İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)
المكتوب الثّامن عشر في التّمكين الّذي يحصل بعد التّلوين وبيان مراتب الولايات الثّلاث وبيان أنّ وجود الواجب تعالى زائد على ذاته تعالى وغير ذلك كتبه إلى شيخه المكرّم أيضا عريضة أقلّ العبيد ذي التّقصير أحمد بن عبد الأحد أنّه ما دامت الأحوال واردة كنّا نتجاسر بعرضها ولمّا حرّر الحقّ سبحانه من رقّيّة الأحوال ببركة توجّهاتكم العليّة، وشرّف بالتّمكين بعد التّخليص من التّلوين ما بقي في اليد حاصل الأمر غير الحيرة والعجز، وما حصل من الوصل سوى الهجر والفصل، ومن القرب غير البعد، ولم يزد من المعرفة غير النّكرة ومن العلم غير الجهل، فلا جرم وقع التّوقّف في تقديم العرائض. ولم أتجاسر بمجرّد عرض أحوال أيّام الفراق ومع ذلك قد استولت البرودة على القلب على نهج لا ميل فىّ إلى أمر ما أصلا ولا شوق ولا أقدر على الإشتغال بعمل كما هو ديدن أرباب البطالة، (شعر) وإنّي لا شيء ومن ذاك أنقص . ومن هو لا شيء يكون معطّلا ولنرجع إلى أصل المقصود ونقول: والعجب أنّ الحقّ سبحانه قد شرّفني الآن بمقام حقّ اليقين الّذي ليس العلم والعين فيه بعضه حجابا عن بعض. والفناء والبقاء مجتمعان فيه وفي عين الحيرة وفقدان الأمارة علم وشعور، وفي نفس الغيبة أنس وحضور، ومع وجود العلم والمعرفة لا يحصل سوى ازدياد الجهل والنّكرة، (ع) ألا فاعجبوا من واصل متحيّر وقد رزق الله تعالى بمحض عنايته الّتي ليست لها نهاية في مدارج القرب والكمالات ترقّيات بلا نهاية ففوق مقام الولاية مقام الشّهادة. ونسبة الولاية إلى الشّهادة كنسبة التّجلّي الصّوريّ إلى التّجلّي الذّاتيّ، بل بعد ما بينهما أكثر من بعد ما بين هذين التّجلّيين كذا مرّة. وفوق مقام الشّهادة مقام الصّدّيقيّة. والتّفاوت فيما بين هذين المقامين أجلّ من أن يعبّر عنه بعبارة وأعظم من أن يشار إليه بإشارة وليس فوقه مقام إلّا مقام النّبوّة على أهلها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. ولا ينبغي أن يكون مقام بين الصّدّيقيّة والنّبوّة بل هو محال. وهذا الحكم أعني الحكم بالإستحالة علم بكشف صريح صحيح، وما أثبته بعض أهل الله من الواسطة بين هذين المقامين وسمّوها بمقام القرب قد شرّفت به أيضا، واطّلعت على حقيقته بعد توجّه كثير وتضرّع غزير ظهر أوّلا على طور بيّنه بعض الأكابر، ثمّ صارت حقيقة الأمر معلومة. نعم إنّ حصول هذا المقام إنّما هو بعد حصول مقام الصّدّيقيّة وقت العروج. ولكنّ كونه واسطة محلّ تأمّل. وسنعرض حقيقة الأمر بالتّفصيل بعد حصول الملازمة الصّوريّة إن شاء الله تعالى. وذلك المقام عال جدّا ولا يعلم في منازل العروج مقام فوقه ويظهر في هذا المقام زيادة الوجود على ذات الله عزّ وجلّ كما هو المقرّر عند علماء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم ويبقى الوجود هنا أيضا في الطّريق ويقع العروج فوقه كما قال الشّيخ أبو المكارم ركن الدّين علاء الدّولة في بعض مصنّفاته: "وفوق عالم الوجود عالم الملك الودود " ومقام الصّدّيقيّة من مقامات البقاء الّتي هي ناظرة إلى العالم وأسفل منه مقام النّبوّة، وفي الحقيقة هو أعلى منه وهو مقام كمال الصّحو والبقاء، وليس لمقام القرب لياقة البرزخيّة بين هذين المقامين فإنّه ناظر إلى التّنزيه الصّرف، وتمام العروج شتّان ما بينهما، (شعر): قد أمسكوني وراء المرئىّ كدرّتهم . أقول ما قال لي أستاذي الأزليّ وقد صارت العلوم الشّرعيّة النّظريّة الإستدلاليّة ضروريّة كشفيّة لا مخالفة بينها وبين أصول علماء الشّريعة مقدار شعرة، وإنّما جعلت تلك العلوم الإجماليّة تفصيليّة وأخرجت من النّظريّة إلى الضّروريّة. سئل الخواجه الأعظم يعني بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه أنّه ما المقصود من السّلوك؟ فقال: «المقصود منه كون المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة " ولم يقل حصول علوم سواها نعم يظهر في الطّريق علوم كثيرة ومعارف غزيرة ولكن ينبغي أن يجاوزها، وما دام السّالك لم يصل إلى نهاية النّهايات الّتي هي مقام الصّدّيقيّة لا يكون له نصيب من هذه العلوم الحقيقيّة والمعارف اليقينيّة.
فيا ليت شعري إنّ من أهل الله القائلين بحصول هذا المقام الشّريف لأنفسهم وليس لهم مناسبة بعلوم هذا المقام ومعارفه فما وجهه: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . واطّلعت أيضا على سرّ مسألة القضاء والقدر وعلمتها على نهج لا تقع المخالفة بينها وبين أصول ظاهر الشّريعة الغرّاء بوجه من الوجوه مبرّأة ومنزّهة عن نقص الإيجاب وشائبة الجبر وفي الظّهور كالقمر ليلة البدر، والعجب ما وجه إخفائها مع عدم مخالفتها أصول الشّريعة فلو كانت فيها شائبة المخالفة لكان للسّتر والإخفاء شيء من المناسبة: لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ ، (شعر) ومن الّذي في فعله يتكلّم . دون الرّضا يا صاح والتّسليم وتفاض العلوم والمعارف مثل فيضان المطر من سحاب الرّبيع بحيث تعجز القوّة المدركة عن تحمّلها وإطلاق القوّة المدركة مجرّد تعبير وإلّا فلا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه وقد كان في الأوائل شوق قيد هذه العلوم الغريبة بالكتابة ولكنّي لم أوفّق لذلك وكان لي تحرّج وثقل من هذه الجهة فسلّيت آخر الأمر بأنّ المقصود من إفاضة هذه العلوم حصول الملكة لا حفظها كما أنّ طلبة العلوم يحصّلون العلوم لينالوا ملكة المولويّة لا أنّهم يحصّلونها لأجل حفظ أصول الصّرف والنّحو وغيرهما ولنعرض بعض العلوم المذكورة قال الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أوّل هذا الكلام إثبات التّنزيه المحض كما هو الظّاهر وقوله سبحانه وتعالى وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ متمّم ومكمّل للتّنزيه. وبيانه أنّ ثبوت السّمع والبصر للمخلوق لمّا كان موهما لثبوت المماثلة ولو في الجملة نفى الله سبحانه عنهم السّمع والبصر لدفع هذا الوهم يعني أنّ السّميع والبصير هو تعالى ليس إلّا والسّمع والبصر الموجودتان في المخلوقات ليس لهما مدخل في السّماع والرّؤية فكما أنّ الحقّ سبحانه خلق السّمع والبصر كذلك يخلق السّماع والرّؤية بعد خلق هاتين الصّفتين بطريق جري العادة من غير تأثير لصفاتهم ولو قلنا بالتّأثير فالتّأثير فيها أيضا مخلوق فكما أنّ ذواتهم جماد محض كذلك صفاتهم أيضا جماد محض مثلا إذا خلق القادر بمحض قدرته كلاما في الحجر لا يقال إنّ الحجر متكلّم في الحقيقة وإنّ له صفة الكلام وفي هذه الصّورة كما أنّ الحجر جماد كذلك هذه الصّفة لو فرض أنّها موجودة فيه أيضا جماد لا مدخل له أصلا في ظهور الحرف والصّوت وجميع الصّفات من هذا القبيل. غاية ما في الباب أنّ هاتين الصّفتين لمّا كانت أظهر من غيرهما خصّهما الله تعالى بنفيهما ويكون لزوم نفي البواقي منها بالطّريق الأولى. وخلق الله سبحانه يعني في المخلوق أوّلا صفة العلم ثمّ خلق توجّهه نحو المعلوم ثمّ خلق تعلّقها به ثمّ جعل ذلك المعلوم منكشفا له ثمّ خلق الإنكشاف فيه بعد خلق صفة العلم بمجرّد جري العادة فعلم أن لا مدخل للعلم في الإنكشاف وكذلك خلق فيه أوّلا صفة السّمع ثمّ خلق الإصغاء والتّوجّه إلى المسموع ثمّ خلق السّماع ثمّ خلق إدراك المسموع وكذلك خلق فيه البصر أوّلا ثمّ تقليب الحدقة والتّوجّه نحو المرئيّ ثمّ الرّؤية ثمّ إدراك المرئيّ وعلى هذا القياس سائر الصّفات والسّميع والبصير إنّما هو من يكون مبدأ سماعه ورؤيته هاتين الصّفتين، ومن ليس كذلك فليس بسميع ولا بصير. فتحقّق أنّ صفات المخلوقين جمادات كذواتهم. فالمقصود من آخر الكلام نفي الصّفات عنهم رأسا لا أنّ لهم صفات. وتلك الصّفات ثابتة له سبحانه حتّى يكون جمعا بين التّنزيه والتّشبيه بل تمام الآية الكريمة لإثبات التّنزيه ونفي المماثلة رأسا. والعلم الأوّل، أعني إثبات صفات هؤلاء للحقّ سبحانه واعتقاد ذواتهم جمادا محضا وزعمها في ظهور هذه الصّفات منهم مثل الدّنّ والكوز في ظهور الماء منهما من العلوم المناسبة لمقام الولاية. والعلم الثّاني، أعني وجدان صفات هؤلاء مثل الجمادات واعتقاداتهم لا شعور لهم كالأموات كما قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ من العلوم المناسبة لمقام الشّهادة. ومن هنا أيضا يعلم التّفاوت بين هذين المقامين.
القليل يدلّ على الكثير والقطرة تنبئ عن الغدير (ع) وعام الرّخص يعلم من ربيع وكذلك يجد أرباب هذا المقام العالي أفعال المخلوقات كالميّت والجماد لا أنّهم ينسبون أفعالهم إلى الحقّ سبحانه ويقولون إنّ فاعل هذه الأفعال هو الله تعالى عن ذلك علوّا كبيرا مثلا إذا حرّك شخص حجرا لا يقال إنّ هذا الشّخص متحرّك بل هو موجد للحركة في الحجر والمتحرّك إنّما هو الحجر وكما أنّ الحجر جماد محض كذلك حركته جماد صرف فإن هلك بتلك الحركة فرضا شخص لا يقال إنّه قتله حجر بل يقال قتله ذلك الشّخص الّذي حرّك الحجر. وقول علماء الشّريعة شكر الله تعالى سعيهم، موافق لهذا العلم فإنّهم يقولون: إنّ مفعول المخلوقات مصنوع الحقّ سبحانه مع وجود صدور الأفعال عنهم بالإرادة والإختيار ولا مدخل لإفعالهم في مصنوعيّته وأفعالهم عبارة عن حركات شتّى من غير أن يكون لها تأثير في مجعوليّة المعمول (فان قيل) فعلى هذا يكون جعل افعالهم مناطا للثّواب والعقاب غير معقول ويكون كتكليف حجر بامر وترتيب ذمّ ومدح على فعله (قلت) فرّق بين الحجر والمكلّفين فانّ مناط التّكليف القدرة والارادة والحجر لا قدرة فيه ولا ارادة بخلاف المكلّفين فانّ فيهم ارادة ولكن لمّا كانت ارادتهم أيضا مخلوقة للحقّ سبحانه من غير تأثير لها في حصول المراد، كانت تلك الإرادة أيضا كالميّت وفائدتها إنّما هي كون المراد مخلوقا بعد تحقّقها بطريق جري العادة. ولو قيل إنّ قدرة المخلوق مؤثّرة ولو في الجملة كما ذهب إليه علماء ما وراء النّهر. فذلك التّأثير أيضا مخلوق فيها كما هي مخلوقة بنفسها ففي تأثيرها لا اختيار له أصلا فيكون تأثيرها أيضا كالجماد. مثلا إذا رأى شخص حجرا نازلا من فوق بتحريك محرّك وأهلك حيوانا فكما أنّ ذلك الشّخص يعتقد أنّ هذا الحجر جماد كذلك يعتقد أنّ فعله الّذي هو حركته جماد ويعتقد أنّ الأثر المترتّب لذلك الفعل أعني الهلاك أيضا جماد. فالذّوات والصّفات والأفعال كلّها جمادات محضة وأموات صرفة. فهو الحيّ القيّوم وهو السّميع البصير وهو العليم الخبير وهو الفعّال لما يريد قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا وقد كثرت إساءة الأدب وجاوز الأنبساط الحدّ فماذا أصنع فإنّ جمال الكلام الّذي هو من الجميل المطلق أوردني مورد ان يظنّ أنّ الكلام كلّما يطول يزداد حسنا وكلّما يقال حاكيا عنه يكون من اللّذّة والحلاوة في المقام الأسني، مع أنّي لا أجد في نفسي مناسبة لأن أتكلّم من ذلك الجناب أو أتفوّه باسمه، (شعر): غسلت بماء الورد والمسك الف مـ . ـرّة فيّ بعد لست أهلا لذكره (ع) على المرء أن لا يجهل الدّهر طوره والمرجوّ بذل التّوجّه والعناية وماذا أعرض من سوء أحوالي وكلّ ما أجد في نفسي فهو من عنايات مبدأ ذلك التّوجّه العالي وإلّا (ع) أنا ذاك أحمد لم أكن متغيّرا وظهر للميان شاه حسين طريق التّوحيد فهو الآن محظوظ به ويخطر في البال إخراجه منه ليبلغ الحيرة فإنّها مقصودة. ومحمّد صادق لا يقدر أن يضبط نفسه لصغره فإن كان رفيقا في السّفر ينال ترقّيات كثيرة. وقد كان في سير سفح الجبل رفيقا فنال ترقّيا كثيرا وتجرّع من بحر الحيرة فله مناسبة تامّة للفقير في الحيرة. والشّيخ نور أيضا في ذلك المقام وقد ترقّى ترقّيا كثيرا. ومن أقرباء هذا الفقير غلام له حال عال جدّا قريب من التّجلّيات البرقيّة بل مستسعد بها.
المكتوب التّاسع عشر في تفويض بعض أرباب الحوائج كتبه إلى شيخه المكرّم أيضا عريضة أحقر الخدمة أنّه جاء شخص من العسكر وأخبر أنّ مبلغ أرباب وظائف فقراء دهلى وسرهند يعني وظائفهم قد منع وأحيل على ملازمي العتبة العليّة من أجل مادّة فصل الخريف المارّ ليوصّلوا إلى المستحقّين بعد التّحقيق الحقيق فبناء على ذلك صدر الجراءة فإن كان هذا الخبر صدقا يحال على حامل العريضة الف درهم فصلانة باسم الشّيخ الحافظ أبي الحسن وهو من أهل العلم والف درهم فصلانة باسم الشّيخ الحافظ شاه محمّد من وكلاء الشّيخ نواب المقرّرة وهما حيّان قائمان ليس فيهما شائبة الإشتباه وقد أرسل كلّ منهما وكيله المعتمد والمشار إليهما في سرهند. المكتوب العشرون في تفويض بعض أرباب الحوائج كتبه إلى شيخه المعظّم أيضا عريضة أحقر الخدمة أنّه قد صدر منّا تشويش أوقات خادمي العتبة العليّة مكرّرا في باب وظائف والدة حبيب الله السّرهنديّ ومنكوحته ومخاديم أخرى ممّن ذكروا في ضمن العريضة. فإن كان مبلغ وظائف المشار إليهم في دهلى فأمروا مولانا عليّا بتسليمه إليهم وقد جاء بعضهم بطريق الوكالة وبعضهم بطريق الأصالة. فإن لم يكن مبلغهم في دهلى فالمشار إليهم أحياء قائمون يلتمسون تصحيح حصصهم والزّيادة على ذلك انبساط. المكتوب الحادي والعشرون في بيان درجات الولاية لا سيّما الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ومدح الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرار أهلها وعلوّ نسبتهم وفضلها على نسب سائر الطّرق أرسله إلى الشّيخ محمّد المكّيّ ابن الحاجّ موسى القاري اللّاهوريّ وصل المكتوب الشّريف اللّطيف إلى العبد الضّعيف النّحيف. عظّم الله سبحانه أجركم ويسّر أمركم وتقبّل عذركم، بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (اعلموا إخواني) أنّ الموت الّذي قبل الموت المعبّر عنه بالفناء عند بالفناء عند أهل الله ما لم يتحقّق لم يتيسّر الوصول إلى جناب القدس بل لم يمكن النّجاة عن عبادة المعبودات الباطلة الآفاقيّة والآلهة الهوائيّة الأنفسيّة فلم يتحقّق حقيقة الإسلام ولم يتيسّر كمال الإيمان فكيف يحصل الدّخول في زمرة العبّاد والوصول إلى درجة الأوتاد مع أنّ هذا الفناء قدم أوّل يوضع في أطوار الولاية وكمال أسبق يحصل في البداية. فينبغي أن يقاس من أوّل الولاية حال آخرها ومن بدايتها درجة نهايتها ولنعم ما قيل. (ع) وقس من حال بستاني ربيعي . وغيره وعام الرّخص يعلم من ربيع . وللولاية درجات بعضها فوق بعض. إذ على قدم كلّ نبيّ ولاية خاصّة به وأقصى درجاتها هي الّتي على قدم نبيّنا عليه وعلى جميع إخوانه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أيمنها إذ التّجلّي الذّاتيّ الّذي حينئذ لا اعتبار فيه للأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات لا بالإيجاب ولا بالسّلب مخصوص بولايته صلّى الله عليه وسلّم. وخرق جميع الحجب الوجوديّة والإعتباريّة علما وعينا يتحقّق في هذا المقام فحينئذ يحصل الوصل عريانا ويتحقّق الوجد حقيقة لا حسبانا. وللكمّل من متابعيه عليه الصّلاة والتّحيّة نصيب كامل وحظّ وافر من هذا المقام العزيز وجوده. فعليكم باتّباعه صلّى الله عليه وسلّم إن كنتم متوجّهين إلى تحصيل هذه الولاية القصوى وتكميل هذه الدّرجة العليا وهذا التّجلّي الذّاتيّ برقيّ عند أكثر المشايخ رحمهم الله تعالى يعني أنّ خرق الحجب عن حضرة الذّات جلّ سلطانه يكون في زمان يسير كالبرق ثمّ تسدل حجب الأسماء والصّفات ويستر سطوات أنوار الذّات تعالى فيكون الحضور الذّاتيّ لمحة كالبرق، والغيبة الذّاتيّة كثيرة جدّا. وعند أكابر المشايخ النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم هذا الحضور الذّاتيّ دائميّ. ولا عبرة عندهم للحضور الزّائل المتبدّل بالغيبة فيكون كمال هؤلاء الأكابر فوق جميع الكمالات ونسبتهم فوق جميع النّسب كما وقع في عباراتهم: «إنّ نسبتنا فوق جميع النّسب " وأرادوا بالنّسبة الحضور الذّاتيّ الدّائميّ.
وأعجب من ذلك أنّ النّهاية في طريقة هؤلاء الكمّل مندرجة في البداية واقتداؤهم في ذلك بصحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبارك وكرّم فإنّهم في أوّل صحبة النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام نالوا ما يتيسّر في النّهاية وذلك باندراج النّهاية في البداية، فكما كانت ولاية محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فوق ولايات جميع الأنبياء والرّسل عليهم الصّلوات والتّسليمات كذلك كانت ولاية هؤلاء الأكابر فوق جميع ولايات الأولياء قدّس الله تعالى أسرارهم كيف وإنّ ولايتهم منسوبة إلى الصّدّيق الأكبر نعم لأفراد من كمّل المشائخ قد حصلت هذه النّسبة لكن باقتباس من الصّدّيق الأكبر رضي الله تعالى عنه كما أخبر أبو سعيد عن دوام هذا الحديث وقد وصلت جبّة الصّديق الأكبر رضي الله عنه إلى هذا الشّيخ أبي سعيد كما نقل صاحب النّفحات. والغرض من إظهار بعض كمالات هذه الطّريقة العليّة النّقشبنديّة ترغيب الطّلّاب في هذه الطّريقة وإلّا فما لي ولشرح كمالاتها قال المولوىّ في المثنوىّ، (شعر): لم يناسب شرحه للخلق بل . حقّ أن يخفى كعشق في المثل غير أنّي صفته كي يرغبوا . فيه قبل الفوت كيلا يحزنوا والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى . المكتوب الثّاني والعشرون أرسل إلى الشّيخ عبد المجيد بن الشّيخ محمّد المفتي اللّاهورىّ في بيان وجه التّعلّق بين الرّوح والنّفس وبيان عروجهما ونزولهما وبيان الفناء الجسديّ والرّوحيّ وبقائهما وبيان مقام الدّعوة والفرق بين المستهلكين من الأولياء والرّاجعين إلى الدّعوة سبحان من جمع بين النّور والظّلمة وقرن اللّامكانيّ المتبرّي عن الجهة مع المكانيّ الحاصل في الجهة فحبّبت الظّلمة إلى النّور فعشق بها وامتزج معها بكمال المحبّة ليزداد بهذا التّعلّق جلاؤه ويكمل بمجاورة الظّلمة صفاؤه كالمرآة إذا أريد صقالتها وقصد ظهور لطافتها ترّبت أوّلا ليظهر بمجاورة الظّلمة التّرابيّة صفاؤها ويزداد بتعلّق الكثافة الطّينيّة بهاؤها فنسي ذلك النّور ما حصل له أوّلا من شهوده القدسيّ بل جهل نفسه وتوابعه الوجوديّة لإستغراقه في شهود معشوقه الظّلمانيّ وتعلّقه بالهيكل الهيولانىّ فصار من أصحاب المشأمة في مصاحبته وضاع من كرامات الميمنة في مجاورته فإن بقي في مضيق هذا الإستغراق ولم يتخلّص إلى فضاء الإطلاق فالويل له كلّ الويل لما لم يتيسّر له ما هو المقصود منه وضاع جوهر استعداده فضلّ ضلالا بعيدا وإن سبقت له الحسنى وأدركته العناية القصوى رفع رأسه وتذكّر ما ضلّ عنه فرجع القهقرى قائلا (شعر): إليك يا منيتي حجّي ومعتمري . إن حجّ قوم على ترب وأحجار وإن حصل له الإستغراق ثانيا في شهود المطلوب الأقدس على أحسن طرق وتيسّر له التّوجّه إلى الجناب المقدّس بأكمل وجوه تبعه الظّلمة ح واندرجت في غلبات أنواره، فإذا بلغ هذا الإستغراق إلى أن نسي المتعلّق الظّلمانيّ رأسا وجهل نفسه وتوابع وجوده كلّيّة فاستهلك في مشاهدة نور الأنوار، وحصل له حضور المطلوب وراء الأستار، شرّف بالفناء الجسديّ والرّوحيّ وإن حصل له البقاء بذلك المشهود أيضا بعد الفناء فيه فقد تمّت له جهتا الفناء والبقاء وصحّ ح إطلاق اسم الولاية عليه. فحينئذ لا يخلو حاله من أمرين: إمّا الإستغراق في المشهود بالكلّيّة والإستهلاك فيه على الدّوام. وإمّا الرّجوع إلى دعوة الخلق إلى الحقّ عزّ سلطانه بأن يصير باطنه مع الله سبحانه وظاهره مع الخلق فيتخلّص النّور حينئذ من الظّلمة المندرجة فيه المتوجّهة إلى المطلوب، ويصير بهذا التّخلّص من أصحاب اليمين، وهو وإن لم يكن له في الحقيقة يمين ولا شمال لكنّ اليمين أولى بحاله وأنسب لكماله، لجامعيّته الجهة الخيريّة مع اشتراكهما في اليمن والبركة كما وقع في شأنه عزّ شأنه كلتا يديه يمين وتنزل تلك الظّلمة من ذلك النّور في مقام العبادة وأداء الطّاعة. ونعني بالنّور اللّامكانيّ الرّوح بل خلاصته وبالظّلمة المقيّدة بالجهة النّفس. وكذا المراد بالظّاهر والباطن (فإن قال قائل): إنّ للأولياء المستهلكين أيضا شعورا بالعالم وتوجّها إليه واختلاطا مع بني نوعهم فما معنى الإستهلاك والتّوجّه على الدّوام؟ وما الفرق بينهم وبين المرجوعين إلى العالم للدّعوة؟ (قلنا) إنّ الإستهلاك والتّوجّه بالكلّيّة عبارة عن توجّه الرّوح والنّفس معا بعد اندراج النّفس في أنوار الرّوح كما مرّت الإشارة إليه.
والشّعور بالعالم ونحوه إنّما يكون بالحواسّ والقوى والجوارح الّتي هي كالتّفاصيل للنّفس، فالمجمل الملخّص مستهلك في ضمن أنوار الرّوح في مطالعة المشهود وتفصيله باق على الشّعور السّابق من غير تطرّق فتور إليه، بخلاف المرجوع إلى العالم فإنّ نفسه بعد كونها مطمئنّة تخرج من تلك الأنوار للدّعوة وتحصل له المناسبة حينئذ مع العالم فتقع الدّعوة بتلك المناسبة في معرض الإجابة. (وأمّا) بيان أنّ النّفس مجملة والحواسّ ونحوها تفاصيلها; فلأنّ النّفس لها تعلّق بالقلب الصّنوبريّ، وهو له تعلّق بالرّوح بتوسّط الحقيقة الجامعيّة القلبيّة والفيوض الواردة من الرّوح ترد إجمالا أوّلا عليها ثمّ بتوسّطها إلى سائر القوى والجوارح تفصيلا فخلاصتها موجودة في النّفس إجمالا فظهر الفرق بين الفريقين. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الطّائفة الأولى من أرباب السّكر، والثّانية من أرباب الصّحو. والشّرافة للأولى والفضيلة للأخرى. والمقام الأوّل مناسب للولاية والثّاني للنّبوّة. شرّفنا الله تعالى بكرامات الأولياء وثبّتنا على كمال متابعة الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه على نبيّنا وعليهم وعلى جميع إخوانه من الملائكة المقرّبين والعباد الصّالحين إلى يوم الدّين آمين. المحرّر الدّاعي وإن لم يحسن العربيّة لعجميّته لكن لمّا كان مكتوبهم الشّريف محرّرا بالكلمات العربيّة أملى القرطاس على نحو إملائهم والسّلام ختام الكلام. المكتوب الثّالث والعشرون أرسل إلى عبد الرّحيم المشتهر بخان خانان في جواب كتابه في المنع عن أخذ الطّريق من النّاقص وبيان مضرّته والمنع عن الألقاب الشّبيهة بأهل الكفر نجّانا الله سبحانه وإيّاكم عن المقال الخالي عن الحال والعلم المعرّى عن الأعمال بحرمة سيّد البشر المبعوث إلى الأسود والأحمر عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ويرحم الله عبدا قال آمينا بلّغ رسالتكم الأخ الصّالح الصّادق تبليغا وحكى عن جنابكم بلسان التّرجمان ما حكى فأنشدت (شعر) أهلا لسعدي والرّسول وحبّذا . وجه الرّسول لحبّ وجه المرسل (اعلم) أيّها الأخ القابل لظهور الكمالات أظهر الله سبحانه فعلكم من القوّة: انّ الدّنيا مزرعة الآخرة فويل لمن لم يزرع فيها وعطّل أرض الإستعداد وأضاع بذر الأعمال. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ إضاعة الأرض وتعطيلها إمّا بأن لا يزرع فيها شيئا، أو أن يلقي فيها بذرا خبيثا فاسدا وهذا القسم من الإضاعة أشدّ مضرّة وأكثر فسادا من القسم الأوّل، كما لا يخفى وخبث البذر وفساده بأن يأخذ الطّريق من السّالك النّاقص ويسلك مسلكه لأنّ النّاقص صاحب هوى متّبع وما يشوب بالهوى لا يؤثّر وإن أثّر أعان على الهوى، فيحصل ظلمة على ظلمة لأنّ النّاقص لا يميّز بين الطّرق الموصّلة إلى الله سبحانه وبين الطّرق الّتي لا توصّل إليه سبحانه إذ هو غير واصل قطّ، وكذا لا يميّز بين الإستعدادات المختلفة للطّلبة وإذا لم يميّز طرق الجذبة عن طرق السّلوك فربّما يكون استعداد الطّالب مناسبا لطريق الجذبة غير مناسب لطريق السّلوك ابتداء والنّاقص لعدم تمييزه بين الطّرق وبين الإستعدادات المختلفة يسلكه طريق السّلوك ابتداء فأضلّ عن الطّريق كما ضلّ. فالشّيخ الكامل المكمّل إذا أراد تربية هذا الطّالب وتسليكه احتاج أوّلا إلى إزالة ما أصاب من السّالك النّاقص وإصلاح ما فسد بسببه، ثمّ ألقى البذر الصّالح المناسب لإستعداده في أرض الإستعداد فينبت نباتا حسنا ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ، ومثل كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ فصحبة الشّيخ الكامل المكمّل كبريت أحمر، نظره دواء وكلماته شفاء، وبدونها خرط القتاد وثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام والتّحيّة إذ هو ملاك الأمر ومدار النّجاة ومناط السّعادة ولنعم ما قيل بالفارسيّة، (شعر): محمد عربي كابروى هرد وسراست . كسيكه خاك درش نيست خاك بر سر او (ترجمته) محمّد سيّد الكونين من عرب . تعسا لمن لم يكن في بابه التّربا ولنختم المقالة على صلوات سيّد المرسلين وتسليماته وتحيّاته وبركاته (التّتمّة) والعجب كلّ العجب أنّ الأخ الصّادق قد نقل أنّ من جلسائهم من الشّعراء الفضلاء من يلقّب في الشّعر بالكفرىّ والحال أنّه من السّادات العظام والنّقباء الكرام. فياليت شعري ما حمله على اختيار هذا الإسم الشّنيع البيّن شناعته.
والمسلم ينبغي له أن يفرّ من هذا الإسم زيادة ما يفرّ من الأسد المهلك، ويكرهه كلّ الكراهة لأنّ هذا الإسم ومسمّاه مبغوضان على الله تعالى ورسوله عليه الصّلاة والسّلام والمسلمون مأمورون بعداوة أهل الكفر والغلظة عليهم فالتّحاشي عن مثل هذا الإسم القبيح واجب، وما وقع في عبارات بعض المشائخ قدّس سرّهم في غلبات السّكر من مدح الكفر والتّرغيب في شدّ الزّنّار وأمثال ذلك، فمصروف عن الظّاهر ومحمول على التّأويل. فإنّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر المتبادر فإنّهم معذورون بغلبة السّكر في ارتكاب هذه المحظورات، مع أنّ كفر الحقيقة أنقص بالنّسبة إلى إسلام الحقيقة عند أكابر هؤلاء القوم، وغير السّكارى غير معذور في تقليدهم لا عندهم ولا عند أهل الشّرع لأنّ لكلّ شيء موسما ووقتا خاصّا صلح ذلك الشّيء في ذلك الموسم وقبح في موسم آخر، والعاقل لا يقيس أحدهما على الآخر فالتمسوه من قبلى أن يغيّر هذا الإسم ويبدّله باسم خير منه ويلقّب بالإسلاميّ، فإنّه موافق لحال المسلم ومقاله، وانتساب إلى الإسلام الّذي هو الدّين المرضيّ عند الله سبحانه وعند الرّسول عليه الصّلاة والسّلام واجتناب عن التّهمة الّتي أمرنا باتّقائها " اتّقوا مواضع التّهم». كلام صادق لا غبار عليه قال سبحانه: ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ والسّلام على من اتّبع الهدى. المكتوب الرّابع والعشرون أرسل إلى محمّد قلي? خان في بيان أنّ الصّوفيّ كائن بائن وأنّ تعلّق القلب لا يكون بأكثر من واحد وأنّ ظهور المحبّة الذّاتيّة يستلزم استواء الإيلام والإنعام من المحبوب والفرق بين عبادة المقرّبين وعبادة الأبرار وكذا بين الأولياء المستهلكين وبين الأولياء المرجوعين إلى دعوة الخلق سلّمكم الله سبحانه وعافاكم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات: «المرء مع من أحبّ» فطوبى لمن لم يبق لقلبه حبّا إلّا مع الله سبحانه ولم يرد إلّا وجهه تعالى وتقدّس فيكون هو مع الله جلّ سلطانه وإن كان في ظاهره مع الخلق واشتغل بهم صورة. وهو شأن الصّوفيّ الكائن البائن أي الكائن مع الله سبحانه والبائن من الخلق حقيقة، أو المراد الكائن مع الخلق صورة والبائن منهم حقيقة والقلب لا تتعلّق محبّته بأكثر من واحد فما لم يزل التّعلّق الحبّيّ بذلك الواحد لم يتعلّق بما سواه محبّته وما يرى من كثرة مراداته وتعلّق محبّته بالأشياء المتكثّرة كالمال والولد والرّياسة والمدح والرّفعة عند النّاس، فثمّة أيضا لا يكون محبوبه إلّا واحدا وهو نفسه ومحبّة هؤلاء فرع محبّته لنفسه. فإنّ هذه الأشياء لا يريدها إلّا لنفسه لا لأنفسهم. فإذا زالت محبّته لنفسه زالت محبّتهم بالتّبعيّة أيضا، فلهذا قيل: إنّ الحجاب بين العبد والرّبّ هو نفس العبد لا العالم، فإنّ العالم في نفسه غير مراد للعبد حتّى يكون حجابا وإنّما مراد العبد هو نفسه فلا جرم يكون الحجاب هو العبد لا غير. فما لم يخل العبد عن مراد نفسه كلّيّة لا يكون الرّبّ مراده ولا يسع قلبه محبّته سبحانه وتعالى. وهذه الدّولة القصوى لا تتحقّق إلّا بعد الفناء المطلق المنوط بالتّجلّي الذّاتيّ، فإنّ رفع الظّلمات رأسا لا يتصوّر إلّا بطلوع الشّمس بازغة. فإذا حصلت تلك المحبّة المعبّر عنها بالمحبّة الذّاتيّة استوى عند المحبّ إنعام المحبوب وإيلامه فحينئذ حصل الإخلاص فلا يعبد ربّه إلّا له لا لإجل نفسه من طلب الإنعام ودفع الإيلام لأنّهما عنده سواء. وهذه مرتبة المقرّبين فإنّ الأبرار إنّما يعبدون الله خوفا وطمعا وهما راجعان إلى نفسهم لعدم فوزهم بسعادة المحبّة الذّاتيّة فلا جرم يكون حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين فحسنات الأبرار حسنات من وجه وسيّئات من وجه وحسنات المقرّبين حسنات محضة نعم من المقرّبين من يعبد الله خوفا وطمعا أيضا بعد تحقّقهم بالبقاء الأكمل وتنزّلهم بعالم الأسباب لكنّ خوفهم وطمعهم غير راجعين إلى أنفسهم بل إنّما يعبدون طمعا في رضائه سبحانه وخوفا من سخطه تعالى. وكذا إنّما يطلبون الجنّة لأنّها محلّ رضائه تعالى لا لحظوظ أنفسهم، وإنّما يستعيذون من النّار لأنّها محلّ سخطه تعالى لا لدفع الإيلام عن أنفسهم لأنّ هؤلاء الأكابر محرّزون عن رقّيّة الأنفس وصاروا خالصين لله سبحانه.
وهذه الرّتبة أعلى من بين رتب المقرّبين ولصاحب هذه المرتبة نصيب تامّ من كمالات مقام النّبوّة بعد تحقّقه بمرتبة الولاية الخاصّة. ومن لم ينزل إلى عالم الأسباب فهو من الأولياء المستهلكين، فلا نصيب له من كمالات مقام النّبوّة فلا يكون أهلا للتّكميل بخلاف الأوّل. رزقنا الله سبحانه محبّة هؤلاء الأكابر بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله وأتباعه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها فإنّ المرء مع من أحبّ. المكتوب الخامس والعشرون أرسل إلى خواجه جهان في التّحريض على متابعة سيّد المرسلين ومتابعة الخلفاء الرّاشدين عليه وعليهم من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أتمّها سلّم الله تعالى قلبكم وشرح صدوركم وزكّى أنفسكم وألان جلدكم كلّ ذلك بل جميع كمالات الرّوح والسّرّ والخفىّ والأخفى منوط بمتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها فعليكم بمتابعته ومتابعة خلفائه الرّاشدين الهادين المهديّين من بعده، فإنّهم نجوم الهداية وشموس الولاية، فمن شرّف بمتابعتهم فقد فاز فوزا عظيما ومن جبل على مخالفتهم فقد ضلّ ضلالا بعيدا. البقيّة من المقصود إظهار الإضطرار وضيق المعيشة لابنى المرحوم الشّيخ سلطان فالملتمس من جنابكم مددهم وإعانتهم فإنّكم حريّون بذلك، بل موفّقون لقضاء حوائج النّاس طرّا زاد الله تعالى توفيقكم وجعل الخير رفيقكم. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى . المكتوب السّادس والعشرون أرسل إلى الشّيخ العالم مولانا الحاجّ محمّد اللّاهوريّ في بيان أنّ الشّوق يكون للأبرار دون المقرّبين مع علوم تناسب هذا المقام ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. ورد في الحديث القدسيّ " ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إليهم لأشدّ شوقا» . أثبت الله سبحانه الشّوق للأبرار لأنّ المقرّبين الواصلين لا شوق لهم، لأنّ الشّوق يقتضي الفقد والفقد في حقّهم مفقود، ألا يرى أنّ الشّخص لا يشتاق إلى نفسه مع إفراطه في حبّه لعدم تحقّق الفقد في حقّه فالمقرّب الواصل الباقي بالله سبحانه الفاني عن نفسه حكمه كحال الشّخص مع نفسه. فلا جرم لا يكون المشتاق إلّا الأبرار لأنّه محبّ فاقد. ونعني بالأبرار غير المقرّب الواصل سواء كان في الإبتداء أو في الوسط، ولو بقي منه مقدار خردلة ولنعم ما قيل في الشّعر الفارسيّ: فراق دوست اكراند كست اندك نيست . درون ديده اكر نيم موست بسيارست (يعني) ما قلّ هجران الحبيب وإن غدا . قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر نقل عن الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه أنّه رأى قارئا يقرأ القرآن ويبكي فقال: هكذا كنّا نفعل ولكن قست قلوبنا. هذا من قبيل المدح بما يشبه الذّمّ. وسمعت شيخي قدّس سرّه يقول: إنّ المنتهى الواصل ربّما يتمنّى الشّوق والطّلب الّذي كان له في الإبتداء. ولرفع الشّوق مقام آخر أكمل من الأوّل وأتمّ وهو مقام اليأس والعجز عن الإدراك فإنّ الشّوق يتصوّر في المتوقّع، فحيث لا توقّع لا شوق. وإذا رجع هذا الكامل البالغ نهاية الكمال إلى العالم رجوع القهقرى لا يعود إليه الشّوق أيضا مع وجود الفقد بالرّجوع لأنّ زوال شوقه ما كان لزوال الفقد بل لحصول اليأس، وهو موجود بعد الرّجوع أيضا بخلاف الكامل الأوّل فإنّه يعود إليه الشّوق برجوعه إلى العالم لحصول الفقد الّذي زال من قبل. فحين وجد الفقد بالرّجوع حصل الشّوق الّذي زال بزواله. (لا يقال) إنّ مراتب الوصول لا تنقطع أبد الآبدين فيتوقّع بعد تلك المراتب فيتصوّر الشّوق؛ (لأنّا نقول) عدم انقطاع مراتب الوصول مبنيّ على السّير التّفصيليّ الواقع في الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. وهذا السّالك لا يتصوّر في حقّه نهاية ولا يزول عنه الشّوق أبدا. وما نحن بصدده هو المنتهى الواصل الّذي قطع تلك المراتب بطريق الإجمال، وانتهى إلى ما لا يمكن التّعبير عنه بعبارة ولا يشار إليه بإشارة. فلا يتصوّر تمّة توقّع أصلا، فلا جرم يزول عنه الشّوق والطّلب. وهذا حال الخواصّ من الأولياء لأنّهم هم الّذين عرجوا عن ضيق الصّفات ووصلوا إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست، بخلاف السّالكين في الصّفات مفصّلا والسّائرين في الشّئونات مرتّبا فإنّهم محبوسون في التّجلّيات الصّفاتيّة أبد الآبدين.
ومراتب الوصول في حقّهم ليست إلّا الوصول إلى الصّفات. والعروج إلى حضرة الذّات لا يتصوّر إلّا بالسّير الإجماليّ في الصّفات والإعتبارات. ومن وقع سيره في الأسماء بالتّفصيل حبس في الصّفات والإعتبارات ولم يزل منه الشّوق والطّلب ولم يفارق عنه الوجد والتّواجد فأصحاب الشّوق والتّواجد ليسوا إلّا أصحاب التّجلّيات الصّفاتيّة وليس من التّجلّيات الذّاتيّة لهم نصيب ما داموا في الشّوق والوجد. (فإن قال) قائل: ما معنى الشّوق من الله سبحانه وليس منه سبحانه مفقود شيئا؟ قلت: ذكر الشّوق ههنا يحتمل أن يكون من قبيل صنعة المشاكلة وذكر الشّدّة فيه باعتبار أنّ كلّ ما ينسب إلى العزيز الجبّار فهو شديد وغالب على ما ينسب إلى العبد الضّعيف. هذا الجواب على طريقة العلماء. وللعبد الضّعيف في جوابه وجوه أخر تناسب طريقة الصّوفيّة. ولكنّ تلك الأجوبة تقتضي نحوا من السّكر وبدون السّكر لا تستحسن بل لا تجوز، لأنّ السّكارى معذورون وأرباب الصّحو مسئولون. وحالي الآن الصّحو الصّرف فلا يليق بحالي ذكرها هذا. الحمد لله أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على نبيّه دائما وسرمدا. المكتوب السّابع والعشرون إلى خواجه عمك في بيان مدح الطّريقة النّقشبنديّة وعلوّ نسبة هؤلاء الأكابر قدّس الله أسرارهم الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى ورد مكتوبكم المرسل إلى هذا المخلص على وجه الكرم وصار باعثا على الإبتهاج والسّرور، والمرجوّ سلامتكم ولا أريد أن أصدّعكم بغير مدح هذه السّلسلة العليّة النّقشبنديّة. (أيّها المخدوم المكرّم)، قد وقع في عبارات أكابر هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أسرارهم " أنّ نسبتنا فوق جميع النّسب " وأرادوا بتلك النّسبة الحضور والشّعور. والحضور المعتبر عندهم إنّما هو حضور بلا غيبة. وقد عبّروا عنه بيادداشت. فتكون نسبة هؤلاء الأعزّة عبارة عن يادداشت ويادداشت الّذي تقرّر في فهم هذا الفقير القاصر مبنيّ على هذا التّفصيل، وهو أنّ التّجلّي الذّاتيّ عبارة عن ظهور حضرة الذّات تعالت وتقدّست. وحضوره تعالى بلا ملاحظة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. وقالوا لهذا التّجلّي تجلّيا برقيّا، يعني يتحقّق ارتفاع الشّئون والإعتبارات لمحة يسيرة ثمّ تسدل حجب الشّئون والإعتبارات وتتوارى حضرة الذّات. فعلى هذا التّقدير لا يتصوّر حضور بلا غيبة بل الحضور لمحة يسيرة والغيبة دائمة وكائنة في أغلب الأوقات فلا تكون هذه النّسبة معتبرة عند هؤلاء الأعزّة، والحال قد قال مشائخ السّلاسل الأخر لهذا التّجلّي نهاية النّهاية، فإذا دام هذا الحضور ولم يقبل الإحتجاب والإستتار أصلا، وتجلّي الحقّ سبحانه بلا حجب الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات دائما كان حضورا بلا غيبة. فينبغي أن يعلم تفاوت ما بين نسبة هؤلاء الأكابر ونسب الآخرين بهذا القياس، وأن يعتقدها فوق الكلّ بلا تحاش وهذا القسم من الحضور وإن كان مستبعدا عند أكثر النّاس ولكن لا بعد فيها عند أربابها، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع وقد عرضت لهذه النّسبة غرابة على نهج لو حكيتها فرضا عند أرباب هذه السّلسلة العظيمة الشّأن يحتمل أن يكون أكثرهم في مقام الإنكار ولا يصدّقوها، والنّسبة الّتي كانت متعارفة الآن عند أرباب هذه السّلسلة عبارة عن حضور الحقّ سبحانه وشهوده تعالى على وجه يكون منزّها عن وصف الشّاهديّة والمشهوديّة وعن التّوجّه المعرّى عن الجهات السّتّ المتعارفة وإن توهّمت جهة الفوق وظنّ دوامها بحسب الظّاهر. وهذه النّسبة يعني المذكورة المتعارفة الآن تتحقّق أيضا في مقام الجذبة فقط ولا يظهر وجه كونها فائقة لنسب سائر الطّرق بخلاف يادداشت بالمعنى السّابق، فإنّ حصولها إنّما هو بعد تمام جهة الجذبة ومقامات السّلوك، وعلوّ درجتها لا يخفى على أحد. فإن كان خفاء فإنّما هو في حصولها فقط فإن أنكر حاسد بسبب حسده وجحد ناقص لنقصانه فهو معذور، (شعر): إن عابهم قاصر طعنا بهم سفها . برأت ساحتهم من أفحش الكلم هل يقطع الثّعلب المحتال سلسلة . قيّدت بها أسد الدّنيا بأسرهم. والسّلام أوّلا وآخرا.
المكتوب الثّامن والعشرون أرسل أيضا إلى خواجه عمك في بيان علوّ الحال لكن بعبارة موهمة للتّنزّل والتّباعد قد ابتهجت بورود مكتوبكم المرسل إلى هذا المخلص على وجه الكرم، وتشرّفت بمطالعته، فما أعظم نعمة تذكّر الأحرار المأسورين وما أجلّ دولة اهتمام الواصلين بحال المهجورين، والمهجور العاجز لمّا لم يجد نفسه أهلا للوصال اختار الخمولة في زاوية الهجران بالضّرورة وهرب من القرب واطمئنّ بالبعد وسكن إلى الإنفصال عن الإتّصال ولمّا رأى أسرا في اختيار الحرّيّة اختار الأسر بالممنونيّة، (شعر): ? ون طمع خواهد ز من سلطان دين . خاك بر فرق قناعت بعدا زين (يعني) إذا ما أراد الطّمع منّي مالكي . لقلت على رأس القناعة أحجار وبماذا أصدّعكم بأزيد من ذلك بعبارات غير مرتبطة وإشارات غير منتظمة. ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. المكتوب التّاسع والعشرون صدر إلى الشّيخ نظام الدّين التّانيسرىّ في التّرغيب في أداء الفرائض ورعاية السّنن والآداب وعدم المبالات في أداء النّافلة في جنب الفرائض والمنع عن أداء العشاء في النّصف الأخير من اللّيل والمنع عن تجويز شرب الماء المستعمل في الوضوء والمنع عن تجويز سجدة المريدين يعني لشيخهم أو غيره عصمنا الله سبحانه وإيّاكم عن التّعصّب والتّعسّف ونجّانا وإيّاكم عن التّلهّف والتّأسّف بحرمة سيّد البشر المنفيّ عنه زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. (واعلم) أنّ مقرّبات الأعمال إمّا فرائض وإمّا نوافل فالنّوافل لا اعتبار لها في جنب الفرائض أصلا، فإنّ أداء فرض من الفرائض في وقت من الأوقات أفضل من أداء النّوافل ألف سنة وإن ادّيت بنيّة خالصة أيّ نفل كان من الصّلاة والصّوم والذّكر والفكر وأمثال ذلك بل أقول: إنّ رعاية سنّة من السّنن وأدب من الآداب حين أداء الفرائض لها ذلك الحكم أيضا . نقل أنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه صلّى يوما صلاة الصّبح بجماعة ثمّ نظر إلى القوم وتفقّدهم فلم ير فيهم شخصا من أصحابه فقال: ألم يحضر الفلان الجماعة؟ فقيل: إنّه يسهر أكثر اللّيل فيحتمل أن يكون قد غلبه النّوم في هذا الوقت. فقال: «لو نام تمام اللّيل وصلّى صلاة الصّبح مع الجماعة لكان أولى وأفضل» . فرعاية الأولى والإجتناب عن المكروه وإن كان تنزيهيّا أولى من الذّكر والفكر والمراقبة والتّوجّه بمراتب كثيرة فكيف إذا كان المكروه تحريميّا نعم إن جمع هذه الأمور مع هذه الرّعاية والإجتناب فقد فاز فوزا عظيما وبدونه خرط القتاد. فكما أنّ تصدّق دانق مثلا في حساب الزّكاة أفضل من تصدّق مقدار جبال عظام من ذهب بطريق النّفل بمراتب، كذلك رعاية أدب في تصدّق ذلك الدّانق كان يعطيه إلى فقير مستحقّ أفضل منه أيضا بمراتب، فتأخير صلاة العشاء إلى النّصف الأخير من اللّيل وجعل ذلك التّأخير وسيلة إلى قيام اللّيل مستنكر جدّا; فإنّ أداء العشاء في ذلك الوقت مكروه عند علماء الحنفيّة رضي الله عنهم والظّاهر أنّهم أرادوا بهذه الكراهة الكراهة التّحريميّة فإنّهم أباحوا أداء العشاء إلى نصف اللّيل وبعد نصف اللّيل قالوا بكراهته والمكروه المقابل للمباح مكروه تحريميّ. وعند الشّافعيّة لا يجوز في ذلك الوقت أداء العشاء رأسا. فارتكاب هذا الأمر بواسطة قيام اللّيل وحصول الأذواق والجمعيّة في ذلك الوقت مستكره جدّا، ويكفي لهذا الغرض تأخير الوتر أيضا وذلك التّأخير مستحبّ فيؤدّي الوتر في وقت مستحبّ ويتيسّر الغرض من قيام اللّيل والسّهر، فينبغي ترك هذا العمل وقضاء الصّلوات الفائتة فإنّ الإمام الأعظم أبا حنيفة الكوفيّ رضي الله تعالى عنه قضى صلاة أربعين سنة بواسطة ترك أدب من آداب الوضوء. (وأيضا) لا يجوز شرب الماء المستعمل لإزالة الحدث أو بنيّة القربة. فإنّ ذلك الماء نجس مغلّظ عند الإمام الأعظم ومنع الفقهاء من شرب ذلك الماء وكرهوه.
نعم قالوا: «إنّ شرب بقيّة الوضوء شفاء " فإن طلب شخص ذلك بالإعتقاد الصّحيح فأعط من ذلك وقد وقع للفقير مثل هذا الإبتلاء في دهلى في هذه النّوبة بسبب أنّ بعض الأصحاب قد رأى في الواقعة أنّه ينبغي أن يشرب الماء المستعمل في وضوء هذا الفقير وإلّا يلحقه ضرر عظيم، وكلّما دفعته لم ينفع ولم يمتنع، فراجعت الكتب الفقهيّة فوجدت مخلصا من ذلك حيث قالوا: «إنّ المتوضّئ لو لم ينو القربة بعد تثليث الغسل لا يكون الماء مستعملا في المرتبة الرّابعة " فكنت أعطيه ما أغسل به في المرتبة الرّابعة بلا نيّة القربة ليشربه تجويزا له بهذه الحيلة. (وأيضا) قد نقل رجل معتمد أنّ مريدي بعض خلفائكم يسجدون له ولا يكتفون بتقبيل الأرض. وشناعة هذا الفعل أظهر من الشّمس فامنعوه من ذلك بالتّأكيد، فإنّ الإجتناب. من أمثال هذا الفعل مطلوب من كلّ أحد خصوصا ممّن تصدّى لإقتداء الخلق به فإنّ الإجتناب له من أمثال هذا الفعل من أشدّ الضّروريّات لأنّ المقلّدين يقتدون به في أعماله فيقعون في بلاء وابتلاء وأيضا إنّ علوم هذه الطّائفة علوم الأحوال والأحوال مواريث الأعمال فيكون الميراث من علوم الأحوال لشخص قد صحّح الأعمال وقام بحقّها في كلّ حال. وتصحيح الأعمال إنّما يتيسّر إذا عرف الأعمال وعلم كيفيّة كلّ منها بلا إهمال، وذلك علم أحكام الشّرع من الصّلاة والصّوم وسائر الفرائض، وعلم المعاملات كالنّكاح والطّلاق والمبايعات، وعلم كلّ شيء أوجبه الحقّ سبحانه على المكلّف ودعاه إليه. وهذه العلوم اكتسابيّة لا بدّ من تعلّمها لكلّ أحد والعلم بين المجاهدتين إحداهما في طلبه قبل حصوله، وثانيتهما المجاهدة في استعماله بعد حصوله فكما أنّه يذكر في مجلسه الشّريف من كتب التّصوّف، كذلك ينبغي أن يذكر فيه من الكتب الفقهيّة. والكتب الفقهيّة بالعبارة الفارسيّة كثيرة مثل مجموعة خانى وعمدة الإسلام والكنز الفارسيّ، بل لا ضرر أصلا إن لم يذكر من كتب التّصوّف فإنّه يتعلّق بالأحوال لا دخل له في القال. وعدم مذاكرة الكتب الفقهيّة محتمل للضّرر، وزيادة الإطناب موجبة للملال. القليل يدلّ على الكثير. وبثثت عندك من خفىّ ضمائر . نبذا وخفت سآمة من كثرة رزقنا الله سبحانه وإيّاكم كمال متابعة حبيبه صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم. المكتوب الثّلاثون في بيان الشّهود الآفاقيّ والأنفسيّ وفرق ما بين الشّهود الأنفسيّ والتّجلّي الصّوريّ وبيان علوّ شأن مقام العبوديّة ومطابقة علوم ذلك المقام بالعلوم الشّرعيّة وما يناسب ذلك قال الملّا محمّد صدّيق من جملة خدمته المتقدّمين: إنّ هذا المكتوب أيضا أرسل إلى الشّيخ نظام الدّين التّانيسريّ. شرّفكم الله بكمال الإتّباع المحمّديّ وزيّنكم بزيّ النّبيّ المصطفويّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّحيّات أكملها. ما أدري ماذا أكتب فإن تكلّمت من جناب قدس مولاي تعالى وتقدّس يكون كذبا صريحا وافتراء محضا فإنّ جناب كبريائه أجلّ من أن يتكلّم فيه مثلي فإنّ المكتنف بالكيف كيف يقول ويتكلّم ممّن تنزّه عن الكيف وماذا يريد وأيّ شيء يدرك المحدث من القديم، وإلى متى يجري المكانيّ ويعدو في لا مكان مسكين، لا خبر له عمّا في خارج نفسه ولا ممرّ له فيما ورائه، (شعر): ذره كربس نيك ور بس بديود . كر ? ه عمرى تك زند در خود بود (يعني) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا . خيرا وشرّا تنل في نفسها اكتمانا وهذا المعنى أيضا يتيسّر في السّير الأنفسيّ الّذي يتيسّر في نهاية الأمر. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: إنّ أهل الله كلّما يرون بعد الفناء والبقاء يرونه في أنفسهم وكلّما يعرفونه يعرفونه في أنفسهم وحيرتهم إنّما تكون في وجودهم: وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وكلّ سير قبل ذلك داخل في السّير الآفاقيّ الّذي حاصله ممّا لا حاصل فيه وإطلاق لفظ لا حاصل إنّما هو بالنّسبة إلى أصل المطلب وإلّا فهو أيضا من جملة الشّرائط والمعدّات.
(ولا يتوهّمنّ) أحد من الشّهود الأنفسيّ أنّه مثل التّجلّي الصّوريّ الّذي في نفس المتجلّى له ولا يتخيّل ذلك حاشا وكلّا فإنّ التّجلّي الصّوريّ داخل في السّير الآفاقيّ بجميع أقسامه وحاصل في مرتبة علم اليقين، والشّهود الأنفسيّ كائن في مرتبة حقّ اليقين الّذي هو نهاية مراتب الكمال. وإطلاق لفظ الشّهود في هذا المقام من ضيق ميدان العبارة، وإلّا فكما أنّ مطلبهم منزّه عن الكيف والكيفيّة، كذلك نسبتهم إلى ذلك المطلب منزّهة عن الكيف والكيفيّة فإنّه لا سبيل للمتكيّف إلى المنزّه عن الكيف قال في المثنويّ، (شعر): هست رب الناس را با جان ناس . اتصالى بى تكيف بى قياس ليك كفتم ناس را نسناس نه . ناس غير از جان جان اسناس نه يعني: إنّ للرّحمن مع أرواح ناس . اتّصالا دون كيف وقياس قلت ناسا دون نسناس الفلا . ليس ناس غير روح في الملا ومنشأ توهّم اتّحاد الشّهود الأنفسيّ بالتّجلّي الصّوريّ المذكور، هو حصول بقاء شخص في كلا المقامين. فإنّ التّجلّي الصّوريّ ليس بمفن يعني للمتجلّى له وهو وإن رفع قيدا من القيود، ولكنّه لا يوصّل إلى حدّ الفناء ففيه بقيّة من وجود السّالك، والسّير الأنفسيّ إنّما هو بعد الفناء الأتمّ والبقاء الأكمل، فلا جرم يصعب تفرقة ما بين هذين البقاءين لقلّة المعرفة. فيحكمون بالأتّحاد بالضّرورة، فإن علموا أنّ البقاء الثّاني معبّر عندهم بالبقاء بالله وأنّ ذلك الوجود يقال له الوجود الموهوب الحقّانيّ فعسى أن يتخلّصوا من ذلك التّوهّم. (ولا يقال) هنا إنّ البقاء بالله عبارة عن وجدان السّالك نفسه عين الحقّ تعالى وتقدّس فإنّ الأمر ليس كذلك. فإن استفيد هذا المعنى من بعض عبارات القوم. أجيب عن ذلك: أنّ هذا البقاء يتيسّر للبعض في مقام الجذبة بعد الإستهلاك والإضمحلال المتشابه بالفناء. وأكابر النّقشبنديّة يعبّرون عن ذلك بوجود العدم، وهذا قبل حصول الفناء ويتصوّر له الزّوال، بل هو واقع; فإنّه ربّما يؤخذ السّالك عن نفسه ويغيب ثمّ يرجع إلى نفسه أحيانا يعني ترتفع عنه الصّفات البشريّة ثمّ يعطاها ثانيا والبقاء الّذي بعد الفناء الأتمّ مصون عن الزّوال ومحفوظ من الخلل. وفناء أرباب هذا البقاء فناء دائميّ فهم فانون في عين البقاء وباقون في عين الفناء. فإنّ الفناء والبقاء اللّذين يتطرّق إليهما الزّوال من جملة تلوينات الأوقات والأحوال، ولا كذلك فيما نحن بصدد بيانه. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه " إنّ وجود العدم يعود إلى وجود البشريّة وأمّا وجود الفناء فلا يعود إلى وجود البشريّة». فلا جرم يكون وقتهم دائميّا وحالهم سرمديّا البتّة بل لا وقت لهم ولا حال, شغلهم مع موقّت الأوقات ومعاملتهم مع محوّل الأحوال، فصار قبول الزّوال مخصوصا بالوقت والحال ومن تخلّص عن الوقت والحال فقد صار ما يعرض له محفوظا من الزّوال ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . (ولا يزعم) الزّاعم: أنّ إطلاقهم دوام الوقت، وقولهم به إنّما هو باعتبار بقاء أثر ذلك الوقت ودوامه من التّعيّن وغيره. فإنّ الأمر ليس كذلك، بل الدّوام لنفس الوقت والإستمرار لعين الحال إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا . بل نقول: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ . (قد طال) الكلام، فلنرجع إلى أصل المرام ونقول: إذا لم يكن في فضاء قدسه تعالى مجال للكلام فلنتكلّم في مقام عبوديّتنا وذلّنا وانكسارنا. إنّ المقصود من الخلقة الإنسانيّة إنّما هو أداء وظائف العبوديّة. ومن أعطى العشق والمحبّة في الوسط والإبتداء فالمقصود منه قطع التّعلّق من غير جناب قدسه جلّ شأنه.
وليس العشق والمحبّة من المقاصد بل هو لحصول مقام العبوديّة فإنّ السّالك إنّما يكون عبد الله تعالى إذا تخلّص عن أسر غيره تعالى وعبوديّته بالتّمام، وليس فائدة العشق سوى أن يكون وسيلة الإنقطاع عن غيره سبحانه; ولهذا كانت نهاية مراتب الولاية مقام العبديّة، وليس في درجات الولاية مقام فوق مقام العبديّة ولا يجد السّالك في هذا المقام مناسبة بينه وبين مولاه تعالى إلّا الإحتياج من جانبه والإستغناء الأتمّ ذاتا وصفة من جانب المولى تعالى وتقدّس لا انّه يجد ذاته مناسبا لذاته وصفاته لصفاته وأفعاله لأفعاله عزّ سلطانه ولو بوجه من الوجوه حتّى انّه يتنزّه ويتبرّأ عن إطلاق الظّلّيّة لكونها من جملة المناسبات، بل يعتقد أنّه سبحانه خالقه وهو مخلوق له تعالى ولا يجترئ بغير ذلك بشيء. والتّوحيد الفعليّ الّذي يظهر لجمع في أثناء الطّريق بأن لا يجدوا فاعلا غير الحقّ سبحانه يقول هؤلاء الأكابر ويعتقدون أنّ خالق هذه الأفعال واحد لا أنّ مباشرها واحد، فإنّ هذا الكلام يكاد يوصل قائله إلى الزّندقة. ولنوضّح ذلك بمثال وهو أنّ العارف بالشّعبذة إذا قعد وراء الحجاب وحرّك بشعبذته صور جمادات متعدّدة وأظهر منها أفعالا عجيبة غريبة فالّذين فيهم حدّة البصر يعرفون أنّ جاعل هذه الأفعال في تلك الصّور هو ذلك الشّخص القاعد وراء الحجاب ولكن مباشر هذه الأفعال هو هذه الصّور. ولهذا يقال: إنّ الصّورة متحرّكة دون أن يقال: إنّ صاحب الشّعبذة متحرّك. وهم محقّون في ذلك الحكم في نفس الأمر، وشرائع الأنبياء ناطقة بذلك، والحكم بوحدة الفاعل من جملة السّكريّات، بل الحقّ الصّريح أنّ الفاعل متعدّد وخالق الأفعال واحد، وهكذا العلوم الّتي بيّنوها في توحيد الوجود مبناها على السّكر وغلبة الحال وعلامة صحّة العلوم اللّدنيّة مطابقتها لصريح العلوم الشّرعيّة فإن جاوزها مقدار شعرة وخالفها في مثقال ذرّة فهو من السّكر والحقّ ما حقّقه العلماء من أهل السّنّة والجماعة وما سوى ذلك يعني ممّا يخالفه إمّا زندقة وإلحاد، أو سكر وقت وغلبة حال مفضية إلى القول بالإتّحاد. وهذه المطابقة على وجه الكمال والتّمام إنّما تتيسّر في مقام العبديّة، وفي ما وراء ذلك يتحقّق فيه نحو من السّكر. (ع) فيا لها قصّة في شرحها طول. سئل الخواجه بهاء الدّين قدّس سرّه أنّه ما المقصود من السّلوك؟ فقال لتصير المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة ضروريّة ولم يقل ليحصل معرفة زائدة على معارف شرعيّة وإن حصل في الطّريق أمور زائدة. لكن إذا بلغ الأمر نهايته تكون تلك الأمور هباء منثورا وتصير المعارف الشّرعيّة معلومة على وجه التّفصيل وتخرج من مضيق الإستدلال إلى فضاء إطلاق الكشف. يعني كما أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يأخذ هذه العلوم من الوحي كذلك هؤلاء الأكابر يأخذونها بطريق الإلهام من الأصل. والعلماء بيّنوا هذه العلوم أخذا لها من الدّلائل الشّرعيّة بطريق الإجمال. فكما أنّ هذه العلوم كانت حاصلة للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام تفصيلا، كذلك تكون تلك العلوم حاصلة لهم كشفا على هذا النّهج. والأصالة والتّبعيّة قائمتان في البين، وإنّما ينتخب لمثل هذا القسم من الكمال بعض من كمّل الأولياء بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة. وقد كان في الخاطر أن أكتب مسألة إجماليّة واستدلاليّة على وجه التّفصيل لكن تمّت الصّحيفة ولم يبق محلّ لكتابتها ولعلّ في ذلك حكمة الحقّ سبحانه وتعالى والسّلام. المكتوب الحادي والثّلاثون في بيان ظهور حقيقة التّوحيد الوجوديّ وقربه تعالى ومعيّته الذّاتيّين ومجاوزة ذلك المقام مع بعض الأسئلة والأجوبة المتعلّقة بهذا المقام أرسله إلى الشّيخ صوفيّ ثبّتنا الله سبحانه وتعالى على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله وعليهم من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها: قد نقل من كان في مجلسكم الشّريف أنّ شخصا من مريدي الشّيخ ميان نظام الدّين التّانيسرىّ ذكر هذا الفقير وقال إنّه ينكر وحدة الوجود، والتمس ناقل هذا الكلام من هذا الفقير أن أكتب إلى خدّامكم ما هو الحقيقة في هذا الباب لئلّا يقع النّاس من هذا الكلام في سوء الظّنّ فإنّ بعض الظّنّ إثم.
فتجرّأت على تصديعكم بكلمات إجابة لمسئوله (أيّها المخدوم المكرّم): إنّ معتقد الفقير من الصّغر كان مشرب أهل التّوحيد يعني توحيد الوجود وكان والد الفقير قدّس سرّه في ذلك المشرب بحسب الظّاهر وكان مشغولا بهذا الطّريق على سبيل الدّوام مع وجود حصول التّوجّه التّامّ بحسب الباطن إلى جانب المرتبة اللّاكيفيّة. وبحكم " ابن الفقيه نصف الفقه " كان للفقير أيضا حظّ وافر من هذا المشرب بحسب العلم وحصلت لي منه لذّة عظيمة إلى أن أوصلني الله بمحض كرمه إلى جناب حضرة معدن الإرشاد مظهر الحقائق والمعارف مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا ومولانا وقبلتنا محمّد الباقي قدّسنا الله تعالى بسرّه. فعلّم الفقير الطّريقة النّقشبنديّة وبذل التّوجّه البليغ في حقّ هذا المسكين، فانكشف التّوحيد الوجوديّ في مدّة يسيرة بعد ممارسة هذه الطّريقة العليّة، وعرض لي غلوّ في هذا الكشف، وظهر شيء وافر من علوم هذا المقام ومعارفه ولم تبق دقيقة من دقائق هذه المرتبة غير منكشفة، ولاحت دقائق علوم الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ ومعارفه، وشرّفت بالتّجلّي الذّاتيّ الّذي بيّنه صاحب الفصوص واعتقد أنّه نهاية العروج، وقال في حقّه: «وما بعد هذا إلّا العدم المحض " وحصل لي علوم ذلك التّجلّي ومعارفه الّتي قال الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ انّها مخصوصة بخاتم الولاية بالتّفصيل، وبلغ سكر الوقت وغلبة الحال في هذا التّوحيد حدّا كتبت إلى حضرة الخواجه يعني شيخه في بعض العرائض هذين البيتين المملوّين بألفاظ السّكر، (شعر): أى دريغا كاين شريعت ملت أعماءيست . ملت ما كافرى وآلة ترساءيست كفر إيمان زلف وروى آن ? رى زيبايست . كفر وإيمان هر دو اندر راه ما يكتأيست (يعني) الا انّ هذا الشّرع ملّة من عمي . وملّتنا كفر وملّة جاحد ذوائب من أهواه كفر ووجه . انقيادهما عندي على حدّ واحد وامتدّ هذا الحال إلى مدّة مديدة وانجرّ الأمر من الشّهور إلى سنين عديدة ثمّ برزت عناية الحقّ سبحانه الّتي لا غاية لها من كوّة الغيب وجاءت إلى عرصة الظّهور وانسدل نقاب اللّاكيفيّ واللّاكيفيّة على وجه المطلوب المذكور وتوجّهت العلوم السّابقة الّتي كانت منبئة عن الإتّحاد ووحدة الوجود نحو الزّوال والفتور واستترت الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة الذّاتيّات الّتي كانت منكشفة في ذلك المقام المسطور وصار معلوما بيقين يقين أنّ هذه النّسب المذكورة ليست بثابتة للصّانع جلّ شأنه مع العالم بل إحاطته وقربه تعالى بحسب العلم كما هو مقرّر عند أهل الحقّ شكر الله سعيهم وهو تعالى ليس بمتّحد بشيء من الأشياء. هو هو تعالى وتقدّس والعالم عالم، وهو تعالى منزّه عن الكيف والكيفيّات والعالم متّسم بميسم الكيف من الفرق إلى القدم. ولا يمكن أن يقال: إنّ المنزّه عن الكيف عين المكيّف بالكيف وانّ الواجب عين الممكن ولا يكون القديم عين الحادث وممتنع العدم عين جائز العدم أصلا. فإنّ انقلاب الحقائق محال عقلا وشرعا وصحّة حمل أحدهما على الآخر مفقودة لكونه ممتنعا أصلا ورأسا. والعجب من الشّيخ محيي الدّين وتابعيه حيث يقولون لذات الواجب مجهولة مطلقة، وإنّها ليست بمحكومة بحكم من الأحكام قطعا. ومع ذلك يثبتون الإحاطة والقرب والمعيّة الذّاتيّات وما هذا إلّا حكم على الذّات تعالت وتقدّست فالصّواب ما قاله العلماء من القرب والإحاطة العلميّين. وكان للفقير اضطراب تامّ وقت حصول العلوم والمعارف المنافية لمشرب التّوحيد الوجوديّ لظنّي بأن ليس وراء هذا التّوحيد أمر آخر عال وكنت أدعو الله سبحانه وتعالى بالتّضرّع والإنكسار أن لا يزيل الله سبحانه عنّي هذه المعرفة يعني معرفة التّوحيد الوجوديّ إلى أن ارتفعت الحجب عن وجه الأمر بالتّمام وانكشف حقيقة الحال وجليّة المرام كما يقتضيه المقام، وصار معلوما أنّ العالم وإن كان مرايا للكمالات الصّفاتيّة ومجالى للظّهورات الأسمائيّة، ولكنّ المظهر ليس عين الظّاهر والظّلّ ليس نفس الأصل كما هو مذهب أهل التّوحيد الوجوديّ. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال: وهو أنّ عالما ذا فنون أراد أن يخرج كمالاته المتنوّعة إلى عرصة الظّهور وأن يورد خفاياها المستحسنة في معرض الإيضاح لأهل الشّعور فأوجد الحروف والأصوات يعني بالتّكلّم وأظهر كمالاته المخفيّة في مرايا تلك الحروف والأصوات.
ففي هذه الصّورة لا يقال: إنّ هذه الحروف والأصوات الّتي كانت مجالى ومرايا لتلك الكمالات أنّها عين تلك الكمالات أو محيطة بتلك الكمالات بالذّات أو قريبة منها كذلك بالذّات أو لها معيّة بها كذلك بل بينهما نسبة الدّالّيّة والمدلوليّة فقط، وليس لتلك الحروف والأصوات نصيب ووظيفة سوى الدّلالة على تلك الكمالات، وأمّا تلك الكمالات فعلى صرافة إطلاقها. وتلك النّسبة الّتي ظهرت إنّما هي في الأوهام والخيالات وإلّا فلا شيء منها ثابت في الحقيقة، ولكن لمّا تحقّقت بين تلك الكمالات والحروف والأصوات مناسبة الظّاهريّة والمظهريّة والدّالّيّة والمدلوليّة صارت هذه المناسبة باعثة على توهّم حصول تلك النّسب الوهميّة للبعض بواسطة بعض العوارض، وإلّا فتلك الكمالات معرّاة ومبرّأة عن جميع النّسب في نفس الأمر، وفيما نحن فيه لا شيء سوى علاقة الدّالّيّة والمدلوليّة والظّاهريّة والمظهريّة أيضا فإنّ العالم علم لصانعه تعالى وتقدّس ومظهر لظهور كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة. وهذه العلاقة ربّما تكون باعثة على إثبات بعض الأحكام الوهميّة بالنّسبة إلى البعض بواسطة بعض العوارض. (وقد يورد) البعض إلى هذا المورد يعني مورد إثبات هذه الأحكام كثرة مراقبة التّوحيد والأحديّة لإنتقاش صورة تلك المراقبات في القوّة المتخيّلة. ويورث البعض نحوا من ذوق هذه الأحكام ممارسة علم التّوحيد وتكراره وهذان القسمان من التّوحيد يعني الوجوديّ معلولان وداخلان في دائرة العلم لا مساس لهما بالحال. ويكون منشأ توهّم هذه الأحكام في البعض الآخر غلبة المحبّة; فإنّه كثيرا ما يستتر عن نظر المحبّ غير محبوبه بواسطة استيلاء حبّ محبوبه عليه فلا يرى غير محبوبه لا إنّه ليس في نفس الأمر غير محبوبه فإنّه مخالف لحكم الحسّ والعقل والشّرع، وتصير هذه المحبّة أحيانا باعثة على الحكم بالإحاطة والقرب الذّاتيّين، (وهذا القسم) من التّوحيد أعلى من القسمين السّابقين وداخل في دائرة الحال وإن لم يكن مطابقا لنفس الأمر وموافقا للشّريعة وتطبيقه على الشّريعة، ونفس الأمر تكلّف محض مثل التّكلّفات الفلسفيّة الباردة، حيث انّ إسلاميّهم يريدون تطبيق أصولهم الفاسدة على قوانين الشّريعة، وكتاب " إخوان الصّفا " وغيره من هذا القبيل. غاية ما في الباب أنّ للخطأ الكشفيّ حكم الخطأ الإجتهاديّ في ارتفاع الملام والعتاب عن صاحبه، بل تتحقّق فيه درجة من درجات الصّواب وإنّما التّفاوت بينهما أنّ لمقلّدي المجتهد حكم المجتهد ولهم درجة من درجات الصّواب على تقدير الخطأ بخلاف مقلّدي أهل الكشف فإنّهم ليسوا بمعذورين، بل هم محرومون عن نيل درجة الصّواب على تقدير الخطأ، فإنّ كلّا من الإلهام والكشف ليس بحجّة للغير، وقول المجتهد حجّة للغير، فتقليد الأوّل لا يجوز على تقدير احتمال الخطأ وتقليد الثّاني جائز على تقدير احتمال الخطأ أيضا بل واجب. (وشهود) بعض السّالكين الّذي هو في مرايا التّعيّنات الكونيّة أيضا من قبيل الأحكام السّابقة ويسمّون هذا الشّهود شهود الوحدة وشهود الأحديّة في الكثرة فإنّ الواجب تعالى وتقدّس منزّه عن الكيف والكيفيّات لا تسعه مرايا المكيّف أصلا ولا مجالى المنكمّ قطعا لا يحصل اللّامكانيّ في المكان ينبغي أن يطلب المنزّه عن الكيف في خارج دائرة المكيّف، وأن يبتغي اللّامكانيّ فيما وراء المكان. وكلّما يشاهده في الآفاق والأنفس فهو من آياته سبحانه وتعالى وتقدّس. قال قطب دائرة الولاية يعني حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه: كلّما كان مشهودا أو مسموعا أو معلوما فهو غيره تعالى ينبغي نفيه في الحقيقة بكلمة لا، (شعر): در تنكناى صورت معنى كونه ? كنجد . در كلبهء كدايان سلطان ? ه كار دارد صورت ? رست غافل معنى جه داند آخر . كويا جمال جانان ? نهان جه كار دارد فإن قيل: قد وقع في عبارات كثير من مشائخ النّقشبنديّة وغيرهم صريحا وحدة الوجود والقرب الذّاتيّ والمعيّة الذّاتيّة وشهود الوحدة والأحديّة في الكثرة. أجيب: انّ تلك الأحوال إنّما حصلت لهم في توسّط الأحوال، ثمّ ترقّوا بعد ذلك عن ذلك المقام، كما كتب هذا الفقير عن أحواله فيما تقدّم.
(وجواب آخر) أنّ جمعا من السّالكين مع وجود التّوجّه التّامّ فيهم إلى جانب الأحديّة الصّرفة بباطنهم تتشرّف ظواهرهم الّتي هي مشاهدة للكثرة بتلك الأحكام والشّهود فهم بحسب الباطن متوجّهون إلى الأحديّة وفي الظّاهر مشاهدون للمطلوب في الكثرة، كما أخبرت عن حال والدي في أوائل هذا المكتوب. وتفصيل تحقيق هذا الجواب مسطور في الرّسالة المؤلّفة في تحقيق مراتب وحدة الوجود، ولا يتحمّل هذا المقام زيادة على ذلك. (لا يقال): إذا كان في نفس الأمر وجودات متعدّدة ولم يكن قرب ذاتيّ وإحاطة ذاتيّة ولم يكن شهود الوحدة في الكثرة مطابقا للواقع يكون حكم هؤلاء الأكابر كاذبا; لكونه غير مطابق للواقع ونفس الأمر (لأنّا نقول): إنّ هؤلاء الأكابر إنّما حكموا على مقدار شهودهم مثل من يحكم برؤية صورة زيد في المرآة، وهذا الحكم مع كونه غير مطابق للواقع فإنّه لم ير في المرآة صورة زيد أصلا لأنّه لا صورة في المرآة قطعا حتّى ترى، لا يقال لهذا الشّخص في العرف إنّه كاذب فيه، وإن لم يكن مطابقا لنفس الأمر فهو معذور في هذا الحكم، وعلامة الكذب مرتفعة عنه كما مرّ سابقا. والمقصود من إظهار الأحوال اللّازمة الإخفاء والسّتر هو الإيذان والإعلام بأنّه لو كان منّا قبول وحدة الوجود فهو من طريق الكشف لا على وجه التّقليد، وإن وجد منّا إنكار فهو أيضا من الإلهام. فلا مجال إذا للإنكار يعني على هذا الإنكار وإن لم يكن الإلهام حجّة على الغير. (وجواب) آخر لدفع شبهة الكذب: انّ لأفراد العالم اشتراكا مع بعضهم في بعض الأمور وامتيازا في بعض آخر، وهكذا اشتراك الممكن مع الواجب تعالى وتقدّس في بعض الأمور العرفيّة يعني في مجرّد الإسم والصّورة وإن كانا ممتازين بالذّات امتيازا كلّيّا، فربّما يختفي ما به الإمتياز عن نظر السّالك على تقدير غلبة المحبّة عليه، ويظهر ما به الإشتراك لنظره فعلى هذه الصّورة لو حكموا بعينيّة أحدهما بالآخر لكان مطابقا للواقع، فلا يبقى مجال للكذب أصلا. فينبغي أن يقيس الإحاطة الذّاتيّة ونظائرها على ذلك والسّلام. المكتوب الثّاني والثّلاثون أرسل إلى المرزا حسام الدّين أحمد في بيان الكمال المخصوص بالأصحاب الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأنّه قد تشرّف به قليل من الأولياء وما يناسب ذلك قد ورد مكتوبكم المرسل على وجه الإلتفات. لله سبحانه الحمد والمنّة على ما لم يصر المهجورون منسيّين بل ذكروا مع المذكورين ولو استطراديّا (ع) دعونا نسلّي بالأمانيّ قلوبنا قد اندرج في كتابكم الشّكاية من فقدان نسبة حضرة شيخنا عليه الرّحمة الخاصّة به وعدم وجدانها والإستفسار عن سببه. أيّها المخدوم: إنّ شرح أمثال هذه الكلمات بطريق التّحرير بل بالتّقرير غير مناسب فإنّه لا يدرى ماذا يحصل في فهم إنسان، وماذا يأخذ منه بل اللّازم الحضور بشرط حسن الظّنّ أو طول الصّحبة على أيّ نهج كان وبدونه خرط القتاد، (شعر): أريد صفو ليال مع ضيا قمر .
حتّى أحدّث أنواع الحكايات ولكن بحكم: لكلّ سؤال جواب أظهر هذا القدر أنّ لكلّ مقام علوما ومعارف على حدة وأحوالا ومواجيد متمايزة ففي مقام يناسب الذّكر والتّوجّه وفي مقام يناسب تلاوة القرآن والصّلاة ومقام مخصوص بالجذبة ومقام بالسّلوك ومقام ممتزج بهاتين الدّولتين ومقام خال عن جهتي الجذبة والسّلوك بحيث لا مساس له بالجذبة ولا تعلّق له بالسّلوك وهذا المقام عال جدّا وأصحاب النّبيّ عليه وعلى آله وعليهم من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ممتازون بهذا المقام ومشرّفون بهذه الدّولة العظمى من بين الأنام ولصاحب هذا المقام امتياز تامّ عن أرباب المقامات الأخر والمشابهة بين أرباب هذا المقام قليلة بخلاف أرباب مقامات أخر فإنّ لهم مشابهة بعضهم ببعض ولو بوجه دون وجه وهذه النّسبة تظهر بعد الصّحابة رضوان الله عليهم أجمعين في المهديّ عليه السّلام على الوجه الأتمّ إن شاء الله تعالى وقلّ من أخبر عن هذا المقام من مشائخ الطّبقات فكيف التّكلّم من علومه ومعارفه ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ غاية ما في الباب أنّ هذه النّسبة العزيزة الوجود كانت تظهر في الصّحابة في أوّل القدم، ثمّ تبلغ مرتبة الكمال بمرور الزّمان، وأمّا غير الصّحابة فإن أريد تشريفه بهذه الدّولة وترتّبه على قدم نسبة الصّحابة إنّما يستسعد بها بعد قطع منازل الجذبة ومراتب السّلوك وطيّ علوم هذين المقامين ومعارفهما. وظهور هذه النّسبة الشّريفة في الإبتداء كان مخصوصا ببركة صحبة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات والبركات والتّسليمات ولكن يمكن أن يتشرّف بهذه البركة بعض متابعيه صلّى الله عليه وسلّم فتكون صحبته أيضا سببا لظهور هذه النّسبة العليّة في الإبتداء يعني في ابتداء الحال قبل قطع منازل الجذبة والسّلوك، (شعر): لو كان من فيض روح القدس من مدد . لغير عيسى ليصنع مثل ما صنعا وفي هذا الوقت يتحقّق في هذه النّسبة اندراج النّهاية في البداية أيضا كما هو متحقّق في صورة تقدّم الجذبة على السّلوك ولا مساعدة للزّيادة على هذا، (شعر): ومن بعد هذا ما يدقّ بيانه . وما كتمه أحظى لديّ وأجمل (فإن وقعت) الملاقاة بعد ذلك وأحسّت مظنّة حسن الإستماع من جانب المستمعين، ترد نبذة من هذا المقام في معرض الظّهور إن شاء الله تعالى وهو سبحانه الموفّق. (وقد حرّرتم) كلمات في حقّ بعض الأصحاب فالفقير قد عفوت زلّاتهم يغفر الله لهم وهو أرحم الرّاحمين. ولكن ينبغي نصيحة الأصحاب لئلّا يكونوا في مقام الإيذاء في الحضور والغيبة ولا يغيّروا أوضاعهم: إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وإِذا أَرادَ الله بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ . وكتبتم في حقّ الشّيخ الهداد خصوصا لا مضايقة في حقّ الفقير أصلا، ولكنّ النّدامة على تغيّر الوضع لازمة للمشار إليه: «النّدم توبة والإستشفاع فرع النّدامة» . والفقير على كلّ حال في مقام العفو والتّجاوز من قبل نفسه وجانبه، وأمّا الجانب الآخر فهو أعلم بذلك وما يلزم فيما هنالك. (وأيضا) ينبغي لكم أن تتصوّروا سرهند منزل أنفسكم فإنّ علاقة المحبّة ونسبة أخوّة الطّريقة ليست ممّا ينقطع بسبب أمور عارضيّة. وماذا أزيد على ذلك. ونخصّ المخاديم وسائر أهل البيت بالدّعاء وبعد تسويد هذه الرّقيمة وقع في الخاطر أن أكتب في باب زلّات الإخوان والعفو عنهم كلاما أوضح من الأوّل فإنّ في الإجمال إبهاما. وماذا يفهم منه. (فاعلم) أيّها المخدوم: انّ العفو إنّما يتصوّر ويطلب على تقدير اعتراف هؤلاء الجماعة بسوء تلك الأوضاع والنّدامة على فعلها، وإلّا فلا مساغ للعفو. وكتبتم أيضا أنّ حضرة شيخنا فوّض هذا المقام إلى الشّيخ الهداد بشهادة هؤلاء الجماعة، وهذا الكلام يستدعي بيانا. فإن كان التّفويض بمعنى أنّه يخدم الفقراء والواردين والصّادرين ويكون مستخبرا عمّا يحتاجون إليه من الأكل والشّرب، فذلك مسلّم لا نزاع فيه لأحد. وإن كان بمعنى أنّه يربّي جماعة من الطّالبين ويجلس في مقام المشيخة فممنوع.
فإنّ حضرة شيخنا قال للفقير في آخر ملاقاتنا: ما تقول في الشّيخ الهداد لو علّم بعض الطّالبين المشغوليّة من جانبنا وبلّغ أحوال بعضهم إلينا فإنّه لا طاقة لي الآن بإحضارهم وتعليم المشغوليّة والسّؤال عن أحوالهم. فكان الفقير متوقّفا في هذا الباب أيضا، ولكن لمّا اقتضت الضّرورة ذلك جوّزت هذا القدر فيما هنالك، ولا شكّ في أنّ هذا القسم من التّبليغ من جنس السّفارة المحضة خصوصا إذا كانت مبنيّة على الضّرورة، والضّرورة تقدّر بقدرها، فتكون تلك السّفارة مخصوصة بزمن حياة شيخنا ويكون تعليم المشغوليّة للطّالبين وسؤال أحوالهم بعد ارتحاله داخلا في الخيانة. (وكتبتم) أيضا: أنّ نسبة حضرة شيخنا تكون باقية البتّة يعني لا تقبل الزّيادة والنّقصان بمرور الدّهور والأزمان. (اعلم) أيّها المخدوم أنّ تكميل الصّناعة إنّما يكون بتلاحق الأفكار. ألا ترى أنّ علم النّحو الّذي وضعه سيبويه زادته أفكار المتأخّرين عشرة أمثالها. فإنّ بقاء الشّيء على صرافته عين النّقص. فإنّ النّسبة الّتي كانت لخواجه النّقشبند ما كانت في زمن الخواجه عبد الخالق الغجدوانىّ قدّس سرّهما وعلى هذا القياس يعني «سائر الأحوال " وعلى الخصوص كان حضرة شيخنا في صدد تكميل هذه النّسبة وكان غير قائل بتماميّتها فإن وفته حياته زادها بإرادة الله تعالى إلى ما شاء الله سبحانه. فالسّعي في عدم زيادتها ليس بمناسب وهذا الفقير ما يدري على أيّ وجه يكون بقاؤها فإنّ لك نسبة على حدة لا مساس لها بنسبة الآخرين، وكان هذا الكلام مشخّصا يعني معيّنا في حضوره مكرّرا، والشّيخ الهداد المسكين من أين يعرف أنّ النّسبة ما هي وإنّما له نحو من حضور القلب. ومعلوم للآخرين أنّ الحالة ما هي، ومن قيّم تلك النّسبة ومربّيها أخبروني عنه حتّى أكون ممدّا ومعاونا له. ولا ينبغي اعتبار الواقعة والإعتماد عليها فإنّها خياليّة غير صادقة. والشّيطان عدوّ قويّ والأمن من تسويلاته متعسّر إلّا لمن عصمه الله تعالى. (وكتبتم) أيضا في حقّ سلب النّسبة المكتسبة فاعلم أيّها المخدوم أنّ ذلك السّلب لا يكون إلّا بالإختيار كما ذكر في الحضور. والآن هذا السّلب بحالة ومن الخيال تصوّر زواله. والصّوت المسموع من القلب لا تعلّق له بتلك الحالة، ألا ترى أنّ الرّماد الّذي زالت عنه النّار وصار باردا يصدر عنه صوت بعد صبّ الماء فيه، ولا يقال إنّ النّار مكنونة فيه بعد، ولا اعتبار للوقائع فإن كان هذا الكلام مخفيّا اليوم يظهر صدقه غدا إن شاء الله تعالى. ولمّا كان كتابكم مشتملا على المبالغة صدر في جوابه كلمات وإلّا لا يتيسّر الكلام بلا داع. المكتوب الثّالث والثّلاثون صدر إلى الحاجّ الملّا محمّد اللّاهوريّ في بيان مذمّة علماء السّوء الّذين هم في أسر محبّة الدّنيا ومدح العلماء الزّهّاد الّذين يرغبون عن الدّنيا إنّ محبّة الدّنيا من العلماء ورغبتهم فيها كلف على وجه جمالهم وإن كان يحصل منهم فوائد للخلائق لكن لا يكون علمهم نافعا في حقّهم. وإن كان تأييد الشّريعة وتقوية الملّة مرتّبا عليهم لكن لا اعتبار على ذلك، فإنّ التّأييد والتّقوية يحصل من أهل الفجور وأرباب الفتور أحيانا كما أخبر سيّد الأنبياء عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات عن تأييد الفاجر حيث قال: «إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر» وهم كحجر الفارس حيث انّ كلّما يلصق به من الشّيء الأملس والحديد يكون ذهبا وهو باق على حجريّته وكالنّار المودعة في الحجر والشّجر فإنّه يحصل منها منافع للعالم ولكن لا نصيب للحجر والشّجر من تلك النّار المودعة في باطنهما بل أقول إنّ ذلك العلم مضرّ في حقّهم لأنّه به تمّت الحجّة عليهم كما قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» فكيف لا يكون مضرّا فإنّ العلم الّذي هو أعزّ الأشياء عند الله تعالى وأشرف الموجودات جعلوه وسيلة لجمع حطام الدّنيا الدّنيّة من المال والجاه والأحباب، والحال أنّ الدّنيا ذليلة عند الله تعالى وحقيرة وأبغض المخلوقات عند الله وإذلال ما هو عزيز عند الله وإعزاز ما هو ذليل عنده في غاية القباحة، بل هو معارضة مع الحقّ سبحانه في الحقيقة.
والتّدريس والإفتاء إنّما يكونان نافعين إذا كانا خالصين لوجه الله تعالى وخاليين من شائبة حبّ الجاه والرّياسة وطمع حصول المال والرّفعة. وعلامة خلوّهما عن تلك المذكورات الزّهد في الدّنيا وعدم الرّغبة فيها. فالعلماء الّذين هم مبتلون بهذا البلاء ومأسورون في أسر محبّة الدّنيا فهم من علماء الدّنيا وهم علماء السّوء وشرار النّاس ولصوص الدّين، والحال أنّهم يعتقدون أنفسهم مقتدى بهم في الدّين وأفضل الخلائق أجمعين ويحسبون أنّهم على شيء إلّا أنّهم هم الكاذبون اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ الله أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ رأى واحد من الاكابر الشّيطان قاعدا فارغ البال عن الإغواء والإضلال. فسأله عن سرّ قعوده بفراغ البال. فقال اللّعين: إنّ علماء السّوء في هذا الوقت قد أمدّوني في أمري مددا عظيما وتكفّلوا لي بالإضلال حتّى جعلوني فارغ البال والحقّ أنّ كلّ ضعف ووهن وقع في أمور الشّريعة في هذا الزّمان وكلّ فتور ظهر في ترويج الملّة وتقوية الدّين إنّما هو من شؤم علماء السّوء وفساد نيّاتهم. نعم إن كان العلماء راغبين عن الدّنيا ومحرّرين من أسر حبّ الجاه والرّياسة وطمع المال والرّفعة فهم من علماء الآخرة وورثة الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وهم أفضل الخلائق وهم الّذين يوزن مدادهم يوم القيامة بدم الشّهداء في سبيل الله فيترجّح مدادهم» . «ونوم العالم عبادة» متحقّق في حقّهم وهم الّذين استحسن في نظرهم جمال الآخرة ونضارتها وظهرت قباحة الدّنيا وشناعتها، فنظروا إلى الآخرة بنظر البقاء ورأوا الدّنيا متّسمة بسمة الزّوال والفناء; فلا جرم هربوا من الفاني وأقبلوا على الباقي. وشهود عظمة الآخرة إنّما هو ثمرة شهود الجلال اليزاليّ، وإذلال الدّنيا وتحقير ما فيها من لوازم شهود عظمة الآخرة; لأنّ الدّنيا والآخرة ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الأخرى. فإن كانت الدّنيا عزيزة فالآخرة حقيرة وإن كانت الدّنيا حقيرة فالآخرة عزيزة، وجمع هذين الأمرين من قبيل جمع الأضداد (ع) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا نعم قد اختار جمع من المشائخ الّذين تخلّصوا عن أسر نفوسهم ومقتضيات طبائعهم بالكلّيّة صورة أهل الدّنيا بواسطة نيّات حقّانيّة تراهم في الظّاهر راغبين فيها ولكن لا علاقة لهم بها في الحقيقة أصلا، بل هم فارغون عن الكلّ ومتخلّصون عن الجميع رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله فلا يمنعهم البيع والشّراء عن ذكر الله، فهم في عين التّعلّق بهذه الأمور غير متعلّقين بشيء. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه " رأيت في سوق منى تاجرا اتّجر بمقدار خمسين ألف دينار تقريبا ولم يغفل قلبه عن الحقّ سبحانه لحظة». المكتوب الرّابع والثّلاثون أرسل إلى الحاجّ محمّد اللّاهوريّ أيضا في بيان الجواهر الخمسة الأمريّة بطريق البسط والتّفصيل مهما أمكن اعلم: أنّ نقد سعادة الدّارين مربوط باتّباع سيّد الكونين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. ولمّا لم تكن عين بصيرة الفلسفيّ مكحّلة بكحل متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة صارت في عماية عن حقيقة عالم الأمر، فضلا عن أن يكون له شعور عن مرتبة الوجوب تعالى وتقدّس ونظره القاصر مقصور على عالم الخلق وليس بتامّ فيه أيضا. وما أثبتوه من الجواهر الخمسة كلّها في عالم الخلق. ومن جهالتهم عدّوا العقل والنّفس من المجرّدات فإنّ النّفس النّاطقة هي النّفس الأمّارة المحتاجة إلى التّزكية وهمّتها بالذّات في السّفالة والدّناءة، فما المناسبة بينها وبين عالم الأمر، وأيّ نسبة له بالتّجرّد، والعقل لا يدرك من المعقولات إلّا الأمور الّتي لها مناسبة بالمحسوسات بل لا يدرك إلّا ما له حكم المحسوسات وأمّا الأمور الّتي لا مناسبة لها بالمحسوسات وليس لها شبه ومثال في المشاهدات، فلا سبيل لإدراك العقل إليها ولا يفتح بمفتاح العقل مغلقاتها. ولهذا كان نظره قاصرا في أحكام اللّاكيفيّ وضالّا محضا عن الطّريق في إدراك الغيب وذلك علامة كونه من عالم الخلق. وميل عالم الأمر إلى اللّاكيفيّ وتوجّهه إلى ما تنزّه عن الكيفيّة وابتداء عالم الأمر من مرتبة القلب وفوق القلب الرّوح وفوق الرّوح السّرّ وفوق السّرّ الخفيّ وفوق الخفيّ الأخفى.
فإن قيل: لهذه الخمسة الأمريّة جواهر خمسة فله وجه. ومن قصور نظرهم التقطوا عدّة من قطعات الخذف وظنّوها جواهر. وإدراك هذه الجواهر الخمسة الأمريّة والاطّلاع على حقائقها إنّما هو نصيب كمّل تابعي النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ولمّا كان ما في العالم الصّغير الّذي هو الإنسان أنموذجا ممّا في العالم الكبير، كان أصول هذه الجواهر الخمسة أيضا في العالم الكبير، فالعرش المجيد مبدأ هذه الجواهر في العالم الكبير كالقلب في العالم الصّغير، وبهذه المناسبة يقال للقلب عرش الله تعالى أيضا. والمراتب الباقية من جواهر العالم الكبير الخمسة فوق العرش، والعرش برزخ بين عالم الخلق وعالم الأمر في العالم الكبير بمثابة قلب الإنسان حيث انّه برزخ بين عالم الخلق وعالم الأمر في العالم الصّغير. والقلب والعرش وإن كانا ظاهرين في عالم الخلق لكنّهما من عالم الأمر ولهما نصيب من اللّاكيفيّ واللّاكمّيّ. والإطّلاع على حقيقة هذه الجواهر الخمسة مسلّم لكمّل أفراد أولياء الله الّذين أتمّوا مراتب السّلوك بالتّفصيل وبلغوا نهاية النّهايات. شعر: هر كداى مرد ميدان كى شود . ? شهء آخر سليمان كى شود ترجمة هل كلّ من خلت رجلا رجل معركة . أو كلّ من صار ذا ملك سليمان فإن نفتح نظر بصيرة صاحب دولة بتفصيل مرتبة الوجوب على حسب الإمكان بمحض فضل الحقّ سبحانه وتعالى يطالع أصول هذه الجواهر أيضا في ذلك الموطن وتصير هذه الجواهر الصّغيريّة والكبيريّة في علمه كالظّلال لتلك الجواهر الحقيقيّة (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والمنع من إظهار حقائق عالم الأمر إنّما هو بسبب دقّة تلك المعاني المكنونة، وماذا يدرك منها قاصروا النّظر، والرّاسخون المشرّفون بشرف خطاب وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا لهم اطّلاع على ما هنالك (ع) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها، (شعر): وليس في بثّي الأسرار مصلحة . وإن ظهرن لنا كالشّمس في فلك والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعليهم من الصّلوات والتّسليمات أتمّها وأدومها (وأيضا) قد وقع في الخاطر أن أحرّر نبذة من بيان الجواهر المقدّسة العليا. ينبغي أن يعلم أنّ ابتداء تلك الجواهر من الصّفات الاضافيّة الّتي هي كالبرزخ بين الوجوب والإمكان وفوقها صفات حقيقيّة، وللرّوح نصيب من تجلّياتها وللقلب تعلّق بالصّفات الإضافيّة وهو مشرّف بتجلّياتها. وبقيّة الجواهر العليا الّتي فوق الصّفات الحقيقيّة داخلة في دائرة حضرة الذّات تعالت وتقدّست، ولهذا يقال لتجلّيات هذه المراتب الثّلاثة تجلّيات ذاتيّة. ولا مصلحة في التّكلّم وراء ذلك (ع) بلغ اليراع إلى هنا فتكسّرا المكتوب الخامس والثّلاثون في بيان المحبّة الذّاتيّة الّتي يستوي في هذا المقام الإنعام والإيلام كتبه إلى الحاجّ ميان محمّد اللّاهوريّ أيضا نجّانا الله سبحانه وإيّاكم عن زيغ البصر بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (اعلم) أنّ المقصود من السّير والسّلوك تزكية النّفس الأمّارة وتطهيرها حتّى يتيسّر النّجاة من عبادة الآلهة الباطلة النّاشئة عن الهوى النّفسانيّ ولا تبقى قبلة التّوجّه في الحقيقة غير المعبود الواحد الحقيقيّ تعالى وتقدّس، ولا يختار عليه مقصد ما أصلا سواء كان من المقاصد الدّينيّة أو من المطالب الدّنياويّة. والمقاصد الدّينيّة وإن كانت من الحسنات ولكنّها من شغل الأبرار، والمقرّبون يرونها سيّئة ولا يعدّون سوى الواحد من المقاصد. وحصول هذه الدّولة منوط بحصول الفناء وتحقّق المحبّة الذّاتيّة الّتي يستوي في ذلك المقام الإنعام والإيلام، ويحصل من الإلتذاذ من التّعذيب مثل ما يحصل من التّنعيم، فإن أرادوا الجنّة إنّما يريدونها لكونها محلّ رضائه تعالى وتقدّس وفي طلبها مرضاه سبحانه، وإن استعاذوا من النّار إنّما يستعيذون منها لكونها محلّ سخطه تعالى، لا أنّ مقصودهم من الجنّة استيفاء الحظوظ النّفسانيّة ولا فرارهم من النّار لخوف الألم والأذيّة. فإنّ كلّما يحصل من المحبوب فهو عند هؤلاء الأكابر محبوب ومرغوب وعين المطلوب، فإنّ كلّما يفعله المحبوب محبوب وههنا تتيسّر حقيقة الإخلاص ويحصل الخلاص من عبادة الآلهة الباطلة وتصحّ كلمة التّوحيد في هذا الوقت وبدونه خرط القتاد.