Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Bölüm V01/P266–V01/P268

وقيل : كان أبو القاسم المنادي مريضا ، وكان كبير الشأن ، من مشايخ نيسابور فعاده أبو الحسن البوشنجي ، والحسن الحداد ، واشتريا بنصف درهم تفاحا في الطريق نسيئة ، وحملاه إليه ، فلما قعدا قال أبو القاسم : ما هذه الظلمة ؟ فخرا . وقالا : ماذا فعلنا ؟ . وتفكرا . فقالا : لعلنا لم نؤد ثمن التفاح ، فأعطياه الثمن ، وعادا إليه ، فلما وقع بصره عليهما قال : هذا عجب ، أيمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة ؟ ! أخبراني عن شأنكما . . فذكر له هذه القصة ، فقال : نعم ، كان يعتمد كل واحد منكما على صاحبه في إعطاء الثمن ، والرجل يستحي منكما في التقاضي ، فكان تبقى التبعة ، وأنا السبب ، إنما رأيت ذلك فيكما وكان أبو القاسم المنادي هذا يدخل السوق كل يوم ينادي ، فإذا وقع بيده ما فيه كفايته من دانق إلى نصف درهم خرج منه . وعاد إلى رأس وقته ، ومراعاة قلبه . وقال الحسين بن منصور : الحق إذا استولى على سر ملكه الأسرار ؛ فيعاينها ، ويخبر عنها . وسئل بعضهم عن الفراسة ، فقال : أرواح تتقلب في الملكوت ، فتشرف على معاني الغيوب ، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة ، لا نطق ظن وحسبان . وقيل : كان بين زكريا الشختني وبين امرأة سبب قيل توبته ، فكان يوما واقفا على رأس أبي عثمان الحيري ، بعدما صار من خواص تلاميذه ، فتفكر في شأنها ، فرفع أبو عثمان رأسه إليه وقال : أما تستحي ؟ ! قال الأستاذ الإمام ، رحمه الله : كنت في ابتداء وصلتي بالأستاذ أبي علي الدقاق ، رضي الله عنه ، عقد لي المجلس في مسجو المطرز فاستأذنته وقتا للخروج إلى نسا فأذن لي فيه ، فسكنت أمشي معه يوما في طريق مجلسه ، فخطر ببالي : ليته ينوب عني في مجالسي أيام غيبتي . فالتفت إلي ، وقال لي : أنوب عنك أيام غيبتك في عقد المجالس . فمشيت قليلا . . فخطر ببالي أنه عليل يشق عليه أن ينوب عني في الأسبوع يومين ، فليته يقتصر علي يوم واحد في الأسبوع ؛ فالتفت إلي وقال : إن لم يمكني في الأسبوع يومان أنوب عنك في الأسبوع مرة واحدة ، فمشيت معه قليلا ؛ فخطر ببالي شيء ثالث ، فالتفت إلي وصرح بالإخبار عنه على القطع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : كان شاه الكرماني حاد الفراسة ، لا يخطىء ، ويقول : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ، وتعود أكل الحلال ؛ لم تخطىء فراسته . وسئل أبو الحسن النوري : من أين تولدت فراسة المتفرسين ؟ فقال : من قوله تعالى : ' ونفخت فيه من روحي ' ، فمن كان حظه من ذلك النور أتم ، كانت مشاهدته أحكم ، وحكمه بالفراسة أصدق ، ألا ترى كيف أوجب نفخ الروح فيه السجود له بقوله تعالى : ' فأذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ' [ ص : 72 ] . وهذا الكلام من أبي الحسن النوري فيه أدنى غموض وإيهام ؛ بذكر نفخ الروح ، لتصويب من يقول بقدم الأرواح ، ولا كما يلوح لقلوب المستضعفين ؛ فإن الذي يصح عليه النفخ والاتصال والانفصال فهو قابل للتأثير والتغيير ، وذلك من سمات الحدوث ، وأن الله ، سبحانه وتعالى ، خص المؤمنين ببصائر وأنوار بها يتفرسون ، وهي في الحقيقة معارف ، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : ' فإنه ينظر بنور الله ' أي بعلم وبصيرة يخصه الله تعالى به ويفرده به من دون أشكاله .

Bölüm V01/P268–V01/P269

وتسمية العلوم والبصائر أنوارا : غير مستبدع ، ولا يبعد وصف ذلك بالنفخ ، والمراد منه : الخلق . وقال الحسين بن منصور : المتفرس هو المصيب بأول مرماه إلى مقصده ، ولا يعرج على تأويل وظن وحسبان . وقيل : فراسة المريدين تكون ظنا يوجب تحقيقا ، وفراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة . وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي : إذا جلستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق ؛ فإنهم جواسيس القلوب ؛ يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون . سمعت محمد بن الحسين رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الخلدي يقول : سمعت أبا جعفر الحداد يقول : الفراسة أول خاطر بلا معارض ؛ فإن عارض معارض من جنسه فهو خاطر وحديث نفس . ويحكى عن أبي عبد الله الرازي نزيل نيسابور قال : كساني ابن الأنباري صوفا ، ورأيت على رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بذلك الصوف ، فتمنيت في نفسي أن يكونا جميعا لي . . فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي . . فتبعته ، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي ، فلما دخل داره دخلت ؛ فقال لي : انزع الصوف . فنزعته . . فلفه وطرح القلنسوة عليه ، ودعا بنار فأحرقهما . وقال أبو حفص النيسابوري : ليس لأحد أن يدعي الفراسة ، ولكن يتقي الفراسة من الغير ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' اتقوا فراسة المؤمن ' ولم يقل : تفرسوا فكيف يصح دعوى الفراسة لمن هو في محل اتقاء الفراسة ؟ ! وقال أبو العباس بن مسروق : دخلت علي شيخ من اصحابنا أعوده . . فوجدته على حال رثة ، فقلت في نفسي : من أين يرتزق هذا الشيخ ؟ فقال لي : يا أبا العباس : دع عنك هذه الخواطر الدنيئة ؛ فإن لله ألطافا خفية . ويحكى عن الزبيدي قال : كنت في مسجد ببغداد مع جماعة من الفقراء ، فلم يفتح علينا بشيء أياما فأتيت الخواص لأسأله شيئا ، فلما وقع بصره علي قال : الحاجة التي جئت لأجلها يعلمها الله أم لا ؟ فقلت : بلى ؛ فقال : اسكت ولا تبدها لمخلوق ، فرجعت ولم ألبث إلا قليلا حتى فتح علينا بما فوق الكفاية . وقيل : كان سهل بن عبد الله يوماص في الجامع ، فوقع حمام في المسجد من شدة ما لحقه من الحر والمشقة ، فقال سهل : إن شاها الكرماني مات الساعة ، إن شاء الله تعالى ، فكتبوا ذلك . . فكان كما قال . وقيل : خرج أبو عبد الله التروغندي - وكان كبير الوقت - إلى طوس فلما بلغ خر وقال لصاحبه : اشتر الخبز . فاشترى ما يكفيهما ، فقال : اشتر أكثر من ذلك . فاشترى صاحبه ما يكفي عشرة أنفس تعمدا ، فكأنه لم يجعل لقول ذلك الشيخ تحقيقا قال : فلما صعدنا إلى الجبل إذا بجماعة قيدتهم اللصوص ، لم يأكلوا منذ مدة ، فسألونا الطعام ، فقال : قدم إليهم السفرة . وقال الأستاذ الإمام : كنت بين يدي الأستاذ الإمام أبي علي رحمه الله يوما فجرى حديث الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله ، وأنه يقوم في السماع موافقة للفقراء ، فقال الأستاذ أبو علي : مثله في حاله ؛ لعل السكون أولى به . ثم قال : في ذلك المجلس أمض إليه فستجده وهو قاعد في بيت كتبه ، وعلى وجه الكتب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فيها أشعار الحسين بن منصور . فاحمل تلك المجلدة ولا تقل له شيئا وجئني بها . وكان وقت الهاجرة . .

Bölüm V01/P269–V01/P270

فدخلت عليه فإذا هو في بيت كتبه والمجلدة موضوعة بحيث ذكر ، فلما قعدت أخذ الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في الحديث وقال : كان بعض الناس ينكر علي أحد من العلماء حركته في السماع ، فرؤى ذلك الإنسان يوما خاليا في بيت وهو يدور كالمتواجد ، فسئل عن حاله فقال : كانت مسألة مشكلة علي ، فتبين لي معناها ، فلم أتمالك من السرور حتى قمت أدور ، فقيل له : مثل هذا يكون حالهم . فلما رأيت ما أمرني به الأستاذ أبو علي ، وما وصف لي على الوجه الذي قال وجرى على لسان الشيخ أبي عبد الرحمن ما كان ق ذكره به ، تحيرت ، وقلت : كيف أفعل بينهما ؟ ثم فكرت في نفسي وقلت : لاوجه إلا الصدق ، فقلت : إن الأستاذ أبا علي وصف لي هذه المجلدة وقال لي احملها من غير أن تستأذن الشيخ ، وأنا هو ذا أخافك ، وليس يمكنني مخالفته ، فأي شيء تأمرني به ؟ . . فأخرج مسدسا من كلام الحسين ، وفيه تصنيف له سماه : كتاب الصهيور في نقض الدهور وقال : أحمل هذا إليه ، وقل له : إني أطالع تلك المجدلة وأنقل منها أبياتا إلى مصنفاتي . . فخرجت . ويحكى عن الحسن الحداد ، رحمه الله ، أنه قال : كنت عند أبي القاسم المنادي وعنده جماعة من الفقراء ، فقال لي : أخرج وأتهم بشيء ، فسررت : حيث أذن لي في التكلف للفقراء وأن آتيهم بشيء بعد ما علم فقري ، قال : فأخذت مكتلا وخرجت . . فلماأتيت سكة سيار رأيت شيخا بهيا فسلمت عليه وقلت : جماعة من الفقراء في موضع ، فهل لك أن تتخلق معهم بشيء ؟ فأمر . . حتى إذا أخرج إلى شيئا من الخبز واللحم والعنب ، فلما بلغت الباب نادى أبو القاسم المنادي من وراء الباب : رده إلى الموضع إلي أخذته منه . فرجعت واعتذرت إلى الشيخ ، وقلت : لم أجدهم . . وعرضت بأنهم تفرقوا ، ورددت السبب عليه ثم جئت إلى السوق ففتح علي بشيء ، فحملته ، فقال : ادخل . فقصصت عليه القصة ، فقال : نعم ، ذاك ابن سيار رجل سلطاني ، إذا جئت للفقراء بشيء فأتهم بمثل هذا ، لا بمثل ذاك . قال أبو الحسين القرافي : زرت أبا الخير التناتي ، فلما ودعته . . خرج معي إلى باب المسجد ، وقال لي : يا أبا الحسين ، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما ، ولكن أحمل معك هاتين التفاحتين . فأخذتهما . . ووضعتهما في جيبي ، وسرت ، فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أيام ، فاخرجت واحدة منهما ، وأكلتها ، ثم أردت أن أخرج الثانية ، فإذا هما جميعا في جيبي ، فكنت آكل منهما ويعودان . . إلى باب الموصل ، فقلت في نفسي . إنهما يفسدان على حال توكلي ؛ إذ صارتا معلوما لي ! ! فأخرجتهما من جيبي بمرة . فنظرت فإذا فقير ملفوف في عباءة يقول : أشتهى تفاحة ! ! فناولتهما إياه . . فلما عبرت وقع لي : أن الشيخ إنما بعثهما إليه . وكنت في رفقه في الطريق . . فأنصرفت إلى الفقير ، فلم أجده . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمت عبد الله بن علي يقول : سمعت أبا عمر بن علوان يقول : كان شاب يصحب الجنيد . . وكان يتكلم علي خواطر الناس ، فذكر للجنيد ، فقال له الجنيد : ما هذا الذي ذكر عنك ؟ فقال الجنيد : اعتقد شيئا . فقال : اعتقدت ! ! فقال الشاب : اعتقدت كذا وكذا ! فقال الجنيد : لا . فقال : اعتقد ثانيا ، ففعل ، فقال : اعتقدت كذا وكذا . فقال : لا فقال : ثالثا . فقال : مثله .

Bölüm V01/P270–V01/P272

فقال الشاب هذا عجب ، أنت صدوق ، وأنا أعرف قلبي ؟ ! فقال الجنيد : صدقت في الأول والثاني والثالث ، ولكني أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك ! ! وسمعته يقول : سمعت أبا عبد الله الرازي يقول : أعتل ابن الرقي ، فحل إليه دواء في قدح ، فأخذه ، ثم قال : وقع اليوم في المملكة حدث : لا آكل ولا أشرب حتى أعلم ما هور ؟ فورد الخبر بعده بأيام : أن القرمطي دخل مكة ذلك اليوم ، وقتل بها تلك للقتلة العظيمة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : ذكر الكاتب هذه الحكاية ، فقال : هذا عجب ! ! فقلت له : هذا ليس بعدب ، فقال لي أبو علي بن الكاتب : ما خبر مكة اليوم ؟ فقلت : هو ذا : تحارب الطلحيون وبنو الحسن ، ومقدم الطلحيين أسود عليه عمامة حمراء ، وعلى مكة اليوم غيم على مقدار الحرم ، فكتب أبو علي إلى مكة ، فكان كما ذكرت له . ويروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : دخلت على عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكنت رأيت في الطريق امرأة تأملت محاسنها ، فقال عثمان رضي الله عنه : يدخل على أحدكم وآثار ظاهرة عل عينيه ، فقلت له : أوحى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال : لا ، ولكن تبصرة ، وبرهان ، وفراسة صادقة . وقال أبو سعيد الخراز : دخلت المسجد الحرام ، فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل الناس شيئا ، فقلت في نفسي : مثل هذا كل على الناس ! ! فنظر إلي وقال : ' واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ' . قال : فاستغفرت في سري ، فناداني ، وقال : ' وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ' . وحكى عن إبراهيم الخواص أنه قال : كنت ببغداد في جامع المدينة ، وهناك جماعة من الفقراء ، فأقبل علينا شاب ظريف ، طيب الرائحة ، حسن الحرمة ، حسن الوجه ، فقلت لأصحابنا : يقع لي أنه يهودي ! ! فكلهم كرهوا ذلك ، فخرجت ، وخرج الشاب ، ثم رجع إليهم وقال : ماذا قال الشيخ في ؟ ! فاحتشموه . فألح عليهم ، فقالوا : قال إنك يهودي . قال : فجاءني وأكب على يدي ، وأسلم . فقيل له : ما السبب ؟ قال : نجد في كتبنا أن الصديق لا يخطىء فراسته . فقلت : أمتحن المسلمين ؛ فتأملتهم ، وقلت : إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة : لأنهم يقولون حديثه سبحانه ، فلبست عليكم . . فلما اطلع هذا الشيخ علي ، وتفرس في علمت أنه صديق ، وصار الشاب من كبار الصوفية . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله ، يقول سمعت عبد الله بن إبراهيم بن العلاء ، يقول : سمعت محمد بن داود يقول : كنا عند الجريري فقال : هل فيكم من إذا أراد الحق ، سبحانه ، أن يحدث في المملكة حدثا أعلمه قبل أن يبديه ؟ قلنا : لا . فقال : أبكوا على قلوب لم تجد من الله تعالى شيئا . وقال أبو موسى الديلمي : سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل ، فقال : لو أدخلت يدك في فم التنين حتى بلغ الرسغ لا تخاف مع الله تعال شيئا غيره . قال : فخرجت إلى أبي يزيد لأسأله عن التوكل ، فدققت عليه الباب ، فقال : أليس لك في قول عبد الرحمن كفاية ؟ ! فقلت : افتح الباب . فقال : مازرتني ، أتاك الجواب من وراء الباب . ولم يفتح لي الباب ؛ فمضيت ، ولبثت سنة ، ثم قصدته ، فقال : مرحبا ، جئتني زائرا .

Bölüm V01/P272–V01/P273

فكنت عنده شهرا ، فكان لا يخطر بقلبي شيء إلا حدثني عنه . فعند وداعه لي قلت : أفدني فائدة . فقال : حدثتني أمي : أنها كانت حاملا بي ، فكانت إذا قدم لها طعام من حلال امتدت يدها إليه ، وإذا كان فيه شبهة انقبضت يدها عنه . وقال إبراهيم الخواص : دخلت البادية ، فأصابتني شدة ، فلما بلغت مكة ، داخلني شيء من الإعجاب ، فنادتني عجوز : يا إبراهيم ، كنت معك في البادية فلم أكلمك ؛ لأني لم أرد أن أشغل سرك أخرج عنك هذا الوسواس ! ! وحكى أن الفرغاني كان يخرج كل سنة إلى الحج ، ويمر بنيسابور ، ولا يدخل علي أبي عثمانالحيري قال : فدخلت عليه مرة ، وسلمت ، فلم يرد علي السلام ، فقلت في نفسي : مسلم يدخل عليه ويسلم عليه فلا يرد سلامه ؟ فقال أبو عثمان : مثل هذا يحج ويدع أمه لا يبرها ؟ ! قال : فرجعت إلى فرغانة ولزمتها حتى ماتت . ثم قصدت أبا عثمان ، فلما دخلت استقبلني وأجلسني ، ثم إن الفرغاني لازمه وسأله سياسة دابته ، فولا ه ذلك حتى مات أبو عثمان . وقال خير النساج : كنت جالسا في بيتي ، فوقع لي : أن الجنيد بالباب ، فنفيت عن قلبي ، فوقع لي ثانيا ، وثالثا ، فخرجت فإذا بالجنيد ، فقال : لم لم تخرج مع الخاطر الأول ؟ ! وقال محمد بن الحسين البسطامي : دخلت على أبي عثمان المغربي ، فقلت في نفسي : لعله يتشهى علي شيئا ؟ فقال أبو عثمان : لا يكفي الناس أن آخذ منهم حتى يريدوا مسألتي إياهم . وقال بعض الفقراء : كنت ببغداد ، فوقع لي : أن المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهما ؛ لأشتري بها الركوة ، والحبل ، والنعل ، وأدخل البادية : قال : فدق علي الباب ، ففتحت ، فإذا أنا بالمرتعش معه خريقة ، فقال : خذها . فقلت : يا سيدي ، لا أريدها ! ! فقال : فلم تؤذينا ؟ ! كم أردت ؟ فقلت : خمسة عشر درهما . فقال : هي همسة عشر درهما . وقال بعضهم في قوله تعالى : ' أو من كان ميتا فأحببناه ' أي : ميت الذهن فأحياه الله تعالى بنور الفراسة ، وجعل له نور التجلي والمشاهدة ، لايكون كمن يمشي بين أهل الغفلة غافلا . وقيل : إذا صحت الفراسة أرتقى صاحبها إلى المشاهدة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمدبن الحسين البغدادي يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت أبا العباس بن مسروق يقول : قدم علينا شيخ ، فكان يتكلم علينا في هذا الشأن بكلام حسن ، وكان عذب اللسان ، جيد الخاطر ، فقال لنا في بعض كلامه : كل ما وقع لكم في خاطركم فقولوه لي . فوقع في قلبي أنه يهودي ، وكان الخاطر يقوى ولا يزال . فذكرت ذلك للجريري ، فكبر عليه ذلك ، فقلت : لا بد لي أن أخبر الرجل بذلك ؛ فقلت له : تقول لنا ما وقع لكم في خاطركم فقولوه لي ؛ إنه يقع : إنك يهودي ! ! فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال : صدقت ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . وقال : قد مارست جميع المذاهب وكنت أقول : إن كان مع قوم منهم شيء فمع هؤلاء ؛ فداخلتكم لأختبركم ، فأنتم على الحق . وحسن إسلامه . ويحكي عن الجنيد : أنه كان يقول له السري : تكلم على الناس . فقال الجنيد : وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس ؛ فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك .

Bölüm V01/P273–V01/P274

فرأيت ليلة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وكانت ليلة جمعة ، فقال لي : تكلم علي الناس ' . فانتهت . . واتيت باب السري قبل أن أصبح ؛ فدققت عليه الباب ، فقيل : لم تصدقنا حتى قيل لك ؟ فقعد للناس في الجامع بالغد ، فانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس ؛ فوقف عليه غلام نصراني متنكرا ، وقال له : أيها الشيخ ، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' اتقوا فراسة المؤمن ، فإن المؤمن ينظر بنور الله تعالى ؟ ' . قال : فأطرق الجنيد . . . ثم رفع رأسه وقال : أسلم ؛ فقد حان وقت إسلامك . فأسلم الغلام .

Bölüm V01/P274

باب الخلق

Bölüm V01/P274–V01/P276

قال الله تعالى : ' وإنك لعلى خلق عظيم ' . أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أبو الحسن الصفار البصري : قال : حدثنا هشام بن محمد بن غالب قال : حدثنا معلي بن مهدي قال : حدثنا بشار بن إبراهيم النميري ، قال : حدثنا غيلان بن جرير عن أنس قال : ' قيل يا رسول الله : أي المؤمنين أفضل إيمانا ؟ قال : أحسنهم خلقا ' . إذ الخلق الحسن أفضل مناقب العبد ، وبه يظهر جواهر الرجال ، والإنسان مستور بخلقه مشهود بخلقه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : إن الله تعالى ، خص نبيه صلى الله عليه وسلم بما خصه به ، ثم لم يثن عليه بشيء من خصاله بمثل ما أثنى بخلقه ؛ فقال عز ن قائل : ' وإنك لعلي خلق عظيم ' . وقال الواسطي : وصفه بالخلق العظيم ؛ لأنه جاد بالكونين ، واكتفى بالله تعالى . وقال الواسطي أيضا : الخلق العظيم : أن لا يخاصم ولايخاصم ، من شدة معرفته بالله تعالى . وقال الحسين بن منصور : معناه : ولم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك الحق . . وقال أبو سعيد الخراز : لم يكن لك همة غير الله تعالى . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت الكتاني يقول : التصوف خلق ، من زاد عليك بالخلق ، فقد زاد عليك في التصوف . ويروي عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أنه قال : إذا سمعتموني أقول لمملوك : أخزاه الله فأشهدوا أنه حر . وقال الفضيل : لو أن العبد أحسن الإحسان كله ، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين . وقيل : كان ابن عمر ، رضي الله عنهما ، إذا رأى واحدا من عبيده يحسن الصلاة يعتقه . فعرفوا ذلك من خلقه ، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له ، وكان يعتقهم ، فقيل له في ذلك . فقال : من خدعنا في الله انخدعنا له . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمت أبا محمد الجريري يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت الحارث المحاسبي يقول : فقدنا ثلاثة أشياء : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الأمانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول : الخلقي : استصغار ما منك إليه واستعظام ما منه إليك . وقيل للأحنف : ممن تعلمت الخلق ؟ فقال : ن قيس بن عاصم للنقري قيل : وما بلغ من خلقه ؟ قال : بينا هو جالس في داره إذ جاءت خادم له بنفود عليه شواء ، فسقط من يدها ، فوقع علي ابن له ، فمات ، فدهشت الجارية ، فقال : لا روعة عليك ، أنت حرة لوجه الله تعالى . وقال شاه الكرماني : علامة حسن الخلق : كف الأذى ، واحتمال المؤن . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ' . وقيل لذي النون المصري : من كثر الناس هما ؟ قال : أسوأهم خلفا . وقال وهب : ما تخلق عبد يخلق أربعين صباحا إلا جعله الله طبيعة فيه . وقال الحسن البصري في قول الله تعالى : ' وثيابك فطهر ' أي : وخلفك فحسن . . وقيل : كان لبعض النساك شاة فرآها على ثلاثة قوائم . فقال : من فعل بها هذا ؟ فقال غلام له : أنا . فقال : لم ؟ قال : لا غمك بها ! ! فقال : لا ، بلا لأغمن من أمرك بذلك . أذهب فأنت حر .

Bölüm V01/P276–V01/P277

وقيل لإبراهيم بن أدهم : هل فرحت في الدنيا قط ؟ . فقال : نعم ، مرتين إحداهما : كنت قاعدا ذات يوم فجاء إنسان وبال علي ؛ والثانية : كنت قاعدا فجاء إنسان وصفعني . وقيل : كان أويس القرني إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة ، فيقول : إن كان ولا بد فارموني بالصغار : كيلا تدقوا ساقي فتمنعوني عن الصلاة . وشتم رجل الأحنف بن قيس . . . وكان يتبعه . . . فلما قرب من الحي وقف ، وقال : يا فتى ، إن بقي شيء فقله ؛ كيلا يسمعك بعض سفهاء الحي فيجيبوك . وقيل لحاتم الأصم : أيحتمل الرجل من كل أحد ؟ . . فقال : نعم ، إلا من نفسه . وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، دعا غلاما له ، فلم يجب ، فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه ، فقام إليه فرآه مضطجعا ، فقال : أما تسمع يا غلام ؟ فقال : نعم . قال : فما حملك على ترك جوابي ؟ فقال : أمنت عقوبتك فتكاسلت . فقال : أمض ؛ فأنتحر لوجه الله تعالى . وقيل : نزل معروف الكرخي الدجلة ليتوضأ ، ووضع مصحفه وملحفته ، فجاءت امرأة وحملتهما ، فتبعها معروف ، وقال : يا أختي ، أنا معروف ولا بأس عليك ، ألك ابن يقرأ ؟ قالت : لا . قال : فزوج ؟ قالت : لا ، قال : فهاتي المصحف وخذي الثوب . ودخل اللصوص مرة دار الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي بالمكابرة ، وحملوا وجدوا ، فسمعت بعض أصحابنا يقول : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول : اجتزت بالسوق ، فوجدت جبتي على من يزيد ، فأعرضت ، ولم ألتفت إليه . سمعت الشيخ أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول : سمعت الوجيهي يقول : قال الجريري : قدمت من مكة ، حرسها الله تعالى ، فبدأت بالجنيد ، لكيلا يتعنى ألي ، فسلمت عليه ، ثم مضيت إلى المنزل فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف ، فقلت : إنما جئتك أمس لئلا تتعني ، فقال : ذاك فضلك ، وهذا حقك . وسئل أبو حفص عن الخلق . فقال : هو ما اختار الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم ي قوله تعالى : ' خذ العفو وأمر بالعرف . . ' الآية . وقيل : الخلق : أن تكون من الناس قريبا ، وفيما بينهم غريبا . وقيل : الخلق قبول ما يرد عليك من جفاء الخلق ، وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق . وقيل : كان أبو ذر على حوض يسقي إبلا له ، فأسرع بعض الناس إليه ، فانكسر الحوض ، فجلس ، ثم اضطجع ، فقيل له في ذلك فقال : إن رسول الله صلى الله عليهوسلم أمرنا إذا غضب الرجل أن يجلس فإن ذهب عنه . وإلا فليضطجع . وقيل : مكتوب في الإنجيل : عبدي . . أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب . وقالت امرأة لمالك بن دينار : يا مرائي ! ! فقال : يا هذه ، وجدت أسمي الذي أضله أهل البصرة . وقال لقمان لابنه : لا تعرف ثلاثة إلا عند ثلاثة : الحليم عند الغضب والشجاع عند الحرب ، والأخ عند الحاجة إليه . وقال موسى ، عليه السلام : إلهي ، أسألك أن لايقال ما ليس فيه ؛ فأوحى الله سبحانه إليه : ما فعلت ذلك لنفسي ، فكيف أفعله لك ؟ وقيل ليحيى بن زياد الحارثي ، وكان له غلام سوء : لم تمسك هذا الغلام ؟ فقال : لأتعلم عليه الحلم . وقيل في قوله تعالى : ' وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ' : الظاهرة : تسوية الخلق ، والباطنة : تصفية الخلق .

Bölüm V01/P277–V01/P279

وقال الفضيل : لأن يصحبني فأجر حسن الخلق أحب إلي ن أن يصحبني عابد سيء الخلق . وقيل : الخلق الحسن احتمال المكروه بحسن المداراة . وحكي أن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البراري فاستقبله جنيدي ، فقال : أين العمران ؟ فأشار إلى المقبرة ، فضرب رأسه وأوضحه ، فلما جاوزه ، قيل له : إنه إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان فجاءه يتعذر إليه ، قال : إنك لما ضربتني سألت الله تعالى لك الجنة . فقال : لم ؟ فقال علمت أني أؤجر عليه ، فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ، ونصيبك مني الشر . وحكي أن أبا عثمان الحيري دعاه إنسان إلى ضيافة ، فلما وافى باب داره قال : يا أستاذ ، ليس الآن وقت دخولك ، وقد ندمت ، فانصرف ، فرجع أبو عثمان ، فلما وافى منزله عاد إليه الرجل ، وقال : يا أستاذ ، ندمت ! ! وأخذ يتعذر إليه ، وقال أحضر الساعة . . فقام أبو عثمان ومضى ، فلما وافى باب داره قال : مثل ما قال في الأولى ، ثم كذلك فعل في الثالثة والرابعة ، وأبو عثمان ينصرف ويحضر ، فلما كان يعد مرات قال : يا أستاذ ، أردت اختبارك . وأخذ يعتذر ويمدحه ، فقال أبو عثمان : لا تمدحني على خلق تجد مثله مع الكلاب : الكلب إذا دعي حضر ، وإذا زجر انزجر . وقيل : إن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة ، فألقى عليه من سطح طشت رماد ، فتغير أصحابه ، وبسطوا ألسنتهم في الملقى ، فقال أبو عثمان : لا تقولوا شيئا ، من استحق أن يصب عيه النار ، فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب . وقيل : نزل بعض الفقراء على جعفر بن حنظلة ، فكان جعفر يخدمه جدا ، والفقير يقول : نعم الرجل أنت لو لم تكن يهوديا ! ! فقال جعفر : عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إليه من الخدمة ؛ فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية . وقيل : كان لعبد الله الخياط حريف مجوسي ، يخيط له ثيابا ، ويدفع إليه دراهم زيوفا ، وكان عبد الله يأخذها . . فاتفق أنه قام من حانوته يوما لشغل ، فجاء بالدراهم الزيوف ، فدفعها إلى تلميذه ، فلم يقبلها ، فدفع إليه الصحاح ، فلما رجع عبد الله قال لتلميذه : أين قميص المجوسي ؟ فذكر له القصة . . فقال : بئس ما عملت ؟ إنه منذ مدة يعاملني بمثلها ، وأنا أصبر عليه ، وألقيها في بئر ، لئلا يغر بها غيري . وقيل : الخلق السيء يضيق قلب صاحبه ؛ لأنه لا يسع فيه غير مراده ، كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه . وقيل حسن الخلق : أن لا تتغير ممن يقف في الصف بجنبك . وقيل : من سوء خلقك : وقوع بصرك على سوء خلق غيرك . وسئل رسول ، الله صلى الله عليه وسلم ، عن الشؤم ، فقال : ' سوء الخلق ' . أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي ، قال : حدثنا أبو الحسن الصغار البصري قال : حدثنا معاذ بن المثني قال : حدثنا يحيى بن معني قال : حدثنا مروان الفزاري قال : حدثنا يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قيل : يا رسول الله ، ادع الله تعالى على المشركين . فقال : ' إنما بعثت رحمة ، ولم أبعث عذابا ' .

Bölüm V01/P279

باب الجود والسخاء

Bölüm V01/P279–V01/P281

قال الله عز وجل : ' ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ' . أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا الحسن بن العباس قال : حدثنا سهل قال : حدثنا سعيد بن مسلم ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عائشة ، رضي الله عنهما ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' السخس : قريب من الله تعالى ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد عن النار . والبخيل : بعيد من الله تعالى ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار . والجاهل السخي أحب إلى الله تعالى من العابد البخيل ' . قال الأستاذ : ولا فرق - على لسان القوم - بين الجود والسخاء ، ولا يوصف الحق ، سبحانه ، بالسخاء والسماحة ؛ لعدم التوقيف . وحقية الجود : أن لا يصعب عليه البذل . وعند القوم ، السخاء : هو الرتبة الأولى ، ثو الجود بعده ، ثم الإيثار ؛ فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء ، ومن بذل الأكثر ، وأبقى لنفسه شيئا ، فهو صاحب إيثار ، كذلك سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : أسماء بن خارجة : ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة طلبهامني ؛ لأنه إن كان كريما أصون عرضه ، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي . وقيل : كان مورق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه ؛ يضع عندهم ألف درهم ، فيقول : أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم . ثم يرسل إليهم : أنتم منها في حل . وقيل : لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل المدينة ، فقال : ممن الرجل ؟ فقال : من أهل المدينة ، فقال له : لقد أتانا رجل منكم يقال له الحكم ابن عبد المطلب فأغنانا . فقال له المدني : وكيف ؟ وما أتاكم إلا في جبة صوف ! فقال : ما أغنانا بمال ، ولكنه علمنا الكرم . فعاد بعضنا على بعض حتى استغنينا . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليغة أمر بضرب أعناقهم ؛ فأما الجنيد فإنه تستر بالفقر ، وكان بفتى علي مذهب أبي ثور ، وأما الشحام ، والرقام ، والنوري ، وجماعة ، فقبض عليهم ؛ فبسط النطع لضرب أعناقهم . . فتقدم النوري فقال له السياف : تدري إلى ماذا تبادر ؟ . فقال : نعم فقال وما يعجلك ؟ فقال أوثر علي أصحابي بحياة ساعة . فتحير السياف ، وأنهى الخبر إلىالخليفة ، فردهم إلى القاضي ؛ ليتعرف حالهم ؛ فألقى القاضي على أبي الحسين النوري مسائل فقهية ، فأجابه الكل ، ثم أخذ يقول : وبعد ؛ فإنه لله عبادا قاموا بالله ، وإذا نطقوا نطقوا بالله ، وسرد ألفاظا أبكى بها القاضي فأرسل القاضي إلى الخليفة ، وقال : إن كان هؤلاء زنادقة : فما على وجه الأرض مسلم . وقيل : كان علي بن الفضيل يشتري من باعة المحلة ؛ فقيل له : لو دخلت السوق فاسترخصت . فقال : هؤلاء نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا . وقيل : بعث رجل إلى جبلة يجارية ، وكان بين أصحابه ، فقال : قبيح أن اتخذها لنفسي وأنتم حضور ؛ وأكره أن أخص بها واحدا ، وكلكم له حق وحرمة . وهذه لا تحتمل القسمة ، وكانوا ثمانين ؛ فأمر لكل واحد بجارية أو وصيف .

Bölüm V01/P281–V01/P282

وقيل : عطش عبيد الله بن أبي بكرة يوما في طريقه ، فاستسقى من منزل امرأة ، فأخرجت له كوزا ، وقامت خلف الباب ، وقالت : تنحوا عن الباب ، وليأخذه بعض غلمانكم ، فإني امرأة من العرب : مات خادمي منذ أيام ، فشرب عبيد الله تسخر بي ؟ . فقال : احمل إليها عشرين ألف درهم . فقالت : اسأل الله تعالى العافية . فقال : يا غلام أحمل إليها ثلاثين ألف درهم ، فردت الباب وقالت : أف لك . فحمل إليها ثلاثين ألف درهم ، فأخذتها فما أمست حتى كثر خطابها . وقيل : الجود : إجابة الخاطر الأول : سمعت بعض أصحاب أبي الحسن البوشنجي ، رحمه الله ، يقول : كان أبو الحسن البوشجني في الخلاء ، فدعا تلميذا له ، وقال له : انزع عني هذا القميص ، وادفعه إلى فلان ؛ فقيل له : هلا صبرت حتى تخرج من الخلاء ؟ فقال : لم آمن على نفسي أن يتغير على ما وقع لي من التخلف منه بذلك القميص . وقيل لقيس بن سعد بن عبادة : هل رأيت أحدا أسخى منك ؟ فقال له : نعم ؛ نزلنا بالبادية على امرأة ، فحضر زوجها ، فقالت له : إنه نزل بك ضيفان ، فجاء بناقة ونحرها ، وقال : شأنكم بها . . فلما كان بالغد جاء بأخرى ونحرها ، وقال : شأنكم بها ، فقلنا : ما أكلنا من التي نحرت لنا البارحة إلا اليسير : فقال : إني لاأطعم أضيافي الغاب . فبقينا عنده يومين أو ثلاثة ، والسماء تمطر ، وهو يفعل كذلك . فلما أردنا الرحيل وضعنا له مائة دينار في بيته ، وقلنا للمرأة : اعتذري لنا إليه . . ومضينا ، فلما متع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا : قفوا أيها الركب اللئام : أعطيتموني ثمن قراي . . . ثم إنه لحقنا وقال : لنأخذنه ، وإلا طعنتكم برمحي هذا . فأخذناه وانصرف ، فأنشأ يقول : وإذا أخذت ثواب ما أعطيته . . . فكفى بذاك لنائل تكديرا سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله يقول : دخل أبو عبد الله الروزباري دار بعض أصحابه ، فوجده غائبا ، وباب بيت له مقفل ، فقال : صوفي وله باب بيت مقفل ! ! كسروا القفل ، فكسروا القفل وأمر بجميع ما وجد في الدار والبيت ، وأنفذه إلى السوق ، وباعوه ، وأصلحوا وقتا من الثمن ، وقعدوا في الدار . . فدخل صاحب المنزل ولم يمكنه أن يقول شيئا . فدخلت امرأته بعدهم الدار ، وعليها كساء ، فدخلت بيتا ، ورمت الكساء ، وقالت : يا أصحابنا ، هذا أيضا من جملة المتاع فبيعوه . فقال الزوج لها : لم تكلفت هذا باختيارك ؟ فقالت له : اسكت ، مثل هذا الشيخ يباسطنا ، ويحكم علينا ، ويبقى لناشىء ندخره عنه ؟ وقال بشر بن الحارث : النظر إلى البخيل يقسى القلب . وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة ، فاستبطأ إخوانه . فسأل عنهم ، فقيل له : إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين ؛ فقال : أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ! ! ثم أمر من ينادي من كان لقيس عليه دين فهو منه في حل ، فكسرت عتبته بالعشى ، لكثرة ما عاده . وقيل لعبد الله بن جعفر : إنك تبذل الكثير إذا سئلت ، وتضن في القليل إذا نجزت . فقال : إني أبذل مالي وأضن بعقلي . وقيل : خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له . .

Bölüm V01/P282–V01/P284

فنزل على نخيل قوم : وفيها غلام أسود يعمل فيها ؛ إذ أتى الغلام بقوته ، فدخل كلب الخائط ودنا من الغلام ، فرمى إليه الغلام بقرص ، فأكله ، ثم رمى إليه بالثاني ، والثالث ، فأكله ، وعبد الله بن جعفر ينظر إليه فقال له : يا غلام ، كم قوتك كل يوم ؟ قال : ما رأيت : قال : فلم آثرت هذا الكلب ؟ قال : ما هي بأرض كلاب ، نه جاء من مسافة بعيدة جائعا ، فكرهت رده . قال : فما أنت صانع اليوم ؟ قال له : أطوي يومي هذا . فقال عبد الله بن جعفر : أألام على السخاء ؟ ! إن هذا الأسخى مني ، فاشتري الحائط والغلام وما فيها من آلات ، فأعتق الغلام ووهبها له . وقيل : أتى رجل صديقا له ، ودق عليه الباب ، فلما خرج إليه قال : لماذا جئتني ؟ قال لأربعمائة درهم دين ركبتني ، فدخل الدار ، ووزن له أربعمائة درهم وأخرجها إليه ، ودخل الدار باكيا ، فقالت له امرأته : هلا تعللت حين شق عليك الإجابة ؟ ! فقال : إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى أحتاج إلى مفاتحتي به . وقال مطرف بن الشخير : ذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفها في رقعة ؟ فإني أكره أن أرى في وجهه ذل الحاجة . وقيل : أراد رجل أن يضار عبد الله بن العباس ، فأتى وجوه البلد وقال لهم : يقول لكم ابن العباس تغدوا عندي اليوم . فأتوه ، فملئوا الدار ، فقال : ما هذا ؟ فأخبر الخبر فأمر بشراء الفواكه الوقت ، وأمر بالخبز ، والطبخ ، وأصلح أمرا ، فلما فرغوا قال لوكلائه : أموجوج لنا كل يوم هذا ؟ فقالوا : نعم . فقال : فليتغد هؤلاء كلهم عندنا كل يوم . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما في صحن داره ، فدخل إليه إنسان وسله شيئا من الدنيا ، ولم يحضر شيء ، فقال : أصبر حتى أفرغ . فصبر . . فلما فرغ قال له : خذ القمقمة واخرج . فأخذها ، وخرج ، ثم صبر حتى علم أنه بعد ، فصاح وقال : دخل إنسان وأخذ القمقمة . فمشوا خلفه ، فلم يدركوه . وإنما فعل ذلك : لأن أهل المنزل كانوا يلومونه على كثرة البذل . وسمعته يقول : وهب الأستاذ أبو سهل جبته من إنسان في الشتاء ، وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس ، إذ لم تكن له جبة أخرى ، فقدم الوفد المعروفون من فارس ، فيهم من كل نوع : إمام من الفقهاء ، والمتكلمين ، والنحويين ، فأرسل أليه صاحب لجيش أبو الحسن وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس دراعة فوق تلك الجبة التي للنساء ، وركب ، فقال صاحب لجيش : إنه يستخف بي أمام البلد ؛ يركب في جبة النسا . . ! ! ثم إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه على كلام جميعهم في كل فن . وسمعته يقول : لم يناول الأستاذ أبو سهل أحدا شيئا بيده ، وكان يطرحه على الأرض ليأخذه الآخذ من الأرض ، وكان يقول : الدنيا أقل خطرا ن أن أرى لأجلها يدي فوق يد أحد . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ' اليد العليا خير من اليد السفلى ' . وقيل : كان أبو مرتد ، رحمه الله ، أحد الكرام ، فمدحه بعض الشعراء ، فقال : ما عندي ما أعطيك ، ولكن قدمني إلى القاضي ، وادع علي عشرة آلاف درهم ، حتى أقر لك بها ، ثم أحبسني ، فإن أهلي لا يتركوني مسجونا . ففعل ذلك ، فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم ، وخر من السجن .

Bölüm V01/P284–V01/P286

وقيل : سأل رجل الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه شيئا فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار ، وقيل : أئت بحمال يحمله لك . فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وقال : يكون كراء الحمال من قبلي . وسألت امرأة الليث بن سعد سكرجة عسل ، فأمر لها بزق من عسل فقيل له في ذلك ، فقال : إنها سألت علي قدر حاجتها ، ونحن نعطيها على قدر نعمنا . وقال بعضهم صليت في مسجد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريما لي ، فلما سلمت وضع بين يدي كل واحد حلة ونعلين . وكذلك وضع بين يدي ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : إن الأشعث قدم من مكة ، فأمر بهذا لأهل جماعة مسجده . فقلت : إنما جئت أطلب غريما لي ، ولست من جماعته . فقالوا : و لكل من حضر . وقيل : لما قربت وفاة الشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : مروا فلانا يغسلني . وكان الرجل غائبا . . فلما قدم أخبر بذلك ، فدعا بتذكرته . فوجد عليه سبعين ألف درهم دينا ، فقضها ، وقال : هذا غسلي إياه . وقيل : لما قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار ، فقيل له : تشتري بها قنية فضرب خيمته خارج مكة ، وصب الدنانير ، فكل من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة ، فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب ولم يبق شيء . وقيل : خرج السري يوم عيد ، فاستقبله رجل كبير الشأن ، فسلم السري عليه سلاما ناقصا . فقيل له : هذا رجل كبير الشأن . فقال : قد عرفته ، ولكن روي مسندا : أنه إذا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة : تسعون لأبشهما ، فأردت أن يكون معه الأكثر . وقيل : بكرى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوما ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام ، وأخاف أن يكون الله تعالى قد أهانني . وروي عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، أنه قال : زكاة الدار أن يتخذ فيها بيت للضيافة . وقيل في قوله تعالى : ' هل أتاك حديث ضيف إبرهيم المكرمين . . ' . قيل قيامه عليهم بنفسه ، وقيل : لأن ضيف الكريم كريم . وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربعة لاينبغي للشريف أن ينف منهن ، وإن كان أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته لعالم يتعلم منه ، والسؤال عما لم يعلم . وقال أبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ' ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ' : إنهم كانوا يتحرجون في أن يأكل أحدهم وحده ؛ فرخص لهم في ذلك . وقيل : أضاف عبد الله بن عامر بن كريز رجلا ، فأحسن قراه ، فلما أراد الرجل أن يرتحل عنه لم يعنه غلمانه ، فقيل له في ذلك . فقال عبد الله : إنهم لايعينون من يرتحل عنا . أنشد عبد الله بن باكوية الصوفي قال : أنشدنا المتني في معناه : إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا . . . أن لا يفارقهم فالراحلون هم وقال عبد الله بن المبارك : سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل . وقال بعضهم : دخلت على بشر بن الحارث في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب وهو ينتفض ، فقلت : يا أبا نصر ، الناس يزيدون في الثياب في مثل هذا اليوم وأنت قد نقصت ؟ ! ! فقال : ذكرت الفقراء وما هم فيه ، ولم يكن لي ما أواسيهم به ، فأردت أن أرافقم بنفسي في مقاساة البرد .

Bölüm V01/P286

سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الدقاق يقول : ليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم ، إنما السخاء أن يعطى المعدم الواجد .

Bölüm V01/P286

باب الغيرة

Bölüm V01/P286–V01/P288

قال الله تعالى : ' قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ' . أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي قال : أخبرنا أبو أحمد حمزة ابن العباس البزاز ببغداد قال : حدثنا محمد بن غالب بن حرب قال : حدثنا عبد الله أبن مسلم ، قال : حدثنا محمد بن الفرات ، عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما أحد أغير من الله تعالى ، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ' . أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال : حدثنا علي بن الحسن بن بنان قال : حدثنا عبد الله بن رجاء قال : أخبرنا حرب بن شداد قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة : أن أبا هريرة ، رضي الله عنه ، حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' إن الله يغار ، وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله تعالى : أن يتي العبد المؤمن ما حرم الله عليه ' . والغيرة : كراهية مشاركة الغير ، وإذا وصف الله سبحانه بالغيرة ، فمعناه : أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له تعالى من طاعة عبده له . حكى عن السري السقطي : أنه قرىء بين يديه : ' وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ' . فقال السري لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ ! هذا حجاب الغيرة ، ولا أحد أغير من الله تعالى . ومعنى قوله : ' هذا حجاب الغيرة ' يعني : أنه لم يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق ، رحمه الله : يقول : إن أصحاب الكل عن عبادته تعالى هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخلالان . فأختار لهم البعد عنه ، وأخرهم عن محل القرب ؛ ولذلك تأخروا . وأنشدوا : أنا صب لمن هويت ولكن . . . ما احتيالي لسوء رأي الموالي وفي معناه أيضا قالوا : سقيم ليس يعاد ومريد ولا يراد . سمعت الأستاذ أبا علي ، رحمه الله ، يقول : سمعت العباس الزوزني يقول : كان لي بداية حسنة . . وكنت أعرف كم بقي بيني وبين الوصول إلى مقصودي من الظفر بمرادي ، فرأيت ليلة من الليالي في المنام : كأني أتدهده من خالق الجبل ، فأردت الوصول إلى ذروته . قال : فحزنت ، فأخذني النوم فرأيت قائلا يقول : ياعباس ، الحق لم يرد منك أن تصل إلى ما كنت تطلب ، ولكنه فتح على لسانك الحكمة ، قال : فأصبحت وقد ألهمت كلمات الحكمة . وسمعت الأستاذ أبا علي ، رحمه الله ، يقول : كان شيخ من الشيوخ له حال ووقت مع الله ، فخفي مدة لم ير بين الفقراء ، ثم إنه ظهر بعد ذلك لا على ما كان عليه من الوقت . فسئل عنه فقال : آه . وقع حجاب . وكان الأستاذ أبو علي ، رحمه الله تعالى ، إذا وقع شيء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يقول : هذا من غيرة الحق سبحانه ، يريد أن لا يجري عليهم ما يجري من صفاء هذا الوقت . وأنشدوا في معناه : همت بإتياننا حتى إذا نظرت . . . إلى المرآة نهاها وجهها الحسن وقيل لبعضهم : تريد أن تراه ؟ فقال : لا ، فقيل : لم ؟ فقال : أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي . وفي معناه أنشدوا : إني لأحسد ناظري عليكا . . . حتى أغض إذا نظرت إليكا وأراك تخطر في شمائلك التي . . . هي فتنتي فأغار منك عليكا وسئل الشبلي : مى تستريح ؟

Bölüm V01/P288–V01/P289

فقال : إذا لم أر له ذاكرا . سمعت الأستاذ أبا علي ، رحمه الله . يقول : في قول النبي صلى الله عليه وسلم في مبايعته فرسا من أعرابي ، وأنه استقاله فأقاله ، فقال الأعرابي : عمرك الله تعالى ، ممن أنت ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أمرؤ من قريش . فقال بعض أصحابه من الحاضرين للأعرابي : كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك ! . . وكان رحمه الله يقول : إنما قال امرؤ من قريش غيرة ، وإلا كان واجبا عليه التعرف إلى كل أحد : أنه من هو ؟ . . ثم إن الله ؛ سبحانه ، أجرى علي لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابي يقول : كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك . . ! ! من الناس من قال : إن الغيرة من صفات أهل البداية ، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ، ولا يتصف بالاختيار ، وليس له فيما يجري في المملكة تحكم ، بل الحق سبحانه ، أولى بالأشياء فيما يقضي على ما يقضي . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا عثمان الغربي يقول : الغيرة عمل المريدين ، فأما أهل الحقائق فلا . وسمعته يقول : سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول : سمعت الشبلي يقول : الغيرة غيرتان : غيرة البشرية على النفوس ، وغيرة الإلهية على القلوب . وقال الشبلي أيضا : غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله تعالى ، والواجب أن يقال : الغيرة غيرتان : غيرة الحق ، سبحانه ، على العبد : وهو أن لا يجعله للخلق ، فيضن به عليهم وغيرة العبد للحق ، وهو أن لايجعل شيئا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تعالى فلا يقال : أنا أغار على الله تعالى ، ولكن يقال : أنا أغار لله ، فإذن الغيرة على الله تعالى جهل ، وربما تؤدي إلى ترك الدين ؛ والغيرة لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له . واعلموا أن من سنة الحق ، تعالى ، مع أوليائه : أنهم إذا ساكنوا غيرا ، أو لاحظوا شيئا ، أو ضاجعوا بقلوبهم شيئا ، شوش عليهم ذلك ، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه ، فارغة عما ساكنوه أو لاحظوه أو ضاجعوه ، كآدم ، عليه السلام ، لما وطن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه منها . وإبراهيم ، عليه السلام ، لما أعجبه إسماعيل ، عليه السلام ، أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه فلما أسلما وتله للجبين وصفا سره منه أمره بالفداء عنه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا زيدد المروزي ، رحمه الله ، يقول : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : سمعت محمد بن حسان يقول : بينا أنا أدور في جبل لبنان ، إذ خرج علينا رجل شاب قد أحرقته السموم والرياح ؛ فلما نظر إلي ولى هاربا ، فتبعه ، وقلت له تعظني بكلمة ؟ فقال لي : احذر ، فإنه غيور ، لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن ، رحمه الله ، يقول : قال النصراباذي : الحق تعالى غيور ، ومن غيرته : أنه لم يجعل إليه طريقا سواه . وقيل : أوحى الله ، سبحانه ، إلى بعض أنبيائه : أن لفلان إلى حاجة ، ولي أيضا إليه حاجة ، فإن قضى حاجتي قضيت حاجته ؛ فقال ذلك النبي ، عليه السلام في مناجاته : إلهي ؛ كيف يكون ذلك حاجة ؟ فقال : إنه ساكن بقلبه غيري فليفرغ قلبه عنه أقض حاجته . وقيل : ن أبا يزيج البسطامي رأى جماعة من الحور العين في منامه . .

Bölüm V01/P289–V01/P290

فنظر إليهن ، فسلب وقته أياما ، ثم إنه رأى في منامه جماعة منهن ، فلم يلتفت إليهن وقال : إنكن شواغل . وقيل : مرضت رابعة العدوية ، فقيل لها : ما سبب علنك ؟ فقالت : نظرت بقلبي إلى الجنة فأدبني ، فله العتبي ، لا أعود ويحكى عن السري أنه قال : كنت أطلب رجلا صديقا لي مدة من الأوقات فمررت في بعض الجبال : فإذا أنا بجماعة زمني وعميان ومرضي ، فسألت عن حالهم ، فقالوا : هاهنا يخرج في السنة مرة يدعو لهم فيجدون الشفاء ، فصبرت حتى خرج . . ودعا لهم فوجدوا الشفاء ، فقفوت أثره وتعلقت به ، وقلت له بي علة باطنة ! ! ن فما دواؤها ؟ فقال : يا سري ، خل عني ، فإنه - تعالى - غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه . قال الأستاذ : ومنهم من غيرته ، حين يرى الناس يذكرونه ، تعالى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذلك وتشق عليه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : لما دخل الأعرابي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبال فيه ، وتبادر إليه الصحابة لإخراجه ، قال ، رحمه الله ، إنما أساء الأعرابي الأدب ، ولكن الخجل وقع على أصحابه ، والمشقة حصلت لهم حين رأوا من وضع خشمته ، كذلك العبد إذا عرف جلال قدره ، سبحانه يشق عليه سماع ذكر من يذكره بالغفلة ، وطاعة من لا يعبده بالحرمة . حكى أنا أبا بكر الشبلي مات له ابن كان أسمه أبا الحسن فجزعت أمه عليه ، وقطعت شعر رأسها . فدخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته ، فكل من أتاه معزيا قال : ما هذا يا أبا بكر ؟ فكان يقول : موافقة لأهلي . فقال له بعضهم : أخبرني يا أبا بكر لم فعلت هذا ؟ فقال : علمت أنهم يعزونني على الغفلة ، ويقولون : آجرك الله تعالى ، ففديت ذكرهم لله تعالى بالغفلة بلحيتي . وسمع النوري رجلا يؤذن ، فقال : طعنة وسم الموت ، وسمع كلبا ينبح فقال : لبيك وسعديك . فقيل له : إن هذا ترك للدين . . فنه يقول للمؤمن في تشهده طعنة وسم الموت ، ويلبي عند نباح الكلاب ، فسئل عن ذلك فقال أما ذلك فكان ذكره لله على رأس الغفلة ، وأما الكلب فقال تعالى : ' وإن من شيء إلا يسبح بحمده ' . وأذن الشبلي مرة ، فلما انتهى إلى الشهادتين قال : لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك . وسمع رجل رحلا يقول : جل الله . فقال له : أحب أن تله عن هذا . سمعت بعض الفقراء يقول : سمعت أبا الحسن الخزفاني رحمه الله يقول : لا إله إلا الله من داخل القلب . محمد رسول الله من القرط ومن نظر إلى ظهر هذا اللفظ توهم أنه استصغر الشرع . ولا كما يخضر بالبال ، إذ الإخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق سبحانه متصاغرة في التحقيق .

Sorular