Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
وأما وجه القول الرابع وهو الصحيح أن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء في حق الحكم وبمنزلة الناسخ باعتبار الصيغة لأن بدليل الخصوص يتبين بأن المراد إثبات الحكم فيما وراء المخصوص لا أن يكون المراد رفع الحكم عن الموضع المخصوص بعد أن كان ثابتا ولهذا لا يكون إلا مقارنا حتى لو كان طارئا يجعل نسخا لا خصوصا لأنه لا يمكن أن يجعل مبينا أن المراد ما وراءه ومن حيث الصيغة هو كلام مبتدأ مفهوم بنفسه مفيد للحكم وإن لم تتقدمه صيغة العام فعرفنا أنه من حيث الصيغة معتبر بدليل النسخ لأنه منفصل عن العام ومن حيث الحكم هو بمنزلة الاستثناء لأنه متصل به حكما حتى لا يجوز إلا مقارنا له فلم يجز إلحاقه بأحدهما خاصة بل يعتبر في كل حكم بنظيره كما هو الأصل فيما تردد بين شيئين وأخذ حظا معتبرا من كل واحد منهما فإنه يعتبر بهما فنقول إذا كان المستثنى مجهولا فاعتبار جانب الصيغة فيه يسقط دليل الخصوص ويبقى حكم العام في جميع ما تناوله واعتبار جانب الحكم فيه وهو أنه بمنزلة الاستثناء يمنع ثبوت الحكم فيما وراء المخصوص لكونه مجهولا فلا نبطل واحدا منهما بالشك ومعنى هذا أنا لا نسقط دليل الخصوص لكونه مجهولا بالشك ولا نخرج ما وراءه من أن يكون صيغة العام حجة فيه بالشك وكذلك إذا كان المخصوص معلوما فإنه من حيث الصيغة هو نص على حدة قابل للتعليل وبالتعليل ما ندري ما يتعدى إليه حكم الخصوص مما تناوله صيغة العام وباعتبار الحكم لا يقبل التعليل لأنه موجب للحكم على أنه تبين به أن المراد ما وراءه كالاستثناء وهذا لا يقبل التعليل فاعتبار الصيغة يخرج العام من أن يكون حجة فيما وراء المخصوص وباعتبار الحكم يوجب أن يكون العام موجبا للحكم قطعا فيما وراء المخصوص فلا يبطل معنى الحجة بالشك ولكن يتمكن فيه ضرب شبهة فإن ما يكون ثابتا من وجه دون وجه لا يكون مقطوعا به والحكم إنما نثبت بحسب الدليل ولهذا كان حجة موجبة العمل بها ولا يكون موجبه العلم قطعا وهذا بخلاف دليل النسخ فإن عمله في رفع الحكم باعتبار المعارضة وذلك لا يكون إلا فيما تناوله النص بعينه فإن التعليل فيه يؤدي إلى إثبات المعارضة بين النص والعلة المستنبطة بالرأي والرأي لا يكون معارضا للنص ولهذا لا نشتغل بالتعليل في إثبات النسخ فأما دليل الخصوص وإن كان نصا على حدة فإنما يوجب الحكم على الوجه الذي يوجبه الاستثناء لأنه في معنى الحكم بمنزلة الاستثناء كما قررنا فلا يخرج من أن يكون محتملا للتعليل وبطريق التعليل تتمكن الشبهة فيما يبقى وراء المخصوص مما يكون العام موجبا للحكم فيه ولهذا جوزنا تخصيص هذا العام بالقياس لأن ثبوت الحكم به فيما وراء المخصوص مع شك في أصله واحتمال فيجوز أن يكون القياس معارضا له بخلاف خبر الواحد فإنه لا شك في أصله وإنما الاحتمال في طريقه باعتبار توهم غلط الراوي أو ميله عن الصدق إلى الكذب فمن حيث إنه لا شك فيه متى ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقوى من القياس فلا يصلح أن يكون القياس معارضا له
وبيان هذه الأصول من الفروع أن من جمع بين حر وعبد فباعهما بثمن واحد أو بين ميتة وذكية أو بين خل وخمر لم يجز البيع أصلا لأن الحر والميتة والخمر لا يتناولها العقد أصلا فيكون بائعا لما هو مال متقوم منهما بحصته من الألف إذا قسم عليهما والبيع بالحصة لا ينعقد صحيحا ابتداء كما لو قال بعت منك هذا العبد بما يخصه من الألف إذا قسم على قيمته وعلى قيمة هذا العبد الآخر فبهذا الفصل يتبين ما يكون بمنزلة الاستثناء أنه يجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى حكما ولو باع منه عبدين فهلك أحدهما قبل القبض أو استحق أحدهما أو كان أحدهما مدبرا أو مكاتبا يبقى العقد صحيحا في الآخر لأن العقد يتناولهما باعتبار صفة المالية والتقوم فيهما وهو المعتبر في المحل لتناول العقد إياه ثم خرج أحدهما لصيانة حق مستحق إما للعبد في نفسه أو للغير أو لتعذر التسليم بهلاكه فيبقى العقد في الآخر صحيحا بحصته وهذا نظير دليل النسخ فإنه يرفع الحكم الثابت في مقدار ما تناوله النص الذي هو ناسخ ويبقى ما وراء ذلك من حكم العام على ما كان قبل ورود الناسخ ونظير دليل الخصوص البيع بشرط الخيار فإنه ينعقد صحيحا بمنزلة ما لو لم يكن فيه خيار وفي حق الحكم كان غير منعقد على معنى أن الحكم متعلق بسقوط الخيار على ما يأتيك بيانه في موضعه أن شرط الخيار لا يدخل في أصل السبب وإنما يدخل على الحكم فيجب اعتباره في كل جانب بنظيره حتى إن باعتبار السبب إذا سقط الخيار استحق المشتري بزوائده المتصلة أو المنفصلة وباعتبار الحكم إذا أعتق المشتري والخيار مشروط البائع ثم سقط الخيار لم ينفذ العتق وعلى هذا قال في الزيادات لو باع من رجل عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر للبائع أو المشتري فإن لم يكن ثمن كل واحد منهما مسمى لم يجز العقد في واحد منهما وإن كان ثمن كل واحد منهما مسمى جاز في واحد منهما فإن لم يعين المشروط فيه الخيار منهما لم يجز العقد أيضا وإن عينا ذلك جاز العقد في الآخر ولزم بالثمن المسمى له لأن اشتراط الخيار باعتبار الحكم يعدم العقد في المشروط فيه الخيار فإذا كان مجهولا كان العقد في الآخر ابتداء في المجهول وإن كان معلوما ولم يكن ثمن كل واحد منهما مسمى كان العقد في الآخر ابتداء بالحصة فلا ينعقد صحيحا وباعتبار السبب كان متناولا لهما بصفة الصحة فإذا كان الذي لا خيار فيه منهما معلوما وكان ثمنه مسمى لزم العقد فيه ولم يجعل العقد في الآخر بمنزلة شرط فاسد في الذي لا خيار فيه بخلاف ما قاله أبو حنيفة رحمه الله فيما إذا باع حرا وعبدا وسمى ثمن كل واحد منهما لم ينعقد البيع في العبد صحيحا لأن اشتراط قبول العقد في الحر شرط فاسد فقد جعله مشروطا في قبوله العقد في القن حين جمع بينهما في الإيجاب والبيع يبطل بالشروط الفاسدة وأما اشتراط قبول العقد في الذي فيه الخيار لا يكون شرطا فاسدا لأن البيع بشرط الخيار منعقد شرطا صحيحا من حيث السبب فكان العقد في الآخر لازما والله أعلم فصل في بيان ألفاظ العموم ألفاظ العموم قسمان عام بصيغته ومعناه وقسم فرد بصيغته عام بمعناه
فأما ما هو عام بصيغته ومعناه فكل لفظ هو للجمع نحو الرجال والنساء والمسلمين والمشركين والمنافقين فإنها عام صيغة لأن واضع اللغة وضع هذه الصيغة للجماعة قال رجل ورجلان ورجال وامرأة وامرأتان ونساء وهو عام بمعناه لأنه شامل لكل ما تناوله عند الإطلاق فأدنى ما يطلق عليه هذا اللفظ الثلاثة لأن أدنى الجمع الصحيح ثلاثة نص عليه محمد رحمه الله في السير الكبير في الأنفال وغيرها ومن قال لفلان على دراهم يلزمه الثلاثة والمرأة إذا اختلعت من زوجها بما في يدها من دراهم فإذا ليس في يدها شيء يلزمها ثلاثة دراهم لأن أدنى الجمع متيقن به عند ذكر الصيغة وفيما زاد عليه شك واحتمال فلا يجب إلا المتيقن فظن بعض أصحابنا رحمهم الله أن على قول أبي يوسف أدنى الجمع اثنان على قياس مسألة الجمعة وليس كذلك فإن عنده الجمع الصحيح ثلاثة إلا أنه يجعل الإمام من جملة الجمع الذي تتأدى بهم الجمعة على قياس سائر الصلوات فإن الإمام من جملة الجماعة ولهذا يقدم الإمام إذا كان خلفه رجلان فصاعدا وقال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله الشرط في الجمعة الجماعة والإمام جميعا فلا يكون الإمام محسوبا من عدد الجماعة فيشترط ثلاثة سواه وفي سائر الصلوات الإمام ليس بشرط لأدائها فيمكن أن يجعل الإمام من جملة الجماعة فإذا كان مع الإمام رجلان اصطفا خلفه وبعض أصحاب الشافعي رحمهم الله يقولون الجماعة هي المثنى فصاعدا واستدلوا بقوله عليه السلام الاثنان فما فوقهما جماعة ولأن اسم الجماعة حقيقة فيما فيه معنى الاجتماع وذلك موجود في الاثنين ألا ترى أن في الوصايا والمواريث جعل للمثنى حكم الجماعة حتى لو أوصى لأقرباء فلان يتناول المثنى فصاعدا وللاثنين من الميراث ما للثلاث فصاعدا والأخوان يحجبان الأم من الثلث إلى السدس بقوله تعالى فإن كان له إخوة وفي كتاب الله تعالى إطلاق عبارة الجمع على المثنى لقوله تعالى هذان خصمان اختصموا وقال تعالى وداود وسليمان إلى قوله وكنا لحكمهم شاهدين وقال تعالى إذ تسوروا المحراب إلى قوله تعالى خصمان بغى بعضنا على بعض وكذلك في استعمال الناس فإن الاثنين يقولان نحن فعلنا كذا بمنزلة الثلاثة وحجتنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ثم يستقيم نفي صيغة الجماعة عن المثنى بأن يقول ما في الدار رجال إنما فيها رجلان وقد بينا أن اللفظ إذا كان حقيقة في الشيء لا يستقيم نفيه عنه وإجماع أهل اللغة يشهد بذلك فإنهم يقولون الكلام ثلاثة أقسام وحدان وتثنية وجمع ثم للوحدان أبنية مختلفة وكذلك للجمع وليس ذلك للتثنية إنما لها علامة مخصوصة فعرفنا أن المثنى غير الجماعة ولما وضعوا للمثنى لفظا على حدة فلو قلنا بأن للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع للثلاثة على خلاف الموضوع للمثنى تكرارا محضا وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة ألا ترى أن بعد الثلاث لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حدة لما كانت صيغة الجماعة تجمعها وكذلك اللفظ المفرد والتثنية يذكر من غير عدد يقال رجل ورجلان ( ثم يذكر مقرونا بالعدد بعد ذلك فيقال ثلاثة رجال وأربعة رجال ) ولا يقال واحد رجل ولا اثنان رجلان وتسمية الثلاثة جماعة بمعنى الاجتماع كما قالوا ولكن اجتماع بصفة وهو اجتماع لا يتحقق أحد الجانبين يقابله المثنى من جانب آخر فأما في الاثنين يتعارض الإفراد على التساوي من حيث إن كل واحد من الجانبين فرد فعند الانضمام يكون اسم المثنى حقيقة فيهما لا اسم الجماعة وتأويل الحديث أن في حكم الاصطفاف خلف الإمام الاثنان فما فوقهما جماعة فقد بينا المعنى فيه فأما في المواريث فاستحقاق الاثنين الثلثين ليس بالنص الوارد بعبارة الجماعة وهو قوله تعالى فلهن ثلثا ما ترك إنما ذلك للثلاث فيه معنى يعارض الإفراد على التساوي كما في الثلاثة فإن الفرد من فصاعدا وإنما استحقاق الاثنين الثلثين بإشارة النص في قوله للذكر مثل حظ الأنثيين فإن نصيب الابن مع الابنة الثلثان فيثبت به أن ذلك حظ الأنثيين وما بعده لبيان أنهن وإن كن أكثر من اثنتين لا يكون لهن إلا الثلثان عند الانفراد والحجب بالأخوين عرفناه باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على ما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعثمان رضي الله عنه الإخوة في لسان قومك لا يتناول الاثنين فقال نعم ولكن لاستحي أن أخالفهم فيما رأوا
ألا ترى أن الحجب ثبت بالأخوات المفردات بهذا الطريق فإن اسم الإخوة لا يتناول الأخوات المفردات على أن الاسم قد يتناول المثنى مجازا لاعتبار معنى الاجتماع مطلقا فبهذا الطريق أثبتنا حكم الحجب والتوريث للمثنى والوصية أخت الميراث فيكون ملحقا به وقول المثنى نحن فعلنا كذا إخبار عن كل واحد منهما عن نفسه وعن غيره على أن جعله تبعا لنفسه مجازا ومثل هذا قد يكون من الواحد أيضا يقول قد فعلنا كذا وأمرنا بكذا وهذا لا يدل على أن اسم الجماعة يتناول الفرد حقيقة وفيما تلونا من الآيات بيان أن المتخاصمين كانا اثنين ويحتمل أن يكون الحضور معهما جماعة وصيغة الجماعة تنصرف إليهم جميعا وعلى هذا قوله تعالى فقد صغت قلوبكما فإن أكثر الأعضاء المنتفع بها في البدن زوج فما يكون فردا لعظم المنفعة فيه يجعل بمنزلة ما هو زوج فتستقيم العبارة عن تثنيته بالجمع ويبين أن أدنى الجمع الصحيح ثلاثة صورة أو معنى وعلى هذا لو قال إن اشتريت عبيدا فعلي كذا أو إن تزوجت نساء فإنه لا يحنث إلا بالثلاثة فصاعدا إلا أنه إذا دخل الألف واللام في هذه الصيغة نجعلها للجنس مجازا لأن اللام لتعريف الرجل بعينه وقال تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون المعهود في الأصل فإن الرجل يقول رأيت رجلا ثم كلمت الرجل أي ذلك الرسول فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة إنه الواحد فصاعدا وقال قتادة في قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين إنه الواحد فصاعدا وهذا لاعتبار صيغة الفرد وجعلوه بمنزلة الجنس بغير حرف اللام كما يكون مع حرف اللام الذي هو للعهد وعلى هذا قلنا لو حلف لا يشرب ماء يحنث بشرب القليل كما لو قال الماء لأن صيغته صيغة الفرد والمراد به الجنس فيتناول القليل والكثير سواء قرن به اللام أو لم يقرن لأنه لما خلا عن معنى الجماعة صيغة إذ ليس له وحدان كان جنسا فإدخال الألف واللام فيه يكون للتأكيد كالرجل يقول رأيت قوما وافدين ورأيت القوم الوافدين على فلان كان ذلك كتأكيد معنى الجنس ثم اسم الجنس يتناول الأدنى حقيقة من الوجه الذي قررنا أنه لو تصور أن لا يبقى من الماء إلا ذلك القليل كان اسم الماء له حقيقة ولا يتغير ذلك بكثرة الجنس وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله إن الحالف إنما يمنع نفسه بيمينه عما في وسعه وفي وسعه شرب القليل من الجنس وليس في وسعه شرب الجميع فلعلمنا بأنه لم يرد جميع الجنس صرفناه إلى أقل ما يتناوله اسم الجنس على احتمال أن يكون مراده الكل حتى إذا نواه لم يحنث قط ومن هذا القسم كلمة من فإنها كلمة مبهمة وهي عبارة عن ذات من يعقل وهي تحتمل الخصوص والعموم ألا ترى أنه إذا قيل من في الدار يستقيم في جوابه فيها فلان وفلان وفلان وإذا قال من أنت يستقيم في جوابه أنا فلان فمتى وصلت هذه الكلمة بمعهود كانت للخصوص وإذا وصلت بغير المعهود تحتمل العموم والخصوص والأصل فيها العموم قال الله تعالى ومنهم من يستمع إليك وقال ومنهم من ينظر إليك إلى قوله تعالى ولو كانوا لا يبصرون وقال تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه والمراد العموم وقال صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن وعلى هذا الأصل قلنا إذا قال من شاء من عبيدي العتق فهو حر فشاؤوا جميعا عتقوا لأن كلمة من تقتضي العموم وإنما أضاف المشيئة إلى من دخل تحت كلمة من فيتعمم بعمومه
وقال أبو يوسف ومحمد إذا قال من شئت من عبيدي عتقه فهو حر فشاء عتقهم جميعا عتقوا أيضا لأن كلمة من تعم العبيد ومن لتمييز هذا الجنس من سائر الأجناس بمنزلة قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وإضافة المشيئة إلى خاص لا يغير العموم الثابت بكلمة من كما في قوله تعالى فأذن لمن شئت منهم وقال تعالى ترجي من تشاء منهن ولكن أبو حنيفة رحمه الله قال له أن يعتقهم جميعا إلا واحدا منهم لأن كلمة من للتعميم ومن للتبعيض وهو الحقيقة فإذا أضاف المشيئة إلى خاص يبقى معنى الخصوص معتبرا فيه مع العموم فيتناول بعضا عاما وذلك في أن يتناولهم إلا واحدا منهم وإنما رجحنا معنى العموم فيما تلونا من الآيتين بالقرينة المذكورة فيها وهو قوله تعالى واستغفر لهم الله وقال تعالى ذلك أدنى أن إلى العام الداخل تحت كلمة من يرجح جانب العموم فيه فإذا أضافها تقر أعينهن وعلى احتمال الخصوص في هذه الكلمة قال في السير الكبير إذا قال من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا فدخل رجلان معا لم يستحق واحد منهما شيئا لأن الأول اسم لفرد سابق فإذا وصله بكلمة من وهو تصريح بالخصوص يرجح معنى الخصوص فيه فلا يستحق النفل إلا واحد دخل سابقا على الجماعة ونظيرها كلمة ما فإنها تستعمل في ذات ما لا يعقل وفي صفات ما يعقل حتى إذا قيل ما زيد يستقيم في جوابه عالم أو عاقل وإذا قيل ما في الدار يستقيم في جوابه فرس وكلب وحمار ولا يستقيم في الجواب رجل وامرأة فعرفنا أنه يستعمل في ذات ما لا يعقل بمنزلة كلمة من في ذات من يعقل ألا ترى أن فرعون عليه اللعنة حين قال لموسى عليه السلام وما رب العالمين وقال موسى رب السموات والأرض أظهر التعجب من جوابه حتى نسبه إلى الجنون يعني أنا أسأله عن الماهية وهو السؤال عن ذات الشيء أجوهر هو أم عرض وهو يجيبني عن المنية ألا إن الله تعالى يتعالى عما سأل اللعين ومن شأن الحكيم إذا سمع لغوا أن يعرض عنه ويشتغل بما هو مفيد قال تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وهذا ليس جوابا عن اللغو ولكن إعراض عنه وإتمام لذلك الإعراض بالاشتغال بما هو مفيد وكذلك فعل موسى عليه السلام فإنه أظهر الإعراض عن اللغو بالاشتغال بما هو مفيد وهو أن الصانع جل وعلا إنما يعرف بالتأمل في مصنوعاته وبمعرفة أسمائه وصفاته وفي هذا بيان أن اللعين أخطأ في طلب طريق المعرفة بالسؤال عن الماهية وقد تأتي كلمة ما بمعنى من قال تعالى وما بناها معناه ومن بناها إلا أن الحقيقة في كل كلمة ما بينا وعلى هذا الأصل كان الاختلاف في قوله لامرأته اختاري من الثلاث ما شئت فاختارت الثلاث فإن عندهما تطلق ثلاثا وعند أبي حنيفة رحمه الله ثنتين بمنزلة قوله أعتق من عبيدي من شئت ولاحتمال معنى العموم في كلمة ما قلنا إذا قال لأمته إن كان ما في بطنك غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية إنها لا تعتق لأن الشرط أن يكون جميع ما في بطنها غلاما ونظير هاتين الكلمتين كلمة الذي فإنها مبهمة مستعملة فيما يعقل وفيما لا يعقل وفيها معنى العموم على نحو ما في الكلمتين حتى إذا قال إن كان الذي في بطنك غلاما كان بمنزلة قوله إن كان في بطنك غلاما وكلمة أين وحيث للتعميم في الأمكنة قال الله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وقال تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت ولهذا لو قال لامرأته أنت طالق أين شئت وحيث شئت يقتصر على المجلس لأنه ليس في لفظه ما يوجب تعميم الأوقات وأما متى كلمة مبهمة لتعميم الأوقات ولهذا لو قال أنت طالق متى شئت لم يتوقف ذلك على المجلس
وأما كلمة كل فإنها توجب الإحاطة على وجه الإفراد قال الله تعالى إنا كل شيء خلقناه بقدر ومعنى الإفراد أن كل واحد من المسميات التي توصل بها كلمة كل يصير مذكورا على سبيل الانفراد كأنه ليس معه غيره لأن هذه الكلمة صلة في الاستعمال حتى لا تستعمل وحدها لخلوها عن الفائدة وهي تحتمل الخصوص نحو كلمة من إلا أن معنى العموم فيها يخالف معنى العموم في كلمة من ولهذا استقام وصلها بكلمة من قال الله تعالى كل من عليها فان حتى لو وصلت باسم نكرة تقتضي العموم في ذلك الاسم فأما إذا قال لعبده أعط كل رجل من هؤلاء درهما كانت موجبة للعموم فيهم ولهذا لو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق في المرة الثانية لأنها توجب العموم فيما وصلت به من الاسم دون الفعل إلا أن توصل بما فحينئذ ما يتعقبها الفعل دون الاسم لأنه يقال كلما ضرب ولا يقال كلما رجل فيقتضي التعميم فيما يوصل به قال الله تعالى كلما نضجت جلودهم فإذا قال كلما تزوجت امرأة فتزوج تطلق كل امرأة يتزوجها على العموم ولو تزوج امرأة مرتين لم تطلق امرأة مرارا تطلق في كل مرة وبيان الفرق بين كلمة من وبين كلمة كل فيما يرجع إلى الخصوص بما ذكره محمد في السير الكبير إذا قال من دخل هذا الحصن أولا فله كذا فدخل رجلان معا لم يكن لواحد منهما شيء ولو قال كل من دخل هذا الحصن أولا فله كذا فدخل عشرة معا استحق كل واحد منهم النفل تاما لأجل الإحاطة في كلمة كل على وجه الإفراد وكل واحد من الداخلين كأنه فرد ليس معه غيره وهو أول من الناس من الذين لم يدخلوا فاستحق النفل كاملا ولو دخل العشرة على التعاقب كان النفل للأول خاصة في الفصلين لاحتمال الخصوص في كلمة كل فإن الأول اسم لفرد سابق وهذا الوصف تحقق فيه دون من دخل بعده وكلمة الجميع بمنزلة كلمة كل في أنها توجب الإحاطة ولكن على وجه الاجتماع لا على وجه الإفراد حتى لو قال جميع من دخل منكم الحصن أولا فله كذا فدخل عشرة معا استحقوا نفلا واحدا بخلاف قوله كل من دخل لأن لفظ الجميع للإحاطة على وجه الاجتماع وهم سابقون بالدخول على سائر الناس وكلمة كل للإحاطة على وجه الإفراد فكل واحد منهم كالمنفرد بالدخول سابقا على سائر الناس ممن لم يدخل ولو قال جماعة من أهل الحرب آمنونا على بنينا ولأحدهم ابن وبنات وللباقين بنات فقط ثبت الأمان لهم جميعا ولو قال آمنوا كل واحد منا على بنيه فإنما الأمان لأولاد الرجل الذي له ابن خاصة دون الآخرين لأن الإحاطة في الأول على وجه الاجتماع وباختلاط الذكر الواحد بجماعتهم بتناولهم اسم البنين وفي الثاني الإحاطة على سبيل الإفراد فإنما يتناول لفظ البنين أولاد الرجل الذي له ابن دون أولاد الذين لهم بنات فقط وهذه الكلمات موضوعة لمعنى العموم لغة غير معلولة ونوع آخر منها النكرة فإن النكرة من الاسم للخصوص في أصل الوضع قال الله تعالى إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا لأن المقصود به تسمية فرد من الأفراد إلى فرعون رسولا والمراد رسول واحد قال صلى الله عليه وسلم في خمس من الإبل شاة وفي العادة يقال عبد من العبيد ورجل من الرجال ولا يقال رجال من الرجال ثم هذه النكرة عند الإطلاق لا تعم عندنا وعند الشافعي رحمه الله تكون عامة وبيانه في قوله تعالى فتحرير رقبة فهو يقول هذه رقبة عامة يدخل فيها الصغيرة والكبيرة والذكر والأنثى والكافرة والمؤمنة والصحيحة والزمنة وقد خص منها الزمنة والمدبرة بالإجماع فيجوز تخصيص الكافرة منها بالقياس على كفارة القتل ونحن نقول هذه رقبة مطلقة غير مقيدة بوصف فالتقييد بالوصف يكون زيادة ولا يكون تخصيصا فيكون نسخا ورفعا لحكم الإطلاق إذ المقيد غير المطلق وبهذا النص وجب عتق رقبة لا عتق رقاب
ثم جواز العتق في جميع ما ذكره باعتبار صلاحية المحل لما وجب بالأمر وهذه الصلاحية ما ثبتت بهذا النص فقد كانت صالحة للتحرير قبل وجوب العتق بهذا النص وإنما الثابت بهذا النص الوجوب فقط وليس فيه معنى العموم كمن نذر أن يتصدق بدرهم فأي درهم تصدق به خرج عن نذره لأن صلاحية المحل للتصدق لم تكن بنذره إنما الوجوب بالنذر وليس في الوجوب معنى العموم واشتراط الملك في الرقبة لضرورة التحرير المنصوص عليه فإن التحرير لا يصح من المرء إلا في ملكه واشتراط صفة السلامة لإطلاق الرقبة لأن الإطلاق يقتضي الكمال والزمنة قائمة من وجه مستهلكة من وجه فلا تكون قائمة مطلقا حتى تتناولها اسم الرقبة مطلقا ولهذا شرط كمال الرق أيضا لأن التحرير منصوص عليه مطلقا وذلك إعتاق كامل ابتداء وفي المدبر وأم الولد هذا من وجه تعجيل لما صار مستحقا لهما مؤجلا فلا يكون إعتاقا مبتدأ مطلقا وعلى هذا قلنا المنكر إذا أعيد منكرا فالثاني غير الأول لأن اسم النكرة يتناول فردا غير معين وفي صرف الثاني إلى ما يتناوله الأول نوع تعيين فلا يكون نكرة مطلقا وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين فإن الله تعالى ذكر اليسر منكرا وأعاده منكرا وذكر العسر معرفا بالألف واللام ولو كان إطلاق اسم النكرة يوجب العموم لم يكن الثاني غير الأول بمنزلة اسم الجنس وعلى هذا قال أبو حنيفة إذا أقر بمائة درهم في موطن وأشهد شاهدين ثم أقر بمائة في موطن آخر وأشهد شاهدين كان الثاني غير الأول ولو كتب صكا فيه إقرار بمائة وأشهد شاهدين في مجلس ثم شاهدين في مجلس آخر كان المال واحدا لأنه حين أضاف الإقرار إلى ما في الصك صار الثاني معرفا فيتناول ما يتناوله الأول فقط كما في قوله تعالى فعصى فرعون الرسول ولو كان في مجلس واحد أقر مرتين فإن العام إذا أعيد بصيغته فالثاني لا يتناول إلا ما يتناوله الأول فالمال واحد استحسانا لأن للمجلس تأثيرا في جمع الكلمات المتفرقة وجعلها ككلمة واحدة فباعتباره يكون الثاني معرفا من وجه وقال أبو يوسف ومحمد في المجلسين كذلك باعتبار العادة لأن الإنسان يكرر الإقرار الواحد بين يدي كل فريق من الشهود لمعنى الاستيثاق والمال مع الشك لا يجب فلاحتمال الإعادة بطريق العادة لم يلزمه إلا مال واحد ثم هذه النكرة تحتمل معنى العموم إذا اتصل بها دليل العموم وذلك أنواع منها النكرة في موضع النفي فإنها تعم قال تعالى فلا تدعوا مع الله أحدا والرجل يقول ما رأيت رجلا اليوم فإنما يفهم منه نفي هذا الجنس على العموم وهذا التعميم ليس بصيغة النكرة بل لمقتضاها وبه تبين معنى الفرق بين النكرة في الإثبات والنكرة في النفي لأن في موضع الإثبات المقصود إثبات المنكر وفي موضع النفي المقصود نفي المنكر فالصيغة في الموضعين تعمل فيما هو المقصود إلا أن من ضرورة نفي رؤية رجل منكر نفي رؤية جنس الرجال فإنه بعد رؤية رجل واحد لو قال ما رأيت اليوم رجلا كان كاذبا ألا ترى أنه لو أخبر بضده فقال رأيت اليوم رجلا كان صادقا وليس من ضرورة إثبات رؤية رجل واحد إثبات رؤية غيره فهذا معنى قولنا النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص
ومما يدل على العموم في النكرة الألف واللام إذا اتصلا بنكرة ليس في جنسها معهود قال تعالى إن الإنسان لفي خسر وقال تعالى والسارق والسارقة وقال تعالى الزانية والزاني لما اتصل الألف واللام بنكرة ليس في جنسها معهود أوجب العموم ولهذا قلنا لو قال المرأة التي أتزوجها طالق تطلق كل امرأة يتزوجها ولو قال العبد الذي يدخل الدار من عبيدي حر يعتق كل عبد يدخل الدار وهذا لأن الألف واللام للمعهود وليس هنا معهود فيكون بمعنى الجنس مجازا كالرجل يقول فلان يحب الدينار ومراده الجنس وفي الجنس معنى العموم كما بينا وعلى هذا لو قال لامرأته أنت الطلاق أو أنت طالق الطلاق يحتمل معنى العموم فيه حتى إذا نوى الثلاث تقع الثلاث ولكن بدون النية يتناول الواحدة لأنها أدنى الجنس وهي المتيقن بها وعلى هذا قال في الزيادات لو وكل وكيلا بشراء الثياب يصح التوكيل بدون بيان الجنس لأن عند ذكر الألف واللام يصير هذا بمعنى الجنس فيتناول الأدنى بخلاف ما لو قال ثيابا أو أثوابا فإن التوكيل لا يكون صحيحا لجهالة الجنس فيما يتناوله التوكيل ومن الدليل على التعميم في النكرة إلحاق وصف عام بها حتى إذا قال والله لا أكلم إلا رجلا عالما كان له أن يكلم كل عالم لأن المستثنى نكرة في الإثبات ولكنها موصوفة بصفة عامة بخلاف ما لو قال إلا رجلا فكلم رجلين فإنه يحنث ولو قال لامرأتين له والله لا أقربكما إلا يوما فالمستثنى يوم واحد ولو قال إلا يوم أقربكما فيه فكل يوم يقربهما فيه يكون مستثنى لا يحنث به لأنه وصف النكرة بصفة عامة ومن جنس النكرة كلمة أي فإنها للخصوص باعتبار أصل الوضع يقول أي رجل أتاك وأي دار تريدها والمراد الفرد فقط وقال تعالى أيكم يأتيني بعرشها والمراد الفرد من المخاطبين بدليل قوله تعالى يأتيني فإنه لم يقل يأتوني وعلى هذا لو قال لرجل أي عبيدي ضربته فهو حر فضربهم لم يعتق إلا واحد منهم لأن كلمة أي يتناول الفرد منهم فإن قيل أليس أنه لو قال أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه عتقوا جميعا قلنا نعم ولكن كلمة أي تتناول الفرد مما يقرن به من النكرة فإذا قال ضربك فإنما يتناول نكرة موصوفة بفعل الضرب وهذه الصفة عامة إلى المخاطب لا إلى النكرة التي تتناولها كلمة أي فبقيت نكرة غير موصوفة فلهذا لا تتناول إلا الواحد منهم ونظيره قوله تعالى أي فيتعمم بتعميم الصفة فيعتقون جميعا وإذا قال ضربته فإنما أضاف الضرب الفريقين أحق بالأمن والمراد أحدهما بدليل قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقال تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا والمراد به العموم لأنه وصف النكرة بحسن العمل وهي صفة عامة فإن قيل أليس أنه لو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر فحملوها جميعا معا والخشبة يطيق حملها واحد لم يعتق واحد منهم وقد وصف النكرة هنا بصفة عامة وهو الحمل قلنا ما وصف النكرة بصفة الحمل مطلقا بل بحمل الخشبة وإذا حملوها معا فكل واحد منهم إنما حمل بعضها وبوجود بعض الشرط لا ينزل شيء من الجزاء حتى لو حملوها على التعاقب عتقوا جميعا لأن كل واحد منهم حمل الخشبة والنكرة الموصوفة تكون عامة فإن قيل إذا كانت الخشبة بحيث لا يطيق حملها واحد منهم عتقوا جميعا إذا حملوها وإنما حمل كل واحد منهم بعضها قلنا إذا كانت لا يطيق حملها واحد فقط علمنا أنه وصف النكرة بأصل الحمل لا بحمل الخشبة وإنما علمنا هذا من وجهين أحدهما أنه إنما يحث العبيد على ما يتحقق منهم دون ما لا يتحقق والثاني أن مقصوده إذا كانت بحيث يحملها واحد معرفة جلادتهم وإنما يحصل ذلك بحمل الواحد الخشبة لا بمطلق الحمل وإذا كانت بحيث لا يحملها واحد فمقصوده أن تصير الخشبة محمولة إلى موضع حاجته وإنما يحصل هذا بمطلق فعل الحمل من كل واحد منهم فهذا وجه الفرق بين هذه الفصول فصل
وأما حكم المشترك فالتوقف فيه إلى أن يظهر المراد بالبيان على اعتقاد أن ما هو المراد حق ويشترط أن لا يترك طلب المراد به إما بالتأمل في الصيغة أو الوقوف على دليل آخر به يتبين المراد لأن كلام الحكيم لا يخلو عن فائدة وإذا كان المشترك ما يحتمل معاني على وجه التساوي في الاحتمال مع علمنا أن المراد واحد منها لا جميعها فإن الاشتراك عبارة عن التساوي وذلك إما في الاجتماع في التناول أو في احتمال التناول وقد انتفى معنى التساوي في التناول فتعين معنى التساوي في الاحتمال ووجب اعتقاد الحقية فيما هو المراد لأن ذلك فائدة كلام الحكيم ثم يجب الاشتغال بطلبه ولطلبه طريقان إما التأمل بالصيغة ليتبين به المراد أو طلب دليل آخر يعرف به المراد وبالوقوف على المراد يزول معنى الاحتمال على التساوي فلهذا يجب ذلك بحكم الصيغة المشتركة وبيان هذا في قوله غصبت من فلان شيئا فإن أصل الإقرار يصح ويجب به حق للمقر له على المقر إلا أن في اسم الشيء احتمالا في كل موجود على التساوي ولكن بالتأمل في صيغة الكلام يعلم أن مراده المال لأنه قال غصبت وحكم الغصب لا يثبت شرعا إلا فيما هو مال ولكن لا يعرف جنس ذلك المال ولا مقداره بالتأمل في صيغة الكلام فيرجع فيه إلى بيان المقر حتى يجبر على البيان ويقبل قوله إذا بين ما هو محتمل وأما حكم المؤول فوجوب العمل به على حسب وجوب العمل بالظاهر إلا أن وجوب العمل بالظاهر ثابت قطعا ووجوب العمل بالمؤول ثابت مع احتمال السهو والغلط فيه فلا يكون قطعا بمنزلة العمل بخبر الواحد لأن طريقه غالب الرأي وذلك لا ينفك عن احتمال السهو والغلط وبيان هذا فيمن أخذ ماء المطر في إناء فإنه يلزمه التوضؤ به ويحكم بزوال الحدث به قطعا ولو وجد ماء في موضع فغلب على ظنه أنه طاهر يلزمه التوضؤ به على احتمال السهو والغلط حتى إذا تبين أن الماء نجس يلزمه إعادة الوضوء والصلاة وأكثر مسائل التحري على هذا & باب أسماء صيغة الخطاب في استعمال الفقهاء وأحكامها & هذه الأسماء أربعة الظاهر والنص والمفسر والمحكم ولها أضداد أربعة الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه أما الظاهر فهو ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل وهو الذي يسبق إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعا فيما هو المراد مثاله قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم وقال تعالى وأحل الله البيع وقال تعالى فاقطعوا أيديهما فهذا ونحوه ظاهر يوقف على المراد منه بسماع الصيغة وحكمه لزوم موجبه قطعا عاما كان أو خاصا وأما النص فما يزداد وضوحا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرا بدون تلك القرينة وزعم بعض الفقهاء أن اسم النص لا يتناول إلا الخاص وليس كذلك فإن اشتقاق هذه الكلمة من قولك نصصت الدابة إذا حملتها على سير فوق السير المعتاد منها بسبب باشرته ومنه المنصة فإنه اسم للعرش الذي يحمل عليه العروس فيزداد ظهورا بنوع تكلف فعرفنا أن النص ما يزداد وضوحا لمعنى من المتكلم يظهر ذلك عند المقابلة بالظاهر عاما كان أو خاصا إلا أن تلك القرينة لما اختصت بالنص دون الظاهر جعل بعضهم الاسم للخاص فقط
وقال بعضهم النص يكون مختصا بالسبب الذي كان السياق له فلا يثبت به ما هو موجب الظاهر وليس كذلك عندنا فإن العبرة لعموم الخطاب لا لخصوص السبب عندنا على ما نبينه فيكون النص ظاهرا لصيغة الخطاب نصا باعتبار القرينة التي كان السياق لأجلها وبيان هذا في قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا فإنه ظاهر في إطلاق البيع نص في الفرق بين البيع والربا بمعنى الحل والحرمة لأن السياق كان لأجله لأنها نزلت ردا على الكفرة في دعواهم المساواة بين البيع والربا كما قال تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ظاهر في تجويز نكاح ما يستطيبه المرء من النساء نص في بيان العدد لأن سياق الآية لذلك بدليل قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع وقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن نص في الأمر بمراعاة وقت السنة عند إرادة الإيقاع لأن السياق كان لأجل ذلك ظاهر في الأمر بأن لا يزيد على تطليقة واحدة ( فإن امتثال هذه الصيغة يكون بقوله طلقت وبهذا اللفظ لا يقع الطلاق إلا واحدة والأمر موجب ) الامتثال ظاهرا فتبين بهذا أن موجب النص ما هو موجب الظاهر ولكنه يزداد على الظاهر فيما يرجع إلى الوضوح والبيان بمعنى عرف من مراد المتكلم وإنما يظهر ذلك عند المقابلة ويكون النص أولى من الظاهر وأما المفسر فهو اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفا على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل فيكون فوق الظاهر والنص لأن احتمال التأويل قائم فيهما منقطع في المفسر سواء كان ذلك مما يرجع إلى صيغة الكلام بأن لا يكون محتملا إلا وجها واحدا ولكنه لغة عربية أو استعارة دقيقة فيكون مكشوفا ببيان الصيغة أو يكون بقرينة من غير الصيغة فيتبين به المراد بالصيغة لا لمعنى من المتكلم فينقطع به احتمال التأويل إن كان خاصا واحتمال التخصيص إن كان عاما مثاله قوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون فإن اسم الملائكة عام فيه احتمال الخصوص فبقوله كلهم ينقطع هذا الاحتمال ويبقى احتمال الجمع والافتراق فبقوله أجمعون ينقطع احتمال تأويل الافتراق وتبين أن المفسر حكمه زائد على حكم النص والظاهر فكان ملزما موجبه قطعا على وجه لا يبقى فيه احتمال التأويل ولكن يبقى احتمال النسخ وأما المحكم فهو زائد على ما قلنا باعتبار أنه ليس فيه احتمال النسخ والتبديل وهو مأخوذ من قولك بناء محكم أي مأمون الانتقاض وأحكمت الصيغة أي أمنت نقضها وتبديلها وقيل بل هو مأخوذ من قول القائل أحكمت فلانا عن كذا أي رددته قال القائل أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أي امنعوا ومنه حكمة الفرس لأنها تمنعه من العثار والفساد فالمحكم ممتنع من احتمال التأويل ومن أن يرد عليه النسخ والتبديل ولهذا سمى الله تعالى المحكمات أم الكتاب أي الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الأم للولد فإنه يرجع إليها وسميت مكة أم القرى لأن الناس يرجعون إليها للحج وفي آخر الأمر نحو قوله تعالى أن الله بكل شيء عليم فقد علم أن هذا ( وصف ) دائم والمرجع ما ليس فيه احتمال التأويل ولا احتمال النسخ والتبديل وذلك لا يحتمل السقوط بحال وإنما يظهر التفاوت في موجب هذه الأسامي عند التعارض وفائدته ترك الأدنى بالأعلى وترجيح الأقوى على الأضعف ولهذا أمثلة في الآثار إذا تعارضت نذكرها في بيان أقسام الأخبار إن شاء الله تعالى وأمثاله من مسائل الفقه ما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن تزوج امرأة شهرا فإنه يكون ذلك متعة لا نكاحا لأن قوله تزوجت نص للنكاح ولكن احتمال المتعة قائم فيه وقوله شهرا مفسر في المتعة ليس فيه احتمال النكاح فإن النكاح لا يحتمل التوقيت بحال فإذا اجتمعا في الكلام رجحنا المفسر وحملنا النص على ذلك المفسر فكان متعة لا نكاحا
وقال في الجامع إذا قال الرجل لآخر لي عليك ألف درهم فقال الحق أو الصدق أو اليقين كان إقرارا ولو قال البر أو الصلاح لا يكون إقرارا فإن قال البر الحق أو البر الصدق أو البر اليقين كان إقرارا ولو قال الصلاح الحق أو الصلاح الصدق أو الصلاح اليقين يكون ردا لكلامه ولا يكون إقرارا لأن الحق والصدق واليقين صفة للخبر ظاهرا فإذا ذكره في موضع الجواب كان محمولا على الخبر الذي هو تصديق باعتبار الظاهر مع احتمال فيه وهو إرادة ابتداء الكلام أي الصدق أولى بك أو الحق أو اليقين أولى بالاشتغال من دعوى الباطل فأما البر فهو اسم لجميع أنواع الإحسان لا يختص بالخبر فهو وإن ذكر في موضع الجواب يكون بمنزلة المجمل لا يفهم منه الجواب عند الانفراد فإن قرن به ما يكون ظاهره للجواب وذلك الصدق أو الحق أو اليقين حمل ذلك المجمل على هذا البيان الظاهر فيكون إقرارا فأما الصلاح ليس فيه احتمال الخبر بل هو محكم في أنه ابتداء كلام لا جواب فيحمل ما يقرن به من الظاهر على هذا المحكم ويجعل ذلك ردا لكلامه وابتداء أمر له باتباع الصلاح وترك دعوى الباطل وأما الخفي فهو اسم لما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب مأخوذ من قولهم اختفى فلان إذا استتر في وطنه وصار بحيث لا يوقف عليه بعارض حيلة أحدثه إلا بالمبالغة في الطلب من غير أن يبدل نفسه أو موضعه وهو ضد الظاهر وقد جعل بعضهم ضد الظاهر المبهم وفسره بهذا المعنى أيضا مأخوذ من قول القائل ليل بهيم إذا عم الظلام فيه كل شيء حتى لا يهتدى فيه إلا بحد التأمل قال رضي الله عنه ولكني اخترت الأول لأن اسم المبهم يتناول المطلق لغة تقول العرب فرس بهيم أي مطلق اللون وقال ابن عباس رضي الله عنهما أبهموا ما أبهم الله تعالى أي أطلقوا ما أطلق الله تعالى ولا تقيدوا الحرمة في أمهات النساء بالدخول بالبنات وبيان ما ذكرنا من معنى الخفي في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فإنه ظاهر في السارق الذي لم يختص باسم آخر سوى السرقة يعرف به خفي في الطرار والنباش فقد اختصا باسم آخر هو سبب سرقتهما يعرفان به فاشتبه الأمر أن اختصاصهما بهذا الاسم لنقصان في معنى السرقة أو زيادة فيها ولأجل ذلك اختلف العلماء قال أبو يوسف اختصاص النباش باسم هو سبب سرقته لا يدل على نقصان في سرقته كالطرار وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله السرقة اسم لأخذ المال على وجه مسارقة عين حافظه مع كونه قاصدا إلى حفظه باعتراض غفلة له من نوم أو غيره والنباش يسارق عين من عسى يهجم عليه ممن ليس بحافظ للكفن ولا قاصد إلى حفظه فهو يبين أن اختصاصه بهذا الاسم لنقصان في معنى السرقة وكذلك في اسم السرقة ما ينبىء عن خطر المسروق بكونه محرزا محفوظا وفي اسم النباش ما ينفي هذا المعنى بل ينبىء عن ضده من الهوان وترك الإحراز والتعدية في مثل هذا لإيجاب العقوبة التي تدرأ بالشبهات باطلة فأما الطرار فاختصاصه بذلك الاسم لزيادة حذق ولطف منه في جنايته فإنه يسارق عين من يكون مقبلا على الحفظ قاصدا لذلك بفترة تعتريه في لحظة فذلك ينبىء عن مبالغة في جناية السرقة وتعدية الحكم بمثله مستقيم في الحدود لأنه إثبات حكم النص بطريق الأولى بمنزلة حرمة الشتم والضرب بالنص المحرم للتأفيف
ثم حكم الخفي اعتقاد الحقية في المراد ووجوب الطلب إلى أن يتبين المراد وفوقه المشكل وهو ضد النص مأخوذ من قول القائل أشكل على كذا أي دخل في أشكاله وأمثاله كما يقال أحرم أي دخل في الحرم وأشتى أي دخل في الشتاء وأشأم أي دخل الشام وهو اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال والمشكل قريب من المجمل ولهذا خفي على بعضهم فقالوا المشكل والمجمل سواء ولكن بينهما فرق فالتمييز بين الأشكال ليوقف على المراد قد يكون بدليل آخر وقد يكون بالمبالغة في التأمل حتى يظهر به الراجح فيتبين به المراد فهو من هذا الوجه قريب من الخفي ولكنه فوقه فهناك الحاجة إلى التأمل في الصيغة وفي أشكالها وحكمه اعتقاد الحقية فيما هو المراد ثم الإقبال على الطلب والتأمل فيه إلى أن يتبين المراد فيعمل به وأما المجمل فهو ضد المفسر مأخوذ من الجملة وهو لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من المجمل وبيان من جهته يعرف به المراد وذلك إما لتوحش في معنى الاستعارة أو في صيغة عربية مما يسميه أهل الأدب لغة غريبة والغريب اسم لمن فارق وطنه ودخل في جملة الناس فصار بحيث لا يوقف على أثره إلا بالاستفسار عن وطنه ممن يعلم به وموجبه اعتقاد الحقية فيما هو المراد والتوقف فيه إلى أن يتبين ببيان المجمل ثم استفساره ليبينه بمنزلة من ضل عن الطريق وهو يرجو أن يدركه بالسؤال ممن له معرفة بالطريق أو بالتأمل فيما ظهر له منه فيحتمل أن يدرك به الطريق وتبين أن المجمل فوق المشكل فإن المراد في المشكل قائم والحاجة إلى تمييزه من أشكاله والمراد في المجمل غير قائم ولكن فيه توهم معرفة المراد بالبيان والتفسير وذلك البيان دليل آخر غير متصل بهذه الصيغة إلا أن يكون لفظ المجمل فيه غلبة الاستعمال لمعنى فحينئذ يوقف على المراد بذلك الطريق بمنزلة الغريب الذي تأهل في غير بلدته وصار معروفا فيها فإنه يوقف على أثره بالطلب في ذلك الموضع وبيان ما ذكرنا من المجمل في قوله تعالى وحرم الربا فإنه مجمل لأن الربا عبارة عن الزيادة في أصل الوضع وقد علمنا أنه ليس المراد ذلك فإن البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة ولكن المراد حرمة البيع بسبب فضل خال عن العوض مشروط في العقد وذلك فضل مال أو فضل حال على ما يعرف في موضعه ومعلوم أن بالتأمل في الصيغة لا يعرف هذا بل بدليل آخر فكان مجملا فيما هو المراد وكذلك الصلاة والزكاة فهما مجملان لأن الصيغة في أصل الوضع للدعاء والنماء ولكن بكثرة الاستعمال شرعا في أعمال مخصوصة يوقف على المراد بالتأمل فيه وأما المتشابه فهو اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه فيه عليه والحكم فيه اعتقاد الحقية والتسليم بترك الطلب والاشتغال بالوقوف على المراد منه سمي متشابها عند بعضهم لاشتباه الصيغة بها وتعارض المعاني فيها وهذا غير صحيح فالحروف المقطعة في أوائل السور من المتشابهات عند أهل التفسير وليس فيها هذا المعنى ولكن معرفة المراد فيه ما يشبه لفظه وما يجوز أن يوقف على المراد فيه وهو بخلاف ذلك لانقطاع احتمال معرفة المراد فيه وأنه ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم كما قال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله فالوقف عندنا في هذا الموضع ثم قوله تعالى والراسخون في العلم ابتداء بحرف الواو لحسن نظم الكلام وبيان أن الراسخ في العلم من يؤمن بالمتشابه ولا يشتغل بطلب المراد فيه بل يقف فيه مسلما هو معنى قوله تعالى يقولون آمنا به كل من عند ربنا وهذا لأن المؤمنين فريقان مبتلي بالإمعان في الطلب لضرب من الجهل فيه ومبتلي عن الوقوف في الطلب لكونه مكرما بنوع من العلم
ومعنى الابتلاء من هذا الوجه ربما يزيد على معنى الابتلاء في الوجه الأول فإن في الابتلاء بمجرد الإعتقاد مع التوقف في الطلب بيان أن مجرد العقل لا يوجب شيئا ولا يدفع شيئا فإنه يلزمه اعتقاد الحقية فيما لا مجال لعقله فيه ليعرف أن الحكم لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهذا هو المعنى في الابتلاء بهذه الأسامي التي فيها تفاوت يعني المجمل والمشكل والخفي فإن الكل لو كان ظاهرا جليا بطل معنى الامتحان ونيل الثواب بالجهد بالطلب ولو كان الكل مشكلا خفيا لم يعلم منه شيء حقيقة فأثبت الشرع هذا التفاوت في صيغة الخطاب لتحقيق القلوب إلى محبتهم لحاجتهم إلى الرجوع إليهم والأخذ بقولهم والاقتداء بهم وبيان ما ذكرنا من معنى المتشابه من مسائل الأصول أن رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة حق معلوم ثابت بالنص وهو قوله تعالى وجوه معنى الامتحان وإظهار فضيلة الراسخين في العلم وتعظيم حرمتهم وصرف يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ثم هو موجود بصفة الكمال وفي كونه مرئيا لنفسه ولغيره معنى الكمال إلا أن الجهة ممتنع فإن الله تعالى لا جهة له فكان متشابها فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ثابتا بالنص معلوما كرامة للمؤمنين فإنهم أهل لهذه الكرامة والتشابه فيما يرجع إلى الوصف لا يقدح في العلم بالأصل ولا يبطل وكذلك الوجه واليد على ما نص الله تعالى في القرآن معلوم وكيفية ذلك من المتشابه فلا يبطل به الأصل المعلوم والمعتزلة خذلهم الله لاشتباه الكيفية عليهم أنكروا الأصل فكانوا معطلة بإنكارهم صفات الله تعالى وأهل السنة والجماعة نصرهم الله أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية فلم يجوزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله تعالى به الراسخين في العلم فقال يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب فصل في بيان الحقيقة والمجاز الحقيقة اسم لكل لفظ هو موضوع في الأصل لشيء معلوم مأخوذ من قولك حق يحق فهو حق وحاق وحقيق ولهذا يسمى أصلا أيضا لأنه أصل فيما هو موضوع له والمجاز اسم لكل لفظ هو مستعار لشيء غير ما وضع له مفعل من جاز يجوز سمي مجازا لتعديه عن الموضع الذي وضع في الأصل له إلى غيره ومنه قول الرجل لغيره حبك إياي مجاز أي هو باللسان دون القلب الذي هو موضع الحب في الأصل وهذا الوعد منك مجاز أي القصد منه الترويج دون التحقيق على ما عليه وضع الوعد في الأصل ولهذا يسمى مستعارا لأن المتكلم به استعاره وبالاستعمال فيما هو مراده بمنزلة من استعار ثوبا للبس ولبسه وكل واحد من النوعين موجود في كلام الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الناس في الخطب والأشعار وغير ذلك حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة لكثرة الاستعمال وبه اتسع اللسان وحسن مخاطبات الناس بينهم وحكم الحقيقة وجود ما وضع له أمرا كان أو نهيا خاصا كان أو عاما وحكم المجاز وجود ما استعير لأجله كما هو حكم الحقيقة خاصا كان أو عاما
ومن أصحاب الشافعي رحمه الله من قال لا عموم للمجاز ولهذا قالوا إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء لا يعارضه حديث ابن عمر رضي الله عنهما لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإن المراد بالصاع ما يكال به وهو مجاز لا عموم له وبالإجماع المطعوم مراد به فيخرج ما سواه من أن يكون مرادا ويترجح قوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام لأنه حقيقة في موضعه فيثبت الحكم به عاما واستدلوا لإثبات هذه القاعدة بأن المصير إلى المجاز لأجل الحاجة والضرورة فأما الأصل هو الحقيقة في كل لفظ لأنه موضوع له في الأصل ولهذا لا يعارض المجاز الحقيقة بالاتفاق حتى لا يصير اللفظ في المتردد بين الحقيقة والمجاز في حكم المشترك وهذه الضرورة ترتفع بدون إثبات حكم العموم للمجاز فكان المجاز في هذا المعنى بمنزلة ما ثبت بطريق الاقتضاء فكما لا تثبت هناك صفة العموم لأن الضرورة ترتفع بدونه فكذلك ها هنا ولكنا نقول المجاز أحد نوعي الكلام فيكون بمنزلة نوع آخر في احتمال العموم والخصوص لأن العموم للحقيقة ليس باعتبار معنى الحقيقة بل باعتبار دليل آخر دل عليه فإن قولنا رجل اسم لخاص فإذا قرن به الألف واللام وليس هناك معهود ينصرف إليه بعينه كان للجنس فيكون عاما بهذا الدليل وكذا كل نكرة إذا قرن بها الألف واللام فيما لا معهود فيه يكون عاما بهذا الدليل وقد وجد هذا الدليل في المجاز والمحل الذي استعمل فيه المجاز قابل للعموم فتثبت به صفة العموم بدليله كما ثبت في الحقيقة ولهذا جعلنا قوله ( ولا الصاع بالصاعين ) عاما لأن الصاع نكرة قرن بها الألف واللام وما يحويه الصاع محل لصفة العموم وهذا لأن المجاز مستعار ليكون قائما مقام الحقيقة عاملا عمله ولا يتحقق ذلك إلا بإثبات صفة العموم فيه ألا ترى أن الثوب الملبوس بطريق العارية يعمل عمل الملبوس بطريق الملك فيما هو المقصود وهو دفع الحر والبرد ولو لم يجعل كذلك لكان المتكلم بالمجاز عن اختيار مخلا بالغرض فيكون مقصرا وذلك غير مستحسن في الأصل وقد ظهر استحسان الناس للمجازات والاستعارات فوق استحسانهم للفظ الذي هو حقيقة عرفنا أنه ليس في هذه الاستعارة تقصير فيما هو المقصود وأن للمجاز من العمل ما للحقيقة وقولهم إن المجاز يكون للضرورة باطل فإن المجاز موجود في كتاب الله تعالى والله تعالى يتعالى عن أن يلحقه العجز أو الضرورة إلا أن التفاوت بين الحقيقة والمجاز في اللزوم والدوام من حيث إن الحقيقة لا تحتمل النفي عن موضعها والمجاز يحتمل ذلك وهو العلامة في معرفة الفرق بينهما فإن اسم الأب حقيقة للأب الأدنى فلا يجوز نفيه عنه بحال وهو مجاز للجد حتى يجوز نفيه عنه بأن يقال إنه جد وليس بأب ولهذا تترجح الحقيقة عند التعارض لأنها ألزم وأدوم والمطلوب بكل كلمة عند الإطلاق ما هي موضوعة له في الأصل فيترجح ذلك حتى يقوم دليل المجاز بمنزلة الملبوس يترجح جهة الملك للابس فيه حتى يقوم دليل العارية إلا إذا كانت الحقيقة مهجورة فحينئذ يتعين المجاز لمعرفة القصد إلى تصحيح الكلام وينزل ذلك منزلة دليل الاستثناء ولهذا قلنا لو حلف أن لا يأكل من هذه الشجرة أو من هذا القدر لا ينصرف يمينه إلى عينها وإنما ينصرف إلى ثمرة الشجرة وما يطبخ في القدر لأن الحقيقة مهجورة فيتعين المجاز ولو حلف لا يأكل من هذه الشاة ينصرف يمينه إلى لحمها لا إلى لبنها وسمنها لأن الحقيقة هنا غير مهجورة فإن عين الشاة تؤكل فتترجح الحقيقة على المجاز عند إطلاق اللفظ
ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فقد قال بعض مشايخنا يحنث إذا أكل الدقيق بعينه لأنه مأكول والأصح أنه لا يحنث لأن أكل عين الدقيق مهجور فينصرف يمينه إلى المجاز وهو ما يتخذ منه الخبز وصار دليل الاستثناء بهذا الدليل نحو دليل الاستثناء فيمن حلف أن لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فأخذ في النقلة في الحال فإنه لا يحنث ويصير ذلك القدر من السكنى مستثنى لمعرفة مقصوده وهو أن يمنع نفسه بيمينه عما في وسعه دون ما ليس في وسعه وعلى هذا لو حلف لا يطلق وقد كان علق الطلاق بشرط قبل هذه اليمين فوجد الشرط لم يحنث أو كان حلف بعد الجرح أن لا يقتل فمات المجروح لم يحنث ويجعل ذلك بمنزلة دليل الاستثناء بمعرفة مقصوده ومن أحكام الحقيقة والمجاز أنهما لا يجتمعان في لفظ واحد في حالة واحدة على أن يكون كل واحد منهما مرادا بحال لأن الحقيقة أصل والمجاز مستعار ولا تصور لكون اللفظ الواحد مستعملا في موضوعه مستعارا في موضع آخر سوى موضوعه في حالة واحدة كما لا تصور لكون الثوب الواحد على اللابس ملكا وعارية في وقت واحد ولهذا قلنا في قوله تعالى أو لامستم النساء المراد الجماع دون اللمس باليد لأن الجماع مراد بالاتفاق حتى يجوز التيمم للجنب بهذا النص ولا تجتمع الحقيقة والمجاز مرادا باللفظ فإذا كان المجاز مرادا تتنحى الحقيقة ولهذا قلنا النص الوارد في تحريم الخمر وإيجاب الحد بشربه بعينه لا يتناول سائر الأشربة المسكرة حتى لا يجب الحد بها ما لم تسكر لأن الاسم للنيء من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة المسكرة مجازا فإذا كانت الحقيقة مرادا يتنحى المجاز وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة رحمه الله فيمن أوصى لبني فلان أو لأولاد فلان وله بنون لصلبه وأولاد البنين فإن أولاد البنين لا يستحقون شيئا لأن الحقيقة مرادة فيتنحى المجاز وقال في السير إذا استأمنوا على آبائهم لا يدخل أجدادهم في ذلك وإذا استأمنوا على أمهاتهم لا تدخل الجدات في ذلك لأن الحقيقة مرادة فيتنحى المجاز وعلى هذا قال في الجامع لو أن عربيا لا ولاء عليه أوصى لمواليه وله معتقون ومعتق المعتقين فإن الوصية لمعتقه وليس لمعتق المعتق شيء لأن الاسم للمعتقين حقيقة باعتبار أنه باشر سبب إحيائهم بإحداث قوة المالكية فيهم بالإعتاق لأن الحرية حياة والرق تلف حكما فكانوا منسوبين إليه بالولاء حقيقة كنسبة الولد إلى أبيه وأما معتق المعتق يسمى مولى له مجازا لأنه بالإعتاق الأول جعله بحيث يملك اكتساب سبب الولاء وهو الإعتاق فيكون متسببا في الولاء الثاني من هذا الوجه ويسمى مولى له مجازا بطريق الاتصال من حيث السببية فإذا صارت الحقيقة مرادا يتنحى المجاز حتى لو لم يكن له معتقون فالوصية لموالي الموالي لأن الحقيقة هنا غير مرادة فيتعين المجاز ولو كان له معتق واحد والوصية بلفظ الجماعة فاستحق هو نصف الثلث كان الباقي مردودا على الورثة ولا يكون لموالي الموالي من ذلك شيء لأن الحقيقة هنا مرادة ولو كان للموصي موال أعلى وأسفل لم تصح الوصية لأن الاسم مشترك وكل واحد من الفريقين يحتمل أن يكون مرادا إلا أنه لا وجه للجمع بينهما وإثبات العموم لاختلاف المعنى والمقصود فيبطل أصل الوصية ومعلوم أن التغاير بين الحقيقة والمجاز باعتبار أصل الوضع وفي الاسم المشترك لا تغاير باعتبار أصل الوضع ثم لم يجز هناك أن يكون كل واحد منهما مرادا باللفظ في حالة واحدة فلأن لا يجوز ذلك في الحقيقة والمجاز أولى فإن قيل هذا الأصل لا يستمر في المسائل فإن من حلف أن لا يضع قدمه في دار فلان يحنث إذا دخلها ماشيا كان أو راكبا حافيا كان أو منتعلا وحقيقة وضع القدم فيها إذا كان حافيا وكذلك لو قال يوم يقدم فلان فامرأته كذا فقدم ليلا أو نهارا يقع الطلاق والاسم للنهار حقيقة ولليل مجاز ولو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا يسكنها فلان عارية أو بأجر يحنث كما لو دخل دارا مملوكة له
وفي السير قال لو استأمن على بنيه يدخل بنوه وبنو بنيه ولو استأمن على مواليه وهو ممن لا ولاء عليه يدخل في الأمان مواليه وموالي مواليه فقد جمعتم بين الحقيقة والمجاز في هذه الفصول وقال أبو حنيفة و محمد إذا قال لله علي أن أصوم رجب ونوى به اليمين كان نذرا ويمينا واللفظ للنذر حقيقة ولليمين مجاز وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا حلف أن لا يشرب من الفرات فأخذ الماء من الفرات في كوز فشربه يحنث كما لو كرع في الفرات ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها يحنث كما لو أكل عينها وفي هذا جمع بين الحقيقة والمجاز في اللفظ في حالة واحدة قلنا جميع هذه المسائل تخرج مستقيما على ما ذكرنا من الأصل عند التأمل فقد ذكرنا أن المقصود معتبر وأنه ينزل ذلك منزلة دليل الاستثناء ففي مسألة وضع القدم مقصود الحالف الامتناع من الدخول فيصير باعتبار مقصوده كأنه حلف لا يدخل والدخول قد يكون حافيا وقد يكون منتعلا وقد يكون راكبا فعند الدخول حافيا يحنث لا باعتبار حقيقة وضع القدم بل باعتبار الدخول الذي هو المقصود فعرفنا أنه إنما يحنث في المواضع كلها لعموم المجاز لا لعموم الحقيقة وكذلك قوله يوم يقدم فلان فالمقصود بذكر اليوم هنا الوقت لأنه قرن به ما هو غير ممتد ولا يختص ببياض النهار واليوم إنما يكون عبارة عن بياض النهار إذا قرن بما يمتد ليصير معيارا له حتى إذا قال أمرك بيدك يوم يقدم فلان فقدم ليلا لا يصير الأمر بيدها وكذلك إذا قرن بما يختص بالنهار كقوله لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فأما إذا قرن بما لا يمتد ولا يختص بأحد الوقتين يكون عبارة عن الوقت كما في قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره واسم الوقت يعم الليل والنهار فلعموم المجاز قلنا بأنها تطلق في الوجهين جميعا حتى إذا قال ليلة يقدم فلان فقدم نهارا لم تطلق لأن الحقيقة هنا مرادة فيتنحى المجاز وفي مسألة دخول دار فلان المقصود إضافة السكنى وذلك يعم السكنى بطريق الملك والعارية وإذا دخل دارا يسكنها فلان بالملك إنما يحنث لعموم المجاز لا للملك حتى لو كان الساكن فيها غير فلان لم يحنث وإن كانت مملوكة لفلان وفي مسألتي السير قياس واستحسان في القياس يتنحى المجاز في الأمان كما في الوصية وفي الاستحسان قال المقصود من الأمان حقن الدم وهو مبني على التوسع واسم الأبناء والموالي من حيث الظاهر يتناول الفروع إلا أن الحقيقة تتقدم على المجاز في كونه مرادا ولكن مجرد الصورة تبقى شبهته في حقن الدم كما ثبت الأمان بمجرد الإشارة من الفارس إذا دعا الكافر بها إلى نفسه لصورة المسالمة وإن لم يكن ذلك حقيقة فإن قيل لماذا لم تعتبر هذه الصورة في إثبات الأمان للأجداد والجدات عند الاستئمان على الآباء والأمهات قلنا لأن الحقيقة إذا صارت مرادا فاعتبار هذه الصورة لثبوت الحكم في محل آخر يكون بطريق التبعية لا محالة وبنو البنين وموالي الموالي تليق صفة التبعية بحالهم فأما الأجداد والجدات لا يكونون تبعا للآباء والأمهات وهم الأصول فلهذا ترك اعتبار الصورة هناك في إثبات الأمان لهم فأما مسألة النذر فقد قيل معنى النذر هناك يثبت بلفظ ومعنى اليمين بلفظ آخر فإن قوله لله عند إرادة اليمين كقوله بالله إذ الباء واللام تتعاقبان قال ابن عباس رضي الله عنهما دخل آدم الجنة فلله ما غربت الشمس حتى خرج وقوله علي نذر ونحن إنما أنكرنا اجتماع الحقيقة والمجاز في لفظ واحد مع أن تلك الكلمة نذر بصيغتها يمين بموجبها إذا أراد اليمين لأن موجبها وجوب المنذور به وإيجاب المباح يمين كتحريم الحلال المباح وهو نظير شراء القريب تملك بصيغته وإعتاق بموجبه
وأما مسألة الشرب من الفرات فالحنث عندها باعتبار عموم المجاز لأن المقصود شرب ماء الفرات ولا تنقطع هذه النسبة بجعل الماء في الإناء وعند الكرع إنما يحنث لأنه شرب ماء الفرات حتى لو تحول من الفرات إلى نهر آخر لم يحنث إن شرب منه لأن النسبة قد انقطعت عن الفرات بالتحول إلى نهر آخر و أبو حنيفة رحمه الله اعتبر الحقيقة قال الشرب من الفرات حقيقة معتادة غير مهجورة وإنما يتناول هذا اللفظ الماء بطريق المجاز عن قولهم جرى النهر أي الماء فيها وإذا صارت الحقيقة مرادا يتنحى المجاز وكذلك في مسألة الحنطة أبو حنيفة اعتبر الظاهر فقال عين الحنطة مأكول وهو مراد مقصود فيتنحى المجاز وهما جعلا ذكر الحنطة عبارة عما في باطنها مجازا للعرف فإنه يقال أهل بلدة كذا يأكلون الحنطة والمراد ما فيها من عين الحنطة وإنما يحنث لعموم المجاز وهو أنه تناول ما فيها وهذا موجود فيما إذا أكل من خبزها فخرجت المسائل على هذا الحرف وهو اعتبار عموم المجاز بمعرفة المقصود لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز قال رضي الله عنه وقد رأيت بعض العراقيين من أصحابنا رحمهم الله قالوا إن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان في لفظ واحد في محل واحد ولكن في محلين مختلفين يجوز أن يجتمعا وهذا قريب بشرط أن لا يكون المجاز مزاحما للحقيقة مدخلا للجنس على صاحب الحقيقة فإن الثوب الواحد على اللابس يجوز أن يكون نصفه ملكا ونصفه عارية وقد قلنا في قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إنه يتناول الجدات وبنات البنات والاسم للأم حقيقة وللجدات مجاز وكذلك اسم البنات لبنات الصلب حقيقة ولأولاد البنات مجاز وكذلك في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فإنه موجب حرمة منكوحة الجد كما يوجب حرمة منكوحة الأب فعرفنا أنه يجوز الجمع بينهما في لفظ واحد ولكن في محلين مختلفين حتى يكون حقيقة في أحدهما مجازا في المحل الآخر وهذا بخلاف المشترك فالاحتمال هناك باعتبار معاني مختلفة ولا تصور لاجتماع تلك المعاني في كلمة واحدة وهنا تجمع الحقيقة والمجاز في احتمال الصيغة لكل واحد منهما معنى واحدا وهو الأصالة في الآباء والأجداد والأمهات والجدات والولاد في حق الأولاد ولكن بعضها بواسطة وبعضها بغير واسطة فيكون هذا نظير ما قال أبو حنيفة رحمه الله في قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا إنه يتناول جميع أجناس الأرض باعتبار معنى يجمع الكل وهو التصاعد من الأرض وإن كان الاسم للتراب حقيقة وبيان الفرق بين المشترك وبين المجاز مع الحقيقة في المعنى الذي ذكرنا فيما قال في السير لو استأمن لمواليه وله موال أعلى وأسفل فالأمان لأحد الفريقين وهو ما أراده الذي آمنه وإن لم يرد شيئا يأمن الفريقان باعتبار أن الأمان يتناول أحدهما لا باعتبار أنه يتناولهما لأن الاسم مشترك وبمثله لو كان له موال وموالي موال ثبت الأمان للفريقين جميعا باعتبار أنه يجوز أن يكون اللفظ الواحد عاملا بحقيقته في موضع وبمجازه في موضع آخر ثم طريق معرفة الحقيقة السماع لأن الأصل فيه الوضع ولا يصير ذلك معلوما إلا بالسماع بمنزلة المنصوص في أحكام الشرع وطريق الوقوف عليها السماع فقط وإنما طريق معرفة المجاز الوقوف على مذهب العرب في الاستعارة دون السماع بمنزلة القياس في أحكام الشرع فإن طريق تعدية حكم النص إلى الفروع معلوم وهو التأمل في معاني النص واختيار الوصف المؤثر منها لتعدية الحكم بها إلى الفروع فإذا وقف مجتهد على ذلك وأصاب طريقه كان ذلك مسموعا منه وإن لم يسبق به فكذلك في الاستعارة إذا وقف إنسان على معنى تجوز الاستعارة به عند العرب فاستعار بذلك المعنى واستعمل لفظا في موضع كان مسموعا منه وإن لم يسبق به وعلى هذا يجري كلام البلغاء من الخطباء والشعراء في كل وقت فنقول طريق الاستعارة عند العرب الاتصال والاتصال بين الشيئين يكون صورة أو معنى فإن كل موجود متصور تكون له صورة ومعنى فالاتصال لا يكون إلا باعتبار الصورة أو باعتبار المعنى
فأما الاستعارة للاتصال معنى فنحو تسمية العرب الشجاع أسدا للاتصال بينهما في معنى الشجاعة والقوة والبليد حمارا لاتصال بينهما في معنى البلادة والاستعارة للاتصال صورة نحو تسمية العرب المطر سماء فإنهم يقولون ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم يعنون المطر لأنها تنزل من السحاب والعرب تسمي كل ما علا فوقك سماء ويكون نزول المطر من علو فسموه سماء مجازا للاتصال صورة وقال تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط والغائط اسم للمطمئن من الأرض وسمي الحدث به مجازا لأن يكون في المطمئن من الأرض عادة وهذا اتصال من حيث الصورة وقال تعالى أو لامستم النساء والمراد الجماع لأن اللمس سببه صورة فسماه به مجازا وقال تعالى إني أراني أعصر خمرا وإنما يعصر العنب وهو مشتمل على السفل والماء والقشر إلا أنه بالعصر يصير خمرا في أوانه فسماه به مجازا لاتصال بينهما في الذات صورة فسلكنا في الأسباب الشرعية والعلل هذين الطريقين في الاستعارة وقلنا يصح الاستعارة للاتصال سببا فإنه نظير الاستعارة للاتصال صورة في المحسوسات وللاتصال في المعنى المشروع الذي جاء لأجله شرع يصلح الاستعارة وهو نظير الاتصال معنى في المحسوسات فإنه لا خلاف بين العلماء أن صلاحية الاستعارة غير مختص بطريق اللغة وأن الاتصال في المعاني والأحكام الشرعية يصلح للاستعارة وهذا لأن الاستعارة للقرب والاتصال وذلك يتحقق في المحسوس وغير المحسوس فالأحكام الشرعية قائمة بمعناها متعلقة بأسبابها فتكون موجودة حكما بمنزلة الموجود حسا فيتحقق معنى القرب والاتصال فيها ولأن المشروعات إذا تأملت في أسبابها وجدتها دالة على الحكم المطلوب بها باعتبار أصل اللغة فيما تكون معقولة المعنى والكلام فيه ولا استعارة فيما لا يعقل معناه ألا ترى أن البيع مشروع لإيجاب الملك وموضوع له أيضا في اللغة وقد اتفق العلماء في جواز استعارة لفظ التحرير لإيقاع الطلاق به وجوز الشافعي رحمه الله استعارة لفظ الطلاق لإيقاع العتق به والأئمة من السلف استعملوا الاستعارة بهذا الطريق أيضا وكتاب الله تعالى ناطق بذلك يعني قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها فإن الله تعالى جعل هبتها نفسها جوابا للاستنكاح وهو طلب النكاح ولا خلاف أن نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينعقد بلفظ الهبة على سبيل الاستعارة لا على سبيل حقيقة الهبة فإن الهبة لتمليك المال فلا يكون عاملا بحقيقتها فيما ليس بمال ولأنها لا توجب الملك إلا بالقبض فيما كانت حقيقة فيه فكيف فيما ليست بحقيقة فيه فعرفنا أنها استعارة قامت مقام النكاح بطريق المجاز وكذلك كان يتعلق بنكاحه حكم القسم والطلاق والعدة وإن كان معقودا بلفظ الهبة فعرفنا أنه كان بطريق الاستعارة على معنى أن اللفظ متى صار مجازا عن غيره سقط اعتبار حقيقته وصار التكلم به كالتكلم بما هو مجاز عنه ثم ليس للرسالة أثر في معنى الخصوصية بوجوه الكلام فإن معنى الخصوصية هو التخفيف والتوسعة وما كان يلحقه حرج في استعمال لفظ النكاح فقد كان أفصح الناس وهذه جملة لا خلاف فيها إلا أن الشافعي رحمه الله قال نكاح غيره لا ينعقد بهذا اللفظ لأنه عقد مشروع لمقاصد لا تحصى مما يرجع إلى مصالح الدين والدنيا ولفظ النكاح والتزويج يدل على ذلك باعتبار أنها تبتنى على الاتحاد فالتزويج تلفيق بين الشيئين على وجه يثبت به الاتحاد بينهما في المقصود كزوجي الخف ومصراعي بمصالح المعيشة وليس في هذين اللفظين ما يدل على التمليك باعتبار أصل الوضع ولهذا لا يثبت ملك العين بهما فالألفاظ الموضوعة لإيجاب ملك العين فيها قصور فيما هو المقصود بالنكاح إلا أن في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينعقد نكاحه بهذا اللفظ مع قصور فيه تخفيفا عليه وتوسعة للغات عليه كما قال تعالى خالصة لك وفي حق الباب والنكاح بمعنى الضم الذي ينبىء عن الاتحاد بينهما في القيام غيره لا يصلح هذا اللفظ لانعقاد النكاح به لما فيه من القصور وهو معنى ما يقولون إنه عقد خاص شرع بلفظ خاص
ونظيره الشهادة فإنها مشروعة بلفظ خاص فلا تصلح بلفظ آخر لقصور فيه حتى إذا قال الشاهد أحلف لا يكون شهادة لأن لفظ الحلف موجب بغيره ولفظ الشهادة موجب بنفسه قال تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو وكذلك لفظ الهبة لا تنعقد به المعاوضة المحضة وهي البيع ابتداء وكأن ذلك لقصور فيها وفي صفة المعاوضة النكاح أبلغ من البيع وعلى هذا الأصل لم يجوزوا نقل الأخبار بالمعنى من غير مراعاة اللفظ ولكنا نقول النكاح موجب ملك المتعة وهذه الألفاظ في محل ملك المتعة توجب ملك المتعة تبعا لملك الرقبة فإنها توجب ملك الرقبة وملك الرقبة يوجب ملك المتعة في محله فكان بينهما اتصالا من حيث السببية وهو طريق صالح للاستعارة ولا حاجة إلى النية لأن هذا المحل الذي أضيف إليه متعين لهذا المجاز وهو النكاح والحاجة إلى النية عند الاشتباه للتعيين وما ذكروا من مقاصد النكاح فهي لكونها غير محصورة بمنزلة الثمرة كما هو المطلوب من هذا العقد فأما المقصود فإثبات الملك عليها ولهذا وجب البدل لها عليه فلو كان المقصود ما سواها من المقاصد لم يجب البدل لها عليه لأن تلك المقاصد مشتركة بينهما وكذلك جعل الطلاق بيد الزوج لأنه هو المالك فإليه إزالة الملك وإذا ثبت أن المقصود هو الملك وهذه الألفاظ موضوعة لإيجاب الملك ثم لما انعقد هذا العقد بلفظ غير موضوع لإيجاب ما هو المقصود وهو الملك فلأن ينعقد بلفظ موضوع لإيجاب ما هو المقصود وهو الملك كان أولى وإنما انعقد هذا العقد بلفظ النكاح والتزويج وإن لم يوضعا لإيجاب الملك بهما في الأصل لأنهما جعلا علما في إثبات هذا الملك بهما وما يكون علما لشيء بعينه فهو بمنزلة النص فيه فيثبت الحكم به بعينه ولهذا لم ينعقد بهما الأسباب الموجبة لملك العين فأما الألفاظ الموضوعة لإيجاب الملك لا ينتفي باسم العلم عن هذا المحل وقد تقرر صلاحية الاستعارة بالاتصال من حيث السببية فيثبت هذا الملك بها بطريق الاستعارة فإن قيل الاتصال من حيث السببية لا يختص بأحد الجانبين بل يكون من الجانبين جميعا ثم لم يعتبر هذا الاتصال والقرب في إثبات ملك الرقبة باللفظ الذي هو موضوع لإيجاب ملك المتعة فكذلك لا يعتبر هذا الاتصال لإثبات ملك المتعة باللفظ الموضوع لإثبات ملك الرقبة قلنا الاتصال من حيث السببية نوعان أحدهما اتصال الحكم بالعلة وذلك معتبر في صلاحية الاستعارة من الجانبين لأن العلة غير مطلوبة لعينها بل لثبوت الحكم بها والحكم لا يثبت بدون العلة فيتحقق معنى القرب والاتصال لافتقار كل واحد منهما إلى الآخر وبيان هذا فيما قال في الجامع إذا قال إن ملكت عبدا فهو حر فاشترى نصف عبد ثم باعه ثم اشترى النصف الثاني لا يعتق فإن قال عنيت الملك متفرقا كان أو مجتمعا يدين في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى ويعتق النصف الباقي في ملكه ولو قال إن اشتريت عبدا فهو حر فاشترى نصفه فباعه ثم اشترى النصف الباقي يعتق هذا النصف فإن قال عنيت الشراء مجتمعا يدين فيما بينه وبين الله تعالى فلا يعتق هذا النصف وقيل الشراء موجب للملك والملك حكم الشراء فيصلح أن يكون ذكر الملك مستعارا عن ذكر الشراء إذا نوى التفرق فيه ويصلح أن يكون ذكر الشراء مستعارا عن ذكر الملك إذا نوى الاجتماع فيه حتى يعمل بنيته من حيث الديانة في الموضعين ولكن فيما فيه تخفيف عليه لا يدين في القضاء للتهمة وفيما فيه تشديد عليه يدين لانتفاء التهمة والنوع الآخر اتصال الفرع بالأصل والحكم بالسبب فإن بهذا الاتصال تصلح استعارة الأصل للفرع والسبب للحكم ولا تصلح استعارة الفرع للأصل والحكم للسبب لأن الأصل مستغن عن الفرع والفرع محتاج إلى الأصل لأنه تابع له فيصير معنى الاتصال معتبرا فيما هو محتاج إليه دون ما هو مستغنى عنه
وهو نظير الجملة الناقصة إذا عطفت على الجملة الكاملة فإنه يعتبر اتصال الجملة الناقصة بالكاملة فيما يرجع إلى إكمال الناقصة لحاجتها إلى ذلك حتى يتوقف أول الكلام على آخره ولا يعتبر اتصال الناقص بالكامل في حكم الكامل لأنه مستغنى عنه فملك الرقبة سبب ملك المتعة بينهما اتصال من هذا الوجه فلهذا جاز استعارة السبب للحكم ولا يجوز استعارة الحكم للسبب واللفظ الموضوع لإيجاب ملك الرقبة يجوز أن يستعار لإيجاب ملك المتعة والموضوع لإيجاب ملك المتعة لا يصلح مستعارا لإيجاب ملك الرقبة ولهذا الطريق قلنا إن لفظ التحرير عامل في إيقاع الطلاق به مجازا لأنها موضوعة لإزالة ملك الرقبة وزوالها سبب لزوال ملك المتعة إلا أنه لا يعمل بدون النية لأن المحل المضاف إليه غير متعين لهذا المجاز بل هو محل لحقيقة الوصف بالحرية فيحتاج إلى النية ليتعين فيها الاستعمال بطريق المجاز ولفظ الطلاق لا يحصل به العتق لأنه موضوع لإزالة ملك المتعة وزوال ملك المتعة ليس بسبب لزوال ملك الرقبة بل هو حكم ذلك السبب فلا يصلح استعارة الحكم للسبب كما لا يصلح استعارة الفرع للأصل لكونه مستغنى عنه ولكن الشافعي رحمه الله جوز هذه الاستعارة أيضا للقرب بينهما من حيث المشابهة في المعنى وكل واحد منهما إزالة بطريق الإبطال مبني على الغلبة والسراية غير محتمل للفسخ محتمل للتعليق بالشرط والإيجاب في المجهول فللمناسبة بينهما في هذا المعنى جوز استعارة كل واحد منهما للآخر ولكنا نقول المناسبة في المعنى صالح للاستعارة لكن لا بكل وصف بل بالوصف الذي يختص بكل واحد منهما ألا ترى أنه لا يسمى الجبان أسدا ولا الشجاع حمارا للمناسبة بينهما من حيث الحيوانية والوجود وما أشبه ذلك ويسمى الشجاع أسدا للمناسبة بينهما في الوصف الخاص وهو الشجاعة وهذا لأن اعتبار هذه المناسبة بينهما للاستعارة بمنزلة اعتبار المعنى في المنصوص لتعدية الحكم به إلى الفروع ثم لا يستقيم تعليل النص بكل وصف بل بوصف له أثر في ذلك الحكم لأنه لو جوز التعليل بكل وصف انعدم معنى الابتلاء أصلا فكذلك ههنا لو صححنا الاستعارة للمناسبة في أي معنى كان ارتفع معنى الامتحان واستوى العالم والجاهل فعرفنا أنه إنما تعتبر المناسبة في الوصف الخاص ولا مناسبة هنا في الوصف الذي لأجله وضع كل واحد منهما في الأصل فالطلاق موضوع للإطلاق برفع المانع من الانطلاق لا بإحداث قوة الانطلاق في الذات ومنه إطلاق الإبل وإطلاق الأسير والعتاق لإحداث معنى في الذات يوجب القوة من قول القائل عتق الفرخ إذا قوي حتى طار وفي ملك اليمين المملوك عاجز عن الانطلاق لضعف في ذاته وهو أنه صار رقيقا مملوكا مقهورا محتاجا إلى إحداث قوة فيه يصير بها مالكا مستوليا مستبدا بالتصرف والمنكوحة مالكة أمر نفسها ولكنها محبوسة عند الزوج بالملك الذي له عليها فحاجتها إلى رفع المانع وذلك يكون بالطلاق كما يكون برفع القيد عن الأسير وبحل العقال عن البعير ولا مناسبة بين رفع المانع وبين إحداث القوة كما لا مناسبة بين رفع القيد وبين البرء من المرض فعرفنا أنه لا وجه للاستعارة بطريق المناسبة بينهما في المعنى ولكن بالاتصال من حيث السببية والحكم وقد بينا أن ذلك صالح من أحد الجانبين دون الجانب الآخر فإن قيل عندكم الإجازة لا تنعقد بلفظ البيع نص عليه في كتاب الصلح حيث قال بيع السكنى باطل فالبيع سبب لملك الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المنفعة ثم لم تصح الاستعارة بهذا الطريق عندكم مجازا وعلى عكس هذا إذا قال لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فقال أعتقت يثبت التملك شراء بهذا الكلام والعتق ليس بسبب للشراء ثم كان عبارة عنه مجازا وكذلك شراء القريب إعتاق عندكم والشراء ليس بسبب العتق ثم كان عبارة عنه