Qur'an&Sunnah

Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)

Bölüm V01/P097–V01/P098

ومنها حياء الإحسان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حق المتورعين عن محارم الله عز وجل فقال: إن الله تعالى يقول: " إني لأستحي أن أحاسبهم إذا حاسبت الخلائق " وإنما قلنا الإحسان لقوله: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " " الرحمن: 60 " فجازاهم بإحسان ورعهم إحسان ترك المحاسبة. ومنها حياء المعاودة في السؤال كما روي في الخبر: " إن العبد إذا دعا الله تعالى يا رب فيعرض عنه ثم يقول: يا رب فيعرض عنه فيقول الثالثة، والرابعة فيقول الله، إني استحيت من عبدي من كثرة ما يقول يا رب ". ومنها حياء المعاتبة كما روي أن الله تعالى يعاتب عبده يوم القيامة فيقول: يا رب عذابك أولى من عتابك. قلت: لأن العبد إذا عوقب فهو بمثابة من أدى الحق الذي عليه فيحمل عقبه الراحة بخلاف من عوتب فإنه لا يزال خجلا مستحيا من ربه عز وجل فلا يزال في تعب والله أعلم. ومنها حياء التوكل مما قال عمر رضي الله عنه: إني لأستحي من ربي عز وجل أن أخاف شيئا سواه. ومنها حياء الصلاح كما روي في الخبر: " استحي من الله كما تستحي من صالح قومك ". ومنها حياء العين كما روي أن سفيان الثوري دخل على رابعة العدوية رضي الله عنها فذكر لها ما ذكر إلى أن قالت: إني لاستحي أن أسأل الدنيا ممن يملكها فكيف ممن لا يملكها. ومنها حياء الواجب كما روي أن عائشة رضي الله عنها أثنت على نساء الأنصار بقولها: " إنهن لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفرة والكدرة يعني مص دم الحيض " ومنها حياء الحرمة كما روي أن أبا موسى الأشعري قال لعائشة: إني أريد أن أسألك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك عنه فقالت: سل ما كنت سائلا عنه أمك فقال: إن الرجل يجامع أهله ولا ينزل أفعليه غسل فقالت: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فعلت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا ". ومنها حياء الرحمة كما روي في الحديث: " إن الله يستحي من ذي الشيبة أن يعذب بالنار ". ومنها حياء الغرور كقول أبي الدرداء رضي الله عنه لأهل حمص ألا تستحيون من ربكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون. ومنها حياء المعرفة كما رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول: يا أهل البصرة يا أشباه اليهود كونوا على حياء من ربكم. ومنها حياء الإيمان كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحياء من الأيمان الحياء في الجنة، ومنها حياء الزينة كما روي في الحديث: " ما كان الرفق في شيء إلا زانه. ومنها حياء الخير وهو قوله صلى الله عليه وسلم: وقد سئل عن الحياء فقال: " الحياء خير كله خير للدنيا وللدين " وكان رضي الله عنه يقول: إذا ابتليت بمعاشرة الناس، ومجالستهم فاحذر ثم احذر لا يحفظ عليك فعل تسقط به عن عين الله تعالى، وعين من يسمعك بترك الأدب، وكان رضي الله عنه يقول: باب الله مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها فأي وقت دفعت فيه إلى هفوة أو شيء لا يحبه الله منك فارجع إلى الله تعالى فإنه أولى بك، وآمل أنه يقبلك بفضله، وكرمه رضي الله عنه. ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن المولد رحمه الله تعالى هو من كبار مشايخ الرقة وفتيانهم، ومن أحسنهم سيرة صحب أبا عبد الله بن الجلاء الدمشقي، وإبراهيم بن داود القصار الرقي كان رضي الله عنه يقول: من تولاه رعاية الحق أجل ممن تؤدبه سياسة العلم. قلت: لأن رعاية الحق تعالى تصيره سالما من العلل التي تنقصه بخلاف رعاية العلم، فلا يخلص صاحبها من ورطة إلا وقع في أخرى فمن تولته رعاية الحق حكم من يسلك على يد شيخ، ومن تولته رعاية العلم حكم من يسلك بنفسه من عير سيح والله أعلم.

Bölüm V01/P098–V01/P099

وكان رضي الله عنه يقول: خلقت الأرواح في الأفراح فهي تعلو أبدا إلى محل الفرح من المشاهدة، وخلقت الأجساد من الاكماد فهي لا تزال ترجع إلى كمدها من طلب الشهوات الفانية، والاهتمام بها. وكان يقول: من قال به أفناه عنه ومن قال منه أبقاه له ثم أنشد: لولا مدامع عشاق، ولوعتهم ... لبان في الناس عز الماء والنار فكل نار فمن أنفاسهم قدحت ... وكل ماء فمن دمع لهم جاري وكان يقول: من آداب الفقراء في الأكل أن لا يمدوا أيديهم إلى الأرفاق إلا في وقت الضرورات ثم يأكلون بقدر سد الرمق، ولو كان هناك طعام كالجبال، ويتركون الباقي لغيرهم، وكان رضي الله عنه يقول: من قام إلى أوامر الله بنفسه كان بين قبول ورد، ومن قام إليها بالله كان مقبولا بلا شك، وكان رضي الله عنه يقول: الفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء، والحجب بعد الكشف من السكون إلى الأحوال، وكان يقول: نفسك سائرة بك، وقلبك طائر بك فكن مع أسرعهما، وصولا، وأنشدوا في ذلك: فسيرك يا هذا كسير سفينة ... بقوم جلوس، والقلوع تطير رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سالم البصري رضي الله تعالى عنه صاحب سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه وراوي كلامه لا ينتمي إلى غيره من المشايخ، وكان من أهل الاجتهاد، وطريقته طريقة أستاذه سهل، وله بالبصرة أصحاب ينتمون إليه، وإلى ولده أبي الحسن أيضا، وكان رضي الله عنه يقول: من أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا على وجه المعاونة دون الاعتماد عليه فإن التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته، ومن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليكتسب لئلا يسقط عن درجة سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما سقط عن درجة حاله، وقيل له بم تعرف الأولياء رضي الله عنه في الخلق؟ فقال بلطف لسانهم، وقبول عذر من اعتذر إليهم، وكمال الشفقة على جميع الخلق برهم، وفاجرهم، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد أن عورته تستر، ولا تهتك فليحلم على من جني عليه، وليتكرم على الناس بما في يديه، وكان رضي الله عنه يقول: من شأن كل عاقل الزهد في أبناء الدنيا، وذلك لأنهم يشغلونه بذكرها، وما هم عليه عما هو متوجه إليه من مصالح دينه ودنياه، رضي الله عنه. ومنهم محمد بن عليان النسوي رحمه الله تعالى ورضي عنه من كبار مشايخ نسا، ومن أصحاب أبي عثمان الحيري الذي قيل فيه إنه إمام أهل المعارف كان رضي الله عنه يخرج من نسا قاصدا إلى أبي عثمان في مسائل واقعات، فلا يأكل، ولا يشرب في الطريق حتى يدخل نيسابور فيسأله عن تلك المسائل، وكان رضي الله عنه من أعلى المشايخ همة، وله الكرامات الظاهرة، ومن كلامه رضي الله عنه؛ الزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول آيات الأولياء، وكراماتهم رضاهم بما يسخط العوام من مجاري المقدور، وكان يقول: لا يصفو للسخي سخاؤه إلا بتصغير ما أعطاه ورؤية الفضل لمن أخذه منه، وكان رضي الله عنه يقول: من خدم الله لطلب ثواب أو خوف عقاب فقد أظهر خسته، وأبدى طمعه، وقبيح بالعبد أن يخدم سيده لغرض دنيوي، أو أخروي وكان رضي الله عنه يقول: من أظهر كرامته فهو مدع، ومن ظهرت عليه الكرامات فهو ولي رضي الله عنه. ومنهم أبو بكر أحمد بن محمد بن سعدان رضي الله تعالى عنه بغدادي الأصل صحب الجنيد، والثوري رضي الله عنهم، وهو من أعلم شيوخ وقته بعلوم هذه الطائفة، وكان عالما بعلوم الشرع مقدما فيها ينتحل مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه ذا لسان وبيان.

Bölüm V01/P099–V01/P100

وطلبوا مرة من يرسلونه إلى الروم من أهل طرطوس فلم يجدوا مثله في فضله، وعلمه، وفصاحته، وبيانه حتى قالوا في ذلك الزمان لم يبق في هذا الزمان لهذه الطائفة إلا رجلان أبو علي الروذباري بمصر، وأبو بكر بن سعدان بالعراق، وأبو بكر أفهمهما كان رضي الله عنه يقول: من أراد صحبة الصوفية فليصحبهم بلا نفس، ولا قلب، ولا ملك، وكان رضي الله عنه يقول: من تعلم علم الرواية ورث علم الدراية، ومن تعلم علم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق. وكان رضي الله عنه يقول: من جلس للمناظرة على الغفلة لزمه ثلاثة عيوب الأول الجدال والصياح، وذلك منهي عنه الثاني حل العلو على الخلق، وذلك منهي عنه أيضا الثالث الحقد، والغضب، وذلك منهي عنه أيضا ومن جلس للمناصفة كان كلامه أوله موعظة، وأوسطه دلالة، وآخره بركة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا بدت الحقائق طمست آثار الفهوم، والعلوم وكان يقول: خلقت الأرواح من النور، وأسكنت الهياكل فإذا قوي الروح جانس العقل، وتواترت الأنوار، وزالت ظلم الهياكل، وصارت الهياكل روحانية بأنوار الروح، والعقل وانقادت، ولزمت طريقها، ورجعت الأرواح إلى معدنها من الغيب تطالع مجاري الأقدار، وترضى بموارد القضاء، والقدر وكان رضي الله عنه يقول: الصوفي هو الخارج عن النعوت والرسوم رضي الله عنه. ومنهم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد رضي الله تعالى عنه ابن بشر بن درهم بن الأعرابي الأموي رضي الله عنه: بصري الأصل سكن بمكة وكان أوحد وقته وكان في وقته شيخ الحرم ومات بها سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وصنف للقوم كتبا كثيرة، وصحب الجنيد، والثوري، وعمرا المكي، والمسوحي، وأبا جعفر الحداد، وكان من كبار مشايخ هذه الطائفة، وعلمائهم، ومن كلامه رضي الله عنه قد ثبت الوعد، والوعيد من الله تعالى فإذا كان الوعد قبل الوعيد، فالوعيد تهديد، وإذا كان الوعيد قبل الوعد، فالوعيد منسوخ فإذا اجتمعا معا فالغلبة، والثبات للوعد لأن الوعد حق العبد، والوعيد حق الله، والكريم يتفضل بترك حقه. وكان رضي الله عنه يقول: قل من ادعى قوة في أمر إلا خذل ووكل إلى قوته وكان رضي الله عنه يقول: لو قيل للعارف تبقى في الدنيا لمات كمدا، ولو قيل لأهل الجنة تخرجون منها لماتوا كمدا فما طابت الدنيا للعارفين إلا بذكرهم الخروج منها، وما طابت الجنة لأهلها إلا بذكرهم الخلود فيها، وكان رضي الله عنه يقول: مدارج العلوم لكون بالوسائط، وأما مدارج الحقائق فلا تكون إلا بالمكاشفة، وكان يقول: أحسن أوقات، وقت يكون الحق فيه راضيا عني، وكان رضي الله عنه يقول: من أخلاق الفقراء السكون عند الفقد، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند فرح الناس بالدنيا رضي الله عنه. ومنهم أبو عمرو محمد بن إبراهيم الزجاجي رضي الله تعالى عنه نيسابوري الأصل صحب الجنيد، والثوري وأبا عثمان ورويما الخواص، ودخل مكة، وأقام بها، وصار شيخها، والمنظور إليه فيها، وحج رضي الله عنه قريبا من ستين حجة، ومات في الحرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وكان يجتمع هو والكتاني، والنهرجوري، والمرتعش، وغيرهم فيكون صدر الحلقة، وإذا تكلم في شيء رجعوا كلهم إلى كلامه، وفضائله أكثر من أن تحصى رحمه الله تعالى ومكث بمكة أربعين سنة فلم يبل قط ولم يتغوط في الحرم بل كان يخرج كلما قضى حاجته إلى الحل، وكان رضي الله عنه يقول: من تكلم على حال لم يصل إليه كان كلامه فتنة لمن يسمعه، وهوى يتولد في قلبه، وحرم الله عليه الوصول إلى تلك الحال، وبلوغه، وكان رضي الله عنه يقول: من جاور بالحرم، وقلبه متعلق بشيء سوى الله تعالى فقد أظهر خسارته، ومن سرق شيئا بالحرم من الحجاج الآفاقية ليتوسع به أبعده الله، ووكل قلبه بالشح، وأطلق لسانه بالشكوى، ونسخ قلبه من المعارف، وخرجت منه أنوار اليقين، ومقته بين خليقته.

Bölüm V01/P100–V01/P101

قلت: ويقاس على ذلك من جاور ببيت الله المقدس، والحرم النبوي، والمساجد المعظمة كالجامع الأزهر بمصر، وجامع الزيتونة بالمغرب، وغيرها من المساجد والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: مما جربناه لرد الضالة: اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني، وبين ضالتي، ويقرأ قبله سورة، والضحى ثلاثا قال: وقد وقع مني فص في دجلة فدعوت به فوجدت الفص في وسط أوراق كنت أتصفحها، وسئل رضي الله عنه عن حديث: " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " فقال المراد: بذلك التفكر نسيان النفس، والله أعلم. ومنهم جعفر بن محمد بن نصير الخواص رضي الله تعالى عنه ويعرف بالخلدي ببغداد المولد، والمنشأ صحب الجنيد رضي الله عنه، وعرف بصحبته، وإليه كان ينتمي، وصحب الثوري، ورويما، وميمونا، والجريري، وغيرهم من المشايخ، وكان المرجع إليه في كتب القوم، وحكاياتهم، وسيرهم حتى قال يوما عندي مائة ونيف وثلاثون ديوانا من دواوين الصوفية فقيل له: هل عندك من كتب علي بن محمد الترمذي شيء فقال: ما عددته من الصوفية. قلت الحق أنه كان من أكابر الصوفية، وأنه كان من الأوتاد، ولو لم يكن له من المناقب إلا ما وضعه من الأسئلة التي لا يعرف الجواب عنها أحد غير ختم الأولياء لكان في ذلك كفاية لبيان مقامه فإنه لا يعرف الجواب عنها أحد غير الختم كما صرح بذلك الشيخ محيي الدين ابن العربي، وقد عده الأستاذ القشيري ممن عليه مدار الطريق. وأما سبب جمع العارف دواوين القوم فهو للإطلاع على طرقهم في معاملتهم مع الله تعالى ليرشد المريدين، والإخوان إليها إذ الأولياء أبواب الله فمن لم يكن عنده استعداد يدخل به من طريق ذلك الولي أدخل من طريق غيره، وفي ذلك تأييد عظيم للداعي إلى الله يكون غيره سبقه إلى ما دعا إليه، ومنه فافهم، والله أعلم، وكان رضي الله عنه من أفتى المشايخ، وأحسنهم، وأكملهم حالا حج رضي الله عنه قريبا من ستين حجة، ومات ببغداد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وقبره بالشونيزية عند قبر السري السقطي، والجنيد، وكان رضي الله عنه يقول: أهل الحقائق قطعوا العلائق التي تقطعهم عن الحق قبل أن تقطعهم العلائق، وكان يقول: لا يقدح في الإخلاص كونه يعمل ليصل، وكان يقول: المتناهي في حاله يؤثر في كل شيء، ويدخل في كل شيء ولا يؤثر فيه شيء، ولا يأخذ منه شيئا، ودليل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم في أوائل حاله كان إذا نزل عليه الوحي قال دثروني دثروني حتى تمكن صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: سعي الأحرار في الدنيا يكون لإخوانهم لا لأنفسهم قلت، ولما حججت سنة سبع وأربعين وتسعمائة جعلت دعائي حول البيت، وفي البيت وفي مواضع الإجابة كله لأخواني لأن من الفتوة أن يؤخر الإنسان حفظ نفسه، ويقدم حظ إخوانه ليكون الحق تعالى في حاجته بالقضاء، والتيسير فالحمد لله رب العالمين. وكان رضي الله عنه يقول: سمعت الجنيد رضي الله عنه يقول: من أخلص في المعاملة أراحه الله تعالى من الدعاوي الكاذبة، وكان يقول: جاع بعضهم في الحرم فسألي ربه في حجر إسماعيل فوقع في حجره مسمار فضة من مسامير الميزاب فقضى به حاجته، وكان رضي الله عنه يقول: لا أعرف شيئا أفضل من العلم بالله، وبأحكامه فإن الأعمال لا تزكو إلا بالعلم، ومن لا علم عنده فليس له عمل، وإنما يكره من العلم تضييعه، ونبذه خلف الظهر فقيل له فهل طلب العلم عمل فقال: هو من أكبر الأعمال، وبالعلم عرف الله، وأطيع، وبالعلم استحيا من الله المستحيون، وهو قبل الأعمال قال الله تعالى: " علم الإنسان ما لم يعلم " وقال الله تعالى: " علمه البيان "، ولا يكره العلم إلا منقوص، وكان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت الفقير يأكل فاعلم أنه لا يخلو من إحدى ثلاث إما لوقت قد مضى عليه أو لوقت يريد أن يستقبله أو للوقت الذي هو فيه.

Bölüm V01/P101

قلت: ومعنى ذلك أن من شأن الفقير أن لا يكون مقصوده بالأكل محض قضاء الشهوة، والتبسط إنما كله ضرورة، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: عليكم بصحبة الفقراء فإنهم كنوز الدنيا، ومفاتيح الآخرة رضي الله عنه. ومنهم أبو العباس بن القاسم بن مهدي رحمه الله تعالى ابن بنت أحمد بن سيار رحمه الله كان من أهل مرو، وهو شيخهم، وأول من تكلم عندهم في حقائق الأحوال، وكان فقيها عالما كتب الحديث ورواه، وصحب أبا بكر الواسطي، وإليه كان ينتمي في علوم هذه الطائفة، وكان من أحسن المشايخ لسانا في وقته يتكلم في علوم التوحيد، ولجميع من يلوذ به من أهل السنة والجماعة. مات رضي الله عنه سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: كيف السبيل إلى ترك ذنب كان عليك في اللوح المحفوظ مخطوطا، وكيف السبيل إلى صرف قضاء دين كان به العبد مربوطا، وقيل له يوما بماذا يروض المريد نفسه؟ فقال رضي الله عنه: بالصبر على الأوامر، واجتناب النواهي وصحبة الصالحين، وخدمة الرفقاء، ومجالسة الفقراء، والمرء حيث وضع نفسه. وكان رضي الله عنه يقول: حقيقة المعرفة الخروج عن المعارف، وكان رضي الله عنه يقول: ما التذ عاقل قط بمشاهدة لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيه لذة، ولا التذاذ، ولا حظ، ولا احتظاظ، وكان رضي الله عنه يقول: ما نطق أحد عن الحق إلا وهو محجوب عن الحق، وكان رضي الله عنه يقول: الخطرة للأنبياء، والوسوسة للأولياء، والفكرة للعوام، وكان رضي الله عنه يقول: ظلمة الأطماع تمنع أنوار المشاهدة، وكان يقول: لباس الهداية للعامة ولباس الهيبة للعارفين، ولباس الزينة لأهل الدنيا، ولباس اللقاء للأولياء، ولباس التقوى لأهل الحضرة قال تعالى: " ولباس التقوى ذلك خير " وكان رضي الله عنه يقول: من دقق النظر في دينه وسع عليه الصراط في دقته ومن وسع النظر في دينه ضيق عليه الصراط في دقته، ومن غاب عن حقوقه بحقوقه غاب عن كل شدة، وعقوبة. رضي الله عنه. ومنهم أبو بكر بن داود الدينوري الرقي رحمه الله تعالى أقام بالشام، وكان من أقران أبي علي الروذباري إلا أنه عمر زيادة على مائة سنة صحب أبا عبد الله بن الجلاء وأبا بكر الرقاقي الكبير، وأبا بكر المصري غير أنه كان ينتمي إلى ابن الجلاء أكثر، وكان من أجل مشايخ وقته، وأحسنهم حالا، وأقدمهم صحبة للمشايخ. مات رضي الله عنه بعد الخمسين، والثلاثمائة، وسئل رضي الله عنه عن الفرق بين الفقر، والتصوف فقال: الفقر حال من أحوال التصوف فقيل له: ما علامة المتصوف فقال: أن يكون مشغولا بما هو أولى في كل وقت، وكان يقول: إذا انحط الفقراء عن حقيقة العلم إلى ظاهر العلم أساءوا الأدب مع الله تعالى، في أحوالهم بخلاف غيرهم، وكان رضي الله عنه يقول: أهل المعرفة أحياء لحياة معروفهم فلا حياة حقيقة إلا لأهل المعرفة لا غير رضي الله عنه. ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الرازي رحمه الله تعالى

Bölüm V01/P101–V01/P102

عرف بالشعراني رضي الله عنه رازي الأصل، ومولده ومنشؤه بنيسابور صحب الجنيد، وأبا عثمان الحيري، ورويما، ومحمد بن الفضل، وسمنون، والجوزجاني، ومحمد بن حامد، وغيرهم من مشايخ القوم، وهو من أجلة أصحاب أبي عثمان، وكان أبو عثمان رضي الله عنه يكرمه كثيرا، ويبجله، ويعرف له محل وكان من كبار مشايخ نيسابور، في وقته له من الرياضات ما يعجز الأسماع، وكان عالما بعلوم هذه الطائفة، وكتب الحديث الكثير، وكان ثقة نقيا مات رضي الله عنه سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وقيل له مرة ما بال الناس يعرفون عيوبهم، ويحبون ما هم فيه، ولا ينتقلون عن ذلك، ولا يرجعون إلى طريق الصواب فقال رضي الله عنه لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم، ولم يشتغلوا باستعماله، واشتغلوا بأبحاث الظواهر، وتركوا أبحاث البواطن فأعمى الله تعالى قلوبهم عن النظر إلى الصواب، وقيد جوارحهم عن العبادة، وكان رضي الله عنه يقول: العارف لا يعبد إلا الله تعالى على الموافقة للخلق، وإلا فهو مع الله بما يريد، وكان رضي الله عنه يقول: المعرفة تهتك الحجب بين العبيد، وبين مولاهم رضي الله عنه. ومنهم أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن سالم بن خالد السلمي رحمه الله تعالى وهو جد الشيخ أبي عبد الرحمن شيخ القشيري صحب أبا عثمان رضي الله عنه، وكان من أكبر أصحابه ولقي الجنيد وكان من أكبر مشايخ وقته، وله طريقة ينفرد بها عن تلبيس الحال، وصون الوقت، وهو آخر من مات من أصحاب أبي عثمان في سنة ست وستين وثلاثمائة، وسمع الحديث ورواه، وكان ثقة. ومن كلامه رضي الله عنه كل حال يكون نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه، وكان رضي الله عنه لقول: من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه، وكان يقول: من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب، وكان رضي الله عنه يقول: لا يصفو لأحد قدم في العبودية حتى تكون أفعاله كلها عنده رياء، وأحواله كلها عنده دعاوى. وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبده خيرا رزقه خدمة الصالحين والأخيار، ووفقه لقبول ما يشيرون به عليه، وسهل عليه سبيل الخيرات، وحجبه عن رؤيتها، وقيل له من أين تتولد الدعاوى فقال من الاغترار، وتشويش الأسرار، وكان رضي الله عنه يقول: إنما تتولد الدعاوى من فساد الابتداء فمن صحت بدايته صحت نهايته، ومن فسدت بدايته فربما هلك في حال من أحواله، وكان رضي الله عنه يقول: الملامتي لا يكون له دعوى قط لأنه لا يرى لنفسه شيئا يدعي به، وكان يقول: أحترم عامة المسلمين، ولا تتصدر في أمر ما أمكنك، وكن خاملا في الناس فبقدر ما تتعرف إليهم وتشتغل بهم تضيع حظك من أوامر ربك، وكان يقول: من أظهر محاسنه لمن لا يملك ضره، ولا نفعه فقد أظهر جهله، وكان رضي الله عنه يقول: من استقام حد الاستقامة لا يعوج به أحد، ومن اعوج لا يستقيم به أحد رضي الله عنه. ومنهم أبو الحسن بن أحمد بن سهل البوسنجي رضي الله تعالى عنه كان من أوحد فتيان خراسان لقي أبا عثمان، وصحب بالعراق ابن عطاء والجريري، وبالشام طاهرا المقدسي وأبا عمرو الدمشقي، وتكلم رضي الله عنه مع الشبلي رضي الله عنه، في مسائل، وهو من أعلم مشايخ، وقته بعلوم التوحيد، وعلوم المعاملات، ومن أحسنهم خلقا، وطريقة في الفتوة، والتجريد، وكان معظما للفقراء حسن الخلق مات رضي الله عنه سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة رضي الله عنه، وسئل عن التصوف فقال: هو اليوم اسم لا حقيقة، وقد كان حقيقة، ولا اسم، وكان يقول: من كان باطنه أفضل من ظاهره فهو الولي، ومن كان باطنه، وظاهره سواء فهو العالم، ومن كان ظاهره أفضل من باطنه فهو الجاهل، ولذلك لا ينصف من نفسه، ويطلب الإنصاف من غيره، وقيل له من الظريف فقال الخفيف في ذاته، وأفعاله، وأخلاقه، وشمائله من غير تكلف، وكان يقول: الخير منا زلة، والشر لنا صفة رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله محمد بن خفيف الضبي رضي الله تعالى عنه ورحمه

Bölüm V01/P102–V01/P103

أقام بشيراز، وهو شيخ المشايخ، وأوحدهم في وقته كان عالما بعلوم الظاهر، والحقائق حسن الأحوال في المقامات، والأحوال، وجميع الأخلاق، والأعمال مات رضي الله عنه سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: التصوف تصفية القلوب، ومفارقة أخلاق الطبيعة، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوي النفسانية، ومنازلة صفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، والنصح لجميع الأمة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الشريعة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس شيء أضر بالمزيد من مسامحة النفس في ركوب الرخص، وقبول للتأويلات، وكان رضي الله عنه يقول: الذكر على قسمين ظاهر، وباطن فالظاهر التهليل، والتحميد، والتمجيد، وقراءة القرآن، والباطن تنبيه القلوب على شرائط التيقظ على معرفة الله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، ونشر إحسانه، وإمضاء تدبيره، ونفاذ تقديره على جميع خلقه، وكان يقول: ذكر الله منفرد، وهو ذكر المذكور بانفراد أحديته عن كل مذكور سواه لقوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الذكر لا إله إلا الله "، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول: " من عرف طريقا إلى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله عذابا لم يعذب به أحدا من العالمين "، وكان رضي الله عنه يقول: عليك بمن يعظك بلسان فعله، ولا يعظك بلسان قوله رضي الله عنه. ومنهم أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي رضي الله تعالى عنه سكن أذربيجان، وكان عالما بالأصول، واللسان، وله اللسان المشهور في علم الحقائق، وكان الشبلي رضي الله عنه يعظمه، ويعظم قدره، وكان بينه وبين ابن خفيف مفاوضات في مسائل شتى مات رضي الله عنه سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وغسله أبو زرعة الطبري. وسئل رضي الله عنه عن الفرق بين الصوفية، والمتصوفة فقال: الصوفي من اختاره الله لنفسه فصافاه من غير تكلف، والمتصوف هو المتكلف بنفسه المظهر لزهده مع كون رغبته في الدنيا، وتربية بشريته، وكان يقول: لا تخاصم نفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل بها ما يريد، وكان يقول: ليس من الأدب أن تسأل رفيقك إلى أين؟ أو في أيش؟ وكان رضي الله عنه يقول: من لم يجعل قبلته على حقيقه ربه فسدت صلاته، وكان يقول: رؤي مجنون بني عامر في المنام بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال: غفر لي، وجعلني حجة على المحبين. وكان رضي الله عنه يقول: من أقبل على الآخرة وركن إليها أحرقته بنورها، وصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن أقبل على الله أحرقه بنور التوحيد، وصار جوهرا لا قيمة له، وقيل له مرة ما هي الدنيا؟ فقال رضي الله عنه ما دنا من القلب، وشغل عن الحق. رضي الله عنه. ومنهم أبو بكر الطمستاني رضي الله تعالى عنه ورحمه كان من أجل المشايخ، وأعلاهم حالا منفردا بحاله، ووقته لا يشاركه أحد فيه من أبناء جنسه، ولا يدانيه، وكان الشبلي رضي الله عنه يقول به، ويجله، ويكرمه، صحب إبراهيم الفارسي، وغيره من مشايخ الفرس، وكانوا جميعا يحترمونه. ورد نيسابور، ومات بها سنة أربعين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه جالسوا الله كثيرا، وجالسوا الناس قليلا، يريد بذلك العزلة، وكان يقول: خير الناس من رأى الحق في غيره، وعلم أن السبيل إلى الله غير السبيل الذي عليه هو ولو ارتفع في المرتبة، وذلك ليرى تقصير نفسه عما كلف به، وكان رضي الله عنه يقول: من اتبع الكتاب، والسنة، وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة لم تسبقه الصحابة إلا بكونهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: اليقظة لأهل اليقظة لعمارة الآخرة كما أن الغفلة لأهل الغفلة لعمارة الدنيا. قلت: هذا إذا لم يقصد المحترف بحرفته نفع العباد واقتصر على جمع الدنيا فقط فإذا نوى بحرفته نفع العباد فقد عمر الدنيا، والآخرة، والله أعلم.

Bölüm V01/P103–V01/P104

وكان رضي الله عنه يقول: كل من استعمل الصدق بينه، وبين الله تعالى شغله صدقه مع الله عن الفراغ إلى خلق الله قلت: وكان شيخنا الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه من أهل هذا المقام فكان لا يقدر أن يرد على أحد كلاما أبدا رضي الله تعالى عنه. وكان يقول: ماذا أصنع، والكون كله عدو لي، وكان يقول: الوصل بلا فصل فإذا جاء الفصل فلا وصل، وكان يقول: النفس كالنار إذا طفئت في موضع تأججت في موضع كذلك النفس إذا هذبت من جانب تأثرت من جانب، وكان رضي الله عنه يقول: إن لم تقدروا على أن تصحبوا الله بالأدب فاصحبوا من يصحبه لتوصلكم بركات صحبته إلى صحبة الله رضي الله عنه. ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد الدينوري رحمه الله تعالى آمين صحب يوسف ين الحسين، وعبد الله بن الخراز، وأبا محمد الجريري، وأبا العباس بن عطاء، ولقي رويما وورد نيسابور، إلى سمرقند، ومات بها بعد الأربعين والثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: العلماء متفاوتون في ترتيب مشاهدات الأشياء فقوم رجعوا من الأشياء إلى الله فشاهدوا الأشياء حيث الأشياء ثم رجعوا عنها إلى الله، وقوم رجعوا من الله إلى الأشياء من غير غيبتهم عنه فلم يروا شيئا إلا ورأوا الحق قبله، وقوم بقوا مع الأشياء لأنهم لم يكن لهم طريق منهم إلى الله، وكان يقول عن أهل زمانه نقضوا أركان التصوف، وهدموا سبيلها، وغيروا معانيها بأسام أحدثوها سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عن الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع إلى الدنيا، وصولا، وسوء الخلق صولة، والبخل حلاوة، والسؤال عملا، وبذاءة اللسان سلامة، وما كان هكذا طريق القوم إنما درجوا على الحياء، والأدب، والزهد في الحظوظ. رضي الله عنهم أجمعين. ومنهم أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي رضي الله تعالى عنه من القيروان من قرية يقال لها كوكب أقام بالحرم الشريف مدة، وكان شيخه، وصحب أبا علي بن الكاتب حبيبا المصري. وأبا عمرو الزجاجي، ولقي النهرجوري، وأبا الحسين بن الصائغ الدينوري، وغيرهم من المشايخ، ولم ير مثله في علو الحال، وصون الوقت وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة، ورد نيسابور، ومات بها سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وأوصى أن يصلي عليه الإمام أبو بكر بن فورك، وكان يقول: من حفظ جوارحه تحت الأوامر فهو في اعتكاف على الدوام، وكان رضي الله عنه يقول: أبي الملك الجبار إلا أن يختبر أولياءه بتسليط عدوهم عليهم ليرى كيف صبرهم عليه فإن صبروا على بلوى عدوهم جللهم بعلمه، وحباهم بوصله، وأسكنهم في جواره، ونعمهم بمشاهدته، ولذذهم بذكره، وأوصلهم بمعرفته، وجعلهم أئمة يقتدي بهم، ونجاة لعباده، ورحمة في أرضه. قلت: ومعنى صبرهم على عدوهم أن يصبروا على مجاهدته في ترك ما يأمرهم به، ولا يتقلقوا من كثرة وساوسه فيطيعوه والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إن الله جعل أنس عباده في رؤية أوليائه، وكان يقول في معنى حديث أكثر أهل الجنة البله معناه الأبله في دنياه الفقيه في دينه، وكان رضي الله عنه يقول: من أثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله تعالى بموت القلب، وكان يقول: العاصي خير من المدعي لأن العاصي يطلب طريق التوبة، والمدعي يتخبط في خبال دعواه، وكان يقول: أفواه العارفين فاغرة لمناجاة القدرة، وكان يقول: الولي قد يكون مستورا، ولكن لا يكون مفتونا، وكان يقول: من لم يسمع من نهيق الحمار مثل ما يسمع من صوت العود، ودواخل المغنين فهو كذاب. رضي الله عنه. ومنهم أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن محمومة النصراباذي رضي الله عنه

Bölüm V01/P104–V01/P105

شيخ خراسان في وقته نيسابوري الأصل، والمولد والمنشأ يرجم إليه في أنواع من العلوم من حفظ السنن، وجمعها، وعلوم التواريخ، وعلم الحقائق، وكان أوحد المشايخ في وقته علما، وحالا صحب أبا بكر الشبلي وأبا علي الروذباري وأبا محمد المرتعش، وغيرهم من المشايخ أقام بنيسابور ثم خرج في آخر عمره إلى مكة، وحج سنة ست وستين وثلاثمائة، وأقام بالحرم مجاورا، ومات سنة سبع وستين وثلاثمائة، وكتب الحديث، ورواه، وكان ثقة، وكان رضي الله عنه يقول: من الأدب إذا اشتهر الإنسان بالزهد، ورمى الدنيا أن يتظاهر بإمساكها بين الناس ليقطع نسبة الزهد إليه، والمدار على القلب فإن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا بدا لك شيء من بوادي الحق فلا تلتفت معه إلى جنة، ولا إلى نار، ولا تخطرهما ببالك ثم إذا رجعت عن ذلك الحال فعظم ما عظم الله، وقيل له إن بعض الناس يجالس النسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن فقال رضي الله عنه: ما دامت الأشباح باقية فالأمر والنهي مخاطب بهما العبد لا سيما العزاب، وكان يقول: من عمل على رؤية الجزاء كانت أعماله بالعدد، والإحصاء، ومن عمل على المشاهدة أذهلته المشاهدة عن التعداد، والعدد، وفي رواية من عمل بالعدد كان ثوابه بالعدد قال تعالى: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " " الأنعام: 160 " ومن عمل على المشاهدة كان أجره لا عد له لقوله تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " " الزمر: 15 " وكان رضي الله عنه يقول: دماء المحبين تجيش، وتغلي وهم واقفون مع الحق على مقام إن تقدموا غرقوا، وإن تأخروا حجبوا، وكان يقول: الجذب أسرع من السلوك فإن كل جذبة من الحق تغني العبد عن أعمال الثقلين، وكان يقول: أصل التصوف هو ملازمة الكتاب، والسنة، وترك الأهواء، والباع، وتعظيم حرمات المشايخ، وإقامة المعاذير للخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص، والتأويلات، وما ضل أحد عن هذا الطريق إلا انحط عن مقام الرجال، وكان رضي الله عنه يقول: الزاهد غريب في الدنيا، والعارف غريب في الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: إنما سمى الله تعالى أصحاب الكهف فتية لأنهم آمنوا بلا واسطة وكان رضي الله عنه يقول: ليس للأولياء سؤال إنما هو الذبول، والخمول وكان يقول: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان رضي الله عنه يقول: الجمع عين التوحيد، والتفرقة حقيقة التجريد، وهو أن يكون العبد فانيا لله تعالى يرى الأشياء كلها به، وله، وإليه، ومنه. ومنهم أبو الحسن علي بن إبراهيم الحصري رضي الله تعالى عنه بصري الأصل سكن بغداد، ومات بها يوم الجمعة في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة كان شيخ العراق في وقته، ولم ير مثله في زمانه من المشايخ، ولا أتم مقالا منه، ولا أحسن لسانا، ولا أعلى مكانا متوحدا في طريقته ظريفا في شمائله، وحاله. له لسان في التوحيد يختص به، ومقام في التجريد، والتفريد لم يشاركه فيه أحد بعده، وهو أستاذ العراقيين، وبه تأدب من تأدب منهم صحب الشبلي، وإليه كان ينتمي، وصحب غيره من المشايخ، وكان رضي الله عنه يقول: مكثت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقول من الشيطان الرجيم حتى يحضر كلام الحق. قلت: ولعل هذا وقع منه قبل الكمال فإن الكمال يقرأ المراتب، ولا ينفي منها شيئا، وقد أمر الله عز وجل أشرف المرسلين صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان فلو كان عدد شهوده كمالا لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: عرضوا، ولا تصرحوا التعريض أستر، رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله أحمد بن عطاء بن أحمد الروذباري رحمه الله تعالى ابن أخت أبي علي الروذباري

Bölüm V01/P105

رضي الله عنه شيخ الشام في وقته يرجع إلى أحوال يختص بها، وأنواع من العلوم من علم الشريعة، والقرآن، وعلم الحقيقة، وأخلاق، وشمائل تفرد بها، وتعظيم للفقر، وصيانته، وملازمة آدابه، ومحبة الفقراء، والميل إليهم، والرفق بهم مات بصور سنة تسع، وستين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: أهل الغيبة إذا شربوا طاشوا، وأهل الحضور إذا شربوا عاشوا، وكان يقول: أقبح من كل قبيح صوفي شحيح. قلت: والمراد هنا بالشح أن يمنع بخلا لا على وجه الحكمة فإن المنع لبعض الناس من أخلاق الله عز وجل فافهم، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: التصوف ينفي عن صاحبه البخل، وكتابة الحديث تنفي عن صاحبها الجهل فإذا اجتمعا في شخص فناهيك به مقاما، وكان يقول في مجالسة الأضداد ذوبان الروح وفي مجالسة الأشكال تلقيح العقول، وكان رضي الله عنه يقول: من هدم الأولياء بلا أدب هلك، وكان يقول ليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، وليس كل من يصلح للمؤانسة يؤتمن على الأسرار فإنه لا يؤتمن على الأسرار إلا الأمناء، والسلام. وكان رضي الله عنه من عادته إذا ذهب لمكان أن يمشي على أثر الفقراء لا يتقدمهم رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الحسن الروغندي رضي الله تعالى عنه من أجلة مشايخ طوس صحب أبا عثمان الحيري، وطائفة من طبقته من المشايخ، وكان قد صار أوجد وقته في طريقته، وظهرت له آيات، وكرامات، وكان مجردا على الحال كبير الهمة. مات بعد الخمسين والثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: من ترك الدنيا للدنيا فهو من علامة حبه جمع الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول: من ضيع حق الله تعالى في صغره أذله الله في كبره. قلت: محل ذلك إذا لم يقع منه توبة مقبولة، ومعنى إذلال الله له استحقاقه للإذلال وقد لا يقع وكان رضي الله عنه يقول: إياك والتمييز في الخدمة فإن أرباب التمييز قد مضوا أخدم الكل ليحصل لك المراد، ولا يفوتك المقصود، وما رأينا أحدا خدم الفقراء إلا ولحقته بركاتهم، وربح العز في الدنيا قبل الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: الزاهد في حظ نفسه والصوفي في حظ ربه، وكان رضي الله عنه يقول: ينزل الله عز وجل على كل عبد من البلاء بحسب ما وهبه من المعرفة في ذلك لتكون معرفته عونا له على بلائه فأعلاهم معرفة أكثرهم بلاء، وأقلهم معرفة أقلهم بلاء، وكان رضي الله عنه يقول: ما جزع النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا لأمته فإنه بعث بالرأفة، والرحمة فكان إذا كوشف له عن أمته أنهم يقعون في مخالفة جزع لهم، وعليهم قال تعالى: " عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " " التوبة 128 " وكان رضي الله عنه يقول: لا تصح الأحوال إلا إن كانت عن نتائج العلم فلولا العلم ما خاف القلب، ولا اطمأن، ولا سكن رضي الله عنه. ومنهم أبو الحسن علي بن بندار بن الحسين الصوفي هو من أجلة مشايخ نيسابور، ومقدميهم رزق من رؤية المشايخ، وصحبتهم ما لم يرزق غيره صحب بنيسابور أبا عثمان ومحفوظا، وببغداد الجنيد، ورويما، وسمنونا، وابن عطاء، والجريري، وبالشام المقدسي، وابن الجلاء، وبمصر أبا بكر المصري، والزقاق، والروذباري، وكتب الحديث الكثير، ورواه، وكان ثقة، وكان يقول لمن يدخل بلده، ويبدأ بالمحدثين، والعلماء قبله شغلتك السنة عن الفريضة لأن الصوفية ينظفون محل العلم من قلبك ليصلح قلبك لإقامة العلم فيه، وسئل رضي الله عنه عن التصوف فقال هو إسقاط رؤية الخلق ظاهرا، وباطنا، وكان رضي الله عنه يقول: فساد القلوب على حسب فساد الزمان، وأهله وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل الفقير حتى يكتم فقره، ويكتم عن إخوانه رضاه به، وأنسه، وفرحه به، وكان رضي الله عنه يقول: زمان يذكر فيه أمثالنا بالصلاح لا يرجى فيه الصلاح، وكان إذا لقي أحدا ممن لقي من المشايخ من لم يلقه يقبل يده ولا يمشي إلا وراءه، ويقول: إنك لقيت فلانا، وأنا لم ألقه. رضي الله عنه.

Bölüm V01/P105–V01/P106

ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر النيسابوري رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه يقول: من أفتى مشايخ نيسابور في وقته صحب أبا عثمان الحيري ومات قبل الستين، والثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه: الفتوة حسن الخلق، وبذل المعروف إلى كل بر، وفاجر، وكان رضي الله عنه يقول: إذا شهد فيكم أحد بشر فخافوا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين: أنتم شهداء الله في الأرض. قلت: وهذا باب أغفله كثير من الفقراء فلا يعبئون بمن يجرحهم استنادا إلى الإكتفاء بما يعلمه الله منهم، وهو مقصور عن درجة العرفان، فإن الله تعالى زكى من جرحهم وسماهم شهداء الله، فيجب تصديقهم بما أخبروا به فافهم، والله أعلم. ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمدون القراد رضي الله تعالى ورحمه كبار مشايخ نيسابور صحب أبا علي الثقفي، وعبد الله بن منازل، والشبلي، وأبا بكر بن طاهر، وغيرهم من المشايخ، وكان أوحد، وقته في طريقته، ومن كلامه رضي الله عنه كتمان الحسنات أولى من كتمان السيئات، فإنه بذلك يرجو النجاة، وكان رضي الله عنه يقول: لن يدخل نور المعرفة قلبا من القلوب حتى يؤثر صاحبه الحق تعالى على كل شيء رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله وأبو القاسم ابنا أحمد بن محمد المقري رضي الله عنهم فأما أبو عبد الله فإنه صحب يوسف بن الحسين الرازي، وعبد الله الخراز الرازي، ومظفرا القرميسيني، ورويما، والجريري وابن عطاء، وكان من أفتى المشايخ، وأسخاهم، وأحسنهم خلقا، وأعلاهم همة مات رضي الله عنه سنة ست وستين وثلاثمائة، وأما أبو القاسم، فكان أوحد المشايخ بخراسان في وقته وطريقته عالي الحال شريف الهمة حسن السمت، والوقار في مشيه، وجلوسه صحب بن عطاء، والجريري، وابن أبي سعدان، وابن ممشاد الدينوري، والروذباري، ومات رضي الله عنه سنة ثمان وسبعين، وثلاثمائة بنيسابور. وكان رضي الله عنه يقول: الفقير الصادق هو الذي يملك كل شيء، ولا يملكه شيء يعني أنه لقربه كلى شيء دعا ربه به أجابه فلا يركن لغير الله وكان رضي الله عنه يقول: من أخلاق الفتيان أن يحسن خلقه مع من يبغضه، ويبذل المال لمن يكرهه، ويحسن الصحبة مع من ينفر منه قلبه، وموافقة الإخوان في كل ما لا يخالف العلم، وكان يقول: أوائل بركات الدخول في طريق القوم أن تصدق الصادقين في كل ما أخبروا به عن أنفسهم، وعن مشايخهم فمن توقف في شيء من ذلك حرم بركتهم، وكان رضي الله عنه يقول: العارف هو من شغله معروفه عن النظر إلى الخلق بعين القبول، والرد، وكان رضي الله عنه يقول: من تعزز عن خدمة إخوانه أورثه الله ذلا لا انفكاك له منه أبدا. وكان أبو القاسم رضي الله عنه يقول: السماع على ما فيه من اللطافة فيه خطر عظيم إلا لمن سمعه بعلم عزيز، وحال صحيح، ووجد غالب من غير حظ له فيه رضي الله عنه. ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد الراسبي رضي الله تعالى عنه ورحمه

Bölüm V01/P106–V01/P107

بغدادي الأصل من أجلة مشايخهم صحب ابن عطاء، والجريري، ورحل إلى الشام ثم عاد إلى بغداد، ومات بها سنة سبع وستين وثلاثمائة، وكان يقول: إذا امتحن القلب بالتقوى ترحل عنه حب الدنيا، وحب الشهوات، واطلع على المغيبات، ومن لم يمتحن قلبه بالتقوى لا يبرح عن حب الدنيا، ولم يزل محجوبا عن المغيبات قلت: ولذلك استعمل النصابون الرياضات لاستخدام الجان ليخبروهم بالمغيبات حين عدموا الصدق في الزهد في الدنيا فأخطئوا، ومقتوا نسأل الله السلامة لنا، ولإخواننا المسلمين فيما بقي من العمر إنه سميع مجيب، وكان رضي الله عنه يقول: المحبة إذا ظهرت افتضح فيها المحب، وإذا كتمت قتلت المحب كمدا، وكان يقول: خلق الله الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام للمجالسة، وخلق العارفين للمواصلة، وخلق الصالحين للملازمة، وخلق المؤمنين للمجاهدة، والعبادة، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " تريديون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة " جمع بين إرادتين فمن أراد الدنيا دعاه الله إلى الآخرة، ومن أراد الآخرة دعاه الله إلى قربه قال تعالى: " ومن أراد الآخرة وسعى لها سخيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا " " الإسراء: 19 " والسعي المشكور هو البلوغ إلى منتهى الآمال من القرب، والدنو، وكان رضي الله عنه يقول: من البلاء العظيم صحبتك من لا يوافقك، ولا تستطيع تركه رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدينوري رضي الله تعالى عنه من أجلة المشايخ، وأكبرهم حالا وأعلاهم همة وأفصحهم في علوم هذه الطائفة مع ما كان يرجع إليه من صحة الفقر، والتزام آدابه، ومحبة أهله، وأقام بوادي القرى سنين ثم عاد إلى دينور، ومات بها، وكان رضي الله عنه يقول: صحبة الأصاغر مع الأكابر من التوفيق، والفطنة، ورغبة الأكابر في صحبة الأصاغر من الخذلان، والحمق. وكان رضي الله عنه يقول: لا يغرنك من الفقراء ما ترى عليهم من هذه اللبسة الظاهرة فإنهم ما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن، وكان يقول: تعب الزهد على البدن، وتعب المعرفة على القلب، وكان رضي الله عنه يقول: أرفع العلوم علم الأسماء، والصفات، وإخلاص أعمال الظواهر تصحيح أحوال البواطن، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت في بعض أسفاري رجلا يقفز بإحدى رجليه فقلت له: مالك وللسفر مع فقدان الآلة فقال: أمسلم أنت؟ فقلت: نعم فقال: أما تقرأ قوله تعالى: " وحملناهم في البر والبحر " " الإسراء 70 " إذا كان هو الحامل حمل بلا آلة لاستغنائه تعالى عنها، وكان رضي الله عنه يقول: إن كثرة الكلام تنشف الحسنات كما تنشف الأرض بعد الماء رضي الله عنه. ومنهم أبو صالح سيدي عبد القادر الجيلي رضي الله تعالى عنه

Bölüm V01/P107

وهو ابن موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين ولد رضي الله عنه سنة سبعين وأربعمائة، وتوفي سنة إحدى وستين وخمسمائة، ودفن ببغداد رضي الله تعالى عنه وقد أفرده الناس بالتآليف، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ملخص ما قالوه مما به نفع، وتأديب للسامع فنقول وبالله التوفيق: كان رضي الله عنه يقول: عثر الحسين الحلاج فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده، وأنا لكل من عثر مركوبه من أصحابي، ومريدي ومحبي إلى يوم القيامة آخذ بيده يا هذا فرسي مسرج ورمحي منصوب، وسيفي شاهر وقوسي موتر أحفظك، وأنت غافل، وحكى عن أمه رضي الله عنها، وكان لها قدم في الطريق أنها قالت لما وضعت ولدي عبد القادر كان لا يرضع ثديه في نهار رمضان، ولقد غم على الناس هلال رمضان فأتوني وسألوني عنه فقلت لهم: إنه لم يلتقم اليوم له ثديا ثم اتضح أن ذلك اليوم كان من رمضان، واشتهر ببلدنا في ذلك الوقت أنه ولد للأشراف ولد لا يرضع في نهار رمضان، وكان رضي الله عنه يلبس لباس العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة وترفع الغاشية بين يديه، ويتكلم على كرسي عال، وربما خطا في الهواء خطوات على رؤوس الناس. ثم يرجع إلى الكرسي، وكان رضي الله عنه يقول: بقيت أياما كثيرة لم أستطعم فيها بطعام فلقيني إنسان أعطاني صرة فيها دراهم فأخذت منها خبزا سميذا، وخبيصا فجلست كله فإذا برقعة مكتوب فيها قال الله تعالى في بعض كتبه المنزلة " إنما جعلت الشهوات لضعفاء خلقي ليستعينوا بها على الطاعات أما الأقوياء فما لهم وللشهوات " فتركت الأكل، وانصرفت. وكان رضي الله عنه يقول: إنه لترد على الأثقال البهثيرة لو وضعت على الجبال تفسخت فإذا كثرت علي الأثقال وضعت جنبي على الأرض، وتلوت فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال. وكان رضي الله عنه يقول: قاسيت الأهوال في بدايتي فما تركت هولا إلا ركبته وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خريقة وكنت أمشي حافيا في الشوك وغيره وكنت أقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من شاطئ النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من الله تعالى الحال فإذا طرقني صرخت، وهمت على وجهي سواء كنت في صحراء أو بين الناس، وكنت أتظاهر بالتخارس، والجنون، وحملت إلى البيمارستان، وطرقتني مرة الأحوال حتى مت، وجاءوا بالكفن، والغاسل، وجعلوني على المغتسل ليغسلوني ثم سري عني وقمت وقال له رجل مرة كيف الخلاص من العجب فقال رضي الله عنه: من رأى الأشياء من الله، وأنه هو الذي وقفه لعمل الخير، وأخرج نفسه من البين فقد سلم من العجب. وقيل له مرة مالنا لا نرى الذباب يقع على ثيابك فقال: أي شيء يعمل الذباب عندي، وأنا ما عندي شيء من دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة. وكان رضي الله عنه يقول: أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفف الله عنه العذاب يوم القيامة، وكان رجل يصرخ في قبره، ويصيح حتى آذى الناس فأخبروه به فقال: إنه رآني مرة، ولا بد أن الله تعالى يرحمه لأجل ذلك فمن ذلك الوقت ما سمع له أحد صراخا. وتوضأ رضي الله عنه يوما فبال عليه عصفور فرفع رأسه إليه، وهو طائر فوقع ميتا فغسل الثوب ثم باعه، وتصدق بثمنه، وقال هذا بهذا، وكان رضي الله عنه يقول: يا رب كيف أهدي إليك روحي، وقد صح بالبرهان أن الكل لك وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علما، وكانوا يقرءون عليه في مدرسته درسا من التفسير، ودرسا من الحديث ودرسا من المذهب، ودرسا من الخلاف، وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، والنحو وكان رضي الله عنه يقرأ القرآن بالقراءات، بعد الظهر.

Bölüm V01/P107–V01/P108

وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه، ورفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق الثلاث إنه لا بد أن يعبد الله عز وجل عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها فماذا يفعل من العبادات فأجاب على الفور يأتي مكة ويخلي له المطاف، ويطوف سبعا وحده، وينحل يمينه فأعجب علماء العراق، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها، ورفع له شخص ادعى أنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه فقال: أحق ما يقولون عنك. فقال: نعم فانتهره، ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل للشيخ أمحق هذا أم مبطل فقال هذا محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال. ثم خرق من بصيرته إلى بصره لمعة فرأى بصره ببصيرته، وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأى ما شهده ببصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فقط، وهو لا يدري قال الله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان، وكان جمع من المشايخ، وأكابر العلماء حاضرين هذه الواقعة فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل، ومزق جماعة ثيابهم، وخرجوا عرايا إلى الصحراء، وكان رضي الله عنه يقول: تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ثم تدلى فيه صورة تناديني يا عبد القادر أنا ربك، قد حللت تلك المحرمات فقلت اخسأ يا لعين فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان ثم خاطبني يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بأمر ربك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقلت لله الفضل فقيل له كيف علمت أنه شيطان قال بقوله وقد حللت لك المحرمات. وسئل رضي الله عنه عن صفات الموارد الإلهة، والطوارق الشيطانية فقال الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب بسبب، ولا يأتي على نمط واحد، ولا في وقت مخصوص، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالبا. وسئل رضي الله عنه عن الهمة فقال: هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حب الدنيا، وبروحه عن التعلق بالعقبى، وبقلبه عن إرادته مع إرادة المولى، ويتجرد بسره عن أن يلمح الكون أو يخطر على سره، وسئل رضي الله عنه عن البكاء فقال: ابك له وابك منه وابك عليه، ولا حرج. وسئل رضي الله عنه عن الدنيا فقال: أخرجها من قلبك إلى يدك فإنها لا تضرك. وسئل رضي الله عنه عن الشكر فقال: حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، ومشاهدة المنة، وحفظ الحرمة على وجه معرفة العجز عن الشكر وكان يقول: الفقير الصابر مع الله تعالى، أفضل من الغني الشاكر له والفقير الشاكر أفضل منهما والفقير الصابر الشاكر أفضل منهم وما خطب البلاء إلا من عرف المبلى وسئل رضي الله عنه عن حسن الخلق فقال هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق واستصغار نفسك، وما منها معروفة بعيوبها، واستعظام الخلق، وما منهم نظروا إلى ما أودعوا من الإيمان والحكم. وسئل رضي الله عنه عن البقاء فقال: البقاء لا يكون إلا مع اللقاء واللقاء يكون كلمح البصر أو هو أقرب، ومن علامة أهل اللقاء أن لا يصحبهم في وصفهم به شيء فان لأنهما ضدان، وكان يقول متى ذكرته فأنت محب، ومتى سمعت ذكره لك فأنت محبوب، والخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك، رما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك، ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أذكياء بغداد يمتحنونه في العلم فجمع كل واحد له مسائل، وجاء إليه فلما استقر بهم المجلس أطرق الشيخ فظهرت من صدره بارقة من نور فمرت على صدور المائة فمحت ما في قلوبهم فبهتوا، واضطربوا، وصاحوا صيحة، واحدة، ومزقوا ثيابهم، وكشفوا رؤوسهم ثم صعد الكرسي.

Bölüm V01/P108–V01/P109

وأجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله، وكان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره الصغير، والجارية، ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم وكان لا يقوم في لأحد من العظماء ولا أعيان الدولة، ولا ألم قط بباب وزير، ولا سلطان، وكان الشيخ علي بن الهيتي رضي الله عنه يقول عن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه: كان قدمه على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء، وكان الشيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه يقول: كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح، واتخاد الباطن، والظاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع، والضرر، والقرب والبعد، وكان الشيخ بقاء بن بطو رضي الله عنه يقول: كان طريق الشيخ عبد القادر رضي الله عنه اتحاد القول، والفعل، والنفس، والوقت ومعانقة الإخلاص، والتسليم، وموافقة الكتاب، والسنة في كل نفس، وخطرة ووارد، وحال الثبوت مع الله عز وجل، وفي روايه كانت قوة الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في طريقه إلى ربه كقوى جميع أهل الطريق شدة ولزوما، وكانت طريقته التوحيد وصفا، وحكما، وحالا وتحقيقه الشرع ظاهرا، وباطنا، ووصفه قلب فارغ، وكون غائب، ومشاهده رب حاضر بسريرة لا تتجاذبها الشكوك، وسر لا تنازعه الأغيار، وقلب لا تفارقه البقايا رضي الله عنه. وكان أبو الفتح الهروي رضي الله عنه يقول: خدمت الشيخ عبد القادر رضي الله عنه أربعين سنة فكان في مدتها يصلي الصبح بوضوء العشاء، وكان كلما أحدث جدد في وقته وضوءه ثم يصلي ركعتين، وكان يصلي العشاء ويدخل خلوته، ولا يمكن أحدا أن يدخلها معه فلا يخرج منها إلا عند طلوع الفجر ولقد أتاه الخليفة يريد الاجتماع به ليلا فلم يتيسر له الاجتماع إلى الفجر قال الهروي: وبت عنده ليلة فرأيته يصلي أول الليل يسيرا ثم يذكر الله تعالى إلى أن يمضي الثلث الأول يقول المحيط: الرب الشهيد الحسيب الفعال الخلاق الخالق البارئ المصور فتتضاءل جثته مرة، وتعظم أخرى، ويرتفع في الهواء إلى أن يغيب عن بصري مرة ثم يصلي قائما على قدميه يتلو القرآن إلى أن يذهب الثلث الثاني، وكان يطيل سجوده جدا ثم يجلس متوجها مشاهدا مراقبا إلى قريب طلوع الفجر ثم يأخذ في الدعاء، والابتهال والتذلل، ويغشاه نور يكاد يخطف الأبصار إلى أن يغيب فيه عن النظر قال، وكنت أسمع عنده سلام عليكم سلام عليكم وهو يرد السلام إلى أن يخرج لصلاة الفجر، وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يقول: أقمت في صحراء العراق، وخرائبه خمسا وعشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني يأتيني طوائف من رجال الغيب، والجان أعلمهم الطريق إلى الله عز وجل. ورافقني الخضر عليه السلام في أولى دخولي العراق، وما كنت عرفته، وشرط أن لا أخالفه وقال لي اقعد هنا فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرة ويقول لي مكانك حتى آتيك قال: ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ، ولا أشرب الماء، ومكثت فيها سنة أشرب الماء، ولا آكل المنبوذ وسنة لا آكل، ولا أشرب، ولا أنام، ونمت مرة بإيوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت، وذهبت إلى الشط، واغتسلت ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشط، واغتسلت قوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرة، وأنا أغتسل ثم صعدت إلى الإيوان خوف النوم، دخلت في ألف فن حتى أستريح من دنياكم، وكان رضي الله عنه يرى الجلوس على بساط الملوك، ومن داناهم من العقوبات المعجلة للفقير، وكان رضي الله عنه إذا جاءه خليفة أو وزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له إعزازا للطريق في أعين الفقراء، واجتمع عنده جماعة من الفقراء، والفقهاء في مدرسة النظامية فتكلم عليهم في القضاء، والقدر فبينما هو يتكلم إذا سقطت عليه حية من السقف ففر منها كل من كان حاضرا عنده.

Bölüm V01/P109–V01/P110

ولم يبق إلا هو فدخلت الحية تحت ثيابه، ومرت على جسمه، وخرجت من طوقه، والتوت على عنقه، وهو مع ذلك لا يقطع كلامه، ولا غير جلسته ثم نزلت على الأرض، وقامت على ذنبها بين يديه فصوتت ثم كلمها بكلام ما فهمه أحد من الحاضرين ثم ذهبت فرجع الناس، وسألوه عما قالت فقال: قالت لي: لقد اختبرت كثيرا من الأولياء فلم أر مثل ثباتك فقلت لها: وهل أنت إلا دويدة يحركك القضاء، والقدر الذي أتكلم فيه قال الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ثم إنها جاءتني بعد ذلك، وأنا أصلي ففتحت فمها موضع سجودي فلما أردت السجود دفعتها بيدي، وسجدت فالتفت على عنقي ثم دخلت من كمي. وخرجت من الكم الآخر ثم دخلت من طوقي ثم خرجت فلما كان الغد دخلت خربة فرأيت شخصا عيناه مشقوقتان طولا فعلمت أنه جني فقال لي أنا الحية التي رأيتها البارحة، ولقد اختبرت كثيرا من الأولياء بما اختبرتك به فلم يثبت أحد منهم لي كثباتك، وكان منهم من اضطرب باطنه، وثبت ظاهره، ومنهم من اضطرب ظاهرا، وباطنا، ورأيتك لم تضطرب ظاهرا ولا باطنا، وسألني أن يتوب على يدي فتوبته، وكان رضي الله عنه يقول: ما ولد لي قط مولود إلا أخذته على يدي وقلت: هذا ميت فأخرجه من قلبي أول ما يولد قال ابن الأحض رحمه الله تعالى، وكنا ندخل على الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في الشتاء، وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، والعرق يخرج من جسده، وحوله من يروحه بمروحة كما يكون في شدة الحر. وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه اتبعوا، ولا تبتدعوا وأطيعوا، ولا تخالفوا، واصبروا، ولا تجزعوا، واثبتوا، ولا تتمزقوا، وانتظروا، ولا تيأسوا، واجتمعوا على الذكر، ولا تتفرقوا، وتطهروا عن الذنوب، ولا تتلطخوا، وعن باب مولاكم لا تبرحوا، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ابتلى أحدكم ببلية فليحرك أولا لها نفسه فإن لم يخلص منها فليستعن بغيره من الأمراء، وغيرهم فإن لم يخلص فليرجع إلى ربه بالدعاء، والتضرع، والانطراح بين يديه فإن لم يجبه فليصبر حتى ينقطع عنه جميع الأسباب، والحركات، ويبقى روحا فقط لا يرى إلا فعل الحق جل، وعلا فيصير موحدا ضرورة، ويقطع بأن لا فاعل في الحقيقة إلا الله فإذا شهد ذلك تولى أمره الله فعاش في نعمة ولذة فوق لذة ملوك الدنيا لا تشمئز نفسه قط من مقدور قدره الله عليه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مت عن الخلق قيل لك رحمك الله، وأماتك عن هواك فإذا مت عن هواك قيل لك رحمك الله، وأماتك عن إرادتك، ومناك فإذا مت عن إرادتك، ومناك قيل لك رحمك الله وأحياك فحينئذ تحيا حياة طيبة لا موت بعدها، وتغنى غنى لا فقر بعده، وتعطى عطاء لا منع بعده، وتعلم علما لا جهل بعده وتأمن أمنا لا تخاف بعده، وتكون كبريتا أحمر لا يكاد يرى وكان رضي الله عنه يقول: أفن عن الخلق بحكم الله تعالى وعن هواك بأمر الله، وكان رضي الله عنه يقول: إشراك الخواص أن يشركوا إرادتهم بإرادة الحق على وجه السهو، والنسيان وغلبة الحال، والدهشة فيتداركهم الله باليقظة، والتذكير فيرجعوا عن ذلك، ويستغفروا ربهم إذ لا معصوم من هذه الارادة إلا الملائكة كما عصم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبقية الخلق من الجن، والإنس المكلفين لم يعصموا منها غير أن الأولياء يحفظون عن الهوى، والأبدال عن الإرادة، وكان رضي الله عنه يقول: اخرج عن نفسك، وتنح عنها، وانعزل عن ملكك، وسلم الكل إلى مولاك، وكن بوابه على باب قلبك فأدخل ما يأمرك بإدخاله، وأخرج ما يأمرك بإخراجه، ولا تدخل الهوى قلبك فتهلك، وكان رضي الله عنه يقول: احذر، ولا تركن، وخف ولا تأمن وفتش، ولا تفعل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالا ولا مقالا ولا تدع شيئا من ذلك، ولا تخبر أحدا به فإن الله تعالى كل يوم هو في شأن في تغيير، وتبديل يحول بين المرء، وقلبه فيزلك عما أخبرت به، ويعز لك عما تخيلت ثباته فتخجل عند من أخبرته بذلك بل احفظ ذلك، ولا تعده إلى غيرك فإن كان الثبات، والبقاء فتعلم أنه موهبة فتشكر، واسأل الله التوفيق، وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم، ومعرفة، ونور، وتيقظ، وتأديب قال تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " " البقرة: 106 " وكان رضي الله عنه يقول: إذا أقامك الله تعالى في حالة فلا تختر غيرها أعلى منها أو أدنى منها. قلت: أما طلب الأدنى فظاهر لاستبداله الأدنى بالذي هو خير منه، وأما في الأعلى فلما يطرق الطالب للعلو من الهوى، والإدلال فالنهي في كلام الشيخ رضي الله عنه لمن لم يخرج عن هوى نفسه أما من خرج عن ذلك فله السؤال في مراتب الترقي عبودية محضة، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إن كنت تريد دخول دار الملك فلا تختر الدخول إلى الدار بالهوى حتى يدخلك إليها جبرا أعني بالجبر أمرا عنيفا متكررا، ولا تقنع بمجرد الأمر بالدخول لجواز أن يكون ذلك بمكر أو خديعة لكن اصبر حتى تجبر على الدخول فتدخل الدار جبرا محضا، وفضلا من الملك فحينئذ لا يعاقبك الملك على فعله، وإنما تتطرق إليك العقوبة من شؤم شرك، وقلة صبرك، وسوء أدبك، وترك الرضا بحالتك التي أقامك الحق فيها ثم إذا دخلت الدار فكن مطرقا غاضا بصرك متأدبا محافظا لما تؤمر به من الخدمة غير طالب للترقي إلى الطبقة الوسطى، ولا إلى الذروة العليا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: " لا تمدن عينيك " " الحجر: 88 " الآية.

Bölüm V01/P110–V01/P111

وكان رضي الله عنه يقول: لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلوى فإن النعماء واصلة إليك بالقسمة استحليتها أم كرهتها، والبلوى حالة بك، ولو كرهتها، ودفعتها فسلم لله تعالى في الكل يفعل ما يشاء فإن جاءتك النعماء فاشتغل بالذكر، والشكر، وإن جاءتك البلوى فاشتغل بالصبر، والموافقة، والرضا والتنعم بها، والعدم، والفناء عنها على قدر ما تعطي من الحالات، وتنتقل فيها حتى تصل إلى الرفيق الأعلى، وتقام في مقام من تقدم، ومضى من الصديقين، والشهداء فلا تجزع من البلوى، ولا تقف بدعائك في وجهها، وقربها فليس نارها أعظم من نار جهنم وفي الخبر إن نار جهنم تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وليس نور المؤمن الذي أطفأ لهب النار إلا الذي صحبه في دار الدنيا وتميز به عمن عصى فليطفئ بهذا النور لهب البلوى فإن البلية لم تأت العبد لتهلكه، وإنما تأتيه لتختبره، وكان رضي الله عنه يقول: لا تشكون لأحد ما نزل بك من ضر كائنا ما كان صديقا أو قريبا، ولا تتهمن ربك قط فيما فعل فيك، ونزل بك من إرادته بل أظهر الخير، والشكر، ولا تسكن بر أحد من الخلق، ولا تستأنس به ولا تطلع أحد على ما أنت فيه لا فاعل سوى ربك " وكل شيء عنده بمقدار - إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " واحذر أن تشكو الله وأنت معافى وعندك نعمة ما طلبا للزيادة، وتعاميا لما له عندك من النعمة والعافية ازدراء بها فربما فضب عليك، وأزالها عنك، وحقق شكواك، وضاعف بلاءك، وشدد عليك العقوبة، رفقتك، وأسقطك من عينه، وأكثر ما ينزل بابن آدم من البلايا لشكواه من ربه عز وجل.

Bölüm V01/P111

وكان رضي الله عنه يقول: لا يصلح لمجالسة الملوك إلا المطهر من رجس الزلات، والمخالفات، ولا تقبل أبوابه تعالى إلا طيبا من الدعاوي، والهوسات، وأنت يا أخي غارق ليلا، ونهارا في المعاصي، والقاذورات، ولذلك ورد " حمى يوم كفارة سنة " فالأمراض، والشدائد جعلها الله تعالى مطهرات لك لتصلح لقربه، ومجالسته لا غير، وقد ورد أيضا " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى، وذلك ليكونوا أبدا في الحضرة، ويمتنعوا من الميل إلى غير الله تعابى ثم إذا دام البلاء بالعبد قوي قلبه، وضعف هواه، وكان رضي الله عنه يقول: ارض بالدون، ولا تنازع ربك في قضائه فيقصمك، ولا تغفل عنه فيسلمك ولا تقل في دينه بهواك فيرديك، ولا تسكن إلى نفسك فتبلى بها، وبمن هو شر منها، ولا تظلم أحدا ولو بسوء ظنك به، وحملك له على محامل السوء فإنه لا يجاوز بك ظلم ظالم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبه فاعرض أفعاله على الكتاب، والسنة فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه، وإن كانت مكروهة فاكرهه لئلا تحبه بهواك، وتبغضه بهواك قال تعالى: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " ص: 26 " ولا تهجر أحدا إلا لله، وذلك إذا رأته مرتكبا كبيرة أو مصرا على صغيرة. قلت: ومعنى رأيته مرتكبا كبيرة: العلم بذلك، ولو ببينة فلا يشترط في جواز الهجر رؤية الهاجر لذلك العاصي ببصره، ولذلك قال سيدي على الخواص رضي الله عنه شرط جواز الهجر علم الهاجر بوقوع المهجور فيما هجر لأجله يقينا لا ظنا، وتخمينا فلا يجوز لك الهجر من غير تحقق، وتثبت، وهذا الباب هلك فيه خلق كثير، ولم يموتوا حتى ابتلاهم الله تعالى بما رموا به الناس، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إذا أحب الله عبدا لم يزد له مالا، ولا ولدا وذلك ليزول اشتراكه في المحبة لربه تعالى، والحق غيور لا يقبل الشركة. قلت: فإن بلغ الولي إلى مقام لا يشغله عن الله شاغل فلا بأس بالمال، والأولاد وكان رضي الله عنه يقول: لا تطمع أن تدخل زمرة الروحانيين حتى تعادى جملتك، وتباين جميع الجوارح والأعضاء، وتنفرد عن وجودك، وسمعك، وبصرك، وبطشك، وسعيك، وعملك، وعقلك، وجميع ما كان منك قبل، وجود الروح، وما أوجد فيك بعد كنفخ لأن جميع ذلك حجابك عن ربك عز وجل كما قال الخليل للأصنام في قوله تعالى: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " " الشعراء: 77 " فاجعل أنت جملتك، وأجزاءك أصناما مع سائر الخلق، ولا ترى لغير ربك، وجودا مع لزوم الحدود، وحفظ الأوامر، والنواهي فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون قد لعب بك الشيطان فارجع إلى حكم الشرع، والزمه ودع عنك الهوى لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة، وكان رضي الله عنه يقول: كثيرا ما يلاطف الحق تعالى عبده المؤمن فيفتح قبالة قلبه باب الرحمة، والمنة، والإنعام فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من مطالعة الغيوب، والتعريف، والكلام اللطيف، والوعد الجميل والدلائل، والإجابة في الدعاء، والتصديق، والوعد، والوفاء، والكلمات من الحكمة ترمي إلى قلبه، وغير ذلك من النعم الفائقة كحفظ الحدود، والمداومة على الطاعات فإذا اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح الله عليه أنواع البلايا، والمحن في النفس والمال، والولد وزال عنه جميع ما كان فيه من النعم فيصير العبد متحيرا منكسرا إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسره، وإن نظر إلى باطنه رأى ما يحزنه، وإن سأل الله تعالى كشف ما به من الضر لم يرج إجابة، وإن طلب الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا، وإن عمل بالرخص تسارعت إليه العقوبات، وتسلطت الخلائق على جسمه، وعرضه وإن طلب الإقالة لم يقل وإن رام الرضا، والتنعم بما به من البلاء، لم يعط فحينئذ تأخذ النفس في الذوبان، والهوى في الزوال، والإرادات، والأماني في الرحيل، والأكوان في التلاشي فيدام له ذلك ويشدد عليه حتى تفنى أوصاف بشريته، ويبقى روحا فقط فهناك يسمع النداء من قلبه: " أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " " ص: 42 ".

Bölüm V01/P111–V01/P112

وردت عليه

Bölüm V01/P112

جميع الخلع، وأزيد منها وتولى الحق سبحانه وتعالى تربيته بنفسه " فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين " " السجدة: 17 ". وكان رضي الله عنه يقول: ما سأل أحد الناس من دون الله تعالى إلا لجهله بالله وضعف إيمانه، ومعرفته، ويقينه، وقلة صبره، وما تعفف من تعفف عن ذلك إلا لوفور علمه بالله عز وجل، ووفور إيمانه، وحيائه منه سبحانه وتعالى، وكان رضي الله عنه يقول: إنما كان الحق تعالى لا يجيب عبده في كل ما سأله فيه إلا شفقة على العبد أن يغلب عليه الرجاء، والغرة فيتعرض للمكربة، ويغفل عن القيام بأدب الخدمة فيهلك والمطلوب من العبد أن لا يركن لغير ربه والسلام وكان رضي الله عنه يقول: علامة الابتلاء على وجه العقوبة، والمقابلة عدم الصبر عند وجود البلاء والجزع، والشكوى إلى الخلق، وعلامة الابتلاء تكفيرا، وتمحيصا للخطيئات، وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر، والطاعات، وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات، وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس والسكون للأقدار حتى تنكشف، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد الآخرة فعليه بالزهد في الدنيا ومن أراد الله فعليه بالزهد في الآخرى، وما دام قلب العبد متعلقا بشهوة من شهوات الدنيا أو لذة من لذاتها من مأكول أو ملبوس أو منكوح أو ولاية أو رياسة أو تدقيق في فن من الفنون الزائدة على الفرض كرواية الحديث الآن، وقراءة القرآن بالروايات السبع، وكالنحو، واللغة، والفصاحة فليس هذا محبا للآخرة، وإنما هو راغب في الدنيا وتابع هواه، وكان رضي الله عنه يقول: تعام عن الجهات كلها، ولا تعضض على شيء منها فإنك ما دمت تنظر إليها فباب فضل الله عنك مسدود فسد الجهات كلها بتوحيدك، وامحها بيقينك ثم بفنائك ثم بمحوك ثم بعلمك، وحينئذ تفتح من عيون قلبك جهة الجهات، وهي جهة فضل الله الكريم فتراها بعين رأسك فلا تجد بعد ذلك فقرا، ولا غنى وكان رضي الله عنه يقول: كلما جاهدت النفس، وغلبتها، وقتلتها بسيف المجاهدة أحياها الله عز وجل، ونازعتك وطلبت منك الشهوات، واللذات المحرمات منها والمباح لتعود معها إلى المجاهدة، والمقاتلة ليكتب لك نورا، وثوابا دائما وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". وكان رضي الله عنه يقول: كل مؤمن مكلف بالتوقف، والتفتيش عند حضور ما قسم له فلا يتناوله، ويأخذه حتى يشهد له الحكم بالإباحة، والعلم بالقسم كما قال عليه الصلاة والسلام: " المؤمن فتاش والمنافق لفاف " والله تعالى أعلم. ومنهم أبو بكر بن هوار البطائحي رضي الله تعالى عنه