Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
وثانيهما أنا لو فرضنا عدم وضع لفظ التصديق المعنى أو وضعه لمعنى آخر لم يكن المتلفظ به مؤمنا قطعا وأجيب بأنهم لا يعنون أن الإيمان هو التلفظ بهذه الحروف كيف ما كانت بل التلفظ بالكلام الدال على تصديق القلب أية ألفاظ كانت وأية حروف من غير أن يجعل التصديق جزأ منه والحاصل أنه اسم للمقيد دون المجموع تمسك المخالف بوجهين أحدهما قوله تعالى فأثابهم الله بما قالوا حيث رتب ثواب الجنة على القول قلنا إن كانت ما موصولة فالقول بالتحقيق هو المعنى وإن كانت مصدرية فالقول إن حمل على اللفظي فالثواب عليه لدلالته على وجود المعنى في النفس وإن حمل على النفس فهو نفس التصديق ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار حيث رتب على القول الخالي عن تصديق القلب العقاب بالنار والمخالف أيضا لا يخالف في ذلك وقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين حيث نفى الإيمان عمن أقر باللسان دون القلب وثانيهما أن النبي عليه السلام ومن بعده كانوا يكتفون من كل أحد بمجرد الإقرار والتلفظ بكلمتي الشهادة حتى أن أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله ذهابا إلى أنه لم يكن مصدقا بالقلب أنكر عليه النبي عليه السلام وقال هلا شققت قلبه وقال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم قلنا هذا في حق أحكام الدنيا وإنما النزاع في أحكام الآخرة وإذا تأملت فحديث أسامة لنا لا علينا قال المقام الثاني أن الإيمان في اللغة التصديق بشهادة النقل عن أئمة اللغة ودلالة موارد الاستعمال ولم ينقل في الشرع إلى معنى آخر أما أولا فلأن النقل خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل وأما ثانيا فلأنه كثر في الكتاب والسنة خطاب العرب به بل كان ذلك أول الواجبات وأساس المشروعات فامتثل من امتثل من غير استفسار ولا توقف إلى بيان ولم يكن ذلك من الخطاب بما لا يفهم وإنما احتيج إلى بيان ما يجب الإيمان به فبين وفصل بعض التفصيل حيث قال النبي عليه السلام لمن سأله عن الإيمان الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله الحديث فذكر لفظ تؤمن بالله تعويلا على ظهور معناه عندهم ثم قال هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم دينكم ولو كان الإيمان غير التصديق لما كان هذا تعليما وإرشادا بل تلبيسا وإضلالا نعم لو قيل أنه في اللغة لمطلق التصديق وقد نقل في الشرع إلى التصديق بأمور مخصوصة فلا نزاع وإنما المقصود أنه تصديق بالأمور المخصوصة بالمعنى اللغوي وهو ما يعبر عنه بالفارسية بكرويدن وراست كوى داشتن ويخالفه التكذيب وينافيه التوقف والتردد ولهذا اختار العلماء في ألفاظ الإيمان كرويدم باورداشتم راست كوى داشتم بدل وأنه معنى واضح عند العقل لا يشتبه على العوام فضلا عن الخواص والمذهب أنه غير العلم والمعرفة لأن من الكفار من كان يعرف الحق ولا يصدق به عنادا واستكبارا قال الله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون وقال وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال حكاية عن موسى عليه السلام لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر فاحتيج إلى الفرق بين العلم بما جاء به النبي عليه السلام وهو معرفته وبين التصديق ليصح كون الأول حاصلا للمعاندين دون الثاني وكون الثاني إيمانا دون الأول فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب وضد المعرفة النكارة والجهالة وإليه أشار الإمام الغزالي رحمه الله حيث فسر التصديق بالتسليم فإنه لا يكون مع الإنكار والاستكبار بخلاف العلم والمعرفة وفصل بعضهم زيادة تفصيل وقال التصديق عبارة عن ربط القلب بما علم من إخبار المخبر وهو أمر كسبي يثبت بإخبار المصدق ولهذا يؤمر ويثاب عليه بل يجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما يحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر وحققه بعض المتأخرين زيادة تحقيق فقال المعتبر في الإيمان هو التصديق الاختياري ومعناه نسبة الصدق إلى المتكلم اختيارا وبهذا القيد يمتاز عن التصديق المنطقي المقابل للتصور فإنه قد يخلو عن الاختيار كما إذا ادعى النبي النبوة وأظهر المعجزة فوقع في القلب صدقه ضرورة من غير أن ينسب إليه اختيارا فإنه لا يقال في اللغة أنه صدقه فلا يكون إيمانا شرعيا كيف والتصديق مأمور به فيكون فعلا اختياريا زائدا على العلم لكونه كيفية نفسانية أو انفعالا وهو حصول المعنى في القلب والفعل القلبي ليس كذلك بل هو إيقاع النسبة اختيارا الذي هو كلام النفس ويسمى عقد القلب فالسوفسطائي عالم بوجود النهار وكذا بعض الكفار بنبوة النبي عليه السلام لكنهم ليسوا مصدقين لغة لأنهم لا يحكمون اختيارا بل ينكرون وكلام هذا المحقق متردد يميل تارة إلى أن التصديق المعتبر في الإيمان نوع من التصديق المنطقي الذي هو أحد قسمي العلم لكونه مقيدا بالاختيار وكون التصديق العلمي أعم لا فرق بينهما إلا بلزوم الاختيار وعدمه وتارة إلى أنه ليس من جنس العلم أصلا لكونه فعلا اختياريا وكون العلم كيفية أو انفعالا وعلى هذا الأخير أصر بعض المعتنين بتحقيق معنى الإيمان وجزم بأن التسليم الذي فسر به الإمام الغزالي التصديق ليس من جنس العلم بل أمر وراءه معناه كردن دادن وكرويدن وحق داشتن مرا نراكه حق دانسته باشيء ويؤيده ما ذكره إمام الحرمين أن التصديق على التحقيق كلام النفس لكن لا يثبت كلام النفس إلا مع العلم ونحن نقول لا شك أن التصديق المعتبر في الإيمان هو ما يعبر عنه في الفارسية بكرويدن وباوركردن وراست كوى داشتن إذا اضيف إلى الحاكم وراست داشتن وحق داشتن إذا أضيف إلى الحكم ولا يكفي مجرد العلم والمعرفة الخالي عن هذا المعنى لكن ههنا مواضع نظر ومطارح فكر لا بد من التنبيه عليها ولا غنى من الإشارة إليها
الأول أنه ليس معنى كون المأمور به مقدورا واختياريا أنه يلزم أن يكون البتة من مقولة الفعل التي ربما ينازع في كونها من الأعيان الخارجية دون الاعتبارات العقلية بل أن يصح تعلق قدرته به وحصوله يكسبه واختياره سواء كان في نفسه من الأوضاع والهيئات كالقيام والقعود أو الكيفيات كالعلم والنظر فاعلم أنه لا إله إلا هو قل انظروا ماذا في السماوات والأرض أو الانفعالات كالتسخن والتبرد والحركات والسكنات وغير ذلك كالصلاة أو التروك كالصوم إلى غير ذلك ومع هذا فالواجب المقدور المثاب عليه بحكم الشرع يكون نفس تلك الأمور لا مجرد إيقاعها فكون الإيمان مأمورا به اختياريا مقدورا مثابا عليه لا ينافي كونه كيفية نفسانية يكتسبها المكلف بقدرته واختياره بتوفيق الله تعالى وهدايته على أنه لو لزم كون المأمور به هو الفعل بمعنى التأثير جاز أن يكون معنى الأمر بالإيمان الأمر بإيقاعه واكتسابه وتحصيله كما في سائر الواجبات الثاني أن ابن سينا وهو القدوة في فن المنطق والثقة في تفسير ألفاظه وشرح معانيه صرح بأن التصديق المنطقي الذي قسم العلم إليه وإلى التصور هو بعينه اللغوي المعبر عنه في الفارسية بكرويدن المقابل للتكذيب قال في كتابه المسمى بدانش نامه علائي دانش دوكونه است يكي دربافتن ودررسيدن وآنرا بتازى قصور خوانند ودوم كرويدن وآنرا بتازى تصديق خوانند وهذا صريح بأن ثاني قسمي العلم هو المعنى الذي يوضع بإزائه لفظ التصديق في لغة العرب وكرويدن في لغة الفرس ونفي لما عسى يذهب إليه معاند من أن كرويدن في المنطق غيره في اللغة وقال في الشفاء التصديق في قولك البياض عرض هو أن يحصل في الذهن نسبة صورة هذا التأليف إلى الأشياء أنفسها أنها مطابقة لها والتكذيب يخالف ذلك فلم يجعل التصديق حصول النسبة التامة في الذهن على ما يفهمه البعض بل حصول أن ينسب الذهن الثبوت أو الانتفاء الذي بين طرفي المؤلف إلى ما في نفس الأمر بالمطابقة ومعناه نسبة الحكم إلى الصدق أعني صادق داشتن وكرو بدن وبينه بأنه ضد التكذيب الذي معناه النسبة إلى الكذب أعني كاذب داشتن وبهذا يندفع ما يقال أن الحكم فعل اختياري هو الإيقاع أو الانتزاع فكيف يكون نفس التصديق أو جزؤه والتصديق قسم من العلم الذي هو من مقولة الكيف أو الانفعال ونعم ما قال من قال الإسناد والإيقاع ونحو ذلك ألفاظ وعبارات والتحقيق أنه ليس للنفس ههنا تأثير وفعل بل إذعان وقبول وإدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة نعم حصول هذا التصديق قد يكون بالكسب أي مباشرة الأسباب بالاختيار كإلقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس وما أشبه ذلك وقد يكون بدونه كمن وقع عليه الضوء فعلم أن الشمس طالعة والمأمور به يجب أن يكون من الأول فإن قيل فاليقين الحاصل بدون الإذعان والقبول بل مع الجحود والاستكبار كما للسوفسطائي ولبعض الكفار يكون من قبيل التصور دون التصديق وهو ظاهر البطلان قلنا نحن لا ندعي إلا كون التصديق المنطقي على ما يفسره رئيسهم لا على ما يفهمه كل نساج وحلاج هو التصديق اللغوي المقابل للتكذيب المعبر عنه بكرويدن وأنه لا يصح حينئذ بت القول وإطباق القوم على أن المعتبر في الإيمان هو اللغوي دون المنطقي بل غايته أنه يجب اشتراط أمور كالاختيار وترك الجحود والاستكبار وأما أنه يلزم على قصد تقسيمه وتفسيره كون اليقين الخالي عن الإذعان والقبول تصورا أو خارجا عن التصور والتصديق فذلك بحث آخر لكن الكلام في إمكان الإيقان بدون الإذعان وفي كون بعض الكفار موقنين بجميع ما جاء به النبي عليه السلام غير مصدقين وفي أن كفرهم ليس من جهة الإباء عن الإقرار باللسان والاستكبار عن امتثال الأوامر وقبول الأحكام والإصرار على التكذيب باللسان إلى غير ذلك من موجبات الكفر مع تصديق القلب لعدم الاعتداد به مع تلك الإمارات كما في إلقاء المصحف في القاذورات
الثالث أنا لا نفهم من نسبة التصديق إلى المتكلم بالقلب سوى إذعانه وقبوله وإدراكه لهذا المعنى أعني كون المتكلم صادقا من غير أن يتصور هناك فعل وتأثير من القلب ونقطع بأن هذا كيفية للنفس قد تحصل بالكسب والاختيار ومباشرة الأسباب وقد تحصل بدونها فغاية الأمر أن يشترط فيما اعتبر في الإيمان أن يكون تحصيله بالاختيار على ما هو قاعدة المأمور به وأما أن هذا فعل وتأثير من النفس لا كيفية لها وأن الاختيار معتبر في مفهوم التصديق اللغوي فممنوع بل معلوم الانتفاء قطعا ولو كان الإيمان والتصديق من مقولة الفعل دون الكيف لما صح الاتصاف به حقيقة إلا حال المباشرة والتحصيل كما لا يخفى على من يعرف معنى هذه المقولة الرابع أنه وقع في كلام كثير من عظماء الملة وعلماء الأمة مكان لفظ التصديق لفظ المعرفة والعلم والاعتقاد فينبغي أن يحمل على العلم التصديقي المعبر عنه بكرويدن ويقطع بأن التصديق من جنس العلوم والاعتقادات لكنه في الإيمان مشروط بقيود وخصوصيات كالتحصيل والاختيار وترك الجحود والاستكبار ويدل على ذلك ما ذكره أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أن الإيمان معرفة والمعرفة تسليم والتسليم تصديق فإن قيل قد ذكر إمام الحرمين والإمام الرازي وغيرهما أن التصديق من جنس كلام النفس وكلام النفس غير العلم والإرادة قلنا معناه أنه ليس بمتعين أن يكون علما أو إرادة بل كل ما يحصل في النفس من حيث يدل عليه بعبارة أو كتابة أو إشارة فهو كلام النفس سواء كان علما أو إرادة أو طلبا أو إخبارا أو استخبارا أو غير ذلك وليس كلام النفس نوعا من المعاني مغايرا لما هو حاصل في النفس باتفاق الفرق وإلا لكان إنكاره إنكارا للتصديق والطلب والإخبار والاستخبار وسائر ما يحصل في القلب وليس كذلك بل إنكاره عائد إلى أن الكلام هو المسموع فقط دون هذه المعاني فالقول بأن الإيمان كلام النفس لا يكفي في التقصي عن مطالبته أنه من أي نوع من أنواع الأعراض وأية مقولة من المقولات ولا محيص سوى تسليم أنه من الكيفيات النفسية الحاصلة بالاختيار الخالية عن الجحود والاستكبار وليت شعري أنه إذا لم يكن من جنس العلوم والاعتقادات فما معنى تحصيله بالدليل أو التقليد وهل يعقل أن يكون ثمرة النظر والاستدلال غير العلم والاعتقاد وكلام كثير من ذوي التحصيل القائلين بالتصديق يدل على أنهم لا يعنون بالمعرفة التي لا تكفي في الإيمان معرفة حقية جميع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام قال أبو المعين النسفي في تبصرة الأدلة لا يلزم من انعدام العلم انعدام التصديق فإنا آمنا بالملائكة والكتب والرسل ولا نعرفهم بأعيانهم والمعاندون يعرفون ولا يصدقون كما قال الله تعالى الذين آتيناهم الكتاب فدل على انفكاك التصديق عن العلم والعلم عن التصديق ولهذا لم يجعل الإيمان معرفة على ما ذهب إليه جهم بن صفوان
الخامس أن ما ذكر من اعتبار الاختيار في نفس التصديق اللغوي وكون الحاصل بلا كسب واختيار ليس بإيمان يدل على أن تصديق الملائكة بما ألقي عليهم والأنبياء بما أوحي إليهم والمصدقين بما سمعوا من النبي عليه السلام كله مكتسب بالاختيار وأن من حصل له هذا المعنى بلا كسب كمن شاهد المعجزة فوقع في قلبه صدق النبي عليه السلام فهو مكلف بتحصيل ذلك اختيارا بل صرح هذا القائل بأن العلم بالنبوة الحاصل من المعجزات حدسي ربما يقع في القلب من غير اختيار ولا ينضم إليه التصديق الاختياري المأمور به وكل هذا موضع تأمل فإن قيل لا شك أن المقصود بالتصديق والتسليم واحد والتصريح بذلك من أكابر الصحابة وعلماء الأمة وارد وفي قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما عليه شاهد وإن أمكنت مناقشته وبقوله تعالى وما زادهم إلا إيمانا وتسليما مجادلة ففي اتحاد المفهوم لا غير فما بال أقوام شددوا النكير أو أكثروا المدافعة على من قال بذلك من المتأخرين ونسبوه إلى اختراع مذهب في الإسلام وزيادة ركن في الإيمان قلنا لأنه كان يزعم أولا أن التسليم أمر زائد على التصديق الذي اعتبره العلماء لم ينكشف على من قبله من الأذكياء واعترف بأنه إنما اطلع عليه بعد حين من الدهر وصدر من العمر مع أن السلف قد صرحوا بأن المراد به ما يعبر عنه في الفارسية بكرويدن وباور داشتن وبذيرفتن وراست كوى داشتن وأنه لا يكفي مجرد المعرفة لحصولها لبعض الكفار على ما تلونا من الآيات فكاد يفضي ذلك إلى نسبة نفسه مدة من الزمان وكثير من السلف إلى الجهل بحقيقة الإيمان وإلى الإصرار على أنه لا بد من أمر وراء التصديق والإقرار ولأنه اتخذ لفظ التصديق مهجورا مع كونه في ما بين الأنام مشهورا وعلى وجه الأيام مذكورا وبنى الأمر كله على لفظ التسليم بحيث اعتقد كثير من العوام بل الخواص أنهما معنيان مختلفان قد يجتمعان وقد يفترقان لا حظ لأهل التصديق دون التسليم من الإيمان وربما يرى الواحد من غلاة الفريقين وجهلة القبيلين يشمئز من أحد اللفظين ولا يكتفي بأن يكون التصديق والتسليم مذهبين ولأنه اعتبر في التسليم تحقيقات وتدقيقات لم تخطر ببال الكثير من المسلمين بل لا يفهمهما إلا الأذكياء من أئمة الدين فاتخذها جهلة العوام ذريعة إلى تكفير الناس وتجهيل الخواص حتى استفتوه في شأن بعض رؤساء الدين وعلماء المسلمين والمهرة من المحققين فأفتى بكفره بناء على أنه أنكر بعض ما أورده هو في تحقيق الإيمان مع أنك إذا تحققت فبعض منازعاتهما لفظي وبعضها اجتهادي إلى غير ذلك من أمور قصد بها صلاح الدين وقمع الجاحدين لكنها أدت إلى ما أدت وأفضت إلى ما أفضت لما أنه ترك الأرفق إلى الأوفق والأليق إلى الأوثق ولا عليه فإنه قد بذل الجهد في إحياء مراسم الدين وإعلاء لواء المسلمين جزاه الله خير الجزاء عن أهل اليقين وأعلى درجته يوم اللقاء في عليين قال المقام الثالث الأعمال غير داخلة في حقيقة الإيمان لوجوه الأول ما مر أنه اسم للتصديق ولا دليل على النقل الثاني النص والإجماع على أنه لا ينفع عند معاينة العذاب ويسمى إيمان اليأس ولا خفاء في أن ذلك إنما هو التصديق والإقرار إذ لا مجال للأعمال الثالث النصوص الدالة على الأوامر والنواهي بعد إثبات الإيمان كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام الرابع النصوص الدالة على أن الإيمان والأعمال أمران متفارقان كقوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور
والخامس الآيات الدالة على أن الإيمان والمعاصي قد يجتمعان كقوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم و والذين آمنوا ولم يهاجروا وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون السادس الإجماع على أن الإيمان شرط العبادات السابع أنه لو كان اسما للطاعات فأما للجميع فيلزم انتفاؤه بانتفاء بعض الأعمال فلم يكن من صدق وأقر مؤمنا قبل الإتيان بالعبادات والإجماع على خلافه وعلى أن من صدق وأقر فأدركه الموت مات مؤمنا قال في التبصرة قد أجمع المسلمون على تحقيق اسم الإيمان وإثبات حكمه بمجرد الإعتقاد وأما لكل عمل على حدة فيكون كل طاعة إيمانا على حدة والمنتقل من طاعة إلى طاعة منتقلا من دين إلى دين الثامن أن جبرائيل عليه السلام لما سأل النبي عليه السلام عن الإيمان لم يجبه إلا بالتصديق دون الأعمال وقالت المعتزلة نحن لا ننكر استعمال الإيمان في الشرع في معناه اللغوي أعني التصديق لكنا ندعي نقله عن ذلك إلى معنى شرعي هو فعل الطاعات وترك المعاصي لأن المفهوم من إطلاق المؤمن في الشرع ليس هو المصدق فقط ولأن الأحكام المجراة على المؤمنين دون الكفرة ليست منوطة بمجرد المعنى اللغوي ورد بأنا لا ندعي كونه اسما لكل تصديق بل للتصديق بأمور مخصوصة كما في الحديث المشهور فإن أريد بالنقل عن المعنى اللغوي مجرد هذا فلا نزاع ولا دلالة على ما يزعمون من كونه اسما للطاعات فاحتجوا بوجوه بوجوه الأول أن فعل الواجبات هو الدين المعتبر لقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة أي ذلك المذكور من إقامة الصلاة وغيرها هو الدين المعتبر والدين المعتبر هو الإسلام لقوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام والإسلام هو الإيمان لما سيجيء وأجيب أولا بأن ذلك مفرد مذكر وجعله إشارة إلى جملة ما سبق تأويل ليس أولى وأقرب من جعله إشارة إلى الإخلاص أو التدين والانقياد ولما سبق من الأمر بل ربما يكون هذا أولى لبقاء اللفظ على معناه اللغوي أو قريبا منه ألا ترى أن قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا إلى قوله ذلك الدين القيم معناه أن التدين بكون الشهور اثني عشر أربعة منها حرم والانقياد لذلك هو الدين المستقيم على أن ههنا شيئا آخر وهو أن الدين في تلك الآية مضاف إلى القيمة لا موصوف كما في هذه الآية والمعنى دين الملة القيمة فلا يكون معناه الملة والطريقة بل الطاعة كما في قوله تعالى مخلصين له الدين وحينئذ سقط الاستدلال بالكلية وثانيا بأن معنى الآية الثانية أن الدين المعتبر هو دين الإسلام للقطع بأن الدين وهو الملة والطريقة التي تعتبر غالبا إضافتها إلى الرسول لا تكون نفس الإسلام الذي هو صفة المكلف وثالثا بما سيجيء من الكلام على دليل اتحاد الإيمان والإسلام الثاني قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا وقوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا الآية وأجيب بأن المراد كمال الإيمان جمعا بين الأدلة الثالث قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس وأجيب بأن المعنى تصديقكم بوجوبها أو بكونها جائزة عند التوجه إلى بيت المقدس أو هو مجاز لظهور العلاقة وهو كون الصلاة من شعب الإيمان وثمراته ومشروطة به ودالة عليه على ما قال النبي عليه الصلاة والسلام بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة
الرابع أن كل قاطع الطريق يخزى يوم القيامة لأنه يدخل النار بدليل قوله تعالى ولهم في الآخرة عذاب النار وكل من يدخل النار يخزى بدليل قوله تعالى حكاية وتقريرا ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ولا شيء من المؤمن يخزى يوم القيامة لقوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه وأجيب بمنع الكبرى فإن المراد بالذين آمنوا معه الصحابة لا كل مؤمن ولا يصح لهم التمسك بقوله تعالى إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين لأن القاطع ليس بكافر فإن قيل هب أن ليس في الذين آمنوا معه قاطع طريق لكن لا شك أن فيهم العاصي والباغي وبهذا يتم الاستدلال قلنا إنما يتم لو ثبت بالدليل أنه لا يعفى عنه ولا يثاب عليه بل يدخل النار البتة وأن الآيات الثلاث مجراة على العموم الخامس قوله عليه السلام لا يزني الزاني وهو مؤمن لا يسرق السارق وهو مؤمن لا إيمان لمن لا أمانة له لا إيمان لمن لا عهد له وأجيب بأنه على قصد التغليظ والمبالغة في الوعيد كقوله تعالى في تارك الحج ومن كفر فإن الله غني عن العالمين والمعارضة بمثل قوله عليه السلام وإن زنى وإن سرق حتى قال وإن رغم أنف أبي ذر السادس لو كان الإيمان هو التصديق لكان كل مصدق بشيء مؤمنا وعلى تقدير التقييد بالأمور المخصوصة لزم أن لا يكون بغض النبي عليه السلام وإلقاء المصحف في القاذورات وسجدة الصنم ونحو ذلك كفرا ما دام تصديق القلب بجميع ما جاء به النبي عليه السلام باقيا واللازم منتف قطعا وأجيب بأن من المعاصي ما جعله الشارع إمارة عدم التصديق تنصيصا عليه أو على دليله والأمور المذكورة من هذا القبيل بخلاف مثل الزنا وشرب الخمر من غير استحلال السابع أن الإيمان بمعنى التصديق بجامع الشرك ونفي الإيمان الشرعي بقوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين وأجيب بأن الأول تصديق بالله وحده وهو غير كاف بالاتفاق والثاني تصديق باللسان فقط وهو محض النفاق الثامن أن اسم المؤمن ينبئ عن استحقاق غاية المدح والتعظيم وكفاك قوله تعالى في آخر قصة بعض الأنبياء إنه من عبادنا المؤمنين ومرتكب الكبيرة إنما يستحق الذم والعذاب الأليم فلا يستحق اسم المؤمن على الإطلاق وأجيب بأنه يستحق المدح من جهة التصديق الذي هو رأس الطاعات والذم من حيث الإخلال بالأعمال ولا منافاة وما يقع في معرض المدح على الإطلاق يحمل على كمال الإيمان على ما هو مذهب السلف قال خاتمة كما اختلفت الأمة في حكم صاحب الكبيرة فكذلك في اسمه بعد الاتفاق على تسميته فاسقا فعندنا مؤمن وعند المعتزلة لا مؤمن ولا كافر ويسمون ذلك المنزلة بين المنزلتين وعند الخوارج كافر وعند الحسن البصري منافق وقد فرغنا من إقامة الأدلة ودفع شبه المعتزلة المبنية على كون الأعمال من الإيمان فالآن نشير إلى دفع باقي شبههم وشبه الخوارج ومن يسميه بالمنافق فمن شبه المعتزلة ما احتج به واصل بن عطاء على عمرو بن عبيد حتى رجع إلى مذهبه وهو أنه اجتمعت الأمة على أن صاحب الكبيرة فاسق واختلفوا في كونه مؤمنا أو كافرا فوجب ترك المختلف فيه والأخذ بالمتفق عليه والجواب أن هذا ترك للمتفق عليه وهو أنه إما مؤمن أو كافر ولا واسطة بينهما وأخذ بما لم يقل به أحد فضلا عن الاتفاق ومنها أن للفاسق بعض أحكام المؤمن المطلق كعصمة الدم والمال والإرث من المسلم والمناكحة والغسل والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين وبعض أحكام الكافر كالذم واللعن وعدم أهلية الإمامة والقضاء والشهادة فيكون له منزلة بين المنزلتين فلا يكون مؤمنا ولا كافرا والجواب أن هذا إنما يتم لو كان ما جعلتموه أحكام الكافر خواصه التي لا تتجاوزه إلى المؤمن أصلا كما في أحكام المؤمن وهذا نفس المتنازع فإنها عندنا تعم الكافر وبعض المؤمنين وفي كلام المتأخرين من المعتزلة ما يرفع النزاع وذلك أنهم لا ينكرون وصف الفاسق بالإيمان بمعنى التصديق أو بمعنى إجراء الأحكام بل بمعنى استحقاق غاية المدح والتعظيم وهو الذي نسميه الإيمان الكامل ونعتبر فيه الأعمال وننفيه عن الفساق فيكون لهم منزلة بين منزلة هذا النوع من الإيمان وبين منزلة الكفر بالاتفاق وكأنه رجوع عن المذهب وإعراض كما يقال في نفي الصفات أنا نريد ما هو من قبيل الإعراض وإلا فقدماؤهم يصرحون بأن من أخل بالطاعة ليس بمؤمن بحسب الشرع بل بمجرد اللغة وبأن القول بتعدد القديم كفر من غير فرق بين العرض وغيره وأما الخوارج فمذهب جمهورهم إلى أن كل معصية كفر ومنهم من فرق ين الصغيرة والكبيرة وتمسكوا بوجوه
الأول النصوص الناطقة بكفر العصاة كقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقوله تعالى في تارك الحج ومن كفر فإن الله غني عن العالمين وقوله تعالى ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون حصر الفسق على الكافر فيكون كل فاسق كافرا وكقول النبي عليه السلام من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر وقوله ومن مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا قلنا المراد بما أنزل الله هو التوراة بقرينة قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون إلى قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فيختص من لم يحكم باليهود ولأنا لم نتعبد بالحكم بالتوراة على أنه لو كان للعموم فسلب العموم احتمال ظاهر ثم التعبير عن ترك الحج بالكفر استعظام له وتغليظ في الوعيد عليه وكذا الحديث الوارد في هذا المعنى في ترك الصلاة عمدا مع احتمال الاستحلال والمراد بالفاسقين في قوله تعالى ( فأولئك هم الفاسقون ) الكاملون في الفسق والمتمردون المنهمكون في الكفر للقطع بأن الفسق لا ينحصر في الكفر بعد الإيمان الثاني الآيات الدالة على انحصار العذاب في الكفار مع قيام الأدلة على أن الفاسقين يعذبون كقوله تعالى أن العذاب على من كذب وتولى إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى قلنا المراد الكامل الهائل من العذاب والخزي والنار للقطع بتعذيب غير المكذبين أو الحصر غير حقيقي بل بالإضافة إلى المتقين فلا يمنع دخول الفاسقين وإن كانوا مؤمنين الثالث الآيات الدالة على أن الفاسق مكذب بالقيامة أو بآيات الله ولا شك أن المكذب بها كافر كقوله تعالى وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون وقوله تعالى يتساءلون عن المجرمين ) إلى قوله وكنا نكذب بيوم الدين وقوله تعالى والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة فإنه يفيد قصر المسند على المسند إليه كقوله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وأولئك هم المفلحون أصحاب الجنة هم الفائزون فيكون كل من هو من أصحاب المشأمة مكذبا بالآيات نجعلها كبرى لقولنا الفاسق من أصحاب المشأمة ونجعل النتيجة صغرى لقولنا كل مكذب بآيات الله كافر قلنا لا خفاء في أن كل فاسق ليس بمكذب فيحمل الأوليان على الكفار المكذبين والثالثة على التأكيد دون القصر ولو سلم فمثله عند كون المسند إليه موصولا أو معرفا باللام يكون لقصر المسند إليه على المسند كقولهم الكرم هو التقوى والحسب هو المال والعالم هو المتقي فيكون المعنى أن كل مكذب بالآيات فهو من أصحاب المشأمة ولا ينعكس كليا الرابع ما يدل على كون الكافر في مقابلة المتقي من غير ثالث ولا شك أن الفاسق ليس بمتق فيكون كافرا وذلك قوله تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا إلى قوله وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا قلنا لا دلالة على نفي قسم ثالث
الخامس أن الفاسق آيس من روح الله وكل من هو كذلك فهو كافر لقوله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قلنا الصغرى ممنوعة فإنه ربما يرجو العفو من الله تعالى أوالتوبة من نفسه وبهذا يندفع ما يقال أن العاصي من المعتزلة يلزم أن يكون كافرا لكونه آيسا فإنه وإن لم يعتقد العفو فليس بآيس من توفيق التوبة فإن قيل هو يعتقد أنه ليس بمؤمن شرعا وكل من كان كذلك فهو كا وأجيب بمنع الكبرى وأما القائلون بكون الفاسق منافقا فتمسكوا بوجهين عقلي وهو أن إقدامه على المعصية المفضية إلى العذاب يدل على أنه كاذب في دعوى تصديقه بما جاء به النبي عليه السلام كمن ادعى أنه يعتقد أن في هذا الحجر حية ثم يدخل فيها يده ونقلي وهو قوله عليه السلام آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا ائتمن خان والجواب عن الأول أنه وإن كان يخاف العذاب لكن يرجو الرحمة ويأمل توفيق التوبة أو يلهيه عن آجل العقوبة عاجل اللذة بخلاف حديث الحجر والحية وعن الثاني بأنه مع كونه من الآحاد ليس على ظاهره وفاقا للقطع بأن من وعد غيره عدة ثم أخلفها لم يكن منافقا في الدين وإذا تأملت فحال الفاسق على عكس حال المنافق لأنه يضمر حسناته ويظهر سيئاته قال المبحث الثاني في الإسلام الجمهور على أن الإسلام والإيمان واحد إذ معنى آمنت بما جاء به النبي عليه السلام صدقته ومعنى أسلمت له سلمته ولا يظهر بينهما كثير فرق لرجوعهما إلى معنى الاعتراف والانقياد والإذعان والقبول وبالجملة لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى وعدم التغاير على ما قال في التبصرة الاسمان من قبيل الأسماء المترادفة وكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن لأن الإيمان اسم لتصديق شهادة العقول والآثار على وحدانية الله تعالى وأن له الخلق والأمر لا شريك له في ذلك والإسلام إسلام المرء نفسه بكليتها لله تعالى بالعبودية له من غير شرك فحصلا من طريق المراد منهما على معنى واحد ولو كان الاسمان متغايرين لتصور وجود أحدهما بدون الآخر ولتصور مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن فيكون لأحدهما في الدنيا أو الآخرة حكم ليس للآخر وهذا باطل قطعا وقال في الكفاية الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر من أوامره ونواهيه والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته وذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما فلا يتغايران وإذا كان المراد بالاتحاد هذا المعنى صح التمسك فيه بالإجماع على أنه يمتنع أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإيمان ولا يكون مسلما أو بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمنا وعلى أنه ليس للمؤمن حكم لا يكون للمسلم وبالعكس وعلى أن دار الإيمان دار الإسلام وبالعكس وعلى أن الناس كانوا في عهد النبي عليه السلام ثلاث فرق مؤمن وكافر ومنافق لا رابع لهم والمشهور من استدلال القوم وجهان أحدهما أن الإيمان لو كان غير الإسلام لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه واللازم باطل بالاتفاق واعترض بأنه يجوز أن يكون غيره لكن لا يكون دينا غيره لكون الدين عبارة عن الطاعات على ما سبق وقد عرفت ما فيه بل المراد بالدين الملة والطريقة الثابتة من النبي عليه السلام والإيمان كذلك وإن استمر في إطلاق أهل الشرع دين الإسلام ولم يسمع دين الإيمان وذلك لاشتهار لفظ الإسلام في طريقة النبي واعتبار الإضافة إليه حتى صار بمنزلة اسم لدين محمد عليه السلام ولفظ الإيمان في فعل المؤمن من حيث الإضافة إليه ولم يصر بمنزلة الاسم للدين ولهذا كثيرا ما يفتقر في الإيمان إلى ذكر المتعلق مثل آمنوا بالله ورسوله وغير ذلك بخلاف الإسلام
وثانيهما أنه لو كان غيره لم يصح استثناء أحدهما من الآخر واللازم باطل لقوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين أي فلم نجد ممن كان فيها من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين واعترض بأنه يكفي لصحة الاستثناء الإحاطة والشمول بحيث يدخل المستثنى تحت المستثنى منه ولا يتوقف على اتحاد المفهوم وقد عرفت أن المراد بالاتحاد عدم التغاير بمعنى الانفكاك نعم لو قيل أنه لا يتوقف على المساواة أيضا بل يصح مع كون المؤمن أعم كقولك أخرجت العلماء فلم أترك إلا بعض النحاة لكان شيئا لا بالعكس على ما سبق إلى بعض الأوهام ذهابا إلى صحة قولنا أخرجت العلماء فلم أترك إلا بعض الناس وقد يستدل بسوق أحد الاسمين مساق الآخر كقوله تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى قوله ونحن له مسلمون إلى غير ذلك من الآيات وذهبت الحشوية وبعض المعتزلة إلى تغايرهما نظرا إلى أن لفظ الإيمان ينبئ عن التصديق فيما أخبر الله تعالى على لسان رسله ولفظ الإسلام عن التسليم والانقياد ومتعلق التصديق يناسب أن يكون هو الإخبار ومتعلق التسليم الأوامر والنواهي وتمسكا بإثبات أحدها ونفي الآخر كقوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وبعطف أحدهما على الآخر كما في قوله تعالى إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الآية وما زادهم إلا إيمانا وتسليما والتسليم هو الإسلام وبأن جبريل لما جاء لتعليم الدين سأل النبي عن كل منهما على حدة وأجاب النبي لكل بجواب وذلك أنه قال أخبرني عن الإيمان فقال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه إلى الآخر ثم قال أخبرني عن الإسلام فقال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فدل على أن الإيمان هو التصديق بالأمور المذكورة والإسلام هو الإتيان بالأعمال المخصوصة والجواب عن الأول أنا لا نعني اتحاد المفهوم بحسب أصل اللغة على أن التحقيق أن مرجع الأمرين إلى الإذعان والقبول كما مر والتصديق كما يتعلق بالإخبار بالذات فكذا بالأوامر والنواهي بمعنى كونها حقة وأحكاما من الله تعالى وكذا التسليم وعن الثاني بأن المراد الاستسلام والانقياد الظاهر خوفا من السيف والكلام في الإسلام المعتبر في الشرع المقابل للكفر المنبئ عنه قولنا آمن فلان وأسلم وعن الثالث أن تغاير المفهوم في الجملة كاف في العطف مع أنه قد يكون على طريق التفسير كما في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة
وعن الرابع أن المراد السؤال عن شرايع الإسلام أعني أحكامه المشروعة التي هي الأساس على ما وقع صريحا في بعض الروايات وعلى ما قال النبي عليه السلام لقوم وفدوا عليه أتدرون ما الإيمان بالله وحده فقالوا الله ورسوله أعلم فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس وكما قال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( قال المبحث الثالث ظاهر الكتاب والسنة ) وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة والمحكي عن الشافعي رحمه الله وكثير من العلماء أن الإيمان يزيد وينقص وعند أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه وكثير من العلماء وهو اختيار إمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان ولا يتصور فيه الزيادة والنقصان والمصدق إذا ضم الطاعات إليه أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة ولهذا قال الإمام الرازي وغيره أن هذا الخلاف فرع تفسير الإيمان فإن قلنا هو التصديق فلا يتفاوت وإن قلنا هو الأعمال فمتفاوت وقال إمام الحرمين إذا حملنا الإيمان على التصديق فلا يفضل تصديق تصديقا كما لا يفضل علم علما ومن حمله على الطاعة سرا وعلنا وقد مال إليه القلانسي فلا يبعد إطلاق القول بأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ونحن لا يؤثر هذا لا يقال الإيمان على تقدير كونه اسما للأعمال أولى بأن لا يحتمل الزيادة والنقصان أما أولا فلأنه لا مرتبة فوق الكل ليكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصانا وأما ثانيا فلأن أحدا لا يستكمل الإيمان حينئذ والزيادة على مالم يكمل بعد محال لأنا نقول هذا إنما يرد على من يقول بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال أو التروك كما هو مذهب المعتزلة والخوارج لا على من يقول ببقائه ما بقي التصديق كما هو مذهب السلف إلا أن الزيادة والنقصان على هذا تكون في كمال الإيمان لا في أصله ولهذا قال الإمام الرازي وجه التوفيق أن ما يدل على أن الإيمان لا يتفاوت مصروف إلى أصله وما يدل على أنه يتفاوت مصروف إلى الكامل منه ولقائل أن يقول لا نسلم أن التصديق لا يتفاوت بل يتفاوت قوة وضعفا كما في التصديق بطلوع الشمس والتصديق بحدوث العالم لأنه إما نفس الإعتقاد القابل للتفاوت أو مبني عليه قلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتفصيلي الملاحظ لبعض التفاصيل وأكثر وأكثر فإن ذلك من الإيمان لكونه تصديقا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا لا يقال الواجب تصديق يبلغ حد اليقين وهو لا يتفاوت لأن التفاوت لا يتصور إلا باحتمال النقيض لأنا نقول اليقين من باب العلم والمعرفة وقد سبق أنه غير التصديق ولو سلم أنه التصديق وأن المراد به ما يبلغ حد الإذعان والقبول ويصدق عليه المعنى المسمى بكرويدن ليكون تصديقا قطعيا فلا نسلم أنه لا يقبل التفاوت بل لليقين مراتب من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات وكون التفاوت راجعا إلى مجرد الجلاء والخفاء غير مسلم بل عند الحصول وزوال التردد التفاوت بحاله وكفاك قول الخليل صلى الله عليه وسلم مع ما كان له من التصديق ولكن ليطمئن قلبي وعن علي رضي الله تعالى عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا على أن القول بأن المعتبر في حق الكل هو ا ليقين وأن ليس للظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال حكم اليقين محل نظر احتج القائلون بالزيادة والنقصان بالعقل والنقل أما العقل فلأنه لو لم يتفاوت لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمك في الفسق مساويا لتصديق الأنبياء والملائكة واللازم باطل قطعا وأما النقل فلكثرة النصوص الواردة في هذا المعنى قال الله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ويزداد الذين آمنوا إيمانا وما زادهم إلا إيمانا وتسليما فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قلنا يا رسول إن الإيمان هل يزيد وينقص قال نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار وعن عمر رضي الله تعالى عنه وروي مرفوعا لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به وأجيب بوجوه
الأول أن المراد الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الأزمان والساعات وهذا ما قال إمام الحرمين إيمان النبي صلى الله عليه وسلم يفضل ما عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى فيقع للنبي صلى الله عليه وسلم متواليا ولغيره على الفترات فثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه أكثر والزيادة بهذا المعنى مما لا نزاع فيه وما يقال أن حصول المثل إليه بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه مدفوع بأن المراد زيادة أعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك الثاني أن المراد الزيادة بحسب زيادة المؤمن به والصحابة كانوا آمنوا في الجملة وكان يأتي فرض بعد فرض وكانوا يؤمنون بكل فرض خاص وحاصله أن الإيمان واجب إجمالا فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا والناس متفاوتون في ملاحظة التفاصيل كثرة وقلة فيتفاوت إيمانهم زيادة ونقصانا ولا يختص ذلك بعصر النبي صلى الله عليه وسلم على ما يتوهم الثالث أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وهذا مما لا خفاء فيه وهذه الوجوه جيدة في التأويل لو ثبت لهم أن التصديق في نفسه لا يقبل التفاوت والكلام فيه قال المبحث الرابع ذهب كثير من السلف وهو المحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه والمروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن الإيمان يدخله الاستثناء فيقال إما مؤمن إن شاء الله تعالى ومنعه الأكثرون وعليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه لأن التصديق أمر معلوم لا تردد فيه عند تحققه ومن تردد في تحققه له لم يكن مؤمنا قطعا وإذا لم يكن للشك والتردد فالأولى أن يترك بل يقال أنا مؤمن حقا دفعا للإيهام وللقائلين بصحته وجوه الأول أنه للتبرك في ذكر الله والتأدب بإحالة الأمور إلى مشيئة الله والتبرؤ عن تزكية النفس والإعجاب بحالها والتردد في العاقبة والمآل وهذا يفيد مجرد الصحة لا إيثار قولهم أنا مؤمن إن شاء الله على أنا مؤمن حقا ولا يدفع ما ذكر من دفع الإيهام ولا يبين وجه اختصاص التأدب ولتبرك بالإيمان دون غيره من الأعمال والطاعات والثاني أن التصديق الإيمان المنوط به النجاة أمر قلبي خفي له معارضات خفية كثيرة من الهوى والشيطان والخذلان فالمرء وإن كان جازما بحصوله لكن لا يأمن أن يشوبه شيء من منافيات النجاة سيما عند ملاحظة تفاصيل الأوامر والنواهي الصعبة المخالفة للهوى والمستلذات من غير علم له بذلك فلذلك يفوض حصوله إلى مشيئة الله وهذا قريب لولا مخالفته لما يدعيه القوم من الإجماع ولما ذكر في الفتاوي من الروايات
الثالث وعليه التعويل ما قال إمام الحرمين أن الإيمان ثابت في الحال قطعا من غير شك فيه لكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز ومعنى الموافاة الإتيان والوصول إلى آخر الحياة وأول منازل الآخرة ولا خفاء في أن الإيمان المنجي والكفر المهلك ما يكون في تلك الحال وإن كان مسبوقا بالضد لا ما ثبت أولا وتغير إلى الضد فلهذا يرى الكثير من الأشاعرة يبنون القول بأن العبرة بإيمان الموافاة وسعادتها بمعنى أن ذلك هو المنجي لا بمعنى أن إيمان الحال ليس بإيمان وكفره ليس بكفر وكذا السعادة والشقاوة والولاية والعداوة وعلى هذا يسقط عنهم ما يقال أنه إذا اتصف بالإيمان على الحقيقة كان مؤمنا حقا ولا يصح أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى كما لا يصح أن يقول أنا حي إن شاء الله تعالى وإذا كان مؤمنا حقا كان مؤمنا عند الله تعالى وفي علم الله وإن كان الله تعالى يعلم أنه يتغير عن تلك الحال وإذا كان مؤمنا في الحال كان وليا لله سعيدا وإن كان كافرا كان عدوا له شقيا وكما يصير المؤمن كافرا يصير الولي عدوا والسعيد شقيا وبالعكس وما يحكى عنهم من أن السعيد لا يشقى والشقي لا يسعد وأن السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه فمعناه أن من علم الله منه السعادة المعتبرة التي هي سعادة الموافاة فهو لا يتغير إلى شقاوة الموافاة وبالعكس وكذا في الولاية والعداوة وأن السعيد الذي يعتد بسعادته من علم الله أنه يختم له بالسعادة وكذا الشقاوة وبالجملة لا يشك المؤمن في ثبوت الإيمان وتحققه في الحال ولا في الجزم بالثبات والبقاء عليه في المآل لكن يخاف سوء الخاتمة ويرجو حسن العاقبة فيربط إيمان الموافاة الذي هو آية الفوز والنجاة ووسيلة نيل الدرجات بمشيئة الله جريا على مقتضى قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله جعل الله حياتنا إليه ومماتنا عليه وختم لنا بالحسنى ويسرنا للفوز بالذخر الأسنى بالنبي وآله قال المبحث الخامس ذهب كثير من العلماء وجميع الفقهاء إلى صحة إيمان المقلد وترتب الأحكام عليه في الدنيا والآخرة ومنعه الشيخ أبو الحسن والمعتزلة وكثير من المتكلمين حجة لقائلين بالصحة أن حقيقة الإيمان هو التصديق وقد وجدت من غير اقتران بموجب من موجبات الكفر فإن قيل لا يتصور التصديق بدون العلم لأنه إما ذاتي للتصديق أو شرط له على ما سبق ولا علم للمقلد لأنه اعتقاد جازم مطابق يستند إلى سبب من ضرورة أو استدلال قلنا المعتبر في التصديق هو اليقين أعني الإعتقاد الجازم المطابق بل ربما يكتفى بالمطابقة ويجعل الظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال في حكم اليقين وقد يقال أن التصديق قد يكون بدون العلم والمعرفة وبالعكس فإنا نؤمن بالأنبياء والملائكة ولا نعرفهم بأعيانهم ونؤمن بجميع أحوال القيمة من الحساب والميزان والصراط وغير ذلك ولا نعرف كيفياتها وأوصافها وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي عليه السلام كما يعرفون أبناءهم ولم يكونوا مؤمنين وفيه نظر لأن المراد العلم بما حصل التصديق به ونحن نعلم من الأنبياء والملائكة ما نصدق به فامتناع التصديق بدون العلم بمعنى الإعتقاد قطعي وإنما الكلام في العكس فإن قيل نحن لا ننفي كونه إيمانا وتصديقا لكنا ندعي أنه لا ينفع بمنزلة إيمان اليأس فإن عدم نفعه على ما ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي معلل بأن العبد لا يقدر حينئذ أن يستدل بالشاهد على الغائب ليكون مقاله عن معرفة وعلم استدلالي فإن الثواب على الإيمان إنما هو بمقابلة ما يتحمله من المشقة وهي في آداب الفكر وإدمان النظر في معجزات الأنبياء أو في محدثات العالم والتمييز بين الحجة والشبهة لا في تحصيل أصل الإيمان قلنا النص إنما قام على عدم نفع إيمان اليأس ومعاينة العذاب دون إيمان المقلد والإجماع أيضا إنما انعقد عليه والتمسك بالقياس لو سلم صحته في الأصول فلا نسلم أن لعلة ما ذكرتم بل ذهب الماتريدي وكثير من المحققين إلى أن إيمان اليأس إنما لم ينفع لأنه إيمان دفع عذاب لا إيمان حقيقة ولأنه لا يبقى للعبد حينئذ قدرة على التصرف في نفسه والاستمتاع بها لأن عذاب الدنيا مقدمة لعذاب الآخرة إذ ربما يموت العبد فيه فينتقل إلى عذاب الآخرة بخلاف إيمان المقلد فإنه تقرب إلى الله تعالى وابتغاء لمرضاته من غير إلجاء ولا قصد دفع العذاب ولا انتفاء قدرة على التصرف في النفس قال وأما المانعون يعني القائلين بأن إيمان المقلد ليس بصحيح أو ليس بنافع فمنهم من قال لا يشترط ابتناء الإعتقاد على استدلال عقلي في كل مسئلة بل يكفي ابتناؤه على قول من عرف رسالته بالمعجزة مشاهدة أو تواترا أو على الإجماع فيقبل قول النبي صلى الله عليه وسلم بحدوث العالم وثبوت الصانع ووحدانيته ومنهم من قال لا بد من ابتناء الإعتقاد في كل مسئلة من الأصول على دليل عقلي لكن لا يشترط الاقتدار على التعبير عنه وعلى مجادلة الخصوم ودفع الشبهة وهذا هو المشهور عن الشيخ أبي الحسن الأشعري حتى حكي عنه أنه من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا لكن ذكر عبدالقاهر البغدادي إن هذا وإن لم يكن عند الأشعري مؤمنا على الإطلاق فليس بكافر لوجود التصديق لكنه عاص بتركه النظر والاستدلال فيعفو الله عنه أو يعذبه بقدر ذنبه وعاقبته الجنة وهذا يشعر بأن مراد الأشعري أنه لا يكون مؤمنا على الكمال كما في ترك الأعمال وإلا فهو لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين ولا بدخول غير المؤمن الجنة وعند هذا يظهر أنه لا خلاف معه على التحقيق ومنهم من قال لا بد مع ابتناء الإعتقاد على الدليل من الاقتدار على مجادلة الخصوم وحل ما يورد عليه من الإشكال وإليه ذهبت المعتزلة ولم يحكموا بإيمان من عجز عن شيء من ذلك بل حكم أبو هاشم بكفره فإن بنوا ذلك على أن ترك النظر كبيرة تخرج من الإيمان إذا طرأت وتمنع من الدخول فيه إذا قارنت فهي مسئلة صاحب الكبيرة وقد سبقت وإن أرادوا أن مثل هذا التصديق لا يكفي في الإيمان أو لا ينفع فمسئلة أخرى وبهذا يشعر تمسكاتهم وهي وجوه
الأول أن حقيقة الإيمان إدخال النفس في الأمان من أن يكون مكذوبا ومخدوعا وملتبسا عليه على أنه أفعال من الأمن للتعدية أو للصيرورة كأنه صار ذا أمن وذلك إنما يكون بالعلم ورد بأنه يجعل متعلقا بالمخبر مثل آمنت به وله لا بالسامع فالمناسب عند ملاحظة الاشتقاق من الأمن أن يقال معناه آمنه من المخالفة والتكذيب على ما صرح به المعتزلة وذلك بالتصديق سواء كان عن دليل أو لا ولو سلم فالأمن من أن يكون مكذوبا أو مخدوعا يحصل بالاعتقاد الجازم وإن كان عن تقليد الثاني أن الواجب هو العلم وذلك لا يكون إلا بالضرورة أو الاستدلال ولا ضرورة فتعين الدليل ورد بأنه لا نزاع في وجوب النظر والاستدلال بل في أن ترك هذا الواجب يوجب عدم الاعتداد بالتصديق على أنه ربما يقال أن المقصود من الاستدلال هو التوصل إلى التصديق ولا عبرة بانعدام الوسيلة بعد حصول المقصود
الثالث أن الأصل الذي يقلد فيه إن كان باطلا فتقليده باطل بالاتفاق كتقليد اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان أسلافهم وإن كان حقا فحقيته إما أن يعلم بالتقليد فدور أو بالدليل فتناقض ورد بأن الكلام فيما علم حقيته بالدليل كالأحكام التي علم بالضرورة كونها من دين الإسلام أن من اعتقدها تقليد أهل يكون مؤمنا يجري عليه أحكام المؤمنين في الدنيا والآخرة وإن كان عاصيا بتركه النظر والاستدلال وأما ما يقال أن القول بجواز التقليد إن لم يكن عن دليل فباطل وإن كان فتناقض فمغالطة ظاهرة لا يقال المقصود أن التقليد لا يكفي في الخروج عن عهدة الواجب فيما وجب العلم به من أصول الإسلام وبعض هذه الوجوه يفيد ذلك لأنا نقول هذا مما لا نزاع فيه ولا حاجة به إلى هذه الوجوه الضعيفة لثبوته بالنص والإجماع على وجوب النظر والاستدلال على أنه حكي عن الكعبي وابن أبي عياش وجمع آخر من المعتزلة أن من العقلاء من كلف النظر وهم أرباب النظر ومنهم من كلف التقليد والظن وهم العوام والعبيد وكثير من النسوان لعجزهم عن النظر في الأدلة وتمييزها عن الشبه لكنهم كلفوا تقليد المحق دون المبطل والظن الصائب دون الخطأ وذكر بعض المتأخرين منهم أن العاجزين كلفوا أن يسمعوا أوائل الدلائل التي تتسارع إلى الأفهام فإن فهموا أكفاهم وهم أصحاب الجمل ولا يكلفون تلخيص العبارة وإن لم يمكنهم الوقوف عليها فليسوا مكلفين أصلا وإنما خلقوا لانتفاع المكلفين بهم في الدنيا وهم كثير من العوام والعبيد والنسوان وصاحب الجمل عند المتكلمين هو الذي يعتقد الجمل التي اتفق عليها أهل الملة ولا يدخل في الاختلافات بل يعتقد أن ما وافق منها تلك الجمل فحق وما خالفها فباطل وتلك الجمل هي أن الله تعالى واحد لا شريك له ولا مثل له وأنه لم يزل قبل الزمان والمكان والعرش وكل ما خلق وأنه القديم وما سواه محدث وأنه عدل في قضائه صادق في إخباره لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يكلفهم مالا يطيقونه وأنه مصيب حكيم محسن في جميع أفعاله وفي كل ما خلق وقضى وقدر وأنه بعث الرسل وأنزل الكتب ليتذكر من في سابق علمه أنه يتذكر ويخشى ويلزم الحجة على من علم أنه لا يؤمن ويأبى وإن الرضاء بقضائه واجب والتسليم لأمره لازم ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء لا كالإضلال الذي علم به الشيطان إلى غير ذلك من العقائد الإسلامية فإن قيل أكثر أهل الإسلام آخذون بالتقليد قاصرون أو مقصرون في الاستدلال ولم تزل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة والخلفاء والعلماء يكتفون منهم بذلك ويجرون عليهم أحكام المسلمين فما وجه هذا الاختلاف وذهاب كثير من العلماء والمجتهدين إلى أنه لا صحة لإيمان المقلدين قلنا ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشأوا في ديار الإسلام من الأمصار والقرى والصحاري وتواتر عندهم حال النبي عليه السلام وما أوتي به من المعجزات ولا في الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار فإنهم كلهم من أهل النظر والاستدلال بل فيمن نشأ على شاهق جبل مثلا ولم يتفكر في ملكوت السموات والأرض فأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده فصدقه فيما أخبره بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر وأما ما يحكى عن المعتزلة من أنه لا بد في صحة الإسلام من النظر والاستدلال والاقتدار على تقرير الحجج ودفع الشبهة فبطلانه يكاد يلحق بالضروريات من دين الإسلام والظاهر أن المراد أن ذلك واجب وإن صح الإيمان بدونه فإن أرادوا الواجب على الكفاية فوفاق إذ لا بد في كل صقع ممن يقوم بإقامة الحجج وإزاحة الشبه ومجادلة الخصوم وإن أرادوا الواجب على كل مكلف بحيث لا يسقط بفعل البعض ففيه الخلاف وأما المقلد فقد ذكر بعض من نظر في الكلام وسمع من الإمام أنه لا خلاف في إجراء أحكام الإسلام عليه والاختلاف في كفره راجع إلى أنه هل يعاقب عقاب الكافر فقال الكثيرون نعم لأنه جاهل بالله ورسوله ودينه والجهل بذلك كفر ومثل قوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا وقوله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا ودخل مسجدنا واستقبل قبلتنا فهو مسلم محمول على الإسلام في حق الأحكام وقال بعض ذوي التحقيق منهم أنه وإن كان جاهلا لكنه مصدق فيجوز أن ينتقص عقابه لذلك قال المبحث السادس الكفر عدم الإيمان عما من شأنه وهذا معنى عدم تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة والظاهر أن هذا أعم من تكذيبه صلى الله عليه وسلم في شيء مما علم مجيئه به على ما ذكره الإمام الغزالي لشموله الكافر الخالي عن التصديق والتكذيب واعتذار الإمام الرازي بأن من جملة ما جاء به النبي أن تصديقه واجب في كل ما جاء به فمن لم يصدقه فقد كذبه في ذلك ضعيف لظهور المنع فإن قيل من استخف بالشرع أو الشارع أوألقى المصحف في القاذورات أو شد الزنار بالاختيار كافر إجماعا وإن كان مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به وحينئذ يبطل عكس التعريفين وإن جعلت ترك المأمور به أو ارتكاب المنهي عنه علامة التكذيب وعدم التصديق بطل طردهما بغير الكفرة من الفساق قلنا لو سلم اجتماع التصديق المعتبر في الإيمان مع تلك الأمور التي هي كفر وفاقا فيجوز أن يجعل الشارع بعض محظورات الشرع علامة التكذيب فيحكم بكفر من ارتكبه وبوجود التكذيب فيه وانتفاء التصديق عنه كالاستخفاف بالشرع وشد الزنار وبعضها لا كالزنا وشرب الخمر ويتفاوت ذلك إلى متفق عليه ومختلف فيه ومنصوص عليه ومستنبط من الدليل وتفاصيله في كتب الفروع وبهذا يندفع إشكال آخر وهو أن صاحب التأويل في الأصول إما أن يجعل من المكذبين فيلزم تكفير كثير من الفرق الإسلامية كأهل البدع والأهواء بل المختلفين من الفرق الإسلامية كأهل البدع والأهواء بل المختلفين من أهل الحق وإما أن لا يجعل فيلزم عدم تكفير المنكرين لحشر الأجساد وحدوث العالم وعلم الباري بالجزئيات فإن تأويلاتهم ليست بأبعد من تأويلات أهل الحق للنصوص الظاهرة في خلاف مذهبهم وذلك لأن من النصوص ما علم قطعا من الدين أنه على ظاهره فتأويله تكذيب للنبي بخلاف البعض ثم لا يخفى أن المراد التكذيب أو عدم التصديق من المكلف ليخرج الصبي العاقل الذي لم يصدق أو صرح بالتكذيب وأما عند القائلين بصحة إيمانه وبأنه يكفر بصريح التكذيب وإن لم يكفر بترك التصديق فالمراد التكذيب ممن يصح منه الإيمان وعدم التصديق ممن يجب عليه الإيمان وقال القاضي الكفر هو الجحد بالله وربما يفسر الجحد بالجهل واعترض بعدم انعكاسه فإن كثيرا من الكفرة عارفون بالله تعالى مصدقون به غير جاحدين به وإن أريد الجحد أو الجهل أعم من أن يكون بوجوده أو وحدانيته أو شيء من صفاته وأفعاله وأحكامه لزم تكفير كثير من أهل الإسلام المخالفين في الأصول لأن الحق واحد وفاقا وأجيب بأن المراد الجحد به في شيء مما علم قطعا أنه من أحكامه أو الجهل بذلك إجمالا وتفصيلا وحينئذ يطرد وينعكس بل ربما يكون أحسن من التعريف بتكذيب النبي عليه السلام أو عدم تصديقه لشموله الكفر بالله من غير توسط النبي صلى الله عليه وسلم ككفر إبليس وقالت المعتزلة هو ارتكاب قبيح أو إخلال بواجب يستحق به أعظم العقاب ولا خفاء في أن هذا من أحكام الكفر لا ذاتياته ولا لوازمه البينة التي ينقل الذهن منها إليه ومع هذا فإن أريد أعظم العقاب على الإطلاق لم يصدق إلا على ما هو أشد أنواع الكفر وإن أريد أعظم بالنسبة إلى ما دونه صدق على كثير من المعاصي وإن أريد بالنسبة إلى الفسق وقد فسروا الفسق بما يستحق به عقوبة دون عقوبة الكفر فدورا وبالخروج من طاعة الله بكبيرة ومن الكبائر ما هو كفر فلا يتناوله التعريف وإن قيد الكبيرة بغير الكفر عاد الدور وبالجملة لا خفاء في اختلال هذا التعريف وخفائه وما قيل أن الكفر عند كل طائفة مقابل لما فسروا به الإيمان لا يستقيم على القول بالمنزلة بين المنزلتين أصلا ولا على قول السلف ظاهرا قال خاتمة قد ظهر أن الكافر اسم لمن لا إيمان له فإن أظهر الإيمان خص باسم المنافق وإن طرأ كفره بعد الإسلام خص باسم المرتد لرجوعه عن الإسلام وإن قال بإلهين أو أكثر خص باسم المشرك لإثباته الشريك في الألوهية وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابي كاليهودي والنصراني وإن كان يقول بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه خص باسم الدهري وإن كان لا يثبت الباري تعالى خص باسم المعطل وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهاره شعائر الإسلام ببطن عقائد هي كفر بالاتفاق خص باسم الزنديق وهو في الأصل منسوب إلى زند اسم كتاب اظهره مزدك في أيام قباد وزعم أنه تأويل كتاب المجوس الذي جاء به زرادشت الذي يزعمونه أنه نبيهم قال المبحث السابع في حكم مخالف الحق من أهل القبلة في باب الكفر والإيمان ومعناه أن الذين اتفقوا على ما هو من ضروريات الإسلام كحدوث العالم وحشر الأجساد وما أشبه ذلك واختلفوا في أصول سواها كمسألة الصفات وخلق الأعمال وعموم الإرادة وقدم الكلام وجواز الرؤية ونحو ذلك مما لا نزاع فيه أن الحق فيها واحد هل يكفر المخالف للحق بذلك الإعتقاد وبالقول به أم لا وإلا فلا نزاع في كفر أهل القبلة المواظب طول العمر على الطاعات باعتقاد قدم العالم ونفي الحشر ونفي العلم بالجزئيات ونحو ذلك وكذا بصدور شيء من موجبات الكفر عنه وأما الذي ذكرنا فذهب الشيخ الأشعري وأكثر الأصحاب إلى أنه ليس بكافر وبه يشعر ما قال الشافعي رحمه الله تعالى لا أرد شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لاستحلالهم الكذب وفي المنتقى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لم يكفر أحدا من أهل القبلة وعليه أكثر الفقهاء ومن أصحابنا من قال يكفر المخالفين وقالت قدماء المعتزلة بكفر القائلين بالصفات القديمة وبخلق الأعمال وكفر المجبرة حتى حكي عن الجبائي أنه قال المجبر كافر ومن شك في كفره فهو كافر ومن شك في كفر من شك في كفره فهو كافر ومنهم من بلغ الغاية في الحماقة والوقاحة فزعم أن القول بزيادة الصفات وبجواز الرؤية وبالخروج من النار وبكون الشرور والقبايح بخلقه وإرادته ومشيئته وبجواز إظهار المعجزة على يد الكاذب كلها كفر وقال الأستاذ أبو إسحق الإسفرائني يكفر من يكفرنا ومن لا فلا واختيار الإمام الرازي أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة وتمسك بأنه لو توقف صحة الإسلام على اعتقاد الحق في تلك الأصول لكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده يطالبون بها من آمن ويفتشون عن عقايدهم فيها وينبهونهم على ما هو الحق منها واللازم منتف قطعا ثم فرق بينها وبين ما هو من أصول الإسلام بالاتفاق بأن بعضها مما اشتهر كونه من الدين واشتمل عليه الكتاب بحيث لا يحتاج إلى البيان كحشرالأجساد وبعضها مما ظهرت أدلتها على ما يليق بأصحاب الجمل بحيث يتسارع إليها الأفهام كحدوث العالم وإنما طال الكلام فيها لإزالة شكوك الفقهاء المبطلون بخلاف الأصول الخلافية فإن الحق فيها خفي يفتقر إلى زيادة نظر وتأمل والكتاب والسنة قد يشتملان على ما يتخيل معارضا لحجة أهل الحق فلو كانت مخالفة الحق فيها كفرا لاحتيج إلى البيان البتة ثم أجاب عن أدلة تكفير الفرق بعضهم بعضا بأجوبة مبني بعضها على أن خرق الإجماع ليس بكفر وأن الإجماع لا ينعقد بدون اتفاق المشبهة والمجسمة والروافض وأمثالهم وبعضها على أن من لزمه الكفر ولم يقل به فليس بكافر وبعضها على أن صاحب التأويل وإن كان ظاهر البطلان ليس بكافر ووافقه بعض المتأخرين من المعتزلة حذرا عن شفاعة تكفير من تكاد تشهد الأرض والسماء بإسلامهم وعن لزوم تكفير كثير من كبارهم لكن كلامهم يموج بتكفير عظماء أهل الإسلام والله عزيز ذو انتقام ولقائل أن يجيب عن تمسك الإمام بمنع الملازمة بأن التصديق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا كاف في صحة الإيمان وإنما يحتاج إلى بيان الحق في التفاصيل عند ملاحظتها وإن كانت مما لا خلاف في تكفير المخالف فيها كحدوث العالم فكم من مؤمن لم يعرف معنى الحادث والقديم أصلا ولم يخطر بباله حديث حشر الأجساد قطعا لكن إذا لاحظ ذلك فلو لم يصدق كان كافرا قال المبحث الثامن حكم المؤمن الخلود في الجنة وحكم الكافر الخلود في النار ويختص المنافق بالدرك الأسفل وحكم الفاسق من المؤمنين الخلود في الجنة إما ابتداء بموجب العفو أو الشفاعة وإما بعد التعذيب بالنار بقدر الذنب وفيه خلاف المعتزلة والخوارج كما سبق والفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبيرة وقد عرفتها وينبغي أن يقيد بعدم التأويل للاتفاق على أن الباغي ليس بفاسق وفي معنى ارتكاب الكبائر الإصرار على الصغائر بمعنى الإكثار منها سواء كانت من نوع واحد أو أنواع مختلفة وأما استحلال المعصية بمعنى اعتقاد حلها فكفر صغيرة كانت أو كبيرة وكذا الاستهانة بها بمعنى عدها هينة ترتكب من غير مبالاة وتجري مجرى المباحات ولا خفاء في أن المراد ما يثبت بقطعي وحكم المبتدع وهو من خالف في العقيدة طريقة السنة والجماعة ينبغي أن يكون حكم الفاسق لأن الإخلال بالعقائد ليس بادون من الإخلال بالأعمال وأما فيما يتعلق بأمر الدنيا فحكم المؤمن ظاهر وحكم الكافر بأقسامه من الحربي والذمي والكتابي والمرتد مذكورة في كتب الفروع وحكم المنافق والزنديق إجراء أحكام الإسلام وحكم الفاسق الحد فيما يجب فيه الحد والتعزير في غيره والأمر بالتوبة ورد الشهادة وسلب الولاية على اختلاف في ذلك بين الفقهاء وحكم المبتدع البغض والعداوة والإعراض عنه والإهانة والطعن واللعن وكراهية الصلاة خلفه وطريقة أهل السنة أن العالم حادث والصانع قديم متصف بصفات قديمة ليست عينه ولا غيره وواحد لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا نهاية له ولا صورة ولا حد ولا يحل في شيء ولا يقوم به حادث ولا يصح عليه الحركة والانتقال ولا الجهل ولا الكذب ولا النقص وأنه يرى في الآخرة وليس في حيز ولا جهة ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن لا يحتاج إلى شيء ولا يجب عليه شيء كل المخلوقات بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته لكن القبايخ منها ليست برضاه وأمره ومحبته وأن المعاد الجسماني وسائر ما ورد به السمع من عذاب القبر والحساب والصراط والميزان وغير ذلك حق وأن الكفار مخلدون في النار دون الفساق وأن العفو والشفاعة حق وأن أشراط الساعة من خروج الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض حق وأول الأنبياء آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وأول الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم والأفضلية بهذا الترتيب مع تردد فيها بين عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما والمشهور من أهل السنة في ديار خرسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة أي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة أي طريقة الصحابة وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياض تلميذ أبي بكر الجرجاني صاحب أبي سليمان الجرجاني تلميذ محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله وما تريد من قرى سمرقند وقد دخل الآن فيها بين الطائفتين اختلاف في بعض الأصول كمسئلة التكوين ومسئلة الاستثناء في الإيمان ومسألة إيمان المقلد وغير ذلك والمحققون من الفريقين لا ينسبون أحدهما إلى البدعة والضلالة خلافا للمبطلين المتعصبين حتى ربما جعلوا الاختلاف في الفروع أيضا بدعة وضلالة كالقول بحل متروك التسمية عمدا وعدم نقض الوضوء بالخارج النجس من غير السبيلين وكجواز النكاح بدون الولي والصلاة بدون الفاتحة ولا يعرفون أن البدعة المذمومة هو المحدث في الدين من غير أن يكون في عهد الصحابة والتابعين ولا دل عليه الدليل الشرعي ومن الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكا بقوله عليه الصلاة والسلام إياكم ومحدثات الأمور ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه عصمنا الله من اتباع الهوى وثبتنا على اقتفاء الهدى بالنبي وآله قال الفصل الرابع في الإمامة لا نزاع في أن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات وهي أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل أحد ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية وقد ذكر في كتبنا الفقهية أنه لا بد للأمة من إمام يحيي الدين ويقيم السنة وينتصف للمظلومين ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها ويشترط أن يكون مكلفا مسلما عدلا حرا ذكرا مجتهدا شجاعا ذا رأي وكفاية سميعا بصيرا ناطقا قريشيا فإن لم يوجد من قريش من يستجمع الصفات المعتبرة ولي كناني فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل فإن لم يوجد فرجل من العجم ولا يشترط أن يكون هاشميا ولا معصوما ولا أفضل من يولى عليهم وتنعقد الإمامة بطرق
أحدها بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر حضورهم من غير اشتراط عدد ولا اتفاق من في سائر البلاد بل لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفت بيعته والثاني استخلاف الإمام وعهده وجعله الأمر شورى بمنزلة الاستخلاف إلا أن المستخلف غير متعين فيتشاورون ويتفقون على أحدهم وإذا خلع الإمام نفسه كان كموته فينتقل الأمر إلى ولي العهد والثالث القهر والاستيلاء فإذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكته انعقدت الخلافة له وكذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر إلا أنه يعصى بما فعل ولا يعتبر الشخص إماما بتفرده بشروط الإمامة ويجب طاعة الإمام مالم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلا أو جابرا ولا يجوز نصب إمامين في وقت واحد على الأظهر وإذا ثبت الإمام بالقهر والغلبة ثم جاء آخر فقهره انعزل وصار القاهر إماما ولا يجوز خلع الإمام بلا سبب ولو خلعوه لم ينفذ وإن عزل نفسه فإن كان لعجزه عن القيام بالأمر انعزل وإلا فلا ولا ينعزل الإمام بالفسق والإغماء وينعزل بالجنون وبالعمى والصمم والخرس وبالمرض الذي ينسيه العلوم قال إمام الحرمين وإذا جاور إلى الوقت فظهر ظلمه وغشمه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على ردعه ولو بشهر السلاح ونصب الحروب هذا ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة واختلافات بل اختلافات باردة سيما من فرق الروافض والخوارج ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام ونقض عقايد المسلمين والقدح في الخلفاء الراشدين مع القطع بأنه ليس للبحث عن أحوالهم واستحقاقهم وأفضليتهم كثير تعلق بأفعال المكلفين الحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام وربما أدرجوه في تعريفه حيث قالوا هو العلم الباحث عن أصول الصانع والنبوة والإمامة والمعاد وما يتصل بذلك على قانون الإسلام والإمامة رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي عليه الصلاة والسلام وبهذا القيد خرجت النبوة وبقيد العموم مثل القضاء والرياسة في بعض النواحي وكذا رياسة من جعله الإمام نائبا عنه على الإطلاق فإنها لا تعم الإمامة وقال الإمام الرازي هي رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص وقال هو احتراز عن كل الأمة إذا عزلوا الإمام لفسقه وكأنه أراد بكل الأمة أهل الحل والعقد واعتبر رياستهم على من عداهم أو على كل من آحاد الأمة ومع هذا يرد عليه أن الوحدة من شرائط الإمامة لا من مقوماتها وفي الشروط كثرة وعلى اشتراطها أدلة ويمكن أن يقال أنها بالمقومات أشبه من جهة أنه لا يقال لجميع الأمة حينئذ أئمة بخلاف الإمام الجاهل أو الفاسق أو نحو ذلك وعلى هذا ينبغي أن لا يقال لشخصين بايعا الأمة أنهما إمامان فإن قيل الخلافة عن النبي عليه الصلاة والسلام إنما تكون فيمن استخلفه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يصدق التعريف على إمامة البيعة ونحوها فضلا عن رياسة النائب العام للإمام قلنا لو سلم فالاستخلاف أعم من أن يكون بوسط أو بدونه قال وفيه مباحث لبيان وجوب الإمامة وشروطها وطريق ثبوتها ونبذ من أحكامها وتعيين الإمام الحق بعد النبي عليه الصلاة والسلام وإمامة الأئمة الأربعة وترتيبهم في الأفضلية قال المبحث الأول نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب علينا سمعا عند أهل السنة وعامة المعتزلة وعقلا عند الجاحظ والخياط والكعبي وأبي الحسين البصري وقالت الشيعة والسبعية وهم قوم من الملاحدة سموا بذلك لأن متقدميهم قالوا الأئمة تكون سبعة وعند السابع وهو محمد بن إسماعيل توقف بعضهم عليه وجاوزه بعضهم وقالوا الأئمة تدور على سبعة سبعة كأيام الأسبوع وهو واجب على الله فعندهم ليكون معلما في معرفة الله تعالى وعند بعض الشيعة وهم الإمامية ليكون لطفا في أداء الواجبات العقلية واجتناب المقبحات العقلية وعند بعضهم وهم الغلاة لتعليم اللغات وأحوال الأغذية والأدوية والسموم والحرف والصناعات والمحافظة عن الآفات والمخافات وقالت النجدات قوم من الخوارج أصحاب نجدة بن عويمر أنه ليس بواجب أصلا وقال أبو بكرالأصم من المعتزلة لا يجب عند ظهور العدل والإنصاف لعدم الاحتياج ويجب عند ظهورالظلم وقال هشام القوطبي منهم بالعكس أي يجب عند ظهور العدل لإظهار شرايع الشرع لا عد ظهور الظلم لأن الظلمة ربما لم يطيعوه وصار سببا لزيادة الفتن لنا على الوجوب وجوه
الأول وهو العمدة إجماع الصحابة حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات واشتغلوا به عن دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وكذا عقيب موت كل إمام روي أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم خطب أبو بكر رضي الله عنه فقال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد رب محمد فإنه حي لا يموت لا بد لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله فتبادروا من جانب وقالوا صدقت ولكن ننظر في هذا الأمر ولم يقل أحد أنه لا حاجة إلى الإمام الثاني أن الشارع أمر بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وكثير من الأمور المتعلقة بحفظ النظام وحماية بيضة الإسلام مما لا يتم إلا بالإمام ومالا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا فهو واجب على ما مر في صدر الكتاب لا يقال الأمر بإقامة الحدود كقطع السارق مثلا إن كان مشروطا بوجود الإمام لم يكن مطلقا فلم يستلزم وجوبه كالأمر بالزكاة بالنسبة إلى تحصيل النصاب وإن لم يكن مشروطا به فظاهر لأنا نقول فرق بين تقييد الوجوب وتقييد الواجب فههنا الوجوب مطلق أي لم يقيد ولم يشترط بوجود الإمام والواجب أعني المأمور به مشروط به وموقوف عليه كوجوب الصلاة المشروطة بالطهارة وأما في الزكاة فالوجوب مشروط بحصول النصاب حتى إذا انتفى فلا وجوب
الثالث أن في نصب الإمام استجلاب منافع لا تحصى واستدفاع مضار لا يخفى وكل ما هو كذلك فهو واجب أما الكبرى فبالإجماع وأما الصغرى فيكاد يلحق بالضروريات بل المشاهدات ويعد من العيان الذي لا يحتاج إلى البيان ولهذا اشتهر أن ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن وما يلتئم باللسان لا ينتظم بالبرهان وذلك لأن الاجتماع المؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد لا يتم بدون سلطان قاهر يدرأ المفاسد ويحفظ المصالح ويمنع ما يتسارع إليه الطباع ويتنازع عليه الأطماع وكفاك شاهدا ما يشاهد من استيلاء الفتن والابتلاء بالمحن لمجرد هلاك من يقوم بحماية الجورة ورعاية البيضة وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح والسداد ولم يخل عن شائبة شر وفساد ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يصدرون عن رأيه ومقتضى أمره ونهيه بل ربما يجري مثل هذا فيما بين الحيوانات العجم كالنحل لها عظيم يقوم مقام الرئيس ينتظم أمرها به ما دام فيها وإذا هلك انتشرت الأفراد انتشار الجراد وشاع فيما بينها الهلاك والفساد لا يقال فغاية الأمر أنه لا بد في كل اجتماع من رئيس مطاع منوط به النظام والانتظام لكن من أين يلزم عموم رياستها جميع الناس وشمولها أمر الدين على ما هو المعتبر في الإمام لأنا نقول انتظام أمر عموم الناس على وجه يؤدي إلى صلاح الدين والدنيا يفتقر إلى رياسة عامة فيهما إذ لو تعدد الرؤساء في الأصقاع والبقاع لأدى إلى منازعات ومخاصمات موجبة لاختلال أمر النظام ولو اقتصرت رياسته على أمر الدنيا لفات انتظام أمر الدين الذي هو المقصود الأهم والعمدة العظمى وأما الكبرى فبالإجماع عندنا وبالضرورة عند القائلين بالوجوب العقلي واعتراض صاحب تلخيص المحصل بأن بيان الصغرى عقلي من باب القبح والحسن وليس من مذهبكم والكبرى أوضح من الصغرى فلا حاجة إلى التعرض للإجماع مدفوع بأن كون الشيء صلاحا أو فسادا ليس في شيء من متنازع الحسن والقبح وكون دفع الضرر واجبا بمعنى استحقاق تاركه العقاب عند الله تعالى ليس بواضح فضلا عن الأوضح ولا ينبغي أن يخفى مثل هذا عليه ولا أن يكون الرجل العالم العلمي في هذه الغاية من الشغف بالاعتراض لا يقال الإجماع على الوجوب إنما هو إذا لم يتضمن مضرة مثل المضرة المندفعة أو فوتها وههنا نصب الإمام يتضمن مفاسد لا يضبطها العد والإحصاء لما في الآراء من اختلافات الأهواء وفي الطباع من الاستنكاف عن تسلط الأكفاء والإنسان قليل البقاء على ما عليه من الاهتداء وصلاح الاقتداء فتميل النفوس إلى الإباء والاستعصاء ويظهر الفساد ويكثر البغي والعناد ويهلك الحرث والنسل ويذهب الفرع والأصل وكفاك شاهدا ما تسمع من قصص انقضاء خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه إلى ابتداء دولة بني العباس لأنا نقول مضاره بالنسبة إلى منافعه ومفاسده بالإضافة إلى مصالحه مما لا يعبأ بكثرته ويلحق بالعدم في قلته فإن قيل لو وجب نصب الإمام لزم إطباق الأمة في أكثر الأعصار على ترك الواجب لانتفاء الإمام المتصف بما يجب من الصفات سيما بعد انقضاء الدولة العباسية ولقوله صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا وقد تم ذلك بخلافة علي رضي الله تعالى عنه فمعاوية ومن بعده ملوك وأمراء لا أئمة ولا خلفاء واللازم منتف لأن ترك الواجب معصية وضلالة والأمة لا تجتمع على الضلالة قلنا إنما يلزم الضلالة لو تركوه عن قدرة واختبار لا عجز واضطرار والحديث مع أنه من باب الآحاد يحتمل الصرف إلى الخلافة على وجه الكمال وههنا بحث آخر وهو أنه إذا لم يوجد إمام على شرايطه وبايع طايفة من أهل الحل والعقد قرشيا فيه بعض الشرايط من غير نفاذ لأحكامه وطاعة من العامة لأوامره وشوكة بها يتصرف في مصالح العباد ويقتدر على النصب والعزل لمن أراد هل يكون ذلك إتيانا بالواجب وهل يجب على ذوي الشوكة العظيمة من ملوك الأطراف المتصفين بحسن السياسة والعدل والإنصاف أن يفوضوا الأمر إليه بالكلية ويكونوا لديه كسائر الرعية وقد يتمسك بمثل قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وقوله صلى الله عليه وسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي وجوب الحصول وأما أنه لا يجب علينا عقلا ولا على الله أصلا فلما مر من بطلان الأصلين قال قالوا احتج القائلون بوجوبه علينا عقلا بأن فيه دفع الضرر واجب عقلا كاجتناب الطعام المسموم والجدار المشرف على السقوط ولو ظنا قلنا نعم بمعنى كونه من مقتضيات العقول والعادات وملايماتها والكلام في الوجوب بمعنى استحقاق تاركه الذم والعقاب في حكم الله تعالى وهو ممنوع ههنا واحتجوا على عدم وجوبه على الله تعالى مع أن الوجوب على الله في الجملة مذهبهم بأنه لو وجب على الله تعالى لما خلا زمان من الأزمنة من إمام ظاهر قاهر جامع لشروط الإمامة قاطع لرسوم الضلالة قائم بحماية بيضة الإسلام وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام واللازم ظاهر الانتفاء قال احتج القائلون بوجوب نصب الإمام على الله تعالى بأنه لطف من الله في حق العباد أما عند الملاحدة فليتمكنوا به من تحصيل المعرفة الواجبة إذ نظر العقل غير كاف في معرفة الله تعالى وأما عند الإمامية فلأنه إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم من المحظورات ويحثهم على الواجبات كانوا معه أقرب إلى ا لطاعات وأبعد من المعاصي منهم بدونه واللطف واجب على الله لما سبق والجواب إجمالا منع المقدمتين والقدح فيما يورد لإثباتهما على ما سبق من حال الكبرى وتفصيلا أنه إنما يكون لطفا إذا خلا عن جميع جهات القبح وهو ممنوع والسند ما مر مع وجوه أخر مثل أن أداء الواجب وترك القبيح مع عدم الإمام أكثر ثوابا لكونهما أشق وأقرب إلى الإخلاص لاحتمال انتفاء كونهما من خوف الإمام وأيضا فإنما يجب لو لم يقم لطف آخر مقامه كالعصمة مثلا فلم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين مستغنين عن الإمام والقول بأنا نعلم قطعا أن اللطف الذي يحصل بالإمام لا يحصل لغيره مجرد دعوى ربما تعارض بأنا نعلم قطعا جواز حصوله لغيره وهذا كدعوى القطع بانتفاء المفاسد في نصب الإمام وكونه مصلحة خالصة وأيضا إنما يكون منفعة ولطفا واجبا إذا كان ظاهرا قاهرا زاجرا عن القبايح قادرا على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء الإسلام وهذا ليس بلازم عندكم فالإمام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب وأجاب الشيعة بأن وجود الإمام لطف سواء تصرف أو لم يتصرف على ما نقل عن علي كرم الله وجهه أنه قال لا تخلو الأرض من إمام قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خايفا مضمورا لئلا يبطل حجج الله وبيناته وتصرفه الظاهر لطف آخر وإنما عدم من جهة العباد وسوء اختيارهم حيث أخافوه وتركوا نصرته ففوتوا اللطف على أنفسهم ورد أولا بأنا لا نسلم أن وجوده بدون التصرف لطف فإن قيل لأن المكلف إذا اعتقد وجوده كان دائما يخاف ظهوره وتصرفه فيمتنع من القبايح قلنا مجرد الحكم بخلقه وإيجاده في وقت ما كاف في هذا المعنى فإن ساكن القرية إذا انزجر عن القبيح خوفا من حاكم من قبل السلطان مختف في القرية بحيث لا أثر له كذلك ينزجر خوفا من حاكم علم أن السلطان يرسله إليها البتة متى شاء وليس هذا خوفا من المعدوم بل من وجود مترقب كما أن خوف الأول من ظهور مترقب وثانيا بأنه ينبغي أن يظهر لأوليائه الذين يبذلون الأرواح والأموال على محبته وليس عندهم منه إلا مجرد الاسم فإن قيل لعله ظهر لهم وأنتم عنه غافلون قلنا عدم ظهوره لهم من العاديات التي لا ارتياب فيها لعاقل كعدم بحر من المسك وجبل من الياقوت ولو سلم فالأولياء إذا عرفوا من أنفسهم أنه لم يظهر لهم توجه الاشكل عليهم اقال احتجت الخوارج القائلون بعدم وجوب نصب الإمام احتجوا بأن في نصبه إثارة الفتنة لأن الأهواء متخالفة والآراء متباينة فيميل كل حزب إلى واحد وتهيج الفتن وتقوم الحروب وما هذا شأنه لا يجب بل كان ينبغي أن لا يجوز لا أن احتمال الاتفاق على الواحد أو تعينه وتفرده باستجماع الشرايط أو ترجحه من بعض الجهات منع الامتناع وأوجب الجواز والجواب أن اعتبار الترجح كما قيل يقدم الأعلم ثم الأورع ثم الأسن أو انعقاد الأمر وانسداد طريق المخالفة بمجرد بيعة البعض ولو واحدا يدفع الفتنة مع أن فتنة النزاع في تعيين الإمام بالنسبة إلى مفاسد عدم الإمام ملحقة بالعدم لا يقال الاحتجاج المذكور على تقدير تمامه لا ينفي الوجوب على الله ولا على ا لنبي صلى الله عليه وسلم بالنص ولا على الإمام السابق بالاستخلاف لأنا نقول المقصود نفي ما يراه الجمهور من الوجوب على العباد إذا لم ينصب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف الإمام السابق قال المبحث الثاني يشترط في الإمام أن يكون مكلفا حرا ذكرا عدلا لأن غير العاقل من الصبي والمعتوه قاصر عن القيام بالأمور على ما ينبغي والعبد مشغول بخدمة السيد لا يفرغ للأمر مستحقر في أعين الناس لا يهاب ولا يمتثل أمره والنساء ناقصات عقل ودين ممنوعات عن الخروج إلى مشاهد الحكم ومعارك الحرب والفاسق لا يصلح لأمر الدين ولا يوثق بأوامره ونواهيه والظالم يختل به أمر الدين والدنيا وكيف يصلح للولاية وما الوالي إلا لدفع شره أليس بعجيب استرعاء الذئب وأما الكافر فأمره ظاهر وزاد الجمهوراشتراط أن يكون شجاعا لئلا يجبن عن إقامة الحدود ومقاومة الخصوم مجتهدا في الأصول والفروع ليتمكن من القيام بأمر الدين ذا رأي في تدبيرالأمور لئلا يخبط في سياسة الجمهور ولم يشترطها بعضهم لندرة اجتماعها في الشخص وجواز الاكتفاء فيها بالاستعانة من الغير بأن يفوض أمرالحروب ومباشرة الخطوب إلى الشجعان ويستفتي المجتهدين في أمورالدين ويستشير أصحاب الآراء الصائبة في أمورالملك واتفقت الأمة على اشتراط كونه قرشيا أي من أولاد نضر بن كنانة خلافا للخوارج وأكثر المعتزلة لنا السنة والإجماع أما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش وليس المراد إمامة الصلاة اتفاقا فتعينت الإمامة الكبرى وقوله صلى الله عليه وسلم الولاة من قريش ما أطاعوا الله واستقاموا لأمره وقوله صلى الله عليه وسلم قدموا قريشا ولا تقدموها وأما الإجماع فهو أنه لما قال الأنصار يوم السقيفة منا أمير ومنكم أمير منعهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعدم كونهم من قريش ولم ينكره عليه أحد من الصحابة فكان إجماعا احتج المخالف بالمنقول والمعقول أما المنقول صلى الله عليه وسلم أطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع وأجيب بأن ذلك في غير الإمام من الحكام جمعا بين الأدلة وأما المعقول فهو أنه لا عبرة بالنسب في القيام بمصالح الملك والدين بل للعلم والتقوى والبصيرة في الأمور والخيرة بالمصالح والقوة على الأهوال وما أشبه ذلك وأجيب بالمنع بل أن لشرف الأنساب وعظيم قدرها في النفوس أثرا تاما في اجتماع الآراء وتآلف الأهواء وبذل الطاعة والانقياد وإظهار آثار الإعتقاد ولهذا شاع في الأعصار أن يكون الملك والسياسة في قبيلة مخصوصة وأهل بيت معين حتى يرى الانتقال عنه من الخطوب العظيمة والاتفاقات العجيبة ولا أليق بذلك من قريش الذين هم أشرف الناس سيما وقد اقتصر عليهم ختم الرسالة وانتشرت منهم الشريعة الباقية إلى يوم القيامة وأما إذا لم يوجد من قريش من يصلح لذلك أو لم يقتدر على نصبه لاستيلاء أهل الباطل وشوكة الظلمة وأرباب الضلالة فلا كلام في جواز تقلد القضاء وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذي شوكة كما إذا كان الإمام القريشي فاسقا أو جابرا أو جاهلا فضلا أن يكون مجتهدا وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار وأما عند العجز والاضطرار واستيلاء الظلمة والكفار والفجار وتسلط الجبابرة الأشرار فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبية وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط والضرورات تبيح المحظورات وإلى الله المشكي في النائبات وهو المرتجى لكشف الملمات قال واشترطت الشيعة أمورا منها أن يكون هاشميا أي من أولاد هاشم بن عبد مناف أبي عبد المطلب وليس لهم في ذلك شبهة فضلا عن حجة وإنما قصدهم نفي إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومنهم من اشترط كونه علويا نقيا لخلافة بني العباس وكفى بإجماع المسلمين على إمامة الأئمة الثلاثة حجة عليهم ومنها أن يكون عالما بكل الأمور وأن يكون مطلعا على المغيبات وهذه جهالة تفرد بها بعضهم ومنها أن يكون أفضل أهل زمانه لأن قبح تقديم المفضول على الأفضل في إقامة قوانين الشريعة وحفظ حوزة الإسلام معلوم للعقلاء ولا ترجيح في تقديم المساوي ونقل مثل ذلك عن الأشعري حتى لا تنعقد إمامة المفضول مع وجود الأفضل لأن الأفضل أقرب إلى انقياد الناس له واجتماع الآراء على متابعته ولأن الإمامة خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجب أن يطلب لها من له رتبة أعلى قياسا على النبوة وأجيب بأن القبح بمعنى استحقاق تاركه الذم والعقاب عند الله ممنوع وبمعنى عدم ملاءمته بمجاري العقول والعادات غير مفيد مع أنه أيضا في حيز المنع إذ ربما يكون المفضول أقدر على القيام بمصالح الدين والملك ونصبه أوفق لانتظام حال الرعية وأوثق في اندفاع الفتنة وهذا بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مبعوث من العليم الحكيم الذي يختار من يشاء من عباده لنبوته ويوحي إليه مصالح الملك والملة ويراه أهلا لتبليغ ما أوحي إليه بمشيئته فيدل ذلك قطعا على أفضليته وإليه الإشارة بقوله تعالى أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وقد يحتج بجواز تقديم المفضول بوجوه
الأول إجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على انعقاد الإمامة لبعض القريشيين مع أن فيهم من هو أفضل منه الثاني أن عمر رضي الله عنه جعل الإمامة شورى بين ستة من غير نكير عليه مع أن فيهم عثمان وعليا وهما أفضل من غيرهم إجماعا ولو وجب تعيين الأفضل لعينهما الثالث أن الأفضلية أمر خفي قلما يطلع عليه أهل الحل والعقد وربما يقع فيه النزاع ويتشوش الأمر وإذا أنصفت فتعيين الأفضل متعسر في أقل فرقة من فرق الفاضلين فكيف في قريش مع كثرتهم وتفرقهم في الأطراف وأنت خبير بأن هذا وأمثاله على تقدير تمامه إنما يصلح للاحتجاج على أهل الحق دون الروافض فإن الإمام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق قال وإن يكون معصوما من معظم الخلافيات مع الشيعة اشتراطهم أن يكون الإمام معصوما وقد عرفت معنى العصمة وأنها لا تنافي القدرة على المعصية بل ربما يستلزمها واحتج أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالإجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم مع الإجماع على أنهم لم تجب عصمتهم وإن كانوا معصومين بمعنى أنهم منذ آمنوا كان لهم ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها وحاصل هذا دعوى الإجماع على عدم اشتراط العصمة في الإمام وإلا فليس للإجماع على عدم وجوب عصمة الشخص كثير معنى وقد يحتج كثير بأن العصمة مما لا سبيل للعباد إلى الاطلاع عليه فإيجاب نصب إمام معصوم يعود إلى تكليف ما ليس في الوسع وفي انتهاض الوجهين على الشيعة نظر والظاهر أنه لا حاجة إلى الدليل على عدم اشتراط وإنما يحتاج إليه في الاشتراط وقد احتجوا بوجوه الأول القياس على النبوة بجامع إقامة الشريعة وتنفيذ الأحكام وحماية حوزة الإسلام ورد بأن النبي مبعوث من الله مقرون دعواه بالمعجزات الباهرة الدالة على عصمته من الكذب وسائر الأمور المحلة بمرتبة النبوة ومنصب الرسالة ولا كذلك الإمام فإن نصبه مفوض إلى العباد الذين لا سبيل لهم إلى معرفة عصمته واستقامة سريرته فلا وجه لاشتراطها وأيضا النبي يأتي بالشريعة التي لا علم للعباد بها إلا من جهته فلو لم يكن معصوما عن الكذب في تبليغها والفسق في تعاطيها وقد لزمنا امتثاله فيما أمر ونهى واعتقاد إباحة ما جرى عليه ومضى لكانت المعجزة التي أقامها الله تعالى لصحة الرسالة والهدى وانتظام أمر الدين والدنيا مفضية إلى الضلالة والردى واختلال حال العاجلة والعقبى الثاني أن الإمام واجب الطاعة بالنص والإجماع قال الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وكل واجب الطاعة واجب العصمة وإلا لجاز أن يكذب في تقرير الأوامر والنواهي وينهى عن الطاعات ويأمر بالمعاصي فيلزم وجوب اجتناب الطاعة وارتكاب العصيان واللازم ظاهر البطلان والجواب أن وجوب طاعته إنما هو فيما لا يخالف الشرع بشهادة قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ويكفي في عدم كذبه في بيان الأحكام العلم والعدالة والإسلام وهذا ما يقال إنما يجب عصمته لو كان وجوب طاعته بمجرد قوله وأما إذا كان لكونه حكم الله ورسوله فيكفي العلم والعدالة كالقاضي والوالي بالنسبة إلى الخلق والشاهد بالنسبة إلى الحاكم والمفتي بالنسبة إلى المقلد وأمثال ذلك على أن الإجماع عند الشيعة إنما يكون حجة لاشتماله على قول المعصوم فإثبات العصمة به دور الثالث أن غير المعصوم ظالم لأن المعصية ظلم على النفس أو على الغير ولا شيء من الظالم بأهل للإمامة لقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين والمراد عهد الإمامة بقرينة السباق وهو قوله تعالى إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي والجواب أن غير المعصوم أي من ليس له ملكة العصمة لا يلزم أن يكون عاصيا بالفعل فضلا أن يكون ظالما فإن المعصية أعم من الظلم وليس كل عاص ظالما على الإطلاق ولو سلم فدلالة الآية على صدق الكبرى لا يتم لجواز أن يكون المراد عهد النبوة والرسالة على ما هو رأي أكثر المفسرين نعم لا يبعد إثباته بالإجماع وفيه ما مر
الرابع أن الأمة إنما يحتاجون إلى الإمام لجواز الخطأ عليهم في العلم والعمل ولذلك يكون الإمام لطفا لهم فلو جاز الخطأ على الإمام لوجب له إمام آخر ويتسلسل وشبه ذلك بانتهاء سلسلة الممكنات إلى الواجب لئلا يلزم التسلسل والجواب أن وجوب الإمام شرعي بمعنى أنه أوجب علينا نصبه لا عقلي مبني على جواز الخطأ على الأمة كما زعمتم لأن في الشريعة القائمة إلى القيامة غنية عنه لولا إيجاب الشارع والضرر المظنون من عدمه يندفع بعلمه واجتهاده وظاهر عدالته وحسن اعتقاده وإن لم يكن معصوما ألا يرى أن الخطأ جائز على المعصوم أيضا لما عرفت من أن العصمة لا تزيل المحنة وإن لم يندفع بذلك فكفى بخبر الأمم وعلماء الشرع مانعا دافعا الخامس أنه حافظ للشريعة فلو جاز الخطأ عليه لكان ناقضا لها لا حافظا فيعود على موضوعه بالنقض والجواب أنه ليس حافظا لها بذاته بل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة واجتهاده الصحيح فإن أخطأ في اجتهاده أو ارتكب معصية فالمجتهدون يردون والآمرون بالمعروف يصدون وإن لم يفعلوا أيضا فلا نقض للشريعة القويمة ولا نقض على الطريقة المستقيمة السادس أنه لو أقدم على المعصية فإما أن يجب الإنكار عليه وهو مضاد لوجوب إطاعته الثابت بقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فيلزم اجتماع الضدين وإما أن لا يجب وهو خلاف النص والإجماع والجواب أن وجوب الطاعة إنما هو فيما لا يخالف الشرع وأما فيما يخالفه فالرد والإنكار وإن لم يتيسر فسكوت عن اضطرار السابع أنه لا بد للشريعة من ناقل ولا يوجد في كل حكم حكم أهل التواتر منعنا إلى انقراض العصر فلم يبق إلا أن يكون إماما معصوما عن الخطأ والجواب أن الظن كاف في البعض فينقل بطريق الآحاد من الثقاة وأما القطعي فإلى أهل التواتر أو جميع الأمة وهم أهل عصمة عن الخطأ فلا حاجة إلى معصوم بالمعنى الذي قصد ثم وليت شعري بأي طريق نقلت الشريعة إلى الشيعة من الإمام الذي لا يوجد منه إلا الاسم قال وأما اشتراط قد اشترط الغلاة من الروافض أن يكون الإمام صاحب معجزة عالما بالغيوب وبجميع اللغات وبجميع الحرف والصناعات وبطبايع الأغذية والأدوية وبعجايب البر والبحر والسماء والأرض وهذه خرافات مفضية إلى نفي الإمام ورفض الشريعة والأحكام قال المبحث الثالث في طريق ثبوتها اتفقت الأمة على أن الرجل لا يصير إماما بمجرد صلاحيته للإمامة واجتماع الشرائط فيه بل لا بد من أمر آخر به تنعقد الإمامة وهي طرق منها متفق عليه ومنها مختلف فيه فالمختلف فيه المردود الدعوة بأن يباين الظلمة من هو أهل للإمامة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى اتباعه قال به غير الصالحية من الزيدية ذاهبين إلى أن كل فاطمي خرج شاهرا لسيفه داعيا إلى سبيل ربه فهو إمام ولم يوافقهم على ذلك إلا الجبائي والمختلف فيه المقبول عندنا وعند المعتزلة والخوارج والصالحية خلافا للشيعة هو اختيار أهل الحل والعقد وبيعتهم من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك ولا عدد محدود بل ينعقد بعقد واحد منهم ولهذا لم يتوقف أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى انتشار الأخبار في الأقطار ولم ينكر عليه أحد وقال عمر رضي الله تعالى عنه لأبي عبيدة ابسط يدك أبايعك فقال أتقول هذا وأبو بكر حاضر فبايع أبا بكر وهذا مذهب الأشعري إلا أنه يشترط أن يكون العقد بمشهد من الشهود لئلا يدعي آخر أنه عقد عقدا سرا متقدما على هذا العقد وذهب أكثر المعتزلة إلى اشتراط عدد خمسة ممن يصلح للإمامة أخذا من أمر الشورى لنا على كون البيعة والاختيار طريقا أما الطريق إما النص وإما الاختيار والنص منتف في حق أبي بكر رضي الله تعالى عنه مع كونه إماما بالإجماع وكذا في حق علي عند التحقيق وأيضا اشتغل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومقتل عثمان رضي الله تعالى عنه باختيار الإمام وعقد البيعة من غير نكير فكان إجماعا على كونه طريقا ولا عبرة بمخالفة الشيعة بعد ذلك احتجت الشيعة بوجوه
الأول أن الإمام يجب أن يكون معصوما افضل من رعيته عالما بأمر الدين كله ولا سبيل إلى معرفة ذلك بالاختيار ورد بمنع المقدمتين فقد سبق عدم اشتراط الأمور وعلم بالضرورة حصول الظن لأهل الحل والعقد بالصفات المذكور الثاني أن أهل البيعة لا يقدرون على تولية مثل القضاء والاحتساب ولا على التصرف في فرد من آحاد الأمة فكيف يقدرون على تولية الرياسة الكبرى وعلى أقدار الغير على التصرف في أمر الدين والدنيا لكافة الأمة ورد بمنع الصغرى فإن التحكيم جائز عندنا والشاهد يجعل القاضي قادرا على التصرف في الغير ولو سلم فذلك لوجود من إليه التولية وهو الإمام ولا كذلك إذا مات ولا إمام غيره الثالث أن الإمامة لإزالة الفتن وإثباتها بالبيعة مظنة إثارة الفتن لاختلاف الآراء كما في زمن علي رضي الله تعالى عنه ومعاوية فتعود على موضوعها بالنقض ورد بأنه لا فتنة عند الانقياد للحق فإن جهات الترجيح من السبق وغيره معلومة من الشريعة ونزاع معاوية لم يكن في إمامة علي رضي الله تعالى عنه بل في أنه هل يجب عليه بيعته قبل الاقتصاص من قتلة عثمان وأما عند الترفع والاستيلاء فالفتنة قائمة ولو مع قيام النص ولو سلم فالكلام فيما إذا لم يوجد النص إذ لا عبرة بالبيعة والاختيار على خلاف ما ورد به النص ولا خفاء في أن الفتنة القائمة من عدم الإمام أضعاف فتنة النزاع في تعيينه الرابع أن الإمامة خلافة الله ورسوله فيتوقف على استخلافهما بوسط أو لا بوسط والثابت باختيار الأمة لا يكون خلافة منهما بل من الأمة ورد بأنه لما قام الدليل من قبل الشارع وهو الإجماع على أن من اختاره الأمة خليفة لله ورسوله كان خليفة سقط ما ذكرتم ألا ترى أن الوجوب بشهادة الشاهد وقضاء القاضي وفتوى المفتي حكم الله لا حكمهم على أن الإمام وإن كان نائبا لله فهو نائب للأمة أيضا الخامس أن القول بالاختيار يؤدي إلى خلو الزمان عن الإمام وهو باطل بالاتفاق وذلك فيما إذا عقد أهل بلدتين لمستعدين ولم يعلم السبق فإنه لا يمكن الحكم بصحتهما لاحتمال المقارنة ولا بفسادهما لاحتمال السبق ولا يتعين الصحيح لعدم الوقوف وحينئذ لا يمكن نصب إمام آخر لاحتمال كونه ثانيا ورد بأنه ينصب إمام بعدم العلم بوجود الإمام على أنه يمكن الترجيح بجهاته السادس أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته على أنه كان لا يترك الاستخلاف على المدينة وغيرها من البلاد في غيبة مدة قليلة ولا البيان في أدنى ما يحتاج إليه من الفرائض والسنن والآداب حتى في أمر قضاء الحاجة ومسح الخف ونحو ذلك فكيف يترك الاستخلاف في غيبة الوفاة والبيان فيما هو من أساس المهمات والجواب أن ذلك مجرد استبعاد على أن التفويض إلى اختيار أهل الحل والعقد واجتهاد أرباب أولي الألباب نوع استخلاف وبيان كما في كثير من فروع الإيمان السابع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لأمته بمنزلة الأب الشفيق لأولاده الصغار وهو لا يترك الوصية في الأولاد إلى واحد يصلح لذلك فكذا النبي صلى الله عليه وسلم في حق الأمة