Qur'an&Sunnah

Kelâbâzî — et-Taarruf li-Mezhebi Ehli't-Tasavvuf

Bölüm V01/P068–V01/P071

وقال سهل بن عبد الله انتهت همم العارفين إلى الحجب فوقفت مطرقة فأذن لها فسلمت فخلع عليها خلع التأييد وكتب لها براءة من الزيغ وهمم الأنبياء جالت حول العرش فكسيت الأنوار ورفع منها الأقذار واتصلت بالجبار فأفنى حظوظها وأسقط مرادها وجعلها متصرفة به له قال أبو يزيد لو بدا للخلق من النبي ذرة لم يقم لها مادون العرش وقال ما مثل معرفة الخلق وعلمهم بالنبي إلا مثل نداوة تخرج من رأس الزف المربوط قال بعضهم لم ينل أحد من الأنبياء الكمال في التسليم والتفويض غير الحبيب والخليل صلى الله عليهما فلذلك أيس الكبراء عن الكمال وإن كانوا في حال القربة مع تحقيق المشاهدة قال أبو العباس بن عطاء أدنى منازل المرسلين أعلى مراتب النبيين وأدنى منازل الأنبياء أعلى مراتب الصديقين وأدنى منازل الصديقين أعلى مراتب الشهداء وأدنى منازل الشهداء أعلى مراتب الصالحين وأدنى منازل الصالحين أعلى مراتب المؤمنين & الباب الخامس والعشرون قولهم فيما أضيف إلى الأنبياء من الزلل قال الجنيد والنوري وغيرهما من الكبار إن ما جرى على الأنبياء إنما جرى على ظواهرهم وأسرارهم مستوفاة بمشاهدات الحق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى فنسي ولم نجد له عزما وقالوا ولا تصح الأعمال حتى يتقدمها العقود والنيات وما لا عقد فيه ولا نية فليس بفعل وقد نفى الله تعالى الفعل عن آدم بقوله فنسي ولم نجد له عزما قالوا ومعاتبات الحق لهم عليها إنما جاءت إعلاما للأغيار ليعلموا عند إتيانهم المعاصي مواضع الاستغفار وأثبتها بعضهم وقالوا إنها كانت على جهة التأويل والخطإ فيه فعوتبوا عليها لعلو مرتبتهم وارتفاع منازلهم فكان ذلك زجرا لغيرهم وحفظا لمواضع الفضل عليهم وتأديبا لهم وقال بعضهم إنها كانت على جهة السهو الغفلة وجعلوا سهوهم في الأدنى بالأرفع وهكذا قالوا في سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إن الذي شغله عن صلاته كان أعظم من الصلاة لقوله وجعلت قرة عيني في الصلاة فأخبر أن في الصلاة ما تقر به عينه ولم يقل جعلت قرة عيني الصلاة وكل من أثبتها زللا وخطايا فإنهم جعلوها صغائر مقرونة بالتوبة كما قال الله تعالى مخبرا عن صفيه آدم وزوجته عليهما السلام ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقوله فتاب عليه وهدى وفي داود عليه السلام وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب & الباب السادس والعشرون قولهم في كرامات الأولياء اجمعوا على إثبات كرامات الأولياء وإن كانت تدخل في باب المعجزات كالمشي على الماء وكلام البهائم وطي الأرض وظهور الشئ في غير موضعه ووقته وقد جاءت الأخبار بها وصحت الروايات ونطق بها التنزيل من قصة الذي عنده علم من الكتاب في قوله تعالى أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك وقصة مريم حين قال لها زكريا أنى لك هذا قالت هو من عند الله وقصة الرجلين اللذين كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجا فأضاء لهما سوطاهما وغير ذلك وجواز ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وغير عصره واحد وذلك أنه إذا كانت في عصر النبي للنبي صلى الله عليه وسلم على معنى التصديق له كان في غير عصره على معنى التصديق وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين نادى سارية قال لسارية يا سارية بن حصن الجبل الجبل وعمر بالمدينة على المنبر وسارية في وجه العدو على مسيرة شهر والأخبار في هذا كثيرة وافرة وإنما أنكر جواز ذلك من أنكر لأن فيه زعم إبطال النبوات لأن النبي لا يظهر عن غيره إلا بمعجزة يأتي بها تدل على صدقه ويعجز عنها غيره فإذا ظهرت على يدي غيره لم يكن بينه وبين من ليس بنبي فرق ولا دليل على صدقه قالوا وفيه تعجيز الله عن إظهار نبي عن من ليس بنبي

Bölüm V01/P071–V01/P074

وقال أبو بكر الوراق النبي لم يكن نبيا للمعجزة وإنما كان نبيا بإرسال الله تعالى إياه ووحيه إليه فمن أرسله الله وأوحى إليه فهو نبي كانت معه معجزة أو لم تكن ووجب على من دعاه الرسول الإجابة له وإن لم يره معجزة وإنما كانت المعجزات لإثبات الحجة على من أنكر ووجوب كلمة العذاب على من عاند وكفر وإنما وجبت الإجابة للنبي بدعوته لأنه يدعوه إلى ما أوجب الله عليه من توحيده ونفي الشركاء عنه وإتيان ما ليس في العقل استحالته بل وجوبه أو جوازه والأصل في ذلك أنهما عينان نبي ومتنبي فالنبي صادق والمتنبي كاذب وهما يشتبهان في الصورة والتركيب وأجمعوا أن الصادق يؤيده الله بالمعجزة والكاذب لا يجوز له ما يكون للصادق لأن في هذا تعجيز الله عن إظهار الصادق من الكاذب فأما إذا كان ولي صادق وليس بنبي فإنه لا لا يدعي النبوة ولا ما هو كذب وباطل وإنما يدعو إلى ما هو حق وصدق فإن أظهر الله عليه كرامة لم يقدح ذلك في نبوة النبي ولا أوجب شبهة فيها لأن الصادق يقول ما يقوله النبي ويدعو إلى ما يدعوا إليه النبي فظهور الكرامة له تأييد لنبي وإظهار لدعوته وإلزام لحجته وتصديقه فيما يدعوه ويدعيه من النبوة وإثبات توحيد الله عز وجل وجوز بعضهم أن يرى الله أعداءه في خاصة أنفسهم وفيما لا يوجب شبهة ما يخرج من العادات ويكون ذلك استدراجا لهم وسببا لهلاكهم وذلك انها تولد في أنفسهم تعظما وكبرياء ويرون أنها كرامات لهم استأهلوها بأعمالهم واستوجبوها بأفعالهم فيتكلون على أعمالهم ويرون لهم الفضل على الخلق فيزرون بعباده ويأمنون مكره ويستطيلون على عباده وأما الأولياء فإنهم إذا ظهر لهم من كرامات الله شئ ازدادوا لله تذللا وخضوعا وخشية واستكانة وإزراء بنفوسهم وإيجابا لحق الله عليهم فيكون ذلك زيادة لهم في أمورهم وقوة على مجاهداتهم وشكرا لله تعالى على ما أعطاهم فالذي للأنبياء معجزات وللأولياء كرامات وللأعداء مخادعات وقال بعضهم إن كرامات الأولياء تجري عليهم من حيث لا يعلمون والأنبياء تكون لهم المعجزات وهم بها عالمون بإثباتها ناطقون لأن الأولياء قد يخشى عليهم الفتنة مع عدم العصمة والأنبياء لا يخشى عليهم الفتنة بها لأنهم معصومون قالوا وكرامة الولي بإجابة عوة وتمام حال وقوة على فعل وكفاية مؤنة يقوم لهم الحق بها وهي مما يخرج عن العادات ومعجزات الأنبياء إخراج الشئ من العدم إلى الوجود وتقليب الأعيان وجوز بعض المتكلمين وقوم من الصوفية إظهارها على الكذابين من حيث لا يعلمون وقت ما يدعونها فيما لا يوجب شبهة كما روى في قصة فرعون من جرى النيل معه وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحيية فيما يخيل إليه قالوا إنما جاز ذلك لأنهما ادعيا ما لا يوجب شبهة لأن أعيانهما تشهد على كذبهما فيما ادعياه من الربوبية واختلفوا في الولي هل يجوز أن يعرف أنه ولي أم لا فقال بعضهم لا يجوز ذلك لأن معرفة ذلك تزيل عنه خوف العاقبة وزوال خوف العاقبة يوجب الأمن وفي وجوب المن زوال العبودية لأن العبد بين الخوف والرجاء قال الله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وقال الأجلة منهم والكبار يجوز أن يعرف الولي ولايته لأنها كرامة من الله تعالى للعبد والكرامات والنعم يجوز أن يعلم ذلك فيقتضي زيادة الشكر والولاية ولايتان ولاية تخرج من العداوة وهي لعامة المؤمنين فهذه لا توجب معرفتها والتحقق بها للأعيان لكن من جهة العموم فيقال المؤمن ولي الله ولاية اختصاص واصطفاء واصطناع وهذه توجب معرفتها والتحقق بها ويكون صاحبها محفوظا عن النظر إلى نفسه فلا يدخله عجب ويكون مسلوبا من الخلق بمعنى النظر إليهم بحظ فلا يفتنونه ويكون محفوظا عن آفات البشرية وإن كان طبع البشرية قائما معه باقيا فيه فلا يستحلى حظا من حظوظ النفس استحلاء يفتنه في دينه واستحلاء الطبع قائم فيه وهذه هي خصوص الولاية من الله للعبد

Bölüm V01/P074–V01/P076

ومن كان بهذه الصفة لم يكن للعدو إليه طريق بمعنى الإغواء لقوله جل وعز إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وهو مع هذا ليس بمعصوم من صغيرة ولا كبيرة فإن وقع في أحديهما قارنته التوبة الخالصة والنبي معصوم لا يجري عليه كبيرة بإجماع ولا صغيرة عند بعضهم وزوال خوف العاقبة ليس بممتنع بل هو جائز فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنهم من أهل الجنة وشهد للعشرة بالجنة والراوي له سعيد ابن زيد وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم توجب سكونا إليها وطمأنينة بها وتصديقا لها وهذا يوجب الأمن من التغيير وزوال خوف التبديل لا محالة والروايات التي جاءت في خوف المبشرين من قول أبي بكر رضي الله عنه يا ليتني كنت تمرة ينقرها الطير وقول عمر رضي الله عنه ياليتني كنت هذه النبتة ليتني لم أك شيئا وقول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وددت أني كبش فيذبحني أهلي ويأكلون لحمي ويحسون مرقي وقول عائشة رضي الله عنها يا ليتي كنت ورقة من هذه الشجرة وهي من شهد لها عمار بن ياسر على منبر الكوفة فقال اشهد أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة إنما كان ذلك منهم خوفا من جريان المخالفات عليهم إجلالا لله تعالى وتعظيما لقدره ووهبية له وحياء منه بأنهم أجلوا الحق أن يخالفون وإن لم يعاقبهم كما قال عمر رضي الله عنه نعم المرء صهيب لولم يخف الله لم يعصه يعني أن صهيبا ليس يترك المعصية لله خوف عقوبته ولكنه يتركها إجلالا له وتعظيما لقدره وحياء منه فخوف المبشرين لم يكن خوفا من التغيير والتبديل لأن خوف التغيير والتبديل مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم يوجب شكا في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ولم يكن ذلك خوف عقوبه في النار دون الخلود فيها لعلمهم بأنهم لا يعاقبون بالنار على ما يكون منهم لأنها إما أن تكون صغائر فتكون مغفورة باجتناب الكبائر أو بما يصيبهم من البلوى في الدنيا قال عبد الله بن عمر فيما روى عن أبي بكر الصديق قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أقرئك آية أنزلت على قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم ما أصابني إلا أني وجدت انقصاما في ظهري فتمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك يا أبا بكر فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزون بما عملنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة أو تكون كبائر فتقارنها التوبة لا محالة فتصح بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة على أن هذا الحديث قد بين أنه يأتي يوم القيامة ولا ذنب له قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ولو كان كما قال بعض الناس إنهم بشروا بالجنة ولم يبشروا بأنهم لا يعاقبون فكان خوفهم من النار وإن علموا أنهم لا يخلدون فيها لكان المبشرون وغيرهم من المؤمنين في ذلك سواء لأنهم لا محالة مخرجون منها ولو جاز دخول أبي بكر وعمر النار مع قول النبي صلى الله عليه وسلم هما سيا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين جاز دخول الحسن والحسين مع قوله هما سيدا شباب أهل الجنة فإن كانت سادة أهل الجنة يجوز أن يدخلهم الله النار ويعذبهم بها لم يجز أن يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يعذب بالنار وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم اتعما

Bölüm V01/P076–V01/P079

فإن كان هذان يدخلان النار ويخزيان فيها لأن الله تعالى قال إنك من تدخل النار فقد أخزيته فكيف بغيرهما وقال ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال هكذا نبعث يوم القيامة فإن جاز دخولهما النار جاز دخول الثالث وقال النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب فقال عكاشة بن محصن الأسدي يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت منهم وأبو بكر وعمر أفضل من عكاشة لا محالة لقول النبي صلى الله عليه وسلم هما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين فكيف يجوز أن يدخل عكاشة الجنة بغير حساب وهو دونهما في الفضل وهما في النار فهذا غلط كبير فقد صح بهذه الأخبار أنهما لا يجوز أن يكونا معذبين بالنار مع شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهما بالجنة فقد تبين أمنهما فمهما قيل فيهما وفي غيرهما من المبشرين كان ذلك قولا فيمن سواهما من الأولياء من جواز الأمن وأما طريق معرفة سائر الأولياء دون المبشرين إذ كان المبشرون إنما علموا ذلك بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لم يكن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرهم فإنهم إنما يعرفون بما يحدث الله فيهم من اللطائف التي يخص بها أولياءه وبما يورد على أسرارهم من الأحوال التي هي أعلام ولايته من اختصاصه لهم به وجذبه لهم مما سواه إليه وزوال العوارض عن أسرارهم وفناء الحوادث لهم والصوارف عنه إلى غيره ووقوع المشاهدات والمكاشفات التي لا يجوز أن يفعلها الله تعالى إلا بأهل خاصته ومن اصطفاه لنفسة في أزله مما لا يفعل مثلها في أسرار أعدائه فقد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لم يفضلكم بكثرة الصوم والصلاة ولكن فضلكم بشئ وقر في صدره أو في قلبه فهذا معنى الحديث ويؤمنهم أن يجدوا في أسرارهم كرامات ومواهب وأنها على الحقيقة وليست بمخادعات كالذي كان للذي آتاه آياته فانسلخ منها ومعرفتهم أن أعلام الحقيقة لا يجوز أن يكون كأعلام الخداع والمكر لأن أعلام المخادعات تكون في الظاهر من ظهور ما خرج من العادة من ركون المخدوع بها إليها واغترارهم بها فيظنوا أنها علامات الولاية والقرب وهو في الحقيقة خداع وطرد ولو جاز أن يكون ما يفعله بأولياءه من الاختصاص كما يفعله بأعدائه من الاستدراج لجاز أن يفعل انبياءه ويلعنهم كما فعل بالذي آتاه آياته وهذا لا يجوز أن يقال في الله عز وجل ولو جاز أن يكون للأعداء أعلام الولاية وأمارات الاختصاص ويكون دلائل الولاية لا تدل عليها لم يقم للحق دليل بته وليست اعلام الولاية من جهة حلية الظواهر وظهور ما خرج من العادة لهم فقط لكن أعلامها إنما تكون في السرائر بما يحدث الله تعالى فيها مما يعلمه الله تعالى ومن يجده في سره & الباب السابع والعشرون قولهم في الإيمان الإيمان عند الجمهور منهم قول وعمل ونية ومعنى ة النية التصديق وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان قالوا أصل الإيمان إقرار اللسان بتصديق القلب وفروعه العمل بالفرائض وقالوا الإيمان في الظاهر والباطن والباطن شئ واحد وهو القلب والظاهر أشياء مختلفة وأجمعوا أن وجوب الإيمان ظاهرا كوجوبه باطنا وهو الإقرار غير أنه قسط جزء من أجزاء الظاهر دون جميعه ولما كان قسط الباطن من الإيمان قسط جميعه وجب أن يكون قسط الظاهر من الإيمان قسط جميعه وقسط جميعه هو العمل بالفرائض لأنه يعم جميع الظاهر كما عم التصديق جميع الباطن وقالوا الإيمان يزيد وينقص

Bölüm V01/P079–V01/P082

وقال الجنيد وسهل وغيرهما من المتقدمين منهم إن التصديق يزيد ولا ينقص ونقصانه يخرج من الإيمان لأنه تصديق بأخبار الله تعالى وبمواعيده وأدنى شك فيه كفر وزيادته من جهة القوة واليقين وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص وعمل الأركان يزيد وينقص وقال قائل منهم المؤمن اسم الله تعالى قال الله جل جلاله السلام المؤمن المهيمن وهو يؤمن المؤمن بإيمانه من عذابه والمؤمن إذا أقر وصدق وأتى بالأعمال المفترضات وانتهى عن المنهيات أمن من عذاب الله ومن لم يأت بشئ من ذلك فهو مخلد في النار والذي اقر وصدق وقصر في الأعمال فجائز أن يكون معذبا غير مخلد فهو آمن من الخلود غير آمن من العذاب فكان أمنه ناقصا غير كامل وأمن من أتى بها كلها أمنا تاما غير ناقص فوجب أن يكون نقصان أمنه لنقصان إيمانه إذ كان تمام أمنه لتمام إيمانه وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم إيمان من قصر في واجب بالضعف فقال وذلك أضعف الإيمان وهو الذي يرى المنكر فينكره بباطنه دون ظاهره فأخبر ان إيمان الباطن دون الظاهر إيمان ضعيف ووصفه بالكمال فقال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا والأخلاق تكون في الظاهر والباطن فما عم الجميع وصف بالكمال وما لم يعم الجميع وصف بالضعف وقال بعضهم زيادة الإيمان ونقصانه من جهة الصفة لا من جهة العين فزيادة الإيمان من جهة الجودة والحسن والقوة ونقصانه من نقصانها لا من جهة العين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع وهن مريم وفاطمة وخديجة وعائشة رضي الله عنهن ولم يكن نقصان سائر النساء من جهة أعيانهن ولكن من جهة الصفة ووصفهن أيضا بنقصان العقل والدين وفسر نقصان دينهن بتركهن الصلاة والصيام في الحيض والدين الإسلام وهو والإيمان واحد عند من لا يرى العمل من الإيمان وسئل بعض الكبراء عن الإيمان فقال الإيمان من الله لا يزيد ولا ينقص ومن الأنبياء يزيد ولا ينقص ومن غيرهم يزيد وينقص فمعنى قوله من الله لا يزيد ولا ينقص أن الإيمان صفة لله تعالى وهو موصوف به قال الله تعالى السلام المؤمن المهيمن وصفات الله لا توصف بالزيادة والنقصان ويجوز ان يكون الإيمان من الله جل وعز هو الذي قسمه للعبد منه في سابق علمه لا يزيد وقت ظهوره ولا ينقص عما علمه منه وقسمه له والأنبياء في مقام المزيد من الله تعالى من جهة القوة واليقين ومشاهدات أحوال الغيوب كما قال الله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وسائر المؤمنين يزيد إيمانهم في بواطنهم بالقوة واليقين وينقص من فروعه بالتقصير في الفرائض وارتكاب المناهي والأنبياء معصومون عن ارتكاب المناهي ومحفوظون في الفرائض عن التقصير فلا يوصفون بالنقصان في شئ من أوصافهم في حقائق الإيمان & الباب الثامن والعشرون قولهم في حقائق الإيمان قال بعض الشيوخ حقائق الإيمان أربعة توحيد بلا حد وذكر بلا بت وحال بلا نعت ووجد بلا وقت معنى حال بلا نعت أن يكون وصفه حاله حتى لا يصف حالا من الأحوال الرفيعة إلا وهو بها موصوف ووجد بلا وقت أن يكون مشاهدا للحق في كل وقت وقال بعضهم من صح إيمانه لم ينظر إلى الكون وما فيه لأن خساسة الهمة من قلة المعرفة بالله تعالى وقال بعضهم صدق الإيمان التعظيم لله وثمرته الحياء من الله وقيل المؤمن مشروح الصدر بنور الإسلام منيب القلب إلى ربه شهيد الفؤاد لربه سليم اللب متعوذ بربه محترق بقربه صارخ من بعده وقال بعضهم الإيمان بالله مشاهدة ألوهيته وقال أبو القاسم البغدادي الإيمان هو الذي يجمعك إلى الله ويجمعك بالله والحق واحد والمؤمن متوحد ومن وافق الأشياء فرفته الأهواء ومن تفرق عن الله بهواه وتبع شهوته وما يهواه فاته الحق ألا ترى أنه امرهم بتكرير العقود عند كل خطرة ونظره فقال يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء

Bölüm V01/P082–V01/P085

وقال النبي صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد بطنه تعس عبد فرجه تعس عبد الخميصة وسألت بعض مشايخنا عن الإيمان فقال هو أن يكون الكل منك مستجيبا في الدعوة مع حذف خواطر الانصراف عن الله بسرك فتكون شاهدا لما له غائبا عما ليس له وسألته مرة أخرى عن الإيمان فقال الإيمان مالا يجوز إتيان ضده ولا ترك تكليفه وفي قوله يا أيها الذين آمنوا يا أهل صفوتي ومعرفتي يا أهل قربي ومشاهدتي وجعل بعضهم الإيمان والإسلام واحدا وفرق بعضهم بينهما فقال من فرق بينهما الإسلام عام والإيمان خاص وقال بعضهم الإسلام ظاهر والإيمان باطن وقال بعضهم الإيمان تحقيق واعتقاد والإسلام خضوع وانقياد وقال بعضهم التوحيد سر وهو تنزيه الحق عن دركه والمعرفة بر وهو أن تعرفه بصفاته والإيمان عقد القلب بحفظ السر ومعرفة البر والإسلام مشاهدة قيام الحق بكل ما أنت به مطالب & الباب التاسع والعشرون قولهم في المذاهب الشرعية إنهم يأخذون لأنفسهم بالأحوط والأوثق فيما اختلف فيه الفقهاء وهم مع إجماع الفريقين فيما أمكن ويرون اختلاف الفقهاء صوابا ولا يعترض الواحد منهم على الآخر وكل مجتهد عندهم مصيب ولك من اعتقد مذهبا في الشرع وصح ذلك عنده بما يصح مثله مما يدل عليه الكتاب والسنة وكان من أهل الاستنباط فهو مصيب باعتقاده ذلك ومن لم يكن من اهل الاجتهاد اخذ بقول من أفتاه ممن سبق إلى قلبه من الفقهاء انه اعلم وقوله حجة له وأجمعوا على تعجيل الصلوات وهو الأفضل عندهم مع التيقن بالوقت ويرون تعجيل أداء جميع المفترضات عند وجوبها لا يرون التقصير والتأخير والتفريط فيها إلا لعذر ويرون تقصير الصلاه في السفر ومن أدمن السفر منهم ولم يكن له مقر أتم الصلاة ورأوا الفطر في السفر جائزا ويصومون واستطاعة الحج عندهم الإمكان من أي وجه كان ولا يشترطون الزاد والراحلة فقط قال ابن عطاء الاستطاعة اثنان حال ومال فمن لم يكن له حال يقله ولا مال يبلغه لا يجب عليه & الباب الثلاثون قولهم في المكاسب أجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث وغير ذلك مما أباحته الشريعة على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات وانها تعمل للتعاون وحسم الأطماع ونية العود على الأغيار والعطف على الجار وهي عندهم واجبة لمن ربط به غيره ممن يلزمه فرضه وسبيل المكاسب عند الجنيد على ما سبق من الشرط سبيل الأعمال المقربة إلى الله عز وجل ويشتغل العبد بها على حسب ما يشتغل في إتيان ما ندب إليه من النوافل لا على ان بها تجلب الأرزاق وتجر المنافع وهي عند غيره مباح للفرد ليس بواجب عليه من غير أن يقدح في توكله أو يجرح دينه والاشتغال بوظائف الحق أولى واحق والإعرض عنه عند صحة التوكل والثقة بالله أوجب وقال سهل لا يصح الكسب لأهل التوكل إلا لاتباع السنة ولا لغيرهم إلا للتعاون هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم من أقاويلهم في كتبهم ممن ذكرنا أساميهم ابتداء وما سمعناه من الثقات ممن عرف أصولهم وتحقق مذاهبهم والذي فهمناه من رزموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم قال وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم ومن تدبر كلامهم وتفحص كتبهم علم صحة ما حكيناه ولولا أنا كرهنا الإطالة والإكثار لكنا نذكر مكان ما حكيناه من كلامهم من كتبهم نصا ودلالة إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح ونذكر الآن بعض ما تخصصوا به من أقاؤيلهم وما استعملوه من ألفاظهم مما تفردوا به والعلوم التي عنوا بها وما يدور كلامهم عليه ونشرح بعض ما يمكن شرحه وبالله نستعين ولا حول وقوة إلا بالله العلى العظيم & الباب الحادي والثلاثون علوم الصوفية علوم الأحوال أقول وبالله التوفيق اعلم أن علوم الصوفية علوم الأحوال والأحوال مواريث الأعمال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال

Bölüm V01/P085–V01/P088

وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها وهى علم الأحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه من الصلاة والصوم وسائر الفرائض إلى علم المعاملات من النكاح والطلاق والمبايعات وسائر ما أوجب الله تعالى وندب إليه وما لاغناء به عنه من أمور المعاش وهذه علوم التعلم والاكتساب فأول ما يلزم العبد الاجتهاد فى طلب هذا العلم وإحكامه على قدر ما أمكنه ووسعه طبعه وقوى عليه فهمه بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة على طريق الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح عليه القدر الذي يتيقن بصحة ما عليه أهل السنة والجماعة فإن وفق لما فوقه من نفى الشبه التى تعترضه من خاطر أو ناظر فذاك وإن أعرض عن خواطر السوء اعتصاما بالجملة التي عرفها وتجافى عن المناظر الذي يحاجه فيه ويجادله عليه وباعده فهو في سعة إن شاء الله عز وجل واشتغل باستعمال علمه وعمل بما علم فأول ما يلزمه علم آفات النفس ومعرفتها ورياضتها وتهذيب أخلاقها ومكائد العدو وفتنة الدنيا وسبيل الاحتراز منها وهذا العلم علم الحكمة فإذا استقامت النفس على الواجب وصلحت طباعها وتأدبت بآداب الله عز وجل من زم جوارحها وحفظ أطرافها وجمع حواسها سهل عليه إصلاح أخلاقها وتطهير الظاهر منها والفراغ مما لها وعزوفها عن الدنيا وإعراضها عنها فعند ذلك يمكن العبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر وهذا هو علم المعرفة ثم وراء هذا علوم الخواطر وعلوم المشاهدات المكاشفات وهى التى تختص بعلم الإشارة وهو العلم الذى تفردت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم التى وصفناها وإنما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق بل تعلم بالمنازلات والمواحيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحل تلك المقامات روى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله وعن عبد الواحد بن زيد قال سألت الحسن عن علم الباطن فقال سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال سألت رسول الله عن علم الباطن فقال سألت جبريل عن علم الباطن فقال سألت الله عز وجل عن علم الباطن فقال هو سر من سرى أجعله فى قلب عبدى لا يقف عليه أحد من خلقى قال أبو الحسن بن أبى ذر فى كتابه منهاج الدين أنشدونا للشبلى علم التصوف علم لا نفاد له علم سنى سماوى ربوبى فيه الفوائد للأرباب يعرفها أهل الجزالة والصنع الخصوصى ثم لكل مقام بدء ونهاية وبينهما أحوال متفاوتة ولكل مقام علم وإلى كل حال إشارة ومع كل مقام إثبات ونفى وليس كل ما نفى فى مقام كان منفيا فيما قبله ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه وهو كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لا إيمان لمن لا أمانة له فنفى إيمان الأمانة لا ايمان العقد والمخاطبون أدركوا ذلك إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة أو جاوزوه إلى ما فوقه وكان عليه السلام مشرفا على أحوالهم فصرح لهم فأما من لم يشرف على أحوال السامعين وعبر عن مقام فنفى فيه وأثبت جاز أن يكون فى السامعين من لم يحل ذلك المقام وكان الذى نفاه القائل مثبتا فى مقام السامع فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم فخطأ قائله أو بدعه وربما كفره فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ فى علومها تعارفوها بينهم ورمزوا بها فأدركه صاحبه وخفى على السامع الذى لم يحل مقامه فأما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه أو يسوء ظنه به فيهوس قائله وينبه إلى الهذيان وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره قال بعض المتكلمين لأبي العباس بن عطاء ما بالكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بها على السامعين وخرجتم عن اللسان المعتاد هل هذا إلا طلب للتمويه أو ستر لعوار المذهب

Bölüm V01/P088–V01/P091

فقال أبو العباس ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه لعزته علينا كيلا يشربها غير طائفتنا ثم اندفع يقول أحسن ما أظهره ونظهره بادئ حق للقلوب نشعره يخبرني عني وعنه أخبره أكسوه من رونقه ما يستره عن جاهل لا يستطيع ينشره يفسد معناه إذا ما يعبره فلا يطبق اللفظ بل لا يعشره ثم يوافي غيره فيخبره فيظهر الجهل وتبدو زمره ويدرس العلم ويعفو أثره وأنشدونا أيضا له إذا أهل العبارة ساءلونا أجبناهم بأعلام الإشاره نشير بها فنجعلها غموضا تقصر عنه ترجمة العباره ونشهدها وتشهدنا سرورا له في كل جارحة إثاره ترى الأقوال في الأحوال أسرى كأسر العارفين ذوي الخسارة الباب الثاني والثلاثون في التصوف ما هو سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفارسي يقول أركان التصوف عشرة أولها تجريد التوحيد ثم فهم السماع وحسن العشرة وإيثار الإيثار وترك الاختيار وسرعة الوجد والكشف عن الخواطر وكثرة الأسفار وترك الاكتساب وتحريم الادخار معنى تجريد التوحيد أن لا يشوبه خاطر تشبيه أو تعطيل وفهم السماع أن يسمع بحاله لا بالعلم فقط وإيثار الإيثار أن يؤثر على نفسه غيره بالإيثار ليكون فضل الإيثار لغيره وسرعة الوجد ان لا يكون فارغ السر مما يثير الوجد ولا ممتلئ السر مما يمنع من سماع زواجر الحق والكشف عن الخواطر أن يبحث عن كل ما يخطر على سره فيتابع ما للحق ويدع ما ليس له وكثرة الأسفار لشهود الاعتبار في الآفاق والأقطار قال الله تعالى أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق قيل في قوله عز وجل قل سيروا في الأرض قال بضياء المعرفة لا بظلمة النكرة ولقطع الأسباب ورياضة النفوس وترك الاكتساب لمطالبة النفوس بالتوكل وتحريم الادخار في حالة لا في واجب العلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي مات من أهل الصفة وترك دينارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيه & الباب الثالث والثلاثون في الكشف عن الخواطر قال بعض الشيوخ الخاطر على أربعة أوجه خاطر من الله عز وجل وخاطر من الملك وخاطر من النفس وخاطر من العدو فالذي من الله تنبيه والذي من الملك حث على الطاعة والذي من النفس مطالبة الشهوة والذي من العدو تزيين المعصية فبنور التوحيد يقبل من الله وبنور المعرفة يقبل من الملك وبنور الإيمان ينهى النفس وبنور الإسلام يرد على العدو & الباب الربع والثلاثون في التصوف والاسترسال قال الجنيد التصوف حفظ الأوقات قال وهو أن لا يطالع العبد غير حده ولا يوافق غير ربه ولا يقارن غير وقته وقال ابن عطاء التصوف الاسترسال مع الحق قال أبو يعقوب السوسي الصوفي هو الذي لا يزعجه سلب ولا يتعبه طلب قيل للجنيد ما التصوف قال لحوق السر بالحق ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب لقوة الروح والقيام مع الحق وسئل الشبلي لم سميت الصوفية صوفيه قال لأنها ارتسمت بوجود الرسم وإثبات الوصف ولو ارتسمت بمحو الرسم لم يكن إلا اسم الرسم ومثبت الوصف فأحالهم على رسمومهم وأنكر أن يكون للمتحقق رسم أو وصف قال أبو يزيد الصوفية أطفال في جحر الحق قال أبو عبد الله النباجي مثل التصوف مثل علة البرسام في أولها هذيان فإذا تمكنت أخرست يعني أنه يعبر عن مقامه وينطق بعلم حاله فإذا كوشف تحير وسكت سمعت فارسا يقول متى تظاهر في خواطر الهجوس على دواعي ملمات النفوس وجد السبيل إلى ترجيح الأولى فيقع النشر وأما الوصلة فإنها تحجب مو لإملاء فيكون المرجع إلى الخرس عن كل نفس سئل النورى عن التصوف فقال نشر مقام واتصال بقوام قيل له فما أخلاقهم قال إدخال السرور على غيرهم والإعراض عن أذاهم

Bölüm V01/P091–V01/P094

قال الله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين معنى نشر مقام هو أن يعبر عن حاله إذا عبر لا عن حال غيره بلسان العلم ومعنى اتصال بقوام هو أن يحمله حاله فى حاله عن حال غيره وأنشدونا للنورى أزعجتنى عن نعوت الحال بالحال وكيف ينعت من لا قال بالقال ما كل من يدعى حالا تصدقه حتى يترجم عنه صاحب الحال ونريد أن نخبر الآن ببعض المقامات على لسان القوم من غير بسط كراهة الإطالة ونحكى من مقالات المشايخ فيها ما قرب منها إلى الأفهام دون الرموز الخفية والإشارات الدقيقة ونبدأ بالتوبة & الباب الخامس والثلاثون قولهم فى التوبة سئل الجنيد بن محمد عن التوبة ما هي فقال هو نسيان ذنبك وسئل سهل عن التوبة فقال هو أن لا تنسى ذنبك فمعنى قول الجنيد أن تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجا لا يبقى له فى سرك أثر حتى تكون بمنزلة من لا يعرف ذلك قط وقال رويم معنى التوبة أن تتوب من التوبة معناه ما قالت رابعة أستغفر الله من قلة صدقى فى قولي أستغفر الله سئل الحسين المغازلى عن التوبة فقال تسألني عن توبة الإنابة أو توبة الاستجابة فقال السائل ما توبة الإنابة قال أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك قال فما توبة الاستجابة قال أن تستحى من الله لقربه منك قال ذو النون توبة العام من الذنب وتوبة الخاص من الغفلة وتوبة الأنبياء من رؤية عجزهم عن بلوغ ما ناله غيرهم وقال النورى التوبة أن تتوب من ذكر كل شىء سوى الله جل وعز قال إبراهيم الدقاق التوبة أن تكون لله وجها بلا قفا كما كنت له قفا بلا وجه والله الموفق & الباب السادس والثلاثون قولهم فى الزهد قال الجنيد الزهد خلو الأيدى من الأملاك والقلوب من التتبع قال على بن أبى طالب رضى الله عنه وسئل عن الزهد ما كان فقال هو أن لا تبالى من أكل الدنيا من مؤمن أو كافر قال يحيى الزهد ترك البد قال مسروق الزاهد الذى لا يملكه مع الله سبب سئل الشبلى عن الزهد فقال ويلكم أى مقدار لأقل من جناح بعوضة حتى يزهد فيها قال أبو بكر الواسطى كم تصول بترك كنيف وإلى متى تصول بإعراضك ما لا يزن عند الله جناح بعوضة وسئل الشبلى عن الزهد فقال لا زهد فى الحقيقة لأنه إما أن يزهد فيما ليس له فليس ذلك بزهد أو يزهد فيما هو له فكيف يزهد فيه وهو معه وعنده فليس إلا ظلف النفس وبذل ومواساة كأنه جعل الزهد ترك الشىء فيما ليس له وما ليس له لا يصح له تركه لأنه متروك وما هو له لا يمكنه تركه & الباب السابع والثلاثون قولهم فى الصبر قال سهل الصبر انتظار الفرج من الله تعالى قال وهو أفضل الخدمة وأعلاها وقال غيره الصبر أن تصبر فى الصبر معناه أن لا تطالع فيه الفرج قال بعضهم صابر الصبر فاستغاث به الصبر فنادى الصبور يا صبر صبرا قال سهل فى قوله واستعينوا بالصبر والصلاة أى استعينوا بالله واصبروا على أمر الله واصبروا على أدب الله سبحانه قال سهل الصبر مقدس تقدس به الأشياء قال أبو عمرو الدمشقى فى قوله تعالى مسني الضر أى مسنى الضر فصبرنى لأنك أرحم الراحمين وقال غيره مسنى الضر الذى تخص به أنبيائك وأوليائك بلا استحقاق منى لكن لأنك أرحم الراحمين وقال بعضهم إنما جزع من أجله لا من أجل نفسه وذلك أن الألم استولى على بدنه فخاف زوال عقله أنشدونا لأبى القاسم سمنون تجرعت من حاليه نعمى وابؤسا زمان إذا أمضى عزاليه احتسى فكم غمرة قد جرعتني كؤوسها فجرعتها من بحر صبرى أكؤسا تدرعت صبرى والتحقت صروفه وقلت لنفسى الصبر أو فاهلكى أسا خطوب لو أن الشم زاحمن خطبها لساخت ولم تدرك لها الكف ملمسا & الباب الثامن والثلاثون قولهم فى الفقر

Bölüm V01/P094–V01/P097

قال أبو محمد الجريرى الفقر أن لا تطلب المعدوم حتى تفقد الموجود معناه أن لا تطلب الأرزاق إلا عند خوف العجز عن القيام بالفرض قال ابن الجلاء الفقر أن لا يكون لك فإذا كان لك لا يكون لك على معنى قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قال أبو محمد رويم بن محمد الفقر عدم كل موجود وترك كل مفقود وقال الكنانى إذا صح الافتقار إلى الله صح الغنى بالله لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر قال النورى نعت الفقير السكون عند العدم والبذل والإيثار عند الوجود وقال بعض الكبراء الفقير هو المحروم من الإرفاق والمحروم من السؤال لقوله عليه السلام لو أقسم على الله لأبره فدل أنه لا يقسم قال الدراج فتشت كنف أستاذى أريد مكحلة فوجدت فيه قطعة ( فضة ) فتحيرت فلما جاء قلت له إنى وجدت فى كنفك قطعة قال قد رأيتها ردها ثم قال خذها واشتر بها شيئا فقلت له ما كان أمر هذه القطعة بحق معبودك قال ما رزقنى الله من الدنيا صفراء ولا بيضاء غيرها فأردت أن أوصى أن تشد فى كفنى فأردها إلى الله عز وجل سمعت أبا القاسم البغدادى يقول سمعت الدورى يقول كنا ليلة العيد مع أبى الحسن النورى فى مسجد الشونيزى فدخل علينا إنسانا فقال للنورى أيها الشيخ غدا العيد ماذا أنت لابسه فأنشأ يقول قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه فقلت خلعة ساق عبده جرعا فقر وصبر هما ثوباى تحتهما قلب يرى ربه الأعياد والجمعا أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بها يوم التزاور فى الثوب الذى خلعا الدهر لى مأتم إن غبت يا أملى والعيد مادمت لى مرأى ومستمعا سئل بعض الكبراء ما الذى منع الأغنياء عن العود بفضول ما عندهم على هذه الطائفة فقال ثلاثة أشياء أحدها أن الذى فى أيديهم غير طيب وهؤلاء خالصة الله وما اصطنع إلى أهل الله فمقبول ولا يقبل الله تعالى إلا الطيب والثانى أنهم مستحقون فيحرم الآخرون بركة العود عليهم والثواب فيهم والثالث أنهم مرادون بالبلاء فيمنعهم الحق عن العود عليهم ليتم مراده فيهم سمعت فارسا يقول قلت لبعض الفقراء مرة ورأيت عليه أثر الجوع والضر لم لا تسأل الناس فيطعموك قال أخاف أن أسألهم فيمنعونى فلا يفلحوا وقد بلغنى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لو صدق السائل ما أفلح من منعه & الباب التاسع والثلاثون قولهم فى التواضع سئل الجنيد عن التواضع فقال هو خفض الجناح وكسر الجانب قال رويم التواضع تذلل القلوب لعلام الغيوب قال سهل كمال ذكر الله المشاهدة وكمال التواضع الرضا به وقال غيره التواضع قبول الحق من الحق للحق وقال آخر التواضع الافتخار بالقلة والاعتناق للذلة وتحمل أثقال أهل المله & الباب الأربعون قولهم فى الخوف قال أبوعمرو الدمشقى من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من العدو قال أحمد السيد حمدويه الخائف الذى يخافه المخلوقات قال أبو عبدالله بن الجلاء الخائف الذى تأمنه المخلوقات قال ابن خبيق الخائف الذى يكون بحكم كل وقت فوقت تخافه المخلوقات ووقت تأمنه الذى تخافه المخلوقات هو الذى غلب عليه الخوف فصار خوفا كله فيخافه كل شىء كما قيل من خاف الله خافه كل شىء والذى أمنته المخاوف هو الذى إذا طرقت المخاوف أذكاره لم تؤثر فيه لغيبته عنها بخوف الله تعالى ومن غاب عن الأشياء غابت الاشياء عنه أنشدونا يحرق بالنار من يحس بها فمن هو النار كيف يحترق قال رويم الخائف الذى لا يخاف غير الله معناه لا يخافه لنفسه وإنما يخافه إجلالا له والخوف للنفس خوف العقوبة قال سهل الخوف ذكر والرجاء أنثى معناه منهما يتولد حقائق الإيمان وقال إذا خاف العبد غير الله ورجا الله تعالى أمن الله خوفه وهو محجوب & الباب الحادى والأربعون قولهم فى التقوى قال سهل التقوى مشاهدة الأحوال على قدم الانفراد معناه أن يتقى مما سوى الله سكونا إليه واستحلاء له وفى قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم أى بجميع استطاعتكم

Bölüm V01/P097–V01/P101

قال سهل ما استطعتم إظهار الفقر والفاقة إليه قال محمد بن سنجان التقوى ترك ما دون الله قال سهل فى قوله تعالى ولكن يناله التقوى منكم قال هو التبرى وهو الاخلاص قال غيره أصل التقوى مجانية النهى ومباينة النفس فعلى قدر ما فاتهم من حظوظ أنفسهم أدركوا اليقين أنشدونا للنورى إنى اتقيتك لا مهابة من محاذرة المصير إنى وكيف وأنت لى إلف يفوق مدى السمير توفى السرائر سرها وتحوط مكنون الضمير لكن أجلك أن أجل سواك للخطر الحقير & الباب الثانى والأربعون قولهم فى الاخلاص قال الجنيد الإخلاص ما أريد به الله من أى عمل كان قال رويم الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل سمعت فارسا يقول قدم على أبى بكر القحطبى قوم من الفقراء من أهل خراسان فقال لهم أبوبكر بم يأمركم شيخكم يعنى أباعثمان فقالوا يأمرنا بكثرة الطاعة مع التزام رؤية التقصير فيها فقال ويحه ألا يأمركم بالغيبة عنها برؤية مبديها قيل لأبى العباس بن عطاء ما الخالص من الأعمال قال ما خلص من الآفات قال أبويعقوب السوسى الخالص من الأعمال ما لم يعلم به ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا النفس فتعجب به معناه انقطاع العبد إلى الله جل وعز والرجوع إليه من فعله والله الموفق & الباب الثالث والأربعون قولهم فى الشكر قال الحارث المحاسبى الشكر زيادة الله للشاكرين معناه إذا شكر زاده الله توفيقا فزاد شكرا قال أبوسعيد الخزاز الشكر الاعتراف للمنعم والاقرار بالربوبية قال أبو على الروذبارى لو كل جارحة منى لها لغة تثنى عليك بما أوليت من حسن لكان ما زاد شكرى إذ شكرت به إليك أزيد فى الإحسان والمنن قال بعض الكبراء الشكر هو الغيبة عن الشكر برؤية المنعم قال يحيى بن معاذ لست بشاكر مادمت تشكر وغاية الشكر التحير وذلك أن الشكر نعمة من الله يجب الشكر عليها وهذا لا يتناهى أنشدونا لابى الحسن النورى سأشكر لا أنى لا أجازيك منعما بشكرى ولكن كى يقال له الشكر وأذكر أيامى لديك وحسنها وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر كان بعض الكبراء يقول فى مناجاته اللهم إنك تعلم عجزى عن مواضع شكرك فاشكر نفسك عنى & الباب الرابع والأربعون قولهم فى التوكل قال سرى السقطى التوكل الانخلاع من الحول والقوة وقال ابن مسروق التوكل الاستسلام لجريان القضاء فى الأحكام قال سهل التوكل الاسترسال بين يدى الله تعالى قال أبوعبدالله القرشى التوكل ترك الإيواء إلا إلى الله قال أبوأيوب التوكل طرح البدن فى العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية قال الجنيد حقيقة التوكل أن يكون لله تعالى كما لم يكن فيكون الله له كما لم يزل قال أبوسعيد الخراز قامت الكفايات من السيد لأهل مملكته فاستغنوا عن مقامات التوكل عليه ليكفيهم فما أقبح التقاضى بأهل الصفاء جعل التوكل عليه لأجل الكفاية تقاضى القيام بالكفاية كما قال الشبلى التوكل كدية حسنة قال سهل كل المقامات لها وجه وقفا غير التوكل فإنه وجه بلا قفا يريد توكل العناية لا توكل الكفاية وهو أن لا يطالبه بالأعواض وقال بعضهم التوكل سر بين العبد وبين الله معناه كما قال بعض الكبراء حقيقة التوكل ترك التوكل وهو أن يكون الله لهم حيث كان لهم إذ لم يكونوا موجودين قال بعض الكبار لإبراهيم الخواص إلى ماذا أدى بك التصوف فقال إلى التوكل فقال ويحك بعد أن تسعى فى عمران بطنك معناه إن توكلك عليه لاجل نفسك احتزاز من مكروه يصيبها & الباب الخامس والأربعون قولهم فى الرضا قال الجنيد الرضا ترك الاختيار قال الحارث المحاسبى الرضا سكون القلب تحت جريان الحكم قال ذو النون الرضا سرور القلب بمر القضاء قال رويم الرضا استقبال الأحكام بالفرح قال ابن عطاء الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد فإنه اختار له الأفضل قال سفيان عند رابعة اللهم ارض عنى فقالت له أما تستحى أن تطلب رضا من لست عنه براض قال سهل إذا اتصل الرضا بالرضوان اتصلت الطمأنينة فطوبى لهم وحسن مآب يريد قوله جل وعز رضي الله عنهم ورضوا عنه

Bölüm V01/P101–V01/P104

فمعناه الرضا فى الدنيا تحت مجارى الأحكام يورث الرضوان فى الآخرة بما جرت به الأقلام قال الله تعالى وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فهو قول الفريقين من أهل الجنة والنار من الموحدين من أهلها فإن المشركين لا يؤذن لهم فى الحمد لأنهم محجوبون أنشدونا للنورى إن الرضا لمرارات تجرعها عن القنوع إذا ما استعذب الكدر عواقب أشهدت بعض الحضور فما يرعى التكثر إلا ناقة نزر & الباب السادس والأربعون قولهم فى اليقين قال الجنيد اليقين ارتفاع الشك قال النورى اليقين هو المشاهدة قال ابن عطاء اليقين ما زالت عنه المعارضة على دوام الوقت قال ذو النون كل ما رأته العيون نسب إلى العلم وما علمته القلوب نسب إلى اليقين وقال غيره اليقين عين القلب قال عبدالله اليقين اتصال البين وانفصال ما بين البين معناه قول حارثة كأنى أنظر إلى عرش ربى بارزا اتصلت رؤيته بالغيب وارتفع ما بينه وبين الغيب من الحجب قال سهل اليقين المكاشفة كما قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وبالله التوفيق & الباب السابع والأربعون قولهم فى الذكر حقيقة الذكر أن تنسى ما سوى المذكور فى الذكر لقوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت يعنى إذا نسيت ما دون الله فقد ذكرت الله وقال النبى صلى الله عليه وسلم سبق المفردون قيل ومن المفردون يا رسول الله فقال الذاكرون كثيرا والذاكرات والمفرد الذى ليس معه غيره وقال بعض الكبار الذكر طرد الغفلة فإذا ارتفعت الغفلة فأنت ذاكر وإن سكت وأنشدونا للجنيد ذكرتك لا أنى نسيتك لمحة وأيسر ما فى الذكر ذكر لسانى سمعت أبا القاسم البغدادى يقول سألت بعض الكبار فقلت ما بال نفوس العارفين تتبرم بالأذكار وتستروح إلى الأفكار وليس يفضي الفكر إلى مقر ولأذكارها أعواض تسر فقال استصغرت ثمرات الأذكار فلم تحملها عن مكابداتها وبهرها شرف ما وزاء الأفكار فغيبها عن ألم مجاهداتها معنى قوله استصغرت ثمرات الأذكار لأنها كلها حظوظ النفس والعارفون قد أعرضوا عن النفوس وحظوظها وأما أفكارهم فإنها تكون في جلال الله وهيبته ومنته وإحسانه فهي تفكر فيما لله تعالى عليها إجلالا له وتعرض عما لها عند الله حرمة له في قوله عليه السلام خبرا عن الله عز وجل من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين معناه من شغله مشاهدة عظمتي عن ذكر لسانه لأن ذكر اللسان كله مسئلة وأخرى أن مشاهدة العظمة تحيره فتقطعه عن الذكر له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنشدونا للنوري أريد دوام الذكر من فرط حبه فيا عجبا من غيبة الذكر في الوجد وإعجب منه غيبة الواجد تارة وغيبة عين الذكر في القرب والبعد قال الجنيد من قال الله عن غير مشاهدة فهو مفترى يدل على صحة قوله قول الله تعالى قالوا نشهد إنك لرسول الله ثم قال والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أكذبهم الله وإن كانت الكلمة صدقا لانها لم تكن عن مساهدة وقال غيره القلب للمشاهدة واللسان للعبارة عن المشاهدة فمن عبر عن غير مساهدة فهو شاهد زور أنشدونا لبعض الكبار أنت الموله لي لا الذكر ولهنى حاشا لقلبي أن يعلق به ذكرى الذكرى واسطة يحجبك عن نظرى أذا توشحه من خاطري فكري معناه الذكر صفة الذاكر فإن غبت في ذكرى كانت غيبتي في وإنما يحجب العبد عن مشاهدة مولاه أوصافه قال سرى السقطي صحبت زنجبيا في البرية فرأيته كلما ذكر الله تغير لونه وابيض فقلت يا هذا أرى عجبا إنك كلما ذكرت الله حالت لبستك وتغيرت صفتك فقال يا أخي أما أنك لو ذكرت الله حق ذكره لحالت لبستك وتغيرت صفتك ثم أنشأ يقول ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر فأفنى به عنى وأبقى به له اذ الحق عنه مخبر ومعبر

Bölüm V01/P104–V01/P108

انشدونا لابن عطاء أرى الذكر أصنافا من الذكر حشوها وداد وشوق يبعثان على الذكر فذكرأليف النفس ممتزج بها يحل محل الروح في طرفها يسري وذكر يعزي النفس عنها لأنه لها متلف من حيث تدري ولا تدري وذكر علا منى المفارق والذرى يجل عن الأدراك بالوهم والفكر يراه لحاظ العين يالقلب رؤية فيجفو عليه أن يشاهد بالذكر صنف الذكر أصنافا فالأول ذكر القلب وهو أن يكون المذكور غير منسي فيذكر والثاني ذكر أوصاف المذكور والثالث شهود المذكور فيفني عن الذكر لأن أوصاف المذكور تفنيك عن أوصافك فتفنى عن الذكر & الباب الثامن والأربعون & قولهم في الأنس سئل الجنيد عن الأنس ما هو فقال الأنس إرتفاع الحشمة مع وجود الهبيبة معنى ارتفاع الحشمة أن يكون الرجاء أغلب عليه من الخوف وسئل ذو النون عن الأنس فقال هو انبساط المحب إلى الحبوب معناه ما قال الخليل عليه السلام أرني كيف تحيي الموتى وما قال الكليم عليه السلام أرني أنظر إليك وقوله لن تراني شبه العذر أي لا تطيق وسئل إبراهيم المارستاني عن الأنس فقال هو فرح القلب بالمحبوب وسئل الشبلي عن الأنس فقال هو وحشتك منه وقال ذو النون أدنى مقام الأنس أن يلقى في النار فلا يغيبه ذلك عمن أنس به وقال بعضهم الأنس هو أن يستأنس بالأذكار فيغيب به عن رؤية الأغيار أنشدونا لرويم شغلت قلبي بما لديك فما ينفك طول الحياة من فكرى أنستني منك بالوداد وقد أوحشتني من جميع ذا البشر ذكرك لي مؤنس يعارضنى يوعدني عنك منك بالظفر وحيث ما كنت يامدى هممي فأنت مني بموضع النظر & الباب التاسع والأربعون قولهم في القرب سئل سرى السقطي عن القرب فقال هوالطاعة وقال غيره القرب أن يتدلل عليه ويتذلل له لقوله عز وجل واسجد واقترب سئل رويم عن القرب فقال إزالة كل معترض وسئل غيره عن القرب فقال هو أن نشاهد أفعاله بك معناه أن ترى صنائعه ومننه عليك وتغيب فيها عن رؤية أفعالك ومجاهداتك وأخرى أن لا تراك فاعلا لقوله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقوله فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وانشدونا للنودى أراني جمعي في فنائي تقربا وهيهات إلا منك عنك التقرب فما عنك لي صبر ولا فيك حيلة ولا منك لي بد ولا عنك مهرب تقرب قوم بالرجا فوصلتهم فما لي بعيدا منك والكل يعطب معناه أراني حالي أن جمعي بك وفنائي عما سواك تقرب إليك والجمع والفناء صفتان ولا يكون القرب منك بصفتي بل بك يكون القرب إليك منك ثم قال تقرب إليك أقوام بأفعالهم وطاعاتهم فوصلتهم تفضلا منك وليست لي أفعال أتقرب بها إليك وأنا أهلك شوقا إلى القرب منك ولا سبيل لي إليه من حيث أنا أنشدونا للنورى أيضا يامن أشاهده عنى فأحسبه مني قريبا وقد عزت مطالبه إذا سمت نفسي سلوة عنه ردني إليه شهود ليس تفنى عجائبه معنى السلوة الإياس يقول كلماأيست من حيث أنا ردني عن الإياس ما منه من الفضل الذي بدا به وقال الشبلى قد تحيرت فيك خذ بيدي يا دليلا لمن تحير فيك & الباب الخمسون & قولهم في الإتصال معنى الإتصال أن ينفصل بسره عما سوى الله فلا يرى بسره بمعنى التعظيم غيره ولا يسمع إلا منه قال النوري الإتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار مكاشفات القلوب كقول حارثة كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ومشاهدات الأسرار كقوله عليه السلام اعبد الله كأنك تراه وكقول ابن عمر كنا نتراءى الله في ذلك المكان وقال بعضهم الاتصال وصول السر إلى مقام الذهول معناه أن يشغله تعظيم الله عن تعظيم سواه وقال بعض الكبار الاتصال أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه قال سهل حر كوا بالبلاء فتحركوا ولو سكنوا اتصلوا & الباب الحادي والخمسون & قولهم في المحبة قال الجنيد المحبة ميل القلوب معناه أن يميل قلبه إلى الله وإلى ما الله من غير تكلف

Bölüm V01/P108–V01/P111

وقال غيره المحبة هي الموافقة معناه الطاعة له فيما أمر والإنتهاء عما زجر والرضا بما حكم وقدر قال محمد بن علي الكتاني المحبة الإيثار للمحبوب قال غيره المحبة إثار ما تحب لمن تحب قال أبو عبد الله النباجي المحبة لذة في المخلوق واستهلاك في الخالق معنى الإستهلاك أن لا يبقي لك حظ ولا يكون لمحبتك علة ولا تكون قائما بعلة قال سهيل من أحب الله فهو العيش ومن أحب فلا عيش له معنى هو العيش انه يطيب عيشه لأن المحب يتلذذ بكل ما يرد عليه من المحبوب من مكروه أو محبوب ومعنى لا عيش له لأنه يطلب الوصول إليه ويخاف الإنقطاع دونه فيذهب عيشه وقال بعض الكبار المحبة لذة والحق لا يتلذذ به لأن مواضع الحقيقة دهش وإستيفاء وحيرة فمحبة العبد لله تعظيم يحل الأسرار فلا يستجيز تعظيم سواه ومحبة الله للعبد هو أن يبليه به فلا يصلح لغيره وهو معنى قوله تعالى واصطنعتك لنفسي ومعنى لا يصلح لغيره أن لا يكون فيه فضل لمراقبة الأغيار ومراعاة الأحوال قال بعضهم المحبة على وجهين محبة الإقرار وهو للخاص والعام ومحبة الوجد من طريق الإصابة فلا يكون فيه رؤية النفس والخلق ولا رؤية الأسباب والأحوال بل يكون مستغرقا في رؤية ما لله ومامنه أنشدونا لبعضهم أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له فلست أرى الكون حتى أراكا فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا قال ابن عبد الصمد هي التي تعمى وتصم تعمي عما سوى المحبوب فلا يشهد سواه مطلوبا قال النبي صلى الله عليه وسلم حبك الشيئ يعمي ويصم انشد أصمني الحب إلا عن تسامره فمن رأى حب حب يورث الصمما وكف طرفي إلا عن رعايته والحب يعمى وفيه القتل إن كتما وأنشد أيضا فرط المحبة حال لا يقاومها رأى الأصيل إذا محذوره قهرا يلذ إن عدلت منه قوارعه وإن تزيد في تعديله بهرا & فصل إن للقوم عبارات تفردوا بها واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم نخبر ببعض ما يحضر ونكشف معانيها بقول وجيز وإنما نقصد في ذلك إلى معنى العبارة دون ما تتضمنه العبارة فإن مضمونها لا يدخل تحت الإشارة فضلا عن الكشف وأما كنه أحوالهم فإن العبارة عنها مقصورة وهي لأربابها مشهورة & الباب الثاني والخمسون قولهم في التجريد والتفريد فمعنى التجريد أن يتجرد بظاهره عن الأعراض وبباطنه عن الأعواض وهو ألا ياخذ من عرض الدنيا شيئا ولا يطلب على ما ترك منها عوضا من عاجل ولا آجل بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى لا لعلة غيره ولا لسبب سواه ويتجرد بسره عن ملاحظة المقامات التي يخلها والأحول التي ينازلها بمعنى السكون إليها والإعتناق لها والتفريد أن يتفرد عن الأشكال وينفرد في الأحوال ويتوحد في الأفعال وهو أن تكون أفعاله لله وحده فلا يكون فيها رؤية نفس ولا مراعاة خلق ولا مطالعة عوض ويتفرد في الأحوال عن الأحوال فلا يرى لنفسه حالا بل يغيب برؤية محولها عنها ويتفرد عن الأشكال فلا يأنس بها ولا يستوحش منها وقيل التجريد أن لا يملك والتفريد أن لا يملك أنشدونا لعمرو بن عثمان المكي تفرد بالله الفريد فريد فظل وحيدا والمشوق وحيد وذاك لأن المفردين رأيتهم على طبقات والدنو بعيد فمن مفرد يسمو بهمة قلبه عن الملك جمعا فهو عنه يحيد وأدمن سيرا في السمو توحدا وكل وحيد بالبلاء فريد وآخر يسمو في العلو تفردا عن النفس وجدا فهي منه تبيد وآخر مفكوك من الأسر بالفنا فأصبح خلوا واجتباه ودود فالذي أدمن سيرا في السمو متوحد بالبلاء لأنه لا سبيل له إلى ما يطلب ولا يساكن شيئا دونه والذي تفرد عن النفس وجدا فلا يحس بالبلاء والذي فك من أسر النفس بالفناء عنها هو المجتبي المقرب المتفرد بالحقيقة & الباب الثالث والخمسون قولهم في الوجد

Bölüm V01/P111–V01/P114

ومعنى الوجد هو ما صادف القلب من فزع أو غم أو رؤية معنى من أحوال الآخرة أو كشف حالة بين العبد الله عز وجل قالوا وهو سمع القلوب وبصرها قال الله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال أو ألقى السمع وهو شهيد فمن ضعف وجده تواجد والتواجد ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره ومن قوى تمكن فسكن قال الله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله قال النوري الوجد لهيب ينشأ في الأسرار ويسنح عن الشوق فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلك الوارد وقالوا الوجد مقرون بالزوال والمعرفة ثابتة بالله تعالى لا تزول أنشدونا للجنيد الوجد يطرب من في الوجد راحته والوجد عند حضور الحق مفقود قد كان يطربني وجدي فاشغلني عن رؤية الوجد مافي الوجد موجود وأنشدونا لبعض الكبار أبدى الحجاب فذل في سلطانه عز الرسوم وكل معنى يحضر هيهات يدرك بالوجود وإنما لهب التواجد رمز عجز يقهر لا الوجد يدرك غير رسم داثر والوجد بدثر حين يبدو المنظر قد كنت أطرب للوجود مروعا طور يغيبني وطورا أحضر أفنى الوجود بشاهد مشهوده أفنى الوجود وكل معنى يذكر وقال بعضهم الوجد بشارات الحق بالترقي إلى مقامات مشاهاته وأنشدونا لبعضهم من جاد بالوجد أحرى أن يجود بما يفنى الوجود من الأفضال والمنن أيقنت حين بدا بالوجد يبعثني إن الجواد به يوفي على الحسن وللشبلي الوجد عندي جحود مالم يكن عن شهودي وشاهد الحق عندي يفني شهود الوجود & الباب الرابع والخمسون ( قولهم في الغلبة ) الغلبة حال تبدو للعبد لا يمكنه معها ملاحظة السبب ولا مراعاة الادب ويكون مأخوذا عن تمييز ما يستقبله فربما خرج إلى بعض ما ينكر عليه من لم يعرف حاله ويرجع على نفسه صاحبه إذا سكنت غلبات ما يجده ويكون الذي غلب عليه خوف أو هيبة أو إجلال أو حياء أو بعض هذه الأحوال كما جاء في الحديث عن أبي لبابة بن عبد المنذر حين إستشاره بنو قريظة لما استنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم على حكم سعد بن معاذ فأشار بيده إلى حلقة أنه ذبح ثم ندم على ذلك وعلم أنه قد خان الله ورسوله فانطلق على وجهه حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت فهذا لما غلب عليه الخوف من الله عز وجل حال بينه وبين أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هو الواجب عليه لقول الله عز وجل ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول الآية وليس في الشريعة ارتباط بالسواري والعمد وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما أن استبطاه أما لو جاءني لإستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فماأنا بالذي اطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه فلما علم الله صدقه وأن ذلك صدر عنه لغلبة الخوف عليه غفر له فأنزل الله توبته فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم فأبو لبابة رضي الله عنه لما أن غلب عليه الخوف لم يمكنه ملاحظة السبب وهو استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية ولم يمكنه مراعاة الأدب والأدب أن يعتذر إلى من أذنب إليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وكما غلب على عمر رضي الله عنه حمية الدين حين اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يصالح المشركين عام الحديبية فوثب عمر حتى أتى أبا بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر أليس هذا برسول الله قال بلى قال ألسنا بالمسلمين قال بلى قال أليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال أبو بكر يا عمر إلزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله

Bölüm V01/P114–V01/P117

فقال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله ثم غلب عليه ما يجد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه فقال له مثل ما قال لأبي بكر وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم كما أجابه أبو بكر حتى قال أنا اعبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني فكان عمر يقول فما زلت اصوم وأتصدق وأعتق وأصلي من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا وكاعتراضه على النبي صلى الله عليه وسلم أيضا حين صلى على عبد الله ابن أبي قال عمر فتحولت حتى قمت في صدره وقلت يا رسول الله أتصلي على هذا وقد قال يوم كذا كذا يعدد أياما له حتى قال له أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت وصلى عليه فقال عمر فعجب لي وجرأتي على رسول الله ومنه حديث أبي طيبة حين حجم النبي صلى الله عليه وسلم فشرب دمه وذلك محظور في الشريعة ولكن فعله في حال الغلبة فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وقال لقد احتظرت بحظائر من النار فهذه كلها وأمثالها كثيرة تدل على أن حالة الغلبة حالة صحيحة ويجوز فيها ما لا يجوز في حال السكون ويكون الساكن فيها بما هو أرفع منه في الحال أمكن وأتم حالة كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه & الباب الخامس والخمسون & قولهم في السكر وهو أن يغيب عن تمييز الأشياء ولا يغيب عن الأشياء وهوأن لا يميز بين مرافقة وملاذه وبين اضدادها في مرافقة الحق فإن غلبات وجود تسقطه عن المييز بين ما يؤلمه ويلذه كما روي في بعض الروايات في حديث حارثة أنه قال استوى عندي حجرها ومدرها وذهبها وفضتها وكما قال عبد الله بن مسعود ما أبالي على أي الحالين وقعت على غنى أو فقر إن كان فقرا فإن فيه الصبر وإن كان غنى فإن فيه الشكر ذهب عنه التمييز بين الأرفق وضده وغلب عليه رؤية ما للحق من الصبر والشكر وأنشد بعضهم قد استولى على قلبي هواك ومالي في فؤادي من سواك فلو قطعتني في الحب إربا لما حن الفؤاد إلى سواك والصحو الذي هو عقيب السكر هو أن يميز فيعرف المؤلم من الملذ فيختار المؤلم في موافقة الحق ولا يشهد الألم بل يجد لذة في المؤلم كما جاء عن بعض الكبار أنه قال لو قطعني البلاء إربا إربا ما ازددت لك إلا حبا حبا وعن أبي الدرداء أنه قال أحب الموت اشتياقا إلى ربي وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي وأحب الفقر تواضعا لربي وعن بعض الصحابة أنه قال يا حبذا المكروهان الموت والفقر وهذه الحالة أتم لأن صاحب السكر يقع على المكروه من حيث لا يدري ويغيب عن وجود التكره وهذا يختار الآلام على الملاذ ثم يجد اللذة فيما يؤلمه بغلبة شهود فاعله والصاحي الذي نعته قبل نعت السكر ربما يختار الالام على الملاذ لرؤية ثواب أو مطالعة عوض وهو متألم في الآلام ومتلذذ في الملاذ فهو نعت الصحو والسكر وأنشدونا لبعض الكبار كفاك بأن الصحو أوجد أنني فكيف بحال السكر والسكر أجدر 5 فحالاك لي حالان صحو وسكره فلا زلت في حالي أصحو وأسكر معناه أن حالة التمييز إذا أسقط عني مالي وأوجد مالك فكيف يكون حاله السكر وهو سقوط التميز عني ويكون الله هو الذي يصرفني في وظائفي ويراعيني في أحوالي وهاتان حالتان تجريان علي وهما لله تعالى لا لي فلا زلت في هاتين الحالتين ابدا & الباب السادس والخمسون & قولهم في الغيبة والشهود فمعنى الغيبة أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها وهى اعنى الحظوظ قائمة معه موجودة فيه غير أنه عنها بشهود ما للحق كما قال أبو سليمان الداراني وبلغه أنه قيل للاوزاعي رأينا جاريتك الزرقاء في السوق فقال أو زرقاء هى فقال سليمان انفتحت عيون قلوبهم وانطبقت عيون رؤوسهم أخبر أن غيبته عن رزقتها كانت مع بقاء لذة الحور فيه بقوله أو زرقاء هى والشهود أن يرى حظوظ نفسه

Bölüm V01/P117–V01/P120

ومعنى ذلك أن يأخذ ما يأخذ بحال العبودية وخضوع البشرية لا للذة والشهوة وغيبة أخرى وراء هذه وهى أن يغيب عن الفناء والفاني بشهود البقاء والباقي لا غير كما أخبر حارثة عن نفسه ويكون الشهود شهود عيان ويكون غيبته عما غاب غيبة شهود الضر والنفع لا غيبة استتار واحتجاب وأنشدونا للنورى شهدت ولم أشهد لحاظا لحظته وحسب لحاظ شاهد غير مشهد وغبت مغيبا غاب للغيب غيبه فلاح ظهور غيبه غير مفقد وعبر عن الشهود بعض مشائخنا فقال الشهود أن تشهد ما تشهد مستصغرا له معدوم الصفة لما غلب عليك من شاهد الحق كما جاء ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل وكما قال موسى عليه السلام إن هي إلا فتنتك رأى السامرى معدوم الصفة في شهود الحق وأنشدونا للنورى تسترت عن دهرى بستر همومه محيرة في قدر من جل عن قدرى فلا الدهر يدرى أننى عنه غائب ولا أنا أدري بالخطوب إذا تجرى إذا كان كلى قائما بوفائه فلست أبالي ما حييت يد الدهر & الباب السابع والخمسون & قولهم في الجمع والتفرقة أول الجمع جمع الهمة وهو أن تكون الهموم كلها هما واحدا وفي الحديث من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله سائر همومه ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك وهذه حال المجاهدة والرياضة والجمع الذي يعنيه أهله هو أن يصير ذلك حالا له وهو أن لا تتفرق همومه فيجمعها تكلف العبد بل تجتمع الهموم فتصير بشهود الجامع لها هما واحدا ويحصل الجمع إذ كان بالله وحده دون غيره والتفرقة التى هي عقيب الجمع هو أن يفرق بين العبد وبين همومه في حظوظه وبين طلب مرافقه وملاذه فيكون مفرقا بينه وبين نفسه فلا تكون حركاته لها وقد يكون المجموع ناظرا إلى حظوظه في بعض الاحوال غير أنه ممنوع منها قد حيل بينه وبينها لا يتأتى له منها شيء وهو غير كاره لذلك بل مريد له لعلمه بأنه فعل الحق به واختصاصه له وجذبه إياه مما دونه سئل بعض الكبار عن الجمع ما هو فقال جمع الاسرار بما ليس منه بد وقهرها فيه اذ لا شبه له ولا ضد وقال غيره جمعهم به حين وصلهم بالقصور عنه وفرقهم عنه حين طلبوه بما منهم فسنح التشتيت لارتياده بالاسباب وحصل الجمع حين شاهدوه في كل باب قالتفرقة التى عبر عنها هي التي قبل الجمع معناه أن التقرب إليه بالاعمال تفرقه وإذا شاهدوه مقربا لهم فهو الجمع أنشدونا لبعض الكبار الجمع أفقدهم من حيث هم قدما والفرق أوجدهم حينا بلا أثر فاتت نفوسهم والفوت فقدهم في شاهد جمعوا فيه عن البشر وجمعهم عن نعوت الرسم محوهم عما يؤثره التلوين بالغير والحين حال تلاشت في قديمهم عن شاهد الجمع إضمار بلا صور حتى توافى لهم في الفرق ما عطفت عليهم منه حين الوقت في الحضر فالجمع غيبتهم والفرق حضرتهم والوجد والفقد في هذين بالنظر معنى قوله الجمع أفقدهم من حيث هم أى علمهم بوجودهم للحق في علمه بهم أفقدهم من الحين الذي صاروا موجودين له فجعل الجمع حالة العدم حيث لم يكن إلا علم الحق بهم والفرق حالة ما أخرجهم من العدم إلى الوجود قوله فاتت نفوسهم أي رأوها حين الوجود كما كانوا إذ هم فقود لا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يتغير علم الله فيهم وجمعهم هو أن يمحوهم عن نعوت الرسم وهي أفعالهم وأوصافهم في أنها لا تؤثر أثر تلوين وتغيير بل تكون على ما علم الله جل وعز وقدر وحكم فتلاشت حالهم حين وجودهم في قديم العلم إذ كانوا معدمين لا موجودين مصورين وإذا أوجدهم أجرى عليهم ما سبق لهم منه فالجمع أن يغيبوا عن حضورهم وشهودهم إياهم متصرفين والفرق أن يشهدوا أحوالهم وأفعالهم والوجد والفقد حالتان متغايرتان لهم لا للحق تعالى قال أبو سعيد الخراز معنى الجمع أنه أوجدهم نفسه في أنفسهم بل أعدمهم وجودهم لانفسهم عند وجودهم له

Bölüm V01/P120–V01/P122

معناه قوله كنت له سمعا وبصرا ويدا فبى يسمع وبي يبصر الخبر وذلك أنهم كانوا يتصرفون بأنفسهم لا لأنفسهم فصاروا متصرفين للحق بالحق & الباب الثامن والخمسون & قولهم في التجلي والاستتار قال سهل التجلي على ثلاثة أحوال تجلي ذات وهي المكاشفة وتجلي صفات الذات وهي موضع النور وتجلى حكم الذات وهي الآخرة وما فيها معنى قوله تحلى ذات وهي المكاشفة كشوف القلب في الدنيا كقول عبد الله بن عمر كنا نتراءى الله في ذلك المكان يعني في الطواف وقال النبي صلى الله عليه وسلم اعبد الله كأنك تراه وكشوف العيان في الآخرة ومعنى قوله تجلى صفات الذات وهي موضع النور هو أن تتجلى له قدرته عليه فلا يخاف غيره وكفايته له فلا يرجو سواه وكذلك جميع الصفات كما قال حارثة كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا كأنه تجلى له كلامه في أخباره فصار الخبر له كالمعاينة وتحلى حكم الذات يكون في الآخرة فريق في الجنة وفريق في السعير قال بعض الكبار علامة تجلى الحق للاسرار هو أن لا يشهد السر ما يتسلط عليه التعبير أو يحويه الفهم فمن عبر أو فهم فهو خاطر استدلال لا ناظر إجلال معناه أن يشهد ما لا يمكنه العبارة عنه أي التعبير عنه لانه لا يشهد إلا تعظيما وهيبة فيمنعه ذلك عن تحصيل ما شاهد من الحال وأنشدونا لبعضهم إذا ما بدت لي تعاظمتها فأصدر في حال من لم يرد أجده إذا غبت عني به وأشهد وجدي له قد فقد فلا الوصل يشهدني غيره ولا أنا أشهده منفرد جمعت وفرقت به عني ففرد التواصل مثنى العدد معناه إذا بدت الحقيقة غلب على التعظيم فأغيب في شاهد التعظيم عن شهود التحصيل فأكون كمن لم يبد له وإنما يكون وجودي له إذا غبت عني وإذا غبت فقد وجودي فحالة الوصل الذي هو فنائي عني لا يشهدني غيره وحالة الانفراد وقيامي بصفتي يغييبني عن شهوده فكأن جمعي به فرقني عني فيكون حالة الوصل هو أن يكون الله عز وجل مصرفي فلا أكون أنا في أفعالي فهو الله تعالى لا أنا كما قال الله تعالى لنبيه وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهذا لسان الحال ولسان العلم أن الله مصرفي وأنا به متصرف فيكون المعبود والعبد وقال بعضهم التجلي رفع حجبة البشرية لا أن تتلون ذات الحق جل وعز عن ذلك وعلا والاستتار أن تكون البشرية حائلة بينك وبين شهود الغيب ومعنى رفع حجبة البشرية أن يكون الله تعالى يقيمك تحت موارد ما يبدو لك من الغيب لان البشرية لا تقاوم أحوال الغيب والاستتار الذي يعقب التجلي هو أن تستتر الاشياء عنك فلا تشاهدها كقول عبد الله بن عمر للذي سلم عليه وهو في الطواف فلم يرد عليه فشكاه فقال إنا كنا نتراءى الله في ذلك المكان أخبر عن تجلى الحق له بقوله كنا نتراءى الله وأخبر عن الاستتار بغيبته عن التسليم عليه وأنشدنا لبعض الكبار سرائر الحق لا تبدو لمحتجب أخفاه عنك فلا تعرض مخيفه لا تعن نفسك فيما لست تدركه حاشا الحقيقة أن تبدو فتؤويه & الباب التاسع والخمسون & قولهم في الفناء والبقاء فالفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ ويسقط عنه التمييز فناء عن الاشياء كلها شغلا يما فنى به كما قال عامر بن عبد الله ما أبالي امرأة رأيت أم حائطا والحق يتولى تصريفه فيصرفه في وظائفه وموافقاته فيكون محفوظا فيما لله عليه مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات فلا يكون له إليها سبيل وهو العصمة وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم كنت له سمعا وبصرا الخبر والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله قال بعض الكبار البقاء مقام النبيين ألبسوا السكينة لا يمنعهم ما حل بهم عن فرضه ولا عن فضله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

Bölüm V01/P122–V01/P125

والباقي هو أن تصير الاشياء كلها له شيئا واحدا فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات وليس معنى أ تصير الاشياء كلها له شيئا واحدا أن تصير المخالفات له موافقات فيكون ما نهى عنه كما أمر به ولكن على معنى أن لا يجري عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه ويفعل ما يفعل لله لا لحظ له فيه في عاجل أو آجل وهذا معنى قولهم يكون فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق لان الله تعالى إنما يفعل الاشياء لغيره لا له لانه لا يجر به نفعا ولا يدفع به ضرا تعالى الله عن ذلك وإنما يفعل الاشياء لينفع الاغيار أو يضرهم فالباقي بالحق الفاني عن نفسه يفعل الاشياء لا لجر منفعة إلى نفسه ولا لدفع مضرة عنها بل على معنى أنه لا يقصد في فعله جر المنفعة ودفع المضرة قد سقطت عنه حظوظ نفسه ومطالبة منافعها بمعنى القصد والنية ولا بمعنى أنه لا يجد حظا فيما يعمل مما لله عليه يفعله لله لا لطمع ثواب ولا لخوف عقاب وهما أعنى الخوف والطمع باقيان معه قائمان فيه غير أنه يرغب في ثواب الله لموافقة الله تعالى لانه رغب فيه وأمر أن يسأل ذلك منه ولا يفعله للذة نفسه ويخاف عقابه إجلالا له وموافقة له لانه خوف عباده ويفعل سائر الحركات لحظ الغير لالحظ نفسه كما قيل المؤمن يأكل بشهوة عياله أنشدونا لبعضهم أفناه عن حظه فيما ألم به فظل يبقيه في رسم ليبديه ليأخذ الرسم عن رسم يكاشفه والسر يطفح عن حق يراعيه فجملة الفناء والبقاء أن يفنى عن حظوظه ويبقى بحظوظ غيره فمن الفناء فناء عن شهود المخالفات والحركات بها قصدا وعزما وبقاء في شهود الموافقات والحركات بها قصدا وفعلا وفناء عن تعظيم ما سوى الله وبقاء في تعظيم الله تعالى ومن فناء تعظيم ما سوى الله حديث أبي حازم حيث قال ما الدنيا أما ما مضى فأحلام وأما ما بقي فأمان وغرور وما الشيطان حتى يهاب منه لقد أطيع فما نفع وعصى فما ضر فكان كأنه لا دنيا عنده ولا شيطان ومن فناء الحظوظ حديث عبد الله بن مسعود حيث قال ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يريد الدنيا حتى قال الله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة الآية فكان فانيا عن إرادة الدنيا ومن ذلك حديث حارثة قال عزفت نفسي عن الدنيا فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا فنى عن العاجلة بالآجلة وعن الاغيار بالجبار وحديث عبد الله بن عمر سلم عليه إنسان وهو في الطواف فلم يرد عليه وشكاه إلى بعض أصحابه فقال عبد الله إنا كنا نتراءى الله في ذلك المكان ومنها حديث عامر بن عبد القيس قال لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من أن أجد ما تذكرون يعني في الصلاة حتى قال الحسن ما اصطنع الله ذلك عندنا وفناء هو الغيبة عن الاشياء رأسا كما كان فناء موسى عليه السلام حين تجلى ربه للجبل وخر موسى صعقا فلم يخبر في الثاني من حاله عن حاله ولا أخبر عنه مغيبه به عنها وقال أبو سعيد الخزاز علامة الفاني ذهاب حظه من الدنيا والآخرة إلا من الله تعالى ثم يبدو باد من قدرة الله تعالى فيريه ذهاب حظه من الله تعالى إجلالا لله ثم يبدو له باد من الله تعالى فيريه ذهاب حظه من رؤية ذهاب حظه ويبقى رؤية ما كان من الله لله ويتفرد الواحد الصمد في أحديته فلا يكون لغير الله مع الله فناء ولا بقاء

Bölüm V01/P125–V01/P127

معنى ذهاب حظه من الدنيا مطالبة الاعراض ومن الاخرة مطالبة الاعواض فيبقى حظه من الله وهو رضاه عنه وقربه منه ثم يرد عليه حالة من إجلال الله تعالى أن يقرب مثله أو يرضى عن مثله استحقارا لنفسه وإجلالا لربه ثم ترد عليه حالة فيستوفيه حق الله تعالى فيغيبه عن رؤية صفته التي هي رؤية ذهاب حظه فلا يبقى فيه إلا ما من الله إليه ويفنى عنه ما منه إلى الله فيكون كما كان إذ كان في علم الله تعالى قبل أن يوجده وسبق له منه ما سبق من غير فعل كان منه وعبارة أخرى عن الفناء أن الفناء هو الغيبة عن صفات البشرية بالحمل الموله من نعوت الالهية وهو أن يفنى عنه أوصاف البشرية التي هي الجهل والظلم لقوله تعالى وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ومن أوصافه الكنود والكفور وكل صفة ذميمة تفنى عنه بمعنى أن يغلب علمه جهله وعدله ظلمه وشكره كفرانه وأمثالها قال أبو القاسم فارس الفناء حال من لا يشهد صفته بل يشهدها مغمورة بمغيبها وقال فناء البشرية ليس على معنى عدمها بل على معنى أن تغمد بلذة توفى على رؤية الالم واللذة الجارية على العبد في الحال كصواحبات يوسف عليه السلام قطعن أيديهن لفناء أوصافهم ولما ورد على أسرارهن من لذة النظر إلى يوسف مما غيبهم عن ألم ما دخل عليهن من قطع أيديهن ولبعض أهل العصر غابت صفات القاطعات أكفها في شاهد هو في البرية أبدع ففنين عن أوصافهن فلم يكن من نعتهن تلذذ وتوجع وقيام ارمرأه العزيز بيوسف يد نفسه ما كان يوسف يقطع وأنشدونا في الفناء ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر فأفنى به عنى وأبقى به له إذا الحق عنه مخبر وعبر ومنهم من جعل هذه الأحوال كلها حالا واحدة وإن اختلفت عباراتها فجعل الفناء بقاء والجمع تفرقة وكذلك الغيبة والشهود والسكر والصحو وذلك أن الفاني عماله باق بما للحق والباقي بما للحق فإن عماله والمفارق مجموع لأن لا يشهد إلا الحق والمجموع مفارق لأنه لا يشهد إياه ولا الخلق وهو باق لدوامه مع الحق وهو جامعه به وهو فان عما سواه مفارق لهم وهو غائب سكران لزوال التمييز عنه ومعنى زوال التمييز عنه هو ما قلناه بين الآلام والملاذ وبمعنى أن الأشياء تتوحد له فلا يشهد مخالفة إذ لا يصرفه الحق إلا في موافقاته وإنما تميز بين الشيئ وغيره فإذا صارت الأشياء شيئا واحدا سقط التمييز وعبر جماعة عن الفناء بأن قالوا يؤخذ العبد من كل رسم كان له وعن كل مرسوم فيبقى في وقته بلا بقاء يعلمه ولا فناء يشعر به ولا وقت يقف عليه بل يكون خالقه عالما ببقائه وفنائه ووقته وهو حافظ له عن كل مذموم واختلفوا في الفاني هل يرد إلى بقاء الأوصاف أم لا قال بعضهم يرد الفاني إلى بقاء الأوصاف وحالة الفناء لا تكون على الدوام لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركتها في أمور معاشها ومعادها ولأبي العباس بن عطاء في ذلك كتاب سماه كتاب عودة لصفات وبدئها وأما الكبار منهم والمحققون فلم يروا رد الفاني إلى بقاء الأوصاف منهم الجنيد والخراز والنوري وغيرهم قالفناء فضل من الله عز وجل وموهبة العبد وإكرام منه له واختصاص له به وليس هو من الأفعال المكتسبة وإنما هو شيئ يفعله الله عز وجل بمن اختصه لنفسه واصطنعه له فلو رده إلى صفته كان في ذلك سلب ما أعطى واسترجاع ما وهب وهذا غير لائق باله عز وجل أو يكون من جهة البداء والبداء صفة من استفات العلم وهذا من الله عز وجل منفي أو يكون ذلك غرورا وخداعا والله تعالى لا يوصف بالغرور ولا يخادع المؤمنين وإنما يخادع المنافقين والكافرين