Qur'an&Sunnah

Gazâlî — Mişkâtü'l-Envâr

Bölüm V01/P119

بسم الله الرحمن الرحيم رب أنعمت فزد بفضلك الحمد لله فائض الأنوار وفاتح الأبصار . وكاشف الأسرار ورافع الأستار . والصلاة على محمد نور الأنوار وسيد الأبرار وحبيب الجبار وبشير الغفار ونذير القهار ، وقامع الكفار وفاضح الفجار ؛ وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأخيار . أما بعد فقد سألتني أيها الأخ الكريم قيضك الله لطلب السعادة الكبرى ، ورشحك للعروج إلى الذروة العليا ، وكحل بنور الحقيقة بصيرتك ، ونقى عما سوى الحق سريرتك ، أن أبث إليك أسرار الأنوار الإلهية مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظاهر الآيات المتلوة والأخبار المروية مثل قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) ومعنى تمثيله ذلك بالمشكاة والزجاجة والمصباح والزيت والشجرة ، مع قوله عليه السلام ) إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة وإنه لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره ( . ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقى صعبا تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين ؛ وقرعت بابا مغلقا لا يفتح إلا للعلماء الراخسين . ثم ليس كل سر يكشف ويفشى ، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى ، بل صدور الأحرار قبور الأسرار . ولقد قال بعض العارفين ) إفشاء سر الربوبية كفر ( بل قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ) إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا العلماء بالله ( . فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله ، ومهما كثر أهل الاغترار وجب حفظ الأسرار على وجه الإسرار . لكني أراك مشروح الصدر بالله بالنور ، منزه السر عن ظلمات الغرور فلا أشح عليك في هذا الفن بالإشارة إلى لوامع ولوائح والرمز إلى حقائق ودقائق . فليس الخوف في كف العلم عن أهله بأقل منه في بثه إلى غير أهله . فمن منح الجهال علما أضاعه . . . ومن منع المستوجبين فقد ظلم فاقنع بإشارات مختصرة وتلويحات موجزة ؛ فإن تحقيق القول فيه يستدعي تمهيد أصول وشرح فصول ليس يتسع الآن لها وقتى ، وليس ينصرف إليه همي وفكرتي . ومفاتيح القلوب بيد الله يفتحها إذا شاء كما شاء بما يشاء . وإنما الذي ينفتح في الوقت فصول ثلاثة . الفصل الأول في بيان أن النور الحق هو الله تعالى وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقة له وبيانه بأن يعرف معنى النور بالوضع الأول عند العوام ، ثم بالوضع الثاني عند الخواص ، ثم بالوضع الثالث عند خواص الخواص . ثم تعرف درجات الأنوار المذكورة المنسوبة إلى خواص الخواص وحقائقها لينكشف لك عند ظهور درجاتها أن الله تعالى هو النور الأعلى الأقصى ، وعند انكشاف حقائقها أنه النور الحق الحقيقي وحده لا شريك له فيه . أما الوضع الأول عند العامي فالنور يشير إلى ظهوره ، والظهور أمر إضافي : إذ يظهر الشيء لا محالة الإنسان ويبطن عن غيره : فيكون ظاهرا بالإضافة وباطنا بالإضافة . وإضافة ظهوره إلى الإدراكات لا محالة . وأقوى الإدراكات وأجلاها عند العوام الحواس ، ومنها حاسة البصر . والأشياء بالإضافة إلى الحس البصري ثلاثة أقسام : منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة . ومنها ما يبصر بنفسه ولا يبصر به غيره كالأجسام المضيئة كالكواكب وجمرة النار إذا لم تكن مشتعلة . ومنها ما يبصر بنفسه ويبصر به أيضا غيره كالشمس والقمر والسراج والنيران المشتعلة . والنور اسم لهذا القسم الثالث . تم تارة يطلق على ما يفيض من الأجسام على ظاهر الأجسام الكثيفة ، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الأرض ونور السراج على الحائط والثوب . وتارة يطلق على نفس هذه الأجسام المشرقة لأنها أيضا في نفسها مستنيرة . وعلى الجملة فالنور عبارة عما يبصر بنفسه ويبصر به غيره كالشمس . هذا حده وحقيقته بالوضع الأول . دقيقة

Bölüm V01/P119–V01/P120

لما كان سر النور وروحه هو الظهور للإدراك ، وكان الإدراك موقوفا على وجود النور وعلى وجود العين الباصرة أيضا : إذ النور هو الظاهر المظهر ؛ وليس شيء من الأنوار ظاهرا في حق العميان ولا مظهرا . فقد ساوى الروح الباصرة والنور الظاهر في كونه ركنا لا بد منه للإدراك ثم ترجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك . وأما النور فليس بمدرك ولا به الإدراك ، بل عنده الإدراك . فكان اسم النور بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر . وأطلقوا إسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف ، وفي الأعمش إنه ضعيف نور بصره ، وفي الأعمى إنه فقد نور البصر ، وفي السواد إنه يجمع نور البصر ويقويه ، وإن الأجفان إنما خصتها الحكمة بلون السواد وجعل العين محفوفة بها لتجمع ضوء العين . وأما البياض فيفرق ضوء العين ويضعف نوره ، حتى إن إدامة النظر إلى البياض المشرق ، بل إلى نور الشمس يبهر نور العين ويمحقه كما ينمحق الضعيف في جنب القوى . فقد عرفت بهذا أن الروح الباصر سمى نورا ، وأنه لم سمى نورا ، وأنه لم كان بهذا الإسم أولى . وهذا هو الوضع الثاني وهو وضع الخواص . دقيقة

Bölüm V01/P120–V01/P124

إعلم أن نور بصر العين موسوم بأنواع النقصان : فإنه يبصر غيره ولا يبصر نفسه ، ولا يبصر ما بعد منه ، ولا يبصر ما هو وراء حجاب . ويبصر من الأشياء ظاهرها دون باطنها ؛ ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها . ويبصر أشياء متناهية ولا يبصر ما لا نهاية له . ويغلط كثيرا في إبصاره : فيرى الكبير صغيرا والبعيد قريبا والساكن متحركا والمتحرك ساكنا . فهذه سبع نقائص لا تفارق العين الظاهرة . فإن كان في الأعين عين منزهة عن هذه النقائص كلها فليت شعري هل هو أولى باسم النور أم لا . واعلم أن في قلب الإنسان عينا هذه صفة كمالها وهي التي يعبر عنها تارة بالعقل وتارة بالروح وتارة بالنفس الإنساني . ودع عنك العبارات فإنها إذا كثرت أوهمت عند ضعيف البصيرة كثرة المعاني . فنعني به المعنى الذي يتميز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة وعن المجنون . ولنسمه ) عقلا ( متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول : العقل أولى بأن يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائص السبع أما الأول : وهو أن العين لا تبصر نفسها ، والعقل يدرك غيره ويدرك صفات نفسه : إذ يدرك نفسه عالما وقادرا : ويدرك علم نفسه ويدرك علمه بعلم نفسه وعلمه بعلمه بعلم نفسه إلى غير نهاية . وهذه خاصية لا تتصور لما يدرك بآلة الأجسام . ووراء سر يطول شرحه . والثاني أن العين لا تبصر ما بعد منها ولا ما قرب منها قربا مفرطا : والعقل يستوي عنده القريب والبعيد : يعرج في تطريفه إلى أعلى السموات رقيا ، وينزل في لحظة إلى تخوم الأرضين هربا . بل إذا حقت الحقائق يكشف أنه منزه عن أن تحوم بجنبات قدسه معاني القرب والبعد الذي يفرض بين الأجسام ، فإنه أنموذج من نور الله تعالى ، ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة ، وإن كان لا يرقي إلى ذروة المساواة . وهذا ربما هزك للتفطن لسر قوله عليه السلام ) إن الله خلق آدم على صورته ( فلست أرى الخوض فيه الآن . الثالث أن العين لا تدرك ما وراء الحجب ، والعقل يتصرف في العرش والكرسي وما وراء حجب السموات ، وفي الملأ الأعلى والملكوت الأسمى كتصرفه في عالمه الخاص ومملكته القريبة أعني بدنه الخاص . بل الحقائق كلها لا تحتجب عن العقل . وأما حجاب العقل حيث يحجب فمن نفسه لنفسه بسبب صفات هي مقارنة له تضاهي حجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان . وستعرف هذا في الفصل الثالث من الكتاب . الرابع أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها ؛ بل قوالبها وصورها دون حقائقها . والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها وأرواحها ، ويستنبط سببها وعلتها وغايتها وحكمتها ، وأنها من خلق ، وكيف خلق ، ولم خلق ، ومن كم معنى جمع وركب ، وعلى أي مرتبة في الوجود نزل ، وما نسبته إلى خالقها وما نسبتها إلى سائر مخلوقاته ، إلى مباحث أخر يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى . الخامس أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المعقولات وعن كثير من المحسوسات : إذ لا تدرك الأصوات والروائح والطعوم والحرارة والبرودة والقوى المدركة : أعني قوة السمع والبصر والشم والذوق ، بل الصفات الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذة والعشق والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعد ؛ فهو ضيق المجال مختصر المجرى لا تسعة مجاوزة الألوان والأشكال وهما أخس الموجودات : فإن الأجسام في أصلها أخس أقسام الموجودات ، والألوان والأشكال من أخس أعراضها . فالموجودات كلها مجال العقل ؛ إذ يدرك هذه الموجودات التي عددناها وما لم نعدها ، وهو الأكثر : فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينا صادقا . فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة ، والمعاني الخفية عنده جلية .

Bölüm V01/P124–V01/P127

فمن أين للعين الظاهرة مساماته ومجاراته في استحقاق اسم النور كلا إنها نور بالإضافة إلى غيرها لكنها ظلمة بالإضافة إليه . بل هي جاسوس من جواسيسه وكله بأخس خزائنه وهي خزانة الألوان والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ . والحواس الخمس جواسيسه . وله في الباطن جواسيس سواها من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ ؛ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الخاص يستسخرهم ويتصرف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشد . وشرح ذلك يطول . وقد ذكرناه في كتاب ) عجاب القلب ( من كتاب الإحياء . السادس ان العين لاتبصر ما لانهاية له ، فاإنها تبصر صفات الأجسام والأجسام لاتتصور إلامتناهية . والعقل يدرك المعلومات ، والمعلومات لايتصور ان تكون متناهيه . نعم إذا لاحظ العلوم المفصله فلا يكون الحاظر الحاصل عنده إلا متناهيا . لكن في قوته إدراك ما لانهاية له . وشرح ذلك يطول . فإن أردت له مثالا فخذه من الجليات ، فإنه يدرك الأعداد ولا نهاية لها ؛ بل يدرك تضعيفات الإثنين والثلاثة وسائر الأعداد ولا يتصور لها نهاية . ويدرك أنواعا من النسب بين الأعداد لا يتصور التناهي عليها : بل يدرك علمه بالشىء وعلمه بعلمه بالشيء ، وعلمه بعلمه بعلمه . فقوته في هذا الواحد لا تقف عند نهاية . السابع أن العين تبصر الكبير صغيرا ، فترى الشمس في مقدار مجن والكواكب في صور دنانير منثورة على بساط أزرق . والعقل يدرك أن الكواكب والشمس أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ؛ والعين ترى الكواكب ساكنة ، بل ترى الظل بين يديه ساكنا ، وترى الصبي ساكنا في مقداره ، والعقل يدرك أن الصبي متحرك في النشوء والتزايد على الدوام ، والظل متحرك دائما ، والكواكب تتحرك في كل لحظ أميالا كثيرة كما قال صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام : ) أزالت الشمس ( فقال لا : نعم قال كيف قال ) منذ قلت لا إلى أن قلت نعم ، : قد تحرك مسيرة خمسمائة سنة ( . وأنواع غلط البصر كثيرة ، والعقل منزه عنها . فإن قلت : نرى العقلاء يغلطون في نظرهم فاعلم أن فيهم خيالات وأوهاما واعتقادات يظنون أحكامها أحكام العقل ؛ فالغلط منسوب إليها . وقد شرحنا مجامعها في كتاب ) معيار العلم ( وكتاب ) محك النظر ( . فأما العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط ؛ بل رأى الأشياء على ما هي عليه ، وفي تجريده عسر عظيم . وإنما يكمل تجرده عن هذه النوازع بعد الموت ، وعند ذلك ينكشف الغطاء وتنجلي الأسرار ويصادف كل أحد ما قدم من خير أو شر محضرا ؛ ويشاهد كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وعنده يقال ، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد . وإنما الغطاء غطاء الخيال والوهم وغيرهما ؛ وعنده يقول المغرور بأوهامه واعتقاداته الفاسدة وخيالاته الباطلة ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ) الآية . فقد عرفت بهذا أن العين أولى باسم النور من النور المعروف ، ثم عرفت أن العقل أولى باسم النور من العين . بل بينهما من التفاوت ما يصح معه أن يقال إنه أولى بل الحق أنه المستحق للاسم دونه .

Bölüm V01/P127–V01/P132

دقيقة اعلم أن العقول وإن كانت مبصرة ، فليست المبصرات كلها عندها على وتيرة واحدة ، بل بعضها يكون عندها كأنه حاضر كالعلوم الضرورية مثل علمه بأن الشيء الواحد لا يكون قديما حادثا ولا يكون موجودا معدوما ، والقول الواحد لا يكون صدقا وكذبا ، وأن الحكم إذا ثبت للشيء جوازه ثبت لمثله ، وأن الأخص إذا كان موجودا كان الأعم واجب الوجود : فإذا وجد السواد فقد وجد اللون ، وإذا وجد الإنسان فقد وجد الحيوان . وأما عكسه فلا يلزم في العقل ، إذ لا يلزم من وجود اللون وجود السواد ولا من وجود الحيوان وجود لإنسان إلى غير ذلك من القضايا الضرورية في الواجبات والجائزات والمستحيلات . ومنها ما لا يقارن العقل في كل حال إذا عرض عليه بل يحتاج إلى أن يهز أعطافه ويستوري زناده وينبه عليه بالتنبيه كالنظريات . وإنما ينبهه كلام الحكمة ، فعند إشراق نور الحكمة يصير العقل مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة . وأعظم الحكمة كلام الله تعالى . ومن جملة كلامه القرآن خاصة ، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة إذ به يتم الإبصار . فبالحرى أن يسمى القرآن نورا كما يسمى نور الشمس نورا فمثال القرآن نور الشمس ومثال العقل نور العين . وبهذا نفهم معنى قوله : ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ( ، وقوله : ) قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) . تكملة هذه الدقيقة فقد فهمت من هذا أن العين عينان : ظاهرة وباطنة : فالظاهرة من عالم الحس والشهادة ، والباطنة من عالم آخر وهو عالم الملكوت . ولكل عين من العينين شمس ونور عنده تصير كاملة الإبصار إحداهما ظاهرة والأخرى باطنة ؛ والظاهرة من عالم الشهادة وهي الشمس المحسوسة . والباطنة من عالم الملكوت وهو القرآن وكتب الله تعالى المنزلة . ومهما انكشف لك هذا انكشافا تاما فقد انفتح لك أول باب من أبواب الملكوت . وفي هذا العالم عجائب يستحقر بالإضافة إليها عالم الشهادة . وإن لم يسافر إلى هذا العالم ، وقعد به القصور في حضيض عالم الشهادة فهو بهيمة بعد ، محروم عن خاصية الإنسانية ؛ بل أضل من البهيمة إذ لم تسعد البهيمة بأجنحة الطيران إلى هذا العالم . ولذلك قال الله تعالى : ) أولئك كالأنعام بل هم أضل ( . وأعلم أن الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشر بالإضافة إلى اللب ، وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح ، وكالظلمة بالإضافة إلى النور ، كالسفل بالإضافة إلى العلو . ولذلك يسمى عالم الملكوت العالم العلوي والعالم الروحاني والعالم النوراني . وفي مقابلته السفلي والجسماني والظلماني . ولا تظن أنا نعني بالعالم العلوي السموات فإنها علو وفوق في حق عالم الشهادة والحس ، ويشارك في إدراكه البهائم . وأما العبد فلا يفتح له باب الملكوت ولا يصير ملكوتيا إلا ويبدل في حقه الأرض غير الأرض والسموات فيصير كل داخل تحت الحس والخيال أرضه ومن جملة السموات ، وكل ما ارتفع عن الحس فسماؤه وهذا هو المعراج الأول لكل سالك ابتدأ سفره إلى قرب الحضرة الربوبية . فالإنسان مردود إلى أسفل السافلين ، ومنه يترقى إلى العالم الأعلى . وأما الملائكة فإنهم جملة عالم الملكوت عاكفون في حضرة القدوس ، ومنها يشرفون إلى العالم الأسفل . ولذلك قال عليه السلام ) إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم أفاض عليهم من نوره ( وقال : ) إن لله ملائكة هو أعلم بأعمال الناس منهم ( والأنبياء إذا بلغ معراجهم المبلغ الأقصى وأشرقوا منه إلى السفل ونظروا من فوق إلى تحت اطلعوا أيضا على قلوب العباد وأشرفوا على جملة من علوم الغيب : إذ من كان في عالم الملكوت كان عند الله تعالى - ( وعنده مفاتح الغيب ) أي من عنده تنزل أسباب الموجودات في عالم الشهادة ؛ وعالم الشهادة أثر من آثار ذلك العالم ، يجري منه مجرى الظل بالإضافة إلى السبب . ومفاتيح معرفة المسببات لا توجد إلا من الأسباب ، ولذلك كان عالم الشهادة مثالا لعالم الملكوت كما سيأتي في بيان المشكاة والمصباح والشجرة : لأن المسبب لا يخلو عن موازاة السبب ومحاكاته نوعا من المحاكاة على قرب أو على بعد . وهذا لأن له غورا عميقا ومن اطلع على كنه حقيقته انكشف له حقائق أمثلة القرآن على يسر

Bölüm V01/P132–V01/P135

حقيقة ترجع إلى حقيقة النور فنقول إن كان ما يبصر نفسه وغيره أولى باسم النور ، فإن كان من جملة ما يبصر به غيره أيضا مع أنه يبصر نفسه وغيره ، فهو أولى ، باسم النور من الذي لا يؤثر في غيره أصلا ، بل بالحري أن يسمى سراجا منيرا لفيضان أنواره على غيره . وهذه الخاصية توجد للروح القدسي النبوي إذ تفيض بواسطته أنواع المعارف على الخلائق . وبهذا نفهم معنى تسمية الله محمدا عليه السلام سراجا منيرا . والأنبياء كلهم سرج ، وكذلك العلماء . ولكن التفاوت بينهم لا يحصى . دقيقة إذا كان اللائق بالذي يستفاد منه نور الإبصار أن يسمى سراجا منيرا فالذي يقتبس منه السراج في نفسه جدير بأن يكنى عنه بالنار . وهذه السرج الأرضية إنما تقتبس في أصلها من أنوار علوية . فالروح القدسي النبوي يكاد زيته يضىء ولو لم تمسسه نار . ولكن إنما يصير نورا على نور إذا مسته النار . وبالحرى أن يكون مقتبس الأرواح الأرضية هي الروح الإلهية العلوية التي وصفها علي وابن عباس رضي الله عنهما فقالا : ) إن لله ملكا ( له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بجميعها ( وهو الذي قوبل بالملائكة كلهم فقيل يوم القيامة ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) فهي إذا اعتبرت من حيث يقتبس منها السرج الأرضية لم يكن لها مثال إلا النار ، وذلك لا يؤانس إلا من جانب الطور . دقيقة الأنوار السماوية التي تقتبس منها الأنوار الأرضية إن كان لها ترتيب بحيث يقتبس بعضها من بعض ، فالأقرب من المنبع الأول أولى باسم النور لأنه أعلى رتبة . ومثال ترتيبه في عالم الشهادة لا تدركه إلا بأن يفرض ضوء القمر داخلا في كوة بيت واقعا على مرآة منصوبة على حائط ، ومنعكسا منها إلى حائط آخر في مقابلتها ثم منعطفا منه إلى الأرض بحيث تستنير الأرض . فأنت تعلم أن ما على الأرض من النور تابع لما على الحائط وما على الحائط تابع لما على المرآة ، وما على المرآة تابع لما في القمر ، وما في القمر تابع لما في الشمس : إذ منها يشرق النور على القمر . وهذه الأنوار الأربعة مرتبة بعضها أعلى وأكمل من بعض ، ولكل واحد مقام معلوم ودرجة خاصة لا يتعداها . فاعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الأنوار الملكوتية إنما وجدت على ترتيب كذلك ، وأن المقرب هو الأقرب إلى النور الأقصى . فلا يبعد أن تكون رتبة إسرافيل فوق رتبة جبريل ، وأن فيهم الأقرب لقرب درجته من حضرة الربوبية التي هي منبع الأنوار كلها ، وأن فيهم الأدنى ، وبينهما درجات تستعصي على الإحصاء . وإنما المعلوم كثرتهم وترتيبهم في مقاماتهم وصفوفهم ، وأنهم كما وصفوا به أنفسهم إذ قالوا : ( وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون ) . دقيقة إذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب فاعلم أنه لا يتسلسل إلى غير نهاية ، بل يرتقي إلى منبع أول هو النور لذاته وبذاته ، ليس يأتيه نور من غيره ، ومنه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها . فانظر الآن اسم النور أحق وأولى بالمستنير المستعير نوره من غيره ، أو بالنير في ذاته المنير لكل ما سواه فما عندي أنه يخفى عليك الحق فيه . وبه يتحقق أن اسم النور أحق بالنور الأقصى الأعلى الذي لا نور فوقه ، ومنه ينزل النور إلى غيره . حقيقة

Bölüm V01/P135–V01/P138

بل أقول ولا أبالي إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض : إذ كل ما سواه إذا اعتبر ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له : بل نورانيته مستعارة من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارى بنفسها ، بل بغيرها . ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض . أفترى أن من استعار ثيابا وفرسا ومركبا وسرجا ، وركبه في الوقت الذي أركبه المعير ، وعلى الحد الذي رسمه ، غنى بالحقيقة أو بالمجاز ؟ وأن المعير هو الغنى أو المستعير ؟ كلا ، بل المستعير فقير في نفسه كما كان . وإنما الغنى هو المعير الذي منه الإعارة والإعطاء ، وإليه الاسترداد والانتزاع . فإذن النور الحق هو الذي بيده الخلق والأمر ، ومنه الإنارة أولا والإدامة ثانيا . فلا شركة لأحد معه في حقيقة هذا الاسم ولا في استحقاقه إلا من حيث يسميه به ويتفضل عليه بتسميته تفضل المالك على عبده إذا أعطاه مالا ثم سماه مالكا . وإذا انكشف للعبد الحقيقة علم أنه وماله لمالكه على التفرد لا شريك له فيه أصلا وألبتة . حقيقة مهما عرفت أن النور يرجع إلى الظهور وإلإظهار ومراتبه ، فاعلم أنه لا ظلمة أشد من كتم العدم : لأن المظلم سمى مظلما لأنه ليس للإبصار إليه وصول ، إذ ليس يصير موجودا للبصير مع أنه موجود في نفسه . فالذي ليس موجودا لا لغيره ولا لنفسه كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة وفي مقابلته الوجود فهو النور : فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره . والوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ماله من غيره . وما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه . بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض . وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره ، وذلك ليس بوجود حقيقي كما عرفت في مثال استعارة الثوب والغنى . فالموجود الحق هو الله تعالى ، كما أن النور الحق هو الله تعالى . حقيقة الحقائق من هنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة ، واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى ، وأن ( كل شيء هالك إلا وجهه ) لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلا وأبدا لا يتصور إلا كذلك ، فإن كل شيء سواه إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ؛ وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول الحق رؤى موجودا لا في ذاته لكن من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط . فلكل شيء وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه ؛ فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه . فإذن كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا . ولم يفتقر هؤلاء إلى يوم القيامة ليسمعوا نداء الباري تعالى ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أدبا . ولم يفهموا من معنى قوله ) الله أكبر ( أنه أكبر من غيره ، حاش لله ، إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه ؛ بل بيس لغيره رتبة المعية ، بل رتبة التبعية . بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه . فالموجود وجهه فقط . ومحال أن يقال إنه أكبر من وجهه . بل معناها أنه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة ، وأكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه ، نبيا كان أو ملكا . بل لا يعرف الله كنه معرفته إلا الله . بل كل معروف داخل في سلطة العارف واستيلائه دخولا ما ، وذلك ينافي الجلال والكبرياء . وهذا له تحقيق ذكرناه في كتاب ) المقصد الأسنى ( في معاني أسماء الله الحسنى ( . إشارة

Bölüm V01/P138–V01/P141

العارفون - بعد العروج إلى سماء الحقيقة - اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق . لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك حالا ذوقيا . وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا . فلم يكن عندهم إلا الله ، فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم ، فقال أحدهم ) أنا الحق ( وقال الآخر ) سبحاني ما أعظم شأني ( وقال آخر ) ما في الجبة إلا الله ( وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى . فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه ، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه ) أنا من أهوى ومن أهوى أنا ( ولا يبعد أن يفاجىء الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة قط ، فيظن أن الصورة التي رآها هي صورة المرآة متحدة بها ، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج . وإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغفر وقال : رق الزجاج وراقت الخمر . . . فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح . . . وكأنما قدح ولا خمر وفرق بين أن يقول : الخمر قدح ، وبين أن يقول : كأنه قدح . وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة ) فناء ( بل ) فناء الفناء ( : لأنه فنى عن نفسه وفنى عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا يعدم شعوره بنفسه . ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه . وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحادا أو بلسان الحقيقة توحيدا . ووراء هذه الحقائق أيضا أسرار يطول الخوض فيها . خاتمة

Bölüm V01/P141–V01/P143

لعلك تشتهي أن تعرف وجه إضافة نوره إلى السموات والأرض ، بل وجه كونه في ذاته نور السموات والأرض ، فلا ينبغي أن يخفى ذلك عليك بعد أن عرفت أنه النور ولا نور سواه وأنه كل الأنوار ، وأنه النور الكلي ، لأن النور عبارة عما ينكشف به الأشياء ، وأعلى منه ما ينكشف به وله ، وأعلى منه ما ينكشف به وله ومنه ، وأن الحقيقي منه ما ينكشف به وله ، وأعلى منه ما ينكشف به وله ومنه ، وأن الحقيقي منه ما ينكشف به وله ومنه وليس فوقه نور منه اقتباسه واستمداده : بل ذلك له في ذاته من ذاته لذاته لا من غيره . ثم عرفت أن هذا لن يتصف به إلا النور الأول . ثم عرفت أن السموات والأرض مشحونة نورا من طبقتي النور : اعني المنسوب إلى البصر والبصيرة : أي إلى الحس والعقل . أما البصرى فما نشاهده في السموات من الكواكب والشمس والقمر ، وما نشاهده في الأرض من الأشعة المنبسطة على كل ما على الأرض حتى ظهرت به الألوان المختلفة خصوصا في الربيع ، وعلى كل حال في الحيوانات والمعادن وأصناف الموجودات . ولولاها لم يكن للألوان ظهور ، بل وجود . ثم سائر ما يظهر للحس من الأشكال والمقادير يدرك تبعا للألوان ولا يتصور إدراكها إلا بواسطتها . وأما الأنوار العقلية المعنوية فالعالم الأعلى مشحون بها ، وهي جواهر الملائكة ، والعالم الأسفل مشحون بها وهي الحياة الحيوانية ثم الإنسانية . وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل كما بالنور الملكي ظهر نظام عالم العلو . وهو المعنى بقوله ( أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) وقال تعالى : ( ليستخلفنهم في الأرض ) وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) ، وقال : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) . فإذا ) عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية والباطنة العقلية ، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج وأن السراج هو الروح النبوي القدسي ، وأن الأرواح النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور ؛ وأن العلويات بعضها مقتبسة من البعض ، وأن ترتيبها ترتيب مقامات . ثم ترقى جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول ؛ وأن ذلك هو الله عز وجل وحده لا شريك له ، وأن سائر الأنوار مستعارة ، وإنما الحقيقي نوره فقط ؛ وأن الكل نوره ، بل هو الكل ، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز . فإذن لا نور إلا نوره ، وسائر الأنوار أنوار من الذي يليه لا من ذاته . فوجه كل ذي وجه إليه ومول شطره : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) فإذن لا إله الا هو : فإن الإله عبارة عما الوجه موليه نحوه بالعبادة والتأله : أعني وجوه القلوب فإنها الأنوار . بل كما لا إله إلا هو ، فلا هو إلا هو : لأن ) هو ( عبارة عما إليه إشارة كيفما كان ، ولا إشارة إلا إليه . بل كل ما أشرت إليه فهو بالحقيقة إشارة عليه وإن كنت لا تعرفه أنت لغفلتك عن حقيقة الحقائق التي ذكرناها . ولا إشارى إلى نور الشمس بل إلى الشمس . فكل ما في الوجود فنسبته إليه في ظاهر المثال كنسبة النور إلى الشمس . فإذن ) لا إله إلا الله ( توحيد العوام ، و ) لا إله إلا هو ( توحيد الخواص ، لأن هذا أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة . ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية . وليس وراء ذلك مرقي : إذ الترقي لا يتصور إلا بكثرة : فإنه نوع إضافة يستدعى ما منه الارتقاء وما إليه الارتقاء . وإذا ارتفعت الكثرة حقت الوحدة وبطلت الإضافات وطاحت الإشارات ولم يبق علو وسفل ونازل ومرتفع : واستحال الترقي فاستحال العروج .

Bölüm V01/P143–V01/P147

فليس وراء الأعلى علو ، ولا مع الوحدة كثرة ، ولا مع انتفاء الكثرة عروج ، فإن كان من تغير حال . فالنزول إلى سماء الدنيا : أعني بالإشراف من علو إلى سفل لأن الأعلى له أسفل وليس له أعلى . فهذه هي غاية الغايات ومنتهى الطلبات : يعلمه من يعلمه وينكره من يجهله . وهو من العلم الذي هو كهيئة المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء بالله . فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله . ولا يبعد أن قال العلماء إن النزول إلى السماء الدنيا هو نزول ملك : فقد توهم العلماء ما هو أبعد منه ؛ إذ قال هذا المستغرق بالفردانية أيضا له نزول إلى السماء الدنيا : فإن 1 ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس أو تحريك الأعضاء . وإليه الإشارة بقوله ) صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ( فإذا كان هو سمعه وبصره ولسانه ، فهو السامع والباصر والناطق إذن لا غيره ؛ وإليه الإشارة بقوله : ) مرضت فلم تعدني ( الحديث . فحركات هذا الموحد من السماء الدنيا وإحساساته كالسمع والبصر من سماء فوقه ، وعقله فوق ذلك . وهو يترقي من سماء العقل إلى منتهى معراج الخلائق . ومملكة الفردانية تمام سبع طبقات ثم بعده يستوي على عرش الوحدانية ، ومنه يدبر الأمر لطبقات سمواته . فربما نظر الناظر إليه فأطلق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، إلى أن يمعن النظر فيعلم أن ذلك تأويل كقول القائل ) أنا الحق ( و ) سبحاني ( بل كقوله لموسى عليه السلام : ) مرضت فلم تعدني ( و ) كنت سمعه وبصره ولسانه ( وأرى الآن قبض البيان فما أراك تطيق من هذا القدر أكثر من هذا القدر . ) مساعدة ( لعلك لا تسمو إلى هذا الكلام بهمتك ، بل تقصر دون ذروته همتك ، فخذ إليك كلاما أقرب إلى فهمك وأوفق لضعفك . واعلم أن معنى كونه نور السموات والأرض تعرفه بالنسبة إلى النور الظاهر البصري . فإذا رأيت أنوار الربيع وخضرته مثلا في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى الألوان . وربما ظننت أنك لست ترى مع الألوان غيرها ، فإنك تقول لست أرى مع الخضرة غير الخضرة . ولقد أصر على هذا قوم فزعموا أن النور لا معنى له ، وأنه ليس مع الألوان غير الألوان ، فأنكروا وجود النور مع أنه أظهر الأشياء ، وكيف لا وبه تظهر الأشياء ، وهو الذي يبصر في نفسه ويبصر به غيره كما سبق . لكن عند غروب الشمس وغيبة السراج ووقوع الظل أدركوا تفرقة ضرورية بين محل الظل وبين موقع الضياء فاعترفوا بأن النور معنى وراء الألوان يدرك مع الألوان حتى كأنه لشدة انجلائه لا يدرك ، ولشدة ظهوره يخفى . وقد يكون الظهور سبب الخفاء . والشيء إذا جاوز حده انعكس علي ضده . فإذا عرفت هذا فاعلم أن أرباب البصائر ما رأوا شيئا إلا رأوا الله معه . وربما زاد على هذا بعضهم فقال ) ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله ( لأن منهم من يرى الأشياء به ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء . وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى : ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) ؛ وعلى الثاني الإشارة بقوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق ) فالأول صاحب مشاهدة ، والثاني صاحب الاستدلال عليه ، والأول درجة الصديقين ، والثاني درجة العلماء الراسخين ، وليس بعدهما إلا درجة الغافلين المحجوبين . وإذ قد عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر بالنور الظاهر ، فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله . فهو مع كل شيء لا يفارقه ثم يظهر كل شيء ، كما أن النور مع كل شيء وبه يظهر .

Bölüm V01/P147–V01/P149

ولكن بقى ها هنا تفاوت : وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس ويحجب حتى يظهر الظل ، وأما النور الإلهي الذي به يظهر كل شيء ، لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره . فيبقى مع الأشياء دائما ، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة . ولو تصور غيبته لانهدت السموات والأرض ، ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى المعرفة بما به ظهرت الأشياء . ولكن لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وحدانية خالقها ارتفع التفريق وخفي الطريق : إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا تغير له تتشابه الأحوال في الشهادة له . فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة جلائه والغفلة عنه لإشراق ضيائه . فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره ، واحتجب عنهم لإشراق نوره . وربما لم يفهم أيضا كنه هذا الكلام بعض القاصرين ، فيفهم من قولنا ) إن الله مع كل شيء كالنور مع الأشياء ) أنه في كل مكان ؛ تعالى وتقدس عن النسبة إلى المكان . بل لعل الأبعد عن إثارة هذا الخيال أن نقول إنه قبل كل شيء ؛ وإنه فوق كل شيء ؛ وإنه مظهر كل شيء . والمظهر لا يفارق المظهر في معرفة صاحب البصيرة فهو الذي نعني بقولنا عنه مع كل شيء . ثم لا يخفى عليك أيضا أن المظهر وفوقه مع أنه معه بوجه : لكنه معه بوجه وقبله بوجه . فلا تظنن أنه متناقض ، واعتبر بالمحسوسات التي هي درجتك في العرفان ؛ وانظر كيف تكون حركة اليد مع حركة ظل اليد وقبلها أيضا . ومن لم يتسع صدره لمعرفة هذا فليهجر هذا النمط من العلم ، فلكل علم رجال ؛ وكل ميسر لما خلق له . صفحة فارغة .

Bölüm V01/P149–V01/P150

الفصل الثاني في بيان مثال المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار

Bölüm V01/P150–V01/P153

ومعرفة هذا يستعدي تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود . لكني أشير إليهما بالرمز والاختصار : أحدهما في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط أرواح المعاني بقوالب الأمثلة ، ووجه كيفية المناسبة بينها ، وكيفية الموازنة بين عالم الشهادة التي منها تتخذ طينة الأمثال ، وعالم الملكوت الذي منه تستنزل أرواح المعاني . والثاني في طبقات أرواح الطينة البشرية ومراتب أنوارها ؛ فإن هذا المثال مسوق لبيان ذلك ؛ إذ قرأ ابن مسعود ) مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة ( وقرأ أبي بن كعب : ) مثل نور قلب من آمن ( . الأول في سر التمثيل ومنهاجه اعلم أن العالم عالمان : روحاني وجسماني : وإن شئت قلت : حسي وعقلي ؛ وإن شئت علوي وسفلي . والكل متقارب ، وإنما تختلف باختلاف الاعتبارات : فإذا اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسماني وروحاني ، وإن اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسي وعقلي . وإن اعتبرتهما بإضافة أحدهما إلى الآخر قلت علوي وسفلى . وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت . ومن نظر إلى الحقائق من الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ وتخيل كثرة المعاني . والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تابعا . وأمر الضعيف بالعكس ؛ إذ يطلب الحقائق من الألفاظ . وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم ( . وإذ قد عرفت معنى العالمين فاعلم أن العالم الملكوتي عالم غيب ؛ إذ هو غائب عن الأكثرين . والعالم الحسي عالم شهادة إذ يشهده الكافة . والعالم الحسي مرقاة إلى العقل . فلو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسد طريق الترقي إليه . ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى حضرة الربوبية والقرب من الله تعالى . فلم يقرب من الله تعالى أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس . والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال هو الذي نعنيه بعالم القدس . فإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس . وربما سمينا الروح البشري الذي هو مجرى لوائح القدس ) الوادي المقدس ( . ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معاني القدس . ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها . فلا تظنن أن هذه الألفاظ طامات غير معقولة عند أرباب البصائر . واشتغالي الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدني عن المقصد . فعليك التشمير لفهم هذه الألفاظ فأرجع إلى الغرض وأقول : لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت ، وكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي ؛ وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى - فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر - جعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت : فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم . وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت . وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة . وإنما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة ، وطابقه نوعا من المطابقة . وإحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها ، ولن تفي به القوة البشرية وما اتسع لفهمه القوة البشرية . فلا تفي بشرحه الأعمار القصيرة . فغايتي أن أعرفك منها أنموذجا لتستدل باليسير منها على الكثير ، وينفتح لك باب الاستعبار بهذا النمط من الأسرار فأقول : إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة ، منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ، ولأجلها قد تسمى أربابا ، ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك ، ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة ، فبالحرى أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب .

Bölüm V01/P153–V01/P156

والسالك للطريق أولا ينتهي إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نوره وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره ؛ ويتضح له من جماله وعلو درجته ما يبادر فيقول : ) هذا ربي ( ثم إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر ، رأى دخول الأول في مغرب الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال : ) لا أحب الآفلين ( وكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى ، فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه . والمناسبة مع ذي النقص نقص وأفول أيضا . فمنه يقول : ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ) ومعنى ) الذي ( إشارة مبهمة لا مناسبة لها : إذ لو قال قائل ما مثال مفهوم ) الذي ( لم يتصور أن يجاب عنه . فالمتنزه عن كل مناسبة هو الأول الحق . ولذلك لما قال بعض الأعراب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ) ما نسب الإله ؟ ( نزل في جوابه ( قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد ( إلى آخرها ، معناه أن التقدس والتنزه عن النسبة نسبته . ولذلك لما قال فرعون لموسى : ( وما رب العالمين ) كالطالب لماهيته لم يجب إلا بتعريفه بأفعاله ، إذ كانت الأفعال أظهر عند السائل فقال : ( رب السموات والأرض ) ، فقال فرعون لمن حوله ( ألا تسمعون ) كالمنكر عليه في عدوله في جوابه عن طلب الماهية ، فقال موسى : ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) فنسبه فرعون إلى الجنون إذ كان مطلبه المثال والماهية ؛ وهو يجيب عن الأفعال ، فقال : ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) . ولنرجع إلى الأنموذج فنقول علم ) التعبير ( يعرفك منهاج ضرب المثال ؛ لأن الرؤيا جزء من النبوة . أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان ، لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني - وهو الإستعلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع . والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها كما يفيض السلطان أنواره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان . وأن من يرى أنه في يده خاتم يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان . وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هي أمه وهو لا يعرف . واستقصاء أبواب التعبير يزيك أنسا بهذا الجنس ، فلا يمكنني الاشتغال بعدها : بل أقول : كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب ، فكذلك فيها ما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية . فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر ، ومنه ينفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله ) الطور ( ؛ وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس بعضهم أولى من بعض فمثالها الوادي . وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب ، فهذه القلوب أيضا أودية . ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم من بعدهم . فإن كانت هذه الأودية دون الأول وعنها تغترف ، فبالحرى أن يكون الأول هو الوادي الأيمن لكثرة يمنه وعلو درجته . وإن كان الوادي الأدون يتلقى من آخر درجات الوادي الأيمن فمغترفه شاطىء الوادي الأيمن دون لجته ومبدئه . وإن كان روح النبي سراجا منيرا ، وكان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال : ( أوحينا إليك روحا من أمرنا ) فما منه الإقتباس مثاله النار ، وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما سمعه ، وبعضهم على حظ من البصيرة ، فمثال حظ المقلد الخبر ، ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب .

Bölüm V01/P156–V01/P159

فإن صاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال . ومثال تلك المشاركة الإصطلاء . وإنما يصطلي بالنار من معه النار ، لا من يسمع خبرها . وإن كان أول منزل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال ، فمثال ذلك المنزل الوادي المقدس . وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطراح الكونين - أعني الدنيا والآخرة - والتوجه إلى الواحد الحق ، ولأن الدنيا والآخرة متقابلتان متحاذيتان وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى ، فمثال اطراحهما عند الإحرام للتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين . بل نترقي إلى حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول : إن كان في تلك الحضرة شيء بواسطته تنتقش العلوم المفصلة في الجواهر القابلة لها فمثاله ) القلم ( . وإن كان في تلك الجواهر القابلة ما بعضها سابق إلى التلقي ، ومنها تنتقل إلى غيرها ، فمثالها ) اللوح المحفوظ ( و ) الرق المنشور ( . وإن كان فوق الناقش للعلوم شيء هو مسخر فمثاله ) اليد ( وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله ) الصورة ( وإن كان يوجد للصورة الإنسية نوع ترتيب على هذه الشاكلة ، فهي على صورة الرحمن . وفرق بين أن يقال ) على صورة الرحمن ( وبين أن يقال ) على صورة الله ( لأن الرحمة الإلهية هي التي صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة . ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم أو هو نسخة من العالم مختصرة . وصورة آدم - أعني هذه الصورة - مكتوبة بخط الله . فهو الخط الإلهي الذي ليس برقم حروف ، إذ تنزه خطه عن أن يكون رقما وحروفا كما تنزه كلامه عن أن يكون صوتا وحرفا ، وقلمه عن أن يكون خشبا وقصبا ، ويده عن أن تكون لحما وعظما . ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه : إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه . فلما كان هذا من آثار الرحمة صار على صورة الرحمن لا على صورة الله : فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية . ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال : ( قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ) ولولا هذا المعنى لكان ينبغي أن يقول على صورته واللفظ الوارد في الحديث الصحيح على صورة الرحمن . ولأن تمييز حضرة الملك عن الإلهية والربوبية يستدعي شرحا طويلا فلنتجاوزه ، ويكفيك من الأنموذج هذا القدر ، فإن هذا بحر لا ساحل له . فإن وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فآن قلبك بقوله تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) الآية ، وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن والأودية القلوب .

Bölüm V01/P159–V01/P162

خاتمة واعتذار لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب المثال رخصة مني في رفع الظاهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان ، ولم يسمع الخطاب بقوله : ) اخلع نعليك ( حاش لله فإن إبطال الظواهر رأى الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بين العالمين ، ولم يفهموا وجهه . كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية . فالذي يجرد الظاهر حشوى ، والذي يجرد الباطن باطني . والذي يجمع بينهما كامل . ولذلك قال عليه السلام : ) للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع ( وربما نقل هذا عن على موقوفا عليه . بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين اطراح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا بخلع نعليه ، وباطنا باطراح العالمين . وهذا هو ) الاعتبار ( أي العبور من الشيء إلى غيره ، ومن الظاهر إلى السر . وفرق بين من يسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) لا يدخل الملائكة بيتا فيه كلب ( فيقتنى الكلب في البيت ويقول ليس الظاهر مرادا ، بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب لأنه يمنع المعرفة التي هي من أنوار الملائكة : إذا الغضب غول العقل ، وبين من يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول : الكلب ليس كلبا لصورته بل لمعناه - وهو السبعية والضراوة - وإذا كان حفظ البيت الذي هو مقر الشخص والبدن واجبا عن صورة الكلب ، فبأن يجب حفظ بيت القلب - وهو مقر الجوهر الحقيقي الخاص - عن شر الكلبية أولى . فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعا ، فهذا هو الكامل : وهو المعنى بقولهم ) الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ( ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد من حدود الشرع مع كمال البصيرة . وهذه مغلطة منها وقع بعض السالكين إلى الإباحة وطى بساط الأحكام ظاهرا ، حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائما في الصلاة بسره . وهذا سوى مغلطة الحمقى من الإباحية الذين مأخذهم ترهات كقول بعضهم ) إن الله غني عن عملنا ( وقول بعضهم إن الباطن مشحون بالخبائث ليس يمكن تزكيته ولا يطمع في استئصال الغضب والشهوة لظنه أنه مأمور باستئصالها : وهذه حماقات . فأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك حسده الشيطان فدلاه بحبل الغرور . وأرجع إلى حديث النعلين فأقول : ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين . فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة . وأهل هذا التنبيه هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتي معنى الزجاجة ؛ لأن الخيال الذي من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار ؛ ولكن إذا صفا حتى صار كالزجاج الصافي غير حائل عن الأنوار ، بل صار مع ذلك مؤديا للأنوار ، بل صار مع ذلك حافظا للأنوار عن الانطفاء بعواصف الرياح . وستأتيك قصة الزجاجة . فاعلم أن العالم الكثيف الخيالي السفلي صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار ، ومرقاة إلى العالم الأعلى . وبهذا يعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر . وقس على هذا ) الطور ( و ) النار ( وغيرهما . دقيقة

Bölüm V01/P162–V01/P165

إذا قال الرسول عليه السلام : ) رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا ( فلا تظنن أنه لم يشاهده بالبصر كذلك ، بل رآه في يقظته كما يراه النائم في نومه ؛ وإن كان عبد الرحمن مثلا نائما في بيته بشخصه ، فإن النوم إنما أثر في أمثال هذه المشاهدات لقهره سلطان الحواس عن النور الباطن الإلهي ، فإن الحواس شاغلة له وجاذبة إياه إلى عالم الحس ، وصارفة وجهه عن عالم الغيب والملكوت . وبعض الأنوار النبوية قد يستعلي ويستولي بحيث لا تستجره الحواس إلى عالمها ولا تشغله ، فيشاهد في اليقظة ما يشاهد غيره في المنام . ولكنه إذا كان في غاية الكمال لم يقتصر إدراكه على محض الصورة المبصرة ، بل عبر منها إلى السر فانكشف له أن الإيمان جاذب إلى العالم الذي يعبر عنه بالجنة ؛ والغنى والثروة جاذب إلى الحياة الحاضرة وهي العالم الأسفل . فإن كان الجاذب إلى أشغال الدنيا أقوى أو مقاوما للجاذب الآخر صد عن المسير إلى الجنة . وإن كان جاذب الإيمان أقوى أورث عسرا وبطئا في سيره ؛ فيكون مثاله من عالم الشهادة ) الحبو ( فكذلك تتجلى له أنوار الأسرار من وراء زجاجات الخيال . ولذلك لا يقتصر في حكمه على عبد الرحمن وإن كان إبصاره مقصورا عليه ، بل يحكم به على كل من قويت بصيرته واستحكم إيمانه ، وكثرت ثروته كثرة تزاحم الإيمان لكن لا تقاومه لرجحان قوة الإيمان . فهذا يعرفك كيفية إبصار الأنبياء الصورة وكيفية مشاهدتهم المعاني من وراء الصور . والأغلب أن يكون المعنى سابقا إلى المشاهدة الباطنة ثم يشرق منها على الروح الخيالي فينطبع الخيال بصورة موازنة للمعنى محاكية له . وهذا النمط من الوحي في اليقظة يفتقر إلى التأويل ، كما أنه في النوم يفتقر إلى التعبير . والواقع منه في النوم نسبته إلى الخواص النبوية نسبة الواحد إلى ستة وأربعين . والواقع في اليقظة نسبته أعظم من ذلك . وأظن أن نسبته إليه نسبة الواحد إلى الثلاثة . فإن الذي انكشف لنا من الخواص النبوية ينحصر شعبها في ثلاثة أجناس ، وهذا واحد من تلك الأجناس الثلاثة . القطب الثاني في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن فالأول منها الروح الحساس وهو الذي يتلقى ما تورده الحواس الخمس ، وكأنه أصل الروح الحيواني وأوله ، إذ به يصير الحيوان حيوانا . وهو موجود للصبي الرضيع . الثاني الروح الخيالي ، وهو الذي يستثبت ما أورده الحواس ويحفظه مخزونا عنده ليعرضه على الروح العقلي الذي فوقه عند الحاجة إليه . وهذا لا يوجد للصبي الرضيع في بداية نشوئه : ولذلك يولع بالشيء ليأخذه ، فإذا غاب عنه ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا فيصير بحيث إذا غيب عنه بكى وطلب ذلك لبقاء صورته محفوظة في خياله . وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض ، ولا يوجد للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار لشغفه بضياء النهار : فيظن أن السراج كوة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقي نفسه عليه فيتأذى به . لكنه إذا جاوزه وحصل في الظلمة عاوده مرة بعد مرة . ولو كان له الروح الحافظ المستثبت لما أداه الحس إليه من الألم لما عاوده بعد أن تضرر مرة به فالكلب إذا ضرب مرة بخشبة ، فإذا رأى الخشبة بعد ذلك من بعد هرب . الثالث الروح العقلي الذي به تدرك المعاني الخارجة عن الحس والخيال ، وهو الجوهر الإنسي الخاص ، ولا يوجد لا للبهائم ولا للصبيان . ومدركاته المعارف الضرورية الكلية كما ذكرناه عند ترجيح نور العقل على نور العين . الرابع الروح الفكري ، وهو الذي يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف شريفة . ثم إذا استفاد نتيجتين مثلا ، ألف بينهما مرة أخرة واستفاد نتيجة أخرى . ولا يزال يتزايد كذلك إلى غير نهاية .

Bölüm V01/P165–V01/P168

الخامس الروح القدسي النبوي الذي يختص به الأنبياء وبعض الأولياء ، وفيه تتجلى لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السموات والأرض ، بل من المعارف الربانية التي يقصر دونها الروح العقلي والفكري . وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به ( الآية . فلا يبعد أيها العاكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل ، كما لا يبعد كون العقل طورا وراء التمييز والإحساس تنكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز . ولا تجعل أقصى الكمال وقفا على نفسك . وإن أردت مثالا مما نشاهده من جملة خواص بعض البشر فانظر إلى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس وهو نوع إحساس وإدراك ، ويحرم عنه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من المنزحفة . وانظر كيف عظمت قوة الذوق في طائفة حتى استخرجوا بها الموسيقى والأغاني والأوتار وصنوف الدستانات التي منها المحزن ومنها المطرب ومنها المنوم ومنها المضحك ومنها المجنن ومنها القاتل ، ومنها الموجب للغشى . وإنما تقوى هذه الآثار فيمن له أصل الذوق . وأما العاطل عن خاصية الذوق فيشارك في سماع الصوت وتضعف فيه هذه الآثار ، وهو يتعجب من صاحب الوجد والشغى . ولو اجتمع العقلاء كلهم من أرباب الذوق على تفهيمه معنى الذوق لم يقدروا عليه . فهذا مثال في أمر خسيس لكنه قريب إلى فهمك . فقس به الذوق الخاص النبوي واجتهد أن تصير من أهل الذوق بشيء من ذلك الروح : فإن للأولياء منه حظا وافرا . فإن لم تقدر فاجتهد أن تصير بالأقيسة التي ذكرناها والتنبيهات التي رمزنا إليها من أهل العلم بها . فإن لم تقدر فلا أقل من أن تكون من أهل الإيمان بها : و ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) . والعلم فوق الإيمان ، والذوق فوق العلم . فالذوق وجدان والعلم قياس والإيمان قبول مجرد بالتقليد . وحسن الظن بأهل الوجدان أو بأهل العرفان . فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنها بجملتها أنوار لأنها تظهر أصناف الموجودات ، والحسى والخيالي منها ، وإن كان يشارك البهائم في جنسها ، لكن الذي للإنسان منه نمط آخر أشرف وأعلى ؛ وخلق الإنسان لأجل غرض أجل وأسمى . أما الحيوانات فلم يخلق ذلك لها إلا ليكون آلتها في طلب غذائها في تسخيرها للآدمي . وإنما خلق للأدمي ليكون شبكة له يقتنص بها من العالم الأسفل مبادىء المعارف الدينية الشريفة . إذ الإنسان إذا أدرك بالحس شخصا معينا اقتبس عقله منه معنى عاما مطلقا كما ذكرنا في مثال حبو عبد الرحمن بن عوف . وإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فلنرجع إلى عرض الأمثلة . بيان أمثلة هذه الآية اعلم أن القول في موازنة هذه الأرواح الخمسة للمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت يمكن تطويله ، لكني أوجزه وأقتصر على التنبيه على طريقه فأقول : أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من ثقب عدة كالعينين والأذنين والمنخرين وغيرها . وأوفق مثال له من عالم الشهادة المشكاة . وأما الروح الخيالي فنجد له خواص ثلاثا : إحداهما : أنه من طينة العالم السفلي الكثيف : لأن الشيء المتخيل ذو مقدار وشكل وجهات محصورة مخصوصة . وهو على نسبة من المتخيل من قرب أو بعد . ومن شأن الكثيف الموصوف بأوصاف الأجسام أن يحجب عن الأنوار العقلية المحضة التي تتنزه عن الوصف بالجهات والمقادير والقرب والبعد . الثانية : أن هذا الخيال الكثيف إذا صفى ودقق وهذب وضبط صار موازيا للمعاني العقلية ومؤديا لأنوارها ، غير حائل عن إشراق نورها منها . الثالثة : أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جدا ليضبط به المعارف العقلية فلا تضطرب ولا تتزلزل ولا تنتشر انتشارا يخرج عن الضبط .

Bölüm V01/P168–V01/P171

فنعم المعين المثالات الخيالية للمعارف العقلية . وهذه الخواص الثلاث لا نجدها في عالم الشهادة بالإضافة إلى الأنوار المبصرة الا للزجاجة : فإنها في الأصل من جوهر كثيف لكن صفى ورقق حتى لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة والحركات العنيفة . فهي أول مثال له . وأما الثالث وهو الروح العقلي الذي به إدراك المعارف الشريفة الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح . وقد عرفت هذا فيما سبق من بيان كون الأنبياء سرجا منيرة . وأما الرابع وهو الروح الفكري فمن خاصيته أنه يبتدىء من أصل واحد ثم تتشعب منه شعبتان ، ثم من كل شعبة شعبتان وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية ، ثم يفضي بالآخرة إلى نتائج هي ثمراتها . ثم تلك الثمرات تعود فتصير بذورا لأمثالها : إذ يمكن أيضا تلقيح بعضها بالبعض حتى يتمادى إلى ثمرات وراءها كما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم . فبالحرى أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة . وإذ كانت ثمراته مادة لتضاعف أنوار المعارف وثباتها وبقائها فبالحرى ألا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح والرمان وغيرها ، بل من جملة سائر الأشجار بالزيتونة خاصة : لأن لب ثمرها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح ، ويختص من سائر الأدهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان . وإذا كانت الماشية التي يكثر نسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة ، فالتي لا يتناهى ثمرتها إلى حد محدود أولى أن تسمى شجرة مباركة . وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن قبول الإضافة إلى الجهات والقرب والبعد ، فالبالحرى أن تكون لا شرقية ولا غربية . وأما الخامس : وهو الروح القدسي النبوي المنسوب إلى الأولياء إذا كان في غاية الصفاء والشرف وكانت الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنواع المعارف ، وبعضها يكون في شدة الصفاء كأنه يتنبه بنفسه من غير مدد من خارج ، فبالحرى أن يعبر عن الصافي البالغ الاستعداد بأنه يكاد زيته يضيء ، ولو لم تمسسه نار : إذ من الأولياء من يكاد يشرق نوره حتى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء ؛ وفي الأنبياء من يكاد يستغني عن مدد الملائكة . فهذا المثال موافق لهذا القسم . وإذا كانت هذه الأنوار مترتبة بعضها على بعض : فالحسى هو الأول ، وهو كالتوطئة والتمهيد للخيالي ، إذ لا يتصور الخيالي إلا موضوعا بعده ؛ والفكري والعقلي يكونان بعدهما ؛ فبالحرى أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة : فيكون المصباح في زجاجة ، والزجاجة في مشكاة . وإذ كانت هذه كلها أنوارا بعضها فوق بعض فبالحرى أن تكون نورا على النور

Bölüm V01/P171–V01/P176

خاتمة هذا المثال إنما يتضح لقلوب المؤمنين أو لقلوب الأنبياء والأولياء لا لقلوب الكفار : فإن النور يراد للهداية . فالمصروف عن طريق الهدى باطل وظلمة ، بل أشد من الظلمة : لأن الظلمة لا تهدي إلى الباطل كما لا تهدي إلى الحق . وعقول الكفار انتكست ، وكذلك سائر إدراكاتهم وتعاونت على الإضلال في حقهم . فمثالهم كرجل في ) بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ( والبحر واللجى هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والأشغال المردية والكدورات المعمية . والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية والإشتغال باللذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية حتى إنهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام . وبالحرى أن يكون هذا الموج مظلما لأن حب الشيء يعمى ويصم . والموج الثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر والتكاثر . وبالحري أن يكون مظلما لأن الغضب غول العقل . وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى : لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات المشتهاة . وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلا . وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة ، والظنون الكاذبة ، والخيالات الفاسدة التي صارت حجبا بين الكافرين وبين الإيمان ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل : فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس . وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض . وإذا كانت هذه الظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة ، ولذلك حجب الكفار عن معرفة عجائب أحوال النبي عليه السلام مع قرب متناوله وظهوره بأدنى تأمل ، فبالحرى أن يعبر عنه بأنه لو أخرج يده لم يكد يراها . وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق كما سبق بيانه فبالحرى أن يعتقد كل موحد أن ) ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( فيكفيك هذا القدر من أسرار هذه الآية فاقنع به . صفحة فارغة الفصل الثالث في معنى قوله عليه السلام إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره وفي بعض الروايات سبعمائة ، وفي بعضها سبعين ألفا : فأقول : إن الله تعالى متجل في ذاته لذاته ، ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة ؛ وإن المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام : منهم من حجب بمجرد الظلمة ؛ ومنهم من حجب بالنور المحض ؛ ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة . وأصناف هذه الأقسام كثيرة أتحقق كثرتها ، ويمكنني أن أتكلف حصرها في سبعين ، لكن لا أثق بما يلوح لي من تحديد وحصر ، إذ لا أدري أنه المراد بالحديث أم لا . أما الحصر إلى سبعمائة وسبعين ألفا فذلك لا يستقل به إلا القوة النبوية ، مع أن ظاهر ظني أن هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا للتحديد ؛ وقد تجري العادة بذكر عدد ولا يراد به الحصر بل التكثير . والله أعلم بتحقيق ذلك ، فذلك خارج عن الوسع . وإنما الذي يمكنني الآن أن أعرفك هذه الأقسام وبعض أصناف كل قسم فأقول : القسم الأول