İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
8 ( 4 ) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ( توفي 21 ه - 642 م ) القرشي سيف الله الفاتح الكبير الصحابي » كان من أشراف قريش في الجاهلية » أسلم قبل فتح مكة فسرٌ به رسول الله 2061 262 » 182 « غير إمرة ففتح الله عليه » أظنه قال صلّى الله عليه وسلّم : واللّه « 1 » ما يسروا أنهم عندنا أو ما يسرهم إنهم عندنا » وعيناه تذرفان دموعا » فلله درّهم ؛ لقد حازوا مرتبة شريفة ومنزلة عالية منيفة وتبّا لأمثالنا الذين عميت بصائرهم وأظلمت سرائرهم » فحجبت عنا شموس المعارف » وأوقعتنا في أودية المهالك والمتالف واغتررنا بهذه الدار الغرّارة » الفتانة السحارة » فتشبثت مخالبنا بشباكها » وارتبكنا في مصايدها وأشراكها » من غير شعور منا بحالها » وتزوير محالها , فكنا في قصدنا إليها وتعويلنا عليها بمنزلة ظمآن لاح له سراب حسبه ماء ؛ فلما جاءه لم يجد فيه هناء ولا غناء ! ! ثم مع هذا كله ينتسب إلى الدين » ويدعى كمال المعرفة واليقين » والدخول في بحار أولياء الله المتقين » مع أن أحدنا لو خيّر بين حلول الحين » أو البقاء في الدنيا معلّقا بأشفار العين » لاختار البقاء فيها على هذه الحال » مع كونه لا يحذث نفسه في طاعة بازدياد ؛ ولا عن معصية بانتقال » وهذه كلها أخلاق يهودية ٠ لا تليق بمن ينتسب إلى هذه الملّة المحمدية . قال الله عزّ وجل مخيرا عن حال اليهود » وكاشفا لأسرارهم » وهاتكا لأسفارهم : وَلَتَجِدَنْهُمْ أخرّص النَّاسٍ عَلى حَياةٍ » وَمِنَ الَذِينَ أشرَكُوا يَوَدْ أَحَدْهُمْ لو يُعَمَّرُ ألف سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُرَحْرْحِهِ مِنَ الْعَذابِ أنْ يُعَمّرَ وَالَهُ بَصِيرٌ بما يَعْمَلُونَ[َ البقرة : 96 ] . فلو لم ينه العاقل عن محبته البقاء في هذه الدار » ويأمره بإيثار دار القرار إلا تشبهه باليهود الناقضين للعهود 2 المتهاونين بأوامر المعبود » لكان ذلك أبلغ ناه وآمر ؛» فضالاد عما ورد في ذلك من مواعظ وزواجر » نزع الله عن قلوبنا حجاب الغفلة والغرور . وحمانا عن مشابهة كل ظلوم وكفور » وحبّب إلينا لقاءه » ورزقنا ما ررق أولياءه واصفياءه وأحباءه بمنه وكرمه . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما حجبك عن الله وجود موجود معه . ولكن حجبك عنه توهم موجود معه). تقدّم : أن لا موجود سوى الله تعالى على التحقيق . إن وجود ما سواه إنما هو وهم مجرّد ؛ فلا حاجب لك من الله تعالى إلا توم وجود ما سواه لا غير . والتوقمات باطلة . فلا حاجب لك عن الله تعالى إذن . وقد استوفى المؤلف رحمه الله تعالى ذكر جميع أنواع الاعتبارات في هذا المعنى - عظيما منه » وحوله إلى الشام وجعله أمير من فيها من الأمراء » ثم عزله عمر لكن ذلك لم يثنيه عن القتال فظل يقاتل بين يدي أبي عبيدة إلى أن تم لهما الفتح ( سنة 14 ه ) فرحل إلى المدينة فدعاه عمر ليوليه فأبى » ومات بحمص وقيل : بالمدينة . ( الأعلام 2 / 300 » وتهذيب الكمال 5 / 422 ) . (1 ) أخرجه البخاري ( فضائل الصحابة » 25 ) » ( جنائز 4 » 43 ) » ( جهاد ء 7 ) » مناقب مغازي » 44 ) ؛ ( تفسير سورة » 4 » 9 ) » ( فضائل القرآن 33 » 35 ) » 2063 2064 « 183 » قبل هذا » قال في « لطائف المنن » : « وأشبه شيء بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال » والظل لا موجود ». باعتبار جميع مراتب الوجود .
ولا معدوم باعتبار جميع مراتب العدم » وإذا ثبتت ظلية الآثار لم تنسخ أحدية المؤثر ؛ لآنّ الشيء إنما يشفع بمثله » ويضم إلى شكله » كذلك أيضا من شهد ظلية الآثار لم تعقه عن الله تعالى ؛ فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار . ومن هاهنا يتبين لك أيضا أن الحجاب ليس أمرا وجوديا بينك وبين الله » ولو كان بينك ك وبينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه » ولا شيء أقرب إليك من الله غ فرجعت حقيقة الحجاب إلى توقم الحجاب » فما حجبك عن الله وجود موجود معه » وذلك كرجل بات في مكان وأراد البراز فسمع صوت الرياح من « كوّة » « 1 » هناك فظنه زئير « 2 » أسد فمنعه ذلك عن البراز » فلما أصبح لم يجد هناك أسدا » وإنما هو الريح انضغط في تلك الكوّة » فما حجبه وجود أسد » وإنما حجبه توهّم الأسد . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود أبصار . لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته ) ظهور الحق تعالى من وراء حجاب المكوّنات هو الذي أوجب ظهورها ووقوع الأبصار عليها . ولولا وجود حجابيتها لم يقع عليها أبصار » ولتلاشت ٠ لوجود التجلّي الحقيقي كما قال : « لو ظهرت صذاته اصمحات مكرداته ) يل لم يكن هناك بصي ولا يسبل ولااميصر ؛ كنا جاه 3 الحديث : « حجابه النار » وفي رواية « النور » لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره » « 3 » . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أظهر كلّ شيء لأنه الباطن » وطوى وجود كل شيء ؛ لأنه الظاهر ). من أسمائه تعالى : الظاهر ٠ والباطن ٠ فاسمه الظاهر يقتضي بطون كل شيء حتى لا ظاهر معه فينطوي حينئذ وجود كل شيء » واسمه الباطن يقتضي ظهور كل شيء حتى لا باطن معه » فيظهر إذ ذاك وجود كل شيء » فالحق تعالى هو الموجود بكل اعتبار والحمد لله . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أباح لك أن تنظر ما في المكونات . وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات . و ما أذن لك أن تقف مع ذوات المكوناتء قل انظروا ماذا في السماوات و الأرضء و لم يقل انظروا السماوات و الأرضء. لئلا يدلك على وجود الأجرام ). [ أباح لك أن تنظر إلى المكونات ] قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ولم يقل انظروا السماوات والأرض . فتح لك باب (1 ) الكوة : خرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء ( ج ) كوى . (2 ) الزئير : صوت الأسد . 2065 2066 » 184 « الأجرام « 1 » . أمر الله تعالى بالنظر في المكوّنات ليس لذاتها ؛ لأن في ذلك البعد عن الله تعالى بالنظر إلى ما سواه » ولم يبح هذا » وإنما أمرهم بذلك ليتوصّلوا بنظرهم فيها إليه ؛ » لوجود ظهوره فيها . والإشارة إلى هذا المعنى ب « في » في قوله تعالى اقل انْظْرُوا ما ذا فِي السّماوات وَالْأَرْضٍ[ يوننن :111 فالمعنى المقصود : في وجود الظرفية ومنها يستفاد » وهو معنى قوله : [ فتح لك باب الأفهام ] » فلو أسقطها وقال : انظروا السماوات لكان فيه دلالة على جود الأجرام » وهي أغيار له » وفيها البعد عنه فكيف يدل على ذلك وهو لم يأذن فيه ؟
قال في « لطائف المنن » : « فما نصبت لك الكائنات لتراها » ولكن لترى فيها مولاها » فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها » تراها من حيث ظهوره فيها » ولا تراها من حيث كونيتها ؛ قال : ولنا فى هذا المعنى : ما أبينت لك العوالم إِلّا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الأكوان ثابتة بإثباته وممحؤة بأحدية ذاته ). ْ الأكوان من ذاتها العدم المحض ؛ كما تقدّم » وإنما حصل لها وصف الثبوت بإثبات الله تعالى لها ؛ وجعلها أكوانا فالثبوت لها أمر عرضي ء والحقّ اللازم هو وجود أحدية الله عرّ وجل : ا اذا كانت الوحدة بحيث لا يمكن أن يكرن أنذ ١ لا أكمل منها » فمن مقتضى حقيقتها محّو الأكوان وبطلانها » بحيث لا توجد إذ لو وجدت لم تكن أحدية » ولكان فى ذلك تعدد واثنينية » كما قيل : ' رب وعبد ونفي وضد قلت له ليس ذاك عندي فقال : ما عندكم ؟ فقلنا وجود فقد وفقد وجد توحيد حقٌّ بترك خلق وليس حقّ سواي وحدي وأنشدوا أيضا : سرٌ سرى من جناب القدس أفناني لكن بذاك الفنا عني قد أحياني وردّني للبقا حتى أعبّر عن جمال حضرته لكل هيمان وطرت في ملكوت من عجائبه لم ألق غير وجود ماله ثاني وأنشد المؤلف - رحمه الله تعالى - لنفسه في « لطائف المنن » يوصي رجلا من 267 2068 « 185 » إخوانه اسمه « حسن » فقال : حسن بأن تدع الوجود بأسره حسن فلا يشغلك عنه شاغل ولئن فهمت لتعلمنٌ بأنه لا ترك إلا للذي هو حاصل ومتى شهدت سواه فاعلم أنه من وهمك الأدنى وقلبك ذاهل كسب الآله شبهوده اوحوده والله يعلم ها يقول القائل ولقد أشرت إلى الصريح من الهدى دلت عليه - إن فهمت - دلائل وحديث كان وليس شيء غيره يقضي به الآن اللبيب العاقل لا غرو إلا نسبة مثبوتة ليذم ذو ترك » ويحمد فاعل 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (الناس يمدحونك لما يظنونه فيك فلتكن أنت ذاما لنفسك ؛ لما تعلمه منها ). [الناس يمدحونك بما يظنونه فيك؛ فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها. ] ذم العبد لنفسه واحتقارها لما يحققه من عيوبها وآفاتها مطلوب منه ؛ لأن ذلك يؤدّيه إلى الحذر من غرورها وشرورها . فتصلح بسبب ذلك أعماله وتصدق أحواله » وإلّا فسدت عليه واعتلت ؛ لدخول الآفات عليها » ولا يصدنه عن ذلك ثناء الناس عليه ومدحهم له ؛ لأنه يعلم من عيوب نفسه مما لا يعلمه غيره ثم إنهم لما قاموا بحقّ ما يجب عليهم من المدح له وحسن الظن به فينبغي أيضا أن يقوم هو بحق ما يجب عليه من اتهام نفسه وسوء اعتقاده فيها . قال بعضهم : « من فرح بمدح نفسه » فقد أمكن الشيطان أن يدخل في بطنه » . وقال آخره : « إذا قيل لك نعم الرجل أنت ؛ فكان أحبّ إليك من أن يقال بئس الرجل أنت » فأنت واللّه ببس الرجل » . / / وقيل لبعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم : « لن يزال الناس بخير ما أبقاك الله فيهم » فغضب » وقال : إني لأحسبك عراقيا » . ردك ممعي لا عع ١ ا 1 7132 وقال آخر : « اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون » ولا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون » . ل ل ل اه 0 الخلائق ؛ لأن الممدوح هو المقرّب عند الله تعالى » والمذموم على الحقيقة هو المبعد عند الله تعالى ٠ الملقى في النار مع الأشرار .
فهذا الممدوح إن كان عند الله تعالى من أهل النار فما أعظم جهله إذ فرح بمدح غيره » وإن كان ل ا جد المرح و لتكل بها ينه من أمر كيه > ا ا 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2069 200 » 186 « المؤمن الحقيقي هو الذي لا يشهد من نفسه صفة محمودة يستحق بها أن يمدح أو يثنى عليه . وإنما بشهد ذلك من رئه عر وجل . فإذا أنتى الداس عليه ؛ وذكروا محاسنه استحيا من الله تعانى استحياء تعظيم وإجلال أن يثنى عليه بصفة ليست فيه فيزداد بذلك مقتا لنفسه واستحقارا لها ونفورا عنها » ويقوى عنده رؤية إحسان الله تعالى إليه » وشهود فضله في إظهار المحاسن عليه » وهذا هو الشكر الذي ينال به المزيد مع سلامته مع السكون إلى ثناء العبيد . أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس . الاغترار بمدح الناس وثنائهم غاية في الجهل والغباوة » وذلك من علامات المقت ؛ لأن المغترٌ بذلك ترك يقينه بنفسه لظن غيره به » وهو على كل حال أعلم بنفسه . وقد شبّه الحارث المحاسبي رضي الله عنه الراضي بالمدح من الناس بالباطل بمن يهزأ به » ويقال له إن العذرة « 1 » التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك » وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به ! ! قلت : ولا شك أن الذنوب والعيوب التي يعلمها العبد من نفسه أنتن وأقذر من العذرة التي تخرج من جوفه » ولا فرق بين الحالين » إِلَّا أنه في حال المدح يعلم أن المادح لم يشاركه في معرفة ذنوبه وعيوبه مشاركة ذلك المستهزىء للمستهزأ به في معرفة حال ما يخرج من جوفه » فهو بجهله وغباوته قد رضي بأن يكون له في قلوب العباد الجاهلين بحاله قدر وجاه من غير مبالاته بسقوطه من عين مولاه الذي يعلم من حاله ما لا يعلمه هو ولا غيره من حيث رضي بالمدحة وفرح بها ولم يقابل ذلك بالإباء والكراهية . ل ل ل بمدحهم والفرح به . قال يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه : « تزكية الأشرار هجنة « 2 » بك » وحبّهم لك عيب عليك » . وقيل لبعض الحكماء : إن العامة يثنون عليك . فأظهر الوحشة من ذلك وقال : « لعلهم رأوا مني شيئا أعجبهم » ولا خير في شيء يسرّهم ويعجبهم » . ويروى عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام » فبكى » فقال له تلميذه : أتبكي وقد مدحك ؟ ! فقال له : إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه ؛ فلذلك بكيت . (1 ) العذرة : الغائط . (2 ) هجن الكلام وغيره : صار معيبا مرذولا . 2/11 « 187/7 » فانظر هذا ؛ فقد نبهك هذا الحكيم على العلة في ذلك . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فائن عليه بما هو أهله ) . [إذا أطاق عليك الثناء ولست يأهل» فلن عليه يما هو له أهل . ] المؤمن هو الذي لا يرى نفسه أهلا لأن يمدح أو يثنى عليه ؛ لأن موجبات ذلك ليس له منها شيء ؛ كما تقدّم . فإذا أطلق الله تعالى ألسنة الناس بالثناء عليه » ولا أهليته فيه لذلك فينبغى أن يعرف الحق لأهله فيستعمل نفسه بالثناء على الله تعالى بما هو أهله ؛ ليكون ذلك شكرا لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليه من غير استحقاق لذلك ولا لثبوت أهلية . 2 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الزهاد إذا مدحوا انقبضوا , لشهودهم الثناء من الخلق والعارفون إذا مدحوا انبسطوا . لشهودهم ذلك من الملك الحق ) .
تقدم أن الزهاد في غيبة عن الله تعالى » فهم لا يشاهدون إِلّا الخلق ؛ فإذا مدحوا وأثني عليهم شهدوا ذلك من الخلق فانقبضوا عند ذلك لأنهم يخافون فوات نصيبهم من ربّهم لأجل ما يتوقعون من الاغترار بذلك . والعارفون حاضرون مع ربهم » فهم لا يشاهدون معه غيره فإذا مدحوا شهدوا الثناء من ربهم فانبسطوا لذلك » وكان ذلك مزيدا في حالهم ومقامهم لغيبتهم عن أنفسهم . فقال : وما عليّ من ذلك ولست أغلط في نفسي » بل لست في البين والمجزي والمثنى هو الله عز وجل » . وقيل : هذا المعنى في الخبر المرويّ : « إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه» «1» قال أبو طالب المكيّ » رضي الله تعالى عنه : « وفيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العليّ إلى المولى الأعلى » فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى سيده الذي تولّاه » فير الصنعة إلى صانعها » ويشهد من الفطرة فاطرها » فيكون ذلك مدحا للصانع » ووصفا للفاطر لا ينظر إلى وصفه », ولا يعجب بنفسه » انتهى . قلت : وللمؤلف - رحمه الله تعالى - قصائد في مدح شيخه أبي العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه » وكان ينشدها كثيرا بين يديه ويقع ذلك منه موقعا عظيما » وكان يستعيد منه بعضها » ويقول له في بعضها : أيّدك الله بروح القدس . نحو ما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لشاعره « حسان بن ثابت » « 2 » مع أن حب المدح عندهم من الرذائل التي (1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد » 8 / 119 ) . 272 203 « 188 » تشبه الفضائل . وبهذا النظر والشهود الجمعي استقام لهم من مدحهم لأنفسهم وثنائهم عليها ما لم يستقم لغيرهم » كما وقع لجماعة منهم » وقد روى في ذلك عن سيدي عبد القادر الجيلاني « 1 » » وسيدي أبي معدود عندهم من الصدق القبيح » وما ذلك إلا لما ذكرناه » ولا يتأؤل ما وقع لهم من ذلك بما تأوّل به علماء الظاهر مدح يوسف عليه الصلاة والسلام لنفسه وثناءه عليها بغاية الحفظ والعلم لعدم الحاجة إليه في هذا المقام » واللّه تعالى أعلم . وعلامة الصادق في حب المدح » وإن كان صاحب هذا المقام لا يحتاج إلى علامة » أن لا يكره ذمّ الناس له من حيث نسبة ذلك إليهم ؛ لأنهم مصرفون في قبضة القدرة فيسمح لهم ويصفح عنهم ولا يجد في قلبه عليهم ولا يصل بشيء من الأذى إليه كما قيل : رب رام لي بأحجار الأذى لم أجد بدا من العطف عليه فعسى يطلع الله على فرح القوم فيدنيني إليه 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء . وإذا منعت قبضك المنع فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك وعدم صدقك في عبوديتك ). للعبودية عند العارفين » فمن وجد ذلك فليعرف به عدم صدقه في عبوديته » وأنه طفيلي بين أهل الله تعالى في ادّعائه مقاماتهم » وهو لم يؤهّل لها . والطفيلي : هو الذي يأتي الولائم والضيافت فيدخل مع أهلها من غير دعوة » وهو منسوب إلى رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يقال له « طفيل الأعراس » و « طفيل العرائس » وكان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها » فشبّه صاحب الكتاب هذا به . - قبيل وفاته » لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهدا » لعلة أصابته وكانت له ناصية يسد لها بين عينيه » وكان يضرب بلسانه روثة أنفه من طوله . ( الأعلام 2 / 175 » وتهذيب الكمال 24).
(1 ) عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني ( 471 - 561 ه - 1078 - 6م ) أبو محمد محيي الدين الجيلاني » أو الكيلاني » الإربلي » مؤسس الطريقة القادرية ؛ من كبار الزهاد والمتصوفين » ولد في جيلان » وانتقل إلى بغداد شابا » فاتصل بشيوخ العلم والتصوف وبرع في أساليب الوعظ ء, وتفقه » وسمع الحديث » وقرأ الأدب واشتهر . له كتب منها « الفتح الرباني » و « فتوح الغيب » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 47 » وطبقات الشعراني 1 / 8 - 114 » وشذرات الذهب 4 / 198 وهو فيه « عبد القادر بن عبد الله » ) . 2/4 215 « 189 » قال الشيخ عبد الرحمن السلمي » رضي الله عنه : « أكثر الخلق مع الله تعالى في أحوالهم وإرادتهم على الظنون ما تحقق منهم له إلا القليل » ألا تراه تعالى يقول : وما يَتَبِعُ أَكْتَرْهُمْ إِلّا ظَنَا يونس : 36 ]2 ْ ْ ْ فمن تحقق في حاله مع الله تعالى غاب عن كل ما منه وله من الأحوال والأقوال والأفعال ؛ نظرا إلى ما إليه من رعاية الحق وحياطته وتوليه » وكان للحق من حيث الحق له » لا من حيث هو ولكن أكثر العبيد يشيرون إليه بالمعرفة » ويظهرون حالة المحبّة » فإذا ورد عليهم وارد بلاء أو حدر دادر جد لوس إل كد سو ديار مياه يا لعا الخو اسه وس الآ إليه » ولو كانوا للحق من حيث الاستحقاق لنسوا في جنب ما أشار إليه جميع الموارد ساء أم سرّ لأن من حصل في ميدان الوصول لا يعترض عليه عارض خلافه » وأذهله حاله عما سواه . 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك » فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك ). الاستقامة على العبودية لا يناقضها فعل الذنب على سبيل الفلتة والهفوة إذا جرى القدر عليه بذلك ؛ وإنما يناقضها الإصرار عليه ؛ فإذا وقع من العبد ذنب فينبغي له أن يبادر إلى التوبة منه » ولا ييأس بسبب وقوعه فيه من الاستقامة مع ربّه » ويرى أنه طرده وأبعده عن رؤية توجب له القنوط « 1 » من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى » لأنه قد يكون ذلك الذنب آخر ذنب قدّر عليه . وقد وقع ذلك وفرغ منه . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه ) . الرجاء والخوف حالان عن مشاهدتين » فمن أراد أن يفتح له باب الرجاء فليشهد ما من الله له من الفضل والكرم والإسعاف والألطاف فسيغلب عليه حينئذ حال الرجاء . ومن أراد أن يفتح له باب الخوف » فليشهد ما منه إلى الله تعالى من المخالفة والعصيان وسوء الأدب بين يديه » فسيغلب عليه حينئذ حال الخوف . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط . لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا).
تقدّم أن القبض يؤثره العارفون على البسط ؛ لما فيه من عدم حظ النفس ووجود 206 277 » 190 « قدرتهم على الوفاء بآدابه دون البسط » وقد ينفتح لهم فيه من أبواب المعارف ما لا ينفتح لهم في البسط » فينبغي للعبد أن يعرف نعمة الله تعالى عليه في ليل القبض » كما يعرفها في إشراق نهار البسط ؛ لما يعلم أن في الليل من المنافع ما ليس في النهار فليكل علم ذلك إلى ربّه وليحسن ظنَّه به » فإنه لا يدري أيهما أقرب إليه نفعا » كما أشار إليه بالآية الكريمة . وتشبيه القبض بالليل » والبسط بالنهار مجاز بديع » وقد تقدّم نحوه في كلام الأستاذ سيدي أبي الحسن » رضي الله تعالى عنه . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( مطالع الانوار القلوب والأسرار نور مستودع في القلوب. مدده من النور الوارد من خزائن الغيوب. ) . نجوم العلم » وأقمار المعرفة » وشموس التوحيد مطالعها » وموضع شروقها قلوب العارفين وأسرارهم » وهذه هي الأنوار الحقيقية من المطالع الروحانية بخلاف الأنوار الحسّية . قال في « لطائف المنن » : « واعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا تولّى وليّا صان قلبه من الأغيار » وحرسه بدوام الأنوار » حتى لقد قال بعض العارفين : « إذا كان الله سبحانه وتعالى قد حرس السماء بالكواكب والشهب كيلا يسترق السمع منها فقلب المؤمن أولى بذلك » ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » فانظر رحمك الله هذا الأمر الأكبر الذي أعطيه هذا القلب حتى صار لهذه الرتبة أهلا » » ولهذا قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله عنه : « لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع » . ولق شعت شفيكنا آنا العان + رمس انه عه يقول” ارزالو كشك اعن حتيفة الول لغية )ان أوصافه من أوصافه » ونعوته من نعوته » . قال : ولقد أخبرني بعض المريدين قال : صليت خلف شيخي صلاة فشهدت ما بهر عقلي » وذلك أني شهدت بدن الشيخ وقد ملأته الأنوار » وانبثت الأنوار من وجوده حتى أني لم أستطع النظر إليه » . قال : فلو كشف الحق تعالى عن مشرفات أنوار قلوب أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر من مشرقات أنوار قلوبهم » وأين نور الشمس والقمر من مشرقات أنوارهم ؟ الشمس يطرأ عليها الكسوف « 2 » والغروب » وأنوار قلوب أولياء الله تعالى لا كسوف لها ولا غروب ؛» كذلك قال قائلهم : (1 ) أخرجه الفتني في ( تذكرة الموضوعات » 30 ) . 2/18 20ظ 00 201 « 193 » بسم الله الرحمن الرحيم 1 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( سبحان من لم يجعل الدليل علي أوليائه إلا من حيث جعل الدليل عليه » ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ). لا دليل على الله سواه » ولا وصول إليه بغيره » وكذلك أولياؤه .
ولمّا كان الوصول إلى الله تعالى ٠ لا يكون إلا بالعناية والخصوصية » ويستحيل أن يكون بطلب أو سبب كان أولياؤه المخصصون بالقرب منه » كذلك لما خلع عليهم الخلع العظيمة » وتولاهم بمننه الجسيمة » فاصطفاهم لنفسه » واختصّهم بمحبته وأنسه » وطهّر أسرارهم من أنجاس الأغيار » وصان قلوبهم بما أودع فيها من الآنوار والآسرار » فكانوا لذلك صفوته في عباده » وخباياه في بلاده » كما قال في بعض الإشارات عنه سبحانه : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم أحد غيري » وهذا من غيرته عليهم ؛ لأن الحق تعالى أغير على أوليائه من أن يظهرهم إلى من لا يعرفهم » فلم يجعل لاحد دليلا عليهم إلا من حيث الدليل عليه » ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » لأنه يلبسهم لباس التلبيس بين الأنام » ويظهرهم بما يحقّرهم في أعين الخواص والعوام » فلم يكن لأحد دليل عليهم أو وصول [ بسبب ] إليهم . قال في « لطائف المنن » : « فأولياء الله أهل كهف الإيواء ؛ فقليل من يعرفهم » . قال : وقد سمعته يقول ( يعني شيخه أبا العباس المرسي رضي الله عنه ) : « معرفة الوليّ أصعب من معرفة الله » فإن الله معروف بكماله وجماله » وحتى متى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل » ويشرب كما تشرب ؟ » ثم قال : وإذا أراد الله أن يعرّفك بوليّ من أوليائه طوى عنك وجود بشريته » وأشهدك وجود وقال صاحب كتاب « أنوار القلوب » « 1 » : « لله سبحانه وتعالى عباد ضنّ بهم على (1 ) كتاب « أنوار القلوب » تركي منظوم ليحيى بن الحاج مصطفى البرسوي نظمه في الخلفاء الراشدين وأهل البيت » وفرغ في جمادىء الآخرة سنة ثمان وتسعين وثمانمائة ( كشف الظنون 1 / 195 ) . 203 » 194 « العامة وأظهرهم للخاصة » فلا يعرفهم إلا شكل مثلهم » أو محبّ لهم » ولله تعالى عباد ضنّ بهم على الخاصة والعامة وعباد أظهرهم للخاصة والعامة ولله تعالى عباد يظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية » وللّه عباد يظهرهم في النهاية ويسترهم في البداية » وللّه عباد لا يظهر على حقيقة ما بينه وبينهم إلا الحفظة مما سواه حتى يلقونه بما أودعهم منه في قلوبهم وهم « شهداء الملكوت الأعلى والصفح الأيمن من العرش الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده » فتطيب أجسادهم به » فلا يعدو عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل » . انتهى ال ا ا 0 وأما غيرهم فلا » وهم مخدّرون « 1 » عنده في حجال « 2 » الأنس لا يراهم أحد في الدنيا ولاافئ الآخرة © وقال أبو علي الجوزجاني « 3 » » رضي الله عنه : « الوليّ هو الفاني في حاله » الباقي في مشاهدة الحق » تولى الله سبحانه سياسته فتوالت عليه أنوار التولي » لم يكن له عن نفسه إخبار » ولا مع غير الله عز وجل قرار » . فهم منزهون بتنزيه الحق تعالى لهم من أن يوصل إليهم بغيره » ولذلك صدّر المؤلف كلامه 132 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشر شراف على أسرار العباد ). من لطف الله تعالى إخفاء أسرار الناس بعضهم عن بعض » لا سيما سرّ يقتضي وجود عيب .
وهو ظاهر ما ذكره المؤلف هنا بدليل الكلام الذي عقبه به » وقد يظهر لبعض الناس ما سوى ذلك من الأسرار الملكوتية » ووجه الفرق بينهما ما ذكره المؤلف الآن » ويحتمل أن يريد ما هو أعم مما ذكرناه » ويدخل في ذلك أسرار الولاية ؛ إذا اختص الله بها بعض عباده ويكون في ذلك تنبيه على العلّة الموجبة لخفاء الولي حسبما ذكره المؤلف في المسألة التي فرغنا منها حتى يمتنع الوصول إليه بطلب أو سبب وإخفاء ذلك أيضا عن عامة المؤمنين من النعم العظيمة ؛ إذ لو ظهرت أسرار الولاية على أحد لأوجبت على من ظهرت له حقوقا لا يقدر على القيام بها » فإن فرّط في ذلك وترك القيام بتلك الحقوق رأسا وقع بسبب ذلك في محذورات لا يقوم لها شيء . وقد فهمتث هذا المعنى (:01) الخدر" : الدسسر», (2 ) حجال : ( ج ) حجلة : ساتر كالقبة يتخذ للعروس » يزين بالثياب والستور والأسرّة . 2064 20565 « 195 » من كلام سهل بن عبد الله » وقد سأله بعض تلاميذه : كيف تعرف أولياء الله تعالى ؟ فقال : إن الله تعالى لا يعرّفهم إلا لأشكالهم أو من أراد أن ينفعه بهم » ولو أظهرهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليهم » ومن خالفهم بعد علمه بهم كفر » ومن قعد عنهم خرج ٠ ولكن الله تعالى جعل اختياره تغطية أمورهم ؛ رحمة منه لخلقه ورأفة » ولكن اللَّه تعالى قد أخبر بكرامتهم فقال عرّ وجل :اللَّهُ وَلِيُ الَّذِينَ آمَنُوا[ البقرة : 257 ] وَالَّهُ وَل الْمُوْمِنِينَ آل عمران : 68 ] فأفردهم به » ولو أظهرهم حتى يبرزهم لكان في النظر إليهم حجة » وكان الاستماع لحديثهم فرضا » انتهى . والمعنى الذي ذكرته في هذه المسألة فهمته من الكلام الذي ذكره الشيخ أبو طالب رضي الله عنه في كتاب « الشكر » قال فيه : « ثم بعد ذلك من لطائف المنعم شمول ستره لهم » بعضهم من بعض » ونشرهم عند العلماء والصالحين منهم » ولولا ذلك لما نظروا إليهم » ثم حجب الصالحين عنهم » ولو أظهر عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من دلالة الله تعالى لهم » وقربه منهم لبطل ثواب المحسنين إليهم » ولحرم قبول إحسانهم عليهم » ولحبطت أعمال المسيئين إليهم » ففي حجب ذلك وستره ما يحمل العاملين في الخير والشر على الرجال وحسن الظن من وراء حجاب اليقين » وتأخرت عقوبات المؤذين لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند الله عز وجل وجليل قدرهم ؛ ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة دينهم وقلة فتنتهم » ونعم جليلة على المنتهكين لحرمتهم المصعّرين لشعائر الله من أجلهم » إذ كانوا أساءوا إليهم من وراء حجاب » فهذا هو لطف خفيّ من لطف المنعم الوهاب » كما جاء في الخبر : « من آذى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة » ثم أنا الثائر لولي » « 1 » . فقد يكون مثل ذلك : « من آذى نبيا » وهو لا يعلم بنبوّته قبل أن يخبر أنه رسول الله » وأن الله عز وجل نبأه » فلا يكون وزره وزر من انتهك حرمة من كان أعلمه أنه نبيّ عز وجل لعظيم خرف الس ع تنيت ما كر د الشي ادو ايا و الرايكة درل الى شك تدر ير مع اكيم المولتك :واه كعالى اكلم . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه » وسببا لجر الوبال « 2 » إليه ) . [وسببا في جر الوبال عليه ] [ْ المطلع على السرائر التي تقتضي وجوب العيب إذا لم يتخلق صاحبه بالرحمة (1 ) أخرجه ابن ماجة ( فتن » 16 ) .
(2 ) الوبال : الضرر والمكروه يلحق المرء . 206 « 195 » الإلهية فيرحم المذنبين ويحلم على الظالمين ويصفح عن الجاهلين » ويحسن إلى المسيئين ٠ ويرآف بعباد الله أجمعين ؛ فإنه يكون ذلك الاطلاع فتنة عليه ؛ لأن ذلك يؤديه إلى رؤية نفسه راستكظاء امريها » رالسحب يعقلهر التكتر عل غير > وهذا هو أعظه الفتنة ٠ ويكون ذلك ملكا إلى جرّ الوبال إليه : من ادّعائه لصفات ربّه » ومنازعته لكبريائه وعظمته » وهذا هو أعظم الوبال » وغاية الخزي « 1 » والنكال « 2 » . وفي بعض الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما نزعت الرحمة إِلّا من قلب شقي » « 3 » . وفي حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص « 4 » ء رضي الله عنهما » عن رسول اله صلى الله السماء » « 5 » . وفي الإشارات عن الله تعالى أنه قال : « عبدي » إن استخلفتك شققت لك من الرحمة شقًا فكنت أرحم بالمرء من نفسه » . وقد أدّب الله تعالى خليله « 6 » إبراهيم عليه السلام في بعض مواطنه العظيمة المقدار » وعلّمه كيف يتخلق بهذا الخلق الكريم عند اطلاعه على الأسرار . روى عن قسامة بن زهير « 7 » رضي الله عنه أنه قال : « بلغني أن إبراهيم عليه السلام حدّث نفسه أنه أرحم الخلق . قال : فرفعه الله تعالى حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما (1 ) الخزي : الذل والهوان والفصيحة . (2 ) النكال : العقاب أو النازلة . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 58 ) » والترمذي ( برّء 16 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » 301 » 2 461 ). ( 4 ) عبد الله بن عمرو بن العاص » من قريش ( / ق ه - 65 ه - 616 - 684 م ) صحابي » من النساك من أهل مكة . كان يكتب في الجاهلية ويحسن السريانية » وأسلم قبل أبيه » فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكتب ما يسمع منه فأذن له . وكان كثير العبادة » وكان يشهد الحروب والغزوات » ويضرب بسيفين » وحمل راية أبيه يوم اليرموك » وشهد صفين مع معاوية » وولاه معاوية الكوفة مدة قصيرة » وعمي في آخر حياته . له ( 700 حديث ) . ( الأعلام 4 / 111 » وحلية الأولياء 1 / 283 ٠» وتهذيب الكمال 10 / 372 ) . ( 5 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 58 ) » والترمذي ( برّء 16 ) . ( 6 ) الخليل : لقب إبراهيم ( ع ) » واسم مدينته . 267 2058 « 197/7 » يا إبراهيم » اهبط إلى الآرض فلعلهم يتوبون ويرجعون » . وعن عليّ رضي الله عنه » عن النبي صلى الله عليه وسلم » قال : « لما أرى الله إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل مختلي بمعصية من معاصي الله عرّ وجل » فدعا الله عليه » فهلك » وكذلك على آخر . . . وآخر . . . فهلكوا » فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي » فإنهم مني على ثلاث خصال : إمّا أن يتوب العبد منهم فأتوب عليه » وإما أن أخرج منه نسمة تسبح لي » وإمّا أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه » وإن شئت عاقبته » « 1 » . وقيل : إن سبب أمر الله له بذبح ولده وهو هذا المعنى الذي ظهر منه من غلظته على العصاة وقلّة رحمته لهم .
وقد ذكر في بعض التفاسير أنه عليه السلام كان يعرج به كل ليلة إلى السماء وهو قوله تعالى : وَكَذلِكَ نْرِي إِنْراهِيمَ مَلَكُوتَ السّماوات وَالْأَرْضٍ [ الأنعام : 75 ] . فعرج به ذات ليلة فاطّلع على مذنب يفعل فاحشة » فقال : اللهم أهلكه » يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك ؟ فأهلكه الله تعالى : فاطلع على آخر فقال : اللهم أهلكه » فنودي : « كف عن عبادي رويدا رويدا فإني طالما رأيتهم عاصين » فلما هبط رأى في المنام ما ذكر اله تعالى عنه حيث يقول : إِنّي أرى فِي الْمَنام أَنّي أَدْبَحُكَ فَانَظْرْ ما ذا ترى [ الصافات : 102 ] . فلما تشمّر لذلك وأخذ السكين بيده قال : اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحبٌ الناس إليّ » فسمع قائلا يقول : أما تذكر الليلة التي سألت فيها إهلاك عبدي ؟ أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدك » فإذا سألتني إهلاك عبدي أسألك ذبح ولدك واحدا بواحد » والبادي أظلم . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( حظ النفس في المعصية ظاهر جلي وحظها في الطاعات باطن خفي . ومداواة ما يخفى صعب علاجه ). النفس من شأنها أبدا طلب الحظوظ والفرار من الحقوق » فهي لا تسعى إِلّا في ذلك ولو في عملها في الطاعات فضلا عن المعاصي » ومن حاسب نفسه وراقب خواطره تبين له مصداق هذا . وقد تجد من النشاط واللذة في نوع من العبادة ما لا تجده في نوع آخر وإن كان هذا النوع الآخر أتجّ فضيلة منه » وما ذاك إِلّا من أجل أن حظّها فيه أكثر من الآخر ؛ فأهل 200 » 198 « الخبرة والبصيرة يتهمون أنفسهم إذا ألفت بابا من أبواب العبادات لمعرفتهم بخدعها ومكايدها » فيشوشون ذلك عليها وينتقلون منه . وكد حفن عن أبن فحية المر تعش 1132 © : ركني اللداهقة : أنه قال : زر حححف كذا ركذا حكة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي ؛ وذلك أن والدتي سألتني يوما أن أستقي لها جرّة ماء » فثقل ذلك على نفسي » فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجّات كانت بشوب وحظ من نفسي ؛ إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حقّ في الشرع » » فهذا مما يبين أن حظ النفس في الطاعة موجودة ولكنه خفيّ على العامل » فلذلك تعسر مداواته ؛ لأنه يحتاج إلى دقّة فهم ونفوذ إدراك » فليتطلب بذلك آفات نفسه » ولطائف خدعها » وخفايا حظوظهاء فيعمل على تضفية غمله من ذلك ؛ فلا جرم إذ كان ذلك متعذرا يجب عليه اتهام نفسه » ومخالفتها في كلّ ما تدعو إليه كائنا ما كان . ب و لقاقة سكن اله ا اند تاق يفول ل : 53 1 : وهذه تأمرني بالخير ! ! لا يكون هذا أبدا » ولكنها استوحشت ٠ فتريد لقاء الناس فتستروح به » ويتسامع الناس ايها فيستقبلوتها بالير والتعظيم و الإكرام + فقلث نها : لآ أسالك العمران ولا ندل على معرفة . [' فأجابت » فأسأت ظني بها وقلت : والله أصدق قولا . فقلت لها : أقاتل العدوٌ حاسرا « 2 » فتكوني أوّل قتيل . واحدة فنجوت منك ويتسامع الناس فيقال : استشهد أحمد فيكون شرفا لي وذكرا في الناس . تال عدف ولم آخر ذلك العام . رودن ىج ب بربدتبتببب0ب0 00000 مسجد الشونيزية » ومات ببغداد . ( الرسالة القشيرية ص 431 ) . (2 ) الحاسر : من الجنود من لا درع له ولا خوذة . 201 » 199 « : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين » والصلاة والسلام على أفضل المرسلين » وخير الخلق أجمعين : فهكذا خدع النفس وغدرها .
أعاذنا الله من شرّها » وسيأتي من كلام المؤلف [ إذا التبس عليك أمران فانظر أن الذة فاتبعه » فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ] . 5 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك ) . رياء العبد بالعمل حيث يكون بمرأى من الناس ظاهر ء لا يحتاج إلى أمارة هليه » ورياؤه بعمله حيث لا يراه أخذ امير كفن لا يعرف الأ بالامار إكاو العادمات:» بل هو أحنى عن اديب التمل ٠: ومن أماراته : أن يلتمس بقلبه توقير الناس له وتعظيمه وتقديمه في المحافل والمجالس » ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه » وإذا قصّر أحدهم في حقّه الذي يستحقه عند نفسه استبعد منه ذلك واستنكره » ويجد تفرقه بين إكرامه وإكرام غيره » وإهانته وإهانة سواه » حتى ربما يظهر بعض سخفاء العقول ذلك على ألسنتهم » فيتوعّدون من قصّر في حقهم بمعاجلة الله له بالعقوبة , وأن الله تعالى لا يدعهم حتى ينتصر لهم ويأخذ بثأرهم . فإذا وجد العبد هذه الأمارات من نفسه فليعلم أنه مراء بعمله وإن أخفاه عن أعين الناس ! ! . وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : « إن الله تعالى يقول يوم القيامة للفقراء : ألم تكونوا يرخص لكم في السعر . . . ألم تكونوا تبادرون بالسلام . . . ألم تقضى لكم الحوائج » » وفي الحديث الاآخر : « لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم » . وقال عبد اللَّه بن المبارك « 1 » : روى وهب بن منبه أن رجلا من العبّاد قال لأصحابه : (1 ) عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء ( 118 - 181 ه - 736 - 797 م ) والرحلات ». أفنى عمره في الأسفار حاجا ومجاهدا وتاجرا » وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس - سس 202 « 200 » إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان » فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم » إن أحدنا إذا لقى أحبّ أن يعظم لمكان دينه ؛ وإن سأل حاجة أحبٌ أن تقضى له » لمكان دينه » وإن اشترى شيئا أحبّ أن يرخص عليه » لمكان دينه » فبلغ ذلك ملكهم » فركب في موكب من الناس » فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس » فقال السائح : ما هذا ؟ فقيل له : هذا الملك قد أتاك . فقال للغلام : انتني بطعام » فأتاه ببقل وزيت وقلوب « 1 » الشجرة » فأقبل يحشو شدقه « 2 » ويأكل أكلا عنيفا . . . فقال الملك أين صاحبكم ؟ قالوا : هذا . قال : كيف أنت ؟ ! ! قال : كالناس [ وفي حديث آخر : بخير ] فقال الملك : ما عند هذا من خير ! ! فانصرف عنه » فقال السائح : الحمد لله الذي صرفك عني وانث لي ذَاء , ومن هذا النوع من الرياء خاف الكبار » وعدّوا أنفسهم بسببه من الأشرار كما روى عن الفضيل بن عياض » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إليّ » وسمع مالك بن دينار « 3 » » رضي الله تعالى عنه امرأة وهي تقول له يا مرائي ! ! فقال لها : يا هذه » وجدت اسمي الذي أضلّه أهل البصرة » ودخل رجل على داود الطائي « 4 » كن اساعنة فال : ذا حاكتك ؟ ْ قال ١ ارك زيارفك:: فقال:: آنا أنظا ققة لك كير يق 3 351371 انكر مانا ان 1152 قيل لي : من أنت لتزار ؟ أمن الزهّاد أنت ؟ لا ء واللَّهِ » أمن العبّاد أنت ؟
لا » واللّهِ » أمن . الحدالحيق أنت ١ 1الا » رانه ! ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول : كنت في الشبيبة فاسقا فلمًا كبرت صرت مرائيا » واللّه » للمرائي شر من الفاسق . . . إلى غير هذا مما روى عنهم في هذا المعنى . ولا يسلم من الرياء الخفيّ والجليّ إلا العارفون الموحّدون , لأن الله تعالى طهرهم - والشجاعة والسخاء . كان من سكان خراسان » ومات بهيت منصرفا من غزو الروم . له كتاب في « الجهاد » ( الأعلام 4 / 115 » وشذرات الذهب 1 / 295 » وتهذيب الكمال 10 466 ) . (1 ) القلب : من كل شيء : وسطه ولبّه وما في داخله . ( 2 ) الشدق : جانب الفم من باطن الخد ( ج ) أشداق . ( 3 ) مالك بن دينار البصري » أو يحيى من رواة الحديث ( توفي سنة 131 ٠ه - 748 م ) كان ورعاء يأكل من كسبه » ويكتب المصاحف بالأجرة . توفي بالبصرة . ( الأعلام 5 / 260 » وحلية الأولياء 2 / 357 » ووفيات الأعيان 4 / 139 - 140 وتهذيب الكمال 17 / 396 ) . ( 4 ) داود بن نصير الطائي ( توفي سنة 165 ه - 781 م ) أبو سليمان من أئمة المتصوفين كان في أيام المهدي العباسي . أصله من خراسان » ومولده بالكوفة . رحل إلى بغداد فأخذ عن أبي حنيفة وغيره » وعاد إلى الكوفة » فاعتزل الناس ولزم العبادة إلى أن مات فيها . وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه . 203 204 » 201 « من دقائق الشرك » وغيّب عن نظرهم رؤية الخلق بما أشرق على قلوبهم من أنوار اليقين والمعرفة » فلم يرجو منهم حصول منفعة » ولم يخافوا من قبلهم وجود مضرّة » فأعمال هؤلاء خالصة وإن عملوها بين أظهر الناس » وبمرأى منهم . ومن لم يحظ بهذا وشاهد الخلق » وتوقع منهم حصول المنافع ودفع المضارّ فهو مراء بعمله . وإن عبد الله تعالى في قنّة « 1 » جبل بحيث لا يراه أحد ولا يسمع به . وقد تقدّم من قول يوسف بن الحسين بن الرازي رضي الله عنه : « أعزٌ شيء في الدنيا : الإخلاص » وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر » . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إستشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ). الخصوصية هنا : ما اختص الله تعالى به بعض عباده من علم نافع » أو عمل صالح » وصدق العبودية فيه : أن يقنع بعلم الله تعالى فيه بحاله ولا يتطلع إلى أن يعرف بذلك أحد من الخلق » فيشغله حينئذ الحياء من ربه والشكر له عن الاستشراف إلى معرفة الخلق بذلك » ويغار على حاله من رؤية الأغيار له » ولهذا فضل عمل السرّ على عمل العلانية بسبعين ضعفا كما ورد الخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم . وقال عيسى عليه السلام : « إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه » وليمسح شفتيه » فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم صم + وإذا أعطى أخدكم فليقط ديمينه وليخفها عن ماله ؛ وإذا صلّى أحدكم فليسدل عليه ستر بابه » فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق » . وقد سئل حكيم من الحكماء عن علامة الصدق » فقال : كتمان الطاعة . وقال أحمد بن أبي الحوارى رضي الله عنه : « من أحبّ أن يعرف بشيء من الخير ويذكر به .
فقد أشرك في عبادته ء لأنّ من عبد الله تعالى على المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى مخدومه ك0 وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي رضي الله تعالى عنه : « كلّ من لم يقنع في أفعاله وأقواله بسمع الله ونظره دخل عليه الرياء لا محالة » . وقال بعضهم : « ما أخلص أحد قط ء إلا أحبّ أن يكون في جبّ لا يعرف » . وقال سهل بن عبد الله التستري : « من أحبّ أن يطلع الخلق على ما بينه وبين الله فهو غافل » . (1 ) القنئة : الجبل الصغير . وقلة الجبل وقنة كل شيء : أعلاه ( ج ) قنن وقنان . 205 » 201 « وقال أبو الخير الأقطع « 1 » رضي الله عنه : « من أحبّ أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ؛ ومن أحبّ أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب » . وقال بعضهم لمن استوصاه : « لا تحب أن تعرف », ولا تحب أن تعرف أنك ممن لا يحبّ أن يعرف » . فعلى العبد إخفاء حاله جهده » وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما عنده . قال الحسن » رضي الله عنه : « أدركت أقواما ما من أحد منهم يستطيع أن يسرّ شيئا من عمله إلا أسرّه » وإن كان الرجل ليجلس مع القوم وإنه لفقيه وما يعلم به » حتى يقوم » ولقد أدركت أقواما يأتي أحدهم الزور فيقوم فيصلي وما يشعر به الزّور . ولقد أدركت أقواما وما من عمل يقدرون أن يعملوه لله سرا فيكون علانية أبدا » ولقد أدركت أقواما يجمع أحدهم القرآن وما يعرف به جاره » ولقد أدركت أقواما يجتهدون في الدعاء وما يسمعهم أحد » . وقال محمد بن واسع « 2 » ٠ رضي الله عنه : « أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بِلَ ما تحت خدّه من دموعه لا تشعر به امرأته » ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خدّه ولا يشعر به الذي إلى جنبه وفي رواية عنه : إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم » فإن وقع منه إعلان وإظهار في وقت ما فليشتغل حينئذ بمراقبة قلبه وصونه عن أن يعمل فيه الفرح باطلاع الناس على حاله » ولينكر ذلك على نفسه » وليكرهه » ولا يرضه منها » وليجاهد نفسه في ذلك أشد المجاهدة ؛ فإن خالف هذا واستشرف إلى معرفة غير الله بحاله : وغفل عن مجاهدة نفسه في حال ظهور ذلك منه » ولو في لحظة خيف عليه أن يعمل الفرح في قلبه فيقع عند ذلك الفتنة ؛ فإن كان ضعيف الإرادة لم يسلم من الوقوع في الرياء الجلي والخفي ؛ لأن سببه قد استتبّ له » . وإن كان قوي الإرادة وسالكا سبيل المعرفة لم يسلم من السكون والركون » فيفقد حينئذ الغيرة على الحال :+ وينفط ذلك من ذروة الكمال 4 و لهذا كان إشقاط المترلة علد الذاين من ضنرو يرقا سالكي هذه الطريقة كما تقدم عند قوله : [ ادفن وجودك في أرض الخمول ] « 3 » فإن تحقق العبد في المعرفة ومشاهدة الوحدانية الصرفة جاز له الإخبار (1 ) هو أبو الخير الأقطع ( توفي 340 ه / 952 م ) مغربي الأصل . سكن تينات وله كرامات وفراسة حادة » وكان كبير الشأن . ( الرسالة القشيرية ص 394 ) . (2 ) محمد بن واسع بن جابر الأزدي ( توفي سنة 123 ه - 741 م ) أبو بكر فقيه ورع من الزهاد . من أهل البصرة . عرض عليه قضاؤها فأبى » وهو من ثقات أهل الحديث . ( الأعلام 7 » وتهذيب الكمال 17 / 301 ) . ( 3 ) الخامل : الساقط الذي لا نباهة له .
206 « 203 » بأعماله » والإظهار بمحاسن أحواله ؛ بناء منه على نفي الغير وأداء لواجب حقّ الشكر . كان بعض السلف يصبح فيقول : صلّيت البارحة كذا وكذا ركعة » وتلوت كذا وكذا سورة » فيقال له : أما تخشى الرياء ؟ ! فيقول : ويحكم » وهل رأيتم من يرائي يفعل غيره » . وكان آخر يفعل مثل ذلك فيقال له : لم لا تكتم ذلك ؟ فيقول : ألم يقل الله سبحانه وتعالى :وَأَما بِنِعْمَةٍ رَبّكَ فَحَدْ[ٍ الضحى : 11 ] وأنتم تقولون : لا تحدّث ! ! فإن قصد من هذا حاله إلى هداية عباد الله ودعاهم إلى الله تعالى » فأظهر أحواله وأعماله للاقتداء به » والاهتداء بهديه فهو خارج عن النمط الأوّل كلّه » وداخل في هذا المنزع الثاني » وعلانية هذا أفضل من سرّه ؛ لأنه سلم من الآفات التي تعرّض لها غيره وحصلت منه الفوائد التي تضمنها إظهاره وجهره . وقد جاء في الخبر : « السرّ أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » . وهذا أرجح الوجوه عند العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن فرحه باطلاع الناس على بعض أعماله : « لك أجران أخن السر وآحر” العلانية » 12 »وقد فختل : ما ذكرناه من إظهار الطاعة » جماعة من الصحابة والتابعين منعنا من ذكر وقائعهم خشية الإطالة ؛ وكان ذلك منهم لأجل هذا الغرض ومقام هذا العبد مقام النصحاء لعباد الله والدعاة لهم إلى الله » فلا جرم كان له الدرجات العلا عند اتاقعاك» ؛ لأند من أئمة المتقين نل + وقد أخبر الله تعالى بجزائهم وذكره عقيب دعائهم بذلك فقال عز من قائل ةا بما صَبَرُوا » وَيُلَقُونَ فيها نَحِيِّةَ وَسَلاماً خالِدِينَ فيها حَسْنَتْ مُسْتَفَرَا وَمُقاماً [ الفرقان 1767 قال في « لطائف المنن » : اعلم أن مبني أمر الوليّ على الاكتفاء بالله » والقناعة بعلمه . والاغتناء بشهوده . قال الله تعالى :وَمَنْ يَتَوَكلَ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق 0] وقال سبحانه : أ لَيِسَ اللَهُ بكافف عَبْدَهُ 5[ الزمر : 36 ] وقالا لَمْ يَعلَمْ بأنَّ الله يرى ؟ [ العلق : 14 ] وقال تعالى : أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَهُ على كُلّ شَيْءٍ شَهيدٌ [ فصلت 5 ] فمبنى أمرهم في بدايتهم على الفرار من الخلق » والانفراد بالملك الحقّ » وإخفاء الأعمال » وكتمان الأحوال تحقيقا لفنائهم » وتثبيتا لزهدهم » وعملا على سلامة قلوبهم » وحبّا في أخلاص وردّوا إلى وجود البقاء فهناك إن شاء الحق أظهرهم » وإن شاء سترهم » وإن شاء أظهرهم هادين لعباده إليه » وإن شاء سترهم فاقتطعهم عن كل شيء إليه . فظهور الوليّ ليس بإرادته لنفسه » ولكن بإرادة الله تعالى له » بل مطلبه - إن كان له مطلب - الخفاء لا الحلاة د كما فدات قاما لذ يكن الظور و مطلديم و أر اذ ابه حاتم 208 » 204 « إظهارهم فأظهرهم ٠ تولاهم في ذلك بتأييده » وواردات مزيده ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة « 1 » : « لا تطلب الإمارة ؛ فإنك أن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها من مسألة وكلت إليها » « 2 » . ومن تحقق منهم بالعبودية للّه تعالى لم يطلب ظهورا ولا خفاء » بل إرادته وقف على اختيار سيده له . وقال الشيخ أبو العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه ؛ : « من أحبّ الظهور فهو عبد الظهور » ومن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء ومن كان عبدا لله فسواء عليه أظهره أو أخفاه » . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( غب عن نظر الخلق إليك بنظر الله إليك » وغب عن شهود إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك ).
[غيب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك» وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله إليك. ] هذا المعنى هو حقيقة صدق عبودية العبد له تعالى الذي أشار في المسألة التي قبل هذه » وهو أن لا يكون له شعور بما من الخلق إليه » من نظر » وإقبال » ولا تشوف إليه » ولا طلب له » وإنما يكون شعوره وتشوّفه وطلبه مقصورا على ما من الله إليه من نظره إليه » وإقباله عليه » فيغيب أدنى الحالين بأعلاهما ؛ وذلك بأن يعلم أن ما من الخلق إليه أمر وهمّى باطل ينقاد إليه كلّ ذي عقل قاصر يوجب له هذا الانقياد أنواعا من الكبائر والرذائل من الانحطاط في أهواء الناس » وتحسين موقع نظرهم منه بالتصنّع والتزين لهم » وتربية الجاه والحشمة لديهم » تكبرا وتعظما عليهم » ومعاشرتهم بالنفاق والدهان وتخالف الإسرار والإعلان » وهذا عذاب أليم استعجله في دنياه ؛ إذ يفوته بذلك راحة قلبه وطيب عيشه ء ويسلبه أثواب الغنى والعزة ويلبسه لباس الطمع والذلة » فتردى بذلك همّته » وتقلٌ قيمته » ولعذاب الآخرة أكبر » قال الشاعر : من رااقف الداين ماك كينا 2 رقا باللذة الحسرر 35 © لولا منى العاشقين ماتوا . غما وبعض المنى غرور ورأى سهل بن عبد الله » رضى الله تعالى عنه » رجلا من الفقراء بمكة » فقال له شيئا » فقال :ذا ايناد لا أقدر على هذا من أجل النان. فالتفت سهل إلى أصحابه فقال : لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : حتى يسقط الناس من عينه فلا يرى في (1 ) عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي ( توفي 50 ه - 670 م ) أبو سعيد » صحابي من القادة الولاة . أسلم يوم فتح مكة » وشهد غزوة مؤتة » وسكن البصرة » وافتتح سجستان وكابل وغيرهما » وولي سجتان » وغزا خراسان ففتح بها فتوحا » ثم عاد إلى البصرة فتوفي فيها . كان اسمه في الجاهلية ( عبد كلال » وسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن . له ( 14 ) حديثا . ( الأعلام 3 / 307 » وتهذيب الكمال 11 / 220 ) . (2 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 8 / 55 ) . (3 ) الغمَ : الكرب والحزن ( ج ) غموم . الجسور : المقدام . 09ظ2 300 » 205 « الدنيا إلا هو وخالقه » فإن أحدا لا يقدر أن يضرّه ولا ينفعه . أو يسقط نفسه عن قلبه فلا يبالي بأى كان يرنه :1 انم من له يحضي ل اها اراد مهم + وهر احتهم محكلفة + وطرا عي منبايقة ؛ فربما استحسن من نفسه شيئا لم يستحسنه غيره » وربما أرضى شخصا بما لا يرضى الآخر . فهو يعمل بزعمه فيما ينفعه عند الناس وهو ساع فيما يضرّه عندهم وعند الله تعالى مع مقاساة التعب والنصب في نفسه . وفي الحكاية المذكورة عن لقمان وابنه تنبيه على هذا المعنى احكر أ لقي دخل «اصاريرم السوق وهو راكب حمارا » وابنه يسوقه . فقال الناس حين رأوه : شيخ لم يشفق على صبيّ » فأرعيه خلفه ققالوا + اندان على كار » لذ اذا قالقا 11 فرك لقان ريق الرلد , فقالوا : شيخ ماش وصبيّ راكب ! فنزل الولد يمشي مع والده » وساقا الحمار جميعا فقالوا : حمار فارغ وهذان يسوقانه ! وكان غرض لقمان بهذا أن يرى ابنه شأن الناس مع من الناس من طلب ما لا يدرك . فهذا حال من انقاد إلى الأوهام من ضعفاء العقول » وسخفاء الأحلام .
وأما من كان له عقل وافر ال ل ل ال لي ل ل وإقبال » وجزيل عطاء » وعظيم نوال » فهو يعلم فيما يؤدّيه إلى هذه المطالب من غير اكتراث بذمّ ذام » أو عتب عاتب » ويقول بلسان حاله : إن الذي تكرهون مني هو الذي يشتهيه قلبي ويقول أيضا ء ما قاله محمد بن أسلم « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « مالي ولهذا الخلق » كنت في صلب أبي وحدي » ثم صرت في بطن أمي وحدي » ثم دخلت الدنيا وحدي » ثم تقبض روحي وحدي فأدخل قبري وحدي ٠ ويأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي فإن صرت إلى خير صرت وحدي وإن صرت إلى شرّ صرت وحدي »ء ثم أوقف بين يدي الله وحدي » ثم يوضع عملي وذنوبي في ميزاني وحدي » فإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي » وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي » فمالي وللناس ! ! » . وذ سئل الكارك ين أيه الفحاسن ؛ رهن الله تخالن غذف عن غاكية العدائق تقال ؟ <١ الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه » ولا يحب أن يطّلع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله » ولا يكره أن يطّلع (1 ) محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد ( توفي سنة 242 ه - 856 م ) أبو الحسن الكندي مولاهم الطوسي ؛ من حفاظ الحديث . اشتهر بالصلاح ونعته الذهبي بشيخ المشرق . له « المسند » و « الرد على الجهمية » و « الأربعون حديثا » . ( الأعلام 6 / 34 » وحلية الأولياء 9 / 238 » وشذرات الذهب 2 / 100 » وتذكرة الحفاظ 2 / 3 ). 301 2302 « 206 » ا دان لو أخلاق الصادقين » . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من عرف الحق شهده في كل شيء . ومن فنى به غاب عن كل شيء. , ومن أحبه لم يؤثر عليه شيء. ) فلا يستوحش من شيء » ويستأنس به كلّ شيء . كما تقدم من نعت العارفين . ومن فني به غاب عن كل شيء . فلا يكون منه على الأشياء اعتماد » ولا له إليها استناد . ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئا . من مراداته وشهواته . وهذه الأمور التي ذكرها المؤلف . رحمه الله » هي من علامات بلوغ هذه المقامات العليّة » وبها تصح وتكمل ؛ فمن لم يجدها في نفسه » فلا ينبغي له أن يدّعي تلك المقامات » وليعمل على مجاهدة نفسه فيما يصححها ويكملها . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك ١ و إنما احتجب لشدة ظهوره؛ و خفي عن الأبصار لشدة نوره ). شدّة القرب حجاب , كما أن شْدّة البعد حجاب ؛ لأن شدّة قربه منك موجبة لاضمحلالك وذهابك 2 والمحيكل الذاتفك لا منابية بينه ونين القايك العو حرق نكيف ات ؟ قال في « لطائف المنن » : « فعظيم القرب هو الذي غيّب عنك شهود القرب » قال الشيخ أبو الحسن : حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب » كمن يشم رائحة المسك ».
فلا يزال يدنو منها » وكلما دنا منها تزاد ريحها » فلما دخل البيت الذي هو فيه انقطعت رائحته عنه » وأنشد بعض العارفين : كم ذا تموّه بالشعبين والعلم والأمر أوضح من نار على علم أراك تسال عن نحد وأنث يها وعن تهامة هذا فعل متهم إنما احتجب لشدة ظهوره » وخفي عن الأبصار لعظيم نوره : هذه غيارة تداولها الثاين » وخيريوا لمعناها مثلا تالشمدن ؛ وذلك أن الشمين نور ها أقوى من سائر الأنوار المحسوسة » وقوة نورها هي التي حجبت الأبصار الضعيفة عن إدراك كنهها » فقد صار ظهورها الذي أوجبه وجود نورها حجابا لها . وليس الحجاب على الحقيقة منها . فإن الظاهر لذاته لا يحجب من ذاته » وإنما الحجاب عليه من غيره . 303 5204 » 207 « لقد ظهرث فلا تخفى على أحد إِلَّا على أكمه لا يعرف القمرا « 1 » كن عاد با اطل ر اتا محتييا 118 ركيف ودر ف قن ب لقره ل وأنشدوا أيضا : بالنور يظهر ما يرى من صورة وبه وجود الكائنات بلا امترا « 2 » لكنه يخفى لفرط ظهوره حسًا ويدركه البصير من الورى « 3 » فإذا نظرت بعين قلبك لم تجد شيئا سواه على الذوات مصورا وإذا طلبت حقيقة من غيره فبذيل جهلك لا تزال معثرا 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يكن طلبك تسببا إلى العطاء منه فيقلَ فهمك عنه . وليكن طلبك لإظهار العبودية » وقياما بحقوق الربوبية ). لم يأمر الله تعالى عباده بالطلب له والسؤال منه » إلا ليظهر افتقارهم إليه » ومثولهم بالتضرّع والخضوع بين يديه ؛ ليكون ذلك إظهارا لعبوديتهم » وقياما بحقوق ربوبيته » لا لأن يتسببوا به إلى حصول ما طلبوه ونيل ما رغبوه » مما لهم فيه منفعة وحظ . هذا هو فهم العارفين عن الله » ويدل على هذا المعنى ما يذكره المؤلف الآن . قال أبو نصر السرّاج : سألت بعض المشايخ عن الدعاء ما وجهه لأهل التسليم والتفويض ؟ فقال : تدعو الله على وجهين : أحدهما : تريد بذلك تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء » لأن الدعاء ضرب من الخدمة يريد أن يزين جوارحه بهذه الخدمة . والوجه الثاني : أن تدعو ائتمارا لما أمر الله تعالى من الدعاء . انتهى . وقد قيل : فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه » وإلا فالربٌ يفعل ما يشاء » ومقتضى هذا أن لا ينقطع سؤاله ولا رغبته » وإن أعطاه كلّ ما طلبه » وأنا له سؤاله وأربه » وأن لا يفرق بين العدم والوجود والمنع والإعطاء فيما يرجع إلى إظهار الفاقة والفقر » فيكون عبدا لله في الأحوال كلها . وقبيح بالعبد أن يصرف وجهه عن باب مولاه ما ينيله من شهواته وهواه . قال سيدي أبو الحسن همك مناجاة مولاك » . (1 ) الأكمه : من ولد أعمى » أو من فقد بصره . 2 )امترس في الشيء : شك فيه , 3205 306 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (كيف يكون طلبك اللاحق سببا في عطائه السابق » جل حكم الأزل أن ينظاف إلى العلل ).
[كيف يكون طلبك اللاحق سببا لعطائه السابق] هذا دليل على نفي السببية المذكورة ؛ لأن ما طلبه العبد أمر سابق في الأزل تقديره » وطلبه أمر لاحق فيما لا يزال » وكيف يكون اللاحق سببا في وجود السابق » وهل السبب أبدا إلا متقدّم على العسيب ”> جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل هذا دليل آخر على ما ذكره » وهو : أن حصول ما طلبه الداعي حكم من الله تعالى في الأزل » فلا يكون سببه الدعاء والسؤال » لأن أحكام الله تعالى تجل عن أن تنضاف إلى علة أو سبب من قبل أنّ له الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة » فصنعه علة لكل شيء » ولا علة لصنعه » كما قال العارفون المحققون . 2 - 143 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( عنايته فيك لا لشيء منك . وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته ). ( لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال ؛ بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال وعظيم النوال ) . عناية الله تعالى بك في الأزل » حين لم تكن حين لا حين غير معللة بشيء كائن منك من إخلاص أعمال أو وجود أحوال تتوسّل بجميع ذلك إليه » وأين كنت إذ ذاك وأنت عدم محض ء بل لم يكن هناك إلا محض كرمه وإفضاله وعظيم إحسانه ونواله لا غير » قال الواسطى: «رأقشام تمت وتعؤت واحكام أجزيت كيف تستجلب يحركات او نال يسعايات ؟ », 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية فقال : يَخْتَصٌ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 5] . وعلم أنه لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل فقال : إن رَحْمَتَ الله قريبٌ مِنَ المُخْسِنِينَ ) . في قوله عزّ من قائل : يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [ البقرة : 105 ] » 307 ولا هلة له هن الغية و الأحضان المسوت 308 » 209 « إليه في قوله تعالى :إِنَّ رَحْمَتَ اللَهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] أمارة وعلامة على تلك العناية » وليس بعلة موجبة . وإنما أسند الرحمة إليه وعلّقها به ؛ لئلا يتكل العباد على السابقة ويتركوا العمل الذي هو مقتضى العبودية الواجبة للَّه تعالى عليهم . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إلى المشيئة يستند كل شيءء لأن وقوع ما لم يشأ الحق محالء ولا تستند هي إلى شيءء ربما دلهم الأدب على ترك الطلبء, اعتمادا على قسمته. واشتغالا بذكره عن مسألته؛ إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال» وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال ) . لاستحالة وجود النقص فيما يجب له من الكمال . وهذه العبارات التي ذكرها المؤلف رحمه الله من أوّل الفصل إلى هنا بلغت الغاية في الحسن » واستغنت بتردادها وتكرارها عن البيان والشرح » وفيها إشارة إلى أحكام الأزل » وفقد الأسباب والعلل » فيجب على العبد أن يبنى عليها أعماله وأحواله ؛ فيلتزم العبودية والافتقار » ويدع التدبير والاختيار لمن بيده ذلك » وهذا هو أدب التوحيد جعلنا الله من أهله بمنه وفضله وكرمه . قال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي » رضي الله عنه : « إن الله لا يقرب فقيرا لأجل فقره ولا يبعد غنيا لآجل غناه » وليس للاعراض عنده خطر » حتى بها يصل » وبها يقطع » ولو بذلت له الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بهما ء ولو أخذتهما كلهما ما قطعك بهما » » قرب من قرب من غير علّة » وقطع من قطع من غير علَّة , كما قال تعالى :وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اله لَهُ ثوراً هما لَّهُ مِنْ نُورٍ[ النور : 40 ].
وقال أيضا رضي اله عنه : « ما خالفه أحد ولا وافقه وكلهم مستعملون بمشيئته وقدرته » أنَى يكون له الوفاق والخلاف وهو يقلّب الليل والنهار بما فيهما وهو قائم على الأشياء وبالأشياء في بقائها وفنائها لا يؤنسه وجد ولا يوحشه فقد » بل لا فقد ولا وجد » وإنما هي رسوم تحت الرسوم . ربما دلهم الأدب على ترك الطلب اعتمادا على قسمته واشتغالا بذكره عن مسألته . قد يكون من الأدب ترك السؤال والطلب لمن هو مستغرق في الأذكار » راض بما يجري عليه من تصاريف الأقدار » وهو أحد مذاهب القوم . قال : الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « واختلف « 1 » الناس في أيّ شيء (1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 265 باب الدعاء . 2309 310 » 216 « السكوت والرضا ؛ فمنهم من قال الدعاء في نفسه عبادة , قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الدعاء مخ العبادة » « 1 » فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركها » ثم هو حقّ الحقٌّ سبحانه وتعالى » فإن لم يستجب للعبد » ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحقّ الربوبية ؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية وقد قال أبو حازم الأعرج : « لأن أحرم الدعاء أشدّ علىّ من أن أحرم الإجابة » . وطائفة قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتمّ » والرضا بما سبق من اختيار الحق أولى. : ولهذا كال الواسطي : رو اختيان ما جرى لك في الأرل خير لك من معارضة الوفك 177 وقد قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا عن الله تعالى : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » « 2 » . وقال قوم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه » وصاحب رضا بقلبه ليأتي الأمرين جميعا » قال الإمام أبو القاسم : « والأولى أن يقال إن الأوقات مختلفة ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت » وهو الأدب » وفى بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب » وإنما يعرف ذلك في الوقت ؛ لأن علم الوقت إنما يحصل في الوقت ؛ فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى . وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى . ويصح أن يقال : ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيا عن شهود ربّه تعالى في حال دعائه . ثم يجب أن يراعى حاله ؛ فإذا وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى » وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء شبه زجر « 3 » ومثل قبض فالأولى له ترك الدعاء في هذا الوقت » وإن لم يجد في قلبه لا زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه سيّان « 4 » . وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عبادة » وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت المعرفة والحال والسكوت فالسكوت أولى . ويصحّ أن يقال : ما كان للمسلمين فيه نصيب ٠ أو للحقّ سبحانه وتعالى فيه حقّ فالدعاء أولى . وفي الخبر المرويّ : « إن العبد ليدعو الله عرّ وجلَ وهو يحبّه » فيقول الله : يا جبريل أخّر حاجة عبدي فإني أحبّ أن أسمع صوته » وإن العبد ليدعو الله » وهو يبغضه ء فيقول الله : يا جبريل » اقض لعبدي (2 ) أخرجه الترمذي ( ثواب القرآن » 25 ) » والدارمي ( فضائل القرآن » 6 ) . ( الزجر : المنع والنهي . 311 312 « 211 » حاجته فإني أكره أن أسمع صوته » « 1 » انتهى كلام الإمام أبي القاسم القشيري » وهو حسن بديع » وهو أوفى مما ذكره المؤلف » رحمه الله » فلذلك أوردته هنا بكماله .