Qur'an&Sunnah

Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)

Bölüm V02/P131–V02/P132

وسئل رضي الله عنه عن المراد بالسر الذي، وقر في صدر أبي بكر رضي الله عنه فقال: هو عدم، وقوفه مع الوسائط فكان مع الله عز وجل، وكان يرى محمدا صلى الله عليه وسلم طريقا يجري له الخير منها كحكم المريد مع شيخه إذا كمل المريد، وقد ظهر ذلك السر يوم موته صلى الله عليه وسلم فإنه ثبت، وخطب الناس وحضهم، ولم يظهر عليه تأثير كما وقع لعمر رضي الله عنه، ولغيره من الصحابة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس لفقير أن يدخر قوت العام إلا إن كان على بصيرة بأن ذلك قوته، وحده، وليس لأحد فيه نصيب فإن لم يكن على بصيرة فليس له أن يدخر لأن سبب ذلك إنما هو شح في الطبيعة فإن أطلعه الله تعالى على أن هذا المدخر رزق قوم آخرين لا يصل إليهم إلا على يديه فله الادخار لهذا الكشف. فإن علم أنه رزق قوم، ولكن لم يطلعه الله على أن ذلك يكون على يديه فلا ينبغي له إمساكه فإن أطلعه الله تعالى على أن ذلك لا يصل إليهم إلا على يديه لكن في زمان معين فهو بالخيار إن شاء أمسكه إلى ذلك الوقت، وإن شاء أخرجه عن يده فإنه ما هو حارس، ولا أمره الحق لإمساكه، وإذا، وصل إلى ذلك الوقت المعين فإن الحق تعالى يرده إلى يده حتى يوصله إلى صاحبه. قلت، وهذا أولى لأنه بين الزمانين يكون غير موصوف بالادخار لأنه خزانة الحق ما هو خازن الحق وكان رضي الله عنه يقول: لا تبدءوا أحدا بهدية إلا إن كان فقيرا محتاجا أو لا يتكلف للمكافأة فإن من بدأ من يكافئه أساء في حقه لأنه عرضه لكلفة المكافآة، وكان يقول: لا تقوموا لأحد من الإخوان، وغيرهم إلا إذا علمتم منهم عدم الميل إلى القيام فإن من قام لمن يحب القيام كبر نفسه بغير حق، وأساء في حقه من حيث لا يشعر، وكان رضي الله عنه يقول: يكفي الفقير في هذه الأيام حجة الإسلام، ولا ينبغي له الزيادة على ذلك إلا إن كان خاليا من منة الناس عليه لا يطرق عليه قلبه تكدير من التجار الذين لم يحسنوا إليه إذ جاع أو عجز عن المشي، ونحو ذلك لأن الله تعالى شرط الاستطاعة في الحج نفله، وفرضه، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " يدخل فيه العالم أو المسلك إذا لم يعمل بعلمه في نفسه ولكن أفتى ودل الناس على طريق الله عز وجل، وكذلك يدخل فيه العالم، والعابد إذا لمس هذا في الدنيا طول عمرهما فلما قربت، وفاتهما مالا إلى الدنيا، وأحباها، وجمعا المال من غير حله فيموتان على ذلك فيحشران مع الفجار الخارجين عن هدى العلماء العاملين. وكان رضي الله عنه يقول: إنما كان مشايخ القوم يجيبون تلامذتهم من قبورهم دون مشايخ الفقهاء في الفقه لصدق الفقراء في اعتقادهم في أشياخهم دون الفقهاء. فلو صدق الفقيه لأجابه الإمام الشافعي رضي الله عنه، وخاطبه مشافهة وكان رضي الله عنه يقول: جميع المنافع التي أوجدها الله تعالى في هذه الدار إنما أوجدها بالأصالة لتسبح بحمده، وأما انتفاع عباده بها فإنما هو بحكم التبعية، ومن قال بعكس ذلك فهو مكر، واستدراج وكان يقول: منع قوم التفكر للمبتدئ، وهو كلام من لا تحقيق عنده، والحق أنه ينفع المبتدئ لأن القلب أو النفس أو الروح أو السر أو غيرها من المعاني الباطنة يألفون صفاتهم الباطنة فإذا ألفوا التفكر ولد وهما، والوهم، ولد خيالا، والخيال يولد علما، والعلم يولد يقينا.

Bölüm V02/P132–V02/P133

فلا يزال العبد المتفكر يترقى بهمته، وفكره حتى يبلغ درجات الكمال فإذا كمل أخذ ما كان يدركه بالفكر من طريق كشفه، وتعريفه ولا يحتاج بعد ذلك إلى تفكر، ولو أنه أراد التفكر لم يجد ما يتكفر فيه مع أنه، في حال كماله يدرك في الزمن الفرد من العلوم، والمعارف ما لا يعلم، ولا يوصف، وكان يقول: ليس لفقير الدخول بنفسه في مواطن التهم بل من شأن الفقير أن يخاف على نفسه من مواطن التهم أكثر مما يخاف من وجود الألم لأن مواطن التهم توجب السقم على القلب. كما توجب الأغذية الفاسدة السقم على البدن لا سيما وأطباء القلوب قليل، ومواطن التهم كثيرة، وإن كنت بريا فإنها تحكم عليك كما تحكم الشمس بضيائها وحرها على الأمكنة، وهي برية من النور، والحر، وكان يقول: إنما أبر الحق تعالى بأنه أقرب جار لنا بشارة بإفاضة فضله، ورحمته علينا قبل كل أحد من الخلق فنحن أقرب إلى عفوه، ومغفرته، وفضله ومسامحته لأنه أولى من وفي بحق الجوار، وإن كنا نحن لم نوف به، وكان رضي الله عنه يقول: عداوتنا لأفعال من أمر الحق بعداوته عداوة شرعية، وعداوتنا لذاته عداوة طبيعية، والسعادة في الشرعية لا في الطبيعة، وكان رضي الله عنه يقول: كما لم يجب الحق تعالى عبده في كل مسألة كذلك العبد لم يطعه في كل ما أمره جزاء وفاقا، وكان رضي الله عنه يقول: يجب على الفقير أن يذكر لشيخه أمراضه الباطنة وإن كانت قبيحة ليدله على طريق شفائه منها، وإن لم يفعل. وترك ذلك حياء طبع فربما مات بدائه لأن حياء الطبع مذموم لكون الإفصاح عن المرض فيه زوال رياستها، وذمها، وقع للشيخ زون بهار المدفون بالقرافة بالقرب من سيدي يوسف العجمي رضي الله عنه أنه كان يصعق في حب الله تعالى فتضع الحوامل ما في بطنها من صعقته فحول الله تعالى ذلك إلى حب امرأة من البغايا فجاء إلى الصوفية ورمى لهم الخرقة، وقال لا أحب أن كذب في الطريق إن واردى تحول إلى حب فلانة ثم صار يحمل لها العود، ويركبها، ويمشي في خدمتها إلى أن تحول الوارد إلى محبة الحق بعد عشر شهور فجاء إلى الصوفية فقال ألبسوني الخرقة فإن، واردى رجع عن محبة فلانة فبلغها ذلك فتابت، ولزمت خدمته إلى أن ماتت، وكان رضي الله عنه يقول: كل ما جاءك من الحق تعالى من أمور الدنيا، والآخرة من غير سؤال أو بسؤال عن إذن إلهي فهو منة من الله تعالى عليك، ولا حساب عليك بسببه إن شاء الله تعالى بخلاف ما جاء من غير هذين الطريقين، وكان يقول: ليس مما يصيب الأطفال، والبهائم من الأمراض كفارة لها لعدم معصيتها، وإنما هو في البهائم لكونها تطعم، وتسقى في غير وقته أو غير ما تشتهي أو لا تقتصر في الأكل على الحاجة بل تزيد ثم تستخدم مع ذلك فتتعب أبدانها لا سيما في شدة الحر، والبرد وأما في الأطفال فلأن الحوامل من النساء، والمرضعات يأكلن، ويشربن بشر، وحرص أكثر ما ينبغي من ألوان الطعام، والشراب فيتولد في أبدانها أخلاط غليظة مضادة للطباع فيؤثر ذلك في أبدان الأجنة التي في بطونهن، وفي أبدان أطفالهن من اللبن الذي هو فاسد، ويكون ذلك سببا للأمراض، والأعلال، والأوجاع من الفالج، والزمانات، واضطراب البنية، وتشويه الخلقة، وسماجة الصورة ثم قال، ومن أراد السلامة من ذلك فلا يأكل، ولا يشرب إلا في وقت الحاجة بقدر ما ينبغي من لون واحد بقدر ما يسكن ألم الجوع ثم يستريح، وينام ويمتنع من الإفراط في الحركة، والسكون، وكان رضي الله عنه يقول: في حديث " إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي " إنما لم ينفعه بكاؤه، ولا توبته لأنه لا يمكنه أن يبكي إلا بوجه، واحد، وذلك أن له وجهين، وجه يمد به العصا فلا يمكنه التوبة من هذا الوجه طرفة عين لأن الوجود لا يخلو عن عاص فيكل لمحة ووجه يؤدي منه عبوديته لله عز وجل إذ هو متصرف بمشيئة الله عز وجل في أصحاب قبضة الشقاء، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " " البقرة: 30 "، مقاولة الحق تعالى لعباده تخلف باختلاف العوالم التي يقع بها التقاول فإن كان واقعا في العالم المثالي فهو شبيه بالمكالمة الجسمية، وذلك بأن يتجلى لهم الحق تعالى تجليا مثاليا كتجليه في الآخرة بالصور المختلفة كما نطق به حديث التحول، وإن كان التقاول، واقعا في عالم الأرواح من حيث تجردها فهو كالكلام النفسي فيكون قول الله للملائكة على هذا إلقاء في قلوبهم للمعنى المراد، وهو جعل آدم خليفة في الأرض دونهم، ويكون قولهم هو عدم رضاهم وإنكارهم الناشئين من احتجاجهم بروية نفوسهم، وتسبيحهم عن مرتبة من هو أكمل منهم باطلاعهم على نقائصه دون كماله. ثم قال، ومن أمعن النظر فيما ذكر تفطن لفهم كلام الله تعالى، وعلم مراتبه وأنه تعالى عين المتكلم في مرتبته، ومعنى قائم به في أخرى كالكلام النفسي فإنه يركب من الحروف ومعبر عنه بها في عالمي المثال، والحس.

Bölüm V02/P133–V02/P134

وكان رضي الله عنه يقول: الممنوع من رؤية الجان إنما هو في صورتهم التي خلقهم الله تعالى عليها، وإذا أراد الحق تعالى أن يطلع أحدا من عبيده على رؤيتهم من غير إرادة منهم رفع سبحانه، وتعالى الحجاب عن عين الرائي فيراهم، وقد يأمر الله تعالى الجن بالظهور لنا فيتجسدون لنا فنراهم رأى العين. ثم إذا رأيناهم فتارة يكونون على صورهم في أنفسهم وتارة يكونون على صورة البشر أو غيرها فإن لهم التشكل في أي صورة شاءوا كالملائكة وقد أخذ الله تعالى بأبصارنا عنهم فلا نراهم إلا إذا كشف الحجاب لنا مع حضورهم في مجالسنا، وحيث كنا، قال، وأصواتهم لا تشبه أصواتنا من كل وجه بل هي مختلفة، وذلك لأن أجسامهم لطيفة فلا يقدرون على مخارج الحروف الكثيفة لأنها تطلب انطباقا، وصلابة، وحصول العلم لنا من كلامهم إنما هو لنطقهم بمثال حروفنا لا بحقيقتها هذا حكم كلامهم ما داموا في صورهم الأصلية، وأما إذا دخلوا في غير صورهم فالحكم للآلة التي دخلوها من إنسان أو بهيمة أو غير ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق بكتم الأسرار سمع كلام الموتى، ورأى ما هم فيه، وتأمل البهائم لما لم تكن من عالم التعبير كيف سمعت عذاب الموتى وكان يقول: صدقة السر ما جهلت معناه، ولم يعلم خاطرك ما هو، والسر يتنوع باختلاف مقامات العارفين فربما يكون سر إنسان جهرا بالنسبة لإنسان آخر، وكان يقول: إذا توجهت إلى الله تعالى في حصول أمر دنيوي أو أخروي فتوجه إليه، وأنت فقير ذليل فإن غناك، وعزتك يمعنانك الإجابة، وإن كان بالله عز وجل لأن الغنى والعز صفتان لا يصح للعبد الدخول بهما على الله تعالى أبدا لأن حضرة الحق تعالى لها العزة ذلتية فلا تقبل عزيزا، ولا غنيا، وهذا أمر من ذاقه لا يمكنه أن ينكره من نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: آفة العقل الحذر، وآفه الإيمان الإنكار، وآفة الإسلام العلل، وآفة العمل الملل، وآفة العلم النفس وآفة الحال الأمن وآفة العارف الظهور وآفة العقل الجور وآفة المحبة الشهوة وآفة التواضع المذلة، وآفة الصبر الشكوى، وآفة التسليم التفريط، وآفة الغنى الطمع، وآفة العز البطر، وآفة الكرم السرف الزائد، وآفة البطالة الفقر، وآفة الكشف التكلم وآفة الاتباع التأويل، وآفة الأدب التفسير وآفة الصحبة المنازعة، وآفة الفهم الجداد، وآفة المريد التسلل على المقامات، وآفة الانتفاع التسلق، وآفة الفتح الالتفات وآفة الفقيه الكشف، وآفة المسلك الوهم، وآفة الدنيا شدة الطلب، وآفة الآخرة الإعراض، وآفة الكرامات الاستدراج، وآفة الداعي إلى الله تعالى الميل إلى الرياسة، وآفة الظلم الانتشار وآفة العدل الانتقام، وآفة التقيد الوسوسة، وآفة الإطلاق الخروج عن الحدود، وآفة الحديث النقص. وكان رضي الله عنه يقول: إنما سمي المجذوب مجذوبا لأن العبد لم يزل يتعشق حاله، ويألفه، ولا ينجذب عنه إلا بما هو أقوى منه وإذا أراد الله تعالى أن يخلص عبدا، ويستخلصه لنفسه جذبه عما كان، واقفا معه من أمر الدنيا، والآخرة فإذا تعشق بما جذبه الحق إليه ثانيا جذبه عنه ثالثا، وإنما فعل الحق تعالى ذلك لعبده لينبه العبد على أن جميع حركاته معلولة، وربما زها العبد بالقوة الإلهية التي أعطاها الحق تعالى له فإذا زها العبد قال له الحق ما جذبتك عن ميل منك لي، وإنما هو لشدة تعشق نفسك لأحوالها الناقصة فلولا وجود الحلاوة، والالتذاذ في نفسك ما جذبتك فلنفسك سعيت لا لي، وكان رضي الله عنه يقول: إياك والفرار من حال أقامك الله فيه فإن الخيرة فيما اختاره الله تعالى لك، وتأمل السيد عيسى عليه السلام لما فر من بني إسرائيل حين عظموه، وأطروه كيف عبد من دون الله تعالى فوقع في حال أشد مما فر منه.

Bölüm V02/P134–V02/P135

ثم قال وأصل اختيار العبد مع الحق إنما هو لظن العبد أنه مخلوق لنفسه، والحق تعالى ما خلق العبد إلا له تعالى فلا يعطي تعالى لعبده إلا ما يصلح أن يكون له تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة العلم الإلهي أن تمجه العقول، والأفكار، ولا تقبله إلا بالإيمان فقط، وذلك لأنه برز من حضرة الموت الأكبر الذي هو موت النفوس، والنفس تنفر من الموت لأنه يلحقها بالعدم، وكان رضي الله عنه يقول: من منذ خلق الله العالم ما يحلي قط في جلاله الصرف وإنما تجلى في جلال جماله وكان رضي الله عنه يقول الخلوة بالله وحده لا تكون إلا للقطب الغوث في كل زمان فإذا فارق هيكله المنور بالانتقال إلى الدار الآخرة انفرد الحق تعالى بشخص آخر مكانه لا ينفرد بشخصين قط في زمان، واحد. قال، وهذه الخلوة وردت في الكتاب، والسنة، ولكن لا يشعر بها إلا أهل الله تعالى خاصة. قلت، ورأيت هذا بعينه في كلام الشيخ محيي الدين رضي الله عنه أيضا قال: وأما خلوة غير القطب فلا تكون بالله، وإنما هي لمزيد الاستعداد، والبعد عمن يشغله عن الطاعات من المخلوقين لا غير، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم، وأموالهم، وأهليهم من غير أن يتخلل ذلك الأمان تهمة. وكان رضي الله عنه يقول: أكمل الإيمان ما كان عن تجل إلهي لأنه حينئذ على صورة إيمان الرسل عليهم الصلاة، والسلام، ودونه ما كان عن دليل فلما علم الصحابة رضي الله عنهم أن إيمان الرسل عليهم الصلاة، والسلام لا يكون عن دليل لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه وذلك لأن حقيقة الرسالة تقتضي أن لا دليل عليها. وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الحق في التوحيد العام كنحن معهم إذ هم مأمورون كما نحن مأمورون إذ هم مقلدون للحق ونحن مقلدون لهم، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق برتبة الإيمان علم أن جميع المراتب تصاحب رتبة الإيمان كمصاحبة الواحد لمراتب الأعداد الكلية، والجزئية إذ هو أصلها الذي بنيت عليه فروعها وثمارها، وكان رضي الله عنه يقول لا يوصف الملأ الأعلى، والأرواح العلا بأنهم أولياء، ولا أنبياء كصالحي الآنس، والجن لأنهم لو كانوا أنبياء، وأولياء ما جهلوا الأسماء، وكان رضي الله عنه يقول لا يصح التعبير عن حقيقة الإيمان لأنه شيء، وقر في الصدر لا يمكن التعبير عنه. قال: وأما ما ورد في السنة من الألفاظ التي تحكم لصاحبها بالإيمان فكلها راجعة إلى التصديق، والإذعان اللذين هما مفتاحان لباب العلم بالمعلوم المستقر في قلب العبد بالفطرة، ولذلك لم يسأل أحد من الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة هذه الألفاظ، ولا ناقشوا أصحابها بل أجروا حكمهم على الظاهر ووكلوا سرائرهم إلى الله تعالى هذا بالنظر للعوام، وإلا فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حارثة رضي الله تعالى عنه عن حقيقة إيمانه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سئل أحدكم عن شيخه فليقل كنت خادمه، ولا يقل كنت صاحبه فإن مقام الصحبة عزيز، وكان رضي الله عنه يقول إذا كمل توحيد العبد لا يصح له أن يرأس على أحد من المخلوقين لأنه يرى الوجود لله، وكان رضي الله عنه يقول حقيقة القول بالكسب في مسألة خلق الأفعال أنه يعني بالكسب تعلق إرادة الممكن بفعل ما فيوجد الاقتدار الإلهي عند هذا التعلق فسموا ذلك كسبا للممكن بمعنى أنه كسب الانتفاع به بعد احتياجه إليه، ثم قال، ومن حقق النظر علم أنه لا أثر لمخلوق في فعل شيء من حيث التكوين، وإنما له الحكم فيه فقط فافهم فإن غالب الناس لا يفرق بين الحكم، والأثر.

Bölüm V02/P135–V02/P136

وإيضاح ذلك أن الله تعالى إذا أراد إيجاد حركة أو معنى من الأمور التي لا يصح وجودها إلا في موادها لاستحالة أن تقوم بنفسها إذ لا بد من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الذي لا يقوم بنفسه فللمحل الذي هو العبد حكم في الإيجاد لهذا الممكن، وماله فيه ولولا هذا الحكم لكان نسبة الأفعال إلى الخلق مباهتة للحس وكان لا يوثق بالحس في شيء وسمعته مرة يقول ليس للممكن قدرة أصلا، وإنما له التمكن في قبول تعلق الأثر الإلهي به لأن النعت الأخص الذي انفردت به الألوهية كونها قادرة فإثبات القدرة للممكن دعوى بلا برهان. قلت: وهذا الكلام مع الأشاعرة المثبتين لها مع نفي الفعل عنها. وقلت مرة ذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه أن مسألة الكسب لا يزول إشكالها أبدا فقال بل يزول إشكالها من طريق الكشف. وذلك أن الله تعالى خالق وحده بإجماع أهل السنة، وإنما للعبد قبول إسناد العمل إليه لا غير، ثم قال: ومن أراد زوال اللبس باكلية فلينظر في المخلوق الأول الذي لم يتقدمه مادة أبدا، ويتأمل هل هناك أحد يسند إليه الفعل غير الله تعالى فيزول إشكاله، فإنه لا يصح، وجود كون هناك يسند إليه الفعل فيسقط قول من قال: لا يوجد لنا قط فعل الله تعالى، وحده لا بد من مشاركة الكون فتأمل. قلت: وذكر نحو ذلك سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في الفتوحات، وكان رضي الله عنه يقول من كمال الرجل أن يحسن إلى أعدائه، وهم لا يشعرون تخلقا بأخلاق الله عز وجل فإنه تعالى دائم الإحسان إلى من سماهم أعداءه وكان رضي الله عنه يقول: من صح توحيده لله عز وجل انتفى عنه الرياء، والإعجاب، وسائر الدعاوي المضلة عن طريق الهدى، وذلك لأنه يشهد جميع الأفعال والصفات ليست له. وإنما هي لله وحده، ولا يعجب أحد قط بعمل غيره، ولا يتزين به، وكان رضي الله عنه يقول: لا يصحب كمال الإسلام اعتراض ولا يصحب كمال الإيمان تأويل ولا يصحب الإنسان سوء أدب، ولا يصحب المعرفة همة، ولا يصحب الإخلاص في العمل لذة، ولا يصحب العلم جهل. وكان رضي الله عنه يقول: من ملكته نفسه عذب بنار التدبير ومن ملكها الله تعالى عذب بنار الاختيار، ومن عجز عن العجز ذوقه الله تعالى حلاوة الأعمال، وكان رضي الله عنه يقول: من أدرك من نفسه التبديل، والتغيير في كل نفس فهو العالم بقوله: تعالى: " كل يوم هو في شأن "، وكان يقول: الطلب لا يتعلق إلا بمعدوم، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة فقد النفس في حق الفقير عدم شهوته لشيء من أمور الدنيا والآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: خص بالبلاء من عرفه الناس أو عرف الناس لكن الأول مبتلى بالله تعالى والثاني مبتلى بنفسه، وكان رضي الله عنه يقول: الإيمان محله الدنيا، والولاية محلها الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: لم تثبت السيادة إلا له، ولم تثبت العبودية إلا لك فالسيد لا يملك، والعبد لا يملك: وكان يقول: المكاتب قن ما بقي عليه شيء فان، وفي خرج من رق سيده، ودخل في رق نفسه، وإن لم يوف فحاله موقوف، وخاتمته مجهولة، وكان رضي الله عنه يقول: العبد يحمل إليه رزقه وهو في رق سيد واحد، والمكاتب يسعى في طلب رزقه، وهو في رق ثلاثة سيده، ونفسه، ودينه، وسمعته يقول: من طلب دليلا على الوحدانية كان الحمار أعرف منه بالله، وكان رضي الله عنه يقول: لا تنصح من لا يستشيرك، ولا يسألك إلا إن أعطاك الله تعالى أحد أمرين: إما الكشف التام الذي لا يدخله محو ولا إثبات، وإما الإلقاء في الروع لأن القصد من استشارة الفقراء إنما هو الكشف عن حقيقة الشيء الثابت لا غير، وكان رضي الله عنه يقول: الرزق في طلب المرزوق دائر والمرزوق في طلب رزقه حائر، وبسكون أحدهما يتحرك الآخر، وكان رضي الله عنه يقول: بقدر غفلتك عنه هنا يطول حضورك معه هناك إلا أنه حضور حساب لا حضور عتاب، وكان يقول: يحتاج العارف في هذا الزمان أن يحمي نفسه وأخوانه بالحال، ولو مرة فإن كان ذلك نقصا في الأدب فهو كمال في العلم، وكان يقول: أخلاق الورثة امتثال الأوامر الإلهية، وأخلاق كمل المؤمنين اجتناب المناهي، وأخلاق الشياطين بالضد من ذلك، وأخلاق الحيوانات بالعكس من ذلك كله فمن لم يعلم حقيقة نفسه فليعلم حقيقة عمله فإن الثوب يدل على لابسه وكان رضي الله عنه يقول: العلوم

Bölüm V02/P136

الإلهية لا تنزل إلا في الأوعية الفارغة ثم أنشد لبعضهم: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكنا وكان رضي الله عنه يقول: على قدر استعداد الجسد ينفخ فيه الروح، وليس الاستعداد إلا العمل ولا الروح إلا المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كثرت منافذ الدار قل أمنها، وكثر ضوءها، وكان رضي الله عنه يقول: القفل على الباب، ومفتاحه عند صاحب الدار، وصاحب الدار فيها فمن طلب المفتاح، وصل إلى صاحب الدار، وإلى المفتاح، ومن طلب صاحب الدار لم يصل إلى المفتاح، ولا إلى صاحب الدار، وسمعته يقول: الفرائض مفتاح، والسنن أسنان فما نقص من أسنان المفتاح ضر، وما زاد حكمه كذلك إلا أنه إن قلع لم يضر، وسمعته يقول: إذا جاء وقت غروب الشمس تأهب الناس إلى منازلهم بأزوادهم، وما يستضيئون به تذكرة لأولى الأبصار، وسمعته يقول: لا يعلم بأن الحق تعالى مع كل شيء إلا الإنسان خاصة، وكان رضي الله عنه يقول: إنما وقع الكفر في العالم مع كون الكفار كلهم كانوا موجودين عند أخذ الميثاق الأول لأن ظهورهم هناك كان على التدريج كظهورهم هنا لكن على غير هذه الصفة كونا، وزمنا، والوجود واحد فمن كان موجودا عند أخذ الميثاق الأول آمن بجميع ما آمن به نبيه، ومن لم يكن موجودا آمن ببعض، وكفر ببعض قال، وكان أخذ العهد على الموجودات حال كونها مجسدة روحانية، ولولا الروحانية ما حصل لها النطق، والإجابة ببلي فما أجاب منها حقيقة إلا الأرواح لا الأجسام لأن الموجودات، في الأولية عبارة عن أشباح تتعلق بها أرواح، ولكن الروح ظاهر على الشبح لا ظهور للشبح معه وسمعته رضي الله عنه يقول: مأثم في الفرق الإسلامية أسوأ حالا من المتكلمين في الذات بعقلهم القاصر فإن الله عز وجل قد تنزه في حمى عزته عن أن يدرك أو يعلم بأوصاف خلقه عقلا كان أو علما روحا كان أو سرا. وذلك لأن الله تعالى ما جعل الحواس الظاهرة، والباطنة طريقا إلا إلى معرفة المحسوسات لا غير، والعقل بلا شك فلا يدرك الحق تعالى به لأن الحق ليس بمحسوس، ولا معلوم معقول وكان رضي الله عنه يقول الأفلاك تدور بدوران القلوب، والقلوب تدور بالأرواح، والأرواح، بالأشباح والأشباح بالأعمال، والأعمال بالقلوب فرجع الآخر للأول، وكان رضي الله عنه يقول إياكم، والوقوع في المعاصي ثم تقولون هذا من إبليس فإن إبليس يتبرأ منكم في مكان يصدق فيه الكذوب، وذلك حين يخطب في النار، ويقول في خطبته: " فلا تلوموني ولوموا أنفسك " " إبراهيم: 22 " يعني ما أغويتكم حتى ملتم بنفوسكم إلى الوقوع في المعاصي: " وما كان لنا عليكم من سلطان " " الصافات: 30 " يعني قبل أن تميلوا ثم قال ولولا أعيان العصاة طلبت وقوعها في المعاصي ما أقيمت عليهم الحجة فافهم. وكان رضي الله عنه يقول العارفون يعرفون بالأبصار ما تعرفه الناس بالبصائر، ويعرفون بالبصائر ما لا يدركه أحد غيرهم، ومن ذلك فهم لا يأمنون على نفوسهم من نفوسهم، وكان رضي الله عنه يقول ما في القلب يظهر على الوجه، وما في النفس يظهر على الملبوس وما في العقل يظهر في العين وما في السر يظهر في القول، وما في الروح يظهر في الأدب، وما في الصورة كلها يظهر في الحركة، وكان رضي الله عنه يقول إذا لم تقدر على العدل بين النساء مع نقصهن فكيف تقدر على العدل بين الرجال مع كمالهم، وكان رضي الله عنه يقول: أرباب الأحوال يعرفون بصفرة الوجوه مع سواد البشرة، وسعة العيون، وخفض الصوت، وقلة الفقه لما يقال لهم، وسمعته يقول مرة أخرى أرباب الأحوال كالسفن مسرعين سائرين بالهواء إن سكن سكنوا، وإن سار ساروا، والعارفون كالجبال، وسمعته رضي الله عنه يقول: ما دامت العلوم في معادنها فهي واسعة مطلقة لا تقبل تغييرا، ولا تبديلا فإذا ظهرت مقيدة بالحروف دخلها ما يدخل الكون من التغير، والتبديل، واختلاف العبارات، وكان يقول: شهود الكثرة في الوجود تزيد الجاهل جهلا، والعالم علما.

Bölüm V02/P136–V02/P137

وكان رضي الله عنه يقول لا تنازع أحدا في طبعه فإنه مملوك لنفسه، أو للكون وإن كان، ولا بد فاعرف مالكه ثم نازعه، وكان رضي الله عنه يقول العلم، والمعرفة، والإدراك، والفهم، والتمييز من أوصاف العقل، والسمع، والبصر، والحاسة، والذوق والشم، والشهوة، والغضب من أوصاف النفس، والتذكر، والمحبة، والتسليم، والانقياد، والصبر من أوصاف الروح، والفطرة، والإيمان، والسعادة، والنور، والهدى، واليقين من أوصاف السر، والعقل، والنفس، والروح، والسر المجموع أوصاف للمعنى المسمى بالإنسان، وهي حقيقة واحدة غير متميزة، وهذه الحقيقة وأوصافها روح هذا القالب المتحرك المتميز، والجميع روح صورة هذا القالب، والمجموع من الجميع روح الجميع العالم. قلت: وهذا كلام ما سمعته قط من عارف، ولا رأيته مسطورا في كتاب، وهو دليل على علو مقام شيخنا رضي الله عنه في المعرفة. وكان رضي الله عنه يقول العبادات كالحلواء المعجونة بالسم فكما لا ترضي النفس منها بالقليل فتسلم كذلك لا تصبر على فعل الكثير منها فتغنم وكان رضي الله عنه يقول أشد العذاب سلب الروح، وأكمل النعيم سلب النفس، وألذ العلوم معرفة الحق وأفضل الأعمال الأدب، وبداية الإسلام التسليم، وبداية الإيمان الرضا. وكان يقول: الإيمان يتلون بحسب الجسد، والجسد بحسب المضغة، والمضغة بحسب إصلاح الطعمة، ومن قال بخلاف ذلك فليس عنده تحقيق، وكان رضي الله عنه يقول علامة الراسخ في العلم أن يزداد تمكينا عند السلب لأنه مع الحق بما أحب لا مع نفسه بما تحب فمن وجد اللذة في حال علمه، وفقده عند سلبه فهو مع نفسه غيبة وحضورا، وكان رضي الله عنه يقول من شرط المتواضع أن يغيب عند شهود التواضع، وكان يقول الطعمة تؤثر في القلب أكثر مما يؤثره السلب، ولكن إذا استمر توجه القلب إلى الحق في كل حركة وسكون من غير علة فباب الفتح موجود، ولا بد ما دام العبد متوجها فالمدد فياض، ويوشك أن يوصل صاحبه لمراتب الكمال. وكان رضي الله عنه يقول يقبح على العبد أن يميل بنفسه إلى خرق العوائد ويألف النعمة دون المنعم فإن الله تعالى ما أعطى عبده النعم إلا ليرجع إليه بها عبدا ذليلا ليكون له ربا كفيلا فانظر بأي شيء استبدلت ربك " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " " البقرة: 61 " ثم قال: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " " البقرة: 61 " أي لأجل اختيارهم مع الله تعالى ثم قال رضي الله عنه الميل إلى كل شيء دون الله تعالى مذموم إلا في حقوق الله تعالى، ومأموراته فقال له الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى يا سيدي إن كل شيء غير الحق مجهول معدوم إلا الحق فإنه معروف موجود فمن أين جاء للعبد أنه يألف أو يركن إلى الجهل، والعدم دون المعرفة، والوجود فقال رضي الله عنه الجهل، والعدم أصل لظهورنا، والمعرفة، والوجود أصل لظهور الحق، وما حصل بأيدي عباده من المعرفة والوجود ففضل منه ورحمة وما حصل بأيديهم من الجهل، والعدم فعدل منه، ونعمة " ولا يظلم ربك أحدا ثم إلى ربهم يحشرون ". وسئل رضي الله عنه عن الأكل من الأطعمة المرسلة من بيوت الأصحاب الذين لا يتورعون فقال رضي الله عنه عند العبد لا ينبغي أن يكون له اختيار مع عدم المختار فكيف يكون له اختيار مع وجود المختار، ولكن إن كنت جائعا صادقا فكل بقدر حاجتك وادفع ما بقي بعد ذلك لمن شاء الله تعالى، ولا تدبر لنفسك حالا محمودا تخرج عن رتبة التحقيق، واسأله أن يسترك في الدنيا، وفي الآخرة بالجود، والكرم، وقال له بعض الإخوان دستور يا سيدي إذا مت أدفنك في المقام الفلاني، وأجعل لك تابوتا، وسترا فقال رضي الله عنه نحن لا اختيار لنا مع الله في حال الحياة فكيف يكون لنا اختيار بعد الموت.

Bölüm V02/P137–V02/P138

وكان رضي الله عنه يقول: إياكم، والجزع في مواطن الامتحان يمتحنكم الحق تعالى بأشد من ذلك فقال له الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى: الصبر لا يصح إلا عند حصول الاستعداد، ومن لا استعداد له فكيف يصبر فقال رضي الله عنه: لا تقيد على الحق فإن الطرق إليه أوسع من مظاهره، وشؤونه، وأسمائه، وصفاته، والاستعداد طريق واحد، وكان رضي الله عنه يقول لا يكمل الفقير حتى يحمل كله عن شيخه فإن من رمي أثقاله على شيخه فهو سيء الأدب مع أنه إذا تعود ذلك ألفت نفسه ذلك فينقص استعداده فإذا جاءته صدمة هدت جداره، وشيخه ليس بمقيم له وكان رضي الله عنه يقول إذا لازمت الأحوال صاحبها حتى غاب معها عن حسه فهو نقص، وكلما خف الحال، وأبطأ وجوده كان في حق صاحبه خيرا كثيرا، وأين الحاضر من الغائب، وأين الموجود من المعدوم، وقد حكى أن الشبلي رضي الله تعالى عنه قال، والحلاج مصلوب سكرت أنا، والحلاج من إناء واحد فبلغ ذلك الحلاج فقال: لو شرب كما شربت لسكر كما سكرت فقدم الأشياخ كلام الشبلي لصحوه على كلام الحلاج، وكان رضي الله عنه يقول: الميزان التي يوزن بها الرجال واحدة كميزان الحق تعالى، وإنما جمعت لتفاوت الموزونات، وكان رضي الله عنه يقول في تفسير قوله تعالى: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " " فصلت: 30 " الآية المراد بالذين قالوا ربنا الله كمل الأنبياء، والمراد بقوله ثم استقاموا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بمن تتنزل عليهم الملائكة عامة النبيين، وبالذين لا يخافون كمل الأولياء، وبالذين لا يحزنون عامة الأولياء، وبالذين يقال لهم: " وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " " فصلت: 30 " المؤمنون الذين عبدوا الله تعالى طلبا لثوابه، وسئل رضي الله عنه عن القطب الغوث هل هو دائما مقيم بمكة كما قيل فقال رضي الله عنه عنه قلب القطب دائما طواف بالحق الذي وسعه كما يطوف الناس بالبيت فهو رضي الله عنه يرى وجه الحق تعالى في كل وجهة كما يستقبل الناس البيت، ويرونه من كل وجهة إذ مرتبته رضي الله عنه التلقي عن الحق تعالى جميع ما يفيضه على الخلق، وهو بجسده حيث شاء الله من الأرض. ثم قال رضي الله عنه. واعلم أن كمل البلاد البلد الحرام، وكمل البيوت البيت الحرام لقوله تعالى: " إليه ثمرات كل شيء رزقا " " القصص: 57 "، وكمل الخلق في كل عصر القطب، فالبلد نظير جسده، والبيت نظير قلبه. وسئل رضي الله عنه عن نزول الناس من الدنيا إلى البرزخ الفاصل بين عالمي الحس، والبرزخ المطلق في حال اتصال الشاهد بهما فقال رضي الله عنه " والتفت الساق بالساق " كالتفاف لا ثم قال إيضاحه خذ من سعة إلى ضيق ثم خط في الأرض بمسلة كان يخيط بها القفاف صورة لا في الأرض، وقال انظروا إلى هذا الحرف فإنه دال بالتفافه على نفسه صورة، ومعنى كدلالة الخلق على الحق، وعكسه فافهم. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " " الإسراء: 12 " فقال رضي الله عنه كمون، وستر، والحس أصدق شاهد فقال: سيدي أفضل الدين رحمه الله تم الجواب، وكان رضي الله عنه يقول ليس للمجاذيب في جنة الأعمال قدم، ولا مكان مخصوص يرجعون إليه، ولا قدم في مأكل، ولا ملبس، ولا نكاح، ولا غير ذلك ما عدا المشاهدة فقط للحق فإنهم يشتركون مع أهل الجنة فيها على خصوص، وصف في المشاهد. ثم قال رضي الله عنه إن السوقة، وأهل الصنائع، والحرف أعظم درجة عند الله، وأنفع من المجاذيب لقيامهم في الأسباب، وكثرة خوفهم من الله تعالى، وأكل الفقراء، والظلمة من أموالهم مع احتقارهم نفوسهم، ولهم في كل جنة نعيم من الجنان الأربع التي هي جنة الفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، وجنة عدن، وهي المخصوصة بالمشاهدة، والزيادة.

Bölüm V02/P138–V02/P139

وكان رضي الله عنه يقول: المجاذيب والأطفال في الحالة سواء إلا أن الأطفال يتميزون عن المجاذيب بسريانهم في الجنة كما ورد أنهم دعاميص الجنة أي غواصون فيها. وكان رضي الله عنه يقول: نشأة أهل الجنة مخالفة لنشأة الدنيا التي نحن عليها الآن صورة، ومعنى كما أشار إليه حديث " إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " وإيضاح ذلك أن حجاب البشرية ما دام موجودا في الشخص فلا يعلم أحوال الجنة لأن الجنة نشأة شهود، وإطلاق لا حجاب، وتقييد، ولذلك كان علم أحوال الجنة خاصا بالعارفين ثم قال رضي الله عنه، واعلم يا أخي أن الحق تعالى جعل لنا السمع والبصر، والشم، والذوق، واللمس واللذة في النكاح، والإدراك حقائق متغايرة حكما، ومحلا مع اتحادها في الباطن لأن الإدراك ليس إلا للنفس، وهي حقيقة واحدة بمنافذ مخصوصة، وإنما تنوعت الآثار في هذه الحقائق بتنوع محالها فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الصفات المتغايرة هنا حكما، ومحلا يقع الاتحاد بينها في الآخرة حكما، ومحلا فيسمع بما به يبصر بما به يتكلم بما به يذوق بما به يشم وكذلك الحكم في الضد من غير تضاد فيبصر بسائر جسده، ويسمع كذلك، ويأكل كذلك، وينكح كذلك، ويشم كذلك، وينطق كذلك، ويحرك كذلك، ثم قال رضي الله عنه، وهذا القدر النزر من أحوال أهل الجنة لا يصح، وجوده في العقل لأنه محال في عقل من يسمع ذلك فكيف بغير النزر مما هو أعظم من ذلك قال، ولم أر أحدا تكلم على ما ذكرته غير سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه في تائيته فراجعها. وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث " إن الجنة تشتاق إلى أربع عمار، وعلي، وسلمان، وبلال " إنما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربع لأنهم أرواح الجنان، وأسماؤهم أشد مناسبة للجنة لأن عمارا رضي الله عنه من العمارة، وعليا رضي الله عنه من العلو وسلمان من السلامة، وبلالا من البلل الذي هو الرحمة قال، وهؤلاء الأربعة هم الموكلون بالأنهار الأربعة المذكورة في القرآن فيغرفون منها بحسب حصة كل أحد، ومشربه من التوحيد، واستعداده. وكان رضي الله عنه يقول: كان الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام علة مظهر الأفعال المقابلة لما عليه كمل الأنبياء الذين هم فوقه في الدرجة، وسئل رضي الله عنه عن طائفة المسلكين كسيدي أحمد الزاهد، وسيدي مدين وأضرابهما رضي الله تعالى عنهم هل كانوا أقطابا فقال: رضي الله عنه لا، وإنما هم كالحجاب على الملك فلا يدخل عليه أحد من الناس إلا بإذنهم، وعلمهم فهم يعلمون الناس الآداب الشرعية، والحقيقية، وما يظهر عليهم من الكرامات، والأحوال إنما هو لصفاء نفوسهم، وإخلاصهم، وكثرة مراقبتهم ومجاهدتهم، وأما القطابة فجل أن يلج مقامها الأحوط غير من اتصف بها قال، وقد الشيخ عبد القادر الجبيلي رضي الله عنه، وقال إن لها ستة عشر عالما الدنيا والآخرة عالم واحد من هذه العوالم فقيل له فالتصريف الذي يظهر على أيدي هؤلاء المسلكين هل هو لهم أصالة كالقطب أم لا فقال: رضي الله عنه ليس هو لهم أصالة، وإنما هو بحكم الإفاضة عليهم من الدوائر التي هي فوقهم إلى القطب، وإيضاح ذلك أن الله تعالى إذا أراد إنزال بلاء شديد مثلا فأول ما يتلقى ذلك القطب فيتلقاه بالقبول، والخوف ثم ينتظر ما يظهره الله تعالى في لوح المحو والإثبات الخصيصين بالإطلاق، والسراح فإن ظهر له المحو، والتبديل نفذه، وأمضاه في العالم بواسطة أهل التسليك الذين هم سدنة ذلك فينفذون ذلك، وهم لا يعلمون أن الأمر مفاض عليهم، وإن ظهر له الثبوت دفعه إلى أقرب عدد، ونسبه منه، وهما الإمامان فيتحملان به ثم يدفعانه إن لم يرتفع إلى أقرب نسبة منهما كذلك حتى يتنازل إلى أصحاب دائرته جميعا فإن لم يرتفع تفرقته الأفراد، وغيرهم من العارفين إلى عموم المؤمنين حتى يرفعه الله عز وجل بتحملهم.

Bölüm V02/P139–V02/P140

ولو لم يحمل هؤلاء ذلك من العالم لتلاشي في طرفة عين قال تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " وقال تعالى: " خلق السموات بغير عمد ترونها " إشارة إلى القطب الذي هو العمد المعنوي الممسك للسموات ففيه إشارة إلى خفائه في العالم، وسئل رضي الله عنه عن كلام بعض العارفين، وهو أنه ذكر في كتاب له أنه شهد جميع النبيين والمرسلين مجتمعين في محل واحد، وأنه لم يكلمه منهم إلا هود عليه السلام فإنه رحب به، وفرح به ما الحكمة في خصوصية كلام هو دله دون غيره، وفرحه بهذا العارف، فقال: رضي الله عنه أما خصوصية الكلام فلا يمكنني ذكرها، أما فرحه فلأن البرزخ قيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالنسبة إلى إطلاق الآخرة، وما فيها من النعيم فهم، وإن شهدوا ذلك في البرزخ لا يشهدونه إلا من خلف حجاب بغير، واسطه جسمهم فإن أجسامهم مقيمة تحت الأرض، وكمال النعيم إنما هو بواسطة اجتماع الجسم، والروح معا فكان فرحه عليه السلام بهذا العارف الذي هو من هذه الأمة المحمدية لاستبشاره بانقضاء مدة البرزخ لأن هذه الأمة. آخر من يدخل البرزخ من الأمم، وقد أخبر هذا العارف عن نفسه بأنه أحد الختمين اللذين يختم الله تعالى بأحدهما، ولاية الخصوص، وبالآخر، ولاية العموم، وفرح هود عليه السلام بهذا العارف مما يؤيد ختميته فإنه لما رأى أحد الختمين علم قرب انشقاق الفجر الآخروي وخلاصه من قيد البرزخ إلى إطلاق الآخرة. قلت: وهذا الذي أشار إليه السائل ببعض العارفين هو سيدي محيي الدين بن العربي رضي الله عنه. وسئل عن الأحدية، وسريانها مع شدة ظهورها فقال: ألهاكم التكاثر فافهم، وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى فقال: هل أكتب ما أجد في نفسي من العلوم فقال: إن صحبك ذلك عند انفصام تنزله فاكتب، وإن عجزت عن التعبير عنه فلا تتكلف له عبارة، وكان رضي الله عنه يقول: لا يحتاج السالك إلى الواسطة إلا، وهو في الترقي فإذا وصل إلى معرفة الله عز وجل فلا يحتاج إلى واسطة، ثم قال رضي الله عنه، وإيضاح ذلك أن الداعي إلى الله عز وجل من بني أو ولي واسطة بين العبد، وبين الله تعالى في الدعوى إلى الله تعالى لا إلى نفسه فإذا وقع الإيمان الذي هو مراد الله تعالى من عباده ارتفعت واسطة الرسول، والولي عن القلب حينئذ، وصار الحق حينئذ أقرب إلى المدعو من نفسه، ومن رسوله، وما بقي للرسول إلا حكم الإفاضة على العبد من جانب التشريع، والاتباع، ثم قال، وانظر إلى غيرة الحق تعالى على عباده بقوله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " فأضاف عباده إليه، وأخبر أنه أقرب إلينا من أنفسنا، ومن رسولنا الذي جعله واسطة بيننا وبينه مع أنه مدحه حتى كاد أن يلحقه به لما هو عليه من الكمالات ثم إنه تعالى قال له " ليس لك من الأمر شيء " فأخرجه من الخلق، ونفاه منهم، وأثبته معهم فافهم وسئل رضي الله عنه هل يصح تعلق الذات بصفاتها فقال: لا فإن الصفات معدومة الظهور عندها لعدم من يتعلق بها من الخلق " كان الله لا شيء معه " فما ظهرت الصفات إلا بوجود الخلق فقيل له فهل يصح تعلق الذات بالعلم فقال: رضي الله عنه العلم من لازمهم، وهو لا يحيط إلا بالصفات إذ هو من جملتها. وكان رضي الله عنه يقول: إذا بلغ العارف مقام الكمال فليس له الاستناد لغير ما يظهره الله فيه من العلوم فإن روحك أقرب إليك مما تنقل عنه، وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة المتسلق على مقام العارفين أن يحصل له

Bölüm V02/P140–V02/P141

الخشوع والشهود في حال ذكره ثم إذا فرغ يذهب ذلك مع الذكر، وحكم ذلك كالرطب المعمول يتغير بسرعة. وسأله سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن القساوة التي يجدها في قلبه فقال رضي الله عنه اشكر الله تعالى حيث ستر عنك حالك لتكون عبدا له صرفا لا عبد خشوعك، وحضورك فقال: وأنا إن شاء الله تعالى عبد له صرفا مع ذلك، ومع غيره فقال صحيح لكن الامتحان آفاته كثيرة، والمحبوب عند الله من ادخر له ما وعده به على أعماله إلى الدار الآخرة، وخرج من الدنيا برأس ماله كاملا من غير خسارة، ثم قال رضي الله عنه إياك، وكل شيء ألفته نفسك فإن السم فيه، ولا بد لنفوذ السم من معين، ولا معين له إلا النفس. وانظر إلى قوله تعالى لآدم، وحواء: " ولا تقربا هذه الشجرة " " البقرة: 35 " مع علمه بها حال علمه بالأسماء فلما أراد الله تعالى نفوذ قدرله ألف بينه، وبين من كان سببا في أكله، وليست إلا نفسه التي حواء مظهرها فما نزل به البلاء إلا منه، وبه، وكان رضي الله عنه يقول إذا نظرت الوجود فرد شيء فلا تعبر عن شيء لأن التعبير يفصل. وشكا إليه أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى مرة ما يقع له من كثرة النوم فقال رضي الله عنه لا تلتفت إلى شيء دون الله تعالى فإن من وقف مع الأسباب أشرك مع الحق وفي لمحة تقع الصلحة فقال: له أيضا يقع لي كثيرة السهر والقلق في بعض الأوقات فقال له: إن كان في فكر في المصالح فمدد، وخير كبير، وإن كان السهر مع الغفلة فبلاء نزل يوزعه الله على المؤمنين حتى يرتفع. وكان رضي الله عنه يقول: القمر آية شهود لدلالته على ظهور الأحدية، وسريانها، والشمس آية علم لدلالتها على ظهور الوحدانية، وإحاطتها بتكثرها، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم، والطواف بالليل فقال: أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى: إن كثيرا من الناس يطوفون ليلا فقال هم معذورون ولكن " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " " الزمر: 9 " فقال: لا، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كنت مؤمنا وسمعت أنه تعالى يمدح المؤمنين فلا تبادر إلى كونك مؤمنا، وتأمل قبل ذلك هل أنت على ما وصف الله به المؤمنين من الصفات التي مدحهم عليها أم لا ثم، إن كنت على ما وصف فهل تموت على ذلك أم لا فإن علمت أنك تموت على ذلك فقد أمنت مكر الله " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " " الأعراف: 99 " وإن علمت أنك تموت على غير ذلك فقد أيست من رحمة الله و " لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون " " يوسف: 78 " فكن بين الخوف، والرجاء فإنه الصراط المستقيم، وسمعته مرة يقول: كل وصف ونعت محمود فباطنه ذم وتخويف، وكل وصف، ونعت مذموم فباطنه مدح، ورجاء لمن استبصر هكذا حكمة الله في كلامه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " يحشر المرء على دين خليله " النفس أقرب خليل إليك فانظر كيف تكون فإن من هنا جاء البلاء، والخوف فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان رضي الله عنه يقول لا تأكل قط طعام أحد إلا إن كنت وليه في التربية أو من أهل آية " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " فإن كل لقمة نزلت في جوفك نقصت من عبوديتك بقدرها: واسترقتك لصحب تلك اللقمة، وكان رضي الله عنه يقول: الأفعال المحمودة إذا رجع نفعها إلى صاحبها فاض منه على الكون لكن أكثر النفع نفع للعامل والأفعال المذمومة إذ وقعت رجع جزاؤها عاما، ولو أنه رجع خاصا لأهلك العاصي لوقته، وساعته فلذلك، وزعه الله تعالى على المؤمنين، وفتح للعاصي باب التوبة ببقاء روحه، ثم قال: وقد يثقل الله تعالى البلاء على العاصي حتى يرجع عما هو عليه أو لتذهب به يد الشقاء حيث أراد الله عز وجل وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن نور البرزخ لم كان كثيفا، ولم يكن شفافا كهذه الأنوار فقال: إنما كان كثيفا لأنه نور أعمال الجوارح في الدنيا، والجوارح، والدنيا كثيفان، وأيضا فإن الأنوار تصير في محل الظلمة كثيفة لأن البرزخ، واحد بسيط، وليس فيه كثرة مباينة ليتميز بالنور الشفاف وكان رضي الله عنه يقول من قرب من أخلاق رسوله كان له الإطلاق، والسراح في البرزخ تبعا لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيجتمع كلما شاء بمن شاء من أصدقائه، وغيرهم، وأما من بعد من أخلاق رسوله صلى الله عليه وسلم، بالأفعال الرديئة فإن شاء الله تعالى أطلقه، وإن شاء قيده فلا يصح له الاجتماع بمن يريد، وكان رضي الله عنه يقول الأفعال، والأحوال المحمودة هي المدبرة للفلك ثم إن الأمداد تنزل على الخلق بحسب رتبتهم، وكثرة نصحهم فمن كانت أعماله متقنة كاملة كان دوران الفلك في حقه أسرع ثم تضاعف له الحسنات بحسب كثرة النفع، ومن كان تاركا للأسباب دار الفلك بنصيب غيره ولم يحصل له شيء من الأمداد لأنه لم يعمل، ومن لا عمل له

Bölüm V02/P141

لا أجرة له ثم قال رضي الله عنه لكن لا يخفي أن الحق تعالى لا نسبة بيننا، وبينه في العطاء عنده لبراءته عن أن ينفصل عنه شيء لنا أو يتصل به شيء منا، وإنما الأمر راجع منا لنا بحسب أعمالنا، وهو الغني الحميد، ومن هنا كان عتب الخضر على موسى حين أقام الجدار من غير أجر لعلمه بهذا الأمر فأراد الخضر عليه السلام أن يفتح لموسى باب الاكتساب ليجمع له بين مرتبتي الكسب، والوهب فلهذا قال تعالى: " بلى عبدنا خضر أعلم منك " وسمعته رضي الله عنه يقول الفائدة في مصاحبة الكمل مجهولة لأن رتبة الكامل التي أقامه الحق فيها هي للحق لا للعبد، والعبد لا تعرض عنده على سيده في شيء فهو لا يشفع، ولا يدفع، ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن من الله تعالى مخصوص، وأني له بذلك، والرسالة قد انقطعت فإن أمر الكامل بالتنزل للتلامذة نفع، وشفع، وأعطى، ومنع وإلا فهو مع الله تعالى دائما على قدم الخوف لنظره إلى عالمي المحو والإثبات، وخاتمة العبد المدعو مجهولة على العارف. وإيضاح ما ذكرناه أن المصاحبة تقتضي الميل إلى الصاحب، والميل إما لإثبات أو نفي، وكلاهما ممتنع في حق العارف الكامل، وكان رضي الله عنه يقول لا يلزم من تربية العارف لتلميذه أن يرثه ذلك التلميذ لأن التربية حقيقة لله يورثها من يشاء من عباده، وكان يقول الألوهية مطلقة قابلة للجمع بين الضدين من غير ضد فإنها قبلت التسمى بالرحمن كما قبلت التسمى بالمنتقم وليست الألوهية أولى باسم المنتقم مثلا من غيره كما أن أمره تعالى ليس أولى من نهيه في النفوذ " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ". وكذلك حكم العكس فهو يقول يا عبدي أفعل فإنك عبد مأمور مأجور، ولا تشهد الفعل لك فإن الفعل لي، وأنت محدث متردد بين العدم، والوجود، وأنا الفعال لما أريد بفعلك لي وفعلك لك لأني غني عنك، وعن فعلى فيك ولك وبك فإن شهدت الفعل لك فأنت مشرك، وإن تفعل فأنت كافر فاحذرني، وافعل كل ما أمرتك به ولا تنسب لنفسك قولا، ولا فعلا، وأنا الخلاق العليم، وسئل رضي الله عنه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بالألفاظ المطلقة، والألفاظ المقيدة أيهما أولى في حقه صلى الله عليه وسلم، وهل الإطلاق الذي يعتمده المصلي في صلاته النبي صلى الله عليه وسلم، مطلق عند الله أم لا، وهل التقييد الذي يتبرأ منه المصلي هو مقيد عند الله أم مطلق فقال: رضي الله عنه للسائل لا تستعمل نفسك في شيء من حيث نظرك في إطلاقه أو تقييده فإن الإطلاق غايته التقييد كما أن التقييد غايته الإطلاق مع علمنا بأن الأحوال الموصوفة بالإطلاق أو التقييد غير مفتقرة إلى وصفنا لها مطلقا لاستغنائها بصفاتها الذاتية التي جعلها الحق حدا لها تتميز به عن غيرها، ونحن لا اطلاع لنا على حقائق الذوات لنعرف ما تستحقه من الصفات المقتضية لذلك أو لغيره، وكيف يمكن لأحد إيجاد العدم، وقيامه بالوجود، وذلك خصيص بالجناب الإلهي أم كيف يحكم على الصفات التي هي أعراض ببقائها زمانين في عرض آخر فكيف بقيامها في جوهر واحد فإذا قال: المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما كان، وعدد ما يكون، وعدد ما هو كائن في علم الله فقد استغرق هذا اللفظ العدد، والمعدود حسا ومعنى، واستغرق أيضا الزمن المطلق بأقسامه، واستغرق جميع المتخيلات المضافات إلى القدرة، والعلم وإذا كان المصلي لا يساوي رتبة هذا العموم، والشمول لضيقه، وحصره، وتقييده فكيف يظهر عنه إطلاق والأعمال كلها لا تكون إلا على صورة عاملها.

Bölüm V02/P141–V02/P142

كما أشار إليه حديث " الولد سر أبيه " فمن علم ما ذكرناه، وتحققه علم أنه لا يظهر له عمل، ولا صدقة، ولا صلاة، ولا قراءة، ولا وصف من الأوصاف إلا بحسب استعداده في ذلك الوقت، وبحسب رتبتة في التوحيد إطلاقا، وتقييدا سواء كان ذلك اللفظ مطلقا أو مقيدا فلا تتعب نفسك يا أخي في شيء وصل عليه كما أمرك الله تعالى أن تصلي عليه لتكون عبدا محضا أمرك ربك بشيء امتثلت أمره، وليكن هذا شأنك في جميع عبادتك البدنية، والقلبية، وكان رضي الله عنه يقول التفكر، والتدبر من صفات العقل الذي جعله الله تعالى آلة يقطع الإنسان بحدها كل شيء والقلب، وعاء الكل، وإصلاح الأطعمة أصل ذلك، وغيره فإن الإناء إذا كان شفافا كزجاج، وبلور وياقوت ظهر ما فيه على صورة الإناء، ولونه من استدارة، وتربيع، وغير ذلك، وإذا كان الإناء غير شفاف كالخشب، والحديد، والفخار، وغيرها لم يظهر لما فيه صورة، ولا لون، ولا يعرف له حقيقة ثم إن هذه الآلة إذا طبع فيها الخير أو الشر مكث، ودام ما لم تتغير النشأة من أصلها، وطبعها وهذا غير ممكن لأن الحقائق لا تبدل، ولأن القدرة إنما تتعلق بتغير الصور قبل كمال تكوينها قال وهذا سر من لم يشهده لم يعرفه فعلم أن القلب إذا كان متحققا بصفة ما فما فيه كذلك لأن القلب دائما له الحكم على الجسد، والروح، وصفاتهما كما أنه كذلك محكوم عليه بإصلاح الأطعمة. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " فتأمل كيف أتي بلفظ كل التي تقتضي العموم، والشمول تعرف ما ذكرناه. ومن كلام سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنه إذا صلح القلب كان بيت الله، ومهبط الوحي، والأنوار، وإذا فسد كان بيت الشيطان والهوى، والظلمة انتهى فالبيت لا يقبل إلا مشاكله فافهم، وكما أن الأحرف، وعاء للمعاني فكذلك القلب، وعاء للحق، والشرع، والنور كما أن الحرف إذا تغير بعض صورته أو نقطه فسد المعنى كذلك القلب إذا لغير بعض صورته، وصفته فسد ما فيه، وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى، وأنا حاضر عن لذة العلوم عند إيجادها في القلب قبل أن توجد في النفس هل هي مغيبة للإنسان عن حسه كما هو الأمر في النفس فقال رضي الله عنه إذا كان القلب يسع علم الحق كما ورد فكيف لا يسع علم غيره فقال له أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عالم الغيب أوسع من عالم الشهادة فقال: هو أوسع عينا وأما الشهادة فهي أوسع حكما، والحكم لا يفترق العين كما لا يفترق لا إله إلا الله من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: له أخي المذكور فما الحكم في الإفاضة على النفس قال الشيخ رضي الله عنه هو بحكم استعدادها وقربها من عالمها الأول أو بحكم تقييدها، وعدم استعدادها، وبعدها عن عالمها فقال له أخي المذكور لا بد من الفرق قال الشيخ رضي الله عنه فرق بلا فرق كخطاب قلبك لنفسك، وأنت أنت، وهما عين أينيتك فافهم، وسئل رضي الله عنه عن العلوم المتولدة عن الفكر هل هي مستقيمة نفسها أم لا؟ لا فقال رضي الله عنه الحكم في ذلك للوقت فهو علم الوقت يذهب بذهابه، والذهاب عدم، والعدم لا حكم له، ولا عليه فقال له أخي أفضل الدين رضي الله عنه، وكان حاضرا هذا إذا كان الفكر بتفكره هو أما إذا كان الفكر عن وقع القلب في الوقت فذلك إلهام فعال بشرطه انتهى، ومعنى قوله بشرطه أن يخرج صاحب الإلهام عن مواطن التلبيس، والله أعلم، وسئل رضي الله عنه عن بقاء العلوم في لوح النفس، وعن إدراكها مع كثرة، واردات العلوم الفياضة على القلب فقال رضي الله عنه بقاء العلوم محفوظ في الصورة التي ظهرت عنها أعمالا كانت أو أقوالا أو أنفاسا، والإدراك لها يكون بالصفاء الذي هو نور القلب المطلق، وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى، وأنا حاضر عن قولهم العلم قد يكون حجابا، والجهل قد يكون علما فقال رضي الله عنه أما كون العلم حجابا فلأن العلم صفة، وركونك إليه صفة والصفة مع أختها لا توجب نتيجة كحكم الأنثى إذا اجتمعت مع الأنثى، وأما كون الجهل علما فهو كونك جاهلا بحقيقة نفسك متحيرا في حقيقتها فسمى جهلك بذلك علما، ومن هنا قال الأشياخ سبحان من جعل عين المعرفة به عين الجهل به، وذلك لعدم الإحاطة، ولا يخرج العبد عن الجهل بالله إلا إن أحاط به. وسئل وأنا حاضر عن التفكر في القرآن هل هو كالتفكر في غيره فقال رضي الله عنه الأمر راجع إلى قوة الآلة في القطع، وصلابة المقطوع، ولينه.

Bölüm V02/P142–V02/P143

وسئل رضي الله عنه عن قوله تعالى: " أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن " " القصص: 57 " هل هذا الرزق لكل من دخل مكة أو هو خاص بقوم دون آخرين فقال رضي الله عنه الرزق عام لكل من دخل مكة من المسلمين بحسب استعداده لكن لا يصح تنزل هذا الإمداد على قلب إلا بعد تجرده عن حسناته، وسيئاته. كما أشار إليه خبر " من حج، ولم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم، ولدته أمه " فيولد الداخل هناك، ولادة ثانية، ومن تأمل بعين البصيرة هناك، وجد حسناته ذنوبا بالنسبة لذلك المحل الأكمل فقال له أخي أفضل الدين رضي الله عنه، وكان حاضرا التجرد عن السيئات قد عرفنا أن محله جبل عرفة فأين يكون التجرد عن الحسنات فقال رضي الله عنه هو بحسب المراتب، ولا أظنه إلا في باب المعلاة فقال: له أخي أفضل الدين الذكور رحمه الله إن غالب الحجاج لا يتجردون مما ذكر فقال رضي الله عنه يتجردون، ولكن لا يشعرون كما يشعر به العارفون فقال له أخي المذكور فمتى يكون اللباس فقال: رضي الله عنه عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وذلك ليظهر الحق تعالى كرمه، وآثاره نعمته على أمته بحضرته حتى تقر بذلك عينه صلى الله عليه وسلم، فقال له أخي المذكور كثيرا ما يرجع بعض الحجاج عريانا بلا كسوة فقال رضي الله عنه هذا لا يقع إلا لأصحاب الدعاوي الذين يظنون بأنفسهم الكمال، وأنهم أتوا بالمناسك على وجه الكمال دون غيرهم فنسأل الله العافية، ومثل هذا هو المراد بقولهم إذا حج جارك حول باب دارك للمقت الذي حصل له هناك ثم قد يتفضل الحق تعالى عليه، ويرسل له الخلعة إلى بلاده بواسطة انكسار قلبه أو بواسطة دعاء والديه، وإخوانه، ونحو ذلك. وسئل رضي الله عنه عن قطب الغوث هل له فعل خرق العوائد من طي الأرض، ونحوها فقال رضي الله عنه قد تحكم عليه المرتبة بفعل ذلك وإذا حكمت المرتبة على كامل بشيء فلا تؤثر في كماله رضي الله عنه سواء كان قطبا أو غيره، وكان رضي الله عنه يقول المراقبة الصحيحة لله تعالى تنشأ من إصلاح الجسد بواسطة القلب، وإصلاح القلب يكون بإصلاح الطعمة وإصلاح الطعمة يكون بالكسب في الكون مع التوكل على الله عز وجل، والتوكل حقيقة هو المراقبة، وذلك يكون من الله تعالى ابتداء، ومن العبد في النهاية اكتسابا فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أفلا أكون عبدا شكورا " ولم يقل شاكرا إذ هو بتحققه بالعلم يكون شاكرا، ولا يكون شكورا إلا بتخلقه بالعمل وفرق كبير بينهما، وكان رضي الله عنه يقول التجريد عن رؤية الأسباب خاص بعالم الخيال، ولذلك كان العلم والتجريد عن الاكتساب خاصا بعالم الشهادة لأنه أفاد العمل، وحقيقة الجمل ظهور صورة العلم لا غيره فقال له أخي أفضل الدين رضي الله عنه فإذا كان الأمر كذلك فما الفرق بينهما قال تعلمه كما علمت بالله كل شيء، وأنا، وأنت غير محتاجين إلى البيان، والقلوب لا تمسك مثل ذلك لأنه غير مألوف في الحديث " إن من البيان لسحرا، والله يحب من عباده الستيرين " فاحتفظ يحفظك الله وسمعته مرة يقول كما حكمت الذات على نفسها بالوجود المطلق فيجب على غيرها أن يحكم على نفسه بالعدم المطلق قال ومن هنا تعلم الفرق بين الألوهية، والربوبية وبين العبد، وعجزه، وبين الرب، وقدرته، وتعلم أيضا الفرق بين الروح، والجسد، والفرق بين توحيد الأكابر من الرجال، وتوحيد غيرهم، وهو من أوضح الفروق وأجلاها. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله، وأنا حاضر فقال رأيت كأني ميت، وأنا أغسل جسدي حتى فرغت ثم حملت نصفي الأسفل، وأنت يا سيدي حملت نصفي الأعلى ثم سألت نفسي عوضا عن الملكين فقال الشيخ رضي الله عنه أنت مقصر لم لا تحمل نفسك كلها فتكون كاملا تقاتل عن نفسك بالمدافعة، وشيخك يساعدك إن شاء الله تعالى، وتأمل في حديث " أعني على نفسك بكثرة السجود ".

Bölüm V02/P143–V02/P144

وأما سؤالك نفسك عوضا عن الملكين فهو صحيح فإن السؤال حقيقة إنما ثمرته، وفائدته للملكين لا لك لأنك لم تزدد بسؤالهما علما عما كنت عليه، وكان رضي الله عنه يقول لا يخرج أحد من الدنيا حتى يكشف له عن حقيقة ما هو عليه، ويتساوى مع أهل الكشف إنما هو تقديم، وتأخير ثم قال رضي الله عنه، وأما نحن فلا كشف لنا محسوس، ولا حس معقول، ولا عقل، ولا نقل، ولا وصف إلا العقل الملازم لنا في رتبة الإيمان العاري عن الدليل بالمدلول. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى، وأنا حاضر فقال؛ له إذا كان العبد على يقين من الأمان من سوء الخاتمة هل عليه ضرر فقال رضي الله عنه الخوف من لازم كل مقرب لأن غاية يقينه لا يتعدى نفسه، ولا يمكنه العلم بتعيين الحق تعالى فيما يحكم فيه فإذا ما علم إلا حال نفسه في ذلك الوقت فقط دون ما قبله، وما بعده وعلم الوقت ضرورة يذهب بذهابه، ولا تقييد على الحق تعالى فيما يفعل بل، ولو كلمك تعالى، وأقسم بنفسه على ذاته أنك سعيد فلا تأمنه فإنه واسع عليم " كل يوم هو في شأن " " الرحمن: 29 " ولولا الأدب لقلنا كل نفس له شئون إن كنت قلته فقد علمته وهو على كل شيء رقيب. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله مرة عن التوحيد فقال: الشيخ رضي الله عنه هو عدم فقال له أخي المذكور بل هو وجود فقال وجود فقال له فإذا العدم وجود، والوجود عدم فقال رضي الله عنه نعم فقال له أخي المذكور فانعدم العدم لأنه عدم، والعدم لا كلام فيه، ولم يبق إلا الوجود كما كان، وهو الآن على ما عليه كان فقال: رضي الله عنه نعم " إنا لله وإنا إليه راجعون " " البقرة: 156 " فهو تعالى الموحد نفسه بنفسه لنفسه حقيقة، والخلق لهم الإيمان، والتصديق لا غير. وسأله أيضا، وأنا حاضر عن الاسم، والرسم هل هما حرفان أو حرف، ومعنى؟ فقال رضي الله عنه المعنى لا يقوم إلا بالحرف، والحرف قائم بنفسه فهو غني عن المعنى كما أشار إليه قوله تعالى: " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد " فاسم الله الأول هو المعنى، واسم الثاني هو الحرف لأنه قال فيه " وهو الغني الحميد " ثم قال رضي الله عنه، ولا أعلم الآن أحدا في مصر يعلم هذا العلم غير قائله فالحمد لله على كل حال، وسمعته رضي الله عنه يقول إذا صادمكم أحد من أرباب الأحوال من أصحاب النوبة فلا تستعينوا عليه إلا بالله تعالى أو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يرجعون عنكم إجلالا لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والزموا الأدب معهم ظاهرا، وباطنا، ولا تخرجوا قط من سور بلدكم إلى حاجة حتى تستأذنوهم بقلوبكم فإنهم يحبون من يراعي الأدب معهم، وربما صدموا من خرج غافلا عن مراعاتهم فيحصل له الخراب في باطنه حتى يكاد أن يهلك لا يهتدي أحد من الأطباء إلى دوائه كما جربنا لك. وسمعته رضي الله عنه يقول لأخي أفضل الدين رحمه الله تعالى إياك أن ترق لمن أفقره الله تعالى من الدنيا بعد غناه فتعطيه أكثر من قوت يومه فإن الله تعالى ما أفقره إلا لحكمة بالغة، وربما عاقبك الحق تعالى بنظير ذلك كما نقلت بنفسك ما أراد الله تعالى لذلك العبد فتقلق فإنه لا يثبت مع الحق إذا نقله مما يحبه، ويرضاه إلى ما يحبه تعالى، ويرضاه إلا الكاملون المكملون ثم إنه تعالى إذا عفا عنك، ولم يعاقبك بنظير ما فعل بذلك العبد فلا تعلم أنه استدراج أم لا فإن كان استدراجا هلكت مع الهالكين، والغالب أنه استدراج لأنه تعالى حذرك من ذلك، وما حذرك إلا من موجود تقع فيه " وما يعقلها إلا العاقلون " " العنكبوت: 43 ".

Bölüm V02/P144–V02/P145

وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى مرة عن المسببات هل لها أسباب مخصوصة لا تقبل غيرها أم لا فقال له ما مذهبك أنت فقال مذهبي أن الأسباب كالمرائي المجلوة القابلة لظهور الصور، والمرآة الواحدة تعطي الصور حقها من الظهور، وتقبل كل ما ظهر فيها من لطيف، وكثيف والأعيان التي هي المسببات مرآة واحدة غير منقسمة، ولا متناهية، ولا متكثرة في الحقيقة وإنما هي انطباع أسماء المتجلي فيها، وصفاته فالتنوع من المتجلي لا من غيره قال تعالى: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " فقال الشيخ رضي الله عنه، وهو مذهبي. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى يوما وأنا حاضر على باب حانوته عن تفسير " إذا الشمس كورت " فقال رضي الله عنه اللسان في هذا الوقت عاجز عن البيان باللسان المألوف فقال له أخي المذكور قل ما تيسر فقال رحمه الله أكتب في ورقة " إذا الشمس كورت " بطنت، وباسمه الباطن ظهرت، ولم تظهر، ولم تبطن " إنك لعلى خلق عظيم " وانقست بعد ما توحدت ثم تعددت، وانعدمت بظهور المعدود " والقمر إذا تلاها " ثم تنزلت بما عنه انفصلت لما به اتصلت، واتخذت " والنجم إذا هوى " ثم تنوعت بالأسماء، واتحدت بالمسمى، وظهرت من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ثم رجعت إلى نحو ما تنزلت " ولولا دفع الله الناس بغضهم ببعض لفسدت الأرض " " البقرة: 251 " وبالجبال سكن ميدها، وميدها هو فسادها ثم اتصفت وبعدت بما وصفت عما به اتصفت، وما اتصفت إلا لما خلقت، وانحرفت فحشرت، وبأعمالها انحشرت، ولوحوشها اتحدت " كل ميسر لما خلق له " " قل كل يعمل على شاكلته " " الإسراء: 84 " ثم انعدم التقييد بوجود الإطلاق، وانخرق الحجاب، وتعطلت الأسباب فطلبت القلوب ظهور المحبوب ليكون معها كما كان يوم يأتيهم الله في ظلل من الغمام " وإذا النفوس زوجت " " التكوير: 7 " وبزوجها تعلقت ولجها تشوقت، وبحقيقتها اتصلت، وبمظاهرها تعددت، وبها تنعمت " والتفت الساق بالساق إلى ربك يؤمئذ المساق " " القيامة: 29 و 30 " " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " والروح لم تقتل لأنها حية، وإن قتلت فبه قتلت، وإن سئلت فيه سئلت فقاتلها هو محييها بقتلها ومماتها، والموت عدم العلم والعلم عند الله تعالى لأنه هو العالم بالقاتل، وما يستحقه فجزاؤه عليه، ورجوعه إليه " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " " وإذا الصحف نشرت " الصحف هي الحاوية للأعمال، والأعمال علوم القلب المفاضة على الجوارح فالعمل صورتها كما أنه روحها، ومن لا روح لصورته فلا نشر لصحفه " وسيرى الله عملكم ورسوله " فرسوله يرى عملكم لأنه هو المعلم، والله يرى عملكم لأنه العامل حقيقة، وقد تنزه تعالى عن الرؤية بالأبصار، والقلوب المقيدة بغيره " يحشر المرء على دين خليله " " وإذا السماء كشطت " " التكوير: 11 " لا أطيق التعبير عن معناه " وإذا الجحيم سعرت " نار الخلاف اشتعلت، والأعمال المظلمة عذبت " أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " " المائدة: 49 " فما عذبهم إلا بهم، وما رحمهم إلا به، والواحد ليس من العدد لأن الواحد موجود مستور، والعدد معدوم مشهور " وإذا الجنة أزلفت " الآيات لا أستطيع النطق بمعناها " إنه لقول رسول كريم " لأنه مستو بنبوته على عرش ولايته، وهم العيون الأربعة تسقى بماء واحد لأن الحكم في ذلك اليوم لله باسمه الله لا باسمه الرب لأن حكم الله يعم، وحكم الرب يخص " ثم إلى ربهم يرجعون "، ولا وجم لصفة مع ذاتها " في قوة عند ذي العرش مكين " المراد به العرش المطلق لذلك اليوم المطلق يتجلى المعبود المطلق على العابد المطلق الذي هو إطلاق المقيدات كما بدأنا أول خلق نعيده " مطاع ثم أمين " " التكوير: 21 " إلى آخر السورة صفات، ونعوت، وأسماء للموصوف

Bölüm V02/P145

المنعوت بالأسماء انتهى. قلت وهذا لسان لا أعرف له معنى على مراد قائلة، وإنما ذكرته تبركا، والله أعلم. وسمعته رضي الله عنه يقول الرجل كالشجرة، وأصحابه كأغصانها ونسبة الغصن الذي لا يثمر إلى الشجرة كنسبة الغصن الذي يثمر على حد سواء في اتصاله بها لا تقدر الشجرة تنفيه عنها. وسمعته رضي الله عنه يقول الرجل، ولو ارتفعت درجته في معرفة الطريق لا يقدر أن يجعل شجرة الشوك تفاحا أبدا، ولو أخلي المريد مدى الدهر فإن الحقائق لا تتبدل. وسمعته مرة يقول البرزخ كله عالم خيال لا حقيقة له ثابتة إذ لو كانت له حقيقة ثابتة ما صح لأهله الانتقال عنه إلى الدار الآخرة، وهو محل تجلى الصفات الإلهية كما أن الجنة محل لتجلي الذات الغنية عن العالمين " إنكم سترون ربكم " الحديث. وسمعته رضي الله عنه يقول لأخي أفضل الدين رحمه الله مظاهر العوالم ثلاثة أفراد آدم، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، فآدم عليه السلام خصيص الأسماء، وعيسى عليه السلام خصيص بالصفات، ومحمد عليه الصلاة، والسلام خصيص بالذات فآدم عليه السلام فاتق لرتق المسميات، والمقيدات بصورة الأسماء، وعيسى عليه السلام فاتق لرتق الصفات البرزخيات بصورة الصفات، ومحمد عليه الصلاة والسلام فاتق لرتق الذات، وراتق لسر الأسماء، والصفات إذ الخصيص بالظهر الآدمي الآثار الكونية. ل تجلى الصفات الإلهية كما أن الجنة محل لتجلي الذات الغنية عن العالمين " إنكم سترون ربكم " الحديث. وسمعته رضي الله عنه يقول لأخي أفضل الدين رحمه الله مظاهر العوالم ثلاثة أفراد آدم، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، فآدم عليه السلام خصيص الأسماء، وعيسى عليه السلام خصيص بالصفات، ومحمد عليه الصلاة، والسلام خصيص بالذات فآدم عليه السلام فاتق لرتق المسميات، والمقيدات بصورة الأسماء، وعيسى عليه السلام فاتق لرتق الصفات البرزخيات بصورة الصفات، ومحمد عليه الصلاة والسلام فاتق لرتق الذات، وراتق لسر الأسماء، والصفات إذ الخصيص بالظهر الآدمي الآثار الكونية. ولذلك ظهرت عجائبه، وتنوعت حقائقه، ورقائقه، والخصيص بالمظهر العيسوي المعارف الإلهية والكشوفات البرزخية، والتنوعات الملكية، والفئات، الروحية والخصيص بالمظهر المحمدي سر الجمع، والوجود، والإطلاق في الصفات، والحدود لعدم انحصاره بحقيقة أو تلبسه بقيد فإن سره جامع، ومظهره لامع، وقد، ولج هؤلاء الأفراد الثلاثة كل واحد في عالمه المختص به في هيكله الذي هو عليه الآن، ولم يكن ذلك لغيرهم فإن آدم عليه السلام تحقق ببرزخيته أولا قبل نزوله إلى هذا العالم، وعيسى كذلك، وإلى الآن في المحل الذي، ولجه آدم عليه السلام مع ما اختص به من الصفات، وأحاطتها من عوالم الأسماء. ولذلك طال مكثه ضعفي ما مكثه آدم عليه السلام في جنته، وأما محمد عليه الصلاة، والسلام فقد، ولج العوالم الثلاثة إذ هو مظهر سر الجمع، والوجود حيث أسرى به من عالم الأسماء الذي أوله مركز الأرض، وآخره السماء الدنيا ثم، ولج البرزخ باستفتاحه السماء الدنيا إلى انتهاء السابعة ثم، ولج ما فوقها استفتاحه عالم العرش إلى ما لا يمكن التعبير عن نهايته، ولذلك ادخر صلى الله عليه وسلم دعواته، ومعجزاته الخصيصة به لذلك اليوم المطلق الذي لا يسعه غيره ثم أطال الكلام في ذلك بما لا تسعه العقول فتركته لدقته، وغموضه، وبنائه على الكشف الصحيح التام الخاص بالكمل، وفي هذا القدر كفاية على التنبيه على علو شأنه رضي الله عنه وجميع ما ذكرته عنه لا يوجد عند أحد من أصحابه غير أخي الكامل الراسخ الشيخ أفضل الدين رضي الله عنه فإنه كان كاتم سره، وهذا الأمر الذي ذكرته، وقع لي مع عدة مشايخ. فبمجرد ما أصحبهم على وجه الإقتداء، ومحو الرسوم يمنحونني أمورا، وأسرارا لا توجد عند أحد من أصحابهم، ولو طالت مدة صحبتهم حتى إن بعضهم ينكرها: ويقول هذا شيء ما سمعناه من شيخنا قط وهو صحيح فإنه لم يطلعهم بحمد رب العالمين. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي علي البحيري رضي الله عنه

Bölüm V02/P145–V02/P146

أحد الأولياء المكملين، كان رضي الله عنه على قدم السلف الصالح من الخوف، والورع، والتقوى، ورثاثة الثياب، وكان أحد من جمع بين الشريعة، والحقيقة في عصره، وكنت إذا رأيته تذكرت بأحواله أحوال سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عبد العزيز الدريني رضي الله عنه المنقولة عنه، وكان رضي الله عنه مقيما في قرى الريف يحرس للناس العلم، ويفتيهم، ويعلمهم الآداب، والأخلاق، وكنت إذا رأيته لا يهون عليك مفارقته، ولو طال الزمان لما هو عليه من حسن الأخلاق، وهضم النفس، وتذكر أحوال الآخرة حتى كأنها رأى عين. وأخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين بن الإقطيع البرلسي رضي الله عنه ثم بعده عن سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي على النبتيتي الضرير، وهو أكبر مشايخه تخلقا، وتحققا، ولم يفارق شيخه إلى أن مات، وأخبرني بعض الفقراء الصادقين أنه سمع بعض الناس يقول إن سيدي عليا البحيري رضي الله عنه أحد الأربعين فأنكر ذلك فنام تحت دكة المؤذنين بالجامع الأزهر فرأى في منامه جماعة بعد جماعة يقولون بل هو إمام الأربعين وكان رضي الله عنه كثير البكاء فإذا عتبوه في ذلك يقول: وهل النار إلا لمثلي، وكانت فتاواه تأتي إلى مصر فيتعجب العلماء من حلاوة لفظها، وكثرة ما فيها من التخويف للخصم حتى يرجع إلى الحق وكان رضي الله عنه يقول قد عشنا إلى زمان صار الخلق فيه في غمرة، ونسوا يوما تشيب فيه الأطفال، وتسير فيه الجبال، وكان رضي الله كنه إذا مر على الأطفال يسلم عليهم، ويسألهم الدعاء، وكان رضي الله عنه يقول أدركنا جماعة يكون طول ليلهم، ويتضرعون في حق هذه الخليقة، ويقولون كل شيء نزل بهذه البلاد التي حولنا فهو بسوء أفعالنا، ولو خرجنا لخف عنهم البلاء رضي الله عنه. مات رضي الله عنه في شوال سنة ثلاث، وخمسين، وتسعمائة، ودفن بنواحي سيدي محمد المنير رضي الله تعالى عنهما. ومنهم أخي العارف بالله تعالى سيدي الشيخ أبو العباس الحريثي رضي الله عنه صحبته نحو ثلاثين سنة فما رأيته قط انتصر لنفسه ساعة، ونشأ رحمه الله تعالى على العبادة، والاشتغال بالعلم، وقراءة القرآن بالسبع ثم خدم الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه، وزوجة ابنته وقربه أشد من جميع أصحابه ثم أخذ بعض الطريق عن سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله عنه وأذن له أن يتصدر بعده لطريق الله تعالى، وأن يلقن كلمة التوحيد قالوا ولم يقع من الشيخ رضي الله عنه الإذن لغيره رضي الله عنه لعزة مقامه، ومعرفته بشروط أهل الطريق، وبرع رضي الله عنه في الطريق، وانتفع الناس على يديه في طريق الله تعالى، ووقع له كرامات كثيرة لا تحصى بحضرتي فمنها ما أعلم أنه كان يحب كتمانه فكتمته، ومنها ما سكت عنه فذكرته. وقد طلع لي مرة بواسير حتى حصل لي منها ضرر شديد فشكوت ذلك له فقال غدا تزول إن شاء الله تعالى في صلاة العصر فصليت العصر ونظرت فلم أجد لها أثرا رضي الله عنه، وأعطى رضي الله عنه القبول التام عند الخاص، والعام حتى إذ بعضهم شرب ماء غسالة يديه من ذفر السمك، وعمر عدة مساجد في دمياط، والمحلة، وغيرهما، وكان رضي الله عنه كريم النفس ظريفا حسن المعاشرة بطيء الغيط كثير التبسم زاهدا في الدنيا كثير الوحدة في الليل وطوى الأربعين يوما: وكان حلو المنطق لا تكاد تسمع منه إلا ما تحب، وربما جلست معه بعد صلاة العشاء فيطلع الفجر، ونحن في مجلس، واحد، وكنت أقدر الليلة بنحو سبع درج، وكان رضي الله عنه كثير التحمل لهموم الخلق حتى صار كأنه شن بال جلد على عظم، وما سمعته قط بعد نفسه من أهل الطريق، وكثيرا ما كان يقول إذا سمع شيئا من كلام أهل الطريق استراحت العرايا من شراء الصابون، وكان فتحه الكبير بعد وفاة شيخه رضي الله عنه فدخل الخلوة مرارا، وما خرج حتى سمع الهواتف تأمره بذلك فخرج، ودعا الناس إلى طريق الله تعالى، ولقن رضي الله عنه نحو الشعرة آلاف مريد، ولم يزل على طريقته الحسني لم يتغير حتى مات. وكان رضي الله عنه يحط كثيرا على فقراء المطاوعة ويقول لأنهم قطاع الطريق على فقراء الأرياف، وليس في طريقهم ترق لعدم الشيخ الذي يبين لهم الأخلاق. ولم يكن حطه عليهم نقضا فيهم إنما هو لمصلحة المريدين الذين أخذوا عنه الطريق، ولم تعلق فيهم صنارة، وذلك لأن عضب الكامل على الإنسان إنما هو لمصلحة ذلك الإنسان لا حظا للنفس فأفهم وسبق سيدي أبا العباس إلى ما ذكرناه سيدي محمد الغمري، وسيدي مدين، وغيرهما فكانوا كلهم ينهون جماعتهم عن الاجتماع بالمطاوعة لهذه العلة التي تقدمت، والله أعلم، ولما حضرته الوفاة قال لسيدي أحمد بن محيي الدين الغمري، وللحاضرين خرجنا من الدنيا، ولم يصح معنا صاحب في الطريق. قلت: وكذلك وقع لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه. فقيل له إن من أصحابك فلانا وفلانا فقال رضي الله عنه هؤلاء من معارفنا إنما صاحبك من شرب من بحرك. توفي رضي الله عنه بثغر دمياط في سنة خمس، وأربعين، وتسعمائة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه، ولقد قصدته في حاجة، وأنا فوق سطوح مدرسة أم خوند بمصر فرأيته خرج من قبره يمشي من دمياط، وأنا أنظره إلى أن صار بيني وبينه نحو خمسة أذرع فقال عليك بالصبر، ثم اختفى رضي الله عنه.

Bölüm V02/P146–V02/P147

ومنهم شيخي ووالدي وقدوتي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله تعالى عنه وهو أطول أشياخي خدمة خدمته خمسا وثلاثين سنة لم يتغير علي يوما واحدا، وشوني اسم بلدة بنواحي طندتا بلد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه ربي بها صغيرا ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، وأنشأ فيه مجلس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شاب أمرد فاجتمع في ذلك المجلس خلق كثير، وكانوا يجلسون فيه من بعد صلاة المغرب ليلة الجمعة إلى أن يسلم على المنارة لصلاة الجمعة ثم إنه خرج يشيع جماعة مسافرين إلى مصر في بحر الفيض فخرجت المركب به من غير قصد منه فلم يقدر أحد على رجوعها إلى البر فقال توكلنا على الله فجاء إلى مصر فأقام بها أولا في تربة السلطان برقوق بالصحراء، وأنشأ في الجامع الأزهر مجلس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام سبع وتسعين وثمانمائة، وكان رضي الله عنه يقوم من التربة كل ليلة جمعة إلى الأزهر، ويرجع فلما عمر السلطان طومان، باي العادل تربته نقله إليهما، وأعطاه، وظيفة المزملات بها فكان يسقي الناس طول النهار فأقام بها سنين عديدة ثم دخل إلى مصر، وتزوج بها، وله من العمر تسعون سنة وكان لم تزوج قط ثم انتقل إلى مدرسة السيوفية التي وقع لسيدي عمر بن الفارض مع شيخه البقال فيها ما وقع فأقام بها إلى أن مات في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن عندنا بالقبة لمجاورة لباب المدرسة القادرية بخط بين السورين، وقبره بها ظاهر يزار. وأخبرني رضي الله عنه قال من حين كنت صغيرا أرعى البهائم في شوني وأنا أصب لصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أدفع غذائي إلى الصغار، وأقول لهم كلوه، وصلوا أنا وإياكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نقطع غالب النهار في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ولما دخلت مصر في سنة إحدى عشرة وتسعمائة لقيني الشيخ شهاب الدين الطويل المجذوب رضي الله عنه فقال لي أنت ابن الشوني أيش حال أبوك، وكنت لا أعرف قط من هو الشوني فما كان إلا نحو سنتين فأخبرني شخص أن رجلا يسمى الشيخ نور الدين الشوني من الصالحين في تربة العادلية امض بنا نزوره فلما دخلنا عليه رحب بي أكثر من أصحابي وقال لي أيش قال لك الشيخ شهاب الدين فأخبرته، فقال هو صاحب اطلاع، وإن شاء الله تعالى يحصل لك من جهاتنا نصيب من الخير فكنت أحضر معه المجلس نحو سبع سنين فلما كانت سنة تسع عشرة قال لي مقصودي تجمع لك جماعة في الجامع الذي أنت فيه مقيم، وتحيي بهم ليلة الجمعة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ترتيب هذا المجلس فشرعت فيه في السنة المذكورة فلم ينقطع ببركته ليلة واحدة إلى، وقتنا هذا ثم إنه خطر لي ليلة من الليالي أن أقرأ بالجماعة " إنا أعطيناك الكوثر " نحو ألف مرة فقرأناها فرأى جماعة بكثرة تلك الليلة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرت الشيخ بذلك ففعلها بمجلسه بالجامع الأزهر ثم إني كررت ليلة قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " " البقرة: 286 " نحو خمسين درجة فحصل للجماعة بسط عظيم فأخبرته بذلك فصار يفعلها بمجلسه، وتوارثها عنه جماعته. ورأيت مرة في واقعة أنني أمشي خلفه في أرض بلور أبيض، وعليها سور شاهق يقرب من السماء، وحصل لي أنس عظيم في تلك الأرض كدت أن أسكر منه فبينما نحن نمشي إذ نزل من السماء سلسلة فضة بيضاء، وفيها قربة فيها ماء أبيض من اللبن، وأحلى من العسل فنزلت إلى أن صار الإنسان يصل إليها بفمه فشرب الشيخ رضي الله عنه منها، وأعطاني الفضلة فشربتها ثم تخلف الشيخ، ومشيت حتى غبت عن الشيخ فنزلت لي سلسلة ذهب، وفيها شيء مربع نحو الشبر في شبر، وفيها ثلاث عيون مكتوب على العليا منها مستمد هذه العين من الله، وعلى الوسطى مستمد هذه العين من الله، وعلى السفلى مستمد هذه العين من الكرسي فألهمني الله تعالى فشربت من الوسطى ثم رجعت إلى الشيخ رضي الله عنه فأخبرته بما شربته، وبأنه من العين التي تستمد من العرش فقال يا فلان تتخلق إن شاء الله تعالى بالرحمة على جميع العالم وسر بذلك سرورا عظيما رضي الله عنه.

Bölüm V02/P147–V02/P148

ثم قال لي صدق كلام الشيخ شهاب الدين المتقدم. وكان رضي الله عنه حسن العشرة جميل الخلق كريم النفس حسن السمت كثير التبسم. صافي القلب ممسوحا كباطن الطفل سواء، وهذه الصفة من صفات الجلة، وكان إذا نزل بالمسلمين هم أو غم لا يقر له قرار حتى يرتفع، وكان لا يتفوه قط برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يقول رأي بعض الفقراء، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له كذا، وكذا مع أن مرتبته كانت تقتضي كثرة الرؤيا له صلى الله عليه وسلم. ورأيته عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، في، وقائع لا أحصيها فكنت أذكر له ذلك فيقول: اشتبهت بي، ولا يعترف بذلك. ورأيت مرة قائلا يقول في شوارع مصر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه فمن أراد الاجتماع به فليذهب إلى مدرسه السيوفية فمضيت إليها فوجدت السيد أبا هريرة رضي الله عنه على بابها الأول فسلمت عليه، ثم وحدت المقداد بن الأسود على بابها الثاني فسلمت عليه ثم، وجدت شخصا لا أعرفه على بابها الثالث فلما، وقفت على باب خلوة الشيخ وجدت الشيخ، ولم أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عنده فبهت في وجه الشيخ فأمعنت النظر فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء أبيض شفافا يجري من جهته إلى أقدامه فغاب جسم الشيخ، وظهر جسم النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه ورحب بي وأوصاني بأمور وردت في سنته فأكد على ما فيها ثم استيقظت فلما أخبرت الشيخ رضي الله عنه بذلك قال، والله ما سررت في عمري كله كسروري بهذا، وصار يبكي حتى بل لحيته رضي الله عنه وروى في عرفات في الموقف مرارا لا تحصى حتى حلف شخص من أصحابه بالطلاق إنه رآه وسلم عليه فيه، وهو لم يعترف، ويقول أنا ما برحت من مصر موضعا، وتفرعت عنه سائر مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي على وجه الأرض الآن في الحجاز والشام، ومصر، والصعيد، والمحلة الكبرى وإسكندرية، وبلاد الغرب وبلاد التكرور. وذلك لم يعهد بأحد قبله إنما كان الناس لهم أوراد في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرادى في أنفسهم، وأما اجتماع الناس على هذه الهيئة فلم يبلغنا وقوعه من أحد من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصره رضي الله عنه، ولما توفي رضي الله عنه رأيته في قبره، وقد اتسع مد البصر، وهو مغطى بلحاف حرير أخضر مساحته قدر فدان ثم إني رأيته بعد سنتين، ونصف، وهو يقول لي غطني بالملاية فإني عريان فلم أعرف ما المراد بذلك فمات ولدي محمد تلك الليلة فنزلنا به ندفنه بجاتبه في الفسقية فرأيته عريانا على الرمل لم يبق من كفنه، ولا خيط واحد ووجدته طريا يخر ظهره دما مثل ما دفناه سواء لم يتغير من جسده شيء فغطيته بالملاية، وقلت له: إذا قمت وكسوك، أرسل لي ملايتي. وهذا من أدل دليل على أنه من شهداء المحبة فإن الأرض لم تأكل من جسده شيئا بعد سنتين، ونصف، ولا انتفخ، ولا نتن له لحم، وإنما وجدنا الدم يخر من ظهره طريا لأنه لما مرض لم يستطع أحد أن يقلبه مدة سبع وخمسين يوما فذاب لحم ظهره فضممناه بالقطن، وورق المون، ولم يتأوه قط، ولم يئن في ذلك المرض، ورأيته مرة أخرى فقلت يا سيدي أيش حالكم فقال جعلوني بواب البرزخ فلا يدخل البرزخ عمل حتى يعرض علي، وما رأيت أضوأ، ولا أنور من عمل أصحابنا يعني من قراءة " قل هو الله أحد " والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأيت مرة الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقال لي: أنا عاتب عليك وعلى نور الدين الطرابلسي ونور الدين الشوني، وكنت تلك الليلة نائما في الروضة عند بني الوفاء فقلت للإمام نزوركم بكرة إن شاء الله فقال لا هذا الوقت فأخذ بيدي، ومشى من الروضة حتى طلع بي فوق قبته، وفرش لي حصيرا بقرب الهلال بحيث أني صرت أمسك المركب النحاس بيدي ومضى فأتى ببطيخ وجبن طري، وخبز لين، وقال: كل فقد ماتت ملوك الدنيا بحسرة الأكل في هذا الموضع فرجعت، وقصصت المنام على الشيخ نور الدين الطرابلسي فركب في الحال للزيارة دخلت للشيخ نور الدين الشوني فقلت له، وكان عنده عرعر صاحب الشريف بركات سلطان مكة فقال هذه أباطيل مثل الإمام الشافعي رضي الله عنه يعتب علي مثلكم في الزيارة الشريف عرعر تلك الليلة فرأى الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقال له قول عبد الوهاب صحيح، وأنا عاتب على الثلاث فجاء الشيخ نور الدين، وأخبره الخبر.