Qur'an&Sunnah

Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)

Bölüm V02/P102–V02/P103

فلما اجتمع به أعجبه عجبا شديدا فأخذ عليه العهد، وسافر به إلى سيدي أبي العباس الغمري بالمحلة فآخى بينه، وبينه، وكان رضي الله عنه له كرامات عظيمة: منها أنه أطعم نحو خمسمائة نفس من ستة أقداح دقيق حتى شبعوا، وذلك أن فقراء بلاده اجتمعوا هذا العدد، وطلعوا بلده على غفلة، وكان قد عجن طحينة على العادة أول ما خط عارضه، فقال: لوالدته خذي هذه الفوطة، وغطى هذه القصعة، وقرصي فقطعت منها الخبز حتى ملأت البيت، وحجيرة البيت، ونصف الدار فقال لها: اكشفي القصعة يكفي فكشفتها فلم تجد فيها شيئا من العجين فقال: وعزة ربي لو شئت لملأت البلد كلها خبزا من هذا العجين بعون الله تعالى ومنها أن شخصا كان زمنا في جامع الإسكندرية، وكان كل من تشوش منه يقول: يا قمل اذهب إلى فلان فتمتلئ ثياب ذلك الشخص قملا حتى يكاد يهلك فبلغ سيدي محمدا رضي الله عنه ذلك، وهو في زيارة كوم الأفراح فقال: اجمعوني عليه فجمعوه عليه فقال: له أنت ما عرفت من طريق الله إلا القمل ثم أخذه بيده، ورماه في الهواء فغاب عن أعين الناس من ذلك اليوم، فلم يعرف أحد أين رماه الشيخ وحكى لي الشيخ علي الأتميدي فقيه الفقراء عنده أن سيدي محمدا رضي الله عنه أرسل النقيب من برهمتوش إلى سيدي أبا العباس الغمري في المحلة بعد العشاء، وقال: لا نخل الصبح يؤذن إلا، وأنت عندي فمضى أبو شبل، ورجع فقال له: الشيخ عديت من أي المعادي فقال: يا سيدي ما درت بالي للبحر، ولا علمت به فقال: الشيخ سر لأصحابه طوى البحر بهمته، وعزمه فلم يجده في طريقه، ومنها ما أخبرني به سيدي الشيخ العالم العامل المحدث الشيخ أمين الدين إمام الغمري قال: كنت في سفر مع سيدي أبي العباس الغمري. وسيدي محمد بن عنان فاشتد الحر علينا، ونزل الشيخان، وجلسا بين حمارتين، ونشرا عليهما بردة من الحر فعطش سيدي أبو العباس الغمري رضي الله عنه فلم يجد ماء فأخذ سيدي محمد بن عنان طاسة، وغرف بها ماء من الأرض، وقدمه لسيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه فلم يشربه، وقال: يا شيخ محمد الظهور يقطع الظهور، فقال: وعزة ربي لولا خوفي الظهور لتركنها عينا يشرب الناس، والدواب منها إلى يوم القيامة، وكان ذلك ببلاد الشرقية بنواحي صنضبسط هذه حكاية الشيخ أمين الدين رضي الله عنه بلفظه، وكان من الصادقين. وحكى لي الشيخ بدر الدين المشتولي رحمه الله قال: سمعت سيدي عبد القادر الدشطوطي رضي الله عنه يقول: إن الشيخ محمد بن عنان رضي الله تعالى عنه يعرف السماء طاقة طاقة، وأخبرني سيدي الشيخ شمس الدين الطنيخي رحمه الله تعالى صهر سيدي محمد بن عنان أن شخصا أكولا نزل مع الشيخ محمد رضي الله عنه وهم في مركب مسافرين نحو دمياط فأخبروا سيدي محمدا رضي الله عنه أنه أكل تلك الليلة في المركب فرد سمك فسيخ، ونحو قفة تمر فدعاه سيدي محمد رضي الله عنه. وقال له: اجلس، وقسم رغيفا نصفين، وقال كل وقل بسم الله الرحمن الرحيم فشبع من نصف الرغيف، ولم تزل تلك أكلته لم يزد على نصف الرغيف حتى مات، فجاء أهله، وقالوا للشيخ جزاك الله عنا خيرا خففت عنا، وأخبرني سيدي الشيخ أمين الدين رحمه الله تعالى أمام الغمري أيضا أن شخصا في مقبرة برهمتوش كان يصيح في القبر كل ليلة من المغرب إلى الصباح، فأخبروا سيدي محمدا رضي الله عنه بخبره فمشى إلى المقبرة وقرأ سورة تبارك ودعا الله تعالى أن يغفر له فمن تلك الليلة ما سمع له أحد صياحا فقال: الناس شفع فيه الشيخ.

Bölüm V02/P103–V02/P104

وكان رضي الله عنه وقته مضبوطا لا يتفرغ قط لكلام لغو، ولا لشيء من أخبار الناس ويقول كل نفس مقوم على بسنة، وكان يتهيأ لتوجه الليل من العصر لا يستطيع أحد أن يخاطبه إلى أن يصلي الوتر فإذا صلى قام للتهجد لا يستطيع أحد أن يكلمه حتى يضحى النهار، وكان هذا دأبه ليلا ونهارا شتاء وصيفا، وكنا ونحن شباب في ليالي الشتاء نحفظ ألواحنا، ونكتب في الليل، ونقرأ ماضينا، وهو واقف يصلي على سطح جامع الغمري ثم ننام، ونقوم فنجده قائما يصلي، وهو متلفع بحرامه فنقول هذا الشيخ لا يكل، ولا يتعب هذا، والناس من شدة البرد تحت اللحف لا يستطيعون خروج شيء من أعضائهم، وسمعت سيدي محمدا السروي شيخ الشناوي يقول: ما رأت عيني أعبد من ابن عنان، وكان رضي الله عنه يحب الإقامة في الأسطحة، وكل جامع أقام فيه عمل له فوق سطوحه خصا، وتارة خيمة، وأخبرني أنه أقام في بدء أمره ثلاث سنين في سطح جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان لا ينزل إلا وقت صلاة الجماعة أو وقت حضور عرس الشيخ العارف بالله تعالى سيدي يحيى المناوي فإنه كان من أهل علمي الظاهر، والباطن وكذلك كان يحضره جماعة من الأولياء كسيدي محمد السروي رضي الله عنه، وسيدي محمد ابن أخت سيدي مدين رضي الله عنه، وأضرا بهما، وسمعته رضي الله عنه يقول: سخر الله تعالى لي الدنيا مدة إقامتي في جامع عمرو، فكانت تأتيني كل ليلة بإناء فيه طعام ورغيفين، وما خاطبتها قط، ولا خاطبتني، ولكن كنت أعرف أنها الدنيا، وسمعته يقول: حفظت القرآن، وأنا رجل فحفظت أولا النصف الأول على الفقيه ناصر الدين الأخطابي ثم النصف الثاني على أخي الشيخ عبد القادر. وكان رضي الله عنه إذا نزل في مكان فكأني الشمس حلت في ذلك المكان لا أكاد أشهد غير ذلك هذا، وأنا صغير لا أفصح عن مقامات الرجال، والله إنه ليقع لي في الليلة الباردة أنني أقوم، وأنا كسلان عن الوضوء، والصلاة فلا أجد أحدا في ذهني حاله ينشطني غيره، فإني أعرض هذا الحال، وأقول في نفسي لو قام الشيخ محمد رضي الله عنه في مثل هذه الليلة هل كان يرجع إلى النوم بغير وضوء، وصلاة فيزول عني الكسل بمجرد ذكر حاله رضي الله عنه، ولقد سمعته رضي الله عنه يقول: من منذ، وعيت على نفسي لا أقدر على جلوسي بلا طهارة قط، ولقد كانت تصيبني الجنابة في الليالي الباردة فلا أجد ماء للغسل إلا بركة كانت على باب دارنا في ليالي الشتاء، فكنت أنزل فيها، وعلى وجهها الثلج، فأفرقه يمينا، وشمالا ثم أغطس، فأجد الماء من الهمة كأنه مسخن بالنار، والله لقد رأيته بعيني يستنجي في الخلاء، فيطئ عليه الماء للوضوء فيضرب يده على الحائط ويتيمم حتى يجد الماء، ولا يجلس على غير طهارة لحظة، وكان يقول: مجالسة الأكابر تحتاج إلى دوام الطهارة، وأردت ليلة من الليالي أمد رجلي للنوم، فكل ناحية أردت أن أمد رجلي فيها أجد فيها وليا من أولياء الله تعالى، فأردت أن أمدحها إلى ناحية سيدي محمد رضي الله عنه بباب البحر فوجدتها تجاه قبره فنمت جالسا، فجاءني ومسك رجلي، ومدها ناحيته، وقال: مد رجلك ناحيتي البساط أحمدي فقمت، ونعومة يده في رجلي رضي الله عنه.

Bölüm V02/P104

وكان يتكدر ممن يضع بين يديه شيئا من الدنيا ليفرقه على الفقراء، ويقول ما وجدت أحدا يقرق، وسخك في البلد غيري، وأخبرني الشيخ عبد الدائم ولد أخيه قال: بعت مركب قلقاس من زرع عمي، وجئته من ثمنها بأربعين دينارا، ووضعتها بين يديه بكرة النهار فصاح في وقال: الله لا يصبحك بخير تصبحنا فرفعتها من بين يديه، وأنا خجلان. وكان رضي الله عنه إذا دعاه من في طعامه شبهة يجيبه، ولكن يأخذ في كمه رغيفا يأكله على سفرة ذلك الرجل مسارقة من غير أن يلحظ أحد به هكذا رأيته وكان حاضرا الشيخ أبو بكر الحديدي والشيخ محمد العدل رضي الله عنهما فأرادا أن يفعلا مثل فعله فقال: كلا أنتما لا حرج عليكما، ولما طلب الغوري الشريف بركات سلطان الحجاز، ورأى منه الغدر جاء إلى سيدي محمد رضي الله عنه بعد صلاة العصر، ونحن جلوس بين يديه فقام له الشيخ، واعتنقه، وقال له: الشريف أريد أهرب هذا الوقت، وخاطرك معي لا يلحق بي الغوري حتى أتخلص من هذه البلاد فإن النوق تنتظرني نواحي بركة الحاج فدخل سيدي محمد رضي الله عنه الخلوة فانتظره الشريف فلم يخرج، والوقت ضاق فقال: لي، وللشيخ حسن الحديدي خادمه استعجلا لي الشيخ ففتحنا باب الخلوة فلم نجد الشيخ فيها فرددنا الباب فبعد ساعة خرج، وعيناه كالدم الأحمر، فقال: اركب يا شريف لا أحد يلحقك فما شعر الخوري به إلا بعد يومين فتخلص إلى بلاد الحجاز، فأرسل في طلبه فلم يلحقوه، وسمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه يقول: أنا ما عرفت الشيخ محمد بن عنان إلا من سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه كنت، وأنا عنده أبيع الجمير في غيطه في بركة الحاج أسمعه يقول؛ وعزة ربي لتتوزعن حملتي بعد موتي على سبعين رجلا، ويعجزون، فقال له: الشيخ يوسف الكردي رحمه الله تعالى يا سيدي من يأخذ خدامة الحجرة النبوية بعدكم؟ فقال: شخص يقال له: محمد بن عنان سيظهر في بلاد الشرقية، وكان رضي الله عنه يقول: الفقير ما رأس ماله في هذه الدار إلا قلبه، فليس له أن يدخل على قلبه من أمور الدنيا شيئا يكدره، والله لقد رأيته، وهو في جامع المقسم بباب البحر أوائل مجيئه من بلاد الريف جاءه شخص وقال له: يا سيدي إن جماعة يقولون هذه الخلاوي التي فيها الفقراء لنا، وكان ذلك يوم الوقت فخرج، وأمر بنقل دسوت الطعام إلى الساحة التي بجوار سيدي محمد الجبروني رضي الله عنه، وكمل طبخ الطعام هناك، وقال: الفقير رأس ماله قلبه، وأخبرني الشيخ شمس الدين اللقاني الملكي رحمه الله تعالى قال: دخلت على سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يوما، وأنا في ألم شديد من حيث الوسواس في الوضوء، والصلاة فشكوت ذلك إليه فقال: عهدنا بالمالكية لا يتوسوسون في الطهارة، ولا غيرها فلم يبق عندي بمجرد قوله ذلك شيء من الوسواس ببركته.

Bölüm V02/P104–V02/P105

وكان رضي الله عنه لا يعجبه أحد يصلح للطريق في زمانه، ويقول: هؤلاء يستهزئون بطريق الله، ولم يلقن أحدا قط الذكر غير الشيخ أحمد النجدي جاءه بالمصحف، وقال: أقسمت عليك بصاحب هذا الكلام إلا ما لقنتني الذكر فغشي على الشيخ رضي الله عنه من قسمه عليه بالله عز وجل ثم لقنه: وقال: يا ولدي الطريق ما هي بهذا إنما هي باتباع الكتاب، والسنة، وجاءه مرة شخص لابس زي الفقراء، فقال: يا سيدي كم تنقسم الخواطر فقطب الشيخ وجهه، ولم يلتفت إليه فلما قام الرجل قال: الشيخ لا إله إلا الله ما كنت أظن أني أعيش إلى زمان تصير الطريق إلى الله عز وجل فيه كلاما من غير عمل، وكان مدة إقامته في مصر لا يكاد يصلي الجمعة مرتين في مكان واحد بل تارة في جامع عمرو، وتارة في جامع محمود وتارة في جامع القراء بالقرافة، وحضرته صلاة الجمعة مرة بالقرب من الجامع الأزهر، فقال: هذا مجمع الناس، وأنا أستحي من دخولي فيه، وكان رضي الله عنه يزور الفقراء الصادقين أحياء، وأمواتا لا يترك زيارتهم إلا من مرض، وكنت أنظره لم يزل يدير السبحة، وهو يقرأ القرآن. وكان رضي الله عنه يكره للفقير أن يغتسل عريانا، ولو في خلوة، ويشدد في ذلك، ويقول: طريق الله ما بنيت إلا على الأدب مع الله تعالى، وكل من ترخص فيها لا يصلح لها. قال: سيدي أبو العباس الحريثي: ورآني مرة أغتسل، وفي: وسطي فوطة في الليل فعاب ذلك علي، وقال: بدن " الفقير كله عورة لم لا اغتسلت في قميص، وكان رضي الله عنه إذا حضر عند مريض قد أشرف على الموت من شدة الضعف يحمل عنه فيقوم المريض وينام الشيخ رضي الله عنه مريضا ما شاء الله، ولعلها المدة التي كانت بقيت على ذلك المريض، ووقع له ذلك مع سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه، ومع سيدي علي البلبلي المغربي، وكنت أنا حاضرا قصة سيدي علي رضي الله عنه، وقام في الحال يتمشى إلى ميضأة الجامع الأزهر فتوضأ، وجاء فرقد رضي الله عنه فتعجب الناس من ذلك، ودعي مرة إلى وليمة فجاء إلى باب الدار، فقيل له: إن سيدي عليا المرصفي رضي الله عنه هنا فرجع، ولم يدخل فقال: بعض الناس إنه يكرهه، وقال: بعضهم الفقراء لهم أحوال فبلغ ذلك سيدي محمدا رضي الله عنه فقال: ليس بيني وبين الرجل شيء، وإنما كان بينه، وبين أخي الشيخ نور الدين الحسني، وقفة فحفظت حق صاحبي بعد موته لكونه متقدما في الصحبة وكان لا يركب قط إلى مكان في زيارة أو غيرها إلا ويحمل معه الخبز، والدقة، ويقول نعم الرفيق إن الرجل إذا جاع، وليس معه خبز استشرفت نفسه للطعام، فإذا وجده أكله بعد استشراف النفس، وقد نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وسمعته رضي الله عنه يقول: كل فقير نام على طراحة فلا يجيء منه شيء في الطريق لأن من ينام على الطراحة ما قصده قيام الليل الذي هو مطية المؤمنين، وبراقهم ثم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نام على عباءة مثنية طاقين فنام عن ورده تلك الليلة، فقال: لعائشة رضي الله عنها رديها إلى حالها الأول فإن لينها، ووطاءتها منعتني قيام ليلتي، وأخبرني سيدي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رضي الله عنه قال: كان شخص من أرباب الأحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالسا في البرية، وقد حلق على نفسه بزرب شوك، وعنده داخل هذه الحيقة الحيات، والثعالب، والثعابين، والقطط والذئاب، والخرفان، والإوز، والدجاج فزاره الشيخ محمد رضي الله عنه مرة، فقال: أهلا بالجنيدي ثم زاره مرة أخرى فقال: أهلا بالجندي ثم زاره مرة أخرى فقال: مرحبا بالأمير ثم زاره مرة أخرى، فقال: أهلا بالسلطان ثم زاره مرة أخرى فقال: مرحبا براعي الصهب فكانت تلك آخر تحيته.

Bölüm V02/P105–V02/P106

قلت: ومناقب الشيخ رضي الله عنه لا تحصر والله أعلم. ولما حضرته الوفاة، ومات نصفه الأسفل حضرت صلاة العصر، فأحرم جالسا خلف الإمام لا يستطيع السجود ثم اضطجع، والسبحة في يده يحركها فكانت آخر حركة يده آخر حركة لسانه فوجدناه ميتا فجردته من ثيابه أنا، والشيخ حسن الحديدي، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة عن مائة وعشرين سنين، ودفن بجامع المقسم بباب البحر، وصلى عليه الأئمة، والسلطان طومان أي وصار يكشف رجل الشيخ ويمرغ خدوده عليها، وكان يوما في مصر مشهودا رضي الله عنه. ومنهم سيدي الشيخ أبو العباس الغمري الواسطي رضي الله تعالى عنه كان جبلا راسيا وكنزا مطلسما ذا هيبة على الملوك فمن دونهم، وكان له كرامات كثيرة يحفظها جماعته: منها أنه وقع من جماعته صرة فيها فضة أيام عباب البحر، والمركب منحدرة نواحي سما نود فلم يشعروا بها إلا بعد أن انحدرت كذا كذا بلدا فأوقف الشيخ رضي الله عنه المركب، وقال روحوا إلى المكان الفلاني، وارموا الشبكة تجدوها ففعلوا فوجدوها. ومنها ما حكاه لي ولده سيدي أبو الحسن رضي الله عنه قال: كنت مع والدي، ومعنا عمود رخام على جملين فجئنا إلى قنطرة ضيقة لا تسع سوى جمل واحد فساق الشيخ رضي الله عنه الجمل الآخر فمشى على الهواء بالعمود، ومنها أنه أراد أن يعدي من ميت غمر إلى زفتي فلم يجد المعدية فركب على ظهر تمساح، وعدى عليه، ومنها ما أخبرني به الشيخ أمين الدين رضي الله عنه إمام جامعه بمصر أنهم لما أرادوا أن يقيموا عمد الجامع بيتوا على الناس يساعدونهم. فقام الشيخ وحده فأقام صفين من العمد فأصبحوا، فرأهم واقفين، وأخبرني الشيخ حسن القرشي رحمه الله قال: نزل عندنا سيدي أبو العباس يقطع جميزة في ترعة أيام الملق، ومعه مركب أخرى تخفف الخشب فيها، وكانت المراكب امتنعت من دخول بحر المحلة من قلة مائة فمكث الشيخ رضي الله عنه إلى الفجر فبينما هو يصلي إذ دخلت لنا مركب وفيها شخص نائم فنبهه سيدي أبو العباس فقام، فقال: من جاء بي إلى هنا فإني كنت في ساحل ساقية أبي شعرة في البحر الشرقي فقالوا له جاء بك هذا السبع يعنون الشيخ رضي الله عنه فحملوا الخشب في المركبين. وساروا رضي الله عنه، وكان سيدي الشيخ الصالح محمد العجمي رضي الله عنه كاتب الربعة العظيمة التي بجامعة بمصر يقول: والله لو أدرك الجنيد رضي الله عنه سيدي أبا العباس رضي الله عنه لأخذ عنه الطريق، وكان رضي الله عنه لا يمكن أحدا صغيرا يمزح مع كبير، ورأى مرة صبيا يغمز رجلا كبيرا فأخرجهما من الجامع، ورمى حوائجهما، وكان لا يمكن أمرد يؤذن في جامعه أبدا حتى يلتحي، وعمر رضي الله عنه عدة جوامع بمصر وقراها، وكان السلطان قايتباي يتمنى لقاءه فلم يأذن له، وجاءه مرة ولده السلطان محمد الناصر على غفلة يزوره فلما، ولي قال: أخذنا على غفلة وأجواله كثيرة مشهورة في بلاد الريف، وغيرها، وقد رأيته مرة واحدة حين نزل إلى بلدنا ساقية أبي شعرة في حاجة، وعمري ثمان سنين. مات رضي الله عنه في صفر سنة خمس وتسعمائة ودفن بأخريات الجامع بمصر المحروسة رضي الله تعالى عنه. ومنهم سيدي الشيخ نور الدين الحسني المديني رضي الله تعالى عنه أحد أصحاب سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين كان رضي الله عنه من العارفين بالله عز وجل، ورأيته، وأنا صغير وأخذ عنه الشيخ تاج الدين الذاكر بعد أن مات سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين، وكلاهما كان أخذ عنه، وسمع يوما شخصا يبيع خشب الشيوخ التي تسرح بها النساء، الكتان، وهو يقول: يا قفة شيوخ بنصف فضة فأخذ منها معنى، وقال: قفة شيوخ بنصف فضة، وقال: قد رخصت الطريق فلم يلقن أحدا بعدها حتى مات رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه مرصدا لقضاء حوائج الناس عند الأمراء، والحكام، وكان بينه، وبين سيدي محمد بن عنان ود عظيم، ومؤاخاة رضي الله عنهما. ومنهم شيخ الإسلام الشيخ زكريا الأنصاري الخزرجي

Bölüm V02/P106–V02/P107

رحمه الله تعالى آمين أحد أركان الطريقين الفقه، والتصوف، وقد خدمته عشرين سنة فما رأيته قط في غفلة ولا اشتغال بما لا يعني لا ليلا، ولا نهارا، وكان رضي الله عنه مع كبر سنه يصلي سنن الفرائض قائما، ويقول لا أعود نفسي الكسل، وكان إذا جاءه شخص، وطول في الكلام يقول: بالعجل ضيعت علينا الزمن، وكنت إذا أصلحت كلمة في الكتاب الذي أقرؤه عليه أسمعه يقول: بخفض صوته الله الله لا يفتر حتى أفرغ، وكنت أتغدى معه كل يوم، فكان لا يأكل إلا من خبز الخانقاه وقف سعيد السعداء، ويقول: واقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم. وصنف المصنفات الشائعة في أقطار الأرض، ولازمت الناس قراءة كتبه لحسن نيته، وإخلاصه، ولما قرأت شرحه على رسالة القشيري في علم التصوف أشار علي بحفظ الروض، وكنت حفظت المنهاج قبل ذلك فعرضته عليه، وقلت: إنه كتاب كبير فقال اشرع، وتوكل فإن لكل مجتهد نصيبا، فحفظت منه إلى باب القضاء، وحصل لي رمي الدم من الحصر في الحفظ فأشار علي بالوقوف، وقرأت شرحه على الروض إلى باب الجهاد، وقرأت عليه تفسير القرآن العظيم للبيضاوي مع حاشيته عليه، وحاشية الطيبي على الكشاف، وحاشية السيد، وحاشية الشيخ سعد الدين التفتازاني. وحاشية الشيخ جلال الدين السيوطي إلى سورة الأنبياء، وقرأت عليه شرح آداب البحث له، وحاشيته على جمع الجوامع، وطالعت عليه حال تأليفه لشرح البخاري فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح البخاري للكرماني، وشرحه للعيني الحنفي، وشرحه للشيخ شهاب الدين العسقلاني على قدر كتابتي له في شرحه، وخطى متميز فيه، وأظنه يقارب النصف، وكنت إذا جلست معه كأني جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء، والأكابر، وكان كثير الكشف لا يخطر عندي خاطر إلا، ويقول: قل: ما عندك، ويبطل التأليف حتى أفرغ، وكنت إذا حصل عندي صداع لحال المطالعة له يقول: انو الشفاء بالعلم فأنويه فيذهب الصداع لوقته، وقال لي: مرة من صغري وأنا أحب طرايق القوم، وكان أكثر اشتغالي بمطالعة كتبهم، والنظر في أحوالهم حتى كان الناس يقولون هذا لا يجيء منه شيء في علم الشرع، فلما ألفت كتاب شرح البهجة، وفرغت منه استبعد ذلك جماعة من الأقران، وكتبوا على نسخة منه كتاب الأعمى والبصير تنكيتا علي لكون رفيقي في الاشتغال كان ضريرا، وكان تأليفي له إلى أن كان فروغه في يوم الاثنين، ويوم الخميس فقط فوق سطح الجامع الأزهر، وكان، وقتي رائقا، وظاهري بحمد الله تعالى محفوظا، وكنت مجاب الدعوة لا أدعو على أحد إلا، ويستجاب فيه الدعاء، فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه، وقال: استر الطريق فإن هذا ما هو زمانها فلم أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم إلى وقتي هذا، وحكي لي يوما أمره من حين جاء إلى مصر إلى وقت تلك الحكاية، وقال: أحكي لك أمري من ابتدائه إلى انتهائه إلى وقتنا

Bölüm V02/P107

هذا حتى تحيط به علما كأنك عاشرتني من أول عمري فقلت: له نعم قال: جئت من البلاد، وأنا شاب فلم أعكف على أحد عن الخلق، ولم أعلق قلبي به وكنت أجوع في الجامع كثيرا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذي كان بجانب الميضأة، وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض الله لي شخصا كان يشتغل في الطواحين، فصار يتنقدني، ويشتري لي ما أحتاج إليه من الكتب، والكسوة، ويقول: يا زكرياء لا تسأل أحدا في شيء، ومهما تطلب جئتك به فلم يزل كذلك سنين عديدة فلما كان ليلة من الليالي والناس نيام جاءني، وقال لي: قم فقمت معه فوقف لي على سلم الوقد الطويل، وقال لي: اصعد هذا فصعدت فقال لي: اصعد فصعدت إلى آخره فقال لي: تعيش حتى يموت جميع أقرانك، وترتفع على كل من في مصر من العلماء، وتصير طلبتك شيوخ الإسلام في حياتك حين يكف بصرك فقلت: لا بد لي من العمى قال: ولا بد لك ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت ثم تزايد على الحال إلى أن عزم على السلطان بالقضاء فأبيت، وقال: إن أردت نزلت ماشيا بين يديك أقود بغلتك إلى أن أوصلك إلى بيتك فتوليت، وأعاني الله على القيام به. ولكن أحسست من نفسي أني تأخرت عن مقام الرجال فشكوت إلى بعض الرجال فقال: ما ثم إلا تقديم إن شاء الله تعالى فإن العبد إذا رأى نفسه متقدما فهو متأخر، وإن رأى نفسه متأخرا فهو متقدم فسكن روعي، وقال: رضي الله عنه ما كان أحد يحملني كما يحملني السلطان قايتباي كنت أحط عليه في الخطبة حتى أظن ما عاد قط يكلمني فأول ما أخرج من الصلاة يتلقاني، ويميل يدي ويقول: جزاك الله خيرا فلم تزل الحسدة بنا حتى أوقعوا بيننا الوقعة، وكان ماسكا لي الأدب ما كلمني كلمة تسوءني قط ولقد طلعت له مرة، فأغلظت عليه القول فاصفر لونه فتقدمت إليه وقلت له والله يا مولانا إنما أفعل ذلك معك شفقة عليك، وسوف تشكرني عند ربك، وإني والله لا أحب أن يكون جسمك هذا فحمة من فحم النار، فصار ينتفض كالطير وكنت أقول له أيها الملك تنبه لنفسك فقد كنت عدما فصرت وجودا، وكنت رقيقا فصرت حرا وكنت مأمورا، فصرت أميرا، وكنت أميرا فصرت ملكا فلما صرت ملكا تجبرت، ونسيت مبدأك ومنتهاك إلى آخره، وقال لي: كان أخي الشيخ علي النبتيتي يجتمع بالخضر عليه السلام، فباسطه يوما في الكلام فقال: للخضر عليه السلام ما تقول في الشيخ يحيى المناوي فقال: لا بأس به فقال: ما تقول: في فلان ما تقول فلان ما تقول في الشيخ زكريا فقال: لا بأس به إلا أن عنده نفيسة.

Bölüm V02/P107–V02/P108

فلما أرسل لي أخي الشيخ علي الضرير بذلك ضاقت على نفسي، وما عرفت الذي أشار إليه بالنفيسة، فأرسلت إلى سيدي علي البتيتي الضرير، فقلت له: إن اجتمعت بالخضر، فاسأله من فضلك على ما أشار إليه بالنفيسة فلم يجتمع به مدة تسع شهور فلما اجتمع به سأله، فقال له إذا أرسل تلميذه أو قاصده إلى أحد من الأمراء يقول له: قال: الشيخ زكريا كيت، وكيت فيلقب بالشيخ فلما أرسل لي الشيخ بذلك فكأنه حط عن ظهري جبلا، وصرت أقول للقاصد إذا أرسلته إلى أحد من الأمراء، والوزراء قل: للأمير أو الوزير يقول لك: زكريا خادم الفقراء كذا، وكذا، وقال لي مرة كنت متعكفا في العشر الأخير من رمضان فوق سطح الجامع الأزهر، فجاءني رجل تاجر من الشام، وقال لي: إن بصري قد كف ودلني الناس عليك تدعو الله أن يرد علي بصري، وكان لي علامة في إجابة دعاني فسألت لله أن يرد عليه بصره فأجابني لكن بعد عشرة أيام فقلت له: الحاجة قضيت، ولكن تسافر من هذا البلد فقال: ما هي أيام نقول: فقلت له إن أردت أن يرد الله عليك بصرك تسافر، وذلك خوفا أن يرد عليه بصره في مصر فهتكني بين الناس فسافر مع جمال فرد الله عليه بصره في غزة، وأرسل لي كتابا بخطه فأرسلت أقول له متى رجعت إلى مصر كف بصرك فلم يزل بالقدس إلى أن مات بصيرا، وقد ألبسني الخرقة، ولقنني الذكر من طريق سيدي محمد الغمري، وذكر لي أنه سافر إلى المحلة الكبرى، فأخذ عنه لبس الخرقة، وتلقين الذكر، وقرأ عليه كتابه المسمى بقواعد الصوفية كاملا قال: وكان أصحابه يفرحون بحضوري عنده لأجل سؤالي له لمعاني الكلام فإنهم كانوا لا يتهجمون عليه بالسؤال من هيبته لأنه كان جليل القدر، وكان كثير الصدقة ما أظن أحدا كان في مصر أكثر صدقة منه كما شاهدته منه، ولكن كان يسرها بحيث لا يعلم أحدا من الجالسين، وجاءه مرة رجل أسمر، وكان شريفا من تربة قايتباي، فقال له: يا سيدي خطفت عمامتي هذه الليلة وكان حاضرا الشيخ جمال الدين الصاني، والشيخ أبو بكر الظاهري جابي الحرمين فأعطاه الشيخ جديدا فرماه في وجه الشيخ وخرج غضبان منه فأعلمت الشيخ بذلك، فقال: هو أعمى القلب الذي جاء بحضرة هؤلاء الجماعة، وكنت يوما أطالع له في شرح البخاري فقال لي: قف اذكر لي ما رأيته في هذه الليلة، وقد كنت رأيت أنني معه في مركب قبعها حرير، وحبالها حرير، وفرشها سندس أخضر، وفيها أرائك، ومتكآت من حرير، والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه جالس فيها، والشيخ زكريا عن يساره فقبلت يد الإمام الشافعي رضي الله عنه. ولم تزل تلك المركب سائرة بنا حتى أرست على جزيرة من كبد البحر الحلو، وإذا فواكهها مدلاة في البحر فطلعت من المركب فوجدت بستانا من الزعفران كل نوراة منه كالإسباطة العظيمة، وفيه نساء حسان يجنين منه فلما حكيت له ذلك قال: إن صح منامك يا فلان، فأنا أدفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه، فلما مات أرسلوا هيئوا له قبرا في باب النصر فصار الشيخ جمال الدين، والشيخ أبو بكر الظاهري يقولان ما صح منامك يا فلان فبينما نحن في ذلك، وإذ بقاصد الأمير خير بك نائب السلطنة بمصر يقول: إن ملك الأمراء ضعيف لا يستطيع الركوب إلى هاهنا، وأمر أن تركبوا الشيخ على تابوت، وتحملوه للأمير ليصلي عليه في سبيل المؤمنين بالرميلة، فحملوه، وصلوا عليه، فقال: ادفنوه بالقرافة فدفنوه عند الشيخ نجم الدين الخبوشتاتي تجاه وجه الإمام الشافعي رضي الله عنهما، وذلك في شهر الحجة سنة ست، وعشرين وتسعمائة. ومنهم الشيخ علي النبتيتي الضرير رحمه الله تعالىورضي الله عنه

Bölüm V02/P108–V02/P109

كان من أكابر العلماء العاملين، والمشايخ المتكلمين، وكانت مشكلات المسائل ومعضلاتها ترسل إليه من الشام، والحجاز، واليمن وغيرها فيحل مشكلاتها بعبارة سهلة، وكانت العلماء كلهم تذعن له، وكان مقيما ببلده نبتيت بنواحي الخانقاه السرياقوسية، والخلق تقصده من سائر الأقطار، وكان إذا جاء إلى مصر تندلق عليه الناس يتبركون به، وقد اجتمعت به مرات عند شيخنا شيخ الإسلام الشيخ زكريا في المدرسة الكاملية مرات، وحصل لي منه لحظ وجدت بركته في نفسي إلى وقتي هذا، وأسمعني حديث عائشة رضي الله عنها فيمن أرضي الله بسخط الناس إلى آخره، وقال لي: احفظ هذا الحديث فإنك سوف تبتلي بالناس وكان يجتمع بالخضر عليه السلام، وذلك أدل دليل على ولايته، فإن الخضر لا يجتمع إلا بمن حقت له قدم الولاية المحمدية، وسمعته يقول: وهو بالمدرسة الكاملية لا يجتمع الخضر عليه السلام بشخص إلا إن جمعت فيه ثلاث خصال فإن لم تجتمع فيه فلا يجتمع به قط، ولو كان على عبادة الملائكة: الخصلة الأولى أن يكون العبد على سننه في سائر أحواله، والثانية ألا لا يكون له حرص على الدنيا، والثالثة أن يكون سليم الصدر لأهل الإسلام لا غل، ولا غش ولا حسد، وحكى له عن الشيخ أبي عبد الله التستري أحد رجال رسالة القشيري أنه كان يجتمع بالخضر عليه السلام، ويقول: إن الخضر لا يجتمع بأحد إلا على وجه التعليم له فإنه غني عن علم العلماء لما معه من العلم اللدني، وقد بلغني أن الشيخ عبد الرازق الترابي أحد تلامذته جمع مناقبه نظما، ونثرا فمن أراد الزيادة على ما ذكرناه فعليه بذلك الكتاب توفي في يوم عرفة سنة سبع عشرة، وتسعمائة، ودفن ببلده، وضريحه بها ظاهر يزار، وهذا من نظمه: ومالي لا أنوح على خطائي ... وقد بارزت جبار السماء قرأت كتابه، وعصيت سرا ... لعظم بليتي، ولشؤم رائي بلائي لا يقاس به بلاء ... وآفاتي تدل على شقائي فيا ذلي إذا ما قال: ربي ... إلى النيران سوقوا ذا المرائي فهذا كان يعصيني مرارا ... ويزعم أنه من أوليائي تصنع للعباد، ولم يردني ... وكان يريد بالمعنى سوائي إلى أن قال في آخرها: فيا ربي عبيد مستجير ... يروم العفو من رب السماء حقير ثم مسكين فقير ... بنبتيت أقام على الرياء علي باسمه في الناس يعرف ... وما يدري اسمه حال ابتداء فآنسه إذا أمسى وحيدا ... رهين الرمس في لحد البلاء رضي الله عنه. ومنهم الشيخ علي بن الجمال النبتيتي رحمه الله تعالى أحد أصحاب سيدي أبي العباس الغمري، وكان من الرجال المعدودة في الشدائد، وكان صاحب همة يكاد يقتل نفسه في قضاء حاجة الفقراء، وحج هو وسيدي أبو العباس الغمري، وسيدي محمد بن عنان، وسيدي محمد المنير وسيدي أبو بكر

Bölüm V02/P109

الحديدي، وسيدي محمد العدل في سنة واحدة، فجلسوا يأكلون تمرا في الحرم النبوي فقال: سيدي أو بكر الحديدي لا أحد يأكل أكثر من رفيقه، وكانت ليلة لا قمر فيها فلما فرغوا عدوا النوى، فلم يزد واحد على آخر تمرة واحدة، وأخبرني الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري أن الشيخ أبو العباس الغمري رضي الله عنه أودع عنده قفص دجاج، وهو في الريف ليرسله له في القاهرة فتحزم، وتشمر، وشاله على رأسه من نبتيت إلى القاهرة، وكان يسافر كل سنة إلى مكة بالحبوب يبيعها على المحتاجين، وكان مشهورا في مكة بالخواف في البيع لأنه كان يخر في الثمن بزيادة على الناس، ويقول: لا أبيع إلا بذلك الثمن بنفسه فكل من رضي بذلك الثمن يعلم أنه محتاج فيعطيه، ولا يأخذ له ثمنا، وكل من قال: هذا غال لا يبيعه ويعرف أنه غير محتاج، وكان يفرق كل سنة الثياب على أهل مكة، ويفرق عليهم السكر، وكذلك على أهل المدينة فكل من أخبر الناس بذلك يسترد منه ما أعطاه له، ويقول: يا أخي غلطت فيك هذا ما هو لك، وكان يخلط ماله على الذي يجيئه من الناس باسم الفقراء، ويفرقه ويقول: هذا من مال فلان وفلان، توفي سنة نيف وتسعمائة ودفن في نبتيت في زاويته، ولم أجتمع عليه غير مرة واحدة فدعا لي بأن الله يسترني بين يديه في القيامة، فنسأل الله أن يقبل ذلك رضي الله تعالى عنه. ومنهم الشيخ عبد القادر بن عنان أخو الشيخ محمد رحمهما الله تعالى آمين صحبته نحو سبع سنين على وجه الخدمة، وكان يتلو القرآن آناء الليل، وأطراف النهار إن كان يحصد أو يحرث أو يمشي لأن ورده كان قراءة القرآن فقط، وكان سيدي محمد بن عنان يقول الشيخ عبد القادر عمارة الدار والبلاد، وكان رضي الله عنه يغلب عليه الصفاء، والاستغراق تكون تتحدث أنت، وإياه فلا تجده معك، ووقائعه كثيرة مع الحكام، ومشايخ العرب لأنه كان كثير العطب لهم، وكان يقول: كل فقير لا يقتل من هؤلاء الظلمة عدد شعر رأسه فما هو فقير. مات سنة العشرين والتسعمائة ودفن ببرهمتوش ببلاد الشرقية، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ محمد العدل رحمه الله تعالى آمين صحبته نحو خمس سنين، فكان ذا سمت حسن، وقبول تام بين الخاص، والعام، وكان أصله من جماعة سيدي علي الدويب، وكان أخلاه سنة كاملة لا يحضر جمعة، ولا جماعة، فأرسل له الشيخ محمد بن عنان كتابا يقول له: فيه إن لم تخرج للجمعة والجماعة، وإلا فأنت مهجور حتى تموت، فخرج من الخلوة، واجتمع بسيدي محمد بن داود، وسيدي أبي العباس الغمري، وهجر شيخه الدويب، وذلك أن شيخه كان من أرباب الأحوال الذين لا يقتدي بأحوالهم، وكان مقصد الجماعة لسيدي محمد العدل أن يكون من المقتدى بهم، وأصل تسميته العدل أن شخصا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له قل لمحمد العدل الطناجي يتبع سنتي وينفع الناس فاشتهر بالعدل من ذلك اليوم، ومات، ودفن بطناح، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ ابن داود المنزلاوي رحمه الله تعالى

Bölüm V02/P109–V02/P110

اجتمعت به مرات، ودعا لي بالبركة في العمر، وذلك أن سيدي خضرا الذي كان كفلني، وأنا يتيم أخذني بيده، وجاء بي إلى سيدي محمد بن عنان، وكان عند الشيخ محمد العدل، والشيخ محمد بن داود، والشيخ أبو بكر الحديدي، وقال كل منكم يدعو لهذا الولد دعوة فدعا كل واحد منهم لي دعوة، فوجدت بركة دعائهم إلى وقتي هذا، وكان سيدي محمد بن داود يضرب به المثل في اتباع الكتاب، والسنة، وخدمة الفقراء، والمنقطعين وعدم تخصيص نفسه عنهم بشيء من المأكل، والمشرب، والملبس، وربما كانت زوجته تطبخ له الدجاجة فلا تظهره عليها حتى تنام الفقراء ليأكلها وحده فيأخذها، ويخرج إلى الزاوية، وينبه الفقراء ويفرقها عليهم، وأحواله مشهورة في المنزلة، وولده الشيخ شهاب الدين كان يضرب به المثل في اتباع الكتاب، والسنة، وما رأيت في عصري هذا أضبط منه للسنة، ولا من الشيخ يوسف الحريثي. مات بالسمية قرية في بلاد المنزلة، ودفن بزاويته، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ محمد السروي رحمه الله تعالى آمين المشهور بأبي الحمائل أحد الرجال المشهورة في الهمة، والعبادة، وكان يغلب عليه الحال فيتكلم بالألسن العبرانيه، والسريانية، والعجمية وتارة يزغرت في الأفراح، والأعراس كما تزغرت النساء، وكان إذا قال: قولا ينفذه الله له، وشكا له أهل بلده من الفأر، وكثرته في مقثأة البطيخ فقال: لصاحب المقثأة رح، وناد في الغيط حسب ما رسم محمد أبو الحمائل إنكم ترحلون أجمعون، فنادى الرجل لهم كما قال: الشيخ فلم ير بعد ذلك اليوم منهم، ولا فأرا واحدا فسمعت البلاد بذلك، فجاءوا إليه فقال: لهم يا أولادي الأصل الإذن من الله، ولم يرد عنهم الفأر وكان مبتلي بزوجته يخاف منها أشد الخوف حتى كان يخلي الفقير في الخلوة فتخرجه من الخلوة بلا إذن من الشيخ فلا يقدر يتكلم، وأخبرتني قبل موتها أنه كان كثيرا يكون جالسا عندها فتمر عليه الفقراء في الهواء فينادونه فيجيبهم، ويطير معهم فلا تنظره إلى الصباح، وكان لا يقرب أحدا قط إلا بعد تكرار امتحانه بما يناسبه، وجاءه الشيخ علي الحديدي يطلب منه الطريق، فرآه ملتفتا لنظافة ثيابه، فقال: إن كنت تطلب الطريق، فاجعل، ثيابك ممسحة لأيدي الفقراء فكان كل من أكل سمكا أو زفرا يمسح في ثوبه يده مدة سنة، وسبعة شهور حتى صارت ثيابه كثياب الزباتين أو السماكين وكان فقيها موسوسا فلما رأى ثيابه لقنه الذكر وجاء منه في الطريق، وأخذ عنه تلامذة كثيرة، وسمعته يحكي قال: بينما أنا ذات يوم في منارة جامع، فارسكور ليلة من الليالي إذ مر علي جماعة طيارة، فدعوني إلى مكة فطرت معهم، فحصل عندي عجب بحالي فسقطت في بحر دمياط، فلولا كنت قريبا من البر وإلا كنت غرقت، وساروا، وتركوني وكان إذا اشتد عليه الحال في مجلس الذكر ينهض قائما ويأخذ الرجلين، ويضرب بهما الحائط، وأخبرني الشيخ يوسف الحريثي قال: رأيت الشيخ محمد السروري وقد حصل له حال في جامع فارسكور فحمل تامور الماء، وفيه نحو الثلاثة قناطير من الماء على يد واحدة وصار يجري به في الجامع، وأخبرني الشيخ علي بن ياقوت أنه سمعه يقول: لقنت نحو ثلاثين ألف رجل ما عرفني منهم أحد غير محمد الشناوي وقد اجتمعت به مرارا عديدة، وهو في الزاوية الحمراء خارج القاهرة، ولقنني الذكر، ولما دخل مصر سكن بنواحي جامع الغمري، فكنت أقبل يده فيدعو لي فأجد بركة دعوته في نفسي، وكان يكره للمريد قراءة حزب الشاذلية، وأحزاب غرهم، ويقول: ما رأينا قط أحدا وصل إلى الله بمجرد قراءة الأحزاب، والأوراد، وكان يقول: نحن ما نعرف إلا لا إله إلا الله بعزم وهمة، وكان يقول: مثال أرباب الأحزاب مثال شخص من أسافل الناس اشتغل بالدعاء ليلا، ونهارا أن الله تعالى يزوجه بنت السلطان، وكان يقول: لجماعة الشيخ أبي المواهب على وجه التوبيخ بلسان حالهم اجعل لي، واعمل لي، واصطفني، ولا تخلي أحدا فوقي، وأحدكم نائم بطول الليل، ومهما وجده من الحرام والشبه يلف ما هكذا درج السلف، وقال: كنت يوما أقرأ على الشيخ يحيى المناوي في جامع عمرو بن العاص في خلوة الكتب وقت القيلولة، فدخل علينا رجل في وسطه خيشة محزم عليها بحبل، وهو أسود كبير البطن، فقال: السلام عليكم فقلنا، وعليكم السلام، فقال: للشيخ أيش تعمل بهذه الكتب كلها فقال: أكشف عن المسائل فقال: أما تحفظها فقال له: الشيخ لا فقال أنا أحفظ جميع ما فيها فقلنا له كيف فقال: كل حرف فيها يقول: لك كن رجلا جيدا ثم خرج فلحقنا منه بهت، فخرجنا خلفه فلم نجد أحدا، وكان رضي الله عنه يغير على أصحابه أن يجتمعوا بأحد من أهل عصره، ويقول: الذي أبنيه تهدونه عند غيري، ولما حج رضي الله عنه اجتمع عليه الناس في مكة من تجار، وغيرهم، وقال: لخادمه نحن جئنا نتجر، وإلا نتجرد للعبادة في هذا البلد، ولا نشتغل بالناس، فإذا كان وقت المغرب امض إلى بيوت هؤلاء الجماعة الذين يأتون إلينا، وقل لهم الشيخ يمسي عليكم، ومحتاج إلى ألف دينار وقل: لكل واحد منهم بمفرده، وكل من لقيته قل له، هكذا فلم يأت أحد منهم من تلك الليلة وانقطعوا كلهم من ذلك اليوم، فقال الحمد لله رب العالمين، ووقائعه مشهورة بين أصحابه رضي الله عنه ومات رحمة الله عليه بمصر وصلى عليه بالجامع الأزهر، ودفن بزاويته بخط بين السورين في سنة اثنتين، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.

Bölüm V02/P110–V02/P111

ومنهم الشيخ علي نور الدين المرصفي رحمه الله تعالى، ورضي عنه آمين كان من الأئمة الراسخين في العلم، وله المؤلفات النافعة في الطريق، واختصر رسالة القشيري رضي الله عنه، وتكلم على مشكلاتها، وقرأتها عليه بعد قراءتها على الشيخ زكريا رحمه الله تعالى، فكنت أعرض عليه ما سمعته من شرح الشيخ لها فيقره، ويمدحه، ويقول: كان الشيخ زكريا من العارفين، ولكنه تستر بالفقه، وتلقنت عليه الذكر ثلاث مرات متفرقات أول مرة، وأنا شاب أمرد دخلت عليه بعد العصر، فقلت له: يا سيدي لقني الذكر بحال قوي فقال: بسم الله الرحمن الرحيم يا ولدي، وأطرق ساعة، وقال: قال: لا إله إلا الله فما استتمها الشيخ إلا وقد غبت عن إحساسي فما استفقت إلا المغرب، فلم أجد عندي أحدا، فمكثت خمسة عشر يوما مطرودا لا أستطيع الاجتماع به لسوء أدبي معه في قولي لقني بحال قوي الثانية لقنني فسمعت منه لا إله إلا الله ثلاث مرات فعبت كذلك، فرأيت في تلك الليلة كأن الشيخ بيده ثلاث مآثر فغرزها في جلدي إلى آخرها، فلما أفقت ذكرت له ذلك فقال: الحمد لله الذي أظهر أثرها الثالثة لقنني حين لقن الشيخ أبا العباس الحريثي رضي الله عنه لكونه كان أصفى قلبا مني، وأكبر سنا وأعرف بمقام الرجال ثم لا زلت أتردد بصحبته مدة حياة الشيخ رضي الله عنه، وذكر لي سيدي أبو العباس رحمه الله أنه قرأ بين المغرب والعشاء خمس ختمات، فقال: الشيخ الفقير، ووقع له أنه قرأ في يوم، وليلة ثلاثمائة وستين ألف ختمة كل درجة ألف ختمة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا وقع من المريد شيء مذموم عند شيخه، وهو محمود عند غيره، فالواجب عليه عند أهل الطريق رجوعه إلى كلام شيخه دون كلام غيره، وإن قال: للمريد إن كلام شيخه معارض لكلام العلماء أو دليلهم فعليه بالرجوع إلى كلام شيخه، وأولى إذا كان من الراسخين في العلم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا خرج المريد عن حكم شيخه، وقدح فيه فلا يجوز لأحد تصديقه لأنه في حالة تهمة لارتداده عن طريق شيخه وهذا الأمر قال: أن يسلم منه مريد طرده شيخه لأنه لضعفه يخاف من تجريحه فيه، وتنقضه عند الناس حين يرون أن شيخه طرده، وتضيق عليه الدنيا، فلا يجد منفسا إلا الحط في شيخه، والرد عن نفسه بنحو قوله لو رأينا فيه يعني الشيخ خيرا ما فارقناه، فيزكي نفسه، ويخرج في شيخه، وبذلك يستحكم المقت فيه لا سيما إن اجتمع بعد شيخه على من ينقص شيخه، ويزدريه ويظهر فيه المعايب فإنه يهلك مع الهالكين، ولكن إذا أراد الله بمريد خيرا جمعه عند غضب شيخه على من يحب شيخه، ويعظمه فإن المريد يندم على شيخه ضرورة، ويرجع إليه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا خرج المريد عن حكم شيخه وانقطع عن مجلسه فإن كان سبب ذلك الحياء من الشيخ أو من جماعته لزلة وقع فيها أو فترة حصلت منه فهو كالطلاق الرجعي، فللشيخ أن يقبله إذا رجع لأن حرمة الشيخ في نفس هذا المريد لم تزل لا سيما، والمريد أحوج ما يكون إلى الشيخ حال اعوجاجه فينبغي للشيخ التلطف بهذا المريد، وعدم الغلظة عليه، والهجر له إلا أن يكون وثق به لقوة العهد الذي بينه، وبينه.

Bölüm V02/P111–V02/P112

وكان رضي الله عنه يقول: ليس للمريد أن يسأل شيخه عن سبب غيظه، وهجره له بل ذلك من سوء الأدب، وكان رضي الله عنه يقول: لا يجوز للمريد عند أهل الطريق أن يجيب عن نفسه أبدا إذا لطخه شيخه بذنب لأنه يرى ما لا يرى المريد فإنه طبيب، وكان يقول: ليس للشيخ أن يبين للمريد صورة الفتح الذي علم من طريق الكشف أنه يئول إليه أمر المريد بعد مجاهداته، وكمال سلوكه لأن المريد إذا حصل معنى صورة ذلك في نفسه، وتكرر شهوده له ربما ادعى الفتح، وباطنه معرى عن ذلك إذ النفس معرضة للخيالة، وعدم الصدق، وكثرة الدعوى، وربما فارق هذا شيخه، وادعى الكمال لعلمه بصورة النتج علما لا حذقا، ولا ذوقا كما يظهر المنافق صورة المؤمن في العمل الظاهر، وباطنه معرى عن الموجب لذلك العمل، وكلامه رضي الله عنه غالبه سطرته في كتابة رسالة الأنوار القدسية، وغيرها من مؤلفاتي. وكان رضي الله عنه في بداية أمره أميا، واجتمع بسيدي مدين رضي الله عنه وهو ابن ثمان سنين، ولم يأخذ عنه كما سمعته منه فلما كبر اجتمع بابن أخته سيدي محمد رضي الله عنه، وأخذ عنه الطريق، واجتمعت عليه الفقراء في مصر، وصار هو المشار إليه فيها لانقراض جميع أقرانه، وكان رضي الله عنه من شأنه إذا كان يتكلم في دقائق الطريق، وحضر أحد من القضاء ينفل الكلام إلى مسائل الفقه إلى أن يقوم من كان حاضره ويقول: ذكر الكلام بين غير أهله عورة، ومن وصيته لي إياك أن تسكن في جامع أو زاوية لها وقف، ومستحقون، ولا تسكن إلا في المواضع المهجورة التي لا وقف لها لأن الفقراء لا ينبغي لهم أن يعاشروا إلا من كان من حرفتهم، وعشرة الضد تكدر نفوسهم. مات رضي الله عنه، ورحمة سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بقنطرة الأمير حسين بمصر، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ تاج الدين الذاكر رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه وجهه يضيء من نور قلبه ذا سمت حسن، وتجمل بالأخلاق الجميلة تكاد كل شعرة منه تنطق، وتقول: هذا ولي الله، وكان رضي الله عنه يفرش زاويته باللباد الأسود لئلا يسمع وقع أقدامهم إذا مشوا، ويقول: حضرة الفقراء من حضرة الحق لا ينبغي أن يكون فيها علو صوت، ولا حس قوي، وكان أصحابه في غاية الجمال، والكمال، وكان رضي الله عنه له التلامذة الكثيرة، والاعتقاد التام في قلوب الخاص، والعام وكان رضي الله عنه كثير الشفاعات عند السلطان، والأمراء.

Bölüm V02/P112

وكان رضي الله عنه يمكث السبعة أيام بوضوء واحد كما أخبرني بذلك خادمه الشيخ عبد الباسط الطحاوي. قال: وانتهى أمره أنه كان في آخر عمره يتوضأ كل أحد عشر يوما وضوءا واحدا قال: وعزم عليه جماعة في جامع طولون ليمتحنوه في ذلك فدعوه إلى ناحية الجيزة في الربيع، وصاروا يعملون له الخراف، والدجاج، واللبن بالرز، وغير ذلك وهو يأكل معهم من ذلك جمله ثم لا يرونه يتوضأ لا ليلا، ولا نهارا مدة تسعة أيام فقيل للشيخ في ذلك يا سيدي إنك في امتحان مع هؤلاء فتشوش منهم، وجاء إلى البحر يعدى، فعدى في مركب، والجماعة الممتحنون في مركب فغرقت بهم فأخبروا الشيخ، فقال: لله الحمد ثم تدارك ذلك، وقال: ما وقعت مني قبل ذلك قط قال: الشيخ عبد الباسط خادمه رحمه الله تعالى فمرض الشيخ بسبب هذه الكلمة نحو سبعة وأربعين يوما، وأخبرني أخي الشيخ الصالح شمس الدين المرصفي رضي الله عنه أنه قال لي: أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء، وقد طويت سجادتي بعدي، ومكث رضي الله عنه خمسا وعشرين سنة لم يضع جنبه على الأرض، وكان رضي الله عنه يقول: ليس القناعة أن يأكل الفقير كل ما وجد من يسير الخبز والأدم إنما القناعة أن لا يأكل إلا بعد ثلاثة أيام لقيمات يقمن صلبه، وأكثرها خمس ولما حضرته الوفاة قالوا له: يا سيدي من هو الخليفة بعدكم لنعرفه، ونلزم والأدب معه، فقال قد أذنا لفلان، وفلان وعد عشرة من أصحابه أن كل من حضر منهم يفتتح الذكر بالجماعة، والطريق تعرف أهلها، ولو هربوا منها تبعتهم، وكان من العشرة سيدي شهاب الدين الوفائي، وسيدي الشيخ إبراهيم، وسيدي الشيخ عبد الباسط، وهم أجل من أخذ عنه، فنسأل الله أن يفسح في أجلهم للمسلمين، وكان رضي الله عنه يقول: لا تصح الصحبة لشخص مع شيخه إلا إن شرب من مشروبه، واتحد به اتحاد الدم في العروق مات رحمه الله تعالى سنة نيف وعشرين وتسعمائة، ودفن بزاويته بجوار حمام الدود خارج باب زويلة وكانت جنازته مشهورة رضي الله عنه آمين. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أبو السعود الجارحي رضي الله تعالى عنه هو من أجل من أخذ عن الشيخ شهاب الدين المرحومي رضي الله عنه، وكانت له في مصر الكرامات الخارقة، والتلامذة الكثيرة، والقبول التام عند الخاص، والعام، والملوك، والوزراء، وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين، وعملوا بأيديهم في عمارة زاويته في حمل الطوب، والطين، وكان كثير المجاهدات لم يبلغنا عن غيره ما بلغنا عنه في عصره من مجاهداته، وكان ينزل في سرب تحت الأرض من أول ليلة من رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بستة أيام، وذلك بوضوء واحد من غير أكل، وأما الماء، فكان يشرب منه كل ليلة قدر أوقية، وكان رضي الله عنه يقول: إني لا أبلغ إلي الآن مقام مريد ولكن الله تعالى يستر من يشاء، وكان رضي الله عنه إذا سمع كلاما يسمعه بالسمع الباطن، وسمع قائلا يقول: يا سيدي فسدت المعاملة، ونودي على الفلوس بأنها بطالة فصاح، وسقط على وجهه، ونتف لحيته، ومكث يصيح يوما كاملا، وجاءه مريد من بلبيس يريد أن يجتمع به فلم يأذن له فقال: جئتك من مكان بعيد فقال له: تمن علي بمجيئك من موضع بعيد اذهب لا تأتني لثلاث سنين، فلم يجتمع به إلا بعد ثلاث سنين ثم قال: الشيخ كان المريد يسافر ثلاث شهور في طلب مسألة في الطريق، ويرى تلك السفرة قليلة، وكان رضي الله عنه يعامل أصحابه بالامتحان، فلا يكاد يقرب منهم أحدا إلا بعد امتحانه سنة كاملة، وكان يلقي حاله على الفقير فيتمزق، وأخبرني الشيخ شمس الدين الأبوصيري رضي عنه أجل أصحابه قال: لم يزل الشيخ يمتحنني إلى أن مات، وأراني ضرب المقارع على أجنابه من الدعاوي التي كان يدعيها علي عند الحكام قال: وكنت أعترف عند الحكام إيثارا لجناب الشيخ أن يرد قوله: فإذا قال: هذا زنى بجاريتي أقول نعم أو يقول: هذا أراد الليلة أن يقتلني أقول نعم أو يقول: هذا سرق مالي أقول: نعم.

Bölüm V02/P112–V02/P113

وكان رضي الله عنه يتنكر علينا أوقاتا فلا نكاد نعرفه، وهرب منا إلى مكة، ونحن في الحبس، فلم نشعر به إلى أن وصل إلى مكة، فخرجت أنا وأبو الفضل المالكي في غير أوان الحج فوصلنا مكة في خمسة عشر يوما، فلما وصلنا إلى مكة استخفى منا وأشاع أنه سافر إلى اليمن، فسافر إليه خمسة شهور من مكة، فخرج إلينا شخص خارج زبيد، وقال: إن شيخكم في مكة في هذا اليوم فرجعنا فلما بقي بيننا، وبين مكة يوم، وليلة خرج إلينا، وقال: إن شيخكم باليمن فرجعنا إليه، وقال لنا: إن الذي قال: لكم إن شيخكم بمكة شيطان، فرجعنا إلى اليمن، فخرج إلينا، وقال: إن شيخكم بمكة، فلم نزل كذلك ثلاث سنين حتى ظهرلنا أنه بمكة، فأقمنا معه، فادعى علينا دعاوي، وضربونا، وحبسونا، ولم نر منه يوما واحدا كلمة طيبة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس لي أصحاب. قلت: وقال لي: يوما من حين عملت شيخا في مصر لي سبع، وثلاثون سنة ما جاء لي قط أحد يطلب الطريق إلى الله، ولا يسأل عن حسرة، ولا عن فترة، ولا عن شيء. يقربه إلى الله، وإنما يقول؛ أستاذي ظلمني، وامرأتي تناكدني جاريتي هربت جاري يؤذيني شريكي خانني، وكلت نفسي من ذلك، وحننت إلى الوحدة، وما كان لي خيرة إلا فيها، فيا ليتني لم أعرف أحدا، ولم يعرفني أحد. وكان رضي الله عنه إذا غلب عليه الحال نزع ثيابه، وصار عريانا ليس في وسطه شيء، وجاءه مرة أمير بقفص موز، ورمان فرده عليه، فقال: هذا لله تعالى فقال: الشيخ إن كان لله فأطعمه للفقراء، فأخذه الأمير، ورجع به إلى بيته، فأرسل الشيخ فقيرين بصيرا، وضريرا، وقال: الحقاه، وقولا له يا أمير أعطنا شيئا لله من هذا الموز، والرمان فتوجها مثل ما قال: لهما الشيخ، ولحقاه وقالا له يا أمير أعطنا شيئا لله، فنهرهما، ولم يعطهما شيئا فرجعا، وأخبرا الشيخ بما وقع لهما، فأرسل له الشيخ يقول: له تقول: هذا الله، وتكذب على الفقراء، وتنهر من يقول لك: أعطنا يا أمير شيئا، فلا عدت تأتينا بعد ذلك اليوم أبدا، فحصل له العزل، ولحقته العاهات في بدنه، ومات على أسوأ حال، ولما حضرت الشيخ الوفاة أرسل خلف شيخ الإسلام الحنفي، وجماعة وقال: أشهدكم علي بأني ما أذنت لأحد من أصحابي في السلوك فما منهم أحد شم رائحة الطريق ثم قال: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد، وكان رضي الله عنه له شطحات عظيمة، وكان كثير العطب، فكان عطبه للناس بحمية. مات رحمه الله سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويتة بالكوم الخارج بالقرب من جامع عمرو في السرداب الذي كان يعتكف فيه، وما رأيت أسرع كشفا منه، وحصل لي منا دعوات وجدت بركتها، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجعل لك قط مريدا، ولا مؤلفا، ولا زاوية وفر من الناس فإن هذا زمان الفرار، وسمعته مرة يقول: لفقيه من الجامع الأزهر متى تصير هاء الفقيه راء، والحمد لله رب العالمين. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد المنير رضي الله تعالى عنه

Bölüm V02/P113–V02/P114

أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وهو الذي أمره بحفر البئر، والسقي منها على الطريق في المحل الذي هو فيه الآن قبل عمارة البلد، فأقام مدة يسقي عليها، وبني لزوجته خصا ثم عمرت الناس حول الخص إلى أن صارت بلدا، وكان يحج كل سنة، ويقدس بعد أن يصل إلى مصر، ويقيم شهرا، وأخبرني رضي الله عنه قبل موته أنه حج سبعة، وستين حجة هذا لفظه لي بالجامع الأزهر، وهو معتكف أواخر رمضان، وكان رضي الله عنه يكره الكلام في الطريق من غير سلوك، ولا عمل ويقول: هذا بطالة، ومكث نحو ثلاثين سنة يقرأ في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، وكانت عمامته صوفا أبيض، وكان يلبس البشت المخطط بالأحمر، ويقول: أنا رجل أحمدي تبعا لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وترددت إليه في حياته نحو العشرين سنة، وحججت معه الحجة الأولى سنة خمس عشرة وتسعمائة، وكان رضي الله عنه أكثر أوقاته يحج على التجريد ماشيا، وعلى كتفه ركوة يسقي الناس منها، وكان رحمه الله يطوي الأكل، والشرب في الطريق، وفي مدة إقامته بمكة، والمدينة خوف التغوط في تلك الأماكن، وكان عليه القبول، وكان له شعرة طويلة بيضاء، وكان يحلقها في كل سنة في الحج، وكان رحمه الله يحمل لأهل مكة، والمدينة ما يحتاجون إليه من الزاد، والسكر، والصابون والخيط، والإبر، والكحل لكل واحد عنده نصيب فكانوا يخرجون يتلقونه من مرحلة، وكان سيدي محمد بن عراق رضي الله عنه ينكر عليه، ويقول هذه الأشياء يحملها من الأمراء، وتجار مصر من الحرام، والشبهات فبلغه ذلك فمضى إليه حافيا مكشوف الرأس. فلما وصل إلى خلوته بالحرم النبوي قبل العتبة، ووقف خاضعا غاضا طرفه، وقال: يا سيدي يدخل محمد المنير فلم يرد عليه سيدي محمد بن عراق شيئا فكرر عليه القول فلم يرد عليه شيئا فرجع منكسرا، فما حكيت هذه الحكاية لسيدي على الخواص حين قدم مع الحاج المصري قال: وعزة ربي قتله، وعزة ربي قتله، فإنه ما ذهب قط لفقير على هذه الحالة إلا وقتله فجاء الخبر بأنه مات بعد خروج الحاج من المدينة بعد عشرين يوما. قلت: ولما بلغني أنه حضرته الوفاة أخبرت أخي العباس الحريثي، وأخي أبا العباس الغمري، فقالوا: نسافر إليه نعوده، فتوافقنا أن كل من سبق رفيقه بعد الفجر ينتظره في باب النصر، فذهبت فقال لي: البواب إن جماعة وقفوا، وانتظروا هنا ساعة ثم ساروا نحو طريق الخانكة فظننت أنه الشيخ أبو العباس الغمري فرحلت خلفه فرافقني فقير هيئة أهل اليمن. وقال: أين قاصد؟ قلت: المنير فقال: وأنا كذلك وكان تحتي حمار أعرج، وكان ذلك في أيام الشتاء، وكان أقصر الأيام فما ارتفعت الشمس إلا، ونحن داخلون المنير، فدخلت فوجدت الشيخ محتضرا له ثلاثة أيام لم ينطق فقال: من أنت؟ قلت: عبد الوهاب فقال يا أخي كلفت خاطرك من مصر فقلت ما حصل إلا الخير فدعا لي دعوات منها أسأل الله تعالى أن يسترك بستره الجميل في الدنيا، والآخرة ثم ودعته بعد الظهر، وأقمت بالخانكة إلى بعد العصر ثم دخل سيدي أبو العباس، فاعتقد أني ما رحت إلى الشيخ إلى الآن، فقال: اركب فقلت له: إني رحت إلى الشيخ، وسلمت عليه وبالأمارة تحت رأسه مخدة حمراء مصبوغة فهذه كرامة للشيخ، فإن المدة بعيدة من مصر لا يصل المسافر في العادة إليها أواخر النهار. مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أبو بكر الحديدي رضي الله تعالى عنه

Bölüm V02/P114–V02/P115

رفيق المنير في الحج كل سنة، وكان من أكرم الناس، وكان إذا دعا شخصا إلى طعامه، ولم يرض يكشف رأسه ويصير يمشي خلفه حتى يجيبه وكان من أصحاب الشيخ أحمد بن مصلح المنزلاوي أبي الشيخ عبد الحليم، وكانت طريقته سؤال الناس للفقراء سفرا، وحضرا في طريق الحاج، وغيره، وكان رضي الله عنه يحمل لأهل مكة الدراهم، والخام وما يحتاجون إليه، وهو الذي أشار علي بلبس الصوف الجبب الحمر، والسود من حين كنت صغيرا بحضرة سيد محمد بن عنان، والشيخ محمد العدل رضي الله تعالى عنه، وعن الجميع، وكان رحمه الله بمرض عسر البول، فكان يصيح كلما يبول، ورأى الشيخ محمدا العدل رضي الله عنه يحسس على بطن امرأة أجنبية لمرض كان بها فصاح عليه واديناه، وامحمداه الله أكبر عليك يا عدل فقال: والله ما قصدتها بشهوة، فقال له: أنت معصوم نحن ما نعرف إلا ظاهر السنة وقال لي: مرة يا عبد الوهاب قم معي، فخرجت معه إلى سوق أمير الجيوش، فصار يأخذ من هذا نصفا، ومن هذا عثمانيا، ومن هذا درهما فما خرج من السوق إلا، ومعه نحو أربعين نصفا، فلقي شخصا معه طبق خبز، فأعطاه ثمنه وصار يفرق على الفقراء والمساكين، وهو ذاهب إلى نحو بين القصرين، وقال: نفعنا الفقراء من هؤلاء التجار على رغم أنفهم ثم صار يعطي هذا نصفا، وهذا درهما إلى أن فرغت، وكان معه مقص يقص كل شارب رآه، فإن لم يرض صاحبه يصيح، ويقول: واديناه، واإسلاماه، وامحمداه إلى يقصه غصبا، وكان رضي الله عنه الغالب عليه البسط، والإنشراح، وكان رضي الله عنه حصل للشيخ محمد بن عنان قبض لا يستطيع أحد أن يكلمه إلا إذا حضر الشيخ أبو بكر الحديدي رضي الله عنه فبمجرد ما يراه يتبسم، ولما حج هو، والشيخ أبو العباس الغمري والشيخ محمد بن عنان، والشيخ محمد المنير والشيخ علي بن الجمال نزلوا بباب المعلا، فبينا هم جلوس إذ جاءتهم امرأة من البغايا، فقال لها الشيخ ما تبغين، فقالت ما يفعله الرجال بالمرأة، فقال لها اذهبي إلى هذا الرجل يعني سيدي محمد بن عنان فجاءت إليه فقال لها: ما تبغين قالت: ما يفعله الرجل بالمرأة فأخذ العكاز، وقام لها فهربت، فضحك الجماعة فقال: من أرسل لي هذه؟ فقالوا: الشيخ أبو بكر فقال ما حملك على هذا؟ قال: حتى تنظر إليها نظرة بحال تكون سببا لتوبتها عن مثل ذلك فلم تفعل فتبسم الشيخ محمد بن عنان وقال: لا آخذك الله بذلك. توفي بالمدينة النبوية سنة خمس، وعشرين وتسعمائة، ودفن بالبقيع، رحمه الله تعالى، ويرحمنا إذا عدنا إليه آمين. ومنهم شيخي وقدوتي إلى الله تعالى العارف بالله تعالى سيدي محمد الشناوي رحمه الله تعالى كان رضي الله عنه من الأولياء الراسخين في العلم أهل الإنصاف، والأدب في أولاد الفقراء، وفقد ذلك كله بعد الشناوي، وكان رضي الله عنه يقول ما دخلت على فقير إلا، وأنظر لنفسي دونه، وما امتحنت قط فقيرا، وكان رضي الله عنه يحكي عن الشيخ عبد الرحيم القناوي رضي الله عنه أنه رأى مرة في عنق كلب خرقة من صوف فقام له إجلالا للخرقة الصوف، وكان رضي الله عنه أقامه الله في قضاء حوائج الناس ليلا، ونهارا، وربما يمكث نحو الشهر، وهو ينظر بلده، ولا يتمكن من الطلوع لها، وهو في حاجة الشخص، وكان أهل الغربية، وغيرها لا أحد يزوج، ولده، ولا يطاهره إلا بحضوره، وكان رضي الله عنه يلقن الرجال، والنساء، والأطفال، ويرتب لهم المجالس في البلاد، ويقول يا فلانة اذكري بأهل حارتك، ويا فلانة اذكري بإخوانك، فجميع مجالس الذكر التي في الغربية ترتيبه، وكان رضي الله عنه يقول: أشعلنا نار التوحيد في هذه الأقطار، فلا تنطفئ إلى يوم القيامة. ومن مناقبه رضي الله عنه أنه أبطل الشعير الذي كان في بلاد ابن يوسف لأنه كان يموت فيه خلق كثير لأن ابن يوسف كان رجلا عنيدا ظالما، وكان ملتزما بتلك البلاد وكان يستلزم

Bölüm V02/P115

بطيق السلطنة، وجميع العساكر من هذا الشعير، وكان لا يقدر أحد يتجاهى عليه وكان يأخذ الناس غصبا من جميع البلاد حتى يموتوا من العطش، فتعرض له سيدي الشيخ محمد الشناوي شفقة على الفقراء، والمساكين فكان يجمع تلامذته، وأصحابه، ويقعد يملخ في الشعير، ويقول اعتق الفقراء لئلا يموتوا، فتحمل منه ابن يوسف في الباطن، وظن أنه يبطل عادته من البلاد، فأتى إليه بطعام فيه سم فقدمه للشيخ، وجماعته فلما جلسوا يأكلون صار دودا ببركة الشيخ، فتغيظ منه الشيخ، وقال: لا بد أن أبطل هذا الشعير ببركة الله تعالى لئلا تهلك الخلق، فكان محبو الشيخ يتفقدونه بالماء والطعام، وهو يقطع في الشعير فكان حمادة الذي بمحلة ديبة لم يقطع الطعام عن الشيخ، وهو ملازم للإرسال له في كل يوم فدعا له الشيخ بالبركة في المال، والولد فهو إلى الآن في بركة دعاء الشيخ هو وأولاده، وعزم الشيخ على السفر لبلد السلطان ابن عثمان بسبب ذلك، فرآه السلطان سليمان في داره ليلا وهو راكب حمارته السوداء، وقال له أبطل الشعير الذي ببلاد مصر في درك ابن يوسف، فقال: للوزراء ذلك عند الصباح. فكاتبوا نائب مصر قاسم كزك، فأرسل لهم إن الخبر صحيح والذي رآه السلطان هو الشيخ محمد الشناوي، فأرسل السلطان بإبطال الشعير، فهو إلى الآن بطال ببركة الشيخ رحمه الله، وكانت بهائمه، وحبوبه على اسم المحاويج لا يختص منها بشيء، وكان لا يقبل هدايا العمال ولا المباشرين، ولا أرباب الدولة، وأهدى له نائب مصر قاسم كزك أصوافا، وشاشات، وبعض مال فرده عليه، وقال: للقاصد الفقراء غير محتاجين إلى هذا وعزة ربي عندي جلة البهائم خير من هديتك، وقال: للقاصد لا تعد تأتينا بشيء، وكان رضي الله عنه لم يزد في مقاعده جبائر القطن ملفوفة من كثرة الركوب في حوائج الناس، وما رأيت في الفقراء أوسع خلقا منه، وكان يقول: الطريق كلها أخلاق، وكان إذا جلس إليه أبعد الناس عنه لا يقوم من مجلسه حتى يعتقد أنه أعز أصحابه أو أقاربه من حسن إقباله عليه، وطلع مرة لابنة الخليفة قصرها، فلقنها الذكر، ولقن جواربها ووقعت عصائبهن من كثرة الاضطراب في الذكر. فلما نزل قال: الحمد لله الذي ما كان هناك أحد من المنكرين على هذه الطائفة، وكان كثر تربيته بالنظر ينظر إلى قاطع الطريق، وهو مار عليه فيتبعه في الحال لا يستطيع رد نفسه عن الشيخ، ورأيت منهم جماعة صاروا من أعيان جماعته، وكان رضي الله عنه إذا افتتح المجلس بعد العشاء لا يختمه في الغالب إلا الفجر، فإذا صلى الفجر افتتح إلى ضحوة النهار، وأخبرني الشيخ محمد السنجيدي قال: كنا إذا زرنا الشيخ محمدا في ابتداء أمره في ناحية الحصة لا نرجع إلا ضعافا من كثرة السهر لأننا كنا نمكث عنده اليومين، والثلاثة، والأربعة لا يمكننا النوم بحضرته لا ليلا، ولا نهارا فإن قراءة القرآن عنده دائما، فإذ فرغ من القرآن افتتح الذكر فإذا فرغ من الذكر افتتح القرآن، وهذا كان دأبه إلى أن مات رحمه الله. وكان عنده جماعة سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه بمكان، وسمعته مرة يحدثه إلى القبر، وسيدي أحمد يجيبه، وهو الذي أبطل البدع التي كانت الناس تطلع بها في مولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه من يهب له أمتعة الناس، وكل أموالهم بغير طيبة نفس، وتعلموا أنه حرام، وكانوا قبله يرون أن جميع ما يأخذونه من بلاد الغربية حلال ويقولون هذه بلاد سيدي أحمد، ونحن من فقرائه، وكان يطلعون بالدف، والمزمار، فأبطل ذلك وجعل عوضه مجلس الذكر، فيفتح الذكر من نواحي قحافة، ويجمع معه خلائق كثيرا يذكرون إلى أن يدخلوا مقام سيدي أحمد، ويحصل للناس بسط عظيم برؤيته، وخشوع، وبكاء ورقة، ومناقبه كثيرة مشهورة بين الناس، وأذن بتلقين الذكر لجماعة قبل، وفاته رضي الله عنه، وأنشد: أهيم بليلي ما حييت، وإن أمت ... أو كل بليلي من يهيم بها بعدي

Bölüm V02/P115–V02/P116

فمن الجماعة الشيخ شهاب الدين السبكي رضي الله عنه، ومنهم الشيخ عبد الرحيم المناوي، ومنهم الشيخ أبو العباس الحريثي رضي الله عنه ثم الفقير رحمه الله، وقال: وقد صار معكم الإذن إذا فتح الله عليكم، وأما الآن فتلقوا كلمة لا إله إلا الله تشبيها وتبركا بطريق القوم، وكان ذلك في ربيع الأول سنة اثنتين، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بمحلة روح، وقبره بها ظاهر يزار معمور بالفقراء، والمجاورين بواسطة ولده الشيخ عبد القدوس، فسح الله في مدته للمسلمين، ولما ودعته بزاوية سيدي محمد بن أبي الحمائل رضي الله عنه قال: ليس هذا آخر الاجتماع لا بد من اجتماعنا مرة أخرى، ولما حضرته الوفاة ما علمت بذلك إلا من وارد ورد علي قال: اذهب إلى محلة روح، فلم أستطع أرد نفسي عن ذلك الخاطر حتى سافرت إليه تصديقا لقوله لا بد من الاجتماع مرة أخرى، فدخلت عليه فوجدته محتضرا ففتح عينيه، وقال: أسأل الله أن لا يخليك من نظره، ولا من رعايته طرفة عين، وأن يسترك بين يديه ثم توفي تلك الليلة، ودفن في غفلة من الناس، واقتتل الناس على النعش، وذهلت عقولهم من عظم المصيبة بهم فإنه كان معدا لتفريج كربهم ساعيا في إرشادهم لخير دنياهم، وخير أخراهم، رضي الله عنه ورحمه. ومنهم الشيخ عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي رضي الله عنه كان من الأخلاق النبوية على جانب عظيم، وكان كثير التواضع، والازدراء لنفسه، وجاءه مرة شخص يطلب الطريق فقال: يا أخي النجاسة لا تطهر غيرها، وجاءه رضي الله عنه شخص مرة بجبة صوف، وقال: يا سيدي: اقبل مني هذه الجبة لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الليلة، وقبلني على صدري، وأنا لابسها فأبى الشيخ، وقال شيء مسه النبي صلى الله عليه وسلم لا أقدر على لبسه خوف أن يقع مني معصية، وأنا لابسها، ولكن نتبرك بها فمسح بها على وجهه وردها على صاحبها، وكان رضي الله عنه يربي من كان عنده دعوى بالمسارقة فيقرأ عليه شيئا من أحوال القوم ثم يصير يورد عليه الأسئلة، ويعطف عليه بالجواب بحيث يظن أن ذلك الفقير هو الشيخ، والشيخ هو المريد، وجاءه شخص من اليمن فقال أنا مأذون لي في تربية الفقراء من شيخي، فقال: الشيخ عبد الحليم الحمد لله الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن الشيخ جاء عندنا فتلقن على اليماني، ولم يكن بذاك، وكان الشيخ يعلمه في صورة المتعلم إلى أن كمله وزاد حاله ثم كساه عند الفسر، وزوده، وصار يقبل رجل اليماني، ويقول: صرنا محسوبين عليكم، ولقيه رجل من أرباب الأحوال، وكان مشهورا بالكرامات، فقال: يا عبد الحليم أنت مسكين ما كنت أظن مع هذه الشهرة أنك عاجز هكذا ثم قبض هو دراهم من الهواء، وأعطى الشيخ عبد الحليم فأثر ذلك في سيدي الشيخ عبد الحليم ثم قال له: يا عبد الحليم اشتغل بالله تعالى حتى تصير الدنيا في طوعك هكذا، فانقطع الشيخ عبد الحليم في الخلوة تسعة شهور يقرأ في الليل ختما، وفي النهار ختما ثم خرج ينفق من الغيب إلى أن مات، وأقمت عنده في زاويته نحو سبعة، وخمسين يوما رأيت الفقراء احتاجوا إلى شيء إلا ويخرج لهم من كيس صغير كعقدة الإبهام جميع ما يطلبونه ورأيته بعيني قبض منه ثمن خشب من دمياط نحو خمسين دينارا، وكان رضي الله عنه لا يسأله فقير شيئا إلا أعطاه حتى يخرج بعمامته وجبته فيرجع بالفوطة في وسطه، وعمر رضي الله عنه عدة جوامع في البحر الصغير، وله جامع بالمنزلة فيه فقراء، ومجاورون، وفيه سماط على الدوام، ومارستان للضعفاء من الفقراء، والغرباء والمستضعفين، وكراماته كثيرة مشهورة في بلاده رضي الله عنه. مات رحمه الله سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، وكان رضي الله عنه لا يخصص نفسه بشيء من الهدايا الواصلة إليه بل أسوته بأسوة الفقراء في ذلك، واجتمع عنده في زاويته نحو المائة نفس، وهو يقوم بأكلهم، وكسوتهم من غير وقف إنما هم على ما يفتح الله عز وجل، ولما وقف الناس عليه الأوقاف أخبرني أن الحال ضاق على الفقراء، وقال: تعرف سببه؟ قلت: لا فقال: لركون الفقراء إلى المعلوم من طريق معينة، وكانوا قبل ذلك متوجهين بقلوبهم إلى الله تعالى، فكان يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ومن مناقبه أني نصب عليه شخص مرة وأخذ منه أربعمائة دينار يبني بها بئر ساقية، ويجعل عليه سبيلا في طريق غزة، وقال: إن الناس محتاجون إلى ذلك فأخذ الفلوس تزوج بها، وفتح له دكانا بها فلما استبطأه الشيخ أرسل خلفه جماعة فأخرج لهم إبريق ماء حلو، وقال: لهم هذا من ماء البئر والناس يدعون للشيخ كثيرا فلما ورد على الشيخ جماعة مسافرون سألهم عن البئر فقالوا ليس هناك شيء، فأرسل يطلبه، فجاء فقال له: الشيخ ما فعلت بالفلوس، فقال: للشيخ الماء الذي أرسلته لك في الإبريق، وقلت إنه من البئر فإن هذا الكلام لا حقيقة له، وإني تزوجت بالفلوس، فأراد الفقراء حبسه، فمنعهم الشيخ، وقال: الدنيا كلها لا تساوي إرعاب مسلم، وخلي سبيله، وكان رضي عنه شديد المحبة لي حتى قال لي: مرة لا أحب أحدا في مصر مثلك أبدا، رضي الله عنه، وأرضاه، ورحمنا به آمين.

Bölüm V02/P116–V02/P117

ومنهم الشيخ علي أبو خودة رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه من أرباب الأحوال، ومن الملامتية، وكان رضي الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصدا، فإذا أنكر عليه أحد عطبه، ورأيته خارج باب الشعرية، وهو يقول: الخادمة أيش قلت: من يخلي هذا الرجل هراره في رجليه يعني الشيخ عبد القادر الدشطوطي، فلما مر عليه كركبت بطن الشيخ عبد القادر، وساح هرره على المسطبة التي كان قاعدا عليها، فقال الله يلقيك فعرف أنه أبو خودة رضي الله عنه، وكان الشيخ عبد القادر قد كف بصره، وكانت خودة سيدي على من الحديد، وكان زنتها قنطارا، وثلثا لم يزل حاملها ليلا، ونهارا، وكان شيخا أسمر قصيرا، وكان معه عصا لها شعبتان كل من زاحمه ضربه بها وكان رضي الله عنه يهوى العبيد السود، والحبش لم يزل عنده نحو العشر يلبسون الخود لكل واحد منهم حمار يركبه فكانوا هم جماعته كل موضع ركب يركبون معه، وما رآه أحد يصلي مع الناس إلا وحده. وكان رضى الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه، وحسن على مقعدته سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس، ولا عليه من أحد وكان إذا حضر السماع يحمل المنشد، ويجري به كالحصان، وأخبرني الشيخ يوسف الحريثي رضي الله عنه قال: كنت يوما في دمياط، فأراد السفر في مركب قد انوسقت، ولم يبق فيها مكان لأحد فقالوا للريس إن أخذتت هذا غرقت المركب لأنه يفعل في العبيد الفاحشة، فأخرجه الريس من المركب فلما أخرجوه من المركب قال: يا مركب تسمري، فلم يقدر أحد يسيرها بريح، ولا بغيره، وطلع جميع من فيها، ولم تسر، وأخبرني أيضا أنه نزل معه في مركب، فمرس عليها الريح فضربها بعكازه فلم تتزحزج فنزل هو وعبيده يمشون على الماء إلى أن وصلوا إلى شربين، والناس ينظرون ذلك. وكان رضي الله عنه يخرج خلفه على قرقماش أمير كبير كان أيام الغوري، فيضربه بحضرة جنده فإذا آلمه الضرب يهرب منه فيتبعه، فإذا قفل عليه الباب خلعه فلا يستطيع أحد أن يرده حتى يرجع هو بنفسه، واجتمعت به مرات عديدة، وقال لي: مرة أحذر أن تنيكك أمك، فقلت: لعبد من عبيده ما معنى كلام الشيخ قال: يحذرك أن يدخل حب الدنيا في قلبك لأن الدنيا هي أمك. مات سنة نيف، وعشرين وتسمعمائة، ودفن بزاويته بالحسينية بالقرب من جامع الأمير شرف الدين الكردي رضي الله عنه، ورحمنا به والمسلمين. ومنهم الشيخ محمد الشربيني رحمه الله تعالى