أو داربا يعني معلفا للدواب كان ذلك زيادة فيها وليس له أن يرجع في شيء منها ا ه وفيها أما إذا لم يعد زيادة أصلا كبناء تنور الخبز في غير محله فإنه لا يمنع الرجوع ا ه معزيا للزيلعي قوله ( إلا ) راجع لقوله إن عدا زيادة فهو مفهومه وقوله ولو عدا في قطعة مفهوم قوله في كل الأرض وفي الهندية عن الكافي إن وهب لآخر أرضا بيضاء فأنبت الموهوب له في ناحية منها نخلا أو بنى بناء أو دكانا وكان ذلك زيادة فيها فليس له أن يرجع في شيء منها فإن كان لا يعد زيادة أو يعد نقصانا فإنه لا يمنع الرجوع حتى لو بنى دكانا صغيرا بحيث لا يعد زيادة أصلا فلا عبرة به وإن كان الأرض عظيمة لا يعد ذلك زيادة في الكل إنما يعد زيادة في تلك القطعة فله أن يرجع في غيرها ا ه قوله ( وسمن ) قيده في الحواشي اليعقوبية بالمعتدل وهو حسن قال المصنف في منحه وكذا إذا غيره عن حاله بأن كان حنطة فطحنها أو دقيقا فخبزه أو سويقا فلته بسمن أو كان لبنا فاتخذه جبنا أو سمنا ا ه
قال محشيه الخير الرملي وفي الولوالجية رجل وهب سويقا فلته بالماء يرجع الواهب لأنه بقي الاسم وهذا نقصان كما وهب لرجل حنطة فلتها بالماء فرق بين هذا وبين ما إذا وهب ترابا فلته بالماء حيث لا يرجع والفرق أن هاهنا اسم التراب لم يبق فلم يبق الموهوب ا ه أقول وكذا لو وهب عنبا فصيره زبيبا لعدم بقاء الاسم تأمل ا ه قوله ( وخياطة ) أما إذا قطعه فلا يمتنع الرجوع ولو قطعه نصفين فخاط نصفه وبقي النصف الآخر له الرجوع في الآخر قوله ( وصبغ ) ولو بأسود لأنه ربما ينفق على السواد أكثر مما ينفق على صبغ أخر قاضيخان أقول ولون الأسود في زماننا من أحسن الألوان ويزداد به قيمة عن غيره من الألوان وما نقل عن الإمام أنه مما ينقص الثمن فهو اختلاف زمان قوله ( وقصر ثوب ) لزيادة قيمة الموهوب بها قال في الهندية ولو وهب كرباسا فقصره الموهوب له لا يرجع لأنه زيادة متصلة وصفة متقومة ولو غسله يرجع كذا في محيط السرخسي وإن فتله لا يرجع إذا كان يزيد بذلك في الثمن كذا في الوجيز للكردري قوله ( وكبر صغير ) قد علمت أن فيه خلافا لكن مشى قاضيخان على عدم الرجوع ولم يتعرض للقول الآخر وعبارته رجل وهب عبدا صغيرا فشب وصار رجلا طويلا لا يرجع الواهب فيه لأن الزيادة في البدن تمنع الرجوع وإن كانت تنقص القيمة ا ه وعلله أيضا في الاختيار بأنه زاد في بدنه ثم انتقص بوجه آخر فلا يرجع قوله ( ومداواته ) أي من مرض كان عند الواهب أما إذا مرض عند الموهوب له فداؤه لا يمنع الرجوع هندية عن البحر وكأنه أراد بالمداواة حصول أثرها وهو البرء أما بدونه فلم تحصل الزيادة والبرء بدون المداواة زيادة تأمل قوله ( وعفو جناية ) أي صدرت من العبد كما إذا كان العبد حلال الدم فعفا الولي عنه وهو في يد الموهوب له لا يرجع وإن كانت الجناية خطأ ففداه الموهوب له لا يمنع من الرجوع ولا يسترد منه الفداء كما في الزيلعي ولو جنى العبد على الموهوب له فللواهب الرجوع والجناية باطلة هندية عن محيط السرخسي قوله ( وتعليم قرآن أو كتابة الخ ) أو كانت أعجمية فعلمها أو شيئا من الحروف لا يرجع لحدوث الزيادة في العين كما في البحر ومثله في الهندية عن المضمرات بزيادة هو المختار قال في التاترخانية معزيا لواقعات الناطفي رجل وهب لرجل جارية فعلمها القرآن أو الكتابة أو المشط ليس له أن يرجع هو المختار ا ه أي وإن كانت هذه الزيادة معنوية لكن في الزيلعي والعيني ما يخالفه فليراجع وما ذكر في منية المفتي نقلا عن السراجية أن الإسلام والتعليم ليس بزيادة مانعة عن الرجوع فمحمول على مروي عن محمد وإلا فيكون مخالفا لما في المعتبرات قوله ( بإعرابه ) أي بيان إعرابه من رفع ونصب وخفض وجزم هذا إذا كان على الصواب أما لو كان خطأ فهو تنقيض فلا يمنع الرجوع وإنما امتنع الرجوع في هذه المسائل لحدوث الزيادة في العين عند أبي يوسف قال الحموي وهو المختار وعن محمد وزفر لا يمنع الرجوع لأن هذه ليست زيادة في العين فأشبهت الزيادة في السعر وروي الخلاف بالعكس كما في الزيلعي وعن أبي حنيفة روايتان كما في الشرنبلالية قوله ( وحمل تمر من بغداد إلى بلخ مثلا ) فإن فيه زيادة القيمة بالنقل من مكان إلى مكان بحر قال في الهندية معزيا إلى التبيين ولو نقله من مكان إلى مكان حتى ازدادت قيمته واحتاج إلى مؤنة النقل ذكر في المنتقى أنه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ينقطع الرجوع ا ه وفي ط وانطر حكم ما إذا لم تزد وقد علم أن محل كون زيادة السعر لا تمنع الرجوع إذا لم ينقل الهبة
قال الزيلعي ولو نقله من مكان إلى مكان حتى ازدادت قيمته واحتاج فيه إلى مؤنة النقل ذكر في المنتقى أن عندهما ينقطع الرجوع وعند أبي يوسف لا لأن الزيادة لم تحصل في العين فصار كزيادة السعر ولهما أن الرجوع يتضمن إبطال حق الموهوب له في الكراء ومؤنة النقل بخلاف نفقة العبد لأنها ببدل وهو المنفعة والمؤنة بلا بدل ا ه وفي شرح السير الكبير للسرخسي أنه لو كانت الهبة في دار الحرب فأخرجها الموهوب له إلى موضع يقدر فيه على حملها لم يكن للواهب الرجوع لأنه حدث فيها زيادة بصنع الموهوب له فإنها كانت مشرفة على الهلاك في مضيعة وقد أحياها بالإخراج من ذلك الموضع انتهى لكنه ذكر ذلك في صورة ما إذا ألقى شيئا وقال حين ألقاه من أخذه فهو له ذكره في التاسع والتسعين قوله ( ونحوها ) أي المذكورات وذكر في المنح مسائل من هذا الباب منها ما لو وهب له حلقة فركب فيها فصا إن كان لا يمكن نزعه إلا بضرر لا يرجع وإن أمكن نزعه بلا ضرر يرجع ا ه والتطيين والتجصيص وتحديد السكين ونحوها زيادة تمنع الرجوع كما في الدر المنتقى قوله ( وفي البزازية والحبل إن زاد خيرا منع وإن نقص لا هذه الجملة موجودة في بعض النسخ دون بعض وما في البزازية جزم به في الخلاصة وقدمنا الكلام عليه عن الهندية لمناسبة ما إذا وهب حاملا قال فيها وإن وهب جارية حاملا فرجع قبل الوضع إن كان رجوعه قبل أن تمضي مدة يعلم فيها زيادة الحمل جاز فلا ا ه قوله ( ففي المتولدة ككبر ) بأن قال الموهوب له وهبتها لي وهي صغيرة فكبرت عندي وقال الواهب وهبتها هكذا كبيرة قوله ( القول للواهب ) لأنه ينكر لزوم العقد قوله ( وفي نحو بناء وخياطة ) فقال الواهب وهبتها هكذا مبنية أو مخيطة وقال الموهوب له أحدثته قوله ( لكنه استثنى الخ ) هذا ظاهر لتيقن كذب الموهوب له من حيث إن العادة تحيل إحداث هذا البناء في مثل هذه المدة والضمير في لكنه لصاحب المحيط وفي المحيط لو قال رجل وهب لك مورثي هذا العبد فلم تقبضه في حياته بل بعد وفاته وقال الموهوب له قبضته في حياته والعبد في يد الوارث فالقول للوارث لأن القبض قد علم الساعة والميراث قد تقدم القبض بحر ومقتضى التقييد بكون العبد في يد الوارث أنه لو كان في يد الموهوب له لا يكون القول للوارث بل للموهوب له قال في الهندية رجل وهب دارا فبنى الموهوب له في بيت الضيافة تنورا للخبز كان للواهب أن يرجع في هبته كذا في الظهيرية ولو وهب له حماما فجعله مسكنا أو وهب له بيتا فجعله حماما فإن كان البناء على حاله لم يزد فيه شيئا فله أن يرجع وإن كان زاد فيه بناء أو علق عليه بابا أو جصصه وأصلحه أو طينه فليس له أن يرجع في شيء فيه كذا في المحيط إن هدم البناء رجع في الأرض ولو استهلك البعض له أن يرجع في الباقي كذا في الوجيز للكردري ولو كانت الزيادة بناء فانهدم يعود حق الرجوع كذا في التاترخانية وهب عبدا فكاتبه فعجز ورده رقيقا فله الرجوع ولو زالت الرقبة عن ملكه ثم عاد إليه بالفسخ فللواهب الرجوع ولو جنى العبد على الموهوب له فللواهب الرجوع والجناية باطلة هكذا في محيط السرخسي رجل وهب شاة أو بدنة أو بقرة فأوجبها الموهوب له لأضحية أو هدي أو جزاء صيد أو نذر أو قلد البدنة أو البقرة أو أوجبها تطوعا فللواهب أن يرجع في الروايات الظاهرة وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يرجع كذا في محيط السرخسي ولو وهب له شاة فذبحها فله أن يرجع فيها وهذا بلا خلاف ولو ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة لم يكن له أن يرجع فيها في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى
وقال محمد رحمه الله تعالى يرجع فيها وتجزئه الأضحية والمتعة ولم ينص على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه قال بعضهم إنه كقول محمد رحمه الله تعالى وهو الصحيح كذا في المحيط ولو وهب درهما ثم استقرضه من الموهوب له فأقرضه إياه جاز وليس للواهب أن يرجع أبدا كذا في خزانة المفتين رجل وضع حبلا في المسجد أو علق قنديلا له الرجوع بخلاف ما إذا علق حبلا للقنديل كذا في السراجية قوله ( لا يمنع الزيادة المنفصلة ) فإن قيل ما الفرق بين الرد بالعيب والرجوع بالهبة حتى منعت الزيادة المنفصلة الرد لا الرجوع والمتصلة بالعكس قلنا هو إنه لا يجوز رد العين فقط لسلامة الزيادة للمشتري مجانا وهو ربا ولا مع الزيادة قصدا لعدم ورود العقد عليها والفسخ يرد على مورد العقد لا تبعا إذ الولد لا يتبع الأم بعد الانفصال بخلاف الهبة لعدم الربا فيها والرد في المتصلة حصل ممن حصلت الزيادة على ملكه فكان إسقاط حقه برضاه فلا يمنعه الزيادة بخلاف الرجوع لعدم حصوله برضاه ذلك فمنعه يعقوبية قوله ( كولد ) بنكاح أو سفاح بزازية قوله ( وأرش ) أي أرش جناية على العبد كما إذا قطعت يده وأخذ الموهوب له أرشه كان للواهب أن يرجع ولا يأخذ الأرش هندية قوله ( حتى يستغني الولد عنها ) ولم يعتبر ذلك في الثمرة لأنه يجوز بيعها بدا صلاحها أو لا فكذا هنا يأخذها الموهوب له فتأمل قوله ( لكن نقل البرجندي الخ ) يعني وعنده غير يرجع بها دون الولد وإن لم يستغن وحينئذ ينبغي أن تجبر على حضانته بأجر المثل فليراجع قوله ( أنه قول أبي يوسف ) قال في الهندية قال بشر قلت وإن اختصموا في الرجوع والولد صغير ثم أدرك الصغير وقد كان القاضي أبطل الرجوع في الأم قال له الرجوع فيها ا ه فأفادت أن القاضي يبطل الرجوع قبل كبر الولد وهل على قوله يلزم الموهوب له الأجر مدة الرضاع ومقتضى القواعد أن ينظر إلى الولد تارة يقبل غير أمه وتارة لا فإن لم يقبل إلا إياها أمسكها للرضاع ولا أجر وامتنع أخذها وإن قبل غيرها لا تمنع إلا برضا الواهب وله الأجر ويحرر ط ثم إن ظاهر الخانية اعتماد خلاف قول أبي يوسف حيث قال ولو ولدت الهبة ولدا كان للواهب أن يرجع في الأم في الحال وقال أبو يوسف لا يرجع حتى يستغني الولد عنها ثم يرجع في الأم دون الولد ا ه قوله ( قال في السراج لا وقال الزيلعي نعم ) تقدم التوفيق من أن الحبل عيب في الآدمية لا في البهيمة وتقدم عن الهندية من أن الجواري تختلف فمنهن من تسمن به ويحسن لونها فيكون زيادة تمنع الرجوع ومنهن بالعكس فيكون نقصانا لا يمنع الرجوع ا ه ويؤيد هذا التوفيق ما قدمناه أيضا من أن الحبل إن زاد خيرا منع الرجوع وإن نقص لا فإذا كانت الموهوبة أمة وحبلت عند الموهوب له ونقصت بذلك كان للواهب الرجوع ولا يتبعها حملها بل إذا ولدت بعد الرجوع يسترده الموهوب له لكونه حدث على ملكه كما قالوا فيما لو بنى في الدار الموهوبة بناء منقصا كبناء تنور في بيت السكنى فإنه لا يمنع الرجوع كما في الخانية وللموهوب له أخذه فقد سقط ما قيل إن ما ذكره الشارح لا يوافق القولين فافهم ثم لا يخفى أن هذا في الحبل العارض أما لو وهبها حبلى ورجع بها كذلك صح وليس الكلام فيه خلافا لما فهمه الحموي وبقي ما لو كان الحبل من الموهوب له فقد قدمنا عن الشيخ أبي السعود بحثا بأنه مانع من الرجوع
قوله ( مريض ) قال في المحيط يجب أن يعلم أن هبة المريض هبة عقد وليست بوصية واعتبارها من الثلث ما كان لأنها وصية ولكن لأن حق الورثة يتعلق بالمريض وقد تبرع بالهبة فيلزم تبرعه بقدر ما جعل الشرع له وهو الثلث وإذا كان هذا التصرف هبة عقد اشترط له سائر شرائط الهبة ومن جملتها قبض الموهوب قبل موت الواهب ا ه قوله ( وقد وطئت ) أطلق في وطئها فعم ما لو كان الواطىء الموهوب له أو غيره قوله ( ردها مع عقرها ) لتعلق حق الغرماء فيها إذ الدين يتعلق بذمة المديون فإذا مرض مرض الموت تعلق بتركته وكانت هبته حينئذ وصية لا تنفذ مع استغراق التركة بالدين فلذا يلزمه عقرها لأنه لم يملكها قبل الموت حيث كانت وصية ولا بعد الموت لتعلق حق الغرماء ولم يجب الحد للشبهة فوجب العقر فلو حملت من ذلك الوطء يراجع حكمه فروع وهب في مرضه ولم يسلم حتى مات بطلت الهبة لأنه وإن كان وصية حتى اعتبر فيه الثلث فهو هبة حقيقة فيحتاج إلى القبض وهب المريض عبدا لا مال له غيره ثم مات وقد باعه الموهوب له لا ينقض البيع ويضمن ثلثيه وإن أعتقه الموهوب له والواهب مديون ولا مال غيره قبل موته جاز وبعد موت الواهب لا لأن الإعتاق في المرض وصية وهي لا تعمل حال قيام الدين وإن أعتقه الواهب قبل موته ومات لا سعاية على العبد لجواز الإعتاق ولعدم الملك يوم الموت بزازية ورأيت في مجموعة منلا على الصغير بخطه عن جواهر الفتاوى كان أبو حنيفة حاجا فوقعت مسألة الدور بالكوفة فتكلم كل فريق بنوع فذكروا له ذلك حيث استقبلوه فقال من غير فكر ولا روية أسقطوا السهم الدائر تصح المسألة مثاله مريض وهب عبدا له من مريض وسلمه إليه ثم وهبه من الواهب الأول وسلمه إليه ثم ماتا جميعا ولا مال لهما غيره فإنه وقع فيه الدور متى رجع إليه شيء منه زاد في ماله وإذا زاد في ماله زاد في ثلثه وإذا زاد في ثلثه زاد فيما يرجع إليه وإذا زاد فيما يرجع إليه زاد في ثلثه ثم لا يزال كذلك فاحتيج إلى تصحيح الحساب وطريقه أن تطلب حسابا له ثلث وللثلث ثلث وأقله تسعة ثم تقول صحت الهبة في ثلاثة منها ويرجع من الثلاثة سهم إلى الواهب الأول فهذا السهم هو سهم الدور فأسقطه من الأصل يبقى ثمانية فمنها تصح وهذا معنى قول أبي حنيفة أسقطوا السهم الدائر وتصح الهبة في ثلاثة من ثمانية والهبة الثانية في سهم فيحصل للواهب الأول ستة ضعف ما صححنا في هبته وصححنا الهبة الثانية في ثلث ما أعطينا فثبت أن تصحيحه بإسقاط سهم الدور وقيل دع الدور يدور في الهواء ا ه ملخصا قوله ( والميم موت أحد العاقدين ) يعني حرف الميم إشارة إلى أن موت أحدهما مانع إن كان بعد التسليم لأن بموت الموهوب له ينتقل الملك إلى ورثته فصار كما إذا انتقل حال حياته ولأن تبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى وإذا مات الواهب فوارثه أجنبي عن العقد إذ هو ما أوجبه وحق الرجوع مجرد خيار فلا يورث كخيار الشرط ولأن الشارع أوجبه للواهب والوارث ليس بواهب فإن قلت إنه بالموت قد خرج الموهوب عن الملك فيستغني بذكر الخاء عن الميم أجيب بأن الميت يعطى حكم الحي في أشياء كحق التجهيز والتكفين وقضاء الدين وتنفيذ الوصية فربما يظن أن الهبة من تلك الأشياء فكان النص صريحا على الموت أولى ولينظر ما لو حكم بلحاقه مرتدا ومفاد ما ذكر من التعليل أنه لو حكم بلحاقه مرتدا فالحكم كذلك وليراجع صريح النقل والله تعالى أعلم قوله ( بعد التسليم ) قيد به لأنه لو مات أحدهما قبله بطلت لعدم الملك ورجوع المستأمن إلى دار الحرب بعد الهبة قبل القبض مبطل لها كالموت فإن كان الحربي أذن للمسلم في قبضه وقبضه بعد رجوعه إلى دار الحرب جاز استحسانا بخلاف قبضه بعد موت الواهب كذا في المبسوط بحر
قوله ( بطل ) يعني عقد الهبة والأولى بطلت أي لانتقال الملك للوارث قبل تمام الهبة قوله ( ولو اختلفا ) أي الشخصان لا بقيد الواهب والموهوب له وإن كان التركيب يوهمه بأن قال وارث الواهب ما قبضته في حياته وإنما قبضته بعد وفاته وقال الموهوب له بل قبضته في حياته والعبد في يد الوارث ط قوله ( والعين في يد الوارث ) هذا ليس بقيد لما في الهندية عن الذخيرة قال المدعى عليه وهب لك والدي هذا العين فلم تقبضه إلا بعد موته وقال الموهوب له قبضته في حياته والعين في يد الذي يدعي الهبة فالقول للوارث لأن القبض قد علم الساعة والميراث قد تقدم القبض ا ه منح وبحر وفيه تأمل ط وقدمناه قريبا ولم يظهر لي وجه التأمل قوله ( وقد نظم المصنف الخ ) لم يذكره في المنح قال الحلبي وهو من الطويل من الضرب الثالث منه والجزء الأول فيه الثلم والجزء الثاني مقبوض مع تسكين هاء ديه ولو زاد واوا وسكن الياء من ديه لسلم من العلل ط ولو زاد الواو في أوله وشدد الياء مع سكون الهاء في ديه لكان أولى وفيه ما فيه لأن الواو يجوز حذفها ولو قال خراج ديات ثم كفارة كذا لاستقام وزنه وصح معناه أو قال زكاة كذا عشر خراج ورابع لاستقام أيضا قوله ( كفارة ) أطلق فيها فعم كل كفارة وظاهره أنها تسقط بالموت أصلا حتى لا يخرج عنه من ماله ولا يجب الوصية به وهذا خلاف ما نص عليه الشرنبلالي فإنه قال في نور الإيضاح وشرحه الصغير في أحكام إسقاط الصلاة ولزمه عليه الوصية بما قدر عليه وبقي في ذمته حتى أدركه الموت من صوم فرض وكفارة وظهار وجناية على إحرام ومنذور فيخرج عنه وليه من ثلث ما ترك وإن لم يوص لا يلزم الوارث الإخراج وعلى هذا دين صدقة الفطر أو النفقة الواجبة والخراج والجزية والكفارات المالية والوصية بالحج والصدقة المنذورة والاعتكاف المنذور عن صومه ا ه مختصرا فإن أراد أنه إذا مات لا يطالب الوارث بها من تركته صح أما الذي وجبت بإيصائه فيطالب بإخراجها شرعا ط وفي شرح السراجية وإن كان الدين من حقوق الله تعالى كالزكاة والصلاة والصوم وحجة الإسلام والنذر والكفارة فإن أوصى به الميت وجب عندنا تنفيذه من ثلث ماله الباقي بعد دين العباد وإن لم يوص لم يجب ا ه وعليه فمعنى سقوطها بالموت عدم وجوب إخراجها من التركة بلا وصية أما إذا أوصى بها فيطالب بإخراجها شرعا قوله ( دية ) أي على العاقلة أو على نفس القاتل إن لم يكن له عاقلة هكذا يفيد إطلاقه ط قوله ( خراج ) يعم خراج الرأس والأرض وقد علمت من نقل الشرنبلالي أنه يوصي بهما ويخرجان من الثلث قال المصنف في باب العشر من عليه عشر أو خراج إذا مات أخذ من تركته وفي رواية لا بل يسقط بالموت والأول ظاهر الرواية قوله ( ضمان لعتق ) أي إذا أعتق أحد الشريكين حفظه من عبد موسرا فضمنه شريكه فمات المعتق سقط بموته قوله ( هكذا نفقات ) أي غير المستدانة بأمر القاضي وفي حاشية أبي السعود المراد من النفقة التي تسقط غير المستدانة بأمر القاضي أما هي فقد جزم في الظهيرية بعدم السقوط وصححه في الذخيرة ونسبه إلى كافي الحاكم وعلله بأن للقاضي ولاية عامة فكانت استدانتها بأمره بمنزلة استدانة الزوج بنفسه ولو استدان بنفسه لا يسقط ذلك الدين بموت أحدهما فكذا هذا وقد تقدم في النفقات الكلام على هذا مستوفى وكذا في رسالة سيدي الوالد رحمه الله تحرير النقود في نفقات الفروع والأصول فارجع إليها فإنها فريدة في بابها ولم يسبق على منوالها قوله ( كذا هبة ) يعني إذا وهب ولم يسلم حتى مات فإنها تبطل
قوله ( لما أن الجميع صلات ) أي أو في حكمها كالخراج وقد علمت أنه ليس محصورا فيما ذكره من الخمسة كما علمت مما مر فتأمل ولأن الصلات لا تتم إلا بالتسليم وإذا مات قبل التسليم تسقط فإن قيل لو كانت النفقة صلة كيف يجبر الزوج على التسليم قلنا يجوز أن يجبر ألا ترى أن من أوصى أو يوهب عبده من فلان بعد موته فمات الموصي فإن الورثة يجبرون على تنفيذ الوصية في العبد وإن كان صلة ولو مات العبد تبطل الوصية وكذا الشفيع يستحق على المشتري تسليم الدار إليه بالشفعة والشفعة صلة شرعية ولو مات الشفيع بطلت الشفعة كما في شرح أدب القضاء قوله ( بشرط أن يذكر لفظا الخ ) لأن حق الرجوع ثابت له ولا يسقط إلا بعوض يرضى به ولا يتم ذلك بدون رضاه وفي الجوهرة ما يفيد أنه يكفي العلم بأنه عوض هبته ط قال في الخانية وهب لرجل عبدا بشرط أن يعوضه ثوبا إن تقايضا جاز وإلا لا ا ه قوله ( خذه عوض هبتك ) أفاد أنه لو وهب له شيئا أو تصدق عليه ولم يذكر أنه عوض لا يسقط الرجوع بل لكل منهما أن يرجع في هبته كذا في البحر لكن يؤيد كلام الجوهرة المذكور ما يأتي عن اليعقوبية الآتي قريبا فتأمل وفي أبي السعود بعد أن ذكر ما نقلناه عن البحر وهو صريح في عدم الفرق بين الهبة والصدقة فيخالف ما قدمناه من أنه إذا كان الموهوب له فقيرا ليس له الرجوع لأنها صدقة اللهم إلا أن يحمل ما هنا على أن المتصدق عليه غني فتزول المخالفة لأنها حينئذ تكون مجازا عن الهبة قوله ( ونحو ذلك ) أي من كل لفظ يفيد التعويض وفي الخانية إذا عوض بعد الهبة وقال هذا ثواب هبتك أو مكانها أو كافأتك أو أثبتك أو تصدقت بها عليك بدلا عن هبتك لا يبقى للواهب الرجوع قوله ( سقط الرجوع ) أي رجوع الواهب والمعوض كما في الأنقروي وإليه يشير مفهوم الشارح قوله ( ولو لم يذكر أنه عوض ) أي فيكون هبة مبتدأة كما في الزيلعي قوله ( رجع كل بهبته ) برفع كل منونا عوضا عن المضاف إليه لأن التمليك المطلق يحتمل الابتداء ويحتمل المجازاة فلا يبطل حق الرجوع بالشك مستصفى لكن قد يقال إن الأصل أن المعروف كالملفوظ كما صرح به في الكافي وفي العرف يقصد التعويض ولا يذكر خذ بدل هبتك ونحوه استحياء فينبغي أن لا يرجع وإن لم يذكر البدلية وفي الخانية بعث إلى امرأته هدايا وعوضت المرأة وزفت إليه ثم فارقها فادعى الزوج أن ما بعثه عارية وأراد أن يسترد وأرادت المرأة أن تسترد العوض فالقول للزوج في متاعه لأنه أنكر التمليك وللمرأة أن تسترد ما بعثته إذ تزعم أنه عوض للهبة فإذا لم يكن ذلك هبة لم يكن هذا عوضا فلكل منهما استرداد متاعه وقال أبو بكر الإسكاف إن صرحت حين بعثت أنه عوض فكذلك وإن لم تصرح به ولكن نوت أن يكون عوضا كان ذلك هبة منها وبطلت نيتها ولا يخفى أنه على هذا ينبغي أن يكون في مسألتنا اختلاف يعقوبية قوله ( ولذا الخ ) قال ط الأولى حذف لذا لأنه جعله مرتبطا بما زاده وإبقاء المصنف على ظاهره لأنه يفيد حكم ما ذكره الشارح بالأولى ا ه نعم هو تعليل لما يفهم من قوله رجع كل بهبته فإنه حيث سمى العوض هبة لأنه تمليك جديد وإن سمى عوضا شرط له ما يشترط للهبة قوله ( وإفراز ) عن مال المعوض فإنه إن عوضه ثمرا على شجر لا يتم حتى يفرزه وفي الهندية إن العوض المتأخر حكمه حكم الهبة يصح بما تصح به ويبطل بما تبطل به إلا في إسقاط الرجوع على معنى أنه يثبت حق الرجوع في الأول ولا يثبت في الثانية ا ه وهذا يدل على أن العوض لا يشترط في عقد الهبة ط
قوله ( ولو العوض مجانسا ) أي من جنس الهبة ويسيرا أي أقل منها وذلك لأن العوض ليس ببدل حقيقة إذ لو كان كذلك لما جاز بالأقل للربا يحقق ذلك أن الموهوب له مالك للهبة والإنسان لا يعطي بدل ملكه لغيره وإنما عوضه ليسقط حقه في الرجوع وأيضا فإنه لما كان العوض تمليكا جديدا وفيه معنى الهبة المبتدأة ولذا شرط فيه شرائطها فيجوز بأقل من الموهوب ولو من جنسه لا فرق بين الأموال الربوية وغيرها ولو كان عوضا من كل وجه لامتنع في الأموال الربوية إلا مثلا بمثل يدا بيد عند اتحاد الجنس قوله ( وهو تحريف ) لكن قد يقال على هذه النسخة إنه أراد بالعقد عقد الهبة فأل للعهد الحضوري ويراد به المعقود عليه والحاصل أنه لا ملجىء إلى الحكم عليه بالتحريف مع إمكان صحته إذ الأصل في اللام أو تكون للعهد والعقد المعهود هو الذي بوب له وهو عقد الهبة فكان معنى النسختين معتمدا تأمل قوله ( ولا يجوز للأب الخ ) لأنه تبرع ابتداء وليس له أن يتبرع من مال الابن فإن عوض فللواهب أن يرجع في هبته لبطلان التعويض بزازية وهذه العلة تفيد أن الأب يرجع بما عوض لأنه هبة من كل وجه فصح الرجوع به والظاهر عدم كراهة الرجوع فيه لأنه لم يتبرع فيه ابتداء بل لقصد التعويض ولم يتم له فكان كما لو استحق الموهوب فإنه يرجع بالعوض فكذا هنا ولا يجوز له التعويض وإن كانت الهبة للصغير بشرط التعويض كما في الهندية ومما يتفرع على كون العوض بمعنى الهبة أنه لا يجوز لأنها تبرع وليس للأب أن يتبرع بمال ابنه وله مندوحة عن رجوع الواهب في الهبة مع أن المسلم له مانع من دينه أن يرتكب المكروه ومع ذلك لو باع العين الموهوبة للصغير امتنع الرجوع وله ذلك في المنقول فإن جاز له ذلك في العقار للضرورة تزاد على المسائل التي يباع فيها عقار الصغير قوله ( من ماله ) الضمير يرجع لأقرب مذكور لا سيما وقد علم من صريح عبارة البزازية ولو كان العوض من مال الأب صح لما مر وسيأتي من صحة التعويض من الأجنبي قوله ( ولو وهب العبد ) أي وهب له شخص ووهب بضم الواو مبني للمجهول أي وهب له شخص شيئا قوله ( ثم عوض ) أي عوض العبد عن هبته قوله ( فلكل منهما الرجوع ) وجهه في العبد ظاهر لأن الهبة تبرع وهو ليس من أهله فإذا ملك العبد الرجوع لبطلان الهبة فكذا للموجب له الرجوع بالعوض لأن التعويض مبني على الهبة وقد بطلت أبو السعود ويحتمل أن وهب مبني للفاعل وعوض مبني للمفعول قال في الخانية العبد المأذون إذا وهب لرجل فعوضه الموهوب له كان لكل واحد منهما أن يرجع فيما دفع لأن هبة العبد باطلة مأذونا كان أو محجورا وإذا بطلت الهبة بطل التعويض قوله ( من نصراني ) من هنا بمعنى اللام قوله ( خمرا ) مفعول تعويض ومفعول هبة محذوف وهو من إضافة المصدر لفاعله والمعنى لا يجوز أن يعوض المسلم خمرا أو خنزيرا إذا وهو له النصراني شيئا لأنا نهينا عن تمليك الخمر والخنزير وتملكهما فللذمي أن يرجع في هبته قال الطحطاوي والظاهر أنه لو كانت المسألة بالعكس يكون الحكم كذلك يحرر قال في الهندية وأهل الذمة في الهبة بمنزلة المسلمين لأنهم التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات إلا أنه لا تجوز المعاوضة بالخمر من الهبة فيما بين المسلم والذمي سواء كان المسلم هو المعوض الخمر أو الذمي ثم ذكر ذمي وهب لمسلم شيئا فعوضه خمرا له الرجوع في هبته ا ه
قوله ( بعض الموهوب ) قال في العناية مثل أن يكون الموهوب دارا والعوض بيت منها أو الموهوب ألفا والعوض درهم منها فإنه لا ينقطع به حق الرجوع لأنا نعلم بيقين أن قصد الواهب من هبته لم يكن ذلك فلا يحصل به خلافا لزفر فإنه قال التحق بذلك سائر أمواله وبالقليل من ماله ينقطع الرجوع فكذا هذا وتمامه فيها قوله ( فله الرجوع في الباقي ) لأن حقه كان ثابتا في الكل فإذا وصل إليه بعضه لا يسقط حقه في الباقي زيلعي قوله ( صح ) سواء كانا في مجلس أو مجلسين بحر قوله ( وإلا لا ) هي مسألة المصنف قوله ( في هبة ) يعني إذا وهبه دراهم تعينت فلو أبدلها بغيرها كان إعراضا منه عنها فلو أتى بغيرها ودفعه له فهو هبة مبتدأة وإذا قبضها الموهوب له وأبدلها بجنسها أو بغير جنسها لا رجوع عليه ومثل الدراهم والدنانير ط قوله ( ورجوع ) أي ليس له أن يرجع إلا إذا كانت دراهم الهبة قائمة بعينها فلو أنفقها كان إهلاكا يمنع الرجوع ط قوله ( لحدوثه بالطحن ) أي فهو غير الحنطة فلا يقال إنه عين الموهوب أو بعضه ولذا لو وهب الدقيق في الحنطة ثم طحنه وسلمه لم يصح لأنه لما وهبه كان معدوما حين الهبة كما قدمنا قوله ( وكذا لو صبغ ) لأن الشيء مع غيره غيره مع نفسه فالثوب المصبوغ والسويق الملتوت بالسمن غيرهما خاليين عن الصبغ واللت ولأن ما في الثوب من الصبغ وما في السويق من السمن ونحوه يصلح عوضا قوله ( ثم عوضه ) أي البعض أي جعله عوضا عن الهبة صح لحصول الزيادة فيه فكأنه شيء آخر قوله ( امتنع الرجوع ) لأنه ليس له الرجوع في الولد فصح العوض ا ه منح والظاهر أن ذكر الجاريتين اتفاقي والأولى للمصنف التعبير بإحدى وهو كذلك في بعض النسخ ط قوله ( وصح العوض من أجنبي ) أي دفعه لأن الموهوب له لا يحصل له بهذا العوض شيء لم يكن سالما له من قبل فيصح من الأجنبي كما يصح منه الخلع والصلح عن دم العمد ا ه زيلعي قوله ( كبدل الخلع ) أي كما يصح عن بدل الخلع من أجنبي وكان الأولى تقديمه على قوله وسقط كما فعل العيني قوله ( ولا رجوع ) أي للمعوض على الموهوب له ولو كان شريكه سواء كان بإذنه أو لا لأن التعويض ليس بواجب عليه فصار كما لو أمره أن يتبرع الإنسان إلا إذا قال على أني ضامن بخلاف المديون إذا أمر رجلا بأن يقضي دينه حيث يرجع عليه وإن لم يضمن لأن الدين واجب عليه منح قوله ( ولو بأمره ) يعني لا رجوع للأجنبي على الموهوب له ولو كان بأمره قوله ( لعدم وجوب التعويض ) علة لقوله ولا رجوع ولو بأمره قوله ( بخلاف قضاء الدين ) أي حيث يرجع الأجنبي على المدين إذا قضى بأمره أي ولو لم يقل إني ضامن لأن الدين ثابت في ذمته وقد أمره أن يسقط مطالبته عنه فيكون أمرا بأن يملكه ما كان للطالب وهو الدين فصار كما لو أمره أن يملكه عينا ذكره الزيلعي قال الإتقاني والفقه فيه أنه لما أمره بقضاء الدين صار مستقرضا منه ذلك القدر وموكلا إياه بالصرف إلى غيره لأنا لو لم نجعله كذلك لا يتصور فراغ ذمته عما عليه لأن الذمة لا تفرغ إلا بالقضاء ولا يقع الفعل قضاء إلا إذا انتقل في المؤدي إلى من عليه الدين أو لا حتى إذا قبض رب الدين وجب للمديون مثل ما عليه فيلتقيان قصاصا وهذا لا يحتاج إليه في الهبة لأنه لا دين على الموهوب له حتى يحتاج إلى فراغ ذمته بتقدير الاستقراض فافترقا من هذا الوجه ا ه شلبي قوله ( ما يطلب به الإنسان ) دخل فيه النفقة على الزوجة والأولاد
قوله ( بالحبس والملازمة ) خرج بذلك الأمر بالتكفير عنه وأداء النذر فإنه وإن كان يطالب بهما لكن لا بالحبس والملازمة فليتأمل قوله ( لكن ) استدراك على قوله وما لا فلا قوله ( بلا شرط رجوع ) كأنه لأن العرف قاض بضمان ما يدفع في ذلك وقد ذكر هذا البحث المصنف وشيخه في بحره وأشار بقوله فتأمل إلى نظر في وجه الاستثناء لكن قد يقال إن فداء الأسير والإنفاق على بناء الدار ملحقان بمال له مطالب يحبس به ويلازم عليه أما الأسير إذا لم يفد فهو كالرقيق تحت أيدي المشركين بل أعظم بلاء يتعرضون لفتنته عن دينه ولا يقدر أن يتخلص إلا بالفداء فألحق بمال له مطالب وأما بناء الدار فإنه من جملة الحوائج الأصلية لأن عدم مكان يأوي إليه ويستر فيه أهله ويحفظ فيه ماله يؤدي إلى هلاكه فكان لا بد له منه فألحق بماله مطالب أيضا نظيره ما قالوا في الكفالة بالنوائب فهي صحيحة وإن كانت تؤخذ منه بغير حق لأنها تؤخذ منه فوق أخذ الحق فجازت الكفالة بها لدفع التضييق عليه فتأمل أقول وقد ذكر الشارح قبل كفالة الرجلين أصلين آخرين أحدهما من قام عن غيره بواجب بأمره رجع بما دفع وإن لم يشترطه كالآمر بالإنفاق عليه وبقضاء دينه إلا في مسائل أمره بتعويض عن هبته وبإطعام عن كفارته وبأداء عن زكاة ماله وبأن يهب فلانا عني ألفا ثانيهما في كل موضع يملك المدفوع إليه المال مقابلا بملك مال فإن المأمور يرجع بلا شرط وإلا فلا فالمشتري أو الغاصب إذا أمر رجلا بأن يدفع الثمن أو بدل الغصب إلى البائع أو المالك كان المدفوع إليه مالكا للمدفوع بمقابلة مال هو المبيع أو المغصوب وظاهره أن الهبة لو كانت بشرط العوض فأمره بالتعويض عنها يرجع بلا شرط لوجود الملك بمقابلة مال بخلاف ما لو أمره بالإطعام عن كفارته أو بالإحجاج عنه ونحوه فإنه ليس بمقابلة مال فلا رجوع للمأمور على الآمر إلا بشرط الرجوع ويرد عليه الأمر بالإنفاق عليه فإنه قدم أنه يرجع بلا شرط مع أنه ليس بمقابلة مال فلا رجوع للمأمور على الآمر إلا بشرط الرجوع وكذا الأمر بأداء النوائب وبتخليص الأسير على ما مر قال في النوازل قوم وقعت لهم مصادرة فأمروا رجلا أن يستقرض لهم مالا ينفقه في هذه المؤنات ففعل فالمقرض يرجع على المستقرض والمستقرض هل يرجع على الآمر إن شرط الرجوع يرجع وبدون الشرط لا يرجع والمختار أنه يرجع تاترخانية في كتاب الوصايا وفي مجموعة النقيب عن العمادية أن المأمور بالإنفاق من مال نفسه في حاجة الأمر قال بعضهم يوجب الرجوع إذا اشترطه وقال بعضهم يوجب الرجوع من غير اشتراطه وهو الأصح ولو قال عوض عن هبتي أو أطعم عن كفارتي أو أد زكاة مالي أو وهب فلانا عني ألفا لا يرجع بلا شرط الرجوع كما في البزازية وذكر في السراج الوهاج ضابطا آخر أن الواهب الذي سقط عن الآمر بدفع المأمور إن كان من أحكام الآخرة فقط لم يرجع بلا شرط الرجوع لأنه لو رجع بأكثر مما أسقط وإن كان من أحكام الدنيا رجع بلا شرط ا ه
وقيد هذا في الخلاصة بما إذا قال ادفع مقدار كذا إلى فلان عني فلا لم يقل عني أو ادفعه فإني ضامن فدفع المأمور إن كان شريك الآمر أو خليطه وتفسيره بأن يكون بينهما في السوق أخذوا عطاء ومواضعة فإنه يرجع على الآمر بالإجماع وكذا لو كان الآمر في عيال المأمور أو المأمور في عيال الآمر وإن لم يوجد واحد من هذه الثلاثة فلا رجوع عليه وعند أبي يوسف يرجع وهذا إذا لم يقل اقض عني فإن قال ثبت له حق الرجوع بالإجماع من مجموعة النقيب قال في الخانية ذكر في الأصل إذا أمر صيرفيا في المصارفة أن يعطي رجلا ألف درهم قضاء عنه أو لم يقل قضاء عنه ففعل المأمور فإنه يرجع على الآمر في قول أبي حنيفة فإن لم يكن صيرفيا لا يرجع إلا أن يقول عني ولو أمره بشرائه أو بدفع الفداء يرجع عليه استحسانا وإن لم يقل على أن ترجع علي بذلك وكذا لو قال أنفق من مالك على عيالي أو في بناء داري يرجع بما أنفق وكذا لو قال اقض ديني يرجع على كل حال ولو قضى نائبة غيره بأمره رجع عليه وإن لم يشترط الرجوع هو الصحيح ا ه والحاصل أنه إذا قال اقض ديني أو نائبتي أو اكفل لفلان بألف علي أو انقده بألف علي أو اقض ماله على أو أنفق على عيالي أو في بناء داري يرجع مطلقا شرط الرجوع أو لا قال عني أو لا وكذا لو قال ادفع إلى فلان كذا وكان المأمور صيرفيا أو خليطا للآمر أو في عياله وإلا فلا ما لم يقل عني أو على أني ضامن بخلاف ما لو قال هب لفلان عني ألفا أو أقرضه ألفا أو عوضه عني أو كفر عن يميني بطعامك أو أد زكاة مالي بمالك أو أحج عني رجلا أو أعتق عني عبدا عن ظهاري فلا رجوع إلا بشرطه وإن كان المأمور خليطا أو قال عني فجملة هذه المسائل أربعة أقسام الأول ما يرجع به المأمور مطلقا الثاني ما يرجع إن كان صيرفيا أو خليطا له أو في عياله الثالث ما يرجع إن قال عني الرابع ما لا رجوع فيه إلا بشرط الرجوع وقد لخص سيدي الوالد رحمه الله تعالى هذا الحاصل من كلام الخانية والخلاصة فهذه المسائل منصوص عليها في الخانية والخلاصة وبها يستغنى عن الأصول المارة لأنها غير ضابطة وكذا الأصل ا لذي ذكرناه عن الشارح وهو من قام عن غيره بواجب بأمره رجع بما دفع الخ فإنه غير ضابط أيضا لأنه لا يشمل الأمر بالإنفاق في بناء داره وبشراء الأسير وقضاء النائبة ولشموله الواجب الأخروي كالأمر بأداء زكاته ونحوه وفي نور العين عن مجمع الفتاوى أمر أحد الورثة إنسانا بأن يكفن الميت فكفن إن أمره ليرجع عليه يرجع عليه كما في أنفق في بناء داري وهو اختيار شمس الإسلام وذكر السرخسي أن له أن يرجع بمنزلة أمر القاضي وفيه عن الذخيرة قال ادفع إلى فلان قضاء له ولم يقل عني أو قال اقض فلانا ألفا ولم يقل عني ولا على أني ضامن لها أو كفيل بها فدفع فلو كان المأمور شريكا للآمر أو خليطا له رجع على آمره ومعنى الخليط أن يكون بينهما أخذ وإعطاء أو مواضعة على أنه متى جاء رسول هذا أو وكيله يبيع منه أو يقرضه فإنه يرجع على الآمر إجماعا إذ الضمان بين الخليطين مشروط عرفا إذا العرف أنه إذ أمر شريكه أو خليطه بدفع مال إلى غيره بأمره يكون دينا على الآمر والمعروف كالمشروط وكذا لو كان المأمور في عيال الآمر أو بالعكس يرجع إجماعا وإن لم يقل على أني ضامن ولم يشترط الرجوع ا ه وأفاد التعليل بالضمان عرفا أن ما جرى به العرف في الرجوع على الآمر يرجع وإن لم يكن خليطا ولا في عياله ولذا أثبتوا الرجوع للصيرفي فليحفظ
قوله ( وإن استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض ) لأنه لم يدفعه إلا ليسلم له الموهوب كله فإذا فات بعضه رجع عليه بقدره كغيره من المعاوضات درر قال السمرقندي وهذا إذا استحق نصف معين أما إذا لم يكن معينا تبطل الهبة أصلا كذا في الشرح إ ه وقال في الجوهرة وهذا أي الرجوع فيما إذا لم يحتمل القسمة وإن فيما حتملها إذا استحق بعض الهبة بطل في الباقي ويرجع في العوض أي لأن الموهوب له تبين أنه لم يملك ذلك البعض المستحق فبطل العقد فيه ن الأصل فلو جاز في الباقي كان هبة مشاع فيما يحتمل القسمة وذلك يمنع ابتداء التمليك بالهبة أشار إليه سري الدين قوله ( وعكسه لا ) أي إن استحق نصف العوض لا يرجع بنصف الهبة لأنه ليس عوضا حقيقة على ما تقدم ولأن النصف الباقي مقابل لكل الهبة فإن الباقي يصلح للعوض ابتداء فكذا بقاء إلا أنه يتخير قوله ( ليسلم العوض ) الأولى أن يقول لأنه لن يسلم له العوض فتأمل قوله ( الغير المشروط ) أي في عقد الهبة قوله ( أما المشروط ) أي في العقد قوله ( فيوزع ) لأنه بيع قوله ( كما لو استحق ) تنظير لمفهوم قوله ما لم يرد ما بقي فإن مفهومه أنه إذا رد ما بقي رجع بكل الهبة قوله ( لا إن كانت هالكة ) فإن استحق العوض والهبة هالكة لا يرجع الواهب على الموهوب له أصلا لأن هلاك الهبة مانع من الرجوع إ ه شلبي أي وقد هلكت على ملكه واستحال الرجوع فيه فاستوى في ذلك التعويض وعدمه ط قوله ( لم يرجع ) أي الواهب على الموهوب له ببدل العوض لأن الزيادة مانعة من الرجوع كالهلاك قوله ( رجع ما لم يعوض ) لأن المانع قد خص النصف قوله ( ولا يضر الشيوع ) أي الحاصل بالرجوع في النصف قال في البزازية عوضه في بعض هبته بأن كانت ألفا عوضه درهما منه فهو فسخ في حق الدرهم ويرجع في الباقي وكذا البيت في حق الدار قوله ( ولم أر من صرح به غيره ) قائله المصنف في منحه وفيه بل صرحوا بأن العوض قسمان قال سري الدين جعل صاحب البدائع والمحيط العوض على نوعين عوض مشروط في العقد وسيأتي في كلام المصنف آخر مسألة من هذا الباب وعوض متأخر عن العقد وهو ما ذكره المصنف والعين للعوض أي المتأخر أ ه وقد عقد صاحب الهندية بابا مستقلا لهما ويفرق بينهما بما ذكر هنا من أنه لم يكن مشروطا واستحق بعضه فإنه يمتنع الرجوع وإن كان مشروطا انقسم على الهبة ط قال في مشتمل الأحكام ناقلا عن مختصر المحيط العوض المانع إن كان مشروطا في العقد فلكل واحد الامتناع ما لم يتقابضا فهو بمنزلة البيع يردان بعيب ويجب له الشفعة ولو كان العوض متأخرا عن العقد إن أضافه إلى الهبة بأن قال هذا عوض هبتك أو جاريتك يصح ويكون العوض هبة يصح بما تصح به الهبة ويبطل بما تبطل به الهبة ويتوقف الملك على القبض ولا يكون في معنى المعاوضة ابتداء ولا انتهاء فأما إذا لم يضف العوض إلى الهبة فلكل واحد منهما الرجوع بما وهب ونقل عن شرح مختصر القدوري العوض إذا لم يكن مشروطا في العقد فهو هبة في نفسه فيتوقف الملك على القبض ولا يصح الشيوع وفي حق الأول يعتبر عوضا ثم يسقط به الرجوع فما في مختصر المحيط موافق للمجتبى بأحد وجهيه
وفي غاية البيان قال أصحابنا إن العوض الذي يسقط به الرجوع ما شرط في العقد فأما إذا عوضه بعد العقد لم يسقط الرجوع لأنه غير مستحق على الموهوب له وإنما تبرع به ليسقط عن نفسه الرجوع فيكون هبة مبتدأة وليس كذلك إذا شرط في العقد لأنه يوجب أن يصير حكم العقد حكم البيع ويتعلق به الشفعة ويرد بالعيب فدل أنه قد صار عوضا عنها وقالوا أيضا يجب أن يعتبر في العوض الشرائط المعتبرة في الهبة وعدم الشيوع لأنه هبة كذا في شرح الأقطع وقال في التحفة فأما العوض المتأخر عن العقد فهو لإسقاط الرجوع ولا يصير في معنى المعارضة لا ابتداء ولا انتهاء وإنما يكون الثاني عوضا عن الأول بالإضافة إليه نصا كهذا عوض عن هبتك فإن هذا عوض إذا وجد القبض ويكون هبة يصح ويبطل بما تصح وتبطل به الهبة وأما إذا لم يضف إلى الأولى يكون هبة مبتدأة ويسقط حق الرجوع في الهبتين جميعا انتهى مع بعض اختصار ومفاده إلى الأولى يكون هبة مبتدأة ويسقط حق الرجوع في الهبتين جميعا انتهي مع بعض اختصار ومفاده أنهما قولان أو روايتان الأول لزوم اشتراطه في العقد والثاني لا بل لزوم الإضافة إلى الأولى وهذا الخلاف في سقوط الرجوع وأما كونه بيعا انتهاء فلا نزاع في لزوم اشتراطه في العقد تأمل وسنذكر آخر الفصل في الفروع بيان العوض مفصلا عن الهندية إن شاء الله تعالى فراجعه قوله ( وفروع المذهب مطلقة كما مر ) من دقيق الحنطة وولد إحدى جاريتين قال في المنح منها كما قدمناه من أن دقيق الحنطة يصلح عوضا منها ومنها ما تقدم من أنه لو عوضه ولد إحدى جاريتين موهوبتين وجد بعد الهبة فإنه يمتنع الرجوع اه قوله ( فتدبر ) قال العلامة أبو السعود قلت الظاهر أن الاشتراط بالنظر لما سبق من توزيع البدل على المبدل لا مطلقا وحينئذ فما في المجتبى لا يخالف إطلاقه فروع المذهب فتأمل انتهى لكن قال العلامة السائحاني أقول بل فروع المذهب صريحة في ضده كما قدمته عن الخانية وكما قدمه الشارح في قوله ومراده العوض الغير المشروط فلا تلتفت لما في المجتبى ثم ظهر أن المراد بعدم كونه عوضا أنه لا يجعل الهبة بيعا انتهاء ثم رأيت شيخنا أجاب بنظير هذا انتهى فتأمل قوله ( خروج الهبة ) لأنه حصل بتسليط الواهب فلا ينقضه أطلق في الخروج فشمل ما إذا وهب لإنسان دراهم ثم استقرضها منه فإنه لا يرجع فيها لاستهلاكها خانية وشمل أيضا ما لو وهب لمكاتب إنسان ثم عجز المكاتب لم يرجع المالك في الهبة عند محمد لانتقالها من ملك المكاتب إلى ملك مولاه خلافا لأبي يوسف كما في المنح قوله ( سواء كان ) أي رجوع الثاني قوله ( فسخ ) فإذا عاد إلى الواهب الثاني ملكه عاد بما كان متعلقا به قوله ( لم يرجع الأول ) لأن حق الرجوع لم يكن ثابتا في هذا الملك درر عن المحيط قوله ( ولو باع نصفه الخ ) مرتبط بالمصنف ويظهر في صورة تكرر الهبة أيضا قال في المحيط البرهاني ولو وصل إلى الواهب الثاني بهبة أو إرث أو وصية أو شراء أو ما أشبه ذلك لم يكن للواهب الأول أن يرجع قوله ( فلو ضحى الخ ) أما لو طبخها بعد أن ضحى بها أو بدون التضحية ينبغي أن لا يرجع لأنه بمنزلة الاستهلاك كما علم في باب الغصب قوله ( لا يمنع الرجوع ) وتجزيه عن الأضحية والمتعة عند محمد وليس له الرجوع في قول أبي يوسف والصحيح أن قول الإمام كقول محمد هندية عن المحيط قال ط وسكت عن النذر والظاهر عدم الإجزاء لعدم الوفاء بالنذر ا ه
قال السائحاني ويظهر أنها تجزىء عن النذر والقران أما على رواية أنها غير فسخ من الأصل إذا لم تكن بقضاء فظاهر وأما على غيرها فلأن هذه الأشياء غير محسوسة حتى يتأتى فيها النقض وصرحوا بأن الزكاة لا تعود وكذا الشفعة فيما لو وهب المال قبل الحول ثم رجع بعده وفيما لو رجع بعدما وهب الدار وبيعت دار بجوارها وسيأتي ووهب شاة راجع بعد ذبحها فيجزىء من ضحى عليها ويؤجر وهذا البيت تصريح ببعض ما ظهر لي ا ه أقول ولأنه وإن لم يبح له أكل المنذور لكنه باق على ملكه بعدم الذبح ولذا يتصدق به والصدقة لا تكو إلا بما هو ملكه تأمل قوله ( والنذر ) لعله أراد به هنا المطلق فلا يتكرر مع المصنف أو يقال إنما كررها بعد ذكر المتن لها لأنه نقل عبارة المجتبى برمتها تأييدا لما في المتن قوله ( فجعله ) أي الموهوب له قوله ( فله الرجوع ) ما لم يقبضه للمتصدق عليه ولو وهب له شيئا وقبضه فاختلسه الواهب واستهلكه غرم قيمته للموهوب له ولو كان شاة فذبحها الواهب بعد قبض الموهوب له يأخذ الشاة المذبوحة من غير تغريم بخلاف ما لو كان ثوبا فقطعه الواهب فإن الموهوب له يأخذ الثوب ويغرم الواهب له ما بين القطع والصحة هندية قوله ( خلافا للثاني ) أي فلا يمتنع الرجوع عنده والخلاف يجري أيضا في مسألة الأضحية وما عطف عليها كما هو في المجتبى ولذا قال فيما لو ذبحها من غير تضحية له الرجوع اتفاقا أي لم يخالف فيها أبو يوسف لأنها لم تخرج عن ملكه أصلا وفي التضحية خرجت لله تعالى وهما يقولان وإن وقعت التضحية لله تعالى لكنها إنما وقعت القربة بإراقة الدم ولذا له أن يأكل لحمها فلم تخرج عن ملكه بالكلية وهذا ظاهر في الأضحية وأما في النذر فكذلك كما علمت قوله ( فله الرجوع اتفاقا ) لأنها لم تخرج عن ملكه أصلا قوله ( سقط الدين والجناية ) كما قدمناه وصورة المسألة رجل له على عبد دين فوهبه مولاه لصاحب الدين وقبله سقط دينه لأن بقبوله الهبة كان راضيا بإسقاط حقه في الدين وأرش الجناية لأنهما يتعلقان برقبة العبد ولا يرجع على العبد بشيء لأن السيد لا يستوجب حقا على عبده قوله ( ثم لو رجع ) أي الواهب في هبته قوله ( صح استحسانا ) وفي القياس لا يصح رجوعه في الهبة لأنه رضي بسقوط حقه ليسلم له العبد فكان بمنزلة العوض وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة والمعلى عن أبي يوسف وهشام عن محمد وعلى قول أبي يوسف إذا رجع في الهبة يعود الدين والجناية وأبو يوسف استفحش قول محمد وقال أرأيت لو كان على العبد دين لصغير فوهبه مولاه منه فقبل الوصي وقبض فسقط الدين فإن رجع بعد ذلك لو قلنا لا يعود الدين كان قبول الوصي الهبة تصرفا مضرا على الصغير ولا يملك ذلك ووجه الاستحسان أنه لم ينص على العوض فكان إسقاطا محضا وكانت الهبة خالية عن العوض لأن شرط العوض أن يقول هو عوض عن هبتك كما مر ولم يوجد قال بعض الأفاضل والذي يظهر ما قاله أبو يوسف لأن الشيء ينتهي بانتهاء علته وعلة سقوط الدين الملك ولم يبق الملك فيعود الدين كمن له على آخر دين مؤجل فقضاه قبل الأجل فاستحق ذلك عاد الدين مؤجلا لأنه لما بطل القضاء بالاستحقاق بطل وهو سقوط الأجل فتأمل ا ه فروع صبي له على مملوك وصيه دين فوهب الوصي عبده للصبي ثم أراد الوصي الرجوع في ظاهر الرواية له ذلك وعن محمد المنع بزازية قوله ( ورواية عن الإمام ) لأن الساقط لا يعود كماء قليل نجس دخل عليه الماء الجاري حتى كثر وسال ثم عاد إلى القلة لا يعود نجسا وقال أبو يوسف يعود الدين حكما كما كان لأن زوال الدين كان حكما لملكه الموهوب له وقد بطل الملك كما في المنح
قوله ( كما لا يعود النكاح ) وذكر الصدر الشهيد أنه يعود قال في الخانية وأما مسألة النكاح ففيها روايتان عن أبي يوسف في رواية إذا رجع الواهب يعود النكاح ا ه وفي الهندية بعد ما ذكره عن الصدر الشهيد وذكر محمد في الكتاب في مواضع أنه بالرجوع في الهبة يعود إلى الواهب قديم ملكه والمراد منه العود إلى قديم ملكه فيما يستقبل لا فيما مضى ألا ترى أن من وهب مال الزكاة من رجل قبل الحول وسلمه إليه ثم رجع في الهبة بعد الحول لا يجب على الواهب زكاة ما مضى ا ه فلم يجعل قديم ملكه عائدا إليه في حق زكاة ما مضى وكذلك من وهب من آخر دارا وسلمها إلى الموهوب له ثم بيعت دار بجنبها ثم رجع الواهب فيها لم يكن للواهب أن يأخذها بالشفعة ولو عاد إليه قديم ملكه فيما مضى وجعل كأن الدار لم تزل عن ملكه لكان له الأخذ بالشفعة ا ه وعزاه للذخيرة قوله ( والزاي ) فيها لغات فمدها بعض العرب ومنهم من يقول زاي ومنهم من يقول زا فيقصرها ومنهم من ينون فيقول زا وهذا أقبح الوجوه لأنه لم يأت اسم على حرف ومنهم من يقول زي فيشدد الياء أبو السعود عن ابن عبدون قوله ( فلو وهب لامرأة الخ ) الأصل الزوجية نظير القرابة حتى يجري التوارث بينهما بلا حاجب وترد شهادة كل واحد للآخر فيكون المقصود من هبة كل منهما للآخر الصلة والتوادد دون العوض بخلاف الهبة للأجنبي فإن المقصود منها العوض ثم المعتبر في ذلك حالة الهبة فإن كانت أجنبية كان مقصوده العوض فثبت له الرجوع فيها فلا يسقط بالتزويج وإن كانت حليلته كان مقصوده الصلة دون العوض وقد حصل فسقط الرجوع فلا يعود بالإبانة ا ه زيلعي ملخصا قوله ( لا ) أي لا يرجع ولو فارقها بعد ذلك لا يملك الرجوع لقيام الزوجية وقت الهبة قوله ( كعكسه ) أي لو وهبته لرجل ثم نكحها رجعت ولو لزوجها لا وإن فارقها والأولى أن يقول كما إذا كانت هي الواهبة فيهما قوله ( ولو في مرضه ) قال في الأصل ولا يجوز هبة المريض ولا صدقته إلا مقبوضة فإذا قبضت جازت من الثلث وإذا مات قبل التسليم بطلت ويجب أن يعلم بأن هبة المريض هبة عقد أو ليست بوصية واعتبارها من الثلث ما كان لأنها وصية ولكن لأن حق الورثة يتعلق بالمريض وقد تبرع بالهبة فيلزم تبرعه بقدر ما جعل الشرع له وهو الثلث وإذا كان هذا التصرف هبة عقد اشترط له سائر شرائط الهبة ومن جملتها قبض الموهوب قبل موت الواهب ا ه محيط قوله ( ولا تنقلب وصية ) لما علمت أن هبة المريض هبة عقدا وهي ليست بأهل لقبضها لأنها لو قبضتها لكانت ملكا له ويستحيل أن يملك الإنسان لنفسه وأيضا أفاد أن قولهم الهبة في مرض الموت وصية أنها تنعقد هبة وتنقلب وصية وشرط الهبة القبض وأم الولد محجورة لقيام الملك حال حياة المولى ولا يد للمحجور فلا يتأتى منها القبض ولا يمكن أن تصير مأذونة في تلك الهبة لأنها لا تملك ما دامت رقيقة أما لو أوصى لها فإنها تمليك بعد الموت وهي حرة بعد موت مولاها فتصح الوصية قوله ( لعتقها بموته ) ويعتبر القول بعد الموت والتمليك واقع لها بعده قوله ( والقاف القرابة ) أي القريبة إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك قال في الدرر فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته إلى الإنفاق ويسمى ذلك رجوعا نظرا إلى الظاهر وإن لم يكن رجوعا حقيقة على أن هذا الحكم غير مختص بالهبة بل الأب إذا احتاج فله الأخذ من مال ابنه ولو غائبا كما ذكر في باب النفقات
قال صدر الشريعة ونحن نقول به أي لا ينبغي أن يرجع إلى الوالد فإنه يتملك للحاجة فتوهم بعض الناس أن قوله ونحن نقول به أنى لأب أن يرجع فيما وهب لابنه عندنا يضا مطلقا وهو هم باطل منشؤه الغفلة عن قوله فإنه يتملكه للحاجة فإن مراده ما ذكرنا حتى لو لم يحتج لم يجز له الأخذ من مال ابنه فإن ما توهمه مخالف لتصريح علمائنا كقاضيخان وغيره أن قرابة الأولاد من جملة الموانع ا ه ولهذا لم يتعرض الشارح رحمه الله تعالى لتخصيص القرابة بغير الأب بل تركه على العموم اتكالا على ما تقرر أن للأب أن يتناول من مال ابنه عند الحاجة بقدرها قوله ( لذي رحم محرم ) خرج من كان ذا رحم وليس بمحرم ومن كان محرما وليس بذي رحم درر فالأول كابن العم فإن كان أخاه من الرضاع أيضا فهو خارج أيضا واحترز عنه بقوله نسيا فإنه ليس بذي رحم محرم من النسب كما في الشرنبلالية والثاني كالأخ رضاعا قال السمرقندي الرحم صاحب القرابة والمحرم هو الذي يحرم مناكحته ا ه وإنما لا يرجع فيها لقوله عليه الصلاة والسلام إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجح فيها ولأن المقصود منها صلة الرحم وقد حصل وفي الرجوع قطيعة الرحم ا ه زيلعي قوله ( منه ) صفة محرم والضمير في منه للرحم فخرج الرحم غير المحرم كابن العم والمحرم غير الرحم كالأخ رضاعا والرحم المحرم الذي محرميته لا من الرحم كابن عم هو أخ رضاعا وعلى هذا لا حاجة إلى قوله نسبا نعم يحتاج إليه لو جعل الضمير للواهب ليخرج به الأخير تدبر قوله ( نسبا ) حال من محرم فلو كان الرحم محرما من الرضاع أو المصاهرة لا يمتنع الرجوع لعدم وجوب صلته ولذا لا يجب إنفاقه عليه عند عجزه وإن كانت صلته مندوبا إليها قوله ( ولو ذميا أو مستأمنا ) لأنه واجب الصلة ومحل للصدقة لقوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الممتحنة 8 ولقبول الذمة والأمان فقد ترك المقاتلة قال القهستاني ومثلهما الحربي قوله ( بلا رحم ) أي بلا رحم موجب للمحرمية وإن صار له رحم بالرضاع والمصاهرة فإنه لا يمنع الرجوع قوله ( ولو ابن عمه ) أي ولو كان أخوه رضاعا ابن عمه وهذا خارج بقوله منه أو بقوله نسبا لأن محرميته ليست من النسب بل من الرضاع ولا يخفى أن وصله بما قبله غير ظاهر لأن قوله لمحرم بلا رحم لا يشمله لكونه رحما إلا أن يقال قوله بلا رحم الباء فيه للسببية أي لمحرم بسبب غير الرحم كالباء في قوله بعده بالمصاهرة تأمل قوله ( ولمحرم ) عطف على لمحرم فلا يمنع الرجوع قوله ( كأمهات النساء والربائب ) ومثلهم أزواج البنين والبنات خانية قوله ( وأخيه وهو عبد لأجنبي ) أي لأن الهبة لم تقع له حينئذ بل لمولاه لأن العبد لا يملك وإن تملك فهو وما في يده لسيده وفي ألغاز الأشباه أي أب وهب لابنه وله الرجوع فقل إذا كان الابن مملوكا لأجنبي قال الحموي وإنما قيد بكونه مملوكا لأجنبي لأنه إذ كان مملوكا لقريب ذي رحم محرم منه تكون الهبة واقعة للقريب والهبة للقريب لا رجوع فيها وإنما قيد القريب بكونه ذا رحم لإمكان تصور المسألة وإلا فلا يمكن تصورها قوله ( أو لعبد أخيه ) أي وهو أجنبي لأنه لم يهب للأخ صورة وإن وقعت للأخ في الحقيقة لقيام الشك في المانع فلا يثبت مع الشك ولأن الملك لم يقع فيها للقريب من كل وجه بدليل أن العبد أحق بما وهب له إذا احتاج إليه وهذا عند أبي حنيفة وقالا يرجع في الأولى دون الثانية منح عن البحر ومثله في شرح المجمع
قوله ( رجع ) أي في كل الصور عند الإمام وقالا يرجع في الأول لا في الثانية كما علمت لأن الملك يقع للمولى فكان هو المعتبر وللإمام أن الهبة تقع للمولى من وجه وهو ملك الرقبة وللعبد من وجه وهو ملك اليد ألا ترى أنه أحق به ما لم يفضل عن حاجته فباعتبار أحد الجانبين يلزم فيهما وباعتبار الجانب الآخر لا يلزم فيهما فلا يلزم بالشك ولأن الصلة قاصرة في حق كل واحد منهما لما ذكرنا في المعنى والصلة الكاملة هي المانعة من الرجوع فلا تتعدى إلى قاصرة قوله ( ولو كان ذا رحم محرم من الواهب ) بأن كان أخوه لأبيه عبدا لأخيه من أمه ا ه سري الدين عن المبسوط أي لأن الهبة في الصورة وقعت لذي الرحم وكذا في الحقيقة فامتنع الرجوع للوجهين ولو عجز قريبه المكاتب فعند محمد لا يرجع خلافا لأبي يوسف وإن أعتق لا رجوع منح فأفاد أنه لا يرجع ما دام مكاتبا اتفاقا لأنه حر يدا تصوير المسألة بأن يكون لرجل أختان لكل واحدة منهما ولد وأحد الولدين مملوك للآخر قوله ( على الأصح ) وذكر الكرخي عن محمد أن قياس قول الإمام أن يرجع لأنه لم يكن لكل واحد منهما صلة كاملة قوله ( لأن الهبة الخ ) أي فليس في المانع شك قوله ( ما لا يقسم ) أي ما لا يقبلها مع بقاء الانتفاع السابق كما تقدم واحترز به عما وهب لهما ما يقسم فلا تصح لواحد منهما لأن هبة ما يحتمل القسمة لاثنين غير صحيحة لأنه وهب لكل منهما مشاعا كما تقدم قبيل باب الرجوع وبقلبه لا أي لو وهب لاثنين ما يحتمل القسمة لا يصح قوله ( له الرجوع في حق الأجنبي ) اعتبارا للبعض بالكل مبسوط قوله ( هلاك العين الموهوبة ) أي تلف عينها أو عامة منافعها مع بقاء الملك فلو وهبه سيفا فجعله سكينا أو سيفا آخر لا يرجع لتعذر الرجوع بعد الهلاك إذ هو غير مضمون عليه بخلاف شاة ذبحها زيلعي ومكي لو استهلك البعض له أن يرجع بالباقي بزازية والاستهلاك كالهلاك كما هو ظاهر صرح به أصحاب الفتاوى رملي وأما هلاك أحد العاقدين فقد قدمه قوله ( لأنه ينكر الرد ) أي وجوبه عليه وهذه علة لقوله صدق ولأن دعواه الهلاك إخبار منه بهلاك ملكه وأنه لا يوجب يمينا برهان قال العيني فلو ادعى الموهوب له الهلاك صدق لأنه منكر لوجوب الرد عليه فأشبه المودع ا ه بقي قوله بلا حلف عزاه في الدرر وغيره إلى الكافي ولم يذكر العلة مع أن في الوهبانية قال إذا ادعى المودع ضياعها وحدها يستحلف وقد قال العيني فأشبه المودع على أن المقرر وإن كان القول قول المنكر لكنه بيمينه ولأن كل من أنكر ما لو أقر به لزمه يحلف عند إنكاره وهذا لو أقر بعدم الهلاك يلزمه الرد فلم لا يحلف عند إنكاره بدعوى الهلاك والظاهر أن العلة هي عدم تأكد ملك الواهب قال في الخلاصة لو قال الموهوب له هلكت فالقول قوله ولا يمين عليه وعليه الكنز وسائر المتون قوله ( حلف المنكر أنها ليست هذه ) أي ولا يحلف على الهلاك لما سبق والحاصل أنه لا يمين عليه بدعوى الهلاك ما لم يعين الواهب عينا ويدعي أنها هي الهبة لا الهالكة ويريد استردادها وأنكر الموهوب له ذلك وادعى أن الموهوب غيرها حلف قوله ( كما يحلف الواهب الخ ) قال في الهندية وإذا أراد الواهب الرجوع في الهبة فقال الموهوب له أنا أخوك أو قال عوضتك أو تصدقت به علي وكذبه الواهب فالقول للواهب قوله ( الأخ ) الأولى الموهوب له قوله ( مسبب النسب ) يعني المال لا النسب أي ولو كان المقصود النسب لا يجري فيه اليمين على قول الإمام خلافا لقول الصاحبين المفتى به من أن التحليف يجري في النسب
وحاصل التحقيق في هذه المسألة أنه لو ادعى بسبب النسب مالا لازما وكان المقصود إثباته دون النسب فيحلف عليه كما في المنح والطحطاوي وغيرهما حتى قال في البحر يستحلف الواهب عند الكل لأنه ادعى بسبب النسب مالا لازما فكان المقصود إثباته دون النسب وعزاه لفتاوى قاضيخان من باب الاستحلاف ونظر فيه الرحمتي بأن المال ليس بسبب النسب بل المعنى الصحيح أن يقال إن الأمر الذي بسببه النسب وهو مسبب عنه وهو لزوم الهبة وعدم صحة الرجوع فيها وهذا يحلف منكره اتفاقا أما ما قاله الإمام من أنه لا تحليف في النسب أي إذا ادعى عليه نسبا لقصد إثباته أما هنا فالمقصود منه إثبات أمر آخر وهو لزوم الهبة فهو المدعي في الحقيقة ا ه فتأمل ومسبب بضم الميم وفتح السين وتشديد الباء الأولى وفتح الثانية قوله ( ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم ) فلو استردها بغير قضاء ولا رضا كان غاصبا حتى لو هلكت في يده يضمن قيمتها للموهوب له شمني قال قاضيخان وهب ثوبا لرجل ثم اختلسه منه فاستهلكه ضمن الواهب قيمة الثوب للموهوب له لأن الرجوع في الهبة لا يكون إلا بقضاء أو رضا ا ه وفيه الواهب إذا رجع في هبته في مرض الموهوب له بغير قضاء يعتبر ذلك من جميع مال الموهوب له أو من الثلث فيه روايتان ذكر ابن سماعة في القياس يعتبر من جميع ماله ا ه قوله ( للاختلاف فيه ) أي بين العلماء فإن بعض المجتهدين يقول بعدم الرجوع فهو ضعيف لا يثبت حكمه إلا بأحد المذكورين وذكر في الحواشي اليعقوبية أنه لأن الشافعي يخالفنا وفيه كلام وهو أن خلافه متأخر فكيف يبني الحكم المتقدم على ما لم يتحقق بعد والأولى حمله على اختلاف الصحابة لو ثبت ا ه قوله ( فيضمن بمنعه ) يعني لو سأله رد العين الموهوبة بعد قضاء القاضي بصحة الرجوع فيها فامتنع من تسليمها فهلكت لزمه ضمانها بمثلها إن كانت مثلية وإلا فبقيمتها لأنه متعد بالمنع بعد صحة الرجوع بقضاء القاضي أما قبل القضاء لو هلكت سقط الرجوع بالهلاك ولا ضمان عليه بالمنع لأنه غير متعد لأنه إنما منع ملكه إذ لم يصح الرجوع لعدم وجود القضاء ولا رضا مع المنع وقد ملكها بالهبة ولا يعتبر قوله بلسانه رضيت بردها لأن إمساكها ينقضه لكن قوله لا يشترط فيه قبض الواهب يفهم منه أنها تتم بقوله رضيت بردها فليحرر أفاده بعض الأفاضل قال ط وانظر ما لو منعه بعد الرجوع بالرضا وهلك والظاهر أنه يضمن لوجود التعدي كمنعه بعد القضاء أقول وهذا يؤيد بعض ما فهمه بعض الأفاضل حيث ضمنه بالمنع ولم يعده رجوعا تأمل قوله ( بقضاء أو رضا ) على حذف أي قوله ( كان فسخا ) خلافا لزفر في الرجوع بالتراضي كما يأتي عناية قوله ( وإعادة ) بالنصب عطفا على فسخا قوله ( لا هبة للواهب ) أي كما قال زفر رحمه الله تعالى بأن الرجوع بالتراضي عقد جديد فيجعل بمنزلة الهبة المبتدأة عيني قال في البدائع ولو وهب الموهوب له للواهب قبل القضاء أو الرضا وقبله لا يملكه حتى يقبضه فإذا قبضه كان بمنزلة الرجوع بالتراضي أو بقضاء وليس للموهوب له أن يرجع فيه ا ه قوله ( لا يشترط فيه قبض الواهب ) والموهوب يكون أمانة في يد الموهوب له حتى لو هلك لا يضمن هندية قوله ( وصح الرجوع في الشائع ) أي في البعض الشائع الذي يحتمل القسمة كما إذا وهب الدار ثم رجع في نصفها لأن الشيوع طارىء لا أثر له فيها ذكره في العناية قوله ( لما صح فيه ) أي في الشائع ولا يشترط قبض الواهب قوله ( وللواهب رده ) أي بالعيب أي له بعد الرجوع منه رد الموهوب إذا كان اشتراه من رجل ثم بعد الرجوع اطلع على عيب فيه قوله ( مطلقا ) حال من رجوع الواهب أي لأنه فسخ مطلقا بحكم خيار العيب يعني ولم يعلم بالعيب قبل الهبة
وصوره الطحطاوي بما لو اشترى شيئا ثم باعه ثم رد المشتري الثاني على الأول بعيب قديم فإن رده بقضاء كان فسخا فيثبت حق الرد للمشتري الأول على بائعه وإن كان برضا لا لأنه بمنزلة البيع الجديد قوله ( بخلاف الرد بالعيب ) أي لو اشترى شيئا وباعه ورده المشتري الثاني بعد قبضه إياه على المشتري الأول بغير قضاء ليس للمشتري الأول أن يرده على بائعه كما تقدم في بابه لأن حق المشتري في وصف السلامة أي يستحق ما اشتراه سالما من العيوب فحيث وجد به عيبا رفع الأمر للقاضي فيطلب منه إيصاله إلى ما يستحقه من وصف السلامة وحيث كان المبيع معيبا ولم يمكن إيصاله إلى ما يستحقه يفسخ القاضي البيع وليس حقه في الفسخ فإذا تفاسخا بغير قضاء بل بتراضيهما كان إقالة وهي فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق ثالث والبائع الأول ثالثهما ففي حقه يفرض كأن المشتري الأول اشتراه من المشتري الثاني فليس له أن يرده عليه لأنه مشتري منه والمشتري لا يرد علي بائعه بالعيب إذا كان المبيع وصل إلى البائع من جهته ولا على البائع الأول لأن المشتري من شخص لا يرده على غيره وإنما قال بعد القبض لأن رده قبل القبض فسخ مطلقا فيرده على بائعه كما تقدم قوله ( لأن حق المشتري في وصف السلامة لا في الفسخ ) ولهذا لو زال العيب امتنع الرد لوصول حقه إليه وإذا لم يكن سليما فات رضاه فيرجع بالعوض ويلزم منه فسخ العقد ضرورة من غير أن يثبت حقه في الفسخ فإذا لم يكن له حق الفسخ لم يصر مستوفيا حقه فيكون ملكا مبتدأ ضرورة غير أنه إذا حكم الحاكم بالرد عند عجزه عن تسليم حقه جعلناه فسخا لعموم ولايته ولا كذلك المتعاقدان لأنه لا ولاية لهما إلا على أنفسهما بخلاف الهبة فإنها تنعقد موجبة حق الفسخ وهو بالفسخ يكون مستوفيا حقا ثابتا له بالعقد لأن العقد وقع غير لازم فإن رفع رجع إليه عين ملكه كالعارية فيكون فسخا في حق الكل فلا يمكن أن يجعل هبة مبتدأة ا ه منح بتصرف وبهذا ظهر قول المؤلف فافترقا ط قوله ( لا بطلان أثره أصلا ) أي فيما مضى قوله ( وإلا لعاد المنفصل ) أي المتولد من الموهوب أي ولو قلنا ببطلان أثره في الماضي لأوجبنا رد الزوائد المنفصلة من الولد والثمر والأرش التي وجدت عند الموهوب له مع أنه لا يثبت للواهب الرجوع فيها ولأوجبنا عليه زكاة ماله الموهوب إذا رجع فيه لما مضى من السنين مع أنه لا يجب عليه كما سلف والحاصل أنه لو كانت الهبة أمة مثلا فقبضها الموهوب لو ووطئها واستولدها وجنى عليها فقبض أرشها ووطئها غيره فأخذ عقرها ثم رجع عليه الواهب بقضاء أو رضا امتنع عليه وطؤها والتصرف بوجه من الوجوه بعد الفسخ وما أخذه من الأرش والعقر يطيب له لأنه نماء ملكه والولد ولده والواهب إنما يأخذ الأمة فقط وهذا معنى عدم ترتب الأثر في المستقبل لا فيما مضى قوله ( من المواضع السبعة ) لا يظهر في الموت لأن الاتفاق حينئذ من الوارث والباقي أحد العاقدين ويكون الرجوع في العوض بالتراد وفي الهلاك برد البدل قوله ( جاز هذا الاتفاق منهما ) أي على أنه هبة مبتدأة كما بينته عبارة المجتبى فيشترط فيه ما يشترط في الهبة مما تقدم في الشروط ونقل المصنف في آخر الفصل عن المحيط رجل تصدق بصدقة فسلمها إليه ثم تقايلا الصدقة لم يجز حتى تقبض لأنها هبة مستقلة مستأنفة لأنه لا رجوع فيها وكذا الهبة إذا كانت لذي رحم محرم ا ه والحاصل أنه تصح الإقالة في الهبة والصدقة في المحارم بالقبض مع أنه وجد فيها ما يمنع من الرجوع ومع ذلك جاز بتراضيهما لأنا جعلناه هبة مبتدأة ولذا شرط فيها ما يشترط للهبة وحينئذ فلا يظهر ما توقف به الطحطاوي قوله ( في المحارم ) ظاهر تقييده بالمحارم يفيد أن القبض لا يشترط في غيرهم
وفي شرح المصنف وأطلق أبو يوسف في رواية ابن سماعة خلافه تصدق وسلم ثم استقاله فأقاله لم يجز حتى يقبض ا ه وهذا يفيد ما ذكرنا ثم فائدة التقييد بالقبض أنه لو لم يقبضه وتصرف فيه الموهوب له صح تصرفه ونظيره يقال فيما بعده ط قوله ( لأنها ) أي الإقالة هبة أي مستقلة قوله ( وكل شيء يفسخه الحاكم إذا اختصما إليه فهذا حكمه ) أي يفتقر للقبض لكن الذي نحن فيه عدم فسخ القاضي والظاهر أن لفظة لا ساقطة وأصل الكلام وكل شيء لا يفسخه الحاكم كما هو الواقع في الخانية وبه يظهر المعنى ويكون المراد منه تعميم المحارم وغيرهم مما لا رجوع في هبتهم وسيجيء أن المعتمد الصحة ويمكن أن يراد بقوله وكل شيء يفسخه الحاكم الخ أي إن الهبة للمحارم والصدقة مطلقا إذا رفعت للحاكم وأراد صاحبها الرجوع فيها يفسخ دعواه الحاكم بمعنى أنه يبطلها ويحكم عليه بعدم صحتها فإن اتفقا عليها كانت هبة مبتدأ فيشترط لها شروط الهبة وكذا كل ما كان فيها مانع من موانع الرجوع فتأمل قوله ( لأنه غير مقبوض ) لأن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تجوز إلا بأن يسلطه على قبضه والصغير لا قبض له إلا بقبض وليه وهو من عليه الدين فلا يوجد القبض لكن سيجيء أن المعتمد الصحة ويفهم منه جواز عكسه وهو هبة الأب دينا على طفله لأنه مقبوض للأب إذا كان للطفل مال في يده قوله ( قضى ببطلان الرجوع لمانع ) نقله صاحب الدرر من المحيط وهكذا في الذخيرة والخانية وذكر في التبيين وغيره أن الموهوب لو وصيفا فشب عند الموهوب له وكبر وطال ثم صار شيخا فقلت قيمته لم يرجع فيه وعلى هذا جميع الحيوان وعلل بأنه زاد من وجه وانتقص من وجه آخر وحين زاد سقط حق الرجوع فلا يعود وأنت خبير بأنه بين هذا وبين ما ذكر صاحب الذات لم يعد إلى حاله الأول ولكن ذكر الناطفي في أجناسه أنه يرجع ولعل وجهه أن الذات بعد زوال الزيادة هو الذات الأول قوله ( ثم زال المانع ) مبني على ما قدمه في الخانية واعتمده القهستاني لكن في كلامه هناك إشارة إلى اعتماد خلافه قلت ولا يخفى ما في إطلاق الدرر فإن المانع قد يكون خروج الهبة من ملكه ثم تعود بسبب جديد وقد يكون للزوجية ثم تزول وفي ذلك لا يعود الرجوع كما صرحوا به فيما إذا بنى في الدار ثم هدم البناء وفيما إذا وهبها لآخر ثم رجع ولعل المراد زوال المانع العارض فالزوجية وإن زالت لكنها مانع من الأصل والعود بسبب جديد بمنزلة تجدد ملك حادث من جهة غير الواهب فصارت بمنزلة عين أخرى غير الموهوبة بخلاف ما إذا عادت إليه بما هو فسخ هذا ما ظهر لي فتدبره أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى وكتب الطحطاوي لا يظهر في الزوجية والقرابة وهلاك العين والموت والعوض لأنه بيع انتهاء وأما الخروج عن الملك فيزول إذا عاد إليه بفسخ تأمل ا ه والحاصل أن ما يمكن زواله من الموانع السبعة الزوجية والزيادة والعوض والخروج عن ملكه فبزوال الزوجية لا يعود الرجوع وبزوال الثلاثة الباقية يعود الرجوع على ما فيه من التفصيل قوله ( وضمن المستحق الموهوب ) ضمن بتشديد الميم فعل ماض والمستحق فاعله والموهوب مفعوله قوله ( لأنها عقد تبرع ) أي وهو غير عامل له قوله ( فلا يستحق فيه السلامة ) أي في عقد التبرع وهكذا حال المستعير بخلاف عقد المعاوضة لأن عقود المعاوضات يثبت فيها الغرور فللمشتري الرجوع على بائعه وكذا بكل عقد يكون للدافع كالوديعة والإجارة إذا هلكت الوديعة أو العين المستأجرة ثم جاء رجل واستحق الوديعة والمستأجرة وضمن المودع والمستأجر فإنهما يرجعان على الدافع بما ضمنا وكذا كل ما كان في معناهما