Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Bölüm V02/P349–V02/P351

(شعر) ليس على الله بمستنكر . أن يجمع العالم في واحد وسرّ خلافة الإنسان الّتي جاءت في قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يتحقّق ههنا وحقيقة خبر أنّ الله خلق آدم على صورته تتّضح ثمّة وما قلت من أنّه يعطى أنموذجا من الذّات الاقدس فهو من ضيق ميدان العبارة وإلّا فأين المجال هناك للأنموذج؟ وأيّ شيء يظهر بصورته؟ وأين المجال ثمّة للصّورة؟ (ينبغي) أن يعلم أنّ مثل هذا العارف لا يكون متعدّدا في عصر واحد فإنّه إذا ظهر بعد قرون متطاولة كيف يتصوّر تعدّده في عصر واحد؟ فلو عيّنّا مدّة ظهور مثل هذه الدولة لما صدّقه غير الاقلّين رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (ينبغي) أن يعلم أنّ العارف الذى شرّف ببقاء الذّات تكون تلك الذّات الموهوبة لا كيفيّة وتكون وراء جميع الوجوه والاعتبارات والذّات الّتي لها نصيب من اللّا كيف لها طريق سلطانيّ إلى الذّات المجرّدة اللّا كيفيّة وتكون الذّات الموهوبة هي كنه العارف فإنّ الكنه عبارة عمّا هو وراء جميع الوجوه والاعتبارات وهذه الذّات ما وراء جميع الاعتبارات ولا كنه لسائر أفراد العالم فإنّ جميع وجودها وجوه واعتبارات ولا ذات لها ما وراء الاعتبارات حتّى يقال لها كنها فإذا لم يكن لها كنه ماذا يكون لها نصيب من كنه الاصل؟ والذي له سبيل إلى الكنه هو الكنه وأيّ مناسبة للوجه مع الكنه وكأنّ الكنه وقع محاذيا للكنه وللوجه انحراف من الكنه فكيف يصل إلى الكنه؟ بل كلّما يكون حركته وسيره أكثر يقع من الكنه أبعد. (شعر) لن تبلغ الكعبة العلياء يا بدويّ . إنّ الطّريق الذى تمشي إلى الختن وإطلاق محاذاة الكنه الكنه من ضيق مجال العبارة وإلّا كيف تتصوّر المحاذاة في تلك الحضرة ولكن تطلق المحاذاة على سبيل التّجوّز لتمثّل ذلك المعنى اللّاكيفيّ بصورة مثاليّة متكيّفة رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (اسمع) أنّه لمّا حصل لأفراد العالم الّتي هي أعراض مجتمعة قيام بذات العارف الموهوبة كما مرّ حصلت لها أيضا نسبة بالذّات الاقدس جلّ شأنها بتوسّط ذات العارف المذكورة وحصل لها نصيب من تلك المرتبة المقدّسة من هذه الحيثيّة فإنّ ذات هؤلاء هي عين ذات العارف كأنّها حصل لها بتوسّط ذواتها ارتباط لا كيفيّ بذات لا كيفيّة ومع ذلك انتسابها إلى الذّات الاقدس بتوسّط العارف فإنّ تلك الذّات في الحقيقة هي ذات العارف اسمع كلاما غريبا أنّ كلّ أحد له انتساب إلى الذّات الاقدس بذاته ووصول لا كيفيّ إلى تلك المرتبة المقدّسة له أصالة واستقلال في أخذ الفيوض والبركات من تلك المرتبة المقدّسة ولا توسّط في البين والوسائط إنّما هي فيما دون تلك المرتبة المقدّسة ولكلّ أحد من الواصلين إلى تلك المرتبة المنزّهة نصيب بقدر استعداده بطريق الاصالة والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب الحادي والثمانون إلى الخواجه جمال الدين الحسين في تعبير واقعته بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات ليعلم الولد الاعزّ انّ الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتها قد وصلت وحيث كانت متضمّنة لخبر العافية والجمعيّة الصّوريّة والمعنويّة أورثت الفرح والسّرور وكتبت الواقعة الّتي ظهرت وطلبت تعبيرها وهي أنّي كنت مرّة في صدد التّوضّي فسقطت مغشيّا عليّ وصرت كأنّه خرج الرّوح من بدني ولمّا أفقت رأيت نورا لامعا كالشّمس حتّى غشي عليّ من غاية لطافته كما إذا رأى شخص محبوبه فينمحي في أشعّة جماله ولا يبقى منه اسم ولا رسم ليكن مكشوفا لولدي ومعلوما أنّ الإنسان مركّب من لطائف سبعة مشهورة ولكلّ لطيفة معاملة على حدة وأحوال ومواجيد مختصّة بها وكانت أحوال ولدي وأذواقه متعلّقة بلطيفة القلب إلى الآن وكان متلوّنا بتلوينات القلب والآن قد ورد هذا الوارد القويّ إلى لطيفة روحك وأدخلها في تصرّفه إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً ولمّا كانت الرّوح الّتي هي منشأ الإدراك والشّعور مغلوبة الوارد كان الغشي نقد الوقت ومعاملتك في ذلك الوقت متعلّقة بلطيفة الرّوح وقد وقع في حلقة هذا اليوم نوع إمداد وإعانة في تكميل هذه النّسبة وشوهد ظهور أثرها وعلم أنّه قد حصل لها وسعة وهي بعد في صدد السّراية رزق الله سبحانه إتمامها والواقعة الثانية الّتي كتبتها أنّك رأيت تلاقي الثريّا ببنات نعش في بيتي تعبير هذه الواقعة مناسب لتعبير الواقعة الاولى وحيث ظهر اجتماع نسبة القلب بنسبة الرّوح بتلاقي هذين القسمين من الكواكب وحيث انّ في الثريّا انتظام الكواكب فهو مناسب بالقلب وحيث انّ في بنات النّعش انتشارا فهو مناسب بالرّوح فإن ظهرت الواقعة الثانية بعد الواقعة الاولى فصحيحة ودالّة على اجتماع النّسبتين وإن ظهرت أوّلا فذلك أيضا صحيح فإنّه كثيرا ما تحصل النّسبة ولا تظهر فأريت أوّلا حصولها ثمّ ظهرت بواقعة ثانية والله سبحانه أعلم بالصّواب سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا والسّلام.

Bölüm V02/P351–V02/P353

المكتوب الثاني والثمانون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد معصوم مدّ ظلّهما في إظهار المهاجرة مع بعض البشارات الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ليكن أولادي الكرام متحقّقين بالجمعيّة الصّوريّة والمعنويّة لا أجد في هذه الاسفار والمحن شيئا من الآلام مساويا لمفارقة أولادي الاعزّة وقلّما أكون فارغا عن تذكارهم وكلّما كان وصول النّعم من المنعم الحقيقيّ أكثر يكون تذكّر الاحبّة النّائين أزيد وأوفر والسّوانح الجديدة تكتب يوما فيوما في المسوّدة وتنقل إلى البياض ولكن من الذى يدركها ومن يحتظّ بها والخواجه محمّد هاشم مغتنم فإنّ فيه استعداد فهم الكلام ويكون ملتذّا في الجملة ولكنّه صار في سفر اجمير هذا من شدّة المحن من المخلصين الصّحيحي الاعذار لا يرافقون إلّا قليلا حسبنا الله ونعم الوكيل الرّفقاء قليلون والاذواق أيضا قليلة أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ ؟ بلى ثمّ إنّي لمّا كنت ليلة محزونا ومتالّما من مفارقتكم رأيت بعد صلاة التّهجّد أنّكما الاخوين ذهبتما مع واحد من هؤلاء الاصحاب عند وكيل سلطان لتكونوا ملازمين له وتمييز من يصلح الملازمة مفوّض إلى ذلك الوكيل فكلّ من يراه قابلا للملازمة يأخذه ملازما ويكتبون لونه وعلائمه على ورق فكتبوا من بين الثلاثة لونكما وأخذوكما للملازمة ولم يكتبوا لون الثالث من الاصحاب ولم يقبلوه للملازمة وأنا أسالكما أنّه لم لم يكتبوا لونه؟ فتقولان: إنّه قرب وجهه إلى وجهه وقت كتابة اللّون وتأمّل فيه تأمّلا تامّا فقال: إنّ به سوادا أو قال لفظا قريبا من ذلك فلم يكتب حمد الله سبحانه قد اطمئنّ القلب من جانبكما حيث قبلوكما ولكن بقي الخاطر متالّما من طرف هذا الثالث من الاصحاب حيث لم يقبلوه وليت يقبلونه لملازمة ملازمي السّلطان العاقبة بالخير. المكتوب الثالث والثمانون إلى حضرات المخدوم الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد معصوم سلّمهما الله في بيان بركات كونه في العسكر من غير اختيار ليكن أولادي الكرام على جمعيّة إنّ النّاس ينظرون إلى محننا في جميع الاوقات ويطلبون مخلصا من هذا المضيق ولا يدرون أنّ في عدم حصول المراد وعدم الاختيار وعدم نيل المقصود والمرام بلاء حسنا وجمالا وأيّ نعمة تساوي لاخراج الإنسان من اختياره بلا اختياره وإعطاء المعيشة له بلا اختيار وجعل أموره الاختياريّة تابعة لعدم اختياره وجعله كالميّت بين يدي الغسّال وفي أيّام الحبس إذا تأمّلت أحيانا في اضطراري وعدم اختياري كنت أحتظّ منه حظّا عجيبا وأجد منه ذوقا غريبا نعم ماذا يجد أرباب الفراغ من أذواق أرباب البلاء وماذا يدركون من جمال بلائه والحظّ عند الاطفال منحصر في الحلاوة والذي نال حظّا وافرا من المرارة لا يشتري الحلاوة بشعرة (ع) مرغ آتشنحواره كى لذة شناسد دانه دا والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب الرّابع والثمانون إلى الحافظ عبد الغفور في بيان آداب هذه الطّريقة العليّة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ينبغي لطالب هذا الطّريق بعد تصحيح العقائد بموجب آراء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم وبعد تعلّم الاحكام الفقهيّة والعمل بمقتضى العلم أن يصرف جميع أوقاته في ذكر الله جلّ شأنه بشرط أن يكون ذلك الذّكر مأخوذا من الشّيخ الكامل المكمّل فإنّه لا يحصل الكامل من النّاقص وينبغي تعمير الاوقات بالذّكر على نهج لا يشتغل بعد أداء الفرائض والسّنن المؤكّدة بشيء غير الذّكر أصلا حتّى يترك تلاوة القرآن ونوافل العبادات أيضا ويشتغل بالذّكر بالوضوء وبغير الوضوء قائما وقاعدا ولا يخلو عنه في مجيئه وذهابه ووقت أكله ونومه. (شعر) الا فاذكروا ربّ البرايا فإنّه . جلاء القلوب والغذاء لأرواح وليشتغل بالذّكر على الدوام حتّى لا يبقى في ساحة الصّدر من غير المذكور اسم ولا رسم لا يخطر ما سوى المذكور في قلبه بطريق الخطرة أيضا فلو تكلّف في إحضار الغير لا يتيسّر له ذلك بواسطة نسيان القلب غير المذكور وذلك النّسيان أعني نسيان القلب جميع ما سوى المطلوب مقدّمة حصول المطلوب ومبشّر بالوصول إليه وماذا أكتب من حصول المطلوب والوصول الحقيقيّ إلى المقصود فإنّ ذلك وراء الوراء. (شعر) كيف الوصول إلى سعاد ودونها .

Bölüm V02/P353–V02/P354

قلل الجبال ودونهنّ خيوف فإذا أتمّ الاخ الاعزّ هذا الدرس بعناية الله سبحانه يطلب درسا آخر والله سبحانه الموفّق والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى . المكتوب الخامس والثمانون إلى حضرة المخدوم الخواجه محمّد معصوم في التّحريض على حفظ الاوقات أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للحمد المسئول من الله سبحانه سلامتكم واستقامتكم فإذا تيسّر الوصول بمشيئة الله تعالى إلى أجمير وحصلت النّجاة من هذه العقبات الشّديدة والحرّ المفرط أكتب لكم كتابا وأطلبكم إن شاء الله تعالى عليكم بالجمعيّة وصرف الهمّة في مراضي المولى جلّ شأنه بالتّمام حذر الوقوع في الفراغ واستيفاء حظّ النّفس والمؤانسة التّامّة بالاهل والعيال فيقع الفتور في معاملة مهمّة فلا يحصل شيء غير الحرمان والنّدامة ولا يجدى النّدامة شيئا وعليكم باغتنام هذه الصّحبة وصرف الاوقات في أهمّ الامور ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ والمعارف الجديدة الّتي حرّرت كلّها درسكم بعد درس إيّاكم وسردها بل ينبغي أن تجتهدوا في مطالعتها بالجدّ والجهد فلعلّه تنكشف روزنة من مكنوناتها فتكون رأس مال سعادتكم وقد وجدت بشارة في مادّتكم وكتبتها في مكتوب وفوّضته إلى الخواجه محمّد هاشم الكشميّ ليوصّله إليكم ولعلّ الله سبحانه لا يضيّعكم بكرمه ويقبلكم ولكن عليكم بالخوف والإشفاق وإيّاكم وصرف الاوقات في اللهو واللّعب فلا يبقى للصّحبة تأثير وكونوا ملتجئين ومتضرّعين إلى حضرة الحقّ سبحانه وعليكم الاختلاط بأهل الحقوق بقدر الضّرورة واستمالة خواطرهم وعاشروا الجماعة المستورة بالوعظ والنّصيحة ولا تبخلوا في حقّهم بالامر بالمعروف والنّهي عن المنكر ورغّبوا جميع أهل البيت في الصّلاة والصّلاح وإتيان الاحكام الشّرعيّة؛ فإنّكم مسئولون عن رعيّتكم وقد أعطاكم الله سبحانه العلم ونسأله تعالى أن يرزقكم العمل على وفقه والاستقامة عليه آمين. المكتوب السّادس والثمانون إلى الدرويش حبيب الخادم في بيان سرّ كثرة ظهور الخوارق وقلّتها (اعلم) أنّ ارتكاب فضول المباحات باعث على قلّة ظهور الخوارق خصوصا إذا أفضى كثرة مباشرة الفضول إلى حدّ المشتبه وأدّت منه عياذا بالله سبحانه إلى حوالى المحرّم فأين الكرامة حينئذ؟ وأين الخوارق؟ وكلّما يضيق دائرة مباشرة المباح واكتفي منه بقدر الضّرورة يكون مجال الكشف والكرامة أوسع وطريق ظهور الخوارق أوضح وظهور الخوارق من شرائط النّبوّة لا من شرائط الولاية فإنّ إظهار النّبوّة واجب دون إظهار الولاية بل السّرّ والإخفاء في هذه المرتبة أولى فإنّ هناك دعوة الخلق وهنا قرب الحقّ جلّ شأنه ومعلوم أنّ الإظهار لازم للدّعوة والسّتر مناسب للقرب وكثرة ظهور الخوارق من وليّ لا يدلّ على أفضليّته على غيره من الذين لم يظهر منهم من الخوارق مثل ما ظهر منه بل يجوز أن يكون وليّ لا يظهر منه خارق أصلا أفضل من الأولياء الذين ظهرت منهم الخوارق كما حقّق شيخ الشّيوخ هذا المعنى في كتابه العوارف فإذا لم يكن قلّة ظهور الخوارق وكثرتها في الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام موجبة للأفضليّة والمفضوليّة مع كونها شرطا للنّبوّة كيف تكون في الولاية موجبة للتّفاضل مع كونها غير شرط فيها؟

Bölüm V02/P354–V02/P356

وأظنّ أنّ المقصود الاصليّ من رياضات الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومجاهداتهم وتضييقهم في مباشرة المباح على أنفسهم هو تحصيل ظهور الخوارق الّتي هي واجبة عليهم وشرط نبوّتهم لا الوصول إلى درجات القرب الإلهيّ - جلّ سلطانه - فإنّ الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات مجتبون فيجرّ بهم بسلسلة جذب المحبّة جرّا جرّا ويوصّل بهم إلى درجات القرب الإلهيّ جلّ شأنه بلا مشقّة منهم والطّريق الذى يحتاج فيه للوصول إلى درجات القرب الإلهيّ - جلّ سلطانه - إلى الرّياضات والمجاهدات هو طريق المريدين وطريق الإنابة والإرادة الذى هو طريق الاجتباء هو طريق المرادين والمريدون يذهبون بأرجلهم بالمشقّة والمحنة والمرادون يحملون إلى منزل المقصود بالإعزاز والإكرام ويوصّل بهم إلى درجات القرب بلا محنة منهم (ينبغي) أن يعلم أنّ الرّياضات والمجاهدات من شرائط طريق الإنابة والإرادة وأنّها ليست بشرط في طريق الاجتباء ومع ذلك هي نافعة مثلا إذا حصل حمل شخص جرّا جرّا وهو مع ذلك الجرّ يستعمل سعيه أيضا فلا شكّ أنّه أسرع ذهابا من الذى لا يستعمل سعيه وإن جاز أن يكون الجرّ وحده أحيانا أقوى وأجدى من الجرّ المركّب المذكور فالسّعي والمشقّة لا يكون شرط كمال الوصول في طريق الاجتباء كما أنّه ليس بشرط في نفس الوصول نعم فيه احتمال النّفع ولو في بعض المحالّ وفوائد الرّياضات ومنافع المجاهدات الّتي هي عبارة عن الاقتصار على ضروريّات المباح كثيرة لأرباب الاجتباء أيضا بغير المعنى المذكور مثل دوام الجهاد الاكبر وطهارة الباطن ونظافته من التّلويثات الدنيويّة فإنّ كلّ حوائج ضروريّة ليست بداخلة في الدنيا وكلّ ما هو فضول فداخل في الدنيا والنّفع الآخر في الرّياضة والاقتصار على الضّرورة قلّة المحاسبة والمؤاخذة الاخرويّتين وإنّها سبب لارتفاع الدرجات الاخرويّة فإنّ مسرّة الآخرة تكون أضعاف محنة الدنيا فظهر لرياضات الانبياء ومجاهداتهم عليهم الصّلاة والسّلام وجوه أخر غير الوجوه الذى ذكرناه آنفا فاتّضح أنّ الرّياضة والاقتصار على ضروريّات المباح وإن لم تكن شرطا للوصول في طريق الاجتباء ولكنّها محمودة في حدّ ذاتها ومستحسنة بل النّظر إلى الفوائد المذكورة ضروريّة ولازمة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب السّابع والثمانون إلى مولانا صالح الكولابيّ في بيان أسرار مراديّة حضرة شيخنا ومريديّته مدّ ظلّه العالي الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أنا مريد الله ومراد الله أيضا وسلسلة إرادتي متّصلة بالله تعالى بلا توسّط ويدي نائب مناب يد الله تعالى وإرادتي متّصلة بمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بوسائط كثيرة فبيني وبينه في الطّريقة النّقشبنديّة إحدى وعشرون واسطة وفي الطّريقة القادريّة خمس وعشرون واسطة وفي الطّريقة الجشتيّة سبع وعشرون واسطة وإرادتي بالله تعالى لا تقبل الوساطة كما مرّ فأنا مريد محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومجتمع معه في مرشد واحد أيضا مقتف أثره صلّى الله عليه وسلّم وأنا وإن كنت طفيليّا في خوان هذه الدولة ولكنّي ما جئت بلا دعوة وإنّي وإن كنت تابعا ولكنّي لست خاليا من الاصالة وإنّي وإن كنت أمّة ولكنّي شريك في الدولة لا بالشّركة الّتي يقوم عنها دعوى المساواة فإنّ ذلك كفر بل شركة الخادم مع المخدوم وما لم أطلب لم أحضر في سفرة هذه الدولة وما لم أدع لم أمدّ يدي إلى هذه الدولة وإنّي وإن كنت أويسيّا ولكن لي مربّ حاضر وناظر وإن كان شيخي في الطّريقة النّقشبنديّة عبد الباقي رضي الله تعالى عنه ولكنّ المتكلّف بتربيتي هو الباقي جلّ جلاله وعمّ نواله وإنّي تربّيت بالفضل وذهبت من طريق الاجتباء وسلسلتي سلسلة رحمانيّة وأنا عبد الرّحمن فإنّ ربّي رحمان جلّ شأنه وعمّ إحسانه ومربّي أرحم الرّاحمين وطريقتي طريقة سبحانيّة لأنّي ذهبت من طريق التّنزيه ولم أرد من الاسم والصّفة غير الذّات الاقدس - تعالت وتقدّست - وهذا السّبحانىّ ليس هو ذاك السّبحانىّ الذى قال به البسطاميّ فإنّه لا مساس له بهذا فإنّه ما تخلّص من دائرة الانفس وهذا ما وراء الانفس والآفاق وهو تشبيه كسى لباس التّنزيه وهذا التّنزيه لم يصبه غبار التّشبيه وذاك فائر من منبع السّكر وهذا منفجر عن عين الصّحو ولم يجعل أرحم الرّاحمين أسباب التّربية في حقّي غير المعدّاة ولم يجعل العلّة الفاعليّة في تربيتي غير فضله واهتمامه تعالى وتقدّس وإعناؤه من كمال كرمه في حقّي لا يجوز أن يكون لفعل الغير مدخل في تربيتي أو أن أكون أنا متوجّها في هذا المعنى إلى الغير فانا مربّى الإله جلّ شأنه ومجتبي فضله وكرمه اللّامتناهي (ع) لا عسر في أمر مع الكرام الحمد لله ذي الجلال والإكرام والمنّة والصّلاة والسّلام على رسوله والتّحيّة أوّلا وآخرا.

Bölüm V02/P356–V02/P357

المكتوب الثامن والثمانون إلى حضرة المخدوم زاده العالي المرتبة الخواجه محمّد سعيد سلّمه الله تعالى في أسرار خلّة الخليل وإثبات التّعيّن الوجوديّ إنّ الحقّ سبحانه إذا شرّف عبدا بدولة خلّته الّتي هي بالاصالة مخصوصة بحضرة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وجعله ممتازا بالولاية الإبراهيميّة بجعله أنيسه ونديمه ويورد في البين نسبة الانس والالفة الّتي هي من لوازم الخلّة ولمّا حصلت في البين نسبة الخلّة الّتي من لوازمها الانس والالفة ارتفع من النّظر قبح أخلاق الخليل وكراهة أوصافه فإنّه لو كان قبح في النّظر لكان باعثا على النّفرة وعدم الالفة وهي منافية لمقام الخلّة الّتي هي الفة بالكلّيّة (فإن قيل) إنّ ارتفاع قبح أوصاف الخليل عن النّظر في مرتبة المجاز ظاهر فإنّه يجوز أن يغلب نسبة الخلّة في ذلك الموطن فتستر قبح أوصاف الخليل وأمّا في مرتبة الحقيقة الّتي فيها العلم بالاشياء كما هي فلا يجوز فيها ظهور القبيح غير قبيح وكونه مغلوب نسبة الخلّة (قلت) إن في كلّ قبيح وجها من وجوه الحسن فيمكن أن يرى ذلك القبيح حسنا بالنّظر إلى ذلك الوجه الحسن ويحكم بحسنه (ينبغي) أن يعلم أنّ ذاك القبيح وإن لم يعرض له حسن مطلق ولكن لمّا كان وجهه الحسن ملحوظا ومنظورا للمولى جلّ شأنه كان بحكم فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغالِبُونَ غالبا على سائر وجوهه القبيحة وجعل كلّها في لونه وصيّرها مستحسنة فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ (اعلم) أرشدك الله تعالى سواء الصّراط: إنّ النّسبة بين الخلّة والمحبّة عموم وخصوص مطلقا فإنّ الخلّة عامّة والمحبّة فردها الكامل فإنّ إفراط الانس والالفة هو المحبّة الّتي هي باعثة على الهيمان ومورّثة لعدم القرار وعدم الرّاحة والخلّة بتمامها أنس والفة واستراحة والمحبّة هي الّتي عرضت لها كيفيّة أخرى وصارت ممتازة من سائر أفراد الخلّة وكأنّها صارت جنسا آخر والخاصّيّة الّتي امتازت المحبّة بها عن سائر أفراد الخلّة هي الحزن والالم ونفس الخلّة كلّها عيش في عيش وفرح في فرح وأنس في أنس ولعلّه من هذه الحيثيّة أعطى الله سبحانه وتعالى خليله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام أجر عمله في الدنيا الّتي هي دار المحن وفي الآخرة أيضا قال الله تعالى وآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ فإذا كانت المحبّة منشأ الالم والحزن فكلّ فرد تكون المحبّة فيها غالبا يكون الالم والحزن فيه أزيد ومن ههنا قيل " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواصل الحزن " وقال عليه الصّلاة والسّلام «ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت " فإنّ الفرد الكامل من أفراد الإنسان في حصول المحبّة كان هو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن كان هو عليه الصّلاة والسّلام محبوبا ولكن لمّا حصلت في البين نسبة المحبّة كان المحبوب المحبّ والها ومشغوفا وقد ورد في الحديث القدسيّ " الا طال شوق الابرار إلى لقائي وأنا إليهم لأشدّ شوقا " وههنا سؤال مشهور وهو أنّ الشّوق إنّما يكون إلى المفقود ولا شيء مفقود عن حضرته تعالى فكيف يكون فيه الشّوق وما يكون أشدّ الشّوق.

Bölüm V02/P357–V02/P359

(والجواب) أنّ مقتضى كمال المحبّة هو رفع الاثنينيّة واتّحاد المحبّ مع المحبوب وحيث انّ هذا المعنى مفقود فالشّوق موجود ولمّا كان تمنّي الاتّحاد في جانب المحبوب لانّ المحبّ لعلّه يقنع بمجرّد وصال المحبوب كان اشدّ الشّوق في جانب المحبوب بالضّرورة ويكون تواصل الحزن من صفة الحبيب (فإن قيل) إنّ الحقّ سبحانه قادر على جميع الامور وكلّ ما يريده ميسّر له فلا يكون شيء مفقودا في حقّه حتّى يتحقّق الشّوق (أجيب) انّ تمنّي أمر غير إرادته ومراده تعالى لا يتخلّف عن إرادته ولكن يجوز أن يوجد تمنّي أمر ولا توجد الإرادة بحصوله ولا يراد وجوده (ع) وكم في العشق من عجب عجيب وأحيانا يكون المطلوب في العشق مجرّد الالم ولا يكون الوصل ملحوظا أصلا بل يراد الوصل ويهرب من اتّصال المحبوب وهذا قسم من أقسام جنون العشق بل من محاسن العشق من لم يذق لم يدر (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ الخلّة مقام عال جدّا وكثير البركة وكلّ من فيه أنس والفة وسكونة واطمئنان مع الآخر في عالم المجاز كلّ ذلك من ظلال مقام الخلّة وكذلك كلّ حظّ ولذّة واطمئنان بالصّور الحسنة والمظاهر الجميلة ناشئة من مقام الخلّة والمحبّة شيء آخر فإنّ فيها كيفيّة أخرى فلو لم يكن في البين خلّة وأنس والفة لما وجد مركّب أصلا ولا ينضمّ جزء بجزء آخر خصوصا إذا كانت بينهما نسبة التّضادّ بل لما ينضمّ وجود إلى ماهيّة ما أصلا بل لا يدخل شيء من العالم تحت إيجاد الواجب تعالى فانّ المحرّك لسلسلة الايجاد والباعث على وجود الاشياء هو الحبّ " فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق " حديث قدسيّ والحبّ فرد كامل من الخلّة كما مرّ فلو لم تكن الخلّة لما وجد شيء من الاشياء ولا يجتمع شيء بشيء ولا يحصل بين الشّيئين الفة ووجود العالم ونظامه كلاهما مربوطان بالخلّة فلو لم تكن خلّة لكان النّظام كالوجود مفقودا فكانت الخلّة أصل الإيجاد من جانب الموجد ومن الموجود فإنّ الذى جعل الممكن مأنوسا لقبول الوجود وأورده في قيد الإيجاد هو الخلّة بل العدم أيضا مطمئنّ ومستريح في بيت خلوته بدولة الخلّة مؤانس بلا شيئيّته بل مؤتلف ومؤانس بنقيضه أيضا ولهذا صار مرآة لكمالاته وواسطة لوجود الممكنات فكانت الخلّة أكثر بركة من جميع الاشياء وكانت بركاتها شاملة للموجود والمعدوم فإذا علمت معارف مقام الخلّة ودقائقها وعموم بركاتها وعلمت أيضا أنّ مقام الخلّة بالاصالة مخصوص بحضرة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وانّ ولايته ولاية إبراهيميّة فاعلم أنّه قد ظهر لهذا الفقير الآن بتوسّط بركات هذه المعارف أنّ التّعيّن الاوّل هو تعيّن حضرة الذّات - تعالت وتقدّست - بحضرة الوجود وذلك التّعيّن الاوّل هو ربّ حضرة الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولهذا كان هو إمام الكلّ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا وصار سيّد البشر مأمورا بمتابعته (اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا) وكلّ نبيّ جاء بعده كان مأمورا بمتابعته وسائر التّعيّنات مندرجة في ضمن هذا التّعيّن الوجوديّ سواء كان تعيّنا علميّا جمليّا أو تفصيليّا ويمكن أن يكون من ههنا ذكر نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام إبراهيم عليه السّلام بالابوّة وذكر سائر الانبياء على جميعهم الصّلاة والسّلام بالاخوّة فلو ذكر سائر الانبياء بالبنوّة لجاز فإنّ تعيّناتهم مندرجة في تعيّنه الذى هو التّعيّن العلميّ الجمليّ على ما قالوا وما ورد في الصّلاة المأثورة من قوله صلّى الله عليه وسلّم " كما صلّيت على إبراهيم " يمكن أن يكون من جهة أنّ الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست بدون توسّط التّعيّن الاوّل لتلك المرتبة التّعيّن الوجوديّ وبلا اتمام الكمالات الولاية الإبراهيميّة غير ميسّر فإنّه هو العقوبة الاولى لتلك المرتبة المقدّسة وهو الذى صار مرآة لغيب الغيب فأورد بطن البطون إلى عرصة الظّهور فلا بدّ حينئذ لكلّ أحد من توسّطه وأمر الله سبحانه خاتم الانبياء عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بمتابعته ليصل بتبعيّته إلى ولايته ثمّ يتبختر منها إلى حضرة الذّات جلّ شأنه (فإن قيل) لزم من هذا البيان أن يكون إبراهيم أفضل من خاتم الرّسل على جميعهم الصّلاة والسّلام والحال أنّ الإجماع على أفضليّة خاتم الرّسل على جميعهم ولزم أيضا أن يكون التّجلّي الذّاتيّ نصيب حضرة الخليل بالاصالة ويكون لغيره بتبعيّته ومن المقرّر عند أكابر الصّوفيّة أنّ التّجلّي الذّاتيّ بالاصالة مخصوص بخاتم الرّسل ولغيره بتبعيّته (أجيب) انّ الوصول إلى الذّات كتجلّي الذّات - تعالت وتقدّست - على قسمين: باعتبار النّظر وباعتبار القدم يعني: أنّ الواصل إمّا النّظر أو النّاظر بنفسه والوصول النّظريّ نصيب الخليل عليه السّلام بالاصالة فإنّ أقرب التّعيّنات إلى حضرة الذّات هو التّعيّن الاوّل الذى هو ربّه كما مرّ وما لم يوصل إلى ذلك التّعيّن لا ينفذ النّظر إلى ما ورائه والوصول القدميّ نصيب الحبيب بالاصالة فإنّه محبوب ربّ العالمين ويوصل بالمحبوبين إلى محلّ يعجز عنه الاخلّاء إلّا أن يذهبوا فيه بتبعيّته واللّائق بالخليل أن يصل نظره إلى مقام يصل إليه رئيس المحبوبين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وأن لا يقصّر في الطّريق (وبالجملة) انّ تجلّي الذّات من وجه مخصوص بالخليل وغيره تابع له ومن وجه مخصوص بخاتم الرّسل وغيره تابع له عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولمّا كان الوجه الثاني أقوى وأدخل في مراتب القرب كانت مناسبة التّجلّي الذّاتيّ بخاتم الرّسل أكثر وأزيد وكان هو صلّى الله عليه وسلّم أفضل من الخليل ومن سائر الانبياء بالضّرورة فكان الفضل الكلّيّ نصيب الحبيب والخليل من بين الانبياء وإن كان أحدهما أفضل من الآخر ولمّا كان موسى عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام رئيس المحبّين كما كان نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم رئيس المحبوبين كان له بحكم " المرء مع من أحبّ " معيّة بحضرة الذّات بالضّرورة ليست هي لغيره وله أيضا في تلك الحضرة منزلة لا مدخل فيها لغيره وإنّما نال ذلك بواسطة محبّته فقط ولكنّ هذا الفضل راجع إلى جزئيّ يمكن أن يقال: إنّه عديل للكلّيّ فإنّ الجمّ الغفير من الانبياء تابعون له في ذلك المقام ومع ذلك الفضل الكلّيّ هو ما كان نصيب الخليل والحبيب عليهما الصّلاة والسّلام وإن كان كلّ منهما تابعا للآخر من وجه حيث إنّ الخليل أصل في الوصول النّظريّ والحبيب تابع له فيه وعكسه في الوصول القدميّ وفي الخاطر أن أكتب ما ظهر لي من الكمالات والفضائل المخصوصة بحضرة الكليم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في ورقة على حدة إن شاء الله تعالى (ينبغي) أن يعلم أنّ الانبياء إذا وصلوا إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست بتوسّط نبيّ من الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام لا يكون ذلك النّبيّ حائلا بين حضرة الذّات وبين هؤلاء الانبياء بل لهم من حضرة الذّات نصيب بالاصالة غاية ما في الباب أنّ وصولهم إلى تلك الدرجة مربوط بتبعيّة ذلك النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بخلاف أمّة نبيّ وصلت بتوسّطه فإنّ ذلك النّبيّ حائل في البين إلّا أن يكون لفرد من أفراد الامّة نصيب من حضرة الذّات بالاصالة فالحيلولة ثمّة أيضا مفقودة وتبعيّته له موجودة وقليل ما هم بل أقلّ.

Bölüm V02/P359–V02/P361

(فإن قيل) فعلى هذا التّقدير ما يكون الفرق بين ذلك الفرد من الامّة وبين سائر الانبياء؟ فإنّ الحيلولة مفقودة في كليهما والتّبعيّة موجودة. (أجيب) انّ تبعيّة ذلك الفرد من الامّة باعتبار التّشريع فإنّه ما لم يتّبع شريعة نبيّ لا يصل والتّبعيّة في الانبياء باعتبار أنّ وصول النّبيّ المتبوع إلى تلك الدرجة أوّلا وبالذّات ووصول غيره ثانيا وبالعرض فإنّ المطلوب من الدعوة هو المحبوب وغيره إنّما يدعى بتطفّله ويطلب بتبعيّته ولكنّ الكلّ جلساء على سفرة واحدة ومستوفون للتّلذّذات والتّنعّمات في مجلس واحد على تفاوت درجاتهم والامم هم الذين ينالون من زلّاتهم ويأكلون من فضلاتهم إلّا أن يكون فرد من أفرادهم مخصوصا بكرم الله جلّ شأنه فيصير جليس مجلس الاكابر كما مرّ (ع) لا عسر في أمر مع الكرام ومع ذلك الامّة أمّة والنّبيّ نبيّ والامّة وإن حصل لها غاية الرّفعة ونهاية العلوّ ولكن لا يبلغ رأسها قدم نبيّ من الانبياء قال الله تعالى ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ . (فإن قيل) ما المراد من متابعة ملّة إبراهيم الّتي أمر نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بها وما يكون الامر بالتّبعيّة مع وجود استقلال شريعته صلّى الله عليه وسلّم؟ (أجيب) لا منافاة بين استقلال الشّريعة وبين التّبعيّة فإنّه يجوز أن يكون نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام أخذ الشّريعة بالاصالة ولكنّه يصير مأمورا بمتابعة الخليل عليه السّلام في حصول أمر من الامور لكون ذلك الامر من خصائص ذلك المتبوع الذى أمر بمتابعته ولكون حصوله مربوطا بحصول المتابعة كما إذا أدّى شخص مثلا فرضا من الفرائض ومع ذلك ينوي المتابعة ويقول إنّ هذا الفرض قد أدّاه نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم فأؤديّه أنا أيضا فعلى هذا التّقدير ينال ثوابا للمتابعة سوى ثواب أداء الفرائض ويحصل له مناسبة بالنّبيّ فيستفيد من بركاته وتفتيش أنّ المراد من متابعة الملّة هل هو متابعة تمام الملّة أو بعضها فإن كان متابعة تمام الملّة فكيف يتصوّر متابعة الكلّ مع وجود نسخ بعض الاحكام؟ وإن كان متابعة البعض فلا يخلو عن خدشه أيضا فقد حلّه علماء التّفسير فينبغي المراجعة ثمّة فإنّه من علوم علماء الظّاهر ومناسبته بعلوم الصّوفيّة قليلة سبحان الله إنّ المعارف الّتي تظهر منّي حتّى يكاد أبناء الجنس يتنفّرون عنّي بسبب غرابتها ويصير المحاريم في مقام البغض فيحرّمونها وأيّ اختيار لي في حصول تلك المعارف وأيّ غرض لي في إظهارها وقد أعلمت أنّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الوجوديّ وأنّه ربّ الخليل ومبدأ تعيّنه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولم يسمع أحد في مدّة الف سنة أنّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الوجوديّ وأنّه ربّ خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام فإنّ هذه العبارات والاصطلاحات لم تكن متعارفة بين المتقدّمين ولم يكن للتّعيّن والتّنزّل مجال عندهم والمقرّر عند المتأخّرين الذين صارت هذه الكلمات متعارفة فيما بينهم أنّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن العلميّ وأنّه ربّ خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام واليوم يظهر خلاف ما هو المقرّر من شخص فينبغي التّخيّل أنّه ماذا يرد على رأسه وما يطلق عليه من الطّعن والملامة يظنّون أنّه يفضّل الخليل على الحبيب ويجعل الحبيب جزءا من الخليل حيث يعتقد أنّ سائر التّعيّنات مندرجة في التّعيّن الاوّل وإن دفع توهّمهم ذلك فيما مرّ وأجاب جوابا شافيا ولكن لا يعلم أنّهم يكتفون بذلك الدفع ويتشفّون بذلك الجواب الشّافي أوّلا ماذا نفعل؟ فإنّه لا علاج للجهل والعناد والتّعصّب إلّا أن يقلّب مقلّب القلوب بقدرته الكاملة قلوبهم ويصيّرهم قابلين لإستماع الحقّ ينبغي أن يدرك علوّ شأن حضرة الخليل من أمر اتّبع الذى صدر منه سبحانه إلى حبيبه فإنّه ما مناسبة المتبوع بالتّابع ولكنّ المحبوبيّة الّتي صارت نصيب خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رجحت على جميع الفضائل ومراتب القرب وجعلته صلّى الله عليه وسلّم أسبق قدما من الكلّ لا يساوى الف مرتبة من مراتب القرب لنسبة واحدة من نسب المحبوبيّة والمحبّ يرى محبوبه أعزّ من نفسه فأين للغير مجال دعوى المشاركة معه؟

Bölüm V02/P361–V02/P362

(فإن قيل) إنّك كتبت في رسائلك أنّ ربّ الخليل أيضا شأن العلم كما أنّه ربّ الحبيب عليهما الصّلاة والسّلام والفرق أنّه هناك بالتّفصيل وهنا بالإجمال. (أجيب) انّ تلك المعرفة إنّما كانت قبل الوصول إلى حقيقة ولاية الخلّة هذه ولمّا تحقّقت بحقيقة هذه الولاية ظهرت المعاملة كما هي وكأنّ تلك المعرفة كانت متعلّقة بظلّ هذه الحقيقة والله سبحانه الملهم للصّواب فاتّضح من هذا البيان أنّ الوجود ليس بعين الذّات بل تعيّن أسبق من سائر تعيّنات الذّات تعالت وتقدّست ومن قال بعينيّة الوجود للذّات فقد ظنّ التّعيّن لا تعيّنا وزعم غير الذّات ذاتا والمناقشة في قول الغير لا حاصل فيها فإنّه جيء به لضيق ميدان العبارة. (فإن قيل) ما نسبة هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ الذى وجدته بذاك التّعيّن الاوّل العلميّ الجمليّ الذى وجده الآخرون؟ وهل بين هذين التّعيّنين تعيّن آخر أو لا؟ (أجيب) انّ التّعيّن الوجوديّ فوق التّعيّن العلميّ وما قالوا: إنّ فوق التّعيّن العلميّ مرتبة حضرة الذّات واللّا تعيّن هو هذا التّعيّن الوجوديّ وجدوه عين الذّات وحكموا بعينيّة الوجود للذّات وبين هذين التّعيّنين شأن الحياة الّتي هي أقدم جميع الشّئونات وبعدها شأن العلم إجمالا وتفصيلا وهو تابع لها ولكن لا يظهر مظهريّة هذا التّعيّن المتوسّط في النّظر ومناسبته بحضرة الذّات تعالت أزيد من الكلّ والاستغناء الذّاتيّ واضح فيه جدّا ولكن يفهم أنّ فيوضه وبركاته مستفاضة خصوصا على الرّوحانيّين والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . (تنبيه) إنّ ما مرّ فيما سبق من أنّ الوصول النّظريّ نصيب الخليل بالاصالة والوصول القدميّ نصيب الحبيب عليهما الصّلاة والسّلام بالاصالة لا بمعنى أنّ هناك شهودا ومشاهدة أو للقدم مجالا ثمّة فإنّه لا مجال هناك لشعرة فضلا عن القدم بل هو وصول مجهول الكيفيّة فإن ارتسم في الصّورة المثاليّة بالنّظر فوصول نظريّ وإن بالقدم فوصول قدميّ وإلّا فالقدم والنّظر كلاهما والهان ومتحيّران في تلك الحضرة جلّ شأنها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب التّاسع والثمانون إلى القاضي إسماعيل الفريدآباديّ في شرح كلام الشّيخ روزبهان البقليّ مع بيان بعض دقائق التّوحيد الوجوديّ قال الشّيخ الوليّ روزبهان البقليّ قدّس سرّه في تبيين غلطات الصّوفيّة وغلط آخر أنّهم يقولون: الكلّ هو ويريدون بجميع هذه الجزئيّات المتفرّقة الحادثة ذاتا واحدة ويقول بعضهم ببعض بالرّمز ما نحن الّا هو فيكون لهؤلاء الكفّار مائة الف إله وربّ العالمين تعالى وتقدّس منزّه من جمع المحدثات وتفرقتها واحد لا سبيل إليه للجزء ولا يقبل الحلول ولا يكون متلوّنا وهم كفّار بهذا القول لا يعرفون الله ولا يعرفون أنفسهم فإن كان الإنسان حقّا كيف يكون فانيا؟ وغلط القوم في روح وغلط هؤلاء في الجسم قاتلهم الله سبحانه انتهى (لا يخفى) أنّ عبارة " الكلّ هو " وإن لم تكن متعارفة فيما بين قدماء الصّوفيّة قدّس الله أسرارهم ولكن كان بينهم مثل: أنا الحقّ وسبحاني وما في جبّتي سوى الله وأمثالها ممّا يعسر تعداده ومؤدّى هذه العبارة وتلك العبارة واحد. (شعر) إذا ما تعدّى الماء عن مفرق فلا .

Bölüm V02/P362–V02/P364

تفاوت في مقدار رمح وأرماح مثل موزون مشهور وهذه العبارة شائعة ذائعة ما بين متأخّري الصّوفيّة ويقولون: الكلّ هو بلا تكلّف ويصرّون على هذا القول إلّا أنّ القليل منهم لهم تردّد في هذه العبارة وأمثالها بل يظهرون صورة الإنكار عليها وما يفهمه هذا الفقير من معنى قولهم: الكلّ هو أنّ جميع هذه الجزئيّات المتفرّقة الحادثة ظهور ذات واحدة - تعالت وتقدّست - كما إذا انعكست صورة زيد في مرايا متعدّدة وظهرت فيها فيقال الكلّ هو يعني أنّ جميع هذه الصّور الّتي ظهرت في مرايا متعدّدة ظهور ذات واحدة لزيد فهنا أيّ جزئيّة واتّحاد وأيّ حلول وتلوّن بل ذات زيد مع وجود الصّور كلّها على صرافتها وحالتها الاصليّة ما زادت هذه الصّور فيها شيئا وما نقصت لا اسم للصّور فيما فيه ذات زيد ولا رسم حتّى يحصل لها معها نسبة من نسب الجزئيّة والاتّحاد والحلول والسّريان ينبغي أن يطلب سرّ الآن كما كان في هذا المكان فإنّ مرتبته سبحانه وتعالى كما لم يكن للعالم فيها مجال قبل الظّهور لا يكون له فيها مجال أيضا بعد الظّهور فلا جرم يكون الآن كما كان (والعجب) أنّ كثيرا من أكابر متقدّمي الصّوفيّة فهموا من هذه العبارة الممزوجة بشهود التّوحيد معنى الحلول والاتّحاد وكفّروا قائليها وضللوهم وبعضهم يوجّه هذه العبارة على نهج لا مناسبة له بمذاق قائليها بوجه ولا نسبة قال صاحب العوارف: إنّ صدور: «أنا الحقّ " من الحلّاج " وسبحاني " من أبي يزيد البسطاميّ كان بطريق الحكاية يعني من الحقّ سبحانه وتعالى فلو لم يكن بطريق الحكاية بل كان فيه شائبة الحلول والاتّحاد نردّ قائلي هذه الاقوال كما نردّ النّصارى لقولهم بالحلول والاتّحاد وقد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّه لا حلول في هذه العبارة الشّبيهة بالشّطح والاتّحاد والحمل فيها إنّما هو باعتبار الظّهور والشّهود لا باعتبار الوجود كما فهموا وحملوا على الحلول وكان هذه المسالة يعني مسالة التّوحيد الوجوديّ لم تكن محرّرة وملخّصة فيما بين متقدّمي الصّوفيّة كما ينبغي وكلّ من كان منهم مغلوب الحال ظهر منه كلمة في التّوحيد شبيهة بالقول بالاتّحاد وهو لم يطّلع على سرّها من غلبة السّكر ولم يصرفها من ظاهرها الذى يفهم منه شائبة الحلول والاتّحاد ولمّا وصلت النّوبة إلى الشّيخ الاجلّ محيي الدين بن العّربيّ - قدّس سرّه - شرح هذه المسالة الدقيقة من كمال المعرفة وبوّبها وفصّلها ودوّنها تدوين الصّرف والنّحو ومع ذلك لم يفهم جمع من هذه الطّائفة مراده فخطئوه وطعنوا فيه وأطلقوا عليه لسان الملام والشّيخ محقّ في أكثر تحقيقات هذه المسالة والطّاعنون فيه بعيدون عن الصّواب ينبغي أن يعرف جلالة شأن الشّيخ ووفور علمه من تحقيق هذه المسألة لا أن يردّه ويطعن فيه وكلّما يمرّ على هذه المسالة زمان تصير واضحة ومنقّحة بتلاحق أفكار المتأخّرين وتبعد عن شبهات الحلول والاتّحاد الا ترى أنّ النّحو الذى صار الآن واضحا ومنقّحا بتلاحق أفكار المتأخّرين من النّحويّين لم يكن فيه ذلك التّنقيح والوضوح في زمان سيبويه والاخفش فإنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الافكار وقد باحث الإمام الاعظم والإمام أبو يوسف في مسالة خلق القرآن ستّة أشهر وجرى بينهما الرّدّ والنّقض ثمّ استقرّ رأيهما على أنّ من قال: إنّ القرآن مخلوق يصير كافرا وطول هذه المنازعة إنّما كان لعدم تنقيح هذه المسالة في ذلك الوقت والآن حيث كانت منقّحة بتلاحق الافكار نقول: لو كان محلّ النّزاع هو الحروف والكلمات الدالّة على الكلام النّفسيّ فلا شكّ أنّها حادثة ومخلوقة وإن كان المراد هو المدلولات فقديمة وغير مخلوقة وهذا التّنقيح من بركات تلاحق الافكار (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ لهذه العبارة معنى آخر بعيدا عن الحلول والاتّحاد يعني أنّ الكلّ معدوم والموجود هو الله تعالى لا أنّ الكلّ موجود ومتّحد معه تعالى فإنّ هذا الكلام لا يتكلّم به أبله فكيف يتصوّر صدوره عن الاكابر ولكن إذا كان ما سوى المحبوب مستورا عن نظر هؤلاء الاكابر عند غلبة المحبّة ولم يبق غيره في شهودهم وهم يقولون: الكلّ هو يعني أنّ جميع هذا الذى يرى ثابتا موهوم ومتخيّل والموجود هو الله تعالى فعلى هذا التّقدير ليست فيها شائبة الجزئيّة والاتّحاد ولا مظنّة الحلول والتّلوّن ومع ذلك لا يستحسن هذا الفقير أمثال هذه العبارة وإن كانت مبرّأة من هذه المفاسد؛ لأنّها ليست بلائقة بمرتبة تقديسه وتنزيهه تعالى وما مقدار هؤلاء الموجودات حتّى تكون مظاهر له تعالى (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا وأين فيها استحقاق أن تكون محمولة عليه تعالى ولو باعتبار الظّهور والشّهود فإن كانت مظهرا فمظهر لظلّ من ظلال كمالاته تعالى ولعلّ بين ذلك الظّلّ الذى صارت الموجودات مظهرا له وبين الذّات تعالت وتقدّست ألوفا من الحجاب الم تسمع أنّ لله تعالى سبعين الف حجاب من نور وظلمة فحمل مظهر ظلّ من ظلال كماله سبحانه عليه تعالى من غير تحاش والقول بأنّه هو سوء أدب وكمال جراءة ولكن لمّا كان صدور ذلك في غلبة الحال واستيلاء السّكر ليس بمذموم جدّا وكذلك اعتقاد مشهودهم عين الحقّ على الوجيه الثاني وحمله عليه تعالى بهذا الاعتبار أيضا سوء أدب بل خلاف الواقع فإنّ ذلك المشهود أيضا ظلّ من ظلال كمالاته تعالى وهو تعالى وراء الوراء ثمّ وراء الوراء وأيضا إنّ كلّ ما هو مشهود ومستحقّ للنّفي فلا يكون الحقّ جلّ وعلا قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: كلّ ما يكون مسموعا ومرئيّا ومدركا فهو غير الحقّ سبحانه ينبغي نفيه بحقيقة كلمة لا وما هو مختار هذا الفقير في هذه المسالة والمناسب لشأن التّقديس والتّنزيه عبارة: الكلّ منه لا بمعنى يقتصر عليه علماء الظّاهر ويقولون: إنّ صدور الخلق كلّه منه فإنّ هذا وإن كان صادقا ولكن مع ذلك هنا علاقة أخرى أيضا لم يهتد العلماء إليها وامتازت الصّوفيّة بإدراكها ووجدانها وهي الارتباط بين الاصالة والظّلّيّة يعني أنّ وجود الممكن ناشئ من وجود الواجب تعالى وظلّ لوجوده سبحانه وكذلك حياته ناشئة من صفة حياته سبحانه وظلّ لتلك الحياة المقدّسة وعلى هذا القياس العلم والقدرة والإرادة وغيرها فالعالم على رأي الصّوفيّة صادر من الحقّ سبحانه وظلّ لكمالاته وناشئ من تلك الكمالات المنزّهة مثلا الوجود الذى أعطيه الممكن ليس هو أمرا على حدة مستقلّ برأسه بل هو وجود الواجب تعالى وكذلك الحياة والعلم وغيرهما ممّا أعطيه الممكن ليست أمورا ثبت لها الاستقلال من الواجب تعالى بل هي مع وجود صدورها عن الواجب تعالى ظلال كمالاته سبحانه وصورها وأمثالها والاهتداء إلى هذا الارتباط يعني ارتباط الاصالة والظّلّيّة رفع معاملة الصّوفيّين إلى أعلى علّيّين وأوصلهم إلى الفناء والبقاء وجعلهم متحقّقين بالولاية الخاصّة ولمّا لم يتيسّر لعلماء الظّاهر هذه الرّؤية والاهتداء لم يصبهم نصيب من الفناء والبقاء ولم يتحقّقوا بالولاية الخاصّة والصّوفيّة وجدوا كمالاتهم ظلال كمالات الواجب وعلموا أنّ الوجود وتوابع الوجود عكوس تلك الكمالات فلا جرم لم يروا أنفسهم غير حاملي أمانات كمالاته سبحانه ولم يجدوا أنفسهم سوى أن يكونوا مرايا لتلك الكمالات فإذا أدّوا هذه الامانات بحكم إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها الآية إلى أهل الامانات وأعطوا هذه الكمالات بالتّمام إلى الاصل ذوقا يجدون أنفسهم معدومين ميّتين فإنّه لمّا ذهب الوجود والحياة إلى الاصل بقوا معدومين وميّتين فتحقّق الفناء للمولويّ الرّوميّ رحمه الله.

Bölüm V02/P364–V02/P366

(شعر) فإذا عرفته أنت من هو أوّلا . ونسبت نفسك نحو حضرته العلا وعرفت أنّك ظلّ من يا من درى . كن فارغا حيّا وميّتا من ملا فمن تشرّف بالبقاء بعد الفناء أعطي الوجود وتوابع الوجود من الصّفات الكاملة مرّة ثانية ويتحقّق بالولادة الثانية لن يلج ملكوت السّموات من لم يولد مرّتين (ع) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها إلهي قد أطلق من ضيق العبارة الالفاظ الّتي لم يرد الشّرع بإطلاقها كالظّلّيّة وغيرها وأقول: إنّ وجود الممكن ظلّ وجود الواجب تعالى وصفاته ظلال صفاته الكاملة وأنا خائف وجل من هذه الإطلاقات وإذ قد سبق أولياؤك بإطلاق هذه العبارات نرجو العفو والمعافاة رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (ينبغي) أن يعلم أنّه قد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّ الصّوفيّة القائلون بكلام: الكلّ هو لا يعتقدون اتّحاد العالم بالحقّ جلّ وعلا ولا يثبتون الحلول والسّريان والحمل الذى يحصل من كلامهم هذا فإنّما هو باعتبار الظّهور والظّلّيّة لا باعتبار الوجود والتّحقّق وإن توهّم من ظاهر عباراتهم الاتّحاد الوجوديّ ولكن حاشاهم من أن يكون مرادهم ذلك فإنّه كفر والحاد فإذا كان حمل أحدهما على الآخر باعتبار الظّهور والشّهود لا باعتبار الوجود كان معنى " الكلّ هو " الكلّ منه " فإنّ ظلّ الشّيء ناشئ من ذلك الشّيء وإن كانوا يقولون وقت غلبة الحال: الكلّ هو ولكن يكون مرادهم من هذه العبارة في الحقيقة الكلّ منه فلا مجال في الطّعن في كلامهم والحكم بتضليل قائليه وتكفيرهم (اعلم) أنّ ظلّ شيء عبارة عن ظهور الشّيء في مرتبة ثانية أو ثالثة أو رابعة مثلا: إنّ صورة زيد المنعكسة في المرآة ظلّ زيد وظهوره في مرتبة ثانية وزيد في الحقيقة في مرتبة وجوده الاصليّ أظهر نفسه في المرآة بالظّلّ من غير أن يطرأ له في ذاته وصفاته تلوّن وتغيّر كما مرّ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب التّسعون إلى الفقير هاشم الكشميّ في جواب سؤاله عن حقيقة مشاهدة العرفاء الحقّ سبحانه بالقلب وتحقيقه قد سالتم أنّه قد أثبت بعض محقّقي الصّوفيّة رؤية الحقّ ومشاهدته تعالى ببصر القلب في الدنيا قال الشّيخ العارف في كتابه «العوارف " موضع المشاهدة بصر القلب إلخ وأورد الشّيخ أبو إسحاق الكلاباديّ قدّس سرّه الذى هو من قدماء هذه الطّائفة ورؤسائهم في كتابه «التّعرّف " وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار ولا بالقلوب إلّا من جهة الإيقان فكيف التّوفيق بين هذين التّحقيقين؟ وعلى أيّ منهما يوافق رأيك؟ وما معنى الإجماع مع وجود الاختلاف؟ (اعلم) أرشدك الله: أنّ مختار هذا الفقير في هذه المسالة هو قول صاحب " التّعرّف " - قدّس سرّه - واعلم أنّه لا نصيب للقلوب من تلك الحضرة في هذه النّشأة غير الإيقان سواء ظنّوه رؤية أو مشاهدة فإذا لم تكن للقلب رؤية ماذا يكون للأبصار؟ فإنّ البصر معطّل في هذه المعاملة في هذه النّشأة غاية ما في الباب أنّ المعنى المسمّاة بالإيقان الحاصل في القلب يظهر في عالم المثال بصورة الرّؤية والموقن به يظهر بصورة المرئيّ فإنّ لكلّ معنى صورة في عالم المثال مناسبة له في عالم الشّهادة وحيث انّ كمال اليقين في عالم الشّهادة في الرّؤية يظهر الإيقان أيضا في عالم المثال بصورة الرّؤية فإذا ظهر الإيقان بصورة الرّؤية يظهر متعلّقه الذى هو الموقن به صورة المرئيّ بالضّرورة فإذا شاهده السّالك في مرآة المثال يذهل عن توسّط المرآة ويظنّ الصّورة حقيقة ويزعم أنّه قد حصلت له حقيقة الرّؤية وظهر له المرئيّ ولا يدري أنّ تلك الرّؤية هي صورة إيقانه وذلك المرئيّ صورة الموقن به وهذا من أغلاط الصّوفيّة وتلبّسات الصّور بالحقائق فإذا غلبت هذه الرّؤية وترشّحت من الباطن في الظّاهر توقع السّالك في توهّم أنّه قد حصل له رؤية البصر أيضا وتحوّل المطلوب من السّماع إلى المعانقة ولا يدرون أنّ حصول هذا المعنى في الاصل الذى هو البصيرة أيضا مبنيّ على التّوهّم والتّلبّس فماذا يصيب للبصر الذى هو فرع عليها في هذه النّشأة؟

Bölüm V02/P366–V02/P367

ومن أين تحصل لها الرّؤية؟ وفي الرّؤية القلبيّة وقع جمّ غفير من الصّوفيّة في التّوهّم وحكموا بوقوعها بخلاف الرّؤية البصرية فإنّه لم يقع في توهّم وقوعها إلّا النّاقصون من هذه الطّائفة وهو مخالف لما عليه أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم. (فإن قيل) إذا كان للموقن به صورة في عالم المثال يلزم أنّ للحقّ سبحانه صورة هناك؟ (أجيب) انّ الصّوفيّة قد جوّزوا أن يكون للحقّ سبحانه مثال وان لم يكن له تعالى مثل وجوّزوا ظهوره سبحانه في المثال بصورة كما قرّر صاحب الفتوح - قدّس سرّه - كون الرّؤية الاخرويّة أيضا بصورة جامعة لطيفة مثاليّة وتحقيق هذا الجواب أنّ صورة الموقن به ليست هي صورة الحقّ سبحانه في المثال بل هي صورة مكشوف صاحب الإيقان الذى تعلّق إيقانه به وذلك المكشوف بعض وجوه الحقّ سبحانه واعتباراته لا ذاته جلّ وعلا ولهذا إذا بلغت معاملة العارف الذّات لا يظهر له مثل هذه التّخيّلات ولا يتخيّل رؤية ولا مرئيّ أصلا فإنّه لا صورة لذاته الاقدس سبحانه في المثال حتّى تظهر له ويرى إيقانه بصورة الرّؤية أو نقول إنّ في عالم المثال صورة المعاني لا صور الذّوات وحيث انّ العالم بتمامه مظاهر الاسماء والصّفات لا يكون له نصيب من الذّاتيّات كما حقّقته في مواضع متعدّدة فيكون بتمامه من قسم المعاني بالضّرورة وتكون له صورة في المثال وفي الكمالات الوجوبيّة كلّ مرتبة فيها الشّأن والصّفة الّتي قيامها بالذّات تعالت ومن قبيل المعاني لو كانت لها صورة في المثال ولو بالنّقص لساغ وأمّا ذاته سبحانه فحاشاها من أن تكون لها صورة في مرتبة من المراتب فإنّ الصّورة مستلزمة للتّحديد والتّقييد وذا ليس بمجوّز في أيّ مرتبة كان وأين المجال للمراتب الّتي كلّها مخلوقة لله تعالى أن يجعل الخالق سبحانه محدودا أو مقيّدا وكلّ من جوّز المثال في حضرته سبحانه وتعالى فهو باعتبار الوجوه والاعتبارات لا باعتبار عين الذّات تعالت وإن كان تجويز المثال في وجوه الذّات واعتباراتها أيضا ثقيلا على هذا الفقير إلّا أن يجوز ذلك في ظلّ من الظّلال البعيدة (فاتّضح) من هذا البيان أنّ ارتسام الصّور في المثال إنّما هو للمعاني والصّفات لا للذّات فما مرّ من صاحب الفصوص من تجويز كون الرّؤية الاخرويّة بصورة مثاليّة ليست هي برؤية الحقّ سبحانه بل ليست برؤية صورة الحقّ فإنّه لا صورة له سبحانه حتّى تتعلّق بها الرّؤية فإن كانت في المثال صورة فهي لظلّ من ظلاله البعيدة فكيف تكون رؤيتها رؤية الحقّ سبحانه؟ والشّيخ قدّس سرّه لا يقصّر في نفي الرّؤية من المعتزلة والفلاسفة بل يثبت الرّؤية على نهج يستلزم نفي الرّؤية وهو أبلغ في النّفي من صريح النّفي لانّ الكناية أبلغ من الصّريح قضيّة مقرّرة إنّما الفرق بينهما أنّ مقتدى تلك الجماعة عقولهم العقليّة ومقتدى الشّيخ الكشف البعيد عن الصّحّة ويشبه أن تكون أدلّة المخالفين الغير التّامّة قد تمكّنت في متخيّلة الشّيخ فحرّفت كشفه أيضا في هذه المسألة عن صوب الصّواب وجعلته مائلا إلى مذهب المخالفين ولكن لمّا كان من أهل السّنّة أثبتها صورة واكتفى بهذا القدر وظنّها رؤية رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا وتحقيق هذه المسألة الدقيقة محرّر أيضا فيما كتبته لحلّ بعض مواضع كتاب " العوارف " وما سالتم من تحقّق الإجماع مع وجود الاختلاف فلعلّ الخلاف المعتدّ به لم يكن وقت الإجماع أو أنّه أراد بالإجماع إجماع مشايخ عصره والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. المكتوب الحادي والتّسعون إلى مولانا طاهر البدخشيّ في جواب سؤاله عن الفرق بين المعرفة والإيمان الحقيقيّ وغير ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ صحيفة أخي الاعزّ المرسلة صحبة الشّيخ سجاول قد وصلت الحمد لله سبحانه على سلامتكم وعافيتكم وقد اندرجت فيها أسئلة متعدّدة فكتبنا في جوابها ما خطر في الخاطر ينبغي أن يلاحظه بالتّوجّه الكامل (السّؤال الاوّل) ما الفرق بين المعرفة والإيمان الحقيقيّ؟

Bölüm V02/P367–V02/P368

(وجوابه) انّ المعرفة غير الإيمان فإنّ المعرفة يعبّر عنها بالفارسيّة بشناختن والإيمان يعبّر عنه بكرويدن وربّما تحصل المعرفة بالمعنى المذكور ولا يحصل الإيمان الا ترى أنّ أهل الكتاب كانت لهم معرفة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام عرفوا أنّه نبيّ كما قال الله يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ولكن لمّا لم يحصل لهم التّصديق بواسطة العناد لم يتحقّق الإيمان والمعرفة أيضا منقسم إلى قسمين مثل الإيمان: صورة المعرفة كصورة الإيمان وحقيقة المعرفة كحقيقة الإيمان وصورة الإيمان هي ما اكتفى به الحقّ سبحانه من كمال رأفته ورحمته في الشّريعة للنّجاة الاخرويّة وهو تصديق القلب مع وجود إنكار النّفس الامّارة وتمرّدها وصورة المعرفة هي أيضا كون المعرفة مقصورة على تلك اللّطيفة لها مع وجود جهل الامّارة وحقيقة المعرفة هي خروج النّفس الامّارة من جهالتها بالجبليّة وحصول المعرفة لها وحقيقة الإيمان هي تصديق النّفس بعد حصول المعرفة لها واطمئنانها بعد خروجها من الامّاريّة الّتي هي كانت طبيعيّة لها (فإن قيل) قد اعتبر في الشّريعة التّصديق القلبيّ فكرويدن هذا هل هو عين التّصديق أو امر وراءه؟ فإن كان وراءه يلزم أن يعتبر في الإيمان ثلاثة أجزاء: الإقرار والتّصديق وكرويدن وهو خلاف ما هو مقرّر عند العلماء ويكون العمل عند من اعتبره من الإيمان جزءا رابعا (أجيب) انّ كرويدن هو عين التّصديق فإنّ التّصديق الذى هو الحكم عبارة عن الإذعان المعبّر عنه في الفارسيّة: «بكرويدن». (فإن قيل) إذا عرف أهل الكتاب نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بعنوان النّبوّة فقد حكموا بنبوّته بالضّرورة وحصل لهم الإذعان المعبّر عنه بكرويدن فإنّ الحكم على هذا التّقدير عين هذا الإذعان فلم لا يكون الإيمان متحقّقا في حقّهم وبأيّ علّة لا يخرجون من الكفر؟ (قلت) قد عرفوه بعنوان النّبوّة ولكن لم يحصل لقلبهم الإذعان بواسطة التّعصّب والعناد حتّى يحصل لهم الحكم بنبوّته فإنّه ربّما يحصل المعرفة والتّصوّر ولا يحصل الإذعان حتّى يوجد التّصديق ويتحقّق الإيمان ويخرجون من الكفر الفرق دقيق اسمع وارجع إلى وجدانك ومع وجود العناد يمكن أنّ نبيّ الله فعل كذا ولا يمكن أن يقول: إنّه نبيّ الله ما لم يحصل الإذعان فإنّ في الصّورة الاولى تصوّرا فقط وإحالة إلى معرفة مشهورة وفي الصّورة الثانية تصديقا مبنيّا على الإذعان فإذا لم يوجد الإذعان كيف يتصوّر وجود التّصديق؟ وأيضا ليس المقصود في الصّورة الاولى إثبات النّبوّة بل إثبات الفعل وفي الصّورة الثانية إثبات النّبوّة والعناد لا يجتمع معه فكيف يتصوّر وجود الإذعان فلو حصل التّصديق - والحكم فرضا - بلا حصول الإذعان فهو أيضا داخل في التّصوّرات وصورة التّصديق وما لم يحصل الإذعان لا تحصل حقيقة التّصديق فلا يحصل الإيمان وهذه المسالة من أمّهات مسائل علم الكلام ودقيقة جدّا حتّى عجز في حلّها فحول العلماء وزاد بعضهم ركنا ثالثا في الإيمان بالاضطرار وقال بزيادة كرويدن على التّصديق والذين قالوا بعينيّة التّصديق بكرويدن لم يحلّ هذا المعنى كما ينبغي بل اكتفى بالإجمال ومضى الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله . (اسمع) انّ المركّب التّقييديّ والمركّب التّوصيفيّ مثل " نبيّ الله " " وهذا النّبيّ " وإن كانا متضمّنين للحكم بأنّه نبيّ ومشتملين على معرفته بعنوان النّبوّة ولكنّ حصول التّصديق بأنّه نبيّ موقوف على الإذعان الذى هو مثبت للإيمان غلام زيد فعل كذا ورجل صالح حكم بكذا كلاهما صحيح بلا إذعان والمعرفة بعنوان الغلاميّة وعنوان الصّلاحيّة ثابتة في كليهما ولكن لا إذعان فيهما حتّى يحصل التّصديق بالغلاميّة والصّلاحيّة.

Bölüm V02/P368–V02/P369

(فإن قيل) إنّك قلت: إنّ إذعان النّفس بعد إذعان القلب وعبّرت عن إذعان النّفس بالإيمان الحقيقيّ والحال أنّ الفلاسفة وأرباب المعقول أخذوا في التّصديق مطلق إذعان النّفس ولم يتكلّموا في إذعان القلب (قلت) إنّ أرباب المعقول يريدون بالنّفس في بعض الإطلاقات الرّوح وفي بعض الإطلاقات القلب (وبالجملة) انّ تدقيقاتهم الفلسفيّة في محالّ اخر وأكثرها ممّا لا طائل فيه وهم معطّلون وعاجزون في هذه المسالة وحكمهم فيها حكم العوامّ ونوبة التّدقيق ثمّة انتهت إلى الصّوفيّة فإنّهم يتلبّسون بأحكام كلّ لطيفة ويترقّون من جميع اللّطائف بالسّير والسّلوك ويفرّقون النّفس من القلب والرّوح من السّرّ ويميّزون بين الخفيّ والاخفى ولا يعلم حصول نصيب من هؤلاء لأرباب المعقول غير معرفة أساميها وقد اعتقدت الفلاسفة النّفس الامّارة شيئا عظيما وعدّوها من المجرّدات ولم يجر اسم القلب والرّوح على السنتهم ولم يبد من السّرّ والخفيّ والاخفى علامة إنّ لله سبحانه ملكا يسوق الاهل إلى أهل (وجواب آخر) أنّ أرباب العقول إنّما ذكروا إذعان النّفس نظرا إلى الاحكام العاديّة والعرفيّة لكونها قريبة إلى فهمهم وكلامنا في تصديقات الاحكام الشّرعيّة وللنّفس إنكار عليها بالذّات فأين الإذعان وهذا الإنكار إنكار موصل للمنكر إلى حدّ عداوة صاحب تلك الاحكام نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا؟ وقد ورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي " وأرحم الرّاحمين لم يجعل إذعان النّفس من كمال رأفته منظورا في أوائل الحال وجعل النّجاة مربوطة بإذعان القلب فلو تيسّر إذعان النّفس ثانيا بمحض كرمه سبحانه وتعالى فهو نور وسرور ووصول إلى درجات الولاية وحصول حقيقة الإيمان وقد كتبتم أنّه ينبغي أن تكتبوا جوابا موافقا لفهم الفقير وإدراكه حتّى يمكن لي فهمه ماذا أصنع المسالة دقيقة جدّا وحلّها أيضا بلا دقّة مشكل بل نفس الحلّ يقتضي الدقّة فما ذنب العبارة وكان ينبغي لكم أن تتفكّرون هذا أوّلا حتّى لا تجترئوا على سؤال حلّ مثل هذا المعمّى فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أَنْفُسَكُمْ (السّؤال الثاني) انّ الزّهّاد والعبّاد هل هم مشرّفون بالإيمان الحقيقيّ أو لا؟ (جوابه) انّهم إن بلغوا مرتبة المقرّبين وصارت نفوسهم مطمئنّة فقد بلغوا مرتبة الإيمان الحقيقيّ (والسّؤال الثالث) انّ أصحاب المعرفة الإجماليّة الّتي منشأها الكفر الحقيقيّ كيف يمكن أن يقال لهم العرفاء؟ لم يفهم معنى هذه العبارة كما ينبغي وأنتم تكتبون العبارة مغلقة وتمنعون الآخرين من ذلك فإن كان المقصود أنّ كافر الطّريقة بأيّ معنى يقال له: إنّه عارف (فجوابه) انّ كافر الطّريقة أيضا عرف الحقّ سبحانه بالوحدانيّة وجعل ما سواه ممحوّا ومتلاشيا فهو عارف ولكنّه ليس بعارف مطلقا لانّه خرج من دائرة التّمييز فإذا رجع إلى التّمييز يصير عارفا مطلقا ويكون مشرّفا بالإيمان الحقيقيّ والسّلام. المكتوب الثاني والتّسعون إلى الفقير هاشم الكشميّ في جواب سؤاله عن سماع الصّوفيّة كلام الحقّ سبحانه ومكالمتهم معه تعالى قد سالتم أنّه: «ما معنى ما قاله بعض العرفاء من انّا نسمع كلام الحقّ سبحانه أو تقع بيننا وبينه مكالمة؟ كما نقل عن الإمام الهمام جعفر الصّادق رضي الله عنه أنّه قال: ما زلت أردّد الآية حتّى سمعتها من المتكلّم بها ويفهم ذلك أيضا من الرّسالة الغوتيّة الّتي هي منسوبة إلى حضرة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه؟ وما تحقيق ذلك عندك؟

Bölüm V02/P369–V02/P371

(اعلم) أرشدك الله تعالى أنّ كلام الحقّ سبحانه وتعالى كذاته وسائر صفاته لا كيفيّ ولا مثليّ وسماع الكلام الكيفيّ أيضا لا كيفيّ فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ فلا يكون ذلك السّماع مربوطا بحاسّة السّمع فإنّها متكيّفة بالكيف بالكلّيّة فإن كان هناك للعبد سماع فهو بتلقّ روحانيّ فإنّ لها - يعني الرّوح - نصيبا من اللّاكيفيّ وبلا توسّط الحروف والكلمات وأيضا لو كان الكلام من العبد فهو أيضا بالقاء روحانيّ بلا حروف وكلمات ويكون لهذا الكلام نصيب من اللّاكيفيّ حيث يكون مسموعا للّاكيفيّ مع أنّا نقول إنّ الكلام اللّفظيّ الذى يصدر عن العبد يسمعه الحقّ سبحانه وتعالى بسماع لا كيفيّ بلا توسّط الحروف والكلمات وبلا تقديم وتأخير إذ لا يجري عليه تعالى زمان يسع فيه التّقديم والتّأخير فلو كان في ذلك الموطن من العبد سماع فهو سامع بكلّيّته وإن كلام فمتكلّم بكلّيّته فالعبد بتمامه سمع وبتمامه لسان وقد سمعت الذّرّات المخرجة يعني من ظهر آدم قول أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ يوم الميثاق بكلّيّتهم بغير واسطة وأجابوه وكانوا بتمامهم أسماعا وبتمامهم السنا فإنّه لو كان السّمع متميّزا من اللّسان لما يحصل السّماع والكلام اللّاكيفيّين ولا يكون لائقا بارتباط المرتبة اللّاكيفيّة لا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه غاية ما في الباب أنّ ذلك المعنى المتلقّى الذى أخذه من طريق الرّوحانيّة يتمثّل ثانيا في عالم الخيال الذى هو في الإنسان تمثال عالم المثال بصورة الحروف والكلمات المرتّبة ويرتسم ذلك التّلقّي والالقاء بصور السّماع والكلام اللّفظيّ فإنّ لكلّ معنى صورة في ذلك العالم وإن كان ذلك المعنى منزّها من الكيف ولكن يكون ارتسام المنزّه عن الكيف أيضا هناك بصورة مكيّفة بكيف فإنّ الفهم والإفهام المقصودين من الارتسام مربوطان بها فإذا وجد السّالك المتوسّط في نفسه حروفا وكلمات مترتّبة وأحسّ سماع الكلام اللّفظيّ يتخيّل أنّه قد سمع هذه الكلمات من الاصل وأخذه من هناك بلا تفاوت ولا يدري أنّ هذه الحروف والكلمات صور خياليّة لذلك المعنى المتلقّى وذلك السّماع والكلام اللّفظيّ تمثال ذلك السّماع والكلام اللّاكيفيّ والعارف التّامّ المعرفة ينبغي أن يميّز حكم كلّ مرتبة عن الاخرى ولا يلبس حكم احديهما بحكم الاخرى فسماع هؤلاء الاكابر وكلامهم المربوطين بمرتبة لا كيفيّة من قبيل التّلقّي والالقاء الرّوحانيّين وهذه الكلمات والحروف الّتي يعبّر بها عن ذلك المعنى المتلقّى من عالم الصّور المثاليّة والذين يظنّون أنّهم يسمعون الحروف والكلمات من الله سبحانه فريقان فريق يقولون: إنّ هذه الحروف والكلمات الحادثة المسموعة دوالّ على الكلام النّفسيّ القديم وهؤلاء أحسن حالا من الفريق الثاني والفريق الثاني يطلقون القول بسماع كلام الحقّ جلّ شأنه ويعتقدون الحروف والكلمات المرتّبة المسموعة كلام الحقّ جلّ وعلا ولا يفرّقون بين ما هو لائق بجناب قدسه تعالى وبين ما هو ليس بلائق به وهم الجهّال البطّال لم يعرفوا ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه تعالى سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ والصّلاة والسّلام على خير البشر وآله وأصحابه الاطهر.

Bölüm V02/P371–V02/P372

المكتوب الثالث والتّسعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد في تحقيق التّعيّن الاوّل الوجوديّ وبيان الفرق بين مبادي تعيّنات الحبيب والخليل والكليم عليهم الصّلوات والتّسليمات والذي صار مكشوفا في الآخر بكرم الله وفضله سبحانه وتعالى هو أنّ التّعيّن الاوّل لحضرة الذّات - تعالت وتقدّست - هو تعيّن حضرة الوجود والمحيط بجميع الاشياء والجامع لجميع الاضداد والخير المحض وكثير البركة حتّى إنّ الاكثرين من مشايخ هذه الطّائفة قالوا: إنّه عين الذّات ومنعوا كونه زائدا على الذّات تعالى وفيه غاية الدقّة وكمال اللّطافة بحيث لا يكاد بصر كلّ شخص يدركه ولا يقدر تمييزه من الاصل ولهذا بقي تعيّنه مختفيا إلى هذه المدّة ولم يتميّز من المتعيّن وعبده جمّ غفير بزعم أنّه هو الله ولم يطلبوا معبودا ومطلوبا ما وراءه واعتقدوا أنّه هو المبدأ للآثار الخارجيّة وظنّوا أنّه المكوّن للحوادث اليوميّة وهذا التّمييز أعني تمييز الحقّ عمّا دون الحقّ كان دولة مدّخرة لهذا المسكين العاجز المتأخّر ونفي مشاركة غير المعبود مع المعبود سبحانه وتعالى كان حصّة باقية من الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام مختبية لملتقط ما سقط من موائدهم هذا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وقد صار مكشوفا أنّ هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ هو ربّ خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ومبدأ تعيّنه وتعيّن خلّته وصار مكشوفا أيضا أنّ مركز هذا التّعيّن الذى هو جزؤه الاشرف وفيه نسبة الاقربيّة بالاصل من بين الاجزاء الاخر هو ربّ حبيب الله ومبدأ تعيّنه وتعيّن محبّته عليه وعلى جميع الانبياء الصّلوات والتّسليمات (فإن قيل) إذا كان التّعيّن الاوّل ربّ الخليل فما معنى قول نبيّنا عليهما الصّلاة والسّلام: «أوّل ما خلق الله نوري» (قلت) إن مركز الدائرة أسبق أجزاء الدائرة وأيضا إنّ للجزء تقدّما على الكلّ فيكون مبدأ تعيّنه صلّى الله عليه وسلّم الذى عبّر عنه بنوري أسبق من الكلّ بالضّرورة ومركز الدائرة وإن كان جزءا من الدائرة والدائرة كلّا له ولكنّه جزء نشأ منه سائر أجزاء الكلّ فإنّ جميع أجزاء محيط الدائرة ظلال ذلك الجزء الذى هو مركز تلك الدائرة فلو لم يكن ذلك الجزء لما كان من الدائرة اسم ولا رسم (فاتّضح) أنّ ربّ حضرة الخليل ومبدأ تعيّنه هو التّعيّن الاوّل ومنشأ التّعيّن الاوّل الذى هو الجزء والمركز وأشرف أجزاء تلك الدائرة ربّ حضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ومبدأ تعيّنه فيكون أسبق الكلّ هو حقيقة خاتم النّبوّة ويكون منشأ ظهور الآخرين أيضا هي ومن ههنا ورد في الحديث القدسيّ في شأن حبيب الله " لولاك لما خلقت الافلاك ولما أظهرت الرّبوبيّة " فإذا كان مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مركز دائرة التّعيّن الاوّل الذى هو مبدأ تعيّن الخليل عليه السّلام فلا جرم تكون الولاية المحمّديّة الّتي منشؤها المحبّيّة مركز الولاية الخليليّة الّتي منشؤها الخلّة والولاية الخليليّة مع وجود أوّليّتها لا تكون حائلة وحاجزة بين الولاية المحمّديّة وبين حضرة الذّات - تعالت وتقدّست - فإنّ لمركز الدائرة سبقة ذاتيّة على الدائرة فلا يكون الخلف حائلا للسّلف بل الامر بالعكس (ووجه) آخر لسبق هذا المركز وقربه (اسمع) انّه كلّما يتعمّق في السّير في هذه النّقطة الّتي هي المركز يتميّز المحبّ من المحبوب من تلك النّقطة الّتي حاصلها المحبّة وتظهر صورة دائرة مركزها المحبوبيّة ومحيطها المحبّة وتلك المحبّيّة هي مبدأ الولاية الموسويّة والمحبوبيّة هي مبدأ الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام فهذا المركز الذى هو المحبوبيّة أسبق من ذاك المركز الذى هو المحبّيّة، وصار دائرة وأقرب إلى حضرة الذّات فإنّ للمركز سبقة وقربا ليسا للدّائرة فكانت الولاية المحمّديّة أسبق من الولاية الموسويّة أيضا وأقرب (ووجه) آخر لسبقة الولاية المحمّديّة وقربها (اسمع) انّه كلّما يتعمّق في السّير في هذا المركز الذى هو المحبوبيّة بفضل الله سبحانه وتعالى تعرض لهذا المركز أيضا صورة دائرة يرى مركزها محبوبيّة صرفة ويظهر محيطها محبوبيّة ممتزجة بالمحبّيّة وهي نصيب فرد من أفراد أمّته بتبعيّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بل بتبعيّة الولاية الموسويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام الّتي لها مناسبة بمحيط الدائرة ومن ههنا قيل: إنّ الولاية المحمّديّة مركز في جميع الاوقات وكيفيّة المحبّيّة أيضا من بركات تلك الولاية فإنّ المركز الثاني إنّما صار دائرة بامتزاجها به وظهر منه مركز آخر (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا المركز الثالث أورث للمعاملة ترقّيا كثيرا وجعلها أقرب من الأقرب (ع) لا عسر في أمر مع الكرام وما أظهر زيادة على ذلك من هذه الأسرار والدقائق وماذا يقال ويبيّن ممّا وراء التّعيّن الاوّل أكثر من ذلك؟

Bölüm V02/P372–V02/P373

وإن لم يكن وراء التّعيّن الاوّل لكونه جزءه أو جزء جزئه بواسطة أو بواسطتين ولكنّه بعيد عن التّعيّن الاوّل في النّظر الكشفيّ بمراحل وأقرب منه إلى المطلوب بمنازل (فإن قيل) إنّ كلّ كمال ميسّر للجزء ميسّر للكلّ فإنّ الكلّ عبارة عن ذلك الجزء مع أجزاء أخر فما وجه حصول السّبقة والقرب للجزء دون الكلّ؟ (قلت) إنّ الكمال الذى يحصل للجزء بالاصالة يحصل ذلك للكلّ بتبعيّته للجزء لا بالاصالة ولا شكّ أنّ للأصالة سبقة ليست هي للتبعيّة وللأصل قربا ليس هو للفرع فلو كان مركز الدائرة أسبق قدما من الدائرة في كمالاته المخصوصة به لساغ (والتّحقيق) في الجواب أنّ كمال الجزء إنّما يسري في الكلّ إذا كان ذلك الكمال ناشئا من ماهيّة الجزء الاصليّة وأمّا إذا كان الكمال عرضا لجزء بعد انقلاب ماهيّته لا يلزم أن يسري ذلك الكمال في الكلّ فإنّ ذلك الجزء لم يبق جزء لذلك الكلّ بعد انقلاب ماهيّته حتّى يسري الكمال فيه مثلا إذا جعل جزء من الورق بعمل الإكسير ذهبا وانقلب من ماهيّة الورق إلى ماهيّة الذّهب لا يمكن أن يقال: إنّ كمالات هذا الجزء الذّهبيّة تسري في الفضّة الّتي هي كلّه فإنّ ذلك الجزء لم يبق جزءا لها بعد الانقلاب حتّى تسري كمالاته فافهم وقس عليه معرفة ما نحن فيه. (فإن قيل) إنّ التّعيّن الاوّل الوجوديّ هل له وجود في الخارج أو ثبوت علميّ فقط وكلّ واحد من هذين الشّقّين غير صحيح فإنّه لا موجود في الخارج عند هؤلاء الاكابر غير ذات واحدة تعالت ولا اسم في ذلك الخارج من التّعيّنات والتّنزّلات ولا رسم ولو قلنا بالثّبوت العلميّ يلزم أن يكون التّعيّن العلميّ سابقا عليه وهو خلاف المقرّر؟ (أجيب) انّه ثابت في نفس الامر فلو قيل بالثّبوت الخارجيّ بمعنى أنّ له ثبوتا فيما وراء العلم أيضا لساغ والله سبحانه الملهم للصّواب. المكتوب الرابع والتسعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم سلمه الله في بيان دقائق الكمال والجمال الذاتيين ومرتبة مقدسة فوق مرتبتهما ونصيب تعيّنات الحبيب والخليل والكليم عليهم الصّلاة والسّلام من تينك المرتبتين وحظّ حضرة شيخنا منها إنّ الحقّ سبحانه جميل في حدّ ذاته والحسن والجمال الذّاتيّين ثابتان له لا ذلك الحسن والجمال اللّذان ندركهما ونتعقّلهما ونتخيّلهما ومع ذلك في تلك الحضرة مرتبة أقدس لا يمكن الوصول إلى تلك المرتبة من غاية عظمتها وكبريائها ولا يمكن توصيفها بالحسن والجمال والتّعيّن الاوّل الذى هو التّعيّن الوجوديّ تعيّن ذلك الكمال والجمال الذّاتيّين وظلّهما الاوّل وتلك المرتبة الاقدس الّتي لا مجال فيها للحسن والجمال أيضا ليس فيها تعيّن أصلا؛ فإنّها من غاية عظمتها وكبريائها لا تكون متعيّنة بتعيّن أصلا (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا ومع ذلك اودع في مركز دائرة التّعيّن الاوّل سرّ وكيفيّة من تلك المرتبة الاقدس وعبّيت فيه علامة من تلك المرتبة المقدّسة المنزّهة عن العلامة فكما أنّ التّعيّن الاوّل منشأ الولاية الخليليّة كذلك السّرّ والكيفيّة المودعان في مركز دائرة التّعيّن منشأ للولاية المحمّديّة على صاحبهما الصّلاة والسّلام والتّحيّة ولذينك الحسن والجمال الذّاتيّين الذين التّعيّن الاوّل ظلّهما شباهة بالصّباحة الّتي هي في عالم المجاز من قبيل حسن الخدّ وجمال الخال ولذلك السّرّ والكيفيّة المودعين في المركز مناسبة بالملاحة الّتي هي وراء رشاقة الخدّ وصباحة الخدّ ووراء حسن العين وجمال الخال وإنّما هو أمر ذوقيّ من لم يعط ذوقا لا يدركه قال الشّاعر. بي ظبية فيها الملاحة كلّها .

Bölüm V02/P373–V02/P375

من لي بوصف جمالها ودلالها فاعرف التّفاوت بين هاتين الولايتين من هذا البيان وإن كان كلتاهما ناشئتين من قرب الذّات تعالت وتقدّست ولكنّ مرجع إحديهما كمالات الذّات ومعاد الاخرى صرف الذّات تعالت فإذا كانت الملاحة فوق الصّباحة فالوصول إلى الملاحة إنّما يتصوّر بعد طيّ جميع مراتب الصّباحة وما لم يتيسّر الوصول إلى جميع مراتب الولاية الإبراهيميّة لا يتيسّر الوصول إلى حقيقة هذه الولاية الّتي هي ذروة الولاية المحمّديّة العليا على صاحبيهما الصّلاة والسّلام ويمكن أن يكون كون نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم مأمورا بمتابعة ملّة إبراهيم عليه السّلام لأن يصل بواسطة تلك المتابعة إلى حقيقة ولايته ثمّ يترقّى منها إلى حقيقة ولاية نفسه الّتي وقع التّعبير عنها بالملاحة ويتحقّق بها وحيث كان لنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم مناسبة ذاتيّة بمركز ولاية الخلّة الّتي هي أقرب إلى حضرة إجمال الذّات ومناسبته بمحيط الدائرة أقلّ لكون وجهها إلى تفصيل كمالات الذّات فما لم يتحقّق بكمالات محيط تلك الدائرة أيضا لا تتمّ ولاية الخلّة ومن ههنا ورد في الصّلاة المأثورة ": كما صلّيت على إبراهيم " " ليتيسّر له كمالات ولاية الخلّة بالتّمام كما كانت ميسّرة لصاحب تلك الولاية على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولمّا كان المكان الطّبيعيّ للولاية المحمّديّة نقطة مركز دائرة الولاية الخليليّة عليهما الصّلاة والتّحيّة وسيره صلّى الله عليه وسلّم أيضا مقصورا على مركز تلك الدائرة تعسّر خروجه منه ودخوله في محيط الدائرة واكتساب كمالاته بالضّرورة لكون ذلك خلاف مقتضى طبيعته فاقتضى الحال أن يكون متوسّط من أفراد أمّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام يكون بتبعيّته صلّى الله عليه وسلّم في عين ذلك المركز وتكون له مناسبة بمحيط تلك الدائرة من وجه آخر حتّى يكتسب كمالات تلك المرتبة ويتحقّق بحقيقتها وبحكم " من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " يتحقّق نبيّه المتبوع بتلك الكمالات أيضا ويتمّ مراتب الولاية الخليليّة وبيان سرّ هذا المعمّى على ما ظهر لهذا الفقير أنّ نقطة مركز دائرة ولاية الخلّة الّتي امتازت عن سائر نقطها بالمحبّة وإن كانت بسيطة ولكن لمّا كانت متضمّنة لاعتبار المحبّيّة والمحبوبيّة ظهرت منها صورة دائرة محيطها اعتبار المحبّيّة ومركزها اعتبار المحبوبيّة ومنشأ الولاية الموسويّة اعتبار المحبّيّة الّتي هي محيط الدائرة ومنشأ الولاية المحمّديّة اعتبار المحبوبيّة الّتي هي مركز الدائرة ينبغي أن يتصوّر حصول الولاية المحمّديّة ههنا وبعد مضيّ الف سنة عرضت لمركز هذه الدائرة الثانية الّتي الحقيقة المحمّديّة مربوطة بها وسعة أيضا وظهر فيه اعتباران فظهر في صورة دائرة مركزها المحبوبيّة الصّرفة ومحيطها المحبوبيّة الممتزجة بالمحبّيّة ومنشأ الولاية الأحمديّة مركز هذه الدائرة وأحمد اسم ثان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو عليه الصّلاة والسّلام معروف فيما بين أهل السّموات بهذا الاسم كما قالوا ويمكن أن تكون بشارة عيسى عليه السّلام الذى صار من أهل السّموات بقدوم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم باسم أحمد لذلك ولهذا الاسم المبارك قرب كثير من الذّات الاحد وأقرب إليها من ذاك الاسم الثاني يعني الاسم المبارك محمّدا بمرحلة واحدة كما بيّن وهذا الاسم امتاز من الاسم المبارك أحمد بحلقة ميم واحدة وهي مبدأ المحبّة الّتي صارت باعثة على الظّهور والإظهار وأيضا الميم الذى اندرج في أحمد من مقطّعات الحروف القرآنيّة المنزّلة في أوائل السّور ومن الأسرار الغامضة لحرف الميم هذا خصوصيّة خاصّة به صلّى الله عليه وسلّم وتلك الخصوصيّة صارت باعثة على محبوبيّته صلّى الله عليه وسلّم وجعلته فائقا على الكلّ (ولنرجع إلى أصل الكلام) فنقول إنّ محيط تلك الدائرة الّتي هي عبارة عن المحبوبيّة الممتزجة بالمحبّيّة منشأ ولاية فرد من أفراد أمّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كان له مناسبة بمحيط الدائرة مع حصول الولاية المحمّديّة والمركزيّة وإنّه اكتسب كمالاته وعلم أنّ هذه الدولة الثانية يعني مناسبته بمحيط الدائرة واكتساب كمالاته حصلت له من طريق الولاية الموسويّة وكان هو بتطفّل هاتين الولايتين جامعا لكمالات المركز والمحيط ومن المقرّر أنّ كلّ كمال حاصل للأمّة حاصل لنبيّ تلك الامّة أيضا بحكم " من سنّ سنّة حسنة» الحديث فتيسّر له صلّى الله عليه وسلّم بتوسّط هذا الفرد كمالات محيط تلك الدائرة أيضا وتمّت ولاية الخلّة في حقّه عليه الصّلاة والسّلام واقترن دعاء " اللهمّ صلّ على محمّد كما صلّيت على إبراهيم " " بعد الف سنة بالإجابة وكان المسئول مستجابا ومعاملته صلّى الله عليه وسلّم بعد تمام ولاية الخلّة مع ذاك السّرّ الذى أودع في المركز الذى عبّر عنه بالملاحة وأرجع ذلك الفرد من ذلك المقام إلى العالم لحراسة أمّته واختلى بنفسه الكريمة مع المحبوب في حجرة الغيب.

Bölüm V02/P375–V02/P376

(شعر) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع (ينبغي) أن يعلم أنّ محيط المركز الثالث وإن كان يرى أصغر بالنّسبة إلى محيط مركز التّعيّن الاوّل ولكنّه أجمع فإنّ كلّ ما هو أقرب إلى حضرة الذّات يكون أجمع ينبغي أن يعلم صغره كصغر الإنسان فإنّه مع وجود الصّغر فيه أجمع جميع أصناف العالم وأيضا إنّ الشّخص الذى تحقّق بكمالات هذا المحيط وخرج من إجمال المركز إلى تفصيل المحيط زال عنه عدم مناسبة بالمحيط والتّفصيل الذى كان فيه أوّلا وذهب من تفصيل إلى تفصيل من غير تكلّف وتحقّق بكمالات ذاك التّفصيل أيضا (اسمع) انّه من وجود كمال الاقتدار لما كان نظام العالم منوطا بالحكمة لا بدّ في تربية المحبوبين أيضا من وجود الاسباب وإن لم يكن وجود السّبب غير العلل وسوى نقاب القدرة " سنّة الله الّتي قد خلت من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا» (تنبيه) اعلم انّ النّبيّ وإن حصّل بعض الكمالات بتوسّط فرد من أفراد أمّته ووصل إلى بعض المقامات بتوسّله ولكن لا يلزم من ذلك نقص ذاك النّبيّ ومزيّة ذلك الفرد عليه فإنّ ذلك الفرد إنّما نال ذاك الكمال بمتابعة ذاك النّبيّ ووصل إلى هذه الدولة بتطفّله فذاك الكمال في الحقيقة من ذلك النّبيّ ونتيجة المتابعة له وما مثل ذلك الفرد إلّا كمثل خادم يصرف الخراج من خزائن مخدومه ويهيّئ له البسة مزيّنة لتكون باعثة على مزيد حسنه وجماله وزيادة حشمته وجلاله فأيّ نقص ثمّة في المخدوم وأيّ مزيّة للخادم عليه والإمداد إنّما يكون نقصا إذا كان من الاقران وأمّا إذا وقع من الخدّام والغلمان فهو عين الكمال وموجب لازدياد الجاه والجلال والنّاقص من يخلط أحدهما بالآخر ويقع في توهّم المنقصة الا يرون أنّ الملوك يأخذون البلاد والاملاك بإمداد الخدّم والحشّم ويفتتحون القلاع ولا يعلم من هذا الإمداد غير حصول العظمة والابهة للملوك ولا يظهر أيضا شيء من شرف الخدّم والحشّم وعزّتهم والامم خدّام الانبياء عليهم السّلام وغلمانهم فيحصل الإمداد منهم إلى هؤلاء الاكابر فكيف يتوهّم منه منقصتهم وما يقولون إنّ هؤلاء الاكابر ليسوا محتاجين إلى إمداد أصلا وجميع مراتب الكمال حاصل لهم بالفعل مكابرة صريحة فإنّ هؤلاء الاكابر أيضا عباد الله سبحانه يرجون دائما من فيوض فضله وبركات رحمته ويريدون التّرقّي على الدوام وقد ورد في الحديث «من استوى يوماه فهو مغبون " وقال صلّى الله عليه وسلّم: «سلوا لي الوسيلة " وورد أيضا في الأحاديث الصّحاح " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستفتح بصعاليك المهاجرين " وهذه كلّها طلب إمداد وإعانة والذين لا يجوّزون إمداد الامم وإعانتهم في حقّ هؤلاء الكبراء نظرهم واقع في عظمة الانبياء وعلوّ درجاتهم فلو وقع نظرهم إلى عبوديّتهم أيضا وصار احتياجهم إلى مولاهم معلوما لديهم لما أنكروا إمداد الامم ولا يستبعدون إعانة الخدّام والغلمان رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والصّلاة والسّلام على نبيّنا وعلى جميع الانبياء العظام والملائكة الكرام. المكتوب الخامس والتّسعون إلى مولانا صالح الكولابيّ في بيان الأسرار المخصوصة بولاية حضرة شيخنا مدّ ظلّه العالي ولاية هذا الفقير وإن كانت مربّاة الولاية المحمّديّة والولاية الموسويّة على صاحبيهما الصّلاة والتّحيّة ومركّبة من نسبة المحبوبيّة ونسبة المحبّيّة بتطفّلهما فإنّ رئيس المحبوبين محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورئيس المحبّين كليم الله عليه السّلام ولكن فيها امر آخر وربطت بها معاملة على حدة وأصل هذه الولاية وإن كانت ولاية نبيّه الّتي هي الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام الّتي هي بالاصالة ناشئة من المحبوبيّة الصّرفة ولكن لمّا انضمّت إلى هذه الولاية كيفيّة من الولاية الموسويّة الّتي هي بالاصالة ناشئة من المحبّيّة الصّرفة وصارت منصبغة بصبغها أيضا عرضت لها هيئة أخرى بل يمكن أن يقال: إنّها صارت حقيقة أخرى وأثمرت ثمرة أخرى وأنتجت نتيجة أخرى ونعم ما قال (شعر) از اين افيون كه ساقى در مى افكند .

Bölüm V02/P376–V02/P378

حريفا نرانه سرماندونه دستار رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى فصل بالخير فلو أظهرت شمّة من تلك المعاملة الّتي هي مربوطة بتلك الولاية قطع البلعوم وذبح الحلقوم فإذا قال أبو هريرة رضي الله عنه في إظهار بعض العلوم الذى أخذه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطع البلعوم ماذا يقال في حقّ غيره وقد جعل الله سبحانه غوامض الأسرار الإلهيّة بينه وبين أخصّ الخواصّ من عباده ولم يترك الاجانب أن يحوموا حواليها وحضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام الذى هو رحمة للعالمين أظهر هذه الأسرار المصونة من كمال معرفته ووفور رأفته لأبي هريرة وغيره وآثرهم بهذه الدرر المكنونة لما عرف قابليّتهم لتميّز الشّرّ من خيره وأنا المفلس القليل البضاعة خائف وجل من تذكّر تلك الأسرار وخطورها ولا أجد في نفسي مع سوء حالي هذا وعدم استعدادي مناسبة بتلك المطالب العليا ولكنّي أعرف وأعترف بأنّه (ع) لا عسر في أمر مع الكرام نعم ينبغي لله أن يكون هكذا وهذا الكرم يليق به سبحانه وكرمه تعالى لنا ليس في هذا اليوم فقط بل لمّا أخذ قبضة التّراب الذى خلقنا منه من الارض جعله خليفة نفسه وصيّره قيّوم الاشياء نيابة عن نفسه وعلّمه أسماء جميع الاشياء بلا واسطة وجعل الملائكة الذين هم عباده المكرّمون تلامذته وأمرهم من جلالة شأنهم بسجودهم وطرد إبليس الذى كان ملقّبا بمعلّم الملكوت وكان له شأن عظيم في العبادة والطّاعة وأبعده عن عزّ حضوره لامتناعه عن سجوده وعدم تعظيمه وتوقيره وجعله ملعونا وملوما ومطعونا وأعطى لذاك التّراب قدرة وهمّة تحمّل بها ثقل الامانة الّتي أبت السّموات والارض والجبال ان يحملنها واشفقن منها واعطاه أيضا قوّة قابليّة لرؤية خالق السّموات والارض الذى هو منزّه عن الكيف ومتعال عن المثال مع كونه مكتفا بالكيف والمثال مع أنّ الجبل صار قطعا قطعا مع صلابته بتجلّ واحد منه سبحانه وصار رمادا فذلك الله الذى هو قديم الإحسان وأرحم الرّاحمين قادر على أن يبلّغ أمثالنا العاجزين درجات السّابقين ويجعلنا شركاء دولتهم بتطفّلهم. (شعر) فإذا أتى باب العجوز خليفة . إيّاك يا صاح ونتف سبالكا (تنبيه) اعلم أنّ حضرة الحقّ سبحانه على تنزيهه وتقديسه دائما منزّه عن صفات الحدوث ومبرّأ من سمات النّقصان ولا سبيل للتّبدّل والتّغيّر إلى حضرته جلّ سلطانه ولا مجال هناك للاتّصال والانفصال وتجويز الحاليّة والمحلّيّة ثمّة كفر والحكم بالاتّحاد والعينيّة عين الالحاد والزّندقة وإن حصل لخواصّ عباده سبحانه وتعالى قرب ووصل إلى تلك الحضرة ولكن ليس ذلك من قبيل قرب الجسم بالجسم ولا من جنس اتّصال الجوهر بالعرض فلو كان هناك قرب فهو منزّه عن الكيف وإن كان وصل فمبرّأ أيضا عن الكمّ والاين وجميع معاملات هؤلاء الاكابر في تلك الحضرة من العالم اللّاكيفيّ ونسبة العالم الكيفيّ إلى العالم اللّاكيفيّ كنسبة القطرة إلى البحر المحيط كيف لا؛ فإنّ ذلك ممكن وهذا واجب تعالى وذاك كائن في ضيق المكان والزّمان وهذا منزّه عن ضيق الزّمان والمكان نعم ميدان العبارة متّسع في ذاك العالم وضيّق في هذا العالم لعلوّه من العبارة وبعده عن الإشارة وقد أعطى أرحم الرّاحمين خواصّ عباده نصيبا من العالم اللّاكيفيّ وسيرا فيه وشرّفهم بمعاملات لا كيفيّة فلو عبّر عن ذاك اللّاكيفيّ بالكيفيّ فرضا لكان أبعد من تعبير البالغين عن لذّة الجماع للأطفال بلذّة العسل والسّكّر فإنّ كلتا هاتين اللّذّتين من عالم واحد وذاك المعبّر به والمعبّر عنه من العالمين المتباينين فمن عبّر عن اللّاكيفيّ بالكيفيّ وأجرى أحكام الكيفيّ على اللّاكيفيّ حقّ له أن يكون موردا للطّعن والطّرد وأن يتّهم بالالحاد والزّندقة بالضّرورة فكون تلك الأسرار دقيقة وغموضة إنّما جاء من جهة العبارة والتّعبير لا من جهة التّحقّق والحصول فإنّ تحقّق الإنسان بتلك الأسرار كمال الإيمان والتّعبير عنها بعبارة كيفيّة عين الكفر والالحاد ينبغي أن يستعمل من عرف الله كلّ لسانه في هذا المقام رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الحمد لله أوّلا وآخرا والصلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا.

Bölüm V02/P378–V02/P379

المكتوب السّادس والتّسعون إلى الفقير هاشم الكشميّ في الأسرار المتعلّقة باسميه صلّى الله عليه وسلّم اعلم أنّ نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مسمّى باسمين وكلّ من هذين الاسمين المباركين مذكور في القرآن المجيد قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وقال سبحانه أيضا حكاية عن بشارة روح الله اِسْمُهُ أَحْمَدُ . ولكلّ من هذين الاسمين المباركين ولاية على حدة فالولاية المحمّديّة وإن كانت ناشئة من مقام محبوبيّته عليه الصّلاة والسّلام ولكن ليست هناك محبوبيّة صرفة بل مزجت فيها كيفيّة المحبّيّة أيضا وإن لم يكن ذلك المزج ثابتا له صلّى الله عليه وسلّم بالاصالة ولكنّه مانع لمحبوبيّته الصّرفة والولاية الأحمديّة ناشئة من المحبوبيّة الصّرفة ليست فيها شائبة المحبّيّة وهذه الولاية أسبق قدما من الولاية السّابقة وأقرب منها إلى المطلوب بمرحلة واحدة ورغبة المحبّ فيها أكثر فإنّ المحبوب كلّ ما كان أتمّ في المحبوبيّة يكون استغناؤه ودلاله أتمّ ويكون في نظر المحبّ أحسن وأملح ويكون جذبه للمحبّ إلى نفسه وجعله مشغوفا ووالها به أكثر وأزيد. (شعر) ليس افتتاني من جماله وحده . بل كلّ ذا من غنجه ودلاله والمراد بالافتتان إفراط العشق الذي هو مطلوب العاشق سبحان الله إن أحمد اسم عجيب سام مركّب من الكلمة المقدّسة الاحد ومن حلقة حرف الميم الذي هو من غوامض الأسرار الإلهيّة في العالم اللّاكيفيّ ولا يمكن التّعبير عن ذلك السّرّ المكنون في العالم الكيفيّ بغير حلقة الميم فلو أمكن لعبّر به الحقّ سبحانه والاحد هو الاحد الذي لا شريك له وحلقه الميم هو طوق العبوديّة الذي ميّز العبد من المولى فالعبد هو حلقة الميم ولفظ الاحد إنّما ورد لتعظيمه وإظهار اختصاصه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (شعر) ومن كان هذا اسمه صاح فاعلمن . يكون مسمّاه أعزّ وأكرما وبعد مضيّ الف سنة انجرّت معاملة تلك الولاية إلى هذه الولاية وانتهت الولاية المحمّديّة إلى الولاية الأحمديّة وبقيت معاملة طوقي العبوديّة إلى طوق واحد وتمكّن في مكان الطّوق الاوّل حرف الالف الذي هو رمز إلى ربّه صلّى الله عليه وسلّم وصار محمّد أحمد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ لمضيّ الالف تأثيرا في تغيّر الامور العظام (بيانه) انّ طوقى العبوديّة عبارة عن حلقتي الميمين المندرجين في الاسم المبارك محمّد ويمكن أن يكون هذان الطّوقان إشارة إلى تعيّنيه عليه الصّلاة والسّلام أحدهما تعيّنه الجسديّ البشريّ وثانيهما تعيّنه الرّوحيّ الملكيّ وتعيّنه الجسديّ وإن وقع فيه الفتور بواسطة عروض الموت وقوى تعيّنه الرّوحيّ ولكن كان بقي أثر ذلك التّعيّن فلزم مضيّ الف سنة حتّى يزول ذلك الاثر أيضا ولا يبقى رسم من ذلك التّعيّن فلمّا مضى الف سنة ولم يبق أثر من ذاك التّعيّن وانقطع طوق واحد من طوقى العبوديّة وطرأ عليه الزّوال والفناء وقعد الف الالوهيّة الذي يمكن أن يقال له أنّه كالبقاء بالله صار محمّد أحمد بالضّرورة وانتقلت الولاية المحمّديّة إلى الولاية الأحمديّة فمحمّد عبارة عن التّعيّنين وأحمد كناية عن تعيّن واحد فحسب ويكون هذا الاسم أقرب إلى حضرة الإطلاق وأبعد من العالم (فإن قيل) ما معنى الفناء والبقاء الذين قرّرهما المشائخ وجعلوا الولاية مربوطة بهما؟ وما معنى هذا الفناء والبقاء اللّذين ذكرتهما في التّعيّن المحمّديّ؟

Sorular