Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Bölüm V01/P077–V01/P079

ونظير ما قلنا من الحسيات أن مطالبة الطبيب المريض بشرب الدواء إذا كان يرجو له الشفاء يكون نظرا من الطبيب لا إضرارا به فإذا أيس من شفائه فترك مطالبته بشرب الدواء لا يكون ذلك تخفيفا عليه بل إجبارا له بما هو أشد عليه من ضرر شرب الدواء وهو ما يذوق من كأس الحمام فكذلك هنا أن الكفار لا يخاطبون بأداء الشرائع لا يتضمن معنى التخفيف عليهم بل يكون فيه بيان عظم الوزر والعقوبة فيما هو مصر عليه من الشرك والله أعلم & باب النهي & قال رضي الله عنه اعلم بأن موجب النهي شرعا لزوم الانتهاء عن مباشرة المنهي عنه لأنه ضد الأمر أما من حيث اللغة فصيغة الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يكون وصيغة النهي لبيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأما شرعا فالأمر لطلب إيجاد المأمور به على أبلغ الوجوه مع بقاء اختيار المخاطب في حقيقة الإيجاد وذلك في وجوب الائتمار والنهي لطلب مقتضى الامتناع عن الإيجاد على ابلغ الوجوه مع بقاء اختيار للمخاطب فيه وذلك بوجوب الانتهاء فإذا تبين موجب النهي قلنا مقتضى النهي قبح المنهي عنه شرعا كما أن مقتضى الأمر حسن الائتمار به شرعا ألا ترى أن التحريم لما كان ضد الإحلال كان مقتضى أحدهما ضد مقتضى الآخر ولأن صاحب الشرع جاء بتتميم المحاسن ونفي القبائح فكان نهيه موجبا قبح المنهي عنه كما كان أمره موجبا صفة الحسن للمأمور به فإن قيل لماذا لا يجعل مقتضى النهي شرعا حسن الانتهاء كما كان مقتضى الأمر حسن الائتمار قلنا لأنه يصير مقتضاهما واحدا وبينهما مغايرة على سبيل المضادة ثم الائتمار بفعل يقصده المخاطب ويضاف وجوده إلى كسبه فيحسن الائتمار لكون ذلك مضافا إليه فأما الانتهاء يكون بامتناعه عن إيجاد الفعل المنهي عنه ثم انعدامه لا يكون مضافا إلى كسبه وقصده بل الانعدام أصل فيه ما لم يوجده وإذا لم يكن مضافا إلى فعله الذي هو اختياري لا يستقيم أن يوصف امتناعه عن الإيجاد بالحسن مقصودا فعرفنا به أن قبح المنهي عنه ثابت بمقتضى وجوب الانتهاء شرحا فإن قيل تركه الفعل الذي يكون إيجادا فعل مقصود منه على ما هو مذهب أهل السنة والجماعة أن ترك الفعل فعل لما فيه من استعمال أحد الضدين والانتهاء به يتحقق قلنا هو كذلك ولكن موجب النهي هو الانتهاء وحقيقته الامتناع عن الإيجاد ثم إن دعته نفسه إلى الإيجاد يلزمه الترك ليكون ممتنعا والنهي عنه يبقى عدما كما كان ألا ترى أن الامتناع الذي به يتحقق الانتهاء يستغرق جميع العمر والترك الذي هو فعل منه لا يستغرق فإنه قبل أن يعلم به يكون منتهيا بالامتناع عنه ولا يكون مباشرا للفعل الذي هو ترك الإيجاد فإن ذلك لا يكون إلا عن قصد منه بعد العلم به وبيان هذا أن الصائم مأمور بترك اقتضاء السهرتين في حال الصوم فلا يتحقق منه هذا الفعل ركنا للصوم حتى يعلم به ويقصده والمعتدة ممنوعة من التزوج والخروج والتطيب وذلك ركن الاعتداد ويتم ذلك وإن لم تعلم به حتى يحكم بانقضاء عدتها بمضي الزمان قبل أن نشعر به وعلى هذا لو قال لامرأته إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ثم قال لا أشاء طلاقك لم تطلق ولو قال إن أبيت طلاقك فأنت طالق ثم قال قد أبيت طلقت لأن الإباء فعل يقصده ويكسبه فيصير موجودا بقوله قد أبيت ولا يكون ذلك مستغرقا للمدة وعدم المشيئة عبارة عن امتناعه من المشيئة وذلك يستغرق عمره فلا يتحقق وجود الشرط بقوله لا أشاء ولا بامتناعه من المشيئة في جزء من عمره وإذا تبين أن مقتضى النهي قبح المنهي عنه شرعا فنقول المنهي عنه في صفة القبح قسمان قسم منه ما هو قبيح لعينه وقسم منه ما هو قبيح لغيره وهذا القسم يتنوع نوعين نوع منه ما هو قبيح لمعنى جاوره جمعا ونوع منه ما هو قبيح لمعنى اتصل به وصفا

Bölüm V01/P079–V01/P081

فأما بيان القسم الأول في العبث والسفه فإنهما قبيحان شرعا لأن واضع اللغة وضع هذين الاسمين لما يكون خاليا عن الفائدة ومبنى الشرع على ما هو حكمة لا يخلو عن فائدة فما يخلو عن ذلك قطعا يكون قبيحا شرعا ومن هذا النوع فعل اللواطة فالمقصود من اقتضاء الشهوة شرعا هو النسل وهذا المحل ليس بمحل له أصلا فكان قبيحا شرعا ونظيره من العقود بيع الملاقيح والمضامين فإنه قبيح شرعا لأن البيع مبادلة المال بالمال شرعا وهو مشروع لاستنماء المال به والماء في الصلب والرحم لا مالية فيه فلم يكن محلا للبيع شرعا وكذلك الصلاة بغير الطهارة لأن الشرع قصر الأهلية لأداء الصلاة على كون المصلي طاهرا عن الحدث والجنابة فتنعدم الأهلية بانعدام صفة الطهارة وانعدام الأهلية فوق انعدام المحلية فكان كل واحد منهما قبيحا شرعا بهذا الطريق وحكم هذا النوع من المنهي بيان أنه غير مشروع أصلا لأن المشروع لا يخلو عن حكمة وبدون الأهلية والمحلية لا تصور لذلك فيعلم به أنه غير مشروع أصلا وبيان النوع الثاني من الأفعال وطء الرجل زوجته في حالة الحيض فإنه حرام منهي عنه ولكن لمعنى استعمال الأذى واستعمال الأذى مجاور للوطء جمعا غير متصل به وصفا ولهذا جاز له أن يستمتع بها فيما سوى موضع خروج الدم في قول محمد رحمه الله لأنه لا يجاور فعله استعمال الأذى وفي قول أبي حنيفة رحمه الله يستمتع بها فوق المئزر ويجتنب ما تحته احتياطا لأنه لا يأمن الوقوع في استعمال الأذى إذا استمتع بها في الموضع القريب من موضع الأذى ونظير هذا النوع من العقود والعبادات البيع وقت النداء فإنه منهي عنه لما فيه من الاشتغال عن السعي إلى الجمعة بغيره بعدما تعين لزوم السعي وذلك يجاور البيع ولا يتصل به وصفا والصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها لمعنى شغل ملك الغير بنفسه وذلك مجاور لفعل الصلاة جمعا غير متصل به وصفا فعرفنا أن قبحه لمعنى في غيره وحكم هذا النوع أنه يكون صحيحا مشروعا بعد النهي من قبل أن القبح لما كان باعتبار فعل آخر سوى الصلاة والبيع والوطء لم يكن مؤثرا في المشروع لا أصلا ولا وصفا ألا ترى أن الصائم إذا ترك الصلاة يكون فعل الصوم منه عبادة صحيحة هو مطيع فيه وإن كان عاصيا في ترك الصلاة وهنا يكون مطيعا في الصلاة وإن كان عاصيا في شغل ملك الغير بنفسه ومباشرا للوطء المملوك بالنكاح وإن كان عاصيا مرتكبا للحرام باستعمال الأذى ولهذا قلنا يثبت الحل للزوج الأول بالوطء الثاني إياها في حالة الحيض ويثبت به إحصان الواطىء أيضا وأما النوع الثالث فبيانه في الزنا فإنه وطء غير مملوك فكان قبيحا شرعا لأن الشرع قصر ابتغاء النسل بالوطء على محل مملوك فقال الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ونظيره من العقود الربا فإنه قبيح لمعنى اتصل بالبيع وصفا وهو انعدام المساواة التي هي شرط جواز البيع في هذه الأموال شرعا ومن العبادات النهي عن صوم يوم العيد وأيام التشريق فإنه قبيح لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء وصفا وهو أنه يوم عيد ويوم ضيافة ثم لا خلاف فيما يكون من الأفعال التي يتحقق حسا من هذا النوع أنه في صفة القبح ملحق بالقسم الأول فإن الزنا وشرب الخمر حرام لعينه غير مشروع أصلا ولهذا تتعلق بهما العقوبة التي تندرىء بالشبهات وما كان مشروعا من وجه وحراما لغيره لا يخلو عن شبهة فإيجاب العقوبة فيهما دليل ظاهر على أن حرمتهما لعينهما وذلك دليل على قبح المنهي عنه لعينه واختلفوا فيما يكون من هذا النوع من العقود والعبادات قال علماؤنا رحمهم الله موجب مطلق النهي فيها تقرير المشروع مشروعا وجعل أداء العبد إذا باشرها فاسدا إلا بدليل وقال الشافعي موجب مطلق النهي في هذا النوع انتساخ المنهي عنه وخروجه من أن يكون مشروعا أصلا إلا بدليل وحجته في ذلك أن النهي ضد الأمر

Bölüm V01/P081–V01/P082

ثم مقتضى مطلق الأمر شرع المأمور به فمقتضى مطلق النهي ضده وهو انعدام كون المنهي عنه مشروعا وهذا لأن الحقيقة هو المراد من كل نوع حتى يقوم دليل المجاز ثم الحقيقة في مطلق الأمر إثبات صفة الحسن في المأمور به شرعا لعينه لا لغيره وكذلك الحقيقة في مطلق النهي إثبات صفة القبح في المنهي عنه لعينه لا لغيره وهذا لأن المطلق ينصرف إلى الكامل دون الناقص فإن الناقص موجود من وجه دون وجه ومع شبهة العدم فيه لا يثبت ما هو الحقيقة فيه فبهذا تبين أن المطلق يتناول الكامل والكمال في الأمر الذي هو طلب الإيجاد بأن يحسن المأمور به لعينه فكذلك الكمال فيما هو طلب الإعدام إثبات صفة القبح في إيجاده لعينه وإذا تقرر هذا خرج المنهي عنه من أن يكون مشروعا لمقتضى النهي وحكمه أما مقتضاه فلأن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحا والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مباحا فكذلك لا يجوز أن يكون مشروعا وبهذا تبين أن النهي بمعنى النسخ في إخراج المنهي عنه من أن يكون مشروعا وأما حكمه فوجوب الانتهاء ليكون معظما مطيعا للناهي في الانتهاء ويكون عاصيا لا محالة في ترك الانتهاء وإنما يكون عاصيا بمباشرة ما هو خلاف المشروع فعرفنا أن بالنهي يخرج من أن يكون مشروعا يقرره أن المنهي عنه لا يكون مرضيا به أصلا وإن كان لا تنعدم به الإرادة والقضاء والمشيئة بمنزلة الكفر والمعاصي فإنها تكون من العباد بالإرادة والمشيئة والقضاء ولا يكون مرضيا به قال الله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر والمشروع ما يكون مرضيا به قال الله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية فبهذا تبين أن المنهي عنه غير مشروع أصلا ثم صفة القبح في المنهي عنه وإن كان لمعنى اتصل به وصفا فذلك دليل على أنه لم يبق مشروعا لأن ذلك الوصف لا يفارق المنهي عنه ومع وجوده لا يكون مشروعا فبه يخرج من أن يكون مشروعا أصلا بمنزلة نكاح المعتدة والنكاح بغير شهود فإن النهي عنهما كان لمعنى زائد على ما به يتم العقد من فقد شرط أو زيادة صفة في المحل ثم يخرج به من أن يكون مشروعا أصلا مقيدا بما هو الحكم المطلوب من النكاح إذا تقرر هذا فالمسائل تخرج له على هذا الأصل منها أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأن ثبوتها بطريق النعمة والكرامة حتى تكون أمهاتها وبناتها في حقه كأمهاته وبناته في المحرمية فيستدعي سببا مشروعا والزنا قبيح لعينه غير مشروع أصلا فلا يصلح سببا لهذه الكرامة ومنها أن البيع الفاسد نحو الربا والبيع بأجل مجهول وبيع المال بالخمر لا يكون موجبا للملك بحال لأن الملك نعمة وكرامة ألا ترى أن صفة المالكية إذا قوبلت بالمملوكية كان معنى النعمة بالمالكية فيستدعي سببا مشروعا والقبيح لعينه لا يكون مشروعا أصلا يقرره أن النعمة تستدعي سببا مرغوبا فيه شرعا ليرغب العاقل في مباشرته لتحصيل النعمة والمنهي عنه شرعا لا يجوز أن يكون مرغوبا فيه شرعا ومنها أن الغصب لا يكون موجبا للملك عند تقرر الضمان لهذا المعنى ومنها أن استيلاء الكفار على مال المسلم لا يكون موجبا للملك لهم شرعا لأن ذلك عدوان محض فلا يكون ذلك مشروعا في نفسه ولا يصلح سببا لحكم مشروع مرغوب فيه ومنها أن صوم يوم العيد لم يبق بعد النهي صوما مشروعا حتى لا يصح التزامه بالنذر لأن الصوم المشروع عبادة والعبادة اسم لما يكون المرء بمباشرته مطيعا لربه فما يكون هو بمباشرته عاصيا مرتكبا للحرام لا يكون صوما مشروعا ومنها أن العاصي في سفره كالعبد الآبق وقاطع الطريق لا يترخص برخص المسافرين لأن ثبوت ذلك بطريق النعمة لدفع الحرج عنه عند السير المديد فإذا كان سيره معصية لم يصلح سببا لما هو نعمة في حقه إذ النعمة تستدعي سببا مشروعا وما يكون المرء عاصيا بمباشرته فإنه لا يكون مشروعا

Bölüm V01/P082–V01/P084

ومنها بيع الدهن النجس فإنه لا يكون مشروعا مفيدا لحكمه لأن النجاسة لما اتصلت بالدهن وصفا فصارت بحيث لا تفارقه خرج الدهن من أن يكون محلا للبيع المشروع والتحق بودك الميتة فخرج من أن يكون محلا للبيع مفيدا لحكمه وهو الملك كما بينا في بيع الملاقيح والمضامين قال ولا يدخل على ما ذكرنا الظهار فإنه موجب للكفارة التي هي مشروعة وإن كان هو في نفسه قبيحا حراما لأنه منكر من القول وزور هذا لأن الكفارة مشروعة جزاء على ارتكاب المحظور بمنزلة الحدود لا أصلا بنفسه على سبيل الكرامة والنعمة والجزاء يستدعي سببا محظورا فيكون الظهار محظورا يحقق معنى السببية لما هو في معنى الجزاء ولا تعدم الصلاحية لذلك ولا يدخل عليه استيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة فإنه يثبت النسب والملك للمستولد في نصيب شريكه وذلك حكم مشروع يثبت بسبب وطء محظور لأن ثبوت النسب باعتبار وطئه ملك نفسه والنهي باعتبار أن وطأه يصادف ملك الشريك أيضا وملك الشريك مجاور لملكه جمعا غير متصل بملكه وصفا وكان في الصلاحية لثبوت النسب به بمنزلة الوطء في حالة الحيض ثم إنما يملك نصيب الشريك حكما لثبوت أمية الولد في نصيبه وكون الاستيلاد مما لا يحتمل الوصف بالتجزي وذلك غير محظور ولا يدخل على هذا الطلاق في حالة الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه فإنه منهي عنه ومع ذلك كان واقعا موجبا لحكم مشروع وهو الفرقة لأن هذا النهي لأجل الحيض وهو صفة المرأة غير متصل بالطلاق وصفا ولكنه مجاور له جمعا حين أوقعه في وقته وكان النهي لمعنى الإضرار بها من حيث تطويل العدة عليها أو تلبيس أمر العدة عليها إذا أوقع في الطهر الذي جامعها فيه وذلك غير متصل بالطلاق الذي هو سبب الفرقة أصلا ولا وصفا ولا يدخل على ما ذكرنا إحرام المجامع لأهله فإنه ينعقد موجبا أداء الأعمال وإن كان منهيا عنه لأن النهي عن الجماع مع عقد الإحرام والجماع غير متصل بالإحرام أصلا ولا وصفا ولهذا كان موجبا للقضاء والشروع بصفة الفساد غير موجب للقضاء بالاتفاق فتبين به أنه ينعقد صحيحا ثم فسد لارتكاب المحظور به ولكن الإحرام مشروع على أنه لا يخرج منه المرء بعدما شرع فيه إلا بالطريق الذي عينه الشرع للخروج منه وهو أداء الأعمال أو الدم عند الإحصار فيلزمه أداء الأعمال ليكتسب به طريق الخروج من الإحرام شرعا وذلك مشروع فيجوز أن يلزمه أداء الأعمال أيضا وكذلك لو جامعها بعدما أحرم فإنه لا يخرج إلا بأداء الأعمال لهذا المعنى ولأن الجماع في الإحرام محظور شرعا فيجوز أن يقال ما يلزمه من أداء الأعمال بعده على وجه لا يكون معتدا به في إسقاط الواجب عنه جزاء على ارتكاب ما هو محظور وكلامنا فيما هو مشروع ابتداء لا جزاء وقبل الجماع لزمه أداء الأعمال بسبب مشروع وليس إلى العبد ولاية تغيير المشروع وإن كان الأداء يفسد بفعل منه كما تفسد الصلاة بالتكلم فيها ولا يتغير به المشروع وإذا لم يصلح فعله مغيرا بقي طريق الخروج بأداء الأفعال مشروعا كما كان قبل الجماع وللشرع ولاية نفي المشروع وإخراجه من أن يكون مشروعا كما له ولاية الشرع بمطلق نهيه الذي هو دليل القبح في المنهي عنه فصلح أن يكون مخرجا للمنهي عنه من أن يكون مشروعا فلهذا لم يبق مشروعا بعد النهي وحجتنا ما ذكره محمد رحمه الله في كتاب الطلاق فإنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد وأيام التشريق فنهانا عما يتكون وعما لا يتكون والنهي عما لا يتكون لغو حتى لا يستقيم أن يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تطر ومعلوم أنه إنما نهى عن صوم شرعي فالإمساك الذي يسمى صوما لغة غير منهي عنه ومن أتى به لحمية أو مرض أو قلة اشتهاء لا يكون مرتكبا للمنهي عنه فهذا دليل على أن الصوم الذي هو عبادة مشروع في الوقت بعد النهي كما كان قبله

Bölüm V01/P084–V01/P086

وتقرير هذا الكلام من وجهين أحدهما أن موجب النهي هو الانتهاء وإنما يتحقق الانتهاء عن شيء والمعدوم ليس بشيء فكان من ضرورة صحة النهي موجبا للانتهاء كون المنهي عنه مشروعا في الوقت فكيف يستقيم أن يجعل المنهي عنه غير مشروع بحكم النهي بعدما كان مشروعا وبه تبين أن النهي ضد النسخ فالنسخ تصرف في المشروع بالرفع ثم ينعدم أداء العبد باعتبار أنه لم يبق مشروعا وليس للعبد ولاية الشرع والنهي تصرف في منع المخاطب من أداء ما هو مشروع في الوقت فيكون انعدام الأداء منه انتهاء عما نهي عنه ومقتضى النهي حرمة الفعل الذي هو أداء لوجوب الانتهاء فبقي المشروع مشروعا كما كان ويصير الأداء فاسدا حراما لأن فيه ترك الانتهاء الواجب بالنهي وبيان هذا في قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فإنه كان تحريما لفعل القربان ولم يكن تحريما لعين الشجرة وكما لا يتصور تحريم قربان الشجرة بدون الشجرة لا يتحقق تحريم أداء الصوم في وقت ليس فيه صوم مشروع وبهذا الحرف يتبين الفرق بين الأفعال الحسية والعقود الحكمية والعبادات الشرعية فإنه ليس من ضرورة حرمة الأفعال الحسية انعدام التكون فقلنا تأثير التحريم في إخراجها من أن تكون مشروعة أصلا وإلحاقها بما هو قبيح لعينه ومن ضرورة تحريم العقود الشرعية بقاء أصلها مشروعا إذ لا تكون لها إذا لم تبق مشروعة وبدون التكون لا يتحقق تحريم فعل الأداء وكذلك في العبادات فكان في إبقاء المشروع مشروعا مراعاة حقيقة النهي لا أن يكون تركا للحقيقة كما قرره الخصم يوضحه أن صفة الفساد للعقد لا يكون إلا عند وجود العقد فإن الصفة لا تسبق الموصوف وكذلك فساد المؤدى من الصوم لا يسبق الأداء ولا أداء إذا لم يبق مشروعا فبه تبين أنه بقي مشروعا والمشروعات لا تكون قبيحا لعينه فعرفنا أن القبح لوصف اتصل به فصار به الأداء قبيحا فاسدا إلا في موضع يتعذر الجمع بين صفة الحرمة وبقاء الأصل فحينئذ ينعدم ضرورة ويكون ذلك نسخا من طريق المعنى في صورة النهي لا أن يكون نهيا حقيقة ولا ضرورة هنا فالصوم والصلاة يستقيم أن يكون أصله مشروعا مع كون الأداء حراما كصوم يوم الشك والصلاة في وقت مكروه وكذلك العقود الشرعية يتصور بقاء أصلها مشروعا مع حرمة مباشرة التصرف وفساده كالطلاق في حالة الحيض وفي الطهر الذي جامع فيه امرأته وتقرير آخر أن النهي يوجب إعدام المنهي عنه بفعل مضاف إلى كسب العبد واختياره لأنه ابتلاء كالأمر وإنما يتحقق الابتلاء إذا بقي للعبد فيه اختيار حتى إذا انتهى معظما لحرمة الناهي كان مثابا عليه وإذا أقدم عليه تاركا تعظيم حرمة الناهي كان معاقبا على إيجاده ولا يتحقق ذلك إلا فيما هو مشروع فبهذا تبين أن موجب النهي إنما يتحقق في العقود الشرعية والعبادات إذا كانت مشروعة بعد النهي فأما صفة القبح فهو ثابت بمقتضى النهي ولكن ثبوت المقتضى لتصحيح المقتضى لا لإبطاله وإذا انعدم المشروع بمقتضى صفة القبح ينعدم موجب النهي وبانعدامه يبطل النهي فلا يجوز إثبات المقتضى على وجه يكون مبطلا للمقتضي

Bölüm V01/P086–V01/P087

و الشافعي رحمه الله فعل ذلك فكان قوله فاسدا ونحن أثبتنا أصل النهي موجبا للانتهاء ثم أثبتنا المقتضى بحسب الإمكان على وجه لا يبطل به الأصل ولكن يثبت القبح والحرمة صفة لأداء العبد المشروع في الوقت فإن القبح إذا كان في وصف الشيء لا يعدم أصله كالإحرام بعد الفساد فإنه يبقى أصله وإن كان قبيحا لمعنى اتصل بوصفه وهو الفساد والعذر الذي ذكره يرجع إلى تحقيق ما ذكرنا فإن فساد الإحرام بالجماع حكم ثابت شرعا وإلى الشرع ولاية إعدام أصل الإحرام فلو كان من ضرورة صفة الفساد انعدام الأصل في المشروعات لكان الحكم بفساده شرعا معدما لأصله ألا ترى أن بسبب الردة ينعدم أصل الإحرام وإن كان ذلك من أعظم الجنايات لأن حبوط العمل بالردة حكم شرعي وبسبب الإحصار يتمكن من الخروج من الإحرام قبل أداء الأعمال وذلك جناية من العبد ولكن جواز دفع ضرر استدامة الإحرام عن نفسه حكم شرعي فيتمكن به من الخروج قبل أداء الأعمال وكان ما بيناه نهاية في التحقيق ومراعاة لحقيقة موجب النهي وإثباتا بمقتضاه بحسب الإمكان وبهذا يتبين الفرق بين الأمر والنهي على ما استدل به الخصم فإن مطلق الأمر يوجب حسن المأمور به لعينه لأنه طلب الإيجاد بأبلغ الجهات فتمام ذلك بالوجود حقيقة فكان في إثبات صفة الحسن بمقتضى الأمر على هذا الوجه تحقيق المأمور به فأما النهي فطلب الإعدام بأبلغ الجهات ولكن مع بقاء اختيار العبد فيه ليكون مبتلى كما في الأمر وحقيقة ذلك إنما يتكون به فيما هو مشروع ويبقى بعد النهي مشروعا فيثبت مقتضاه على الوجه الذي يوجبه ما هو الموجب الأصلي فيه حقيقة وكما أن المأمور به لا يصير موجودا بمقتضى الأمر لأنه ينعدم به معنى الابتلاء فكذلك المنهي عنه لا ينعدم بمجرد النهي لتحقيق معنى الانتهاء وإذا لم ينعدم بقي مشروعا لا محالة

Bölüm V01/P087–V01/P089

وبيان تخريج المسائل على هذا الأصل أن نقول الصوم مشروع في كل يوم باعتبار أنه وقت اقتضاء الشهوة عادة والصوم منع النفس عن اقتضاء الشهوة لابتغاء مرضاة الله تعالى ويوم العيد كسائر الأيام في هذا فكان الصوم مشروعا فيه وبالنهي لم ينعدم هذا المعنى ثم النهي ليس لأنه صوم شرعي ولكن لما فيه من معنى رد الضيافة وإليه وقعت الإشارة في قوله عليه السلام فإنها أيام أكل وشرب وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم وهو أنه يوم عيد فيثبت القبح في الصفة دون الأصل وهو أنه يكون حرام الأداء والمؤدى يكون عاصيا بارتكابه ما هو حرام ويبقى أصل الصوم مشروعا في الوقت لأنه مشروع باعتبار أصل اليوم ولا قبح فيه ولهذا قلنا يصح التزامه بالنذر لأنه بالنذر يصير ملتزما في ذمته ما هو عبادة مشروعة في الوقت ولا فساد في المشروع وذكر اليوم لبيان مقدار ما التزمه على ما بينا أن الوقت معيار للصوم ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله ( إنه ) لا يلزمه بالشروع وإن أفسده بعد الشروع لا يلزمه القضاء لأن الشروع أداء منه فيكون حراما فاسدا فيكون هذا مطالبا بالكف عنه شرعا لا بإتمامه فلا يكون الإفطار جناية منه على حق الشرع ولا يبقى في عهدته حتى يحتاج إلى القضاء فأما بالنذر فلا يصير مرتكبا للحرام فيصح نذره ويؤمر بالخروج عنه بصوم يوم آخر وبه يتم التحرز عن ارتكاب المحرم ولكن لو صام فيه خرج عن موجب نذره لأنه التزم المشروع في الوقت ونتيقن أنه أدى المشروع في الوقت إذا صام فيسقط عنه الواجب وإن كان الأداء فاسدا منه كمن نذر أن يعتق عبدا بعينه فعمى ذلك العبد أو كان أعمى يتأدى المنذور بإعتاقه ولا فرق بينهما فالعبد مستهلك باعتبار وصفه ( قائم باعتبار أصله والصوم في هذا الوقت مشروع باعتبار أصله فاسد الأداء باعتبار وصفه ) ولهذا لا يتأدى واجب آخر بصوم هذا اليوم لأن ذلك وجب في ذمته كاملا وبصفة الفساد والحرمة في الأداء ينعدم الكمال ضرورة وعلى هذا الصلاة في الأوقات المكروهة فالأداء منهي لمعنى هو صفة الوقت وهو أنه وقت مقارنة الشيطان الشمس على ما ورد به الأثر فلا ينعدم أصل العبادة مشروعا فيه ولكن يحرم الأداء ويلزم بالشروع كما يلزم بالنذر لأن الصلاة عبادة معلومة بأركانها والوقت ظرف لها لا معيار فلا يصير مؤديا بمجرد الشروع والمحرم هو الأداء ويتصور بهذا الشروع الأداء بدون صفة الحرمة بأن يصير حتى تبيض الشمس فلم يكن الشروع فاسدا كما لم يكن النذر فاسدا فيلزمه القضاء لهذا ولكن لا يتأدى به واجب آخر لأن النهي باعتبار وصف الوقت الذي هو ظرف للأداء يمكن نقصانا في الأداء والواجب في ذمته بصفة الكمال فلا يتأدى بالناقص إلا عصر يومه فإن الوجوب باعتبار ذلك الجزء الذي هو سبب وإنما يثبت الوجوب بصفة النقصان وقد أدى بتلك الصفة فسقط عنه الواجب وعلى هذا قلنا البيع الفاسد يكون مشروعا بأصله موجبا لحكمه وهو الملك إذا تأيد بالقبض لأن المشروع إيجاب وقبول من أهله في محله وبالشرط الفاسد لا يختل شيء من ذلك ألا ترى أن الشرط لو كان جائزا لم يكن مبدلا لأصله بل يكون مغيرا لوصفه والشرط الفاسد لا يكون معدما لأصله أيضا بل يكون مغيرا لوصفه فصار فاسدا وليس من ضرورة صفة الفساد فيه انعدام أصله لأن بالفساد يثبت صفة الحرمة وهذا السبب مشروع لإثبات الملك وملك اليمين مع صفة الحرمة يجتمع ألا ترى أن من اشترى أمة مجوسية أو مرتدة يثبت الملك له مع الحرمة وأن العصير إذا تخمر يبقى مملوكا له مع الحرمة فلهذا أثبتنا في البيع الفاسد ملكا حراما مستحق الدفع لفساد السبب ولم ينعدم به أصل المشروع بخلاف النكاح الفاسد فإنه ليس في النكاح إلا ملكا ضروريا يثبت به حل الاستمتاع ولهذا سمي ذلك الملك حلالا في نفسه ومن ضرورة فساد السبب ثبوت صفة الحرمة وبين الحرمة وبين ملك النكاح منافاة فينعدم الملك ومن ضرورة انعدامه خروج السبب من أن يكون مشروعا لأن الأسباب الشرعية تراد لأحكامها وثبوت النسب ووجوب المهر والعدة من حكم الشبهة لا من حكم أصل العقد شرعا وهذا الكلام يتضح في النكاح بغير شهود فإن قوله عليه السلام لا نكاح إلا بشهود إخبار عن عدمه بدون هذا الشرط فيكون نفيا لا نهيا بمنزلة قول الرجل لا رجل في الدار وكذلك في نكاح المحارم فإن النص الوارد فيه تحريم العين بقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى آخر الآية ولا يجتمع الحل والحرمة في محل واحد فكان ذلك نفيا للحل بالنكاح لا نهيا وكذلك نكاح المعتدة فإن قوله تعالى والمحصنات من النساء معطوف على قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم معناه وحرمت المحصنات من النساء وذلك عبارة عن منكوحة الغير ومعتدته فيكون نفيا لا نهيا وكذلك قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فقد ظهر بالدليل أن الحرمة الثابتة بالمصاهرة هي الثابتة بالنسب على أن تقوم المصاهرة مقام النسب في ذلك فكان تقديره وحرمت عليكم ما نكح آباؤكم وتصير صورة النهي عبارة عنه مجازا باعتبار هذا المعنى فكان نفيا كما هو موجب النسخ لا نهيا وكذلك قوله عليه السلام لا تنكح الأمة على الحرة فإنه إخبار فيكون نفيا للنكاح مع أن الدلالة قد قامت على أن الأمة من جملة المحرمات مضمومة إلى الحرة فإن الحل فيه على النصف من حل الحرة على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى ومن ضرورة حرمة المحل انتفاء النكاح المشروع فيه كما قررناه وعلى هذا عقد الربا فإنه نوع بيع ولكنه فاسد لا بخلل في ركنه بل لانعدام شرط الجواز وهو المساواة في القدر فكما أن بوجود شرط مفسد لا ينعدم أصل المشروع فكذلك بانعدام شرط مجوز لا ينعدم أصل المشروع وثبوت ملك حرام به كما اقتضاه مثل هذا السبب

Bölüm V01/P089–V01/P091

فإن قيل قوله تعالى وحرم الربا يوجب نفي أصله مشروعا كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم بل أولى لأنه أضاف هذا التحريم إلى نفسه وهناك الحرمة مضافة إلى الأم قلنا الربا عبارة عن الفضل فمعنى قوله تعالى وحرم الربا أي حرم اكتساب الفضل الخالي عن العوض بسبب التجارة ونحن نثبت هذه الحرمة ولكن بينا أنه ليس من ضرورة الحرمة في ملك اليمين انتفاء أصل الملك وعلى هذا قلنا بيع العبد بالخمر فإن الخمر فاسد التقوم شرعا ولم تنعدم به أصل المالية الثابتة فيه بالتمول فإن تموله ما فسد شرعا لما فيه من عرضية التخلل إذ التمول للشيء عبارة عن صيانته وادخاره لوقت الحاجة وإمساك الخمر إلى أن يتخلل لا يكون حراما شرعا بمنزلة من أحرم وله صيد فإن الصيد لا يكون متقوما في حق تصرفه حتى لا يتمكن من التصرف فيه ويكون محرم العين في حقه ولكن لا ينعدم أصل المالية فيه باعتبار ماله وهو ما بعد التحلل من الإحرام ولهذا اختلف العلماء في جواز هذا البيع فمنهم من يقول هو جائز بالقيمة ولو قضى القاضي بهذا نفذ قضاؤه فإذا تبين أنه لم ينعدم ما هو ركن العقد قلنا ينعقد العقد موجبا حكمه في محل يقبله وهو العبد ولا ينعقد موجبا للحكم في محل لا يقبله وهو الخمر حتى لا يملك الخمر وإن قبضه بحكم العقد بخلاف البيع بالميتة والدم فإنه لا مالية في الميتة والدم باعتبار الحال ولا باعتبار المآل وكذلك جلد الميتة لا مالية فيه باعتبار الحال فإنه لو ترك كذلك فإنه يفسد وإنما تحدث فيه المالية بصنع مكتسب وهو الدباغة ولهذا اتفق العلماء على بطلان هذا العقد ولو قضى قاض بجوازه لم ينفذ قضاؤه فلانعدام ما هو ركن العقد لم ينعقد العقد لأن انعقاده شرعا لا يكون بدون ركنه وعلى هذا جوزنا بيع الدهن الذي وقع فيه نجاسة لأن الدهن مال متقوم وبوقوع النجاسة فيه ما انعدم أصله ولا تغير وصفه إنما جاوره أجزاء النجاسة ولأجله حرم تناوله فيكون بمنزلة النهي الذي ورد لمعنى في غير المنهي عنه وهو غير متصل به وصفا ومثل هذا النهي لا يمنع جواز العقد كما لا يمنع كمال العبادة ولهذا يتأدى الفرض بأداء الصلاة في الأرض المغصوبة ويتأدى صوم الفرض في أيام الوصال إذا نواه لأن النهي بالمجاورة لا لمعنى اتصل بالوقت الذي يؤدى فيه الصوم إلا أن الوصال لا يتحقق لأن الشرع أخرج زمان الليل من أن يكون وقتا لركن الصوم وهو الإمساك باعتبار أن الإمساك فيه عادة فكان ذلك نسخا استعير لفظ النهي له مجازا ولا كلام في جواز ذلك إنما الكلام في موجب النهي حقيقة

Bölüm V01/P091–V01/P093

ثم في البيع يمكن تمييز الدهن مما جاوره حكما فيكون البيع متناولا للدهن دون النجاسة وفي التناول لا يمكن تمييز الدهن مما جاوره فلا يحل تناوله فلهذا جاز بيع الثوب النجس ولا تجوز الصلاة فيه وعلى هذا قلنا العاصي في سفره يترخص بالرخص لأن سبب الرخصة السير المديد وهو موجود بصفة الكمال لا قبح في أصله ولا في صفته وإنما القبح في معنى جاوره وهو قصده إلى قطع الطريق أو تمرد العبد على مولاه ألا ترى أنه إذا ترك قصده بقصد الحج خرج من أن يكون عاصيا ولم يتغير سفره وإنما تبدل قصده وكذلك العبد إذا لحقه إذن مولاه لم يتغير سفره وخرج من أن يكون عاصيا وعلى هذا قلنا في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إن هذا النهي لا يعدم أصل الشهادة للقاذف حتى ينعقد النكاح بشهادته ولكن يفسد أداؤه حتى يخرج من أن يكون أهلا للعان لأن اللعان أداء وأداؤه فاسد بعد هذا النهي المطلق وعلى هذا قلنا الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأن الزنا قبيح لعينه وحرمة المصاهرة ليست تثبت بالزنا ولا بالوطء الحلال بعينه إنما الأصل فيه الولد المخلوق من الماءين وهو محترم مخلوق بخلق الله تعالى على أي وجه اجتمع الماءان في الرحم كما قال تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فلا يتمكن فيه صفة القبح وتثبت الحرمة بطريق الكرامة له ثم تتعدى الحرمة إلى أطرافه وإلى أسباب خلقه فيقام السبب وهو الوطء في المحل الصالح لحدوث الولد فيه مقام نفس الولد في إثبات الحرمة وما قام مقام غيره في إثبات حكم فإنما تراعى صلاحية السبب للحكم في الأصل لا فيما قام مقامه بمنزلة التراب فإنه قائم مقام الماء في الطهارة وصلاحية السبب لهذا الحكم في استعمال الماء الذي هو الأصل لا في استعمال التراب فإنه تلويث ولهذا لم يكن وطء الميتة والإتيان في غير المأتى ووطء الصغيرة موجبا الحرمة لأن قيام الوطء مقام الولد في هذا الحكم باعتبار كون المحل محلا يخلق فيه الولد وذلك لا يوجد في هذه المواضع وعلى هذا قلنا في استيلاء الكفار على أموالنا إذا تم بالإحراز فهو موجب للملك لأن صفة الحرمة والقبح لهذا الفعل بواسطة العصمة في المحل وهذه الواسطة ثابتة من طريق الحكم في حقنا لا في حقهم فإنهم لا يعتقدون ذلك وولاية الإلزام منقطعة بانعدام ولايتنا عنهم في دار الحرب لأن هذه الواسطة هي العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام عندنا وقد انتهت هذه العصمة بانتهاء سببها حين أحرزوها بدارهم حتى إن في زمان الإحراز لما كانت العصمة عن الاسترقاق بالحرية المتأكدة بالإسلام ولم تنته بالإحراز الموجود منهم قلنا لا يملكون رقابنا وعلى هذا قلنا الغصب سبب موجب للملك عند تقرر الضمان لأنه قبيح بأنه غصب والملك لا يثبت به وإنما يثبت الملك للغاصب بتملك المغصوب منه بدله وهو القيمة عليه وهذا حكم شرعي لا قبح فيه بل فيه حكمة بالغة وهو التحرز عن فضل خال عن العوض سالم للمغصوب منه شرعا فإنه إذا اجتمع الأصل والبدل في ملكه يتحقق هذا المعنى فيه مع أن الملك إنما لا يبقى للمغصوب منه ليتم به شرط سلامة الضمان له فإن الضمان ضمان جبر وإنما يجبر الفائت لا القائم فكان انعدام ملكه في العين شرطا لسلامة الضمان له وشرط الشيء تبعه فإنما تراعى صلاحية السبب في الأصل لا في التبع وفي المدبر على هذا الطريق نقول لما سلم الضمان للمغصوب منه بجعل الأصل زائلا عن ملكه حكما لأن المدبر محتمل لذلك ولهذا لو اكتسب هو كسبا ثم لم يرجع من إباقه حتى مات كان ذلك الكسب للغاصب وإنما لم يثبت الملك للغاصب فيه صيانة لحق المدبر والتدبير موجب حق العتق له عند الموت ولهذا امتنع بيعه وفي القن بعد ما زال ملك المغصوب منه لا مانع من دخوله في ملك الغاصب الضامن وهذا أحق الناس به لأنه ملك عليه بدله أو نقول في المدبر لا يمكن أن يجعل الضمان بدلا عن العين لأن من شرطه انعدام ملكه في العين وهذا الشرط لا يمكن إيجاده بحق المدبر فجعلنا الضمان ضمان الجناية واجبا باعتبار الجناية على يده وهذا جائز عند الضرورة ولا ضرورة في القن فيجعل بدلا عن العين ولهذا قلنا لو أخذ القيمة بطريق الصلح بغير قضاء القاضي لا يملك عليه المدبر ويملك عليه القن

Bölüm V01/P093–V01/P094

وهذا طريق في تخريج جنس هذه المسائل فصل في بيان حكم الأمر والنهي في أضدادهما قال رضي الله عنه اعلم أن العلماء يختلفون فيهما جميعا فنبين كل واحد منهما على الانفراد ليكون أوضح أما بيان حكم الأمر فقد قال بعض المتكلمين لا حكم للأمر في ضده وقال الجصاص رحمه الله الأمر بالشيء يوجب النهي عن ضده سواء كان له ضد واحد أو أضداد وقال بعضهم يوجب كراهة ضده والمختار عندنا أنه يقتضي كراهة ضده ولا نقول إنه يوجبه أو يدل عليه مطلقا وحجة الفريق الأول أن الضد مسكوت عنه والسكوت عنه لا يكون موجبا شيئا ألا ترى أن التعليق بشرط لا يوجب نفي المعلق قبل وجود الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ما كان قبل التعليق فهنا أيضا الضد مسكوت عنه فيبقى على ما كان قبل الأمر يقرره أن الأمر فيما وضع له لا يوجب حكما فيما لم يتناوله النص إلا بطريق التعدية إليه بعد التعليل فلأن لا يوجب حكما في ضد ما وضع له كان أولى وعلى قول هؤلاء الذم والإثم على من ترك الائتمار باعتبار أنه لم يأت بما أمر به قال الجصاص رحمه الله وهو قول قبيح فإن فيه قولا باستحقاق العبد العقوبة على ما لم يفعله واستحقاق العقوبة إنما هو باعتبار فعل فعله العبد ثم إنه بنى مذهبه على أن الأمر المطلق يوجب الائتمار على الفور فقال من ضرورة وجوب الائتمار على الفور حرمة الترك الذي هو ضده والحرمة حكم النهي فكان موجبا للنهي عن ضده بحكمه يوضحه أن الأمر طلب الإيجاد للمأمور به على أبلغ الجهات والاشتغال بضده يعدم ما وجب بالأمر وهو الإيجاد فكان حراما منهيا عنه لمقتضى حكم الأمر ولهذا يستوي فيه ما يكون ضد واحد أو أضداد فبأي ضد اشتغل ينعدم ما هو المطلوب ألا ترى أنه إذا قال لغيره اخرج من هذه الدار سواء اشتغل بالقعود فيها أو الاضطجاع أو القيام ينعدم ما أمر به وهو الخروج وهذا هو الحجة للفريق الثالث إلا أنهم يقولون حرمة الضد بهذا الطريق تثبت بواسطة حكم الأمر فإنما ثبت أدنى الحرمة فيه لأن ما ثبت بطريق الدلالة لا يكون مثل الثابت بالنص والثابت بالنص ثابت من كل وجه وهذا ثابت من وجه دون وجه لتحقيق حكم الأمر ويكفي لذلك أدنى الحرمة بمنزلة حرمة تثبت بالنهي لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل بالنهي عنه فتثبت به الكراهة فقط ووجه القول المختار هذا الكلام أيضا إلا أنا نقول ثبوت الحرمة بطريق الاقتضاء هنا لأن طلب الوجود بالأمر يقتضي حرمة الضد ولا يثبت بدلالة النص إلا مثل ما هو ثابت بالنص أو أقوى منه كالتنصيص على حرمة التأفيف بدليل حرمة الشتم لأن فيه ذلك الأذى وزيادة فأما ما ثبت بطريق الاقتضاء فهو ثابت لأجل الضرورة وإنما يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة ووجود أحد الضدين يقتضي انتفاء الضد الآخر كالليل مع النهار فكان وجوب الأداء بالأمر مقتضيا نفي الضد وإنما حرم الضد بهذا الاقتضاء فلهذا قلنا إن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده لا أن يكون موجبا له أو دليلا عليه وما ذكره الجصاص أن مطلق الأمر يوجب الائتمار على الفور دعوى منه وقد ذكرنا أن الرواية بخلاف ذلك

Bölüm V01/P094–V01/P096

والجواب عما قاله الفريق الأول أن الضد مسكوت عنه يتضح بالتقرير الذي قلنا في وجه المختار وهو أن ثبوت كراهة ضده بطريق الاقتضاء والمقتضى مسكوت عنه فإن ما يكون منصوصا عليه لا يكون ثبوته بطريق الاقتضاء ولا خلاف بيننا وبينهم أن الاقتضاء طريق صحيح لإثبات المقتضى وإن كان مسكوتا عنه بعد أن يكون محتاجا إليه وليس هذا نظير التعليق بالشرط فإن ذلك يوجب وجود الحكم ابتداء عند وجود الشرط ومن ضرورة وجود الحكم عند وجود الشرط ابتداء أن لا يكون موجودا قبله ولكن انعدامه قبل وجود الشرط عدم أصلي فلا يصير مضافا إلى الوجود عند وجود الشرط نصا ولا اقتضاء لأن العدم الأصلي لا يستدعي دليلا معدما يضاف إليه وأما ههنا وجوب الإقدام على الإيجاد يقتضي حرمة الترك والحرمة الثابتة بمقتضى الشيء تكون مضافا إليه فجعلنا قدر ما يثبت من الحرمة وهو الموجب للكراهة مضافا إلى الأمر اقتضاء وإذا تبين حكم الأمر فكذلك حكم النهي في ضده على هذه الأقاويل الأربعة فالفريق الأول يقولون لا حكم له في ضده لأنه مسكوت عنه ويستدلون على ذلك بقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فإنه لا يكون أمرا بضده وهو ترك قتل النفس إذ لو كان أمرا به لكان تارك قتل النفس مباشرا لفعل الطاعة وهو الائتمار بالأمر فإنه يكون مستحق الثواب الموعود للمطيعين وهذا فاسد وقال الجصاص رحمه الله النهي عن الشيء يوجب ضده إن كان له ضد واحد وإن كان له أضداد فلا موجب له في شيء من أضداده وبين ذلك في الحركة والسكون فإن قول القائل لا تتحرك يكون أمرا بضده وهو السكون لأن للمنهي عنه ضدا واحدا وقوله لا تسكن لا موجب له في ضده لأن له أضدادا وهي الحركة من الجهات الست فإن السكون ينعدم من أي جانب كانت الحركة فلا يتعين واحد من الأضداد مأمورا به بموجب النهي وإذا قال لغيره لا تقم فللمنهي عنه أضداد من القعود والاضطجاع فلا موجب لهذا النهي في شيء من أضداده قال لأن موجب النهي إعدام المنهي عنه بأبلغ الوجوه وإذا كان له ضد واحد فمن ضرورة وجوب الإعدام الكف عن الإيجاد فيكون النهي موجبا الأمر بالضد بحكمه واستدل على ذلك بقوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فإنه نهى عن الكتمان وهو موجب الأمر بالإظهار ولهذا وجب قبول قولها فيما تخبره لأنها مأمورة بالإظهار ونهى المحرم عن لبس المخيط لا يكون أمرا بلبس شيء عين من غير المخيط لأن للمنهي عنه أضدادا هنا وبحكم النهي لا يثبت الأمر بجميع الأضداد وليس بعضها بأولى من البعض يوضح الفرق بينهما أن مع التصريح بالنهي فيما له ضد واحد لا يستقيم التصريح بالإباحة في الضد فإنه لو قال نهيتك عن التحرك وأبحت لك السكون أو أنت بالخيار في السكون كان كلاما مختلا لأن موجب النهي تحريم المنهي عنه ومع تحريمه لا يتصور التخيير في ضده لاستحالة انعدامهما جميعا وصفة الإباحة تقتضي التخيير وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه الفريق الأول من أن الضد مسكوت عنه ولا تعويل على استدلالهم بالنهي عن قتل النفس لأنا نجعل ذلك بمنزلة التصريح بالكف عن قتل النفس لتحقيق موجب النهي والناس تكلموا في أن الأمر بالكف عن قتل النفس ما حكمه منهم من قال معنى الابتلاء لا يتحقق في مثل هذا لأن طبع كل واحد يحمله على ذلك ونيل الثواب في العمل بخلاف هوى النفس ليتحقق فيه الابتلاء

Bölüm V01/P096–V01/P098

قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه ينال به ثواب المطيعين عند قصد امتثال الأمر وإظهار الطاعة وهكذا نقول إذا ثبت ذلك بحكم النهي فأما إذا كان للمنهي عنه أضداد يستقيم التصريح بالإباحة في جميع الأضداد بأن تقول لا تسكن وأبحت لك التحرك من أي جهة شئت فعرفنا أنه لا موجب لهذا النهي في شيء من الأضداد وقول من يقول بأن مثل هذا النهي يكون أمرا بأضداده يؤدي إلى القول بأنه لا يتصور من العبد فعل مباح أو مندوب إليه فإن المنهي عنه محرم وأضداده واجب بالأمر الثابت بمقتضى النهي فكيف يتصور منه فعل مباح أو مندوب إليه وفي اتفاق العلماء على أن أقسام الأفعال التي يأتي بها العبد عن قصد أربعة واجب ومندوب إليه ومباح ومحظور دليل على فساد قول هذا القائل وأما الفريق الثالث فيقولون موجب النهي في ضده إثبات سنة تكون في القوة كالواجب لأن هذا أمر ثبت بطريق الدلالة فيكون موجبه دون موجب الثابت بالنص وعلى القول المختار يحتمل أن يكون مقتضيا هذا المقدار على قياس ما بينا في الأمر وكذلك إذا كان للمنهي عنه أضداد فإنه يثبت هذا القدر من المقتضي في أي أضداده يأتي به المخاطب ولهذا قلنا بأن النهي عن لبس المخيط في حالة الإحرام يثبت أن السنة لبس الإزار والرداء وذلك أدنى ما يقع به الكفاية من غير المخيط فأما قوله ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فهو نسخ وليس بنهي بمنزلة قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد وإنما كان هذا أمرا بالإظهار بواسطة أن الكتمان لم يبق مشروعا وهو نظير قوله لا نكاح إلا بشهود وقد بينا تحقيق هذا المعنى فيما سبق فأما بيان فائدة الأصل المذكور في هذا الفصل من مسائل الفقه أن نقول لما كان الأمر مقتضيا كراهة الضد لم يكن ضده مفسدا للعبادة إلا أن يكون مفوتا لما هو واجب بصيغة الأمر ولكن يكون مكروها في نفسه فإن المأمور بالقيام في الصلاة إذا قعد لا تفسد صلاته لأنه لم يفت بهذا الضد ما هو الواجب بالأمر وهو القيام إذا أتى به بعد القعود ولكن القعود مكروه في نفسه ولكون النهي مقتضيا في ضده ما بينا من صفة السنة قلنا لا ينعدم بالضد ما هو موجب صيغة النهي فإن ركن العدة الامتناع من الخروج والتزوج ثبت ذلك بصيغة النهي قال تعالى ولا يخرجن وقال ولا تعزموا عقدة النكاح فإن فعلت ذلك لم ينعدم به مأمور ما هو ركن الاعتداد حتى تنقضي العدة بخلاف الكف في باب الصوم فإنه واجب بصيغة الأمر نصا قال تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فينعدم الأداء بمباشرة الضد وهو الأكل وعلى هذا قلنا العدتان تنقضيان بمضي مدة واحدة لأن الكف في العدة ثابت بمقتضى النهي ولا تضايق فيما هو موجب النهي نصا وهو التحريم ولا يتحقق أداء الصومين في يوم واحد لتضايق الوقت في ركن كل صوم وهو الكف إلى وقت فإنه ثابت بالأمر نصا ولا يتحقق اجتماع الكفين في وقت واحد وعلى هذا قال أبو يوسف رحمه الله من سجد في صلاته على مكان نجس ثم سجد على مكان طاهر جازت صلاته لأن المأمور به السجود على مكان طاهر ومباشرة الضد بالسجود على مكان نجس لا يفوت المأمور به فيكون مكروها في نفسه ولا يكون مفسدا للصلاة وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تفسد به الصلاة لأن تأدي المأمور به لما كان باعتبار المكان فما يكون صفة للمكان الذي يؤدى الفرض عليه يجعل بمنزلة الصفة له حكما فيصير هو كالحامل للنجاسة إذا سجد على مكان نجس والكف عن حمل النجاسة مأمور به في جميع الصلاة فيفوت ذلك بالسجود على مكان نجس كما أن الكف عن اقتضاء الشهوة لما كان مأمورا به في جميع وقت الصوم يتحقق الفوات بالأكل في جزء من الوقت فيه وعلى هذا قال أبو يوسف بترك القراءة في شفع من التطوع لا يخرج عن حرمة الصلاة لأنه مأمور بالقراءة في الصلاة وذلك نهي عن ضده اقتضاء فترك القراءة ما لم يكن مفوتا للفرض لا يكون مفسدا ومع احتمال أداء شفع آخر بهذه التحريمة لا يتحقق فوات هذا الفرض فتبقى التحريمة صحيحة قابلة لبناء شفع آخر عليها وإن فسد أداء الشفع الأول بترك القراءة

Bölüm V01/P098–V01/P099

وقال محمد رحمه الله القراءة فرض من أول الصلاة إلى آخرها حكما ولهذا لا يصلح الأمي خليفة للقارىء وإن كان قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وأتى بفرض القراءة في محلها وإذا كان مستديما حكما يتحقق فوات ما هو الفرض بترك القراءة في ركعة فيخرج به من تحريمة الصلاة وقال أبو حنيفة رحمه الله كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولهذا تفترض القراءة في كل ركعة من الشفع عندنا كما تفترض في كل ركعة من الفجر إلا أن بترك القراءة في ركعة من التطوع لا يفوت ما هو المأمور به من القراءة في الصلاة نصا فلا تنقطع التحريمة وبترك القراءة في الركعتين يفوت ما هو الفرض قطعا فيكون ذلك قطعا للتحريمة وهكذا نقول في الفجر فإن بترك القراءة في ركعة يفسد الفرض ولكن لا تنحل التحريمة بل تنقلب تطوعا في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله وفي الرواية الأخرى يقول في التطوع احتمال بناء شفع آخر عليه قائم فإذا فعل ذلك كان الكل في حكم صلاة واحدة ولا تنقطع التحريمة بترك القراءة في ركعة منها ومثل هذا الاحتمال غير موجود في الفجر حتى إن في ظهر المسافر لبقاء هذا الاحتمال بنية الإقامة قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله لا تفسد بترك القراءة في ركعة منها حتى إذا نوى الإقامة أتم صلاته وقضى ما ترك من القراءة في الشفع الثاني فيجزيه ذلك وعلى هذا نقول إن بترك القراءة في التطوع في الركعتين جميعا لا تنحل التحريمة عنده لاحتمال بناء شفع آخر عليه كما في فصل المسافر ولكنه يفسد لتحقق فوات ما هو فرض في هذه الصلاة فإنه وإن بنى الشفع الثاني على تحريمته لا يخرج به من أن يكون الشفع الأول صلاة على حدة حقيقة وحكما ولهذا لا يفسد الشفع الأول بمفسد يعترض في الشفع الثاني والمسائل التي تخرج على هذا الأصل يكثر تعدادها والله أعلم فصل في بيان أسباب الشرائع قال رضي الله عنه اعلم بأن الأمر والنهي على الأقسام التي بيناها لطلب أداء المشروعات ففيها معنى الخطاب بالأداء بعد الوجوب بأسباب جعلها الشرع سببا لوجوب المشروعات والموجب هو الله تعالى حقيقة لا تأثير للأسباب في الإيجاب بأنفسها والخطاب يستقيم أن يكون سببا موجبا للمشروعات إلا أن الله تعالى جعل أسبابا أخر سوى الخطاب سبب الوجوب تيسيرا للأمر على العباد حتى يتوصل إلى معرفة الواجبات بمعرفة الأسباب الظاهرة وقد دل على ما بينا قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإن الألف واللام دليل على أن المراد أقيموا الصلاة التي أوجبتها عليكم بالسبب الذي جعلته سببا لها وأدوا الزكاة الواجبة عليكم بسببها كقول القائل أد الثمن فإنما يفهم منه الخطاب بأداء الثمن الواجب بسببه وهو البيع

Bölüm V01/P099–V01/P102

ثم أصل الوجوب في المشروعات جبر لا صنع للعبد فيه ولا اختيار فإن الموجب هو الله تعالى تعبد العباد بما أوجبها عليهم فكما لا صنع لهم في صفة العبودية الثابتة عليهم لا صنع لهم في أصل الوجوب وباعتبار الأسباب التي جعلها الشرع سببا لا اختيار لهم في أصل الوجوب أيضا كما أنه لا اختيار لهم في السبب فأما وجوب الأداء الثابت بالخطاب لا ينفك عن اختيار يكون فيه للعبد عند الأداء وبه يتحقق معنى العبادة والابتلاء في المؤدي وهذا لأن التكليف بقدر الوسع شرعا وأصل الوجوب يثبت بتقرر السبب مع انعدام الخطاب بالأداء الثابت بالأمر والنهي فإن من مضى عليه وقت الصلاة وهو نائم تجب عليه الصلاة حتى يؤدى الفرض إذا انتبه فالخطاب موضوع عن النائم وكذلك المغمى عليه إذا لم يبق لتلك الصفة أكثر من يوم وليلة أو المجنون إذا لم يزدد جنونه على يوم وليلة يثبت حكم وجوب الصلاة في حقه حتى يلزمه القضاء والخطاب موضوع عنه ألا ترى أن المجنون أو المغمى عليه لو كان كافرا فكما أفاق أسلم لم تلزمه قضاء الصلوات لما لم يثبت الوجوب في تلك الحالة في حقه لانعدام الأهلية فإن الأسباب إنما توجب على من يكون أهلا للوجوب عليه وكذلك المغمى عليه في جميع شهر رمضان أو المجنون في بعض الشهر يثبت الوجوب في حقهما حتى يجب القضاء بعد الإفاقة والخطاب موضوع عنهما وكذلك الزكاة على أصل الخصم تجب على الصبي والمجنون والخطاب موضوع عنهما وبالاتفاق يجب عليهما العشر وصدقة الفطر وكذلك يجب عليهما حقوق العباد عند تحقق الأسباب منهما أو من الولي على سبيل النيابة عنهما كالصداق الذي يلزمهما بتزويج الولي إياهما والعتق الذي يستحقه القريب عليهما عند دخوله في ملكهما بالإرث وإن كان الخطاب موضوعا عنهما إذا تقرر هذا فنقول الأسباب التي جعلها الشرع موجبا للمشروعات هي الأسباب التي تضاف المشروعات إليها وتتعلق بها شرعا لأن إضافة الشيء إلى الشيء في الحقيقة تدل على أنه حادث به كما يقال كسب فلان أي حدث له باكتسابه وقد يضاف إلى الشرط مجازا أيضا على معنى أن وجوده يكون عند وجود الشرط ولكن المعتبر هو الحقيقة حتى يقوم دليل المجاز وتعلق الشيء بالشيء يدل على نحو ذلك فحين رأينا إضافة الصلاة إلى الوقت شرعا وتعلقها بالوقت شرعا أيضا حتى تتكرر بتكررها مع أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار وإن كان معلقا بشرط ألا ترى أن الرجل إذا قال ( لغيره ) تصدق بدرهم من مالي لدلوك الشمس لا يقتضي هذا الخطاب التكرار ورأينا أن وجوب الأداء الثابت بقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس غير مقصور على المرة الواحدة ثبت أن تكرار الوجوب باعتبار تجدد السبب بدلوك الشمس في كل يوم ثم وجوب الأداء مرتب عليه بحكم هذا الخطاب وحرف اللام في قوله تعالى لدلوك الشمس دليل على تعلقها بذلك الوقت كما يقال تأهب للشتاء وتطهر للصلاة ولم يتعلق بها وجودا عندها فعرفنا أن تعلق الوجوب بها بجعل الشرع ذلك الوقت سببا لوجوبها فنقول وجوب الإيمان بالله تعالى كما هو بأسمائه وصفاته بإيجاب الله وسببه في الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم لمن وجب عليه وهذه الآيات غير موجبة لذاتها وعقل من وجب عليه غير موجب عليه أيضا ولكن الله تعالى هو الموجب بأن أعطاه آلة يستدل بتلك الآلة على معرفة الواجب كمن يقول لغيره هاك السراج فإن أضاء لك الطريق فاسلكه كان الموجب للسلوك في الطريق هو الأمر بذلك لا الطريق بنفسه ولا السراج فالعقل بمنزلة السراج والآيات الدالة على حدث العالم بمنزلة الطريق والتصديق من العبد والإقرار بمنزلة السلوك في الطريق فهو واجب بإيجاب الله تعالى حقيقة وسببه الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم ولهذا تسمى علامات فإن العلم للشيء لا يكون موجبا لنفسه ولا نعني أن هذه الآيات توجب وحدانية الله تعالى ظاهرا أو حقيقة وإنما نعني أنها في الظاهر سبب لوجوب التصديق والإقرار على العبد ولكون هذه الآيات دائمة لا تحتمل التغير بحال إذ لا يتصور للمحدث أن يكون غير محدث في شيء من الأوقات فكان فرضية الإيمان بالله تعالى دائما بدوام سببه غير محتمل للنسخ والتبديل بحال ولهذا صححنا إيمان الصبي العاقل لأن السبب متقرر في حقه والخطاب بالأداء موضوع عنه بسبب الصبا لأن الخطاب بالأداء يحتمل السقوط في بعض الأحوال ولكن صحة الأداء باعتبار تقرر السبب الموجب لا باعتبار وجوب الأداء كالبيع بثمن مؤجل سبب لجواز أداء الثمن قبل حلول الأجل وإن لم يكن الخطاب بالأداء متوجها حتى يحل الأجل والمسافر إذا صام في شهر رمضان كان صحيحا منه فرضا لتقرر السبب في حقه وإن كان الخطاب بالأداء موضوعا عنه قبل إدراك عدة من أيام أخر وهذا لأن صحة الأداء تكون بوجود ما هو الركن ممن هو أهل والركن هو التصديق والإقرار والأهلية لذلك لا تنعدم بالصبا فبعد ذلك بامتناع صحة الأداء لا يكون إلا بحجر شرعي والقول بالحجر لأحد عن الإيمان بالله تعالى محال فأما الصلاة فواجبة بإيجاب الله تعالى بلا شبهة وسبب وجوبها في الظاهر هو الوقت في حقنا وأمرنا بأدائها بقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أي لوجوبها بدلوك الشمس والدليل عليه أنها تنسب إلى الوقت شرعا فيقال فرض الوقت وصلاة الفجر والظهر وإنما يضاف الواجب إلى سببه وكذلك يتكرر الوجوب بتكرر الوقت والخطاب لا يوجب التكرار وهي لا تضاف إلى الخطاب شرعا وليس هنا سوى الوقت والخطاب فتبين بهذا أن الوقت هو السبب ولهذا لا يجوز تعجيلها قبل الوقت ويجوز بعد دخول الوقت مع تأخير لزوم الأداء بالخطاب إلى آخر الوقت

Bölüm V01/P102–V01/P103

فإن قيل لا يفهم من وجوب العبادة شيء سوى وجوب الأداء ولا خلاف أن وجوب الأداء بالخطاب فما الذي يكون واجبا بسبب الوقت قلنا الواجب بسبب الوقت ما هو المشروع نفلا في غير الوقت الذي هو سبب للوجوب وبيان هذا في الصوم فإنه مشروع نفلا في كل يوم وجد الأداء أو لم يوجد وفي رمضان يكون مشروعا واجبا بسبب الوقت سواء وجد خطاب الأداء بوجود شرطه وهو التمكن من الأداء أو لم يوجد ألا ترى أن من كان مغمى عليه أو نائما في وقت الصلاة ثم أفاق بعد مضي الوقت يصير مخاطبا بالأداء لوجوبها عليه لوجود السبب وهو الوقت ولو كان هذا المغمى عليه أو النائم غير بالغ ثم بلغ بعد مضي الوقت ثم أفاق وانتبه لم يكن عليه قضاؤها وقد صار مخاطبا عند الإفاقة في الموضعين بصفة واحدة ولكن لما انعدمت الأهلية عند وجود السبب لم يثبت الوجوب في حقه فلما وجدت الأهلية في الفصل الأول ثبت الوجوب ومن باع بثمن مؤجل فالثمن يجب بنفس العقد والخطاب بالأداء متأخر إلى مضي الأجل فهذا مثله وسبب وجوب الصوم شهود الشهر في حال قيام الأهلية ولهذا أضيف إلى الشهر شرعا ويتكرر بتكرر الشهر ولم يجب الأداء قبل وجود الشهر وجاز بعد وإن كان الأداء متأخرا كما في حق المريض والمسافر فإن الأمر بالأداء في حقهما بعد إدراك عدة من أيام أخر والوجوب ثابت في الشهر بتقرر سببه حتى لو صاما كان ذلك فرضا ألا ترى أن من كان مسافرا الصوم ولو كان بالغا في رمضان مسافرا لزمه الأداء إذا صار مقيما وحالهما عند الإقامة بصفة واحدة فعرفنا أن الوجوب ثبت في حق أحدهما بتقرر سببه دون الآخر وبيان ما قلنا في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه معناه في رمضان غير بالغ ثم صار مقيما بعدما بلغ خارج رمضان لا يلزمه فليصم فيه لأن الوقت ظرف للصوم وإنما يفهم من هذا فليصم فيه الصوم الواجب بشهوده ولهذا ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن سبب الوجوب أيام الشهر دون الليالي لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام قال رضي الله عنه وهذا غلط عندي بل في السببية للوجوب الأيام والليالي سواء فإن الشهر اسم لجزء من الزمان يشتمل على الأيام والليالي وإنما جعله الشرع سببا لإظهار فضيلة هذا الوقت وهذه الفضيلة ثابتة لليالي والأيام جميعا والرواية محفوظة في أن من كان مفيقا في أول ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ومضى الشهر وهو مجنون ثم أفاق يلزمه القضاء ولو لم يتقرر السبب في حقه بما شهد من الشهر في حالة الإفاقة لم يلزمه القضاء ( وكذلك المجنون إذا أفاق في ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ثم أفاق بعد مضي الشهر يلزمه القضاء ) والدليل عليه أن نية أداء الفرض تصح بعد دخول الليلة الأولى بغروب الشمس قبل أن يصبح ومعلوم أن نية أداء الفرض قبل تقرر سبب الوجوب لا يصح ألا ترى أنه لو نوى قبل غروب الشمس لم تصح نيته وأيد ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته فإنه نظير قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وقد بينا في الصلاة أن في تقرر الوجوب بتقرر السبب لا يعتبر التمكن بالأداء فإن من أسلم في آخر الوقت بحيث لا يتمكن من أداء الصلاة في الوقت يلزمه فرض الوقت فهنا وإن لم يثبت التمكن من الأداء بشهود الليل يتقرر سبب الوجوب ولكن بشرط احتمال الأداء في الوقت ولهذا لو أسلم في آخر يوم من رمضان قبل الزوال أو بعده لم يلزمه الصوم وإن أدرك جزءا من الشهر لأنه ليس هنا معنى احتمال الأداء في الوقت وقد قررنا هذا فيما سبق

Bölüm V01/P103–V01/P105

وسبب وجوب الحج البيت ولهذا يضاف إليه شرعا قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ولهذا لا يتكرر بتكرر وقت الأداء لأن ما هو السبب غير متجدد فأما الوقت فهو شرط جواز الأداء وليس بسبب للوجوب ولا يقال بدخول شوال يدخل الوقت ويتأخر الأداء إلى يوم عرفة فعرفنا أن الوقت سبب للوجوب إذ لو لم يكن سببا له لم يكن إضافة الوقت إليه مفيدا ويقال أشهر الحج كما يقال وقت الصلاة فعرفنا أنه سبب فيه وهذا لأن عندنا يجوز الأداء كما دخل شوال ولكن هذه عبادة تشتمل على أركان بعضها مختص بوقت ومكان وبعضها لا يختص فما كان مختصا بوقت أو مكان لا يجوز في غير ذلك الوقت كما لا يجوز في غير ذلك المكان وما لم يكن مختصا بوقت فهو جائز في جميع وقت الحج حتى إن من أحرم في رمضان وطاف وسعى لم يكن سعيه معتدا به من سعى الحج حتى إذا طاف للزيارة يوم النحر تلزمه إعادة السعي ولو كان طاف وسعى في شوال كان سعيه معتدا به حتى لا يلزمه إعادته يوم النحر لأن السعي غير مؤقت فجاز أداؤه في أشهر الحج وأما الوقوف موقت فلم يجز أداؤه قبل وقته كما لا يجوز أداء طواف الزيارة يوم عرفة لأنه موقت بيوم النحر وكما لا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول وهو نظير أركان الصلاة فإن السجود ترتب على الركوع فلا يعتد به قبل الركوع ولا يدل ذلك على أن الوقت ليس بوقت الأداء وبهذا تبين أن الوقت ليس بسبب للوجوب ولكنه شرط جواز الأداء ووجوب الأداء فيه وكذلك الاستطاعة بالمال ليس بسبب للوجوب فإن هذه عبادة بدنية وإنما كان البيت سببا لوجوبها لأنها عبادة هجرة وزيارة تعظيما لتلك البقعة فلا يصلح المال سببا لوجوبها ولا هو شرط لجواز الأداء أيضا فالأداء من الفقير صحيح وإن كان لا يملك شيئا وإنما المال شرط وجوب الأداء فإن السفر الذي يوصله إلى الأداء لا يتهيأ له بدون الزاد والراحلة إلا بحرج عظيم والحرج مدفوع فعرفنا أن المال شرط وجوب الأداء وهو نظير عدة من أيام أخر في باب الصوم ( في حق المسافر ) الاداء بتجدد هذه الأيام وهنا أيضا لا يتكرر وجوب الأداء بتجدد ملك الزاد والراحلة فعرفنا أنه شرط لوجوب الأداء وسبب وجوب الطهارة الصلاة فإنها تضاف إليها شرعا فيقال تطهر للصلاة فأما الحدث فهو شرط وجوب الأداء بالأمر وهو قوله تعالى فاغسلوا فإنه شرط وجوب الأداء حتى كان الأداء جائزا قبله ولا يتكرر وجوب وجوهكم الآية لا أن يكون سببا للوجوب وكيف يكون سببا ( للوجوب ) وهو ناقض للطهارة فما كان مزيلا للشيء رافعا له لا يصلح سببا لوجوبه ولهذا جاز الأداء بدونه وكان الوضوء على وضوء نورا على نور ولا يجب الأداء مع تحقق الحدث بدون وجوب الصلاة فإن الجنب إذا حاضت لا يجب عليها الاغتسال ما لم تطهر لأنه ليس عليها وجوب الصلاة وبهذا تبين أن الطهارة ليست بعبادة مقصودة ولكنها شرط الصلاة وما يكون شرطا للشيء يتعلق به صحته ووجوبه بوجوب الأصل بمنزلة استقبال القبلة فإن وجوبه بوجوب الصلاة والشهود في باب النكاح ثبوتها بثبوت النكاح لكون الشهود شرطا في النكاح

Bölüm V01/P105–V01/P107

وسبب وجوب الزكاة المال بصفة أن يكون نصابا ناميا ألا ترى أنه يضاف إلى المال وأنه يتضاعف بتضاعف النصب في وقت واحد ولكن الوجوب بواسطة غنى المالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدقة إلا عن ظهر غنى والغنى لا يحصل بأصل المال ما لم يبلغ مقدارا وذلك في النصاب شرعا والوجوب بصفة اليسر ولا يتم ذلك إلا إذا كان المال ناميا ولهذا يضاف إلى سبب النماء أيضا فيقال زكاة السائمة وزكاة التجارة فأما مضي الحول فهو شرط لوجوب الأداء من حيث إن النماء لا يحصل إلا بمضي الزمان ولهذا جاز الأداء بعد كمال النصاب قبل حولان الحول وجواز الأداء لا يكون قبل تقرر سبب الوجوب حتى لو أدى قبل كمال النصاب لم يجز فإن قيل الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال وبتكرر الشرط لا يتجدد الواجب قلنا ليس كذلك بل يتكرر الوجوب بتجدد النماء الذي هو وصف للمال وباعتباره يكون المال سببا للوجوب فإن لمضي كل حول تأثيرا في حصول النماء المطلوب من عين السائمة بالدر والنسل والمطلوب من ربح عروض التجارة زيادة القيمة وسبب وجوب صدقة الفطر على المسلم الغني رأس يموله بولايته عليه ولهذا يضاف إليه فيقال صدقة الرأس ويتضاعف الواجب بتعدد الرؤوس من الأولاد الصغار والمماليك وإنما عرفنا هذا بقوله عليه السلام أدوا عن كل حر وعبد وقال عليه السلام أدوا عمن تمونون وحرف عن للانتزاع فأما أن يكون المراد طريق الانتزاع بالوجوب على الرأس ثم أداء الغير عنه وهذا باطل فإنه لا يجب على الكافر والرقيق والفقير والصغير فعرفنا أن المراد انتزاع الحكم عن سببه وفيه تنصيص على أن الرأس بالصفة التي قلنا هو السبب الموجب للوجوب وأما الفطر فهو شرط وجوب الأداء والإضافة إليه بطريق المجاز على معنى أن الوجوب عنده يكون وإنما جعلنا الفطر شرطا والرأس سببا مع وجود الإضافة إليهما لأن تضاعف الواجب بتعدد الرؤوس دليل محكم على أنه سبب والإضافة دليل محتمل فقد بينا أن الإضافة قد تكون إلى الشرط مجازا ولأن التنصيص على المئونة دليل على أن سبب الوجوب الرأس دون الفطر فالمئونة إنما تجب عن الرؤوس ولهذا اشتمل هذا الواجب على معنى المئونة وعلى معنى العبادة لأن صفة الغنى فيمن يجب عليه الأداء يعتبر لوجوب الأداء وذلك دليل كونه عبادة وصفة المئونة في المؤدي دليل على أنه بمنزلة النفقة وجواز الأداء قبل الفطر دليل على أن الفطر ليس بسبب في وجوب الأداء بشهود وقت الفطر في حق من لا يؤدي الصوم أصلا دليل على أن الفطر شرط وجوب الأداء فإن الكافر إذا أسلم ليلة العيد أو الصبي بلغ أو العبد عتق يلزمه الأداء بطلوع الفجر من يوم الفطر ولهذا لو أسلم بعد طلوع الفجر لم يلزمه وإن أدرك اليوم لأن وقت الفطر عن رمضان في حق وجوب الصدقة عند طلوع الفجر فإذا انعدمت الأهلية عند ذلك لم يجب الأداء وتكرر الوجوب بتكرر الفطر في كل سنة بمنزلة تكرر وجوب الزكاة بتكرر الحول فإن الوصف الذي لأجله كان الرأس موجبا وهو المئونة يتجدد بمضي الزمان كما أن النماء الذي لأجله كان المال سببا للوجوب يتجدد بتجدد الحول

Bölüm V01/P107–V01/P108

وسبب وجوب العشر الأرض النامية باعتبار حقيقة النماء وسبب وجوب الخراج الأرض النامية باعتبار التمكن من طلب النماء بالزراعة ولهذا لو اصطلم الزرع آفة لم يجب العشر ولا الخراج ولهذا لم يجتمع العشر والخراج بسبب أرض واحدة بحال لأن كل واحد منهما مئونة الأرض النامية إلا أن العشر الواجب جزء من النماء فلا بد من حصول النماء ليثبت حكم الوجوب في محله بسببه ولهذا كان في العشر معنى المئونة ومعنى العبادة فباعتبار أصل الأرض هو مئونة لأن تملك الأرض سبب لوجوب مئونة شرعا وباعتبار كون الواجب جزءا من النماء فيه معنى العبادة بمنزلة الزكاة وفي الخراج معنى المئونة باعتبار أصل الأرض ومعنى المذلة باعتبار التمكن من طلب النماء بالزراعة فالاشتغال بالزراعة مع الإعراض عن الجهاد سبب للمذلة على ما روي أن النبي عليه السلام رأى شيئا من آلات الزراعة في دار فقال ما دخل ( هذا ) بيت قوم إلا ذلوا ولهذا يتكرر وجوب العشر بتجدد الخارج لتجدد الوصف وهو النماء ولا يتكرر وجوب الخراج في حول واحد بحال ولهذا جاز تعجيل الخراج قبل الزراعة ولم يجز تعجيل العشر لأن الأرض باعتبار حقيقة النماء توجب العشر وذلك لا يتحقق قبل الزراعة ولهذا أوجب أبو حنيفة رحمه الله العشر في قليل الخارج وكثيره وفي كل ما يستنبت في الأرض مما له ثمرة باقية وما ليست له ثمرة باقية سواء لأن الوجوب باعتبار صفة النماء ولا معتبر بصفة الغنى فيمن يجب عليه باعتبار النصاب لأجله وسبب وجوب الجزية الرأس باعتبار صفة معلومة وهو أن يكون كافرا حرا له بنية صالحة للقتال ولهذا يضاف إليه فيقال جزية الرأس ويتكرر الوجوب بتكرر الحول بمنزلة تكرر وجوب الزكاة فإن المعنى الذي كان الرأس سببا موجبا باعتبار نصرة القتال وهذا لأن أهل الذمة يصيرون منا دارا والقتال بنصرة الدار واجب على أهلها ولا تصلح أبدانهم لهذه النصرة لميلهم إلى أهل الدار المعادية لدارنا اعتقادا فأوجب عليهم في أموالهم جزية عقوبة لهم على كفرهم وخلفا عن النصرة التي قامت بإصرارهم على الكفر في حقنا ولهذا تصرف إلى المجاهدين الذين يقومون بنصرة الدار وهذه النصرة يتجدد وجوبها بتجدد الحاجة في كل وقت فكذلك ما كان خلفا عنها بتجدد وجوبها إلا أنه لا نهاية للحاجة إلى المال فيعتبر الوقت لتجدد الوجوب كما يعتبر في الزكاة وسبب وجوب العقوبات ما يضاف إليه نحو الزنا للرجم والجلد والسرقة للقطع وشرب الخمر والقذف للحد والقتل العمد للقصاص وسبب وجوب الكفارات التي هي دائرة بين العقوبة والعبادة ما يضاف إليه من سبب متردد بين الحظر والإباحة نحو اليمين المعقودة على أمر في المستقبل إذا حنث فيها والظهار عند العود والفطر في رمضان بصفة الجناية والقتل بصفة الخطأ

Bölüm V01/P108–V01/P110

فأما سبب المشروع من المعاملات فهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها وبيان ذلك أن الله تعالى حكم ببقاء العالم إلى قيام الساعة وهذا البقاء إنما يكون ببقاء الجنس وبقاء النفس فبقاء الجنس بالتناسل والتناسل بإتيان الذكور الإناث في موضع الحرث والإنسان هو المقصود بذلك فشرع لذلك التناسل طريقا لا فساد فيه ولا ضياع وهو طريق الازدواج بلا شركة ففي التغالب فساد العالم وفي الشركة ضياع الولد لأن الأب إذا اشتبه يتعذر إيجاب مئونة الولد عليه وبالأمهات عجز عن اكتساب ذلك بأصل الجبلة فيضيع الولد وبقاء النفس إلى أجله إنما يقوم بما تقوم به المصالح للمعيشة وذلك بالمال وما يحتاج إليه كل واحد لكفايته لا يكون حاصلا في يده وإنما يتمكن من تحصيله بالمال فشرع سبب اكتساب المال وسبب اكتساب ما فيه كفاية لكل واحد وهو التجارة عن تراض لما في التغالب من الفساد والله لا يحب الفساد ولأن الله تعالى جعل الدنيا دار محنة وابتلاء كما قال تعالى إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه والإنسان الذي هو مقصود غير مخلوق في الدنيا لنيل اللذات وقضاء الشهوات بل للعبادة التي هي عمل بخلاف هوى النفس قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فعرفنا أن ما جعل لنا في الدنيا من اقتضاء الشهوات بالأكل وغير ذلك ليس لعين اقتضاء الشهوة بل لحكم آخر وهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها إلا أن في الناس مطيعا وعاصيا فالمطيع يرغب فيه لا لقضاء الشهوة بل لاتباع الأمر والعاصي يرغب فيه لقضاء شهوة النفس فيتحقق البقاء المقدور بفعل الفريقين وللمطيع الثواب باعتبار قصده إلى الإقدام عليه والعاصي مستوجب للعقاب باعتبار قصده في اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء تبارك الله الحكيم الخبير القدير هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير فصل في بيان المشروعات من العبادات وأحكامها قال رحمه الله هذه المشروعات تنقسم على أربعة أقسام فرض وواجب وسنة ونفل فالفرض اسم لمقدر شرعا لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو مقطوع به لكونه ثابتا بدليل موجب للعلم قطعا من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع وفي الاسم ما يدل على ذلك كله فإن الفرض لغة التقدير قال الله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم بالتسمية وقال تعالى سورة أنزلناها وفرضناها أي قطعنا الأحكام قطعا وفي هذا الاسم ما ينبىء عن شدة الرعاية في الحفظ لأنه مقطوع به وما ينبىء عن التخفيف لأنه مقدر متناه كيلا يصعب علينا أداؤه ويسمى مكتوبة أيضا لأنها كتبت علينا في اللوح المحفوظ وبيان هذا القسم في الإيمان بالله تعالى والصلاة والزكاة والصوم والحج فإن التصديق بالقلب والإقرار باللسان بعد المعرفة فرض مقطوع به إلا أن التصديق مستدام في جميع العمر لا يجوز تبديله بغيره بحال والإقرار لا يكون واجبا في جميع الأحوال وإن كان لا يجوز تبديله بغيره من غير عذر بحال والعبادات التي هي أركان الدين مقدرة متناهية مقطوع بها وحكم هذا القسم شرعا أنه موجب للعلم اعتقادا باعتبار أنه ثابت بدليل مقطوع به ولهذا يكفر جاحده وموجب للعمل بالبدن للزوم الأداء بدليله فيكون المؤدي مطيعا لربه والتارك للأداء عاصيا لأنه بترك الأداء مبدل للعمل لا للاعتقاد وضد الطاعة العصيان ولهذا لا يكفر بالامتناع عن الأداء فيما هو من أركان الدين لا من أصل الدين إلا أن يكون تاركا على وجه الاستخفاف فإن استخفاف أمر الشارع كفر فأما بدون الاستخفاف فهو عاص بالترك من غير عذر فاسق لخروجه من طاعة ربه فالفسق هو الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها ولهذا كان الفاسق مؤمنا لأنه غير خارج من أصل الدين وأركانه اعتقادا ولكنه خارج من الطاعة عملا والكافر رأس الفساق في الحقيقة إلا أنه اختص باسم هو أعظم في الذم فاسم الفاسق عند الإطلاق يتنازل المؤمن العاصي باعتبار أعماله

Bölüm V01/P110–V01/P112

فأما الواجب فهو ما يكون لازم الأداء شرعا ولازم الترك فيما يرجع إلى الحل والحرمة والاسم مأخوذ من الوجوب وهو السقوط قال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها أي سقطت على الأرض فما يكون ساقطا على المرء عملا بلزومه إياه من غير أن يكون دليله موجبا للعلم قطعا يسمى واجبا أو هو ساقط في حق الإعتقاد قطعا وإن كان ثابتا في حق لزوم الأداء عملا والفرض والواجب كل واحد منهما لازم إلا أن تأثير الفرضية أكثر ومنه سمي الحز في الخشبة فرضا لبقاء أثره على كل حال ويسمى السقوط على الأرض وجوبا لأنه قد لا يبقى أثره في الباقي فما كان ثابتا بدليل موجب للعمل والعلم قطعا يسمى فرضا لبقاء أثره وهو العلم به أدى أو لم يؤد وما كان ثابتا بدليل موجب للعمل غير موجب للعلم يقينا باعتبار شبهة في طريقه يسمى واجبا وقيل الاسم مشتق من الوجبة وهي الاضطراب قال القائل وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر أي اضطراب فلنوع شبهة في دليله يتمكن فيه اضطراب فسمي واجبا وهذا نحو تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة وتعديل الأركان والطهارة في الطواف والسعي في الحج وأصل العمرة والوتر والشافعي ينكر هذا القسم ويلحقه بالفرض فإن كان إنكاره ذلك للاسم فقد بينا معنى الاسم وإن كان للحكم فهو إنكار فاسد لأن ثبوت الحكم بحسب الدليل ولا خلاف بيننا وبينه أن هذا التفاوت يتحقق في الدليل فإن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين لاحتمال الغلط من الراوي وهو دليل موجب للعمل بحسن الظن بالراوي وترجح جانب الصدق بظهور عدالته فيثبت حكم هذا القسم بحسب دليله وهو أنه لا يكفر جاحده لأن دليله لا يوجب علم اليقين ويجب العمل به لأن دليله موجب للعمل ويضلل جاحده إذا لم يكن متأولا بل كان رادا لخبر الواحد فإن كان متأولا في ذلك مع القول بوجوب العمل بخبر الواحد فحينئذ لا يضلل ولوجوب العمل به يكون المؤدي مطيعا والتارك من غير تأويل عاصيا معاقبا وهذا لأن الدلالة قامت لنا على أن الزيادة على النص نسخ فلا يثبت إلا بما يثبت النسخ به والنسخ لا يثبت بخبر الواحد فكذلك لا نثبت الزيادة فلا يكون موجبا للعلم بهذا المعنى ولكن يجب العمل به لأن في العمل تقرير الثابت بالنص لا نسخ له إلا أن هذا يشكل على بعض الناس قبل التأمل على ما حكي عن يوسف بن خالد السمتي رحمه الله قدمت على أبي حنيفة رضي الله عنه فسألته عن الصلاة المفروضة كم هي فقال خمس فسألته عن الوتر فقال واجب فقلت لقلة تأملي كفرت فتبسم في وجهي ثم تأملت فعرفت أن بين الواجب والفريضة فرق كما بين السماء والأرض فيرحم الله أبا حنيفة ويجازيه خيرا على ما هداني إليه وبيان هذا أن فرضية القراءة في الصلوات ثابتة بدليل مقطوع به وهو قوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر من القرآن وتعيين الفاتحة ثابت بخبر الواحد فمن جعل ذلك فرضا كان زائدا على النص ومن قال يجب العمل به من غير أن يكون فرضا كان مقررا للثابت بالنص على حاله وعاملا بالدليل الآخر بحسب موجبه وفي القول بفرضية ما ثبت بخبر الواحد رفع للدليل الذي فيه شبهة عن درجته أو حط للدليل الذي لا شبهة فيه عن درجته وكل واحد منهما تقصير لا يجوز المصير إليه بعد الوقوف عليه بالتأمل وكذلك أصل الركوع والسجود ثابت بالنص وتعديل الأركان ثابت بخبر الواحد فلو أفسدنا الصلاة بترك التعديل كما نفسدها بترك الفريضة كنا رفعنا خبر الواحد عما هو درجته في الحجة ولو لم ندخل نقصانا في الصلاة بترك التعديل كنا حططناه عن درجته من حيث إنه موجب للعمل وكذلك الوتر فإنه ثابت بخبر الواحد فلو لم نثبت صفة الوجوب فيه عملا كان فيه إخراج خبر الواحد من أن يكون موجبا للعمل ولو جعلناه فرضا كنا قد ألحقنا خبر الواحد بالنص الذي هو مقطوع به