Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة والمدخل

Bölüm V01/P005

الحمد لله ، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة ، والصلاة على محمد المصطفى ، صاحب النبوة والرسالة ، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة . أما بعد : فقد سألتني أيها الأخ في الدين ، أن أبث إليك غاية العلوم وأسرارها ، وغائلة المذاهب وأغوارها ، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد ، إلى يفاع الاستبصار ، وما استفدته ، أولا من علم الكلام ، وما اجتويته ، ثانيا من طرق أهل التعليم ، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام وما ازدريته ، ثالثا من طرق التفلسف وما ارتخيته ، آخرا من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق ، من لباب الحق ، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة ، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك ، بعد الوقوف على صدق رغبتك ، وقلت مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، ومستوفقا منه ، وملتجئا إليه : اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم ، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق ، وتباين الطرق ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، ' وكل حزب بما لديهم فرحون ' . وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه ، وهوا لصادق المصدوق حيث قال : ' ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ' فقد كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني ، من أول أمري ، وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي ، وحتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا ، إذ رأيت : صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر ، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود ، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام . وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ' كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ' فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين ، والتمييز بين هذه التقليدات ، وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي : أولا إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي ؟

Bölüm V01/P005–V01/P006

فظهر لي : أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم ، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارنا لليقين ، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلا - من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ، لم يروث ذلك شكا وإنكارا ، فإني إذا علمت : أن العشرة أكثر من الثلاثة ، فلو قال لي قائل : لا بل الثلاثة أكثر ، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا ، وقلبها ، وشاهدت ذلك منه ، لم أشك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه ، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني .

Bölüm V01/P006

مدخل السفسطة وجحد العلوم

Bölüm V01/P006–V01/P009

ثم فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة ، إلا في الحسيات ، والضروريات ، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات ، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات ، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمان محقق لا غدر فيه ، ولا غائلة له . فأقبلت بجد بليغ ، أتأمل المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا ، وأخذ يتسع فيها ويقول : من أين الثقة بالحواس ؟ وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، وتحكم بنفي الحركة ، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك ، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة ، بل بالتدريج ذرة ، ذرة ، حتى لم يكن له حالة وقوف . وتنظر إلى الكوكب ، فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا ، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس ، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا ، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات ، كقولنا : العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون قديما ، موجودا معدوما ، واجبا محالا . فقالت الحواس : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ، فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة ! ! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا وأيدت إشكالها بالمنام ، وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل أحوالا ، وتعتقد لها ثباتا ، واستقرارا ، ولا تشكل في تلك الحالة فيها ، وثم تستيقظ فتعلم : أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل . فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك ، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها ، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك ، كنسبة يقظتك إلى منامك ، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها ! فإذا وردت تلك الحالة ، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها . ولعل تلك الحالة ، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم ، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم ، وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات ، ولعل تلك الحالة هي الموت ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ' . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة ، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك : ' فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ' . فلما خطر لي هذه الخواطر ، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر ، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية . فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل . فأعضل الداء ، ودام قريبا من شهرين ، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال .

Bölüm V01/P009–V01/P011

حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ' الشرح ' ومعناه في قوله تعالى : ' فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ' قال : ' هو نور يقذفه الله تعالى في القلب ' . فقيل : وما علامته ؟ قال : ' التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ' . وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه : ' إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ' فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف ، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين ، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلم : ' إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها ' والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب ، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب . فإن الأوليات ليست مطلوبة ، فإنها حاضرة ، والحاضر إذا طلب نفر واختفى ، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب .

Bölüm V01/P011–V01/P015

القول في أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده ، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق : 1 - المتكلمون : وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر . 2 - الباطنية : وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم ، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم . 3 - الفلاسفة : وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان . 4 - الصوفية : وهم يدعون أنهم خواص الحضرة ، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي : الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة ، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق ، فإن شذ الحق عنهم ، فلا يبقى في درك الحق مطمع ، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته ، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد ، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده ، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف ، إلا أن يذاب بالنار ، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة . فابتدرت لسلوك هذه الطرق ، واستقصاء ما عند هذه الفرق . مبتدئا بعلم الكلام . ومثنيا بطريق الفلسفة ، ومثلثا بتعلم الباطنية ، ومربعا بطريق الصوفية . علم الكلام مقصوده وحاصله ثم إني ابتدأت بعلم الكلام ، فحصلته ، وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودي ، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة ، وحراستها عن تشويش أهل البدعة ، فقد ألقى الله تعالى ، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق . على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم ، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار . ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة ، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها . فأنشأ الله تعالى ، طائفة المتكلمين ، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب ، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة ، على خلاف السنة المأثورة ، فمنه نشأ علم الكلام وأهله ، فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه ، فأحسنوا الذب عن السنة ، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة ، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة ، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها ، إما التقليد ، أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم ، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا ، فلم يكن الكلام في حقي كافيا ، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا . نعم لما نشأت صنعة الكلام ، وكثر الخوض فيه ، وطالت المدة ، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها . ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق . ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري ، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ، ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات ، والغرض الآن : حكاية حالي ، لا الإنكار على من استشفى به ، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء ، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر . الفلسفة أحاصيلها

Bölüm V01/P015–V01/P022

، ما يذم منها وما لا يذم ، وما يكفر فيه قائلة ، وما لا يكفر ، وما يبدع فيه وما لا يبدع ، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق ، وما مزجوه بكلامهم لترويج باطلهم في درج ذلك ، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم . ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة ، وعلمت يقينا : أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم ، ثم يزيد عليه ، ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ، من غوره وغائله ، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا . ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك ، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد عليهم - إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي ، فضلا عمن يدعي دقائق العلم ، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنه رمى في عماية . فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب ، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد . فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة ، على منتهى علومهم في أقل من سنتين ، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطلعت على ما فيه من خداع ، وتلبيس وتحقيق وتخييل ، واطلاعا لم أشك فيه . فاسمع الآن حكايته ، وحكاية حاصل علومهم ، فإني رأيتهم أصنافا ، ورأيت علومهم أقساما وهم - على كثرة أصنافهم - يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد ، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم ، في البعد عن الحق والقرب منه . أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر اعلم أنهم - على كثرة فرقهم ، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون . الصنف الأول الدهريون وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر ، وزعموا : أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه ، وبلا صانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان ، كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا وهؤلاء هم الزنادقة . والصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات . فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى ، وبدائع حكمته ، مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ، ولا يطالع التشريح ، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ، لا سيما بنية الإنسان . . ! إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به ، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم ، كما زعموا ، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، والحشر والنشر ، والقيامة ، والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب ، فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا إنهماك الأنعام . وهؤلاء أيضا زنادقة ، لأن أصل الإيمان هو : الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا بالله وصفاته ، . والصنف الثالث الإلهيون وهم المتأخرون منهم مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق ، وهذب لهم العلوم ، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل ، وأنضج لهم ما كان فجا من علومهم ، وهم بجملتهم ، ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية ، والطبيعية ، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم ' وكفى الله المؤمنين القتال ' بتقاتلهم . ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم ، إلا أنه استبقى من رذاذ كفرهم ، وبدعتهم ، بقايا لم يوفق للنزوع عنها ، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين . كابن سينا والفارابي وأمثالهما . على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين ، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط ، يتشوش فيه قلب المطالع ، حتى لا يفهم ، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل ؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام : 1 - قسم يجب التفكير به . 2 - وقسم يجب التبديع به . 3 - وقسم لا يجب إنكاره أصلا ، فلنفصله .

Bölüm V01/P022

أقسام علومهم

Bölüm V01/P022–V01/P025

أعلم : أن علومهم - بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية ، ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ، وسياسية ، وخلقية . أما الرياضية : فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم ، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها . وقد تولدت منها آفتان : الأولى : من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول : لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم ! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين ، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه . وإذا قيل له : الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل صناعة ، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقا في الطب ، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلا بالنحو ، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق ، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها ، فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني ، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه . فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحد بالتقليد ، ولم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة الهوى ، والشهوة الباطلة ، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها . فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم ، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى . الآفة الثانية : نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم . فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع ، فازداد للفلسفة حبا وللإسلام بغضا ، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية . وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة ' . وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر ، واجتماعهما أو مقابلهما على وجه مخصوص ، أما قوله عليه السلام : ' لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له ' فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلا . فهذا حكم الرياضيات وآفتها . وأما المنطقيات : فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا ، بل هي النظر في طرق الأدلة والمقاييس ، وشروط مقدمات البرهان ، وكيفية تركيبها ، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه .

Bölüm V01/P025–V01/P027

وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد ، وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان ، وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر ، بل هو من جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة ، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات بزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات ، ومثال كلامهم فيها قولهم : إذا ثبت أن كل ' أ ' ' ب ' لزم أن بعض ' ب ' ' أ ' ' ي ' إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان ، ويعبرون عن هذه بأنه الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية . وأي تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر ؟ فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الإعتقاد في عقل المنكر ، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا الإنكار ، نعم لهم نوع من الظلم في هذا العلم ، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة ، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط ، بل تساهلوا غاية التساهل ، وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا ، فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيد بمثل تلك البراهين ، فيستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية . فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه . 3 - وأما علم الطبيعيات : فهو بحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة : كالماء والهواء والتراب والنار ، وعن الأجسام المركبة ، كالحيوان والنبات والمعادن ، وعن أسباب تغيرها وامتزاجها ، وكذلك يضاهي بحث الطب عن جسم الإنسان ، وأعضائهم الرئيسية والخادمة ، وأسباب استحالة مزاجه وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطب ، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك العلم ، إلا في مسائل معينة ، وذكرناها في كتاب تهافت الفلاسفة وما عداها مما يجب المخالفة فيها ، فعند التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها ، وأصل جملتها : أن تعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى ، لا تعمل بنفسها ، بل هي مستعملة من جهة فاطرها . والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل لشيء منها بذاته عن ذاته . 4 - وأما الإلهيات : ففيها أكثر أغاليطهم ، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق ، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه ولقد قرب مذهب أرسطاطاليس فيها من مذاهب الإسلاميين ، على ما نقله الفارابي وابن سينا ، ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا ، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها ، وتبديعهم في سبعة عشر . ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب التهافت أما المسائل الثلاث ، فقد خالفوا فيها كافة المسلمين وذلك في قولهم : 1 - إن الأجساد لا تحشر ، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة ، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية . ولقد صدقوا في إثبات الروحانية : فإنها كائنة أيضا ، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية ، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به . 2 - ومن ذلك قولهم : ' إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات ' ، فهو أيضا كفر صريح ، بل الحق أنه : ' لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ' . 3 - ومن ذلك قولهم : يقدم العالم وأزليته ، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل . وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات ، وقولهم : إنه عليم بالذات ، ولا يعلم زائد على الذات وما يجري مجراه ، فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة ، ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك . وقد ذكرنا في كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ما يتبين به فساد رأي من يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه .

Bölüm V01/P027–V01/P030

5 - وأما السياسيات : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية ، والإيالة السلطانية ، وإنما أخذوه من كتب الله المنزلة على الأنبياء ، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء عليهم السلام . 6 - وأما الخلقية : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها ، وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها ، وإنما أخذوها من كلام الصوفية ، وهم المتألهون المواظبون على ذكر الله تعالى ، وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا ، وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق الناس وعيوبها ، وآفات أعمالها ما صرحوا بها ، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلا بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم . ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتأهلين لا يخلي الله سبحانه العالم عنهم ، فإنهم أوتاد الأرض ، ببركاتهم تنزل الرحمة على أهل الأرض كما ورد في الخبر حيث قال صلى الله عليه وسلم : ' بهم تمطرون ، وبهم ترزقون ' ومنهم كان أصحاب الكهف وكانوا في سالف الأزمنة ، على ما نطق به القرآن ، فتولد من مزجهم كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم آفتان : آفة في حق القابل ، وآفة في حق الراد . 1 - أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة : إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدونا في كتبهم ، وممزوجا بباطلهم ، ينبغي أن يهجر ولا يذكر بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولا منهم ، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل ، لأن قائله مبطل ، كالذي يسمع من النصراني قوله : ' لا إله إلا الله ، عيسى رسول الله ' فينكره ويقول : ' هذا كلام النصارى ' ، ولا يتوقف ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول ، أو باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . فإن لم يكن كافرا إلا باعتبار إنكاره ، ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه ، وإن كان أيضا حقا عنده . وهذه عادة ضعفاء العقول ، يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق . والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين ' علي بن أبي طالب ' رضي الله عنه ، حيث قال : لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله ، والعارف العاقل يعرف الحق ، ثم ينظر في نفس القول : فإن كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو محقا ، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال ، عالما بأن معدن الذهب الرغام . ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج . مهما كان واثقا ببصيرته ، ويمنع - من ساحل البحر - الأخرق ، دون السباح الحاذق ، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع . ولعمري ! لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة وكمال العقل ، وتمام الآلة في تمييز الحق عن الباطل والهدى عن الضلال وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلال ما أمكن ، إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي سنذكرها أصلا ، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها .

Bölüm V01/P030–V01/P032

ولقد اعترض - على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين - طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم ، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم ، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل ، مع أن بعضها من مولدات الخواطر ، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر ، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية ، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية ، وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم ، فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه ، مؤيدا بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة ، فلم ينبغي أن يهجر ويترك ؟ ! فلو فتحنا هذا الباب ، وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل ، للزمنا أن نهجر كثيرا من الحق ، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وحكايات السلف ، وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب إخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهدا بها ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطل ، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم . وأقل درجات العالم : أن يتميز عن العامي الغمر . فلا يعاف العسل ، وإن وجده في محجمة الحجام ، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل ، فإن نفرة الطبع عنه مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر ، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة ، ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته ، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل ، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة ، فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار ، وهذا وهم باطل ، وهو غالب على أكثر الخلق . فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم ، قبلوه وإن كان باطلا ، وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا ، فأبدا يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق ، وهو غاية الضلال ! هذه آفة الرد . 2 - والآفة الثانية آفة القبول : فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره ، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية ، والكلمات الصوفية ، ربما استحسنها وقبلها ، وحسن اعتقاده فيها ، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به لحسن ظنه مما رآه استحسنه ، وذلك نوع استدراج إلى الباطل . ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر . وكما يجب صون من لا يحسن السباحة على مزالق الشطوط ، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب . وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيات ، يجب صون الأسماع عن مختلط الكلمات ، وكما يجب على المعزم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل ، إذا علم أن سيقتدي به ويظن أنه مثله ، بل يجب عليه أن يحذره منه ، بأن يحذر هو في نفسه ولا يمسها بين يديه ، فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله ، وكما أن المعزم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بني الترياق والسم ، واستخرج منها الترياق وأبطل السم ، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه . وكذا الصراف الناقد البصير إذا أدخل يده في كيس القلاب ، وأخرج منه الإبريز الخالص ، وطرح الزيف والبهرج ، فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه ، فكذلك العالم .

Bölüm V01/P032–V01/P033

وكما أن المحتاج إلى الترياق ، إذا اشمأزت نفسه منه ، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز السم وجب تعريفه ، والفقير المضطر إلى المال ، إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب ، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض ، هو سبب حرمانه الفائدة التي هي مطلبه ، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد زيفا ، كما لا يجعل الزيف جيدا ، فكذلك قرب الجوار بين الحق الباطل ، لا يجعل الحق باطلا ، كما لا يجعل الباطل حقا ، فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها .

Bölüm V01/P033

القول في مذهب التعليم وغائلته

Bölüm V01/P033–V01/P035

ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه ، علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض ، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب ، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات ، وكان قد نبغت نابغة التعليمية ، وشاع بني الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق ، فعن لي أن أبحث في مقالاتهم ، لأطلع على ما في كنانتهم . ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة ، بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم . فلم يسعني مدافعته ، وصار ذلك مستحثا من خارج ، ضميمة للباعث من الباطن ، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم . وكذلك قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر ، لا على المنهاج المعهود من سلفهم . فجمعت تلك الكلمات ، ورتبتها ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق ، واستوفيت الجواب عنها ، حتى أنكر بعض أهل الحق مبالغتي في تقرير حجتهم ، فقال : هذا سعي لهم ، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها ، وترتيبك إياها . وهذا الإنكار من وجه حق ، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرد على المعتزلة ، فقال الحارث : الرد على البدعة فرض فقال أحمد : نعم ، ولكن حكيت شبهتهم أولا ثم أجبت عنها ، فيم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه ، ولا يلتفت إلى الجواب أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنه ؟ وما ذكره أحمد بن حنبل حق ، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر فأما إذا انتشرت ، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية . نعم ، ينبغي أن لا يتكلف لهم شبهة لم يتكلفوها ، ولم أتكلف أنا ذلك ، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إلي ، بعد أن كان قد التحق بهم ، وانتحل مذهبهم ، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم ، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم ، ثم ذكر تلك الحجة وحكاها عنهم ، فلم أرض لنفسي أن يظن في الغفلة عن اصل حجتهم ، فلذلك أوردتها ، ولا أن يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها ، فلذلك قررتها . والمقصود ، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان . والحاصل : أنه لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم ، ولولا سوء نصرة الصديق الجاهل ، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة ، ولكن شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم ، وإلى مجاحدتهم في كل ما نطقوا به ، فجاحدوهم في دعواهم : الحاجة إلى التعليم والمعلم ، وفي دعواهم أنه : لا يصلح كل معلم ، بل لا بد من معلم معصوم وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم والمعلم ، وضعف قول المنكرين في مقابلته ، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم وضعف مذهب المخالفين ، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجعله بطريقه ، بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم ، وأنه لا بد وأن يكون المعلم معصوما ، ولكن معلمنا المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم فإذا قالوا : هو ميت فنقول : ومعلمكم غائب فإذا قالوا : معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد ، وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل فنقول : ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى : ' اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ' ، وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا يضر غيبته . فبقي قولهم : كيف تحكمون فيما لم تسمعوه ؟ أبالنص ولم تسمعوه ، أم بالإجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف ؟

Bölüm V01/P035–V01/P038

فنقول : نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى اليمن . أن نحكم بالنص عند وجود النص ، وبالإجتهاد عند عدمه . بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي البلاد إذ لا يمكنه أن يحكم بالنص ، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية ، ولا يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام ، وأن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات ، وفات الانتفاع بالرجوع ، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد ، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة ، فيفوت وقت الصلاة . فإذن ، جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن . ويقال : إن المخطيء في الاجتهاد له أجر واحد وللمصيب أجران فكذلك في جميع المجتهدات ، وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير ، فربما يظنه فقيرا باجتهاده وهو غني باطنا بإخفائه ماله ، فلا يكون مؤاخذا به وإن أخطأ ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه . فإن قال : ظن مخالفه كظنه فأقول : هو مأمور باتباع ظن نفسه ، كالمجتهد في القبلة يتبع ظنه وإن خالفه غيره فإن قال : فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله أم غيرهما ؟ فأقول : فالمقلد في القبلة عند الاشتباه في معرفة الأفضل الأعلم بدلائل القبلة ، فيتبع ذلك الاجتهاد ، فكذلك في المذاهب فرد الخلق إلى الاجتهاد - ضرورة - الأنبياء والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون ، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ' . أي أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود ، وربما أخطأوا فيه . ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فيكف يطمع في ذلك ؟ . ولهم ها هنا سؤالان : أحدهما قولهم : هذا وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد ، إذ المخطئ فيه غير معذور ، فكيف السبيل إليه ؟ فأقول : قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة ، وما وراء ذلك من التفصيل ، والمتنازع فيه ، يعرف الحق فيه بالقسطاس المستقيم . وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم ' فإن قال : خصومك يخالفونك في ذلك الميزان فأقول : ولا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه ، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم ، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه ، ولا يخالف فيه أهل المنطق ، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق وغير مخالف له ، ولا يخالف فيه المتكلم لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات ، وبه يعرف الحق في الكلاميات . فإن قال : فإن كان في يدك مثل هذا الميزان فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق ؟ ، فأقول : لو أصغوا إلي لرفعت الخلاف بينهم ، وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب القسطاس المستقيم فتأمله لتعلم أنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعا لو أصغوا ولا يصغون إليه بأجمعهم ! بل قد أصغى إلي طائفة ، فرفعت الخلاف بينهم . وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم ، فلم لم يرفع إلى الآن ؟ ولم لم يرفع علي رضي الله عنه وهو رأس الأئمة ؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهرا ، فلم لم يحملهم إلى الآن ؟ ولأي يوم أجله ؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف ؟ نعم ! كان يخشى من الخلاف نوع الضرر لا ينتهي إلى سفك الدماء ، وتخريب البلاد وأيتام الأولاد ، وقطع الطرق ، والإغارة على الأموال . وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف من الخلاف ما لم يكن بمثله عهد .

Bölüm V01/P038–V01/P041

فإن قال : ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين المذاهب المتعارضة ، والاختلافات المتقابلة ، لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك ، ولا فرق بينك وبينهم وهذا هو سؤالهم الثاني ، فأقول : وهذا أولا ينقلب عليك ، فإنك إذا دعوت هذا المتحير إلى نفسك فيقول المتحير : بما صرت أولى من مخالفيك ، وأكثر أهل العلم يخالفونك ؟ فليت شعري ! بماذا تجيب ؟ أتجيب بأن تقول : إمامي منصوص عليه ، فمن يصدقك في دعوى النص ، وهو لم يسمع النص من الرسول ؟ وإنما يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك وتكذيبك . ثم هب أنه سلم لك النص ، فإن كان متحيرا في أصل النبوة ، فقال : هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى عليه السلام فيقول : الدليل على صدقي أني أحيي أباك ، فأحياه ، فناطقني بأنه محق ، فبماذا أعلم صدقه ؟ ولم يعلم كافة الخلق صدق عيسى عليه السلام بهذه المعجزة ، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق النظر العقلي ، والنظر العقلي لا يوثق به عندك ، ولا يعرف دلالة المعجزة على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة ، وما لم يعرف أن الله لا يضل عباده . وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور فبماذا تدفع جميع ذلك ؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفه ! فيرجع إلى الأدلة النظرية التي ينكرها ، وخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلابا عظيما لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جوابا لم يقدروا عليه . وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم ، فلم يشتغلوا بالقلب بل بالجواب . وذلك مما يطول فيه الكلام ، وما لا يسبق سريعا إلى الإفهام ، فلا يصلح للإفحام . فإن قال قائل : فهذا هو القلب ، فهل عنه جواب ؟ فأقول : نعم ! جوابه أن المتحير لو قال : أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو متحير فيها ، يقال له : أنت كمريض ، يقول : أنا مريض ولا يعين مرضه ويطلب علاجه فيقال له : ليس في الوجود علاج للمرض المطلق ، بل لمرض معين . من صداع أو إسهال أو غيرهما فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه ، فإن عين المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة ، التي لا يفهمها أحد إلا ويعترف بأنه الميزان الحق ، ويفهم منه أيضا صحة الوزن ، كما يفهم متعلم علم الحساب ، نفس الحساب ، وكون المحاسب المعلم عالما بالحساب وصادقا فيه . وقد أوضحت ذلك في كتاب القسطاس المستقيم في مقدار عشرين ورقة ، فليتأمل . وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم ، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري أولا ، وفي كتاب حجة الحق ثانيا ، وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد ، وفي كتاب مفصل الخلاف الذي هو اثنا عشر فصلا ثالثا ، وهو جواب كلام عرض علي بهمدان ، وفي كتاب الدرجة المرقوم بالجداول رابعا ، وهو من ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس ، وفي كتاب القسطاس المستقيم خامسا ، وهو كتاب مستقل مقصوده أن هؤلاء ، ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء ، بل هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام ، طالما جربناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم ، وإلى المعلم المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها ، فضلا عن القيام بحلها ! فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب ، وقالوا : إنه لا بد من السفر إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح بالظفر به ، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا ، كالمتضمخ بالنجاسة ، يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله ، وبقي متضمخا بالخبائث .

Bölüm V01/P041–V01/P042

ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ، فكان حاصل ما ذكره شيئا من ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل ، ومذهبه أرك مذهب الفلسفة ، وقد رد عليه أرسطاطاليس ، بل استدرك كلامه واسترذله ، وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة . فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغيث ، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم ! فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم ، في رجع حاصلهم إلى استدراج العوام ، وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم ، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم ، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال : هات علمه وأفدنا من تعليمه ! وقف وقال : الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه ، فإنما غرضي هذا القدر فقط . إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات ، بل عجز عن فهمه ، فضلا عن جوابه . فهذه حقيقة حالهم فأخبرهم تقلهم فلما جربناهم نفضنا اليد عنهم أيضا .

Bölüm V01/P042

طرق الصوفية