Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
فأما الفريق الأول استدلوا بقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وإذا كان خبر الواحد لا يوجب العلم لم يجز اتباعه والعمل به بهذا الظاهر وقال تعالى ولا تقولوا على الله إلا الحق وخبر الواحد إذا لم يكن معصوما عن الكذب ( محتمل للكذب ) والغلط فلا يكون حقا على الإطلاق ولا يجوز القول بإيجاب العمل به في الدين وقال تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقال تعالى وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ومعنى الصدق في خبر الواحد غير ثابت إلا بطريق الظن ولأن خبر الواحد محتمل للصدق والكذب والنص الذي هو محتمل لا يكون موجبا للعمل بنفسه مع أن كل واحد من المحتملين فيه يجوز أن يكون شرعا فلأن لا يجوز العمل بما هو محتمل للكذب والكذب باطل أصلا كان أولى ولا يدخل على ما ذكرنا أمور المعاملات لأن الذي يترتب عليها حقوق العباد والعباد يعجزون عن إظهار كل حق لهم بطريق لا يبقى فيه شك وشبهة فلأجل الضرورة جوزنا الاعتماد فيها على خبر الواحد ولهذا سقط اعتبار اشتراط العدالة فيه أيضا فأما هنا الثابت ما هو حق لله والله موصوف بكمال القدرة يتعالى عن أن يلحقه ضرورة أو عجز عن إظهار حقوقه بما لا يبقى فيه شك وشبهة فلهذا لا يجعل المحتمل للصدق والكذب حجة فيه وعلى هذا تخرج الشهادات أيضا فإن القياس فيها أن لا يكون حجة مع بقاء احتمال الكذب تركناه بالنصوص وبالمعنى الذي أشرنا إليه أنها مشروعة لإثبات حقوق العباد والحاجة إليها تتجدد للعباد في كل وقت وهم يعجزون عن إثبات كل حق لهم بما لا يكون محتملا ولأن القول بما قلتم يؤدي إلى أن يزداد درجة المخبر الذي هو غير معصوم عن الكذب على المخبر المعصوم عن الكذب يعني من ينزل عليه الوحي فإن خبره في أول أمره إنما كان واجب القبول باقتران المعجزات به فمن يقول بأن خبر غيره يكون مقبولا من غير دليل يقترن به فقد زاد درجة هذا المخبر على درجة الرسول وأي قول أظهر فسادا من هذا ولا خلاف أن أصل الدين كالتوحيد وصفات الله وإثبات النبوة لا يكون إلا بطريق يوجب العلم قطعا ولا يكون فيه شك ولا شبهة فكذلك فيما يكون من أمر الدين وحجتنا في ذلك قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات الآية وقال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس الآية ففي هاتين الآيتين نهى لكل واحد عن الكتمان وأمر بالبيان على ما هو الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة أنه يتناول كل واحد منهم ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد ومن ضرورة توجه الأمر بالإظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به إذ أمر الشرع لا يخلو عن فائدة حميدة ولا فائدة في النهي عن الكتمان والأمر بالبيان سوى هذا ولا يدخل عليه الفاسق فإنه داخل في عموم الأمر بالبيان ثم لا يقبل بيانه في الدين لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق ثم هو مزجور عن اكتساب سبب الفسق مأمور بالتوبة عنه ثم يترتب البيان عليه فعلى هذا الوجه بيانه يفيد وجوب القول والعمل به وقال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الآية والفرقة اسم للثلاثة فصاعدا فالطائفة من الفرقة بعضها وهو الواحد أو الاثنان ففي أمر الطائفة بالتفقه والرجوع إلى قومهم للإنذار كي يحذروا تنصيص على أن القبول واجب على السامعين من الطائفة وأنه يلزمهم الحذر بإنذار الطائفة وذلك لا يكون إلا بالحجة ولا يقال الطائفة اسم للجماعة لأن المتقدمين اختلفوا في تفسير الطائفة قال محمد بن كعب هو اسم للواحد وقال عطاء اسم للاثنين وقال الزهري لثلاثة
وقال الحسن لعشرة فيكون هذا اتفاقا منهم أن الاسم يحتمل أن يتناول كل واحد من هذه الأعداد ولم يقل أحد بالزيادة على العشرة ومعلوم أن بخبر العشرة لا ينتفي توهم الكذب ولا يخرج من أن يكون محتملا فعرفنا أنه لا يشترط لوجوب العمل كون المخبر بحيث لا يبقى في خبره تهمة الكذب ثم الأصح ما قاله محمد بن كعب فقد قال قتادة في قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة الواحد فصاعدا وقال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا نقل في سبب النزول أنهما كانا رجلين وفي سياق الآية ما يدل عليه فإنه قال تعالى فأصلحوا بينهما ولم يقل بينهم وقال فأصلحوا بين أخويكم فقد سمي الرجلين طائفتين فإن قيل هذا بعيد فإن هاء التأنيث لا تلحق بنعت الواحد من الذكور قلنا هذا عند ذكر الرجل فأما عند ذكر النعت يصلح للفرد من الذكور والإناث فللعرب عادة في إلحاق هاء التأنيث به وكتاب الله يشهد به قال تعالى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء والمراد الواحد لا من الإناث خاصة بدليل قوله تعالى ولو كان ذا قربى فإن قيل هذا خطاب لجميع الطوائف بالإنذار وهم يبلغون حد التواتر ويكون خبرهم مستفيضا مشتهرا قلنا لا كذلك فالجمع المضاف إلى جماعة يتناول كل واحد منهم كقول القائل لبس القوم ثيابهم وفي قوله تعالى إذا رجعوا إليهم ما يدل على ما قلنا لأن الرجوع إنما يتحقق ممن كان خارجا من القوم ثم صار قادما عليهم وإتيان جميع الطوائف إلى كل قوم للإنذار لا يكون رجوعا إليهم مع أن هذا لو كان شرطا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وكلفهم أن يفعلوه ولو فعلوه لاشتهر ولم ينقل شيء من ذلك في الآثار والذي يتحقق بهم الإجماع للدوران للإنذار لا ينقطع توهم الكذب عن خبرهم لبقاء احتمال التواطؤ بينهم فكان الاستدلال قائما وإن ساعدناهم على هذا التأويل فإن قيل عندنا الراجع إلى كل فريق مأمور بالإنذار بما سمعه لقومه وإن لم يكن عليهم أن يقبلوا ذلك منه بل المقصود أن يشتهر ذلك وعند الاشتهار تنتفي تهمة الكذب فتصير حجة حينئذ بمنزلة الشاهد الواحد فإنه مأمور بأداء الشهادة وإن كان العمل بشهادته لا يجب ما لم يتم العدد بشاهد آخر وتظهر العدالة بالتزكية قلنا الشاهد إذا كان وحده فليس عليه أداء الشهادة لأن ذلك لا ينفع المدعي وربما يضر بالشاهد فلو لم يكن خبر الواحد حجة لوجوب العمل لما وجب الإنذار بما سمع ثم لما ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار ثبت أنه يجب القبول منه لأنه في هذا بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بالإنذار ثم كان قوله ملزما للسامعين كيف وقد بين الله تعالى حكم القبول والعمل به في إشارة بقوله لعلهم يحذرون أي لكي يحذروا عن الرد والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم كما قال تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره والأمر بالحذر لا يكون إلا بعد توجه الحجة
فدل أن خبر الواحد موجب للعمل ولأن النبي عليه السلام كان مبعوثا إلى الناس كافة قال تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس وقد بلغ الرسالة بلا خلاف ومعلوم يقينا أنه ما أتى كل أحد فبلغه مشافهة ولكنه بلغ قوما بنفسه وآخرين برسول أرسل إليهم وآخرين بكتاب وكتابه إلى ملوك الآفاق مشهور لا يمكن إنكاره فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما كان مبلغا رسالات ربه بهذا الطريق إلى الناس كافة وقد فتحت البلدان النائية على عهده كاليمن والبحرين وهو ما أتاهم بنفسه ولكنه بعث عاملا إلى كل ناحية ليعلمهم الأحكام على ما هو سير الملوك اليوم في بعث العمال إلى البلدان لأجل أمور الدنيا فلو لم يكن خبر الواحد حجة في أمور الدين لما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الذين آمنوا وكانوا بالبعد من حضرته وكذلك المخدرات في بيوتهن لم يحضرن مجلسه في كل حادثة ولكن أزواجهن كانوا يسمعون أحكام الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرجعون إليهن ويعلمونهن فلو لم يكن خبر الواحد حجة لكلفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان إليه للسماع منه ولو فعل ذلك لاشتهر ولا يقال إنما اكتفى بذلك لأن من بعثه رسول الله معلما إلى قوم لا يقول لهم إلا ما هو حق صدق فكان ذلك كرامة لرسول الله ولا يوجد مثل ذلك في حق غيرهم من المخبرين لأنه لو كان بهذه الصفة لنقل هذا السبب كرامة لهم ولأعقابهم ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خص واحدا من الصحابة بشيء اشتهر ذلك بالنقل نحو قوله في حنظلة رضي الله عنه إن الملائكة غسلته وفي جعفر رضي الله عنه إن له جناحين يطير بهما في الجنة ثم كما أن من بعثه رسول الله عليه السلام خليفته في التبليغ فكل من سمع شيئا في أمر الدين فهو خليفته في التبليغ مأمور من جهته بالبيان كالمبعوث لقوله عليه الصلاة والسلام ألا فليبلغ الشاهد الغائب ولقوله عليه السلام نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من يسمعها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى ما هو أفقه منه فينبغي أن يثبت ترجح جانب الصدق في خبر كل عدل أيضا كرامة لرسول الله عليه السلام وفي قوله ( فرب حامل فقه ) بيان أن ما يخبر به الواحد فقه والفقه في الدين ما يكون حجة ولأنا نعلم أنه عليه السلام كان يأكل الطعام وما كان يزرع بنفسه ليتيقن بصفة الحل فيما يأكله وقد كان مأمورا بأكل الطيب قال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وربما كان يهدي إليه على ما روي أن سلمان رضي الله عنه أهدي إليه طبقا من رطب وأن بريرة رضي الله عنها كانت تهدي إليه وكان يدعى إلى طعام فلو لم يكن خبر الواحد حجة للعمل به في حق الله تعالى لما اعتمد ذلك فيما يأكله ولا يقال كان يعلم من طريق الوحي حل ما يتناوله لأنه ما كان منتظر الوحي عند أكله ألا ترى أنه تناول لقمة من الشاة المصلية فلما لم يسغها سأل عن شأنها فأخبر بذلك فأمر بالتصدق بها وتناول لقمة من الشاة المسمومة فعرفنا أنه ما كان ينتظر الوحي عند كل أكلة والذي يؤيد ما قلنا حكم الشهادات فإن الله تعالى أمر القاضي بالقضاء بالشهادة ومعلوم أن الاحتمال يبقى بعد شهادة شاهدين فلو كان شرط وجوب العمل بالخبر انتفاء تهمة الكذب من كل وجه لما وجب على القاضي القضاء بالشهادة مع بقاء هذا الاحتمال فإن قيل الشهادات لإظهار حقوق العباد وقد بينا أن هذا الشرط غير معتبر فيما هو من حقوق العباد
قلنا كما يجب القضاء بما هو من حقوق العباد عند أداء الشهادة يجب القضاء بما هو من حقوق الله تعالى كحد الشرب والسرقة والزنا ثم وجوب القضاء بالشهادة من حقوق الله تعالى حتى إذا امتنع من غير عذر يفسق وإذا لم ير ذلك أصلا يكفر إلا أن سببه حق العبد وبه لا يخرج من أن يكون حقا لله تعالى كالزكاة فإنها تجب حقا لله تعالى بسبب مال هو حق العبد وقد يترتب على خبر الواحد في المعاملات ما هو حق الله تعالى نحو الإخبار بطهارة الماء ونجاسته والإخبار بأن هذا الشيء أهداه إليك فلان وأن فلانا وكلني ببيع هذا الشيء فإنه يترتب على هذا كله ما هو حق الله تعالى وهو إباحة التناول فإن الحل والحرمة من حق الله ولا يظن بأحد أنه لا يرى الاعتماد في مثل هذا على خبر الواحد فإنه يتعذر به على الناس الوصول إلى حوائجهم ألا ترى أنه وإن أخبره أن العين ملكه ببيعه فمن الجائز أنه غاصب وإذا ألجأته الضرورة إلى التسليم في هذا يقاس عليه ما سواه ويتبين به فساد اشتراط انتفاء تهمة الكذب عن الخبر للعمل به فيما هو من حق الله تعالى وبهذا يتبين خطأ من زعم أن هذا عمل بغير علم فإنه عندنا عمل بعلم هو ثابت من حيث الظاهر ولكنه غير مقطوع به وقد سمى الله تعالى مثله علما فقال وما شهدنا إلا بما علمنا وإنما قالوا ذلك سماعا من مخبر أخبرهم به وقال فإن علمتموهن مؤمنات وإنما قال ذلك باعتبار غالب الرأي واعتماد نوع من الظاهر فدل على أن مثله علم لا ظن إنما الظن عند خبر الفاسق ولهذا أمر الله بالتوقف في خبره وبين المعنى فيه بقوله أن تصيبوا قوما بجهالة فيكون ذلك بيانا أن من اعتمد خبر العدل في العمل به يكون مصيبا بعلم لا بجهالة إلا أن ذلك ( علم ) باعتبار الظاهر لأن عدالته ترجح جانب الصدق في خبره وإذا كان هذا النوع من الظاهر يصلح حجة للقضاء به فلأن يصلح حجة للعمل به في أمر الدين كان أولى لأن هذا الحكم أسرع ثبوتا ألا ترى أن بالقياس يثبت ومعلوم أن هذا الاحتمال في القياس أظهر والقياس دون خبر الواحد ومن لا يجوز العمل بخبر الواحد هنا يفزع إلى القياس فكيف يستقيم ترك العمل بما هو أقوى لبقاء احتمال فيه والفزع إلى ما هو دونه وهذا الاحتمال فيه أظهر فإن قيل هذا سهو فإن الكلام في إثبات الحكم ابتداء والقياس لا يصلح لنصب الحكم ابتداء وإنما ذلك بالسماع ممن ينزل عليه الوحي وقد كان معصوما عن مثل هذا الاحتمال في خبره فعرفنا أنه لا يثبت الحكم ابتداء إلا بخبر يضاهي السماع منه وذلك بأن يبلغ حد التواتر إلا أن في القضاء تركنا هذا الشرط لضرورة بالناس فإنهم يحتاجون إلى إظهار حقوقهم بالحجة عند القاضي ولا يتمكنون من مثل هذا الخبر في كل حق يجب لبعضهم على بعض
قلنا رضينا بهذا الكلام ونقول حاجتنا إلى معرفة أحكام الدين وحقوق الله تعالى علينا لنعمل به مثل حاجة من كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته وكانوا يسمعون منه ومعلوم أن بعد تطاول الزمان لا يوجد مثل هذا الخبر في كل حكم من أحكام الشرع فوجب أن يجعل خبر الواحد فيه حجة للعمل باعتبار الظاهر لتحقق الحاجة إليه كما جعل مثل هذه الحاجة معتبرا في وجوب القضاء على القاضي بالشهادة مع بقاء الاحتمال مع أنه ليس الطريق ما قالوا في باب القضاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمع الخصومة في حقوق العباد ويقضي بالشهادات والأيمان وكان يقول إنما أنا بشر مثلكم أقضي بما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما أقطع له قطعة من النار ومعلوم أن مثل هذه الضرورة ما كان يتحقق في حقه فقد كان الوحي ينزل عليه ولو كان توهم الكذب في شهادة الشهود يمنع بثبوت العلم في ( حق ) العمل بشهادتهم لما قضى رسول الله بالشهادة قط فإنه كان متمكنا من القضاء بعلم وذلك بأن ينتظر نزول الوحي عليه فما كان يجوز له أن يقضي بغير علم وقد نقل قضاياه مشهورا بالشهادات والأيمان فهو دليل على صحة ما قلنا والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في العمل بخبر الواحد أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى ذكر محمد رحمه الله بعضها في الاستحسان وأورد أكثرها عيسى بن أبان رحمه الله مستدلا بجواز العمل بخبر الواحد ولكنا لم نشتغل بها لشهرتها ولعلمنا أن الخصوم يتعنتون فيقولون كيف يحتجون على وجوب العمل بخبر الواحد بالآحاد من الأخبار وهو نفس الخلاف فلهذا اشتغلنا بالاستدلال بما هو شبه المحسوس فكأن عيسى ابن أبان إنما استدل بها لكونها مشهورة في حيز التواتر ولأن العمل بالقياس جائز فيما لا نص فيه ثبت ذلك باتفاق الصحابة وخبر الواحد أقوى من القياس لأن المعمول به وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شبهة فيه وإنما الشبهة في طريق الاتصال به وفي القياس الشبهة والاحتمال في المعنى المعمول به والطريق فيهما غالب الرأي فكان جواز العمل بالقياس دليلا على جواز العمل بخبر الواحد بالطريق الأولى يقرره أن العامي إذا سأل المفتي حادثته فأفتى بشيء يلزمه العمل به ولو سأله عن اعتقاده في ذلك فأخبر أنه معتقد لما يفتيه به كان عليه أن يعتمد قوله وفيه احتمال السهو والكذب ولكن باعتبار فقهه يترجح جانب الإصابة وباعتبار عدالته يترجح جانب الصدق فيه فيجب العمل به فكذلك فيما يخبر به العدل لأن جانب الصدق يترجح بظهور عدالته وما قالوا إن في هذا إثبات زيادة درجة لخبر غير المعصوم على خبر المعصوم غلط بين فإن الحاجة إلى ظهور المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته وليكون خبره موجبا علم اليقين ولا يثبت مثل ذلك بخبر مثل هذا المخبر ألا ترى أن العمل بخبر المخبر في المعاملات جائز عدلا كان أو فاسقا إذا وقع في قلب السامع أنه صادق ولا يكون في هذا قولا بزيادة خبره على خبر المعصوم عن الكذب وأما من قال بأن خبر الواحد يوجب العلم فقد استدل بما روي أن النبي عليه السلام قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة في أموالهم ومراده الإعلام بالإخبار وأما إذا لم يكن خبر الواحد موجبا للعلم للسامع لا يكون ذلك إعلاما ولأن العمل يجب بخبر الواحد ولا يجب العمل إلا بعلم قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم ولأن الله تعالى قال في نبأ الفاسق أن تصيبوا قوما بجهالة وضد الجهالة العلم وضد الفسق العدالة ففي هذا بيان أن العلم إنما لا يقع بخبر الفاسق وأنه يثبت بخبر العدل ثم قد يثبت بالآحاد من الأخبار ما يكون الحكم فيه العلم فقط نحو عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة فبهذا ونحوه يتبين أن خبر الواحد موجب للعلم
ولكنا نقول هذا القائل كأنه خفي عليه الفرق بين سكون النفس وطمأنينة القلب وبين علم اليقين فإن بقاء احتمال الكذب في خبر غير المعصوم معاين لا يمكن إنكاره ومع الشبهة والاحتمال لا يثبت اليقين وإنما يثبت سكون النفس وطمأنينة القلب بترجح جانب الصدق ببعض الأسباب وقد بينا فيما سبق أن علم اليقين لا يثبت بالمشهور من الأخبار بهذا المعنى فكيف يثبت بخبر الواحد وطمأنينة القلب نوع علم من حيث الظاهر فهو المراد بقوله ( ثم أعلمهم ) ويجوز العمل باعتباره كما يجوز العمل بمثله في باب القبلة عند الاشتباه وينتفي باعتبار مطلق الجهالة لأنه يترجح جانب الصدق بظهور العدالة بخلاف خبر الفاسق فإنه يتحقق فيه المعارضة من غير أن يترجح أحد الجانبين فأما الآثار المروية في عذاب القبر ونحوها فبعضها مشهورة وبعضها آحاد وهي توجب عقد القلب عليه والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل به أو أهم فإن ذلك ليس من ضرورات العلم قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وقال تعالى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فتبين أنهم تركوا عقد القلب على ثبوته بعد العلم به وفي هذا بيان أن هذه الآثار لا تنفك عن معنى وجوب العمل بها ويحكى عن النظام أن خبر الواحد عند اقتران بعض الأسباب به موجب للعلم ضرورة قال ألا ترى أن من مر بباب فرأى آثار غسل الميت وسمع عجوزا تخرج من الدار وهي تقول مات فلان فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر لاقتران هذا السبب به قال وهو علم يحدثه الله تعالى في قلب السامع بمنزلة العلم للسامع بخبر التواتر إذ ليس في التواتر إلا مجموع الآحاد ويجوز القول بأن الله تعالى يحدثه في قلب بعض السامعين دون البعض كما أنه يحدث الولد ببعض الوطء دون البعض وهذا قول باطل فإن ما يكون ثابتا ضرورة لا يختلف الناس فيه بمنزلة العلم الواقع بالمعاينة والعلم الواقع بخبر التواتر ثم في هذا إبطال أحكام الشرع من الرجوع إلى البينات والأيمان عند تعارض الدعوة والإنكار والمصير إلى اللعان عند قذف الزوج زوجته فإن القرائن من أبين الأسباب وكان ينبغي أن يكون خبر الزوج موجبا العلم ضرورة فلا يجوز للقاضي عند ذلك أن يصير إلى اللعان وكذلك في سائر الخصومات ينبغي أن ينتظر إلى أن يحصل له علم الضرورة بخبر المخبرين فيعمل به واقتران المعجزات بأخبار الرسل من أقوى الأسباب ثم العلم الحاصل بالنبوة يكون كسبيا لا ضروريا فكيف يستقيم مع هذا لأحد أن يقول إن بخبر الواحد يثبت العلم الضروري بحال من الأحوال فإن قيل فقد قلتم الآن إن من جحد الرسالة فإنما جحد بعد العلم بها فدل أن العلم الضروري كان ثابتا بالخبر قلنا إنما كان ذلك من قوم متعنتين عرفوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته من كتابهم ثم جحدوا عنادا كما قال تعالى وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ولا يظن أحد أن جميع الكفار كانوا عالمين بذلك ضرورة ثم تواطؤا على الجحود على ذلك لأن في هذا القول نفي العلم بخبر التواتر فإن ثبوت العلم به باعتبار انتفاء تهمة التواطؤ فكيف يجوز إثبات علم الضروري عند خبر الواحد بطريق يدل على نفي العلم بخبر التواتر وبمثله يتبين عوار المبطلين والله ولي المتقين فأما خبر المخبر بالموت إنما يوجب سكون النفس وطمأنينة القلب ألا ترى أنه إذا شككه آخر بقوله اختفى صاحب الدار من السلطان فأظهر هذا تشكك فيه ولو كان الثابت له علما ضروريا لما تشكك فيه بخبر الواحد وأما من شرط عدد الشهادة استدل فيه بالنصوص الواردة في باب الشهادات فإن الشرع اعتبر ذلك لثبوت العلم على وجه يجب العمل به فعرفنا أن بدون ذلك لا يثبت العلم على وجه يجب العمل به في خبر متميل بين الصدق والكذب
والدليل عليه أن أبا بكر رضي الله عنه حين شهد عنده المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام أطعم الجدة السدس قال ائت بشاهد آخر فشهد معه محمد بن مسلمة رضي الله عنه ولما روى أبو موسى لعمر خبر الاستئذان فقال ائت بشاهد آخر فشهد معه أبو سعيد الخدري رضي الله عنهم وقال عمر رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وقال علي رضي الله عنه في حديث أبي سنان الأشجعي رضي الله عنه في مهر المثل ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه في هذا بيان أنهم كانوا لا يقبلون خبر الواحد وكانوا يعتبرون لطمأنينة القلب عدد الشهادة كما كانوا يعتبرون لذلك صفة العدالة ومن بالغ في الاحتياط فقد اعتبر أقصى عدد الشهادة لأن ما دون ذلك محتمل وتمام الرجحان عند انقطاع الاحتمال بحسب الإمكان ولكنا نستدل بقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ومعلوم أن هذا النعت لكل مؤمن فهو تنصيص على أن قول كل مؤمن في باب الدين يكون أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وإنما يكون كذلك إذا كان يجب العمل بما يأمر به من المعروف فاشتراط العدد في الأمرين يكون زيادة وجميع ما ذكرنا حجة على هؤلاء ولا حجة لهم في شيء مما ذكروا فإن هذه الآثار إنما تكون حجة لهم إذا أثبتوا النقل فيها من اثنين عن اثنين حتى اتصل بهم لأن بدون ذلك لا تقوم الحجة عندهم ولا يتمكن أحد من إثبات هذا في شيء من أخبار الآحاد ثم إنما طلب أبو بكر رضي الله عنه شاهدا آخر من المغيرة لأنه شك في خبره باعتبار معنى وقف عليه أو باعتبار أنه أخبر أن هذا القضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بمحضر من الجماعة فأحب أن يستثبت لذلك وكذلك عمر رضي الله عنه إنما أمر أبا موسى أن يأتي بشاهد آخر لأنه أخبر بما تعم به البلوى فيحتاج الخاص والعام إلى معرفته فأحب أن يستثبته ولو لم يأت بشاهد آخر لكان يقبل حديثه أيضا وذكر بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله أنه لا يقبل حديثه لو لم يأت بشاهد آخر في ذلك الوقت لأن في الرواة يومئذ كثرة فكان لا تتحقق الضرورة في العمل بخبر الواحد ومثله لا يوجد بعد تطاول الزمان ولكن الأصح هو الأول وعليه نص محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان فقال لو لم يأت بشاهد آخر لكان يقبل حديثه أيضا ألا ترى أنه قبل حديث ضحاك بن سفيان رضي الله عنه في توريث المرأة من دية زوجها وقبل حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في الطاعون حين رجع من الشام وقبل حديثه أيضا في أخذ الجزية من المجوس ولم يطلب منه شاهدا آخر وإنما لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس لكونه مخالفا للكتاب والسنة فإن السكنى لها منصوص عليه في قوله أسكنوهن من حيث سكنتم وهي قالت ولم يجعل لي رسول الله عليه السلام نفقة ولا سكنى وإنما لم يقبل علي رضي الله عنه حديث أبي سنان لمذهب له كان ينفرد به وهو أنه كان لا يقبل رواية الأعراب وكان يحلف الراوي إذا روى له حديثا إلا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ألا ترى أن ابن مسعود رضي الله عنه لما لم يكن هذا من مذهبه قبل حديث أبي سنان وسر به وباب الشهادات ليس نظير باب الأخبار بالاتفاق ففي الشهادة كل امرأتين تقومان مقام رجل واحد وفي الأخبار الرجال والنساء سواء
ولكن نقول اشتراط العدد في الشهادات عرفناه بالنص من غير أن يعقل فيه معنى فإن العلم الحاصل بخبر الواحد العدل لا يزداد بانضمام مثله إليه وانتفاء تهمة الكذب لا يحصل أيضا بنصاب الشهادة فعرفنا أن ذلك مما استأثر الله بعلمه والواجب علينا فيه اتباع النص وباب الأخبار ليس في معناه ألا ترى أنه لا اختصاص في باب الأخبار بلفظ الشهادة ولا بمجلس القضاء وأن الشهادات الموجبة للقضاء تختص بذلك وكذلك حكم الأخبار لا يختلف باختلاف المخبر به من أحكام الدين وتختلف باختلاف المشهود به فيثبت بعض الأحكام بشهادة النساء مع الرجال ولا يثبت البعض ويثبت البعض بشهادة امرأة واحدة وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة رضي الله عنه حجة تامة وسنقرر هذا الكلام في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى فصل في بيان أقسام ما يكون خبر الواحد فيه حجة قال رضي الله عنه هذه أربعة أقسام أحدها أحكام الشرع التي هي فروع الدين فيما يحتمل النسخ والتبديل فإنها واجبة لله تعالى علينا يلزمنا أن ندين بها وهي نوعان ما لا يندرىء بالشبهات كالعبادات وغيرها وخبر الواحد العدل حجة فيها لإيجاب العمل من غير اشتراط عدد ولا لفظ بل بأوصاف تشترط في المخبر على ما نبينه وهذا لأن المعتبر فيه رجحان جانب الصدق لا انتفاء احتمال الكذب وذلك حاصل من غير عدد ولا تعيين لفظ وليس لزيادة العدد وتعيين اللفظ تأثير في انتفاء تهمة الكذب والصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون مثل هذه الأخبار من الواحد لإيجاب العمل من غير اشتراط زيادة العدد إلا على سبيل الاحتياط من بعضهم نحو ما روي أن عليا رضي الله عنه كان يحلف الراوي على ما قال كنت إذا لم أسمع حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثني به غيره حلفته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ثم استغفر ربه إلا غفر له ففي هذا بيان أنه كان يحتاط فيحلف الراوي وما كان يشترط زيادة العدد ولا تعيين لفظ الشهادة فلو كان ذلك شرطا لاستوى فيه المتقدمون والمتأخرون كما في الشهادات في الأحكام وأما ما يندرىء بالشبهات فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله في الأمالي أن خبر الواحد فيه حجة أيضا وهو اختيار الجصاص رحمه الله وكان الكرخي رحمه الله يقول خبر الواحد فيه لا يكون حجة وجه القول الأول أن المعتبر في خبر الواحد ليكون حجة ترجح جانب الصدق وعند ذلك يكون العمل به واجبا فيما يندرىء بالشبهات وفيما يثبت بالشبهات كما في البينات ولو كان مجرد الاحتمال مانعا للعمل فيما يندرىء بالشبهات لم يجز العمل فيها بالبينة وكذلك يجوز العمل فيها بدلالة النص مع بقاء الاحتمال ووجه القول الآخر أن في اتصال خبر الواحد بمن يكون قوله حجة موجبة للعلم شبهة وما يندرىء بالشبهات لا يجوز إثباته بما فيه شبهة ألا ترى أنه لا يجوز إثباته بالقياس وإنما جوزنا إثباته بالشهادات بالنص وهو قوله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم وما كان ثابتا بالنص بخلاف القياس لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه وخبر الواحد ليس في معنى الشهادة من كل وجه
والقسم الثاني حقوق العباد التي فيها إلزام محض ويشترك فيها أهل الملل وهذا لا يثبت بخبر الواحد إلا بشرط العدد وتعيين لفظ الشهادة والأهلية والولاية لأنها تبتنى على منازعات متحققة بين الناس بعد التعارض بين الدعوى والإنكار وإنما شرعت مرجحة لأحد الجانبين فلا يصلح نفس الخبر مرجحا للخبر إلا باعتبار زيادة توكيد من لفظ شهادة أو يمين فهما للتوكيد ألا ترى أن كلمات اللعان شرع فيها لفظ الشهادة واليمين للتوكيد وزيادة العدد أيضا للتوكيد وطمأنينة القلب إلى قول المثنى أظهر إذ الواحد يميل إلى الواحد عادة قلما يتفق الاثنان على الميل إلى الواحد في حادثة واحدة ولأن الخصومات إنما تقع باعتبار الهمم المختلفة للناس والمصير إلى التزوير والاشتغال بالحيل والأباطيل فيها ظاهر فجعلها الشرع حجة بشرط زيادة العدد وتعيين لفظ الشهادة تقليلا لمعنى الحيل والتزوير فيها بحسب وسع القضاة وليس هذا نظير القسم الأول فإن السامع هناك حاجته إلى الدليل للعمل به لا إلى رفع دليل مانع وخبر الواحد باعتبار حسن الظن بالراوي دليل صالح لذلك فأما في المنازعات فالحاجة إلى رفع ما معه من الدليل وهو الإنكار الذي هو معارض لدعوى المدعي فاشتراط الزيادة في الخبر هنا لهذا المعنى ومن القسم الأول الشهادة على رؤية هلال رمضان إذا كان بالسماء علة فالثابت به حق الله تعالى على عباده وهو أداء الصوم ومن القسم الثاني الشهادة على هلال الفطر فالثابت به حق العباد لأن في الفطر منفعة لهم وهو ملزم إياهم ومن ذلك أيضا الإخبار بالحرمة بسبب الرضاع في ملك النكاح أو ملك اليمين فإنه يبتني على زوال الملك لأن ثبوت الحل لا يكون بدون الملك فانتفاؤه يوجب انتفاء الملك والملك من حقوق العباد فإن كان الحل والحرمة من حقوق الله تعالى وكذلك الإخبار بالحرمة في الأمة فإن حرمة الفرج وإن كان من حق الله تعالى فثبوتها يبتني على زوال الملك الذي هو حق العباد فلا يكون خبر الواحد حجة فيها بدون شرائط الشهادة بخلاف الخبر بطهارة الماء ونجاسته والخبر بحل الطعام والشراب وحرمته فإن ذلك من القسم الأول لأن ثبوت الملك ليس من ضرورة ثبوت الحل فيه وزوال الحل لا يبتنى على زوال الملك فيه ضرورة ومما اختلفوا فيه التزكية فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما هي من القسم الأول لا يعتبر فيها العدد ولا لفظ الشهادة لأن الثابت بها تقرر الحجة وجواز القضاء وذلك حق الشرع وعند محمد رحمه الله هو نظير القسم الثاني في اشتراط العدد فيها لأنه يتعلق بها ما هو حق العباد وهو استحقاق القضاء للمدعي بحقه والقسم الثالث المعاملات التي تجري بين العباد مما لا يتعلق بها اللزوم أصلا وخبر الواحد فيها حجة إذا كان المخبر مميزا عدلا كان أو غير عدل صبيا كان أو بالغا كافرا كان أو مسلما وذلك نحو الوكالات والمضاربات والإذن للعبيد في التجارة والشراء من الوكلاء والملاك حتى إذا أخبره صبي مميز أو كافر أو فاسق أن فلانا وكله أو أن مولاه أذن له فوقع في قلبه أنه صادق يجوز له أن يشتغل بالتصرف بناء على خبره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل هدية الطعام من البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر أيضا والمعاملات بين الناس في الأسواق من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ظاهر لا يخفى على واحد منهم لا يشترطون العدالة فيمن يعاملونه وأنهم يعتمدون خبر كل مميز يخبرهم بذلك لما في اشتراط العدالة فيه من الحرج البين
والفرق بين هذا وبين ما سبق من وجهين أحدهما أن الضرورة ( هنا ) تتحقق بالحاجة إلى قبول خبر كل مميز لأن الإنسان قلما يجد العدل ليبعثه إلى غلامه أو وكيله ولا دليل مع السامع سوى هذا الخبر ولا يتمكن من الرجوع إليه للعمل وكذلك المتصرف مع الوكيل فإن أقصى ما يمكنه أن يرجع إلى الموكل ولعله غاصب غير مالك أيضا وللضرورة تأثير في التخفيف ولا يتحقق مثل هذه الضرورة في الأخبار فيما يرجع إلى أحكام الشرع لأن في العدول من الرواة كثرة ويتمكن السامع من الرجوع إلى دليل آخر يعمل به إذا لم يصح الخبر عنده وهو القياس الصحيح والثاني وهو أن هذه الأخبار غير ملزمة لأن العبد والوكيل يباح لهما الإقدام على التصرف من غير أن يلزمهما ذلك واشتراط العدالة ليترجح جانب الصدق من الخبر فيصلح أن يكون ملزما وذلك فيما يتعلق به اللزوم من أحكام الشرع دون ما لا يتعلق به اللزوم من المعاملات ثم هذه الحالة حالة المسالمة واشتراط زيادة العدد واللفظ في الشهادة إنما كان باعتبار المنازعة والخصومة فيسقط اعتبار ذلك عند المسالمة وعلى هذا بنى المسائل في آخر الاستحسان فقال إذا قال كان هذا العين لي في يد فلان غصبا فأخذتها منه لم يجز للسامع أن يعتمد خبره لأنه في خبره يشير إلى المنازعة ولو قال تاب من غصبه فرده على جاز أن يعتمد خبره إذا وقع في قلبه أنه صادق لأنه يشير إلى المسالمة وكذلك لو تزوج امرأة فأخبره مخبر بأنها حرمت عليه بسبب عارض من رضاع أو غيره يجوز له أن يعتمد خبره ويتزوج أختها ولو أخبره أنها كانت محرمة عليه عند العقد لم يقبل خبره لأنه ليس في الحرمة الطارئة معنى المنازعة وفي المقارنة للعقد يتحقق ذلك فإقدامه على مباشرة العقد تصريح منه بأنها حلال له وكذلك المرأة إذا أخبرت بأن الزوج طلقها وهو غائب يجوز لها أن تعتمد خبر المخبر وتتزوج بعد انقضاء العدة بخلاف ما إذا أخبرت أن العقد كان بينهما باطلا في الأصل بمعنى من المعاني والمسائل على هذا الأصل كثيرة والقسم الرابع ما يتعلق به اللزوم من وجه دون وجه من المعاملات وذلك نحو الحجر على العبد المأذون وعزل الوكيل فإن الحجر نظير الإطلاق فمن هذا الوجه هو غير ملزم إياه شيئا ولكنه لو تصرف بعد ثبوت الحجر كان ذلك ملزما إياه العهدة ففي هذا الخبر معنى اللزوم من هذا الوجه ثم على قول أبي حنيفة رضي الله عنه يشترط في هذا الخبر أحد شرطي الشهادة إما العدد أو العدالة وعند أبي يوسف ومحمد هذا نظير ما سبق والشرط فيه أن يكون المخبر مميزا عدلا كان أو غير عدل حتى إذا أخبر فاسق العبد بأن مولاه قد حجر عليه يصير محجورا عندهما اعتبارا للحجر بالإطلاق فالمعنى الذي ذكرنا فيه موجود هنا وقياسا للمخبر الفضولي على ما إذا كان رسول المولى وكذلك إذا أخبر الوكيل بأن الموكل عزله أو أخبرت البكر بأن وليها زوجها فسكتت أو أخبر الشفيع ببيع الدار فسكت عن طلب الشفعة أو أخبر المولى بأن عبده جنى فأعتقه ف أبو حنيفة يقول في هذه الفصول كلها خبر الفاسق غير معتبر إذا نشأ الخبر من عنده لأن فيه معنى اللزوم فإنه يلزمه الكف عن التصرف إذا أخبره بالحجر والعزل ويلزمها النكاح إذا سكتت بعد العلم والكف عن طلب الشفعة إذا سكت بعد العلم والدية إذا أعتق بعد العلم بالجناية وخبر الفاسق لا يكون ملزما لأن التوقف في خبر الفاسق ثابت بالنص ومن ضرورته أن لا يكون ملزما بخلاف الرسول فإن عبارته كعبارة المرسل ثم بالمرسل حاجة إلى تبليغ ذلك وقلما يجد عدلا يستعمله في الإرسال إلى عبده ووكيله
فأما الفضولي فمتكلف لا حاجة به إلى هذا التبليغ والسامع غير محتاج إليه أيضا لأنه معه دليل يعتمده للتصرف إلى أن يبلغه ما يرفعه فلهذا شرطنا العدالة في الخبر في هذا القسم ولا يشترط العدد لأن اشتراطها لأجل منازعة متحققة وذلك غير موجود هنا فإن كان المخبر هنا فاسقين فقد قال بعضهم يثبت بخبرهما لوجود أحد الشرطين وقال بعضهم لا يثبت لأن خبر الفاسقين لا يصلح للإلزام كخبر الفاسق الواحد ولفظ الكتاب مشتبه فإنه قال حتى يخبره رجلان أو رجل عدل فقيل معناه رجلان عدل أو رجل عدل لأن صيغة هذا النعت للفرد والجماعة واحد ألا ترى أنه يقال شاهدا عدل ومن اعتمد القول الأول قال اشتراط زيادة العدد للتوكيد هنا بمنزلة اشتراط العدد في إخبار العدول في الشهادات فإنها للتوكيد واستدل عليه بما قال في الاستحسان لو أخبر أحد المخبرين بطهارة الماء والآخر بنجاسته وأحدهما عدل والآخر غير عدل فإنه يعتمد خبر العدل منهما ولو كان في أحد الجانبين مخبران وفي الجانب الآخر واحد واستووا في صفة العدالة فإنه يأخذ بقول الاثنين وكذلك في الجرح والتعديل كما يرجح خبر العدل على خبر غير العدل يترجح خبر المثنى من العدول على خبر الواحد فعرفنا أن في زيادة العدد معنى التوكيد والذي أسلم في دار الحرب إذا لم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان لم يلزمه القضاء فإن أخبره بذلك فاسق فقد قال مشايخنا هو على الخلاف أيضا عند أبي حنيفة لا يعتبر هذا الخبر في إيجاب القضاء عليه وعندهما يعتبر قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه يعتبر الخبر هنا في إيجاب القضاء عندهم جميعا لأن هذا المخبر نائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور من جهته بالتبليغ كما قال ألا فليبلغ الشاهد الغائب فهو بمنزلة رسول المالك إلى عبده ثم هو غير متكلف في هذا الخبر ولكنه مسقط عن نفسه ما لزمه من الأمر بالمعروف فلهذا يعتبر خبره فصل في أقسام الرواة الذين يكون خبرهم حجة قال رضي الله عنه اعلم بأن الرواة قسمان معروف ومجهول فالمعروف نوعان من كان معروفا بالفقه والرأي في الاجتهاد ومن كان معروفا بالعدالة وحسن الضبط والحفظ ولكنه قليل الفقه فالنوع الأول كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله عنهم وخبرهم حجة موجبة للعلم الذي هو غالب الرأي ويبتنى عليه وجوب العمل سواء كان الخبر موافقا للقياس أو مخالفا له فإن كان موافقا للقياس تأيد به وإن كان مخالفا للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر وكان مالك بن أنس يقول يقدم القياس على خبر الواحد في العمل به لأن القياس حجة بإجماع السلف من الصحابة ودليل الكتاب والسنة والإجماع أقوى من خبر الواحد فكذلك ما يكون ثابتا بالإجماع ولكنا نقول ترك القياس بالخبر الواحد في العمل به أمر مشهور في الصحابة ومن بعدهم من السلف لا يمكن إنكاره حتى يسمون ذلك معدولا به عن القياس وعليه دل حديث عمر رضي الله عنه فإن حمل ابن مالك رضي الله عنه حين روى له حديث الغرة في الجنين قال كدنا أن نقضي فيه برأينا فيما فيه قضاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به وفي رواية لولا ما رويت لرأينا خلاف ذلك وقال ابن عمر رضي الله عنه كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي عليه السلام نهى عن إكراء المزارع فتركناه لأجل قوله ولأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم موجب للعلم باعتبار أصله وإنما الشبهة في النقل عنه
فأما الوصف الذي به القياس فالشبهة والاحتمال في أصله لأنا لا نعلم يقينا أن ثبوت الحكم المنصوص باعتبار هذا الوصف من بين سائر الأوصاف وما يكون الشبهة في أصله دون ما تكون الشبهة في طريقه بعد التيقن بأصله يوضحه أن الشبهة هنا باعتبار توهم الغلط والنسيان في الراوي وذلك عارض وهناك باعتبار التردد بين هذا الوصف وسائر الأوصاف وهو أصل ثم الوصف الذي هو معنى من المنصوص كالخبر والرأي والنظر فيه كالسماع والقياس كالعمل به ولا شك أن الوصف ساكت عن البيان والخبر بيان في نفسه فيكون الخبر أقوى من الوصف في الإبانة والسماع أقوى من الرأي في الإصابة ولا يجوز ترك القوي بالضعيف فأما المعروف بالعدالة والضبط والحفظ كأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسماع منه مدة طويلة في الحضر والسفر فإن أبا هريرة ممن لا يشك أحد في عدالته وطول صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له ( زر غبا تزدد حبا ) وكذلك في حسن حفظه وضبطه فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك على ما روي عنه أنه قال يزعمون أن أبا هريرة يكثر الرواية وإني كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني والأنصار يشتغلون بالقيام على أموالهم والمهاجرون بتجاراتهم فكنت أحضر إذا غابوا وقد حضرت مجلسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( من يبسط منكم رداءه حتى أفيض فيه مقالتي فيضمها إليه ثم لا ينساها ) فبسطت بردة كانت علي فأفاض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ثم ضممتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك شيئا ولكن مع هذا قد اشتهر من الصحابة رضي الله عنه ومن بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس هذا ابن عباس رضي الله عنهما لما سمعه يروي ( توضؤوا مما مسته النار ) قال أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه أرأيت لو ادهن أهلك بدهن فادهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه فقد رد خبره بالقياس حتى روي أن أبا هريرة قال ( له ) يا ابن أخي إذا أتاك الحديث فلا تضرب له الأمثال ولا يقال إنما رده باعتبار نص آخر عنده وهو ما روي أن النبي عليه السلام أتى بكتف مؤربة فأكلها وصلى ولم يتوضأ لأنه لو كان عنده نص لما تكلم بالقياس ولا أعرض عن أقوى الحجتين أو كان سبيله أن يطلب التاريخ بينهما ليعرف الناسخ من المنسوخ أو أن يخصص اللحم من ذلك الخبر بهذا الحديث فحيث اشتغل بالقياس وهو معروف بالفقه والرأي من بين الصحابة على وجه لا يبلغ درجة أبي هريرة في الفقه ودرجته عرفنا أنه استخار التأمل في روايته إذا كان مخالفا للقياس ولما سمعه يروي من حمل جنازة فليتوضأ قال أيلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة ولما سمعت عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا شر الثلاثة قالت كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وهذا عام دخله خصوص وروي أن عائشة قالت لابن أخيها ألا تعجب من كثرة رواية هذا الرجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم حدث بأحاديث لو عدها عاد لأحصاها وقال إبراهيم النخعي رضي الله عنه كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون وقال لو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع وهذا نوع قياس ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا هريرة يروي ما لا يعرف قال لتكفن عن هذا أو لألحقنك بجبال دوس فلمكان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا ما وافق القياس من روايته فهو معمول به وما خالف القياس فإن تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به وإلا فالقياس الصحيح شرعا مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه
ولعل ظانا يظن أن في مقالتنا ازدراء به ومعاذ الله من ذلك فهو مقدم في العدالة والحفظ والضبط كما قررنا ولكن نقل الخبر بالمعنى كان مستفيضا فيهم والوقوف على كل معنى أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه أمر عظيم فقد أوتي جوامع الكلم على ما قال أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا ومعلوم أن الناقل بالمعنى لا ينقل إلا بقدر ما فهمه من العبارة وعند قصور فهم السامع ربما يذهب عليه بعض المراد وهذا القصور لا يشكل عند المقابلة بما هو فقه ( لفظ ) رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتوهم هذا القصور قلنا إذا انسد باب الرأي فيما روي وتحققت الضرورة بكونه مخالفا للقياس الصحيح فلا بد من تركه لأن كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع فما خالف القياس الصحيح من كل وجه فهو في المعنى مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع وبيان هذا في حديث المصراة فإن الأمر برد صاع من تمر مكان اللبن قل أو كثر مخالف للقياس الصحيح من كل وجه لأن تقدير الضمان في العدوانات بالمثل أو القيمة حكم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وكذلك فيما يرويه سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمن وطىء جارية امرأته فإن طاوعته فهي له وعليه مثلها وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث ويتبين أنه كالمخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع ثم هذا النوع من القصور لا يتوهم في الراوي إذا كان فقيها لأن ذلك لا يخفى عليه لقوة فقهه فالظاهر أنه إنما روى الحديث بالمعنى عن بصيرة فإنه علم سماعه ( من رسول الله كذلك مخالفا للقياس ولا تهمة في روايته فكأنا سمعنا ذلك ) من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزمنا ترك كل قياس بمقابلته ولهذا قلت رواية الكبار من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم ألا ترى إلى ما روي عن عمرو بن ميمون قال صحبت ابن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة فإنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذه البهر والفرق وجعلت فرائصه ترتعد فقال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا فبهذا يتبين أن الوقوف على ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاني كلامه كان عظيما عندهم فلهذا قلت رواية الفقهاء منهم فإذا صحت الرواية عنهم فهو مقدم على القياس ومع هذا كله فالكبار من أصحابنا يعظمون رواية هذا النوع منهم ويعتمدون قولهم فإن محمدا رحمه الله ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره وكان درجة أبي هريرة فوق درجته فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا عند الضرورة لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا فأما المجهول فإنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عرف بما روي من حديث أو حديثين نحو وابصة بن معبد وسلمة بن المحبق ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنهم وغيرهم ورواية هذا النوع على خمسة أوجه أحدها أن يشتهر لقبول الفقهاء روايته والرواية عنه والثاني أن يسكتوا عن الطعن فيه بعدما يشتهر والثالث أن يختلفوا في الطعن في روايته والرابع أن يطعنوا في روايته من غير خلاف بينهم في ذلك والخامس أن لا تظهر روايته ولا الطعن فيه فيما بينهم أما من قبل السلف منه روايته وجوزوا النقل عنه فهو بمنزلة المشهورين في الرواية لأنهم ما كانوا متهمين بالتقصير في أمر الدين وما كانوا يقبلون الحديث حتى يصح عندهم أنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما أن يكون قبولهم لعلمهم بعدالته وحسن ضبطه أو لأنه موافق لما عندهم مما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من بعض المشهورين يروي عنه
وكذلك إن سكتوا عن الرد بعدما اشتهر روايته عندهم لأن السكوت بعد تحقق الحاجة لا يحل إلا على وجه الرضا بالمسموع فكان سكوتهم عن الرد دليل التقرير بمنزلة ما لو قبلوه وردوا عنه وكذلك ما اختلفوا في قبوله وروايته عنه عندنا لأنه حين قبله بعض الفقهاء المشهورين منهم فكأنه روى ذلك بنفسه وبيان هذا في حديث معقل بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لبروع بنت واشق الأشجعية بمهر مثلها حين مات عنها زوجها ولم يسم لها صداقا فإن ابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته وسر به لما وافق قضاءه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه رده فقال ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه حسبها الميراث لا مهر لها فلما اختلفوا فيه في الصدر الأول أخذنا بروايته لأن الفقهاء من القرن الثاني كعلقمة ومسروق والحسن ونافع بن جبير قبلوا روايته فصار معدلا بقبول الفقهاء روايته وكذلك أبو الجراح صاحب راية الأشجعيين صدقه في هذه الرواية وكأن عليا رضي الله عنه إنما لم يقبل روايته لأنه كان مخالفا للقياس عنده وابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته لأنه كان موافقا للقياس عنده فتبين بهذا أن رواية مثل هذا فيما يوافق القياس يكون مقبولا ثم العمل يكون بالرواية وأما إذا ردوا عليه روايته ولم يختلفوا في ذلك فإنه لا يجوز العمل بروايته لأنهم كانوا لا يتهمون برد الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بترك العمل به وترجيح الرأي بخلافه عليه فاتفاقهم على الرد دليل على أنهم كذبوه في هذه الرواية وعلموا أن ذلك وهم منه ولو قال الراوي أوهمت لم يعمل بروايته فإذا ظهر دليل ذلك ممن هو فوقه أولى وبيان هذا في حديث فاطمة بنت قيس فإن عمر رضي الله عنه قال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت قال عيسى بن أبان رحمه الله مراده من الكتاب والسنة القياس الصحيح فإن ثبوته بالكتاب والسنة وهو قياس الشبه في اعتبار النفقة بالسكنى من حيث إن كل واحد منهما حق مالي مستحق بالنكاح فإن قيل هذا إشارة إلى غير ما أشار إليه عمر فإنه لم يقل لا نقبل حديثها لعلمنا أنها أوهمت ولكن قال لا ندع كتاب ربنا لأنا لا ندري أصدقت أم كذبت قلنا في قوله لا ندري إشارة إلى هذا المعنى فإن قبول الرواية والعمل به يبتني على ظهور رجحان جانب الصدق وهو بين أنه لم يظهر رجحان جانب الصدق في روايتها والرأي يدل على خلاف روايتها فنترك روايتها ونعمل بالقياس الصحيح وفي المعنى لا فرق بين هذا وبين قوله لا نقبل روايتها بمنزلة القاضي يرد شهادة الفاسق بقوله ائت بشاهد آخر ائت بحجة
ومن هذا النحو حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه في القسامة أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم وحديث بسرة رضي الله عنها من مس ذكره فليتوضأ وحديث أبي هريرة من أصبح جنبا فلا صوم له وأما ما لم يشتهر عندهم ولم يعارضوه بالرد فإن العمل به لا يجب ولكن يجوز العمل به إذا وافق القياس لأن من كل من الصدر الأول فالعدالة ثابتة له باعتبار الظاهر لأنه في زمان الغالب من أهله العدول على ما قال عليه السلام خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فباعتبار الظاهر يترجح جانب الصدق في خبره وباعتبار أنه لم تشتهر روايته في السلف يتمكن تهمة الوهم فيه فيجوز العمل به إذا وافق القياس على وجه حسن الظن به ولكن لا يجب العمل به لأن الوجوب شرعا لا يثبت بمثل هذا الطريق الضعيف ولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستور ولم يوجب على القاضي القضاء لأنه كان في القرن الثالث والغالب على أهله الصدق فأما في زماننا رواية مثل هذا لا يكون مقبولا ولا يصح العمل به ما لم يتأيد بقبول العدول روايته لأن الفسق غلب على أهل هذا الزمان ولهذا لم يجوز أبو يوسف ومحمد القضاء بشهادة المستور قبل ظهور عدالته فصار الحاصل أن الحكم في رواية المشهور الذي لم يعرف بالفقه وجوب العمل وحمل روايته على الصدق إلا أن يمنع منه مانع وهو أن يكون مخالفا للقياس وأن الحكم في رواية المجهول أنه لا يكون حجة للعمل إلا أن يتأيد بمؤيد وهو قبول السلف أو بعضهم روايته والله أعلم فصل في بيان شرائط الراوي حدا وتفسيرا وحكما قال رضي الله عنه اعلم بأن هذه الشرائط أربعة العقل والضبط والعدالة والإسلام أما اشتراط العقل فلأن الخبر الذي يرويه كلام منظوم له معنى معلوم ولا بد من اشتراط العقل في المتكلم من العباد ليكون قوله كلاما معتبرا فالكلام المعتبر شرعا ما يكون عن تمييز وبيان لا عن تلقين وهذيان ألا ترى أن من الطيور من يسمع منه حروف منظومة ويسمى ذلك لحنا لا كلاما وكذلك إذا سمع من إنسان صوته بحروف منظومة لا يدل على معنى معلوم لا يسمى ذلك كلاما فعرفنا أن معنى الكلام في الشاهد ما يكون مميزا بين أسماء الأعلام فما لا يكون بهذه الصفة يكون كلاما صورة لا معنى بمنزلة ما لو صنع من خشب صورة آدمي لا يكون آدميا لانعدام معنى الآدمي فيه ثم التمييز الذي به يتم الكلام بصورته ومعناه لا يكون إلا بعد وجود العقل فكان العقل شرطا في المخبر لأن خبره أحد أنواع الكلام فلا يكون معتبرا إلا باعتبار عقله وأما الضبط فلأن قبول الخبر باعتبار معنى الصدق فيه ولا يتحقق ذلك إلا بحسن ضبط الراوي من حين يسمع إلى حين يروي فكان الضبط لما هو معنى هذا النوع من الكلام بمنزلة العقل الذي به يصح أصل الكلام شرعا وأما العدالة فلأن الكلام في خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا تكون جهة الصدق متعينا في خبره لعينه وإنما يترجح جانب الصدق بظهور عدالته لأن الكذب محظور عقله فنستدل بانزجاره عن سائر ما نعتقده محظورا على انزجاره عن الكذب الذي نعتقده محظورا أو لما كان منزجرا عن الكذب في أمور الدنيا فذلك دليل انزجاره عن الكذب في أمور الدين وأحكام الشرع بالطريق الأولى فأما إذا لم يكن عدلا في تعاطيه فاعتبار جانب تعاطيه يرجح معنى الكذب في خبره لأنه لما لم يبال من ارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمته فالظاهر أنه لا يبالي من الكذب مع اعتقاده حرمته واعتبار جانب اعتقاده يدل على الصدق في خبره فتقع المعارضة ويجب التوقف وإذا كان ترجيح جانب الصدق باعتبار عدالته وبه يصير الخبر حجة للعمل شرعا فعرفنا أن العدالة في الراوي شرط لكون خبره حجة
فأما اشتراط الإسلام لانتفاء تهمة الكذب لا باعتبار نقصان حال المخبر بل باعتبار زيادة شيء فيه يدل على كذبه في خبره وذلك لأن الكلام في الأخبار التي يثبت بها أحكام الشرع وهم يعادوننا في أصل الدين بغير حق على وجه هو نهاية في العداوة فيحملهم ذلك على السعي في هدم أركان الدين بإدخال ما ليس منه فيه وإليه أشار الله تعالى في قوله لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون في الإفساد عليكم وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان فإنهم كتموا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته من كتابه بعدما أخذ عليهم الميثاق بإظهار ذلك فلا يؤمنون من أن يقصدوا مثل ذلك بزيادة هي كذب لا أصل له بطريق الرواية بل هذا هو الظاهر فلأجل هذا شرطنا الإسلام في الراوي لكون خبره حجة ولهذا لم تجوز شهادتهم على المسلمين لأن العداوة ربما تحملهم على القصد للإضرار بالمسلمين بشهادة الزور كما لا تقبل شهادة ذي الضغن لظهور عداوته بسبب الباطن وقبلنا شهادة بعضهم على بعض لانعدام هذا المعنى الباعث على الكذب فيما بينهم وبهذا تبين أن رد خبره ليس لعين الكفر بل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في خبره بمنزلة شهادة الأب للولد فإنها لا تكون مقبولة لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في شهادته وهو شفقة الأبوة وميله إلى ولده طبعا وأما بيان حد هذه الشروط وتفسيرها فنقول العقل نور في الصدر به يبصر القلب عند النظر في الحجج بمنزلة السراج فإنه نور تبصر العين به عند النظر فترى ما يدرك بالحواس لا أن السراج يوجب رؤية ذلك ولكنه يدل العين عند النظر عليه فكذلك نور الصدر الذي هو العقل يدل القلب على معرفة ما هو غائب عن الحواس من غير أن يكون موجبا لذلك بل القلب يدرك ( بالعقل ) ذلك بتوفيق الله تعالى وهو في الحاصل عبارة عن الاختيار الذي يبتنى عليه المرء ما يأتي به وما يذر مما لا ينتهي إلى إدراكه سائر الحواس فإن الفعل أو الترك لا يعتبر إلا لحكمة وعاقبة حميدة ولهذا لا يعتبر من البهائم لخلوه عن هذا المعنى والعاقبة الحميدة لا تتحقق فيما يأتي به الإنسان من فعل أو ترك له إلا بعد التأمل فيه بعقله فمتى ظهرت أفعاله على سنن أفعال العقلاء كان ذلك دليلا لنا على أنه عاقل مميز وأن فعله وقوله ليس يخلو عن حكمة وعاقبة حميدة وهذا لأن العقل لا يكون موجودا في الآدمي باعتبار أصله ولكنه خلق من خلق الله تعالى يحدث شيئا فشيئا ثم يتعذر الوقوف على وجود كل جزء منه بحسب ما يمضي من الزمان على الصبي إلى أن يبلغ صفة الكمال فجعل الشرع الحد لمعرفة كمال العقل هو البلوغ تيسيرا للأمر علينا لأن اعتدال الحال عند ذلك يكون عادة والله تعالى هو العالم حقيقة بما يحدثه من ذلك في كل أحد من عباده من نقصان أو كمال ولكن لا طريق لنا إلى الوقوف على حد ذلك فقام السبب الظاهر في حقنا مقام المطلوب حقيقة تيسيرا وهو البلوغ مع انعدام الآفة ثم يسقط اعتبار ما يوجد من العقل للصبي قبل هذا الحد شرعا لدفع الضرر عنه لا للإضرار به فإن الصبا سبب للنظر له ولهذا لم يعتبر فيما يتردد بين المنفعة والمضرة ويعتبر فيما يتمخض منفعة له ثم خبره في أحكام الشرع لا يكون حجة للإلزام دفعا لضرر العهدة عنه كما لا يجعل وليا في تصرفاته في أمور الدنيا دفعا لضرر العهدة عنه ولهذا صح سماعه وتحمله للشهادة قبل البلوغ إذا كان مميزا فقد كان في الصحابة من سمع في حالة الصغر وروى بعد البلوغ وكانت روايته مقبولة لأنه ليس في ذلك من معنى ضرر لزوم العهدة شيء وإنما يكون ذلك في الأداء فيشترط لفسخه أدائه على وجه يكون حجة كونه عاقلا مطلقا ولا يحصل ذلك إلا باعتدال حاله ظاهرا كما بينا
وصار الحاصل أن العاقل نوعان من يصيب بعض العقل على وجه يتمكن من التمييز به بين ما يضره وما ينفعه ولكنه ناقص في نفسه كالصبي قبل البلوغ والمعتوه الذي يعقل وعاقل هو كامل العقل وهو البالغ الذي لا آفة به فإن بالآفة يستدل تارة على انعدام العقل بعد البلوغ كالمجنون وتارة على نقصان العقل كما في حق المعتوه فإذا انعدمت الآفة كان اعتدال الظاهر بالبلوغ دليلا على كمال العقل الذي هو الباطن والمطلق من كل شيء يتناول الكامل منه فاشتراط العقل لصحة خبره على وجه يكون حجة دليل على أنه يشترط كمال العقل في ذلك فأما الضبط فهو عبارة عن الأخذ بالجزم وتمامه في الأخبار أن يسمع حق السماع ثم يفهم المعنى الذي أريد به ثم يحفظ ذلك ( بجهده ثم يثبت على ذلك ) بمحافظة حدوده ومراعاة حقوقه بتكراره إلى أن يؤدي إلى غيره لأن بدون السماع لا يتصور الفهم وبعد السماع إذا لم يفهم معنى الكلام لم يكن ذلك سماعا مطلقا بل يكون ذلك سماع صوت لا سماع كلام هو خبر وبعد فهم المعنى يتم التحمل وذلك يلزمه الأداء كما تحمل ولا يتأتى ذلك إلا بحفظه والثبات على ذلك إلى أن يؤدي ثم الأداء إنما يكون مقبولا منه باعتبار معنى الصدق فيه وذلك لا يتأتى إلا بهذا ولهذا لم يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه أداء الشهادة لمن عرف خطه في الصك ولا يتذكر الحادثة لأنه غير ضابط لما تحمل وبدون الضبط لا يجوز له أداء الشهادة ثم الضبط نوعان ظاهر وباطن فالظاهر منه بمعرفة صيغة المسموع والوقوف على معناه لغة والباطن منه بالوقوف على معنى الصيغة فيما يبتنى عليه أحكام الشرع وهو الفقه وذلك لا يتأتى إلا بالتجربة والتأمل بعد معرفة معاني اللغة وأصول أحكام الشرع ولهذا لم تقبل رواية من اشتدت غفلته إما خلقة أو مسامحة ومجازفة لأن الضبط ظاهرا لا يتم منه عادة وما يكون شرطا يراعي وجوده بصفة الكمال ولهذا لم يثبت السلف المعارضة بين رواية من لم يعرف بالفقه ورواية من عرف بالفقه لانعدام الضبط باطنا ممن لم يعرف بالفقه على ما يروى عن عمرو بن دينار أن جابر بن زيد أبا الشعثاء روى له عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم قال عمرو فقلت لجابر إن ابن شهاب أخبرني عن يزيد بن الأصم أن النبي عليه السلام تزوجها وهو حلال فقال إنها كانت خالة ابن عباس وهو أعلم بحالها فقلت وقد كانت خالة يزيد بن الأصم أيضا فقال أنى يجعل يزيد بن الأصم بوال على عقبه إلى ابن عباس فدل أن رواية غير الفقيه لا تكون معارضة لرواية الفقيه وهذا الترجيح ليس إلا باعتبار تمام الضبط من الفقيه وكأن المعنى فيه أن نقل الخبر بالمعنى كان مشهورا فيهم فمن لا يكون معروفا بالفقه ربما يقصر في أداء المعنى بلفظه بناء على فهمه ويؤمن مثل ذلك من الفقيه ولهذا قلنا إن المحافظة على اللفظ في زماننا أولى من الرواية بالمعنى لتفاوت ظاهر بين الناس في فهم المعنى فإن قيل كيف يستقيم هذا ونقل القرآن صحيح ممن لا يفهم معناه قلنا أصل النقل في القرآن من أئمة الهدى الذين كانوا خير الورى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما نقلوا بعد تمام الضبط ثم من بعدهم إنما ينقل بعد جهد شديد يكون منه في التعلم والحفظ واستدامة القراءة ولو وجد مثل ذلك في الخبر لكنا نجوز نقله أيضا مع أن الله تعالى وعد حفظ القرآن عن تحريف المبطلين بقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وبهذا النص عرفنا انقطاع طمع الملحدين عن القرآن فصححنا النقل فيه ممن يكون ضابطا له ظاهرا وإن كان لا يعرف معناه ومثل ذلك لا يوجد في الأخبار فكان تمام الضبط فيها بما قلنا مع أن هناك يتعلق بالنظم أحكام منها حرمة القراءة على الجنب والحائض وجواز الصلاة بها في قول بعض العلماء وكون النظم معجزا
فأما في الأخبار المعتبر هو المعنى المراد بالكلام فتمام الضبط إنما يكون بالوقوف على ما هو المراد ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تجوز الشهادة على الكتاب والختم إذا لم يعرف الشاهد ما في باطن الكتاب لأن الضبط في الشهادة شرط للأداء والمقصود ما في باطن الكتاب لا عين الكتاب فلا يتم ضبطه إلا بمعرفة ذلك ولهذا استحب المتقدمون من السلف تقليل الرواية ومن كان أكرمهم وأدوم صحبة وهو الصديق رضي الله عنه كان أقلهم رواية حتى روي عنه أنه قال إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا ولكن ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى وقال عمر رضي الله عنه أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم ولما قيل ل زيد بن أرقم ألا تروي لنا عن رسول الله عليه السلام شيئا فقال قد كبرنا ونسينا والرواية عن رسول الله شديد وقال ابن عباس رضي الله عنهما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات فقد جمع أهل الحديث في هذا الباب آثارا كثيرة ولأجلها قلت رواية أبي حنيفة رضي الله عنه حتى قال بعض الطاعنين إنه كان لا يعرف الحديث ولم يكن على ما ظن بل كان أعلم أهل عصره بالحديث ولكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلت روايته وبيان هذا أن الإنسان قد ينتهي إلى مجلس وقد مضى صدر من الكلام فيخفي على المتكلم حاله لتوقفه على ما مضى من كلامه مما يكون بعده بناء عليه فقلما يتم ضبط هذا السامع لمعنى ما يسمع بعد ما فاته أول الكلام ولا يجد في تأمل ذلك أيضا لأنه لا يرى نفسه أهلا بأن يؤخذ الدين عنه ثم يكون من قضاء الله تعالى أن يصير صدرا يرجع إليه في معرفة أحكام الدين فإذا لم يتم ضبطه في الابتداء لم ينبغ له أن يجازف في الرواية وإنما ينبغي أن يشتغل بما وجد منه الجهد التام في ضبطه فيستدل بكثرة الرواية ممن كان حاله في الابتداء بهذه الصفة على قلة المبالاة ولهذا ذم السلف الصالح كثرة الرواية وهذا معنى معتبر في الروايات والشهادات جميعا ألا ترى أن من اشتهر في الناس بخصلة دالة على قلة المبالاة من قضاء الحاجة بمرأى العين من الناس أو الأكل في الأسواق يتوقف في شهادته فهذا بيان تفسير الضبط وأما العدالة فهي الاستقامة يقال فلان عادل إذا كان مستقيم السيرة في الإنصاف والحكم بالحق وطريق عادل سمي به الجادة وضده الجور ومنه يقال طريق جائر إذا كان من البنيات ثم العدالة نوعان ظاهرة وباطنة فالظاهرة تثبت بالدين والعقل على معنى أن من أصابها فهو عدل ظاهرا لأنهما يحملانه على الاستقامة ويدعوانه إلى ذلك والباطنة لا تعرف إلا بالنظر في معاملات المرء ولا يمكن الوقوف على نهاية ذلك لتفاوت بين الناس فيهما ولكن كل من كان ممتنعا من ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه فهو على طريق الاستقامة في حدود الدين وعلى هذه العدالة نبني حكم رواية الخبر في كونه حجة لأن ما تثبت به العدالة الظاهرة بعارضة هوى النفس والشهوة الذي تصده عن الثبات على طريق الاستقامة فإن الهوى أصل فيه سابق على إصابة العقل ولا يزايله بعدما رزق العقل وبعدما اجتمعا فيه يكون عدلا من وجه دون وجه فيكون حاله كحال الصبي العاقل والمعتوه الذي يعقل من جملة العقلاء وقد بينا أن المطلق يقتضي الكامل فعرفنا أن العدل مطلقا من يترجح أمر دينه على هواه ويكون ممتنعا بقوة الدين عما يعتقد الحرمة فيه من الشهوات ولهذا قال في كتاب الشهادات إن من ارتكب كبيرة فإنه لا يكون عدلا في الشهادة وفيما دون الكبيرة من المعاصي إن أصر على ارتكاب شيء لم يكن مقبول الشهادة
وكان ينبغي أن لا يكون مقبول الشهادة أصر أو لم يصر لأنه فاسق بخروجه عن الحد المحدود له شرعا والفاسق لا يكون عدلا في الشهادة إلا أن في القول بهذا سد الباب أصلا فغير المعصوم لا يتحقق منه التحرز عن الزلات أجمع لأن لله تعالى على العباد في كل لحظة أمرا ونهيا يتعذر عليهم القيام بحقهما ولكن التحرز عن الإصرار بالندم والرجوع عنه غير متعذر والحرج مدفوع وليس في التحرز عن ارتكاب الكبائر الموجبة للحد معنى الحرج فلهذا بنينا حكم العدالة على التحرز المتأتي عما يعتقد الحرمة فيه ولهذا قلنا صاحب الهوى إذا كان ممتنعا عما يعتقد الحرمة فيه فهو مقبول الشهادة وإن كان فاسقا في اعتقاده ضالا لأنه بسبب الغلو في طلب الحجة والتعمق في اتباعه أخطأ الطريق فضل عن سواء السبيل وشدة اتباع الحجة لا تمكن تهمة الكذب في شهادته وإن أخطأ الطريق وكذلك الكافر من أهل الشهادة إذا كان عدلا في تعاطيه بأن كان منزجرا عما يعتقد الحرمة فيه إلا أنه غير مقبول الشهادة على المسلمين لأجل عداوة ظاهرة تحمله على التقول عليه وهي عداوة بسبب باطل فتكون مبطلة للشهادة ولهذا قلنا الرق والأنوثة والعمى لا تقدح في العدالة أصلا وإن كانت تمنع من قبول الشهادة أو تمكن نقصانا فيها لأنه لا تأثير لهذه المعاني في الحمل على ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه والعدالة تبتنى على ذلك ولهذا لم يجعل الفاسق والمستور عدلا مطلقا في حكم الشهادة حتى لا يجوز القضاء بشهادة الفاسق وإن كان لو قضى به القاضي نفذ ولا يجب القضاء بشهادة المستور قبل ظهور حاله وقال الشافعي رحمه الله ولما لم يكن خبر الفاسق والمستور حجة فخبر المجهول أحرى أن لا يكون حجة و قلنا نحن المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته فيكون خبره حجة على الوجه الذي قررنا وأما الإسلام فهو عبارة عن شريعتنا وهو نوعان أيضا ظاهر وباطن فالظاهر يكون بالميلاد بين المسلمين والنشوء على طريقتها شهادة وعبادة والباطن يكون بالتصديق والإقرار بالله كما هو بصفاته وأسمائه والإقرار بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى وقبول أحكامه وشرائعه فمن استوصف فوصف ذلك كله فهو مسلم حقيقة وكذلك إن كان معتقدا لذلك كله فقبل أن يستوصف هو مؤمن فيما بينه وبين ربه حقيقة وقال في الجامع الكبير إذا بلغت المرأة فاستوصفت الإسلام فلم تصف فإنها تبين من زوجها وقد كنا حكمنا بصحة النكاح بظاهر إسلامها ثم يحكم بفساد النكاح حين لم تحسن أن تصف وجعل ذلك ردة منها وقد استقصى بعض مشايخنا في هذا فقالوا ذكر الوصف على سبيل الإجمال لا يكفي ما لم يكن عالما بحقيقة ما يذكر لأن حفظ الفقه غير حفظ المعنى ألا ترى أن من يذكر أن محمدا رسول الله ولا يعرف من هو لا يكون مؤمنا به فإن النصارى يزعمون أنهم يؤمنون بعيسى وعندهم أنه ولد الله فلا يكون ذلك منهم معرفة لعيسى الذي هو عبد الله ورسوله ولكنا نقول في المصير إلى هذا الاستقصاء حرج بين فالناس يتفاوتون في ذلك تفاوتا ظاهرا وأكثرهم لا يقدرون على بيان تفسير صفات الله تعالى وأسمائه على الحقيقة ولكن ذكر الأوصاف على الإجمال يكفي لثبوت الإيمان حقيقة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن الناس بذلك حتى قال للأعرابي الذي شهد برؤية الهلال أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال نعم فقال الله أكبر يكفي المسلمين أحدهم ولما سأله جبريل عن الإيمان والإسلام لأجل تعليم الناس معالم الدين بين ذلك على سبيل الإجمال
وكتاب الله يشهد بذلك قال تعالى فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن وقد كان هذا الامتحان من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالاستيصاف على الإجمال وهذا لأن المطلق عند الاستيصاف يكون محمولا على الكامل كما هو الأصل وقد يعجز المرء عن إظهار ما يعتقده بعبارته فينبغي أن يكون الاستيصاف بذكر ذلك على وجه استفهام المخاطب أنه هل يعتقد كذا وكذا فإذا قال نعم كان مؤمنا حقيقة وإن كان قال لا أعرف ما تقول أو لا أعتقد ذلك فحينئذ يحكم بكفره وكذلك من ظهر منه أمارات المعرفة نحو أداء الصلاة بالجماعة مع المسلمين فإن ذلك يقوم مقام الوصف في الحكم بإيمانه مطلقا قال عليه السلام إذا رأيتم الرجل يعتاد الجماعات فاشهدوا له بالإيمان ولا يختلف ما ذكرنا بالرق والحرية والذكورة والأنوثة والعمى والبصر فلهذا جعلنا خبر هؤلاء في كونه حجة في الأحكام الشرعية بصفة واحدة لأن الشرائط التي يبتنى عليها وجوب قبول الخبر يتحقق في الكل أما العبد فلا شك في استجماع هذه الشرائط فيه وإن لم يكن من أهل الشهادة لأن الأهلية للشهادة تبتنى على الأهلية للولاية على الغير والرق ينفي هذه الولاية وهذا لأن الشهادة تنفيذ القول على الغير وذلك ينعدم في الخبر من وجهين أحدهما أن المخبر لا يلزم أحدا شيئا ولكن السامع إنما يلتزم باعتقاده أن المخبر عنه مفترض الطاعة ( فإذا ترجح جانب الصدق في خبر المخبر ضاهى ذلك المسموع ممن هو مفترض الطاعة ) في اعتقاده فيلزمه العمل باعتبار اعتقاده كالقاضي يلزمه القضاء بالشهادة بتقلده هذه الأمانة لا بإلزام الشاهد إياه فإن كلام الشاهد يلزم المشهود عليه دون القاضي وبيان هذا أن قوله عليه السلام لا صلاة إلا بقراءة ليس في ظاهره إلزام أحد شيئا بل بيان صفة تتأدى به الصلاة إذا أرادها بمنزلة قول القائل لا خياطة إلا بالإبرة والثاني أن المخبر يلتزم أولا ثم يتعدى حكم اللزوم إلى غيره من السامعين فأما الشاهد فإنه يلزم غيره ابتداء ولهذا جعلنا العبد بمنزلة الحر في الشهادة التي يكون فيها التزام على الوجه الذي يكون في الخبر وهو الشهادة على رؤية هلال رمضان ثم قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة المملوك فدل أنه كان يعتمد خبره بأن مولاه أذن له وسلمان رضي الله عنه حين كان عبدا أتاه بصدقة فاعتمد خبره وأمر أصحابه بالأكل ثم أتاه بهدية فاعتمد خبره وأكل منه وكان يعتمد خبر بريرة رضي الله عنها قبل أن تعتق وبعد عتقها فدل أن المملوك في حكم قبول الخبر كالحر وأن الأنثى في ذلك كالذكر وإن تفاوتا في حكم الشهادة لأنه يشترط العدد في النساء لثبوت معنى الشهادة وفي باب الخبر العدد ليس بشرط فكما فارق الشهادة الخبر في اشتراط أصل العدد فكذلك في اشتراط العدد في النساء ألا ترى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم من أمر الدين فيعتمدون خبرهن