Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ومنها ما هو في معنى التجارة كالغصب وجحود الأمانات من الودائع ونحوها لأن الغصب وجحود الأمانة سبب لوجوب الملك في المغصوب والمجحود فكان في معنى التجارة وكذا الاستهلاك مأذونا كان أو محجورا بأن عقر دابة أو خرق ثوبا خرقا فاحشا لأنه سبب لثبوت الملك في العين قبل الهلاك فكان في معنى التجارة وكذلك عقر الجارية المستحقة بأن اشترى جارية فوطئها ثم استحقت لأن الواجب وإن كان قيمة منافع البضع لكن منافع البضع لا تتقوم إلا بالعقد فتلحق بالواجب بالعقد فكان في حكم ضمان التجارة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ومنها النكاح بإذن المولى لأنه لم يشرع بدون المهر فصل وأما بيان سبب ظهور الدين فسبب ظهوره شيئان أحدهما إقراره بالدين وبكل ما هو سبب لتعلق الدين بمحل يستوفى منه وهو ما ذكرنا لأن إظهار ذلك بالإقرار من ضرورات التجارة على ما بينا فيملكه المأذون والثاني قيام البينة على ذلك عند الإنكار لأن البينة حجة مظهرة للحق ولا ينتظر حضور المولى بل يقضي عليه ولو كان محجورا فقامت البينة عليه بالغصب لم يقض عليه حتى يحضر المولى ووجه الفرق أن الشهادة في المأذون قامت عليه لا على المولى لأن يد التصرف له لا للمولى فيملك الخصومة فكانت الشهادة قائمة عليه لا على المولى فلا معنى لشرط حضور المولى بخلاف المحجور لأنه لا يد له فلا يملك الخصومة فكانت الشهادة قائمة على المولى فشرط حضوره لئلا يكون قضاء على الغائب ولو ادعى على العبد المحجور وديعة مستهلكة أو بضاعة أو شيئا كان أصله أمانة لا يقضى بها للحال عند أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة وعند أبي يوسف رحمه الله يقضى بها للحال بناء على أن العبد لا يؤاخذ بضمان وديعة مستهلكة للحال عندهما وإنما يؤاخذ به بعد العتاق فيتوقف القضاء بالضمان إليه وعنده يؤخذ ( ( ( يؤاخذ ) ) ) به للحال فلا يتوقف والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك لو أقامت البينة على إقرار المأذون بذلك قضي عليه ولا يشترط حضور المولى ولو قامت البينة على إقرار المحجور بالغصب لم يقض عليه وإن كان المولى حاضرا لأن المحجور لو أقر بذلك لما نفذ على مولاه للحال كذا إذا قامت البينة على إقراره بخلاف المأذون ولو قامت البينة على العبد المأذون أو المحجور على سبب قصاص أو حد من القتل والقذف والزنا والشرب لم يقض بها حتى يحضر المولى عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يقضى بها وإن كان غائبا وأجمعوا على أنه لو أقر بالحدود والقصاص فإنها تقام من غير حضرة المولى وجه قول أبي يوسف أن العبد أجنبي عن المولى فيما يرجع إلى الحدود والقصاص ألا ترى أنه يصح إقراره بهما من غير تصديق المولى ولا يصح إقرار المولى من غير تصديقه فكانت هذه شهادة قائمة عليه لا على المولى فلا يشترط حضوره ولهذا لم يشترط حضرة المولى في الإقرار وجه قولهما أن العبد بجميع أجزائه مال المولى وإقامة الحدود والقصاص إتلاف ماله عليه فيصان حقه عن الإتلاف ما أمكن وفي شرط الحضور صيانة حقه عن الإتلاف بقدر الإمكان لأنه لو كان حاضرا عسى يدعي شبهة مانعة من الإقامة وحق المسلم تجب صيانته عن البطلان ما أمكن ومثل هذه الشبهة مما لا يتعد ( ( ( يعد ) ) ) في الإقرار بعد صحته لذلك افترقا وكذلك إذا قامت البينة على عبد أنه سرق عشرة دراهم وهو يجحد ذلك أنه لو كان المولى حاضرا تقطع ( ( ( يقطع ) ) ) ولا يضمن السرقة مأذونا كان أو محجورا بلا خلاف لأن القطع مع الضمان لا يجتمعان وإن كان غائبا فإذا كان العبد مأذونا يضمن السرقة ولا يقطع لأن غيبة المولى لا تمنع القضاء بالضمان في حق المأذون ومتى وجب الضمان امتنع القطع لأنهما لا يجتمعان وعلى قياس أبي يوسف هذا والفصل الأول سواء يقطع ولا يضمن السرقة ولأن حضرة المولى عنده ليس بشرط للقضاء بالقطع والقطع يمنع الضمان
وإن كان محجورا لا تسمع البينة على السرقة فلا يقضى عليه بقطع ولا ضمان عندهما أما القطع فلأن حضرة المولى شرط ولم يوجد وأما الضمان فلأن غيبة المولى تمنع القضاء بالضمان في حق المحجور وعنده يقطع ولا يضمن لما قلنا ولو قامت البينة على سرقة ما دون النصاب فإن كان مأذونا قبلت ولزمه الضمان دون القطع سواء حضر المولى أو غاب لأن سرقة ما دون النصاب لا توجب القطع فبقي دعوى السرقة ودعوى الضمان على المأذون وحضرة المولى ليست بشرط للقضاء بالضمان على المأذون وإن كان محجورا لا تسمع بينته أصلا أما على القطع فظاهر وأما على المال فلأن حضور المولى شرط القضاء على المحجور بالمال ولو قامت البينة على إقراره ( ( ( إقرار ) ) ) المأذون أو المحجور بسبب القصاص أو الحد لزمه القود وحد حد القذف حضر المولى أو غاب ولا يلزمه ما سواهما من الحدود وإن كان المولى حاضرا لأن القصاص حق العبد وكذا حد القذف فيه حق العبد وسائر الحدود حقوق الله سبحانه وتعالى خالصا فالبينة وإن أظهرت الإقرار فالإنكار منه رجوع عن الإقرار والرجوع عن الإقرار يصح في حقوق الله تبارك وتعالى لا في حقوق العباد فيجب القصاص وحد القذف ويسقط ما سواهما غير أنه إذا قامت البينة على إقراره بالسرقة يلزمه الضمان إن كان مأذونا سواء بلغ نصابا أو لم يبلغ حضر المولى أو غاب لأن سقوط القطع للرجوع والرجوع في حق المال لم يصح فيجب الضمان سواء كان المولى ولو كان محجورا لا قطع عليه ولا ضمان أما القطع فلمكان الرجوع وأما الضمان فلأن إقرار المحجور بالمال غير نافذ في الحال فلا تصح إقامة البينة عليه ولو قامت البينة على الصبي المأذون أو المعتوه المأذون على قتل أو سبب حد قبلت على القتل وتجب الدية على العاقلة ولا تقبل على الحد لتصور سبب وجوب الدية منه وهو القتل الخطأ لأن عمد الصبي خطأ وانعدام تصور سبب وجوب الحد منه من الزنا وغيره غير أنه إذا قامت البينة عليه على السرقة قبلت على المال وضمنه القاضي لأن الصبي المأذون من أهل القضاء عليه بالمال ولو قامت البينة على إقراه ( ( ( إقراره ) ) ) بالقتل لم تقبل لأن إقرار الصبي غير صحيح فلا تقبل البينة عليه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل وأما بيان محل التعلق فنقول وبالله التوفيق لا خلاف في أن الدين يتعلق بكسب العبد لأن المولى بالإذن بالتجارة عينه للاستيفاء أو تعين شرعا نظرا للغرماء سواء كان كسب التجارة أو غيره من الهبة والصدقة والوصية وغيرها وهذا قول علمائنا الثلاثة رضي الله عنهم وقال زفر رحمه الله لا يتعلق إلا بكسب التجارة وتكون الهبة وغيرها للمولى وجه قول زفر أن التعلق حكم الإذن والإذن بالتجارة لا لغيرها وهذه ليست من كسب التجارة فلا يتعلق بها الدين ولنا إن شرط ثبوت الملك للمولى في كسب العبد أي كسب كان فراغه عن حاجة العبد للفقه الذي ذكرنا من قبل ولم يوجد الفراغ فلا يثبت الملك له وسواء حصل الكسب بعد لحوق الدين أو كان حاصلا قبله إلا الولد والأرش فإن ما ولدت المأذونة من غير مولاها بعد لحوق الدين يتعلق به وما ولدته قبل ذلك لا يتعلق الدين به ويكون المولى ( ( ( للمولى ) ) ) وكذلك الأرش بأن فقئت عينها فوجب الأرش على الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) ووجه الفرق أن التعلق بالولد بحكم السراية من الأم إليه لأن الولد يحدث على وصف الأم ومعنى السراية إنما يتحقق في الحادث بعد لحوق الدين لا قبله لأنه كان ولا دين على الأم فلما حدث حدث على ملك المولى وكذلك الأرش في حكم الولد لأن الولد جزء منفصل من الأصل والأرش بدل جزء منفصل من الأصل وحكم البدل حكم الأصل
وأما تعلقه بغيرهما فليس بحكم السراية بل الشغل بحاجة العبد فإذا لم ينزعه المولى من يده حتى لحقه دين محيط فقد صار مشغولا بحاجته فلا يظهر ملك المولى فيه فهو الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم وههنا فرق آخر وهو أن الولد المولود بعد لحوق الدين يدخل في الدين وولد الجناية لا يدخل في الجناية لأن دخوله في الدين بحكم السراية لأن الدين يتعلق برقبة الأم فسرى ذلك إلى الولد فحدث على وصف الأم والجناية لا تحتمل التعلق بالرقبة فلا تحتمل السراية فهو الفرق ولو أذن له المولى دفع إليه مالا ليعمل به فباع واشترى ولحقه دين لا يتعلق الدين بالمال المدفوع إليه لأن الدين يتعلق بكسب العبد وذا ليس كسبه أصلا فلا يتعلق به وأما رقبة العبد فهل يتعلق الدين بها اختلف فيه قال علماؤنا الثلاثة رضي الله عنهم يتعلق وقال زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لا يتعلق وجه قولهما أن هذا إن كان دين العبد فالرقبة ملك المولى ودين الإنسان لا يقضي من مال مملوك لغيره إلا بإذنه ولم يوجد وإن كان دين المولى فلا يتعين له مال دون مال كسائر ديون المولى وإنما يقضى من الكسب لوجود التعيين فالإذن من المولى دلالة الإذن بالتجارة لأنه قضاء دين التجارة من كسب التجارة فكان مأذونا فيه دلالة ومثل هذه الدلالة لم يوجد في الرقبة لأن رقبة العبد ليس ( ( ( ليست ) ) ) من كسب التجارة ولنا أن نقول هذا دين العبد لكن ظهر وجوبه عند المولى ودين العبد إذا ظهر وجوبه عند المولى يقضي من رقبته التي هي مال المولى كدين الاستهلاك أو نقول هذا دين الملولى ( ( ( المولى ) ) ) فيقضى من المال الذي عينه المولى للقضاء منه كالرهن والمولى بالإذن عين الرقبة لقضاء الدين منها فيتعين بتعيين المولى والله سبحانه وتعالى أعلم وإذا كان الرقبة والكسب كل واحد منهما محلا لتعلق الدين به فإذا اجتمع الكسب والرقبة يبدأ بالاستيفاء من الكسب لأن الكسب محل للتعلق قطعا ومحلية الرقبة لتعلق محل الاجتهاد فكانت البدلية بالكسب أولى فإذا قضي الدين منه فإن فضل من الكسب شيء فهو للمولى لأنه كسب فارغ عن حاجة العبد وإن فضل الدين يستوفى من الرقبة عندنا فإن فضل على الثمن يتبع العبد به بعد العتاق على ما نذكره فصل وأما بيان حكم التعلق فنقول وبالله التوفيق إن لتعلق الدين أحكاما ومنها ولاية طلب البيع للغرماء من القاضي لأن معنى تعلق الدين منه ليس إلا تعينه لاستيفاء الدين منه وهو في الحقيقة تعين ماليته للاستيفاء لأن استيفاء الدين من جنسه يكون وذلك ماليته لا عينه وذلك بيعه وأخذ ثمنه إلا أن يقضي المولى ديونهم فتخلص له الرقبة لأن حقهم في المالية دون العين وقد قضى حقهم فبطل التعلق ومنها أنه إذا بيع العبد كان ثمنه بين الغرماء بالحصص لأن الثمن بدل الرقبة فيكون لهم على قدر تعلق حقهم بالمبدل وهو الرقبة وكان ذلك بالحصص فكذا الثمن كثمن التركة إذا بيعت ثم إذا بيع العبد فإن فضل شيء من ثمنه فهو للمولى وإن فضل الدين لا يطالب المولى به لأنه لا دين على المولى ويتبع العبد به بعد العتاق لأن الدين كان عليه إلا أن القدر الذي تعلق برقبته صار مقضيا فبقي الفاضل عليع وإنما يباع العبد في الدين إذا كان حالا فإن كان مؤجلا لا يباع إلى حل الأجل لأن البيع يتبع التعلق والتعلق يتبع الوجوب والوجوب على التضييق لا يثبت إلا بعد حل الأجل فكذا التعلق ولو كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا فطلب أصحاب الحال البيع باعه القاضي وأعطى أصحاب الحال قدر حصتهم وأمسك حصة أصحاب الأجل لأن التعليق على التضييق ثبت في حق أصحاب الحال لا في حق أصحاب الأجل
وكذلك لو كان الغرماء بعضهم حضورا وبعضهم غيبا فطلب الحضور البيع من القاضي باعه القاضي وأعطى الحضور حصتهم ووقف حصة الغيب لأن لكل واحد منهم على الانفراد دينا متعلقا بالرقبة وذا يوجب التحريج ( ( ( التحويج ) ) ) إلى البيع فغيبة البعض لا تكون مانعة وكذلك إذا كان بعض الديون ظاهرا والبعض لا يظهر لكن ظهر سبب وجوبه بأن كان عليه دين فحفر بئرا على طريق المسلمين فطلب الغريم البيع باعه القاضي في دينه وأعطاه دينه وإن كان لا يفضل الثمن عن دينه شيئا لأن ظهور دينه أوجب التعلق برقبته فلا يجوز ترك العمل بالظاهر بما لم يظهر ثم إذا وقعت فيها بهيمة فعطبت رجع صاحب البهيمة على الغريم فيتضاربان فيضرب صاحب البهيمة بقيمتها ويضرب الغريم بدينه فيكون الثمن بينهما بالحصص لأن الحكم مستند إلى وقت وجود سببه فيتبين أنه كان شريكه في الرقبة في تعلق الدين فيتشاركان في بدلها بالحصص ولو كان عليه دين فأقر قبل أن يباع لغائب يصدق في ذلك صدقه المولى والغرماء أو كذبوه لأن إقرار المأذون بالدين صحيح من غير تصديق المولى لما بينا وإذا بيع وقف القاضي من ثمنه حصة الغائب ولو أقر بدين لغائب بعدما بيع في الدين لم يجز إقراره وإن صدقه المولى لأنه إذا بيع فقد صار محجورا عليه وإقرار المحجور بالدين لا يصح وإن صدقه المولى فإن قدم الغائب وأقام بينة على الدين اتبع الغرماء بحصته من الثمن لأنه بإقامة البينة ظهر أنه كان شريكهم في الرقبة في تعلق الدين فشاركهم في بدلها ولا سبيل له على العبد ولا على المشتري لأن حقه في الدين ومحل تعلقه الرقبة لا غير فلا سبيل له على غيرها والله أعلم ومنها أنه لا يجوز للمولى بيع العبد الذي عليه دين إلا بإذن الغرماء أو بقضاء الدين أو بإذن القاضي بالبيع للغرماء ولو باع لا ينفذ إلا إذا وصل إليهم الثمن وفيه وفاء بديونهم لأن حق الغرماء متعلق برقبته وفي البيع إبطال هذا الحق عليهم فلا ينفذ من غير رضاهم كبيع المرهون إلا أن يصل ثمنه إليهم وفيه وفاء بديونهم فينفذ لما بينا أن حقهم في معنى الرقبة لا في صورتها فصار كما لو قضى المولى الدين من خالص ماله ودل إطلاق هذه الرواية على أن الدين حال قيام الكسب يتعلق بالكسب والرقبة جميعا لأنه بقي جواز بيع المولى مطلقا عن شرط عدم الكسب ولو كان قيام الكسب مانعا من التعلق بالرقبة لجاز لأن الرقبة إذ ذاك تكون خالص ملك المولى وتصرف الإنسان في خالص ملكه نافذ إلا أن يحمل على حال عدم الكسب حملا للمطلق على المقيد واللهأعلم ( ( ( والله ) ) ) ولو أذن له بعض الغرماء بالبيع لم يجز إلا أن يجيزه الباقون لتعلق حق كل واحد بالرقبة فكان البيع تصرفا في حق الكل فلا ينفذ من غير إجازتهم ثم فرق بين بيع المولى وبين بيع الوصي التركة في الدين من غير إذن الغرماء أنه ينفذ هناك وهنا لا ينفذ ووجه الفرق أن للغرماء حق استسعاء المأذون وهذا الحق يبطل بالبيع فكان امتناع النفاذ مفيدا وليس للغرماء ولاية استسعاء التركة لما فيه من تأخير قضاء دين الميت فكان عدم النفاذ للوصول إلى الثمن خاصة وأنه يحصل ببيع الوصي فلم يكن التوقف مفيدا فلا يتوقف هذا إذا كان الدين حالا فإن كان مؤجلا نفذ البيع في ظاهر الرواية لأن المانع من النفاذ هو التعليق ( ( ( التعلق ) ) ) عن التضييق ولم يوجد ثم إذا حل الأجل فإن كانت ديونهم مثل الثمن أو أقل أخذوا منه وإن كانت ديونهم أكثر من الثمن ضمنوا المولى إلى تمام قيمة العبد وروي عن محمد رحمه الله في النوادر أنه لا ينفذ بيع المولى لوجود أصل التعليق
هذا إذا كان العبد قائما في يد المشتري فإن كان هالكا فالغرماء بالخيار إن شاؤوا ضمنوا المولى وإن شاؤوا ضمنوا المشتري قيمة العبد لأن كل واحد منهما غاصب لحقهم فكان لهم تضمين أيهما شاؤوا فإن اختاروا تضمين المولى نفذ بيعه لأنه خلص ملكه فيه عند البيع باختيار الضمان فكأنهم باعوه منه بثمن هو قدر قيمته واشتراه منهم به حتى لو وجد المشتري به عيبا بعد هلاكه له أن يرجع بالنقصان على المولى وللمولى أن يرجع به على الغرماء وإن اختاروا تضمين المشتري بطل البيع لأنه يمكن تمليكه منه بالضمان فبطل واسترد الثمن ولو لم يهلك العبد في يد المشتري ولكن غاب المولى فإن وجدوه ضمنوه القيمة وإن لم يجدوه فلا خصومة بينهم وبين المشتري عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله هذا وما إذا كان المولى حاضرا سواء والله أعلم بالصواب هذا الذي ذكرنا حكم تعلق الدين بالرقبة عند الانفراد فأما حكم تعلقه عند الاجتماع بأن اجتمع الدين والجناية فنقول وبالله التوفيق إذا اجتمع الدين والجناية بأن قتل العبد المأذون رجلا خطأ وعليه دين لا يبطل الدين بالجناية لأن حكم الجناية في الأصل وجوب الدفع وله سبيل الخروج عنه بالفداء أو التخيير بين الدفع والفداء وهذا لا ينافي الدين لأنه يمكنه دفعه متعلقا رقبته بالدين وكذا لا ينافيه الفداء لا شك فيه فإن اختار الدفع فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه إما أن حضر أصحاب الدين والجناية معا وإما أن حضر أصحاب الجناية وإما أن حضر أصحاب الدين فإن حضر أصحاب الدين والجناية جميعا يدفع العبد إلى أولياء الجناية ثم يبيعه القاضي للغرماء في دينهم فإنا إذا دفعناه بالجناية فقد راعينا حق أصحاب الجناية بالدفع إليهم وراعينا حق الغرماء بالبيع بدينهم وإذا دفعناه إلى أصحاب الدين أبطلنا حق أصحاب الجناية لتعذر الدفع بعد البيع إذ الثابت للمشتري ملك جديد خال عن الجناية فكانت البداية بالجناية مراعاة الحقين من الجانبين فكان أولى ثم في الدفع إلى أصحاب الجناية ثم البيع بالدين فائدة وهي الاستخلاص بالفداء لأن الناس ( ( ( للناس ) ) ) في أعيان الأشياء رغائب ما ليس في أبدالها وإذا دفعه المولى إلى أصحاب الجناية فالقياس أن يضمن قيمته للغرماء لأنه يصير ملكا لهم بالدفع فكان الدفع منه تملكيا ( ( ( تمليكا ) ) ) منهم بمنزلة البيع وفي الاستحسان لا يضمن لأن الدفع واجب عليه ومن أتى بفعل واجب عليه لا يضمن لأن الضمان يمنعه عن إقامة الواجب فيتناقض ثم إذا دفعه إليهم فبيع للغرماء فإن فضل عن دينهم شيء من الثمن صرف إلى أصحاب الجناية لأن العبد صار ملكا لهم بالدفع إليهم وإنما بيع على ملكهم إلا أن أصحاب الدين أولى بثمنه بقدر دينهم فبقي الفاضل من دينهم على ملك أصحاب الجناية كما إذا لم يكن هناك جناية فباعه القاضي للغرماء وفضل من ثمنه شيء إن الفاضل يكون للمولى كذا هذا ولو دفعه المولى إلى أصحاب الدين بدينهم إن كان عالما بالجناية لزمه الأرش لأنه صار مختارا للفداء وإن لم يكن عالما بها يلزمه قيمة العبد لأن الواجب الأصلي دفع عين العبد وإنما الفداء للخروج عنه بطريق الرخصة على ما بينا والدفع من غير علم لا يصلح دليل اختيار الفداء فبقي دفع العين واجبا وقد تعدد دفع عينه بالدفع إلى أصحاب الدين فيجب دفع قيمته إذ هو دفع العين معنى وإن حضر أصحاب الجناية أولا فكذلك يدفع العبد إليهم ولا ينتظر حضور الغرماء لأنهم لو كانوا حضورا لكان الحكم هكذا فلا معنى للانتظار وإن حضر أصحاب الدين أولا فإن كان القاضي عالما بالجناية لا يبيعه في ديونهم لأن في البيع إبطال حق أصحاب الجناية وإن لم يكن عالما بها فباعه بطل حق أصحاب الجناية حتى لو حضروا بعد ذلك لا ضمان على القاضي ولا على المولى أما القاضي فلأنه لا عهدة تلزم القاضي فيما يفعله لكونه أمينا وأما المولى فلأنه باعه بأمر القاضي فكان مضافا إلى القاضي
ولو كان باعه بغير إذن القاضي فإن باعه مع علمه بالجناية يلزمه الأرش لأنه صار مختارا للفداء وإن لم يكن عالما بالجناية يلزمه الأقل من قيمة العبد ومن الأرش لما بينا والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يبطل به الإذن بعد وجوده فنقول إن الإذن بالتجارة يبطل بضده وهو الحجر فيحتاج إلى بيان ما يصير العبد به محجورا وذلك أنواع بعضها يرجع إلى المولى وبعضها إلى العبد أما الذي يرجع إلى المولى فثلاثة أنواع صريح ودلالة وضرورة والصريح نوعان خاص وعام أما العام فهو الحجر باللسان على سبيل الاشهار والإشاعة بأن يحجره في أهل سوقه بالنداء بالحجر وهذا النوع من الحجر يبطل به الإذن الخاص والعام جميعا لأن الإذن بالتجارة غير لازم فكان محتملا للبطلان والشيء يبطل بثمله ( ( ( بمثله ) ) ) وبما هو فوقه وأما الخاص فهو أن يكون بين العبد وبين المولى ولا يكون على سبيل الاستفاضة والاشتهار وهذا النوع لا يبطل به الإذن العام لأن الشيء لا يبطل بما هو دونه ولأن الحجر إذا لم يشتهر فالناس يعاملونه بناء على الإذن العام ثم يظهر الحجر فيلحقهم ضرر الغرور وهو إتلاف ديونهم في ذمة المفلس ومعنى التعزير ( ( ( التغرير ) ) ) لا يتحقق في الإذن العام لأن الناس يمتنعون عن معاملته فلا يلحقهم ضرر الغرور ويبطل به الإذن الخاص لأن الحجر صحيح في حقهما حسب صحة الإذن فجاز أن يبطل به لأن الشيء يحتمل البطلان بمثله ومن شرط صحة هذين النوعين علم العبد بهما فإن لم يعلم لا يصير محجورا لأن الحجر منع من تصرف شرعي وحكم المنع في الشرائع لايلزم الممنوع إلا بعد العلم كما في سائر الأحكام الشرعية ولو أخبره بالحجر رجلان أو رجل وامرأتان عدلا كان أو غير عدل صار محجورا بالإجماع وكذلك إذا أخبره واحد عدل رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا أو أخبره واحد غير عدل وصدقه لأن خبر الواحد في المعاملات مقبول من غير شرط العدد والعدالة والذكورة والحرية إذا صدقه فيه وأما إذا كذبه فلا يصير محجورا عند أبي حنيفة رحمه الله وإن ظهر صدق المخبر وعندهما يصير محجورا صدقه أو كذبه إذا ظهر صدق المخبر ولو كان المخبر رسولا يصير محجورا بالإجماع صدقه أو كذبه ولو اشترى المأذون عبدا فأذن له بالتجارة فحجر المولى على أحدهما فإن حجر على الأسفل لم يصح سواء كان على الأعلى دين أو لم يكن لأنه مأذون من جهة الأعلى لا من جهة المولى وإن حجر على الأعلى ينظر إن لم يكن عليه دين لا يصير الأسفل محجورا عليه لأنه إذا لم يكن عليه دين فهما عبدان مملوكان للمولى فيصير كأنه أذن لهما ثم حجر على أحدهما ولو كان كذلك ينحجر أحدهما بحجر الآخر كذا هذا وإن كان على الأعلى دين يصير محجورا عند أبي حنيفة وعندهما لا يصير محجورا بناء على أن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده وعندهما يملك ووجه البناء أنه لما لم يملك عبده وقد استفاد الإذن من جهة الأعلى لا من جهة المولى صار حجر الأعلى كموته ولو مات لصار الثاني محجورا كذا هذا ولما ملك عندهما صار الجواب في هذا وفي الأول سواء والله أعلم بالصواب وأما الدلالة فأنواع منها البيع وهو أن يبيعه المولى ولا دين عليه لأنه زال ملكه بالبيع وحدث للمشتري فيه ملك جديد فيزول إذن البائع لزوال ملكه ولم يوجد الإذن من المشتري فيصير محجورا ومنها الاستيلاد بأن كان المأذون جارية فاستولدها المولى استحسانا والقياس أن لا يبطل به الإذن لأنها قادرة على التصرف بعد الاستيلاد وجه الاستحسان أن التجارة لا بد لها من الخروج إلى الأسواق وأمهات الأولاد ممنوعات عن الخروج في العادات فكان الاستيلاد حجرا دلالة
وأما التدبير فلا يكون حجرا لأنه لا ينفي الإذن إذ الإذن إطلاق والتدبير لا ينافيه ومنها لحوقه بدار الحرب مرتدا لأن الردة مع اللحوق توجب زوال الملك وذا يمنع بقاء الإذن فكان حجرا دلالة فإن لم يلحق بدار الحرب فعلى قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه ينبغي أن يقف تصرف المأذون بعد الردة وعلى قياس قولهما ينفذ والله أعلم بالصواب وأما الضرورة فأنواع أيضا منها موته لأن الموت مبطل للملك وبطلان الملك يوجب بطلان الإذن على ما بينا ومنها جنونه جنونا مطبقا لأن أهلية الإذن شرط بقاء الإذن لأن الإذن بالتجارة غير لازم فكان لبقائه حكم الابتداء ثم ابتداء الإذن لا يصح من غير الأهل فلا يبقى أيضا والجنون المطبق مبطل للأهلية فصار محجورا فإن أفاق يعود ( ( ( يعد ) ) ) مأذونا لأن بطلان الإذن لبطلان الأهلية مع احتمال العود فإذا أفاق عادت الأهلية فعاد مأذونا وصار كالموكل إذا أفاق بعد جنونه أنه تعود الوكالة كذا هذا وأما الإغماء فلا يوجب الحجر لأنه لا يبطل الأهلية لكونه على شرف الزوال ساعة فساعة عادة ولهذا لا يمنع وجوب سائر العبادات وأما الذي يرجع إلى العبد فأنواع أيضا منها إباقه لأنه بالإباق تنقطع منافع تصرفه عن المولى فلا يرضى به المولى وهذا ينافي الإذن لأن تصرف المأذون برضا المولى ومنها جنونه جنونا مطبقا لأنه مبطل أهلية التجارة على وجه لا يحتمل العود إلا على سبيل الندرة لزوال ما هو مبني عليه وهو العقل فلم يكن في بقاء الإذن فائدة فيبطل ولو أفاق بعد ذلك لا يعود مأذونا بخلاف الموكل والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الجنون الذي هو غير مطبق فلا يوجب الحجر لأن غير المطبق منه ليس بمبطل للأهلية لكونه على شرف الزوال فكان في حكم الإغماء ومنها ردته عند أبي حنيفة وعندهما لا توجب الحجر بناء على وقوف تصرفاته عنده ونفوذها عندهما ومنها لحوقه بدار الحرب مرتدا لأن اللحوق بدار الحرب مرتدا بمنزلة الموت فكان مبطلا للأهلية فيصير محجورا لكن عند أبي حنيفة رحمه الله من وقت الردة وعندهما من وقت اللحوق والله تعالى أعلم فصل وأما حكم الحجر فهو انحجار العبد في حق المولى عن كل تصرف كان يملكه بسبب الإذن فلا يملك الإقرار بالدين إذا لم يكن في يده مال لأن صحة إقرار المأذون بالدين لكونه من ضرورات التجارة على ما بينا ولا يملك التجارة فلا يملك الإقرار بما هو من ضروراتها في حق المولى لكن يتبع به بعد العتاق لأن إقراره صحيح في نفسه لصدوره من الأهل لكن لم يظهر للحال لحق المولى فإذا عتق فقد زال المانع فيظهر وإن كان في يده مال ينفذ إقراره فيما في يده عند أبي حنيفة وعندهما لا ينفذ لأنه إقرار المحجور فكيف ينفذ ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه غير محجور فيما في يده ولم يصح الحجر في حق ما في يده لأنه لو صح لتبادر الموالي إلى حجر عبيدهم المأذونين في التجارة إذا علموا أن عليهم دينا لتسلم لهم أكسابهم التي في أيديهم وقد لا يكون للغرماء بينة على ذلك فيتضرر به الغرماء لتعلق ديونهم بذمة العبد المفلس فكان إقراره فيما في يده من المال من ضرورات التجارة فأشبه إقرار المأذون بخلاف ما إذا لم يكن في يده مال لأن الحجر من المولى للوصول إلى الكسب فإذا لم يكن في يده كسب فلا يحجر فهو الفرق بين الفصلين
ولو ظهر عليه الدين بالبينة أو المعاينة وفي يده كسب فحجره المولى لا سبيل للمولى على الكسب لأن حق الغرماء متعلق به ويملك الإقرار على نفسه بالحدود والقصاص صدقه المولى أو كذبه لأنه لا ملك للمولى في نفسه في حق الحدود والقصاص فاستوى فيه تصديقه وتكذيبه ولا يحتاج في إقامتها إلى حضور المولى بالإجماع وفيما إذا ثبت ذلك ببينة قامت ( ( ( قام ) ) ) عليه اختلاف ذكرناه فيما قبل والمحجور في الجناية عمدا أو خطأ والمأذون سواء وموضع معرفة حكم جنايتهما كتاب الديات وسنذكره فيه إن شاء الله تعالى كتاب الإقرار الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الإقرار وفي بيان الشرائط التي يصير الركن بها إقرارا شرعا وفي بيان ما يصدق المقر فيما ألحق بإقراره من القرائن ما لا يكون رجوعا حقيقة وما لا يصدق فيه مما يكون رجوعا عنه وفي بيان ما يبطل به الإقرار بعد وجوده أما ركن الإقرار فنوعان صريح ودلالة فالصريح نحو أن يقول لفلان علي ألف درهم لأن كلمة علي كلمة إيجاب لغة وشرعا قال الله تبارك وتعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وكذا إذا قال لرجل لي عليك ألف درهم فقال الرجل نعم لأن كلمة نعم خرجت جوابا لكلامه وجواب الكلام إعادة له لغة كأنه قال لك علي ألف درهم وكذلك إذا قال لفلان في ذمتي ألف درهم لأن ما في الذمة هو الدين فيكون إقرارا بالدين ولو قال لفلان علي ( ( ( قبلي ) ) ) ألف درهم ذكر القدوري رحمه الله أنه إقرار بأمانة في يده وذكر الكرخي رحمه الله أنه يكون إقرارا بالدين وجه ما ذكره الكرخي أن القبالة هي الكفالة قال الله سبحانه وتعالى عز من قائل والملائكة قبيلا أي كفيلا والكفالة هي الضمان قال الله تبارك وتعالى وكفلها زكريا على قراءة التخفيف أي ضمن القيام بأمرها وجه ما ذكره القدوري رحمه الله أن القبالة تستعمل بمعنى الضمان وتستعمل بمعنى الأمانة فإن محمدا رحمه الله ذكر في الأصل أن من قال لا حق لي على فلان يبرأ عن الدين ومن قال لا حق لي عند فلان أو معه يبرأ عن الأمانة ولو قال لا حق لي قبله يبرأ عن الدين والأمانة جميعا فكانت القبالة محتملة للضمان والأمانة والضمان لم يعرف وجوبه فلا يجب بالاحتمال ولو قال له في دراهمي هذه ألف درهم يكون إقرارا بالشركة ولو قال له في مالي ألف درهم ذكر في الأصل أن هذا إقرار له ولم يذكر أنه مضمون أو أمانة واختلف المشايخ فيه قال الجصاص رحمه الله إنه يكون إقرارا بالشركة له كما في الفصل الأول لأنه جعل ماله ظرفا للمقر به وهو الألف فيقتضي الخلط وهو معنى الشركة وقال بعضهم إن كان ماله محصورا يكون إقرارا بالشركة وإن لم يكن محصورا يكون إقرارا بالدين فظاهر إطلاق الكتاب يدل على الإقرار بالدين كيفما كان لأن كلمة الظرف في مثل هذا تستعمل في الوجوب قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرقة ربع العشر وفي خمس من الإبل السائمة شاة وفي الركاز الخمس ولو قال له في مالي ألف درهم لا يكون إقرارا بل يكون هبة لأنه ليس فيه ما يدل على الوجوب في الذمة لأن اللام المضاف إلى أهل الملك للتمليك والتمليك بغير عوض هبة وإذا كان هبة فلا يملكها إلا بالقبول والتسليم ولو قال له في مالي ألف درهم لا حق له فيها فهو إقرار بالدين لأن الألف التي لا حق له فيها لا تكون دينا إذ لو كانت هبة لكان له فيها حق ولو قال له عندي ألف درهم فهو وديعة لأن عندي لا تدل على الوجوب في الذمة بل هي كلمة حضرة وقرب ولا اختصاص لهذا المعنى بالوجوب في الذمة فلا يثبت الوجوب إلا بدليل زائد
وكذلك لو قال لفلان معي أو في منزلي أو في بيتي أو في صندوقي ألف درهم فذلك كله وديعة لأن هذه الألفاظ لا تدل إلا على قيام اليد على المذكور وذا لا يقتضي الوجوب في الذمة لا محالة فلم يكن إقرارا بالدين فكانت وديعة لأنها في متعارف الناس تستعمل في الودائع فعند الإطلاق تصرف إليها ولو قال له عندي ألف درهم عارية فهو قرض لأن عندي تستعمل في الأمانات وقد فسر بالعارية وعارية الدراهم والدنانير تكون قرضا إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها وإعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه يكون قرضا في المتعارف وكذلك هذا في كل ما يكال أو يوزن لتعذر الانتفاع بها بدون الاستهلاك فكان الإقرار بإعارتها إقرارا بالقرض والله تعالى أعلم وأما الدلالة فهي أن يقول له رجل لي عليك ألف فيقول قد قضيتها لأن القضاء اسم لتسليم مثل الواجب في الذمة فيقتضي سابقية الوجوب فكان الإقرار بالقضاء إقرارا بالوجوب ثم يدعي الخروج عنه بالقضاء فلا يصح إلا بالبينة وكذلك إذا قال له رجل لي عليك ألف درهم فقال أتزنها لأنه أضاف الاتزان إلى الألف المدعاة والإنسان لا يأمر المدعي باتزان المدعى إلا بعد كونه واجبا عليه فكان الأمر بالاتزان إقرارا بالدين دلالة وكذلك إذا قال انتقدها لما قلنا ولو قال أتزن أو أتنقد ( ( ( أنتقد ) ) ) لم يكن إقرارا لأنه لم توجد الإضافة إلى المدعى فيحتمل الأمر باتزان شيء آخر فلا يحمل على الإقرار بالاحتمال وكذا إذا قال أجلني بها لأن التأجيل تأخير المطالبة مع قيام أصل الدين في الذمة كالدين المؤجل والله تعالى أعلم ولو قال له رجل لي عليك ألف درهم فقال حقا يكون إقرارا لأن معناه حققت فيما قلت لأن انتصاب المصدر لا بد له من إظهار صدره وهو الفعل ويحتمل أن يكون معناه قل حقا أو إلزم حقا ولكن الأول أظهر وكذلك إذا قال الحق لأنه تعريف المصدر وهو قوله حقا وكذلك لو قال صدقا أو الصدق أو يقينا أو اليقين لما قلنا ولو قال برا أو البر لا يكون إقرارا لأن لفظة البر مشترك تذكر على إرادة الصدق وتذكر على إرادة التقوى وتذكر على إرادة الخير فلا يحمل على الإقرار بالاحتمال وكذلك لو قال صلاحا أو الصلاح لا يكون إقرارا لأن لفظة الصلاح لا تكون بمعنى التصديق والإقرار فإنه لو صرخ ( ( ( صرح ) ) ) وقال له صلحت لا يكون تصديقا فيحمل على الأمر بالصلاح والاجتناب عن الكذب هذا إذا ذكر لفظة مفردة من هذه الألفاظ الخمسة فإن جمع بين لفظتين متجانستين أو مختلفتين فحكمه يعرف في إقرار الجامع إن شاء الله تعالى ثم ركن الإقرار لا يخلو إما أن يكون مطلقا وإما أن يكون ملحقا بقرينة فالمطلق هو قوله لفلان علي كذا وما يجري مجراه خاليا عن القرائن وأما الملحق بالقرينة فبيانه يشتمل على فصل بيان ما يصدق للمقر فيما ألحق بإقراره من القرائن ما لا يكون رجوعا وما لا يصدق فيه مما يكون رجوعا فنقول القرينة في الأصل نوعان قرينة مغيرة من حيث الظاهر مبنية على الحقيقة وقرينة مبنية على الإطلاق أما القرينة المغيرة من حيث الظاهر والمبنية على الحقيقة فهي المسقطة لاسم الجملة فيعتبر بها الاسم لكن يتبين بها المراد فكان تغييرا صورة تبيينا معنى وأما القرينة المغيرة فتتنوع ثلاثة أنواع نوع يدخل في أصل الإقرار ونوع يدخل على وصف المقر به ونوع يدخل على قدره وكل ذلك قد يكون متصلا وقد يكون منفصلا
أما الذي يدخل على أصل الإقرار فنحو التعليق بمشيئة الله تعالى متصلا باللفظ بأن قال لفلان علي ألف درهم إن شاء الله تعالى وهذا يمنع صحة الإقرار أصلا لأن تعليق مشيئة الله تبارك وتعالى بكون الألف في الذمة أمر ( ( ( أمرا ) ) ) لا يعرف فإن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن فلا يصح الإقرار مع الاحتمال ولأن الإقرار إخبار عن كائن والكائن لا يحتمل تعليق كونه بالمشيئة فإن الفاعل إذا قال أنا فاعل إن شاء الله تعالى يستحق ولهذا أبطلنا القول بالاستثناء في الأيمان والله تعالى أعلم بالصواب وكذا إذا علقه بمشيئة فلان لا يصح الإقرار لما قلنا ولو أقر بشرط الخيار بطل الشرط وصح الإقرار لما ذكرنا أن الإقرار إخبار عن ثابت في الذمة وشرط الخيار في معنى الرجوع والإقرار في حقوق العباد لا يحتمل الرجوع وأما الذي يدخل على وصف المقر به فإن كان متصلا باللفظ بأن قال لفلان علي ألف درهم وديعة يصح ويكون إقرارا بالوديعة وإن كان منفصلا عنه بأن سكت ثم قال عنيت به الوديعة لا يصح ويكون إقرارا بالدين لأن بيان المغير لا يصح إلا بشرط الوصل كالاستثناء وهذا لأن قوله لفلان علي ألف درهم إخبار عن وجوب الألف عليه من حيث الظاهر ألا ترى أنه لو سكت عليه لكان كذلك فإن قرن به قوله وديعة وحكمها وجوب الحفظ فقد غير حكم الظاهر من وجوب العين إلى وجوب الحفظ فكان بيان تغيير من حيث الظاهر فلا يصح إلا موصولا كالاستثناء وإنما يصح موصولا لأن قوله علي ألف درهم يحتمل وجوب الحفظ الحفظ أي علي حفظ ألف درهم وإن كان خلاف الظاهر فيصح بشرط الوصل ولو قال علي ألف درهم وديعة قرضا أو مضاربة قرضا أو بضاعة قرضا أو قال دينا مكان قوله قرضا فهو إقرار بالدين لأن الجمع بين اللفظين في معناهما ممكن لجواز أن يكون أمانة في الابتداء ثم يصير مضمونا في الانتهاء إذ الضمان قد يطرأ على الأمانة كالوديعة المستهلكة ونحوها سواء وصل أو فصل لأن الإنسان في الإقرار بالضمان على نفسه غير متهم وأما الذي يدخل على قدر المقر به فنوعان أحدهما الاستثناء والثاني الاستدراك أما الاستثناء في الأصل فنوعان أحدهما أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه والثاني أن يكون من خلاف جنسه وكل واحد منهما نوعان متصل ومنفصل فإن كان المستثنى من جنس المستنثى ( ( ( المستثنى ) ) ) منه والاستثناء متصل فهو على ثلاثة أوجه استثناء القليل من الكثير واستثناء الكثير من القليل واستثناء الكل من الكل أما استثناء القليل من الكثير فنحو أن يقول علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم ولا خلاف في جوازه ويلزمه سبعة دراهم لأن الاستثناء في الحقيقة تكلم بالباقي بعد الثنيا كأنه قال لفلان علي سبعة دراهم إلا أن للسبعة اسمان ( ( ( اسمين ) ) ) أحدهما سبعة والآخر عشرة إلا ثلاثة قال الله تبارك وتعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما معناه أنه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما وكذلك إذا قال لفلان علي ألف درهم سوى ثلاثة دراهم لأن سوى من ألفاظ الاستثناء وكذا إذا قال غير ثلاثة لأن غير بالنصب للاستثناء فإن قال لفلان علي درهم غير دانق يلزمه خمسة دوانق ولو قال غير دانق بالرفع يلزمه درهم تام وأما استثناء الكثير من القليل بأن قال لفلان علي تسعة دراهم إلا عشرة فجائز في ظاهر الرواية ويلزمه درهم إلا ما روي عن أبي يوسف رحمه الله لا يصح وعليه العشرة والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن المنقول عن أئمة اللغة رحمهم الله أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا وهذا المعنى كما يوجد في استثناء القليل من الكثير يوجد في استثناء الكثير من القليل إلا أن هذا النوع من الاستثناء غير مستحسن عند أهل اللغة لأنهم إنما وضعوا الاستثناء لحاجتهم إلى استدراك الغلط ومثل هذا الغلط مما يندر وقوعه غاية الندرة فلا حاجة إلى استدراكه لكن يحتمل الوقوع في الجملة فيصح
وأما استثناء الكل من الكل بأن يقول لفلان علي عشرة دراهم إلا عشرة دراهم فباطل وعليه عشرة كاملة لأن هذا ليس باستثناء إذ هو تكلم بالحاصل بعد الثنيا ولا حاصل ههنا بعد الثنيا فلا يكون استثناء بل يكون ابطالا للكلام ورجوعا عما تكلم به والرجوع عن الإقرار في حق العباد لا يصح فبطل الرجوع وبقي الإقرار ولو قال لفلان علي عشرة دراهم إلا درهما زائفا لا يصح الاستثناء عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعليه عشرة جياد وقال أبو يوسف يصح وعليه عشرة جياد للمقر له وعلى المقر له درهم زائف للمقر بناء على أن الأصل عند أبي حنيفة رحمه الله أن المقاصة لا تقف على صفة الجودة بل تقف على الوزن وعند أبي يوسف لا تتحقق المقاصة إلا بهما جميعا ووجه البناء على هذا الأصل أنه لو صح الاستثناء لوجب على المقر له درهم زائف وحينئذ تقع المقاصة لأن اختلاف صفة الجودة لا تمنع المقاصة عنده وإذا وقعت المقاصة يصير المستثنى درهما جيدا لا زائفا وهذا خلاف موجب تصرفه فلم يصح الاستثناء وعند أبي يوسف رحمه الله لما كان اتحادهما في صفة الجودة شرطا لتحقق المقاصة ولم يوجد ههنا لا تقع المقاصة وإذا لم تقع كان الواجب على كل واحد منهما أداء ما عليه فلا يؤدي إلى تغيير موجب الاستثناء فيصح الاستثناء والصحيح أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الجودة في الأموال الربوية ساقطة الاعتبار شرعا لقول النبي عليه الصلاة والسلام جيدها ورديئها سواء والساقط شرعا والعدم حقيقة سواء ولو انعدمت حقيقة لوقعت المقاصة كذا إذا انعدمت شرعا ولو قال لفلان علي عشرة دراهم إلا درهم ستوق فقياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه يصح الاستثناء وعليه عشرة دراهم إلا قيمة درهم ستوق وقياس قول محمد وزفر رحمهما الله أنه لا يصح الاستثناء أصلا وعليه عشرة كاملة بناء على أن المجانسة ليست بشرط الإستثناء عند أبي حنيفة وأبي يوسف عليهما الرحمة وعند محمد وزفر شرط على ما سنذكره إن شاء الله تعالى ولو قال لفلان علي ألف إلا قليلا فعليه أكثر من نصف الألف والقول في الزيادة على الخمسمائة قوله لأن القليل من أسماء الإضافة فيقتضي أن يكون ما يقابله أكثر منه ليكون هو بالإضافة إليه قليلا فإذا استثنى القليل من الألف فلا بد وأن يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى وهو الأكثر من نصف الألف ولهذا قال بعض أهل التأويل في قوله تبارك وتعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا إن استثناء القليل من الأمر بقيام الليل يقتضي الأمر بقيام أكثر الليل والقول في مقدار الزيادة على نصف الألف قوله لأنه المجمل في قدر الزيادة فكان البيان إليه وكذلك إذا قال إلا شيئا لأن الاستثناء بلفظة شيء لا يستعمل إلا في القليل هذا إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فإن كان من خلاف جنسه ينظر إن كان المستثنى مما لا يثبت دينا في الذمة مطلقا كالثوب لا يصح الاستثناء وعليه جميع ما أقر به عندنا بأن قال له علي عشرة دراهم إلا ثوبا وعند الشافعي رحمه الله يصح ويلزمه قدر قيمة الثوب وإن كان المستثنى مما يثبت دينا في الذمة مطلقا من المكيل والموزون والعددي المتقارب بأن قال لفلان علي عشرة إلا درهما أو إلا قفيز حنطة أو مائة دينار إلا عشرة دراهم أو دينار إلا مائة جوزة يصح الاستثناء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما ويطرح مما أقر به قدر قيمة المستثنى وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يصح الاستثناء أصلا أما الكلام مع الشافعي رحمه الله في المسألة الأولى فوجه قول الشافعي رحمه الله أن لنص الاستثناء حكما على حدة كما لنص المستثنى منه من النفي والإثبات لأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي لغة
فقوله لفلان علي عشرة دراهم إلا درهما معناه إلا درهما فإنه ليس علي فيصير دليل النفي معارضا لدليل الإثبات في قدر المستثنى ولهذا قال إن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة فصار قوله لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا أي إلا ثوبا فإنه ليس علي من الألف ومعلوم أن عين الثوب من الألف ليس عليه فكان المراد قدر قيمته أي مقدار قيمة الثوب ليس علي من الألف وجه قول أصحابنا رضي الله عنهم أنه لا حكم لنص الاستثناء إلا بيان أن القدر المستثنى لم يدخل تحت المستثنى منه أصلا لأن أهل اللغة قالوا إن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا وإنما يكون تكلما بالباقي إذا كان ثابتا فكان انعدام حكم نص المستثنى منه في المستثنى لانعدام تناول اللفظ إياه لا للمعارضة مع ما أن القول بالمعارضة فاسد لوجوه أحدها أن الاستثناء مقارن للمستثنى منه فكانت المعارضة مناقضة والثاني أن المعارضة إنما تكون بدليل قائم بنفسه ونص الاستثناء ليس بنص قائم بنفسه فلا يصلح معارضا إلا أن يزاد عليه قوله إلا كذا فإنه كذا وهذا تغيير ومهما أمكن العمل بظاهر اللفظ من غير تغيير كان أولى والثالث أن القول بالمعارضة يكون رجوعا عن الإقرار والرجوع عن الإقرار في حقوق العباد لا يصح كما إذا قال له علي عشرة دراهم وليس له علي عشرة دراهم وإذا كان بيانا فمعنى البيان لا يتحقق إلا إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه إما في الاسم أو في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق ولم يوجد ههنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى وقولهم الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات محمول على الظاهر إذ هو في الظاهر كذلك دون الحقيقة لأنه تحقق معنى المعارضة وهي محال على ما ذكرنا وجه إحالته فيكون بيانا حقيقة نفيا أو إثباتا جمعا بين النقلين بقدر الإمكان والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وأما الكلام في المسألة الثانية فوجه قول محمد وزفر رحمهما الله أن الاستثناء استخراج بعض ما لولاه لدخل تحت نص المستثنى منه وذا لا يتحقق إلا في الجنس ولهذا لو كان المستثنى ثوبا لم يصح الاستثناء وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن الداخل تحت قوله لفلان علي عشرة دراهم موصوفة بأنها واجبة مطلقا مسماة بالدراهم فإن لم يمكن تحقيق معنى المجالسة ( ( ( المجانسة ) ) ) في اسم الدراهم أمكن تحقيقها في الوجوب في الذمة على الإطلاق لأن الحنطة في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق من جنس الدراهم ألا ترى أنها تجب دينا موصوفا في الذمة حالا بالاستقراض والاستهلاك كما تجب سلما وثمنا حالا كالدراهم فأما الثوب فلا يحتمل الوجوب في الذمة على الإطلاق بل سلما أو ثمنا مؤجلا فأما ما لا يحتمله استقراضا واستهلاكا وثمنا حالا غير مؤجل فأمكن تحقيق معنى المجانسة بينهما في وصف الوجوب في الذمة على الإطلاق إن لم يكن في اسم الدراهم فأمكن العمل بالاستثناء في تحقق معناه وهو البيان من وجه ولا مجانسة بين الثياب والدراهم لا في الاسم ولا في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق فانعدم معنى الاستثناء أصلا فهو الفرق والله تعالى أعلم ولو أقر لإنسان بدار واستثنى بناءها لنفسه فالاستثناء باطل لأن اسم الدار لا يتناول البناء لغة بل وضع دلالة على العرصة في اللغة وإنما البناء فيها بمنزلة الصفة فلم يكن المستثنى من جنس المستثنى منه فلم يصح الاستثناء وتكون الدار مع البناء للمقر له لأنه إن لم يكن اسما عاما لكنه يتناول هذه الأجزاء بطريق التضمن كمن أقر لغيره بخاتم كان له الحلقة والفص لا لأنه اسم عام بل هو اسم لمسمى واحد وهو المركب من الحلقة والفص ولكنه يتناوله بطريق التضمن وكذا من أقر بسيف لغيره كان له النصل والجفن والحمائل لما قلنا وكذا من أقر بحجلة كان له العيدان والكسوة بخلاف ما إذا استثنى ربع الدار أو ثلثها أو شيئا منها أنه يصح الاستثناء لما بينا أن الدار اسم للعرصة فكان المستثنى من جنس المستثنى منه فصح
ولو قال بناء هذه الدار لي والعرصة لفلان صح لأن اسم البناء لا يتناول العرصة إذ هي اسم للبقعة والله سبحانه وتعالى أعلم هذا الذي ذكرنا حكم الاستثناء إذا ورد على الجملة الملفوظة فأما إذا ورد الاستثناء على الاستثناء فالأصل فيه أن الاستثناء الداخل على الاستثناء يكون استثناء من المستثنى منه لأن المستثنى منه أقرب المذكور إليه فيصرف الاستثناء الثاني إليه ويجعل الباقي منه مستثنى من الجملة الملفوظة وعلى هذا إذا ورد الاستثناء على الاستثناء مرة بعد أخرى وإن كثر فالأصل فيه أن يصرف كل استثناء إلى ما يليه لكونه أقرب المذكور إليه فيبدأ من الاستثناء الأخير فيستثنى الباقي مما يليه ثم ينظر إلى الباقي مما يليه ثم ينظر إلى الباقي هكذا إلى الاستثناء الأول ثم ينظر إلى الباقي منه فيستثنى ذلك من الجملة الملفوظة فما بقي منها فهو القدر المقر به بيان هذه الجملة إذا قال لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهما يكون إقرارا بثمانية دراهم لأنا صرفنا الاستثناء الأخير إلى ما يليه فبقي درهمان يستثنيهما من العشرة فيبقى ثمانية والأصل فيه قوله سبحانه وتعالى خبرا عن الملائكة قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين استثنى الله تبارك وتعالى آل لوط من أهل القرية لا من المجرمين لأن حقيقة الاستثناء من الجنس وآل لوط لم يكونوا مجرمين ثم استثنى امرأته من آله فبقيت في الغابرين ولو قال لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهما يكون إقرارا بسبعة لأنا جعلنا الدرهم مستثنى مما يليه وهي ثلاثة فبقي درهمان استثناهما من خمسة فبقي ثلاثة استثناها من الجملة الملفوظة فبقي سبعة وكذلك لو قال لفلان علي عشرة دراهم إلا سبعة دراهم إلا خمسة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهما يكون إقرارا بستة لما ذكرنا من الأصل وهذا الأصل لا يخطىء ( ( ( يخطئ ) ) ) في إيراد الاستثناء على الاستثناء وإن كثر هذا إذا كان الأصل متصلا بالجملة المذكورة فأما إذا كان منفصلا عنها بأن قال لفلان علي عشرة دراهم وسكت ثم قال إلا درهما لا يصح الاستثناء عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه يصح وبه أخذ بعض الناس ووجهه أن الاستثناء بيان لما ذكرنا فيصح متصلا ومنفصلا كبيان المجمل والتخصيص للعام عندنا وجه قول العامة إن صيغة الاستثناء إذا انفصلت عن الجملة الملفوظة لا تكون كلام استثناء لغة لأن العرب ما تكلمت به أصلا ولو اشتغل به أحد يضحك عليه كمن قال لفلان علي كذا ثم قال بعد شهر إن شاء الله تعالى لا يعد ذلك تعليقا بالمشيئة حتى لا يصح كذا هذا والرواية عن ابن عباس لا تكاد تصح بخلاف بيان المجمل والعام لأنهم يتكلمون بذلك مستعمل عندهم متصلا ومنفصلا على ما عرف في أصول الفقه والله تعالى أعلم وعلى هذا قال أبو حنيفة فيمن قال أنت حر وحر إن شاء الله تعالى أنه لا يصح الاستثناء لأن تكرير صيغة التحرير لغو فكان في معنى السكتة ولو قال لفلان علي كر حنطة وكر شعير إلا كر حنطة وقفيز شعير لا يصح استثناء كر الحنطة بالاتفاق لانصراف كر الحنطة إلى جنسه فيكون استثناء الكل ( ( ( للكل ) ) ) من الكل فلم يصح وهل يصح استثناء القفيز من الشعير قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح لأنه لم يصح استثناء كر الحنطة فقد لغا فكأنه سكت ثم استثنى قفيز شعير فلم يصح استثناؤه أصلا والله عز وجل أعلم وأما الاستدراك فهو في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون في القدر وإما أن يكون في الصفة فإن كان في القدر فهو على ضربين إما أن يكون في الجنس وإما أن يكون في خلاف الجنس
فنحو أن يقول لفلان علي ألف درهم لا بل ألفان فعليه ألفان استحسانا والقياس أن يكون عليه ثلاثة آلاف وجه القياس أن قوله لفلان علي ألف درهم إقرار بألف وقوله لا رجوع وقوله بل استدراك والرجوع عن الإقرار في حقوق العباد غير صحيح والاستدراك صحيح فأشبه الاستدراك في خلاف الجنس وكما إذا قال لامرأته أنت طالق واحدة لا بل اثنتين أنه يقع ثلاث تطليقات وجه الاستحسان أن الإقرار إخبار والمخبر عنه مما يجري الغلط في قدره أو وصفه عادة فتقع الحاجة إلى استدراك الغلط فيه فيقبل إذا لم يكن متهما فيه وهو غير متهم في الزيادة على المقر به فتقبل منه بخلاف الاستدراك في خلاف الجنس لأن الغلط في خلاف الجنس لا يقع عادة فلا تقع الحاجة إلى استداركه ( ( ( استدراكه ) ) ) وبخلاف مسألة الطلاق أن قوله أنت طالق إنشاء الطلاق لغة وشرعا والإنشاء لا يحتمل الغلط حتى لو كان إخبارا بأن قال لها كنت طلقتك أمس واحدة لا بل اثنتين لا يقع عليها إلا طلاقان والله تعالى أعلم وكذلك إذا قال لفلان علي كر حنطة لا بل كران ولو قال لفلان علي ألف درهم لا بل ألف درهم فعليه ألفان لأنه متهم في النقصان فلا يصح استدراكه مع ما أن مثل هذا الغلط نادر فلا حاجة إلى استدركه ( ( ( استدراكه ) ) ) لإلتحاقه بالعدم وأما في خلاف الجنس كما لو قال لفلان علي ألف درهم لا بل مائة دينار أو لفلان علي كر حنطة لا بل كر شعير لزمه الكل لما بينا أن مثل هذا الغلط لا يقع إلا نادرا والنادر ملحق بالعدم هذا إذا وقع الاستدراك في قدر المقر به فأما إذا وقع في صفة المقر به بأن قال لفلان علي ألف درهم بيض لا بل سود ينظر فيه إلى أرفع الصفتين وعليه ذلك لأنه غير متهم في زيادة الصفة متهم في النقصان فكان مستدركا في الأول راجعا في الثاني فيصح استدراكه ولا يصح رجوعه كما في الألف والألفين والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا رجع الاستدراك إلى المقر به فأما إذا رجع إلى المقر له بأن قال هذه الألف لفلان لا بل لفلان وادعاها كل واحد منهما يدفع إلى المقر له الأول لأنه لما أقر بها للأول صح إقراره له فصار واجب الدفع إليه فقوله لا بل لفلان رجوع عن الإقرار الأول فلا يصح رجوعه في حق الأول ويصح إقراره بها للثاني في حق الثاني ثم إن دفعه إلى الأول بغير قضاء القاضي يضمن للثاني لأن إقراره بها للثاني في حق الثاني صحيح إن لم يصح في حق الأول وإذا صح صار واجب الدفع إليه فإذا دفعها إلى الأول فقد أتلفها عليه فيضمن وإن دفعها إلى الأول بقضاء القاضي لا يضمن لأنه لو ضمن لا يخلو إما أن يضمن بالدفع وإما أن يضمن بالإقرار لا سبيل إلى الأول لأنه مجبور في الدفع من جهة القاضي فيكون كالمكره ولا سبيل إلى الثاني لأن الإقرار للغير بملك الغير لا يوجب الضمان ولو قال غصبت هذا العبد من فلان لا بل من فلان يدفع إلى الأول ويضمن للثاني سواء دفع إلى الأول بقضاء أو بغير قضاء بخلاف المسألة الأولى ووجه الفرق أن الغصب سبب لوجوب الضمان فكان الإقرار به إقرار ( ( ( إقرارا ) ) ) بوجود سبب وجوب الضمان وهو رد العين عند القدرة وقيمة العين عند العجز وقد عجز عن رد العين إلى المقر له الثاني فيلزمه رد قيمته بخلاف المسألة الأولى لأن الإقرار بملك الغير للغير ليس بسبب لوجوب الضمان لإنعدام الإتلاف وإنما التلف في تسليم مال الغير إلى الغير باختياره على وجه يعجز عن الوصول إليه فلا جرم إذا وجد يجب الضمان
وكذلك لو قال هذه الألف لفلان أخذتها من فلان أو أقرضنيها فلان وادعاها كل واحد منهما فهي للمقر له الأول ويضمن للذي أقر أنه أخذ منه أو أقرضه ألفا مثله لأن الأخذ والقرض كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان فكان الإقرار بهما إقرارا بوجود سبب وجوب الضمان فيرد الألف القائمة إلى الأول لصحة إقراره بها له ويضمن للثاني ألفا أخرى ضمانا للأخذ والقرض ولو قال أودعني فلان هذه الألف لا بل فلان يدفع إلى المقر له الأول لما بينا ثم إن دفع إليه بغير قضاء القاضي يضمن للثاني بالإجماع وإن دفع بقضاء القاضي فعند أبي يوسف لا يضمن وعند محمد يضمن وجه قول محمد رحمه الله أن إقراره بالإيداع من الثاني صحيح في حق الثاني فوجب عليه الحفظ بموجب العقد وقد فوته بالإقرار للأول بل استهلكه فكان مضمونا عليه وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن فوات الحفظ والهلاك حصل بالدفع إلى الأول بالإقرار والدفع بقضاء القاضي لا يوجب الضمان لما بينا ولو قال دفع إلي هذه الألف فلان وهي لفلان وادعى كل واحد منهما أنها له فهي للدافع لأن إقراره بدفع فلان قد صح فصار واجب الرد عليه وهذا يمنع صحة إقراره للثاني في حق الأول لكن يصح في حق الثاني ولو قال هذه الألف لفلان دفعها إلي فلان فهي للمقر له بالملك ولا يكون للدافع شيء فإذا ادعى الثاني ضمن له ألفا أخرى لما بينا أن الإقرار بها للأول يوجب الرد إليه وهذا يمنع صحة إقراره للثاني في حق الأول لكنه يصح في حق الثاني ثم إن دفعه إلى الأول بغير قضاء القاضي يضمن وإن دفعه بقضاء القاضي فكذلك عند محمد وعند أبي يوسف لا يضمن والحجج من الجانبين على نحو ما ذكرنا ولو قال هذه الألف لفلان أرسل بها إلى فلان فإنه يردها على الذي أقر أنها ملكه وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لما قلنا ولا يصح إقراره للثاني عند أبي حنيفة فرق أبو حنيفة عليه الرحمة بين العين والدين بأن قال لفلان علي ألف درهم قبضتها من فلان فادعاها كل واحد منهما أن عليه لكل واحد منهما ألفا ووجه الفرق أن المقر به للأول هناك ألف في الذمة فيلزمه ذلك بإقراره له ولزمه ألف أخرى لفلان بإقراره بقبضها منه إذ القبض سبب لوجوب الضمان فلزمه ألفان وههنا المقر به عين مشار إليها فمتى صح إقراره بها لم يصح للثاني وذكر قول أبي يوسف في الأصل في موضعين أحدهما أنه لا ضمان عليه للثاني بحال بانتهاء الرسالة بالوصول إلى المقر وفي الآخر أنه إن دفع بغير قضاء القاضي يضمن فإن قال الذي أقر له أنها ملكه ليست الألف لي وادعاها الرسول لأن إقراره للأول قد ارتد برده وقد أقر باليد للرسول فيؤمر بالرد إليه ولو كان الذي أقر له أنها ملكه غائبا وأراد الرسول أن يأخذها وادعاها لنفسه لم يأخذها كذا روي عن أبي يوسف لأن رسالته قد انتهت بالوصول إلى المقر ولو أقر إلى خياط فقال هذا الثوب أرسله إلي فلان لأقطعه قميصا وهو لفلان فهو الذي ( ( ( للذي ) ) ) أرسله إليه وليس للثاني شيء لأنه أقر باليد للمرسل فصار واجب الرد عليه وهذا يمنع صحة إقراره بالملك الثاني كما إذا قال دفع إلي هذه الألف فلان وهي لفلان على ما بينا ولو قال الخياط هذا الثوب الذي في يدي لفلان أرسله إلي فلان وكل واحد منهما يدعيه فهو للذي أقر له أول مرة ولا يضمن للثاني شيئا في قياس قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يضمن بناء على أن الأجير المشترك لا ضمان عليه فيما هلك في يده عنده فأشبه الوديعة وعندهما عليه الضمان فأشبه الغصب والله سبحانه وتعالى العليم فصل وأما القرينة المبنية على الاطلاق
فهي المعينة لبعض ما يحتمله اللفظ بأن كان اللفظ يحتمل هذا وذاك قبل وجود القرينة فإذا وجدت القرينة بتعين ( ( ( يتعين ) ) ) البعض مرادا باللفظ من غير تغيير أصلا ثم ينظر إن كان اللفظ يحتملهما على السواء يصح بيانه متصلا كان أو منفصلا وإن كان لأحدهما ضرب رجحان فإن كان الإفهام إليه أسبق عند الإطلاق من غير قرينة فإن كان منفصلا لا يصح وإن كان متصلا يصح إذا لم يتضمن الرجوع وإن تضمن معنى الرجوع لا يصح إلا بتصديق المقر له وهذا النوع من القرينة أيضا يتنوع ثلاثة أنواع نوع يدخل على أصل المقر به ونوع يدخل على وصف المقر به ونوع يدخل على قدر المقر به أما الذي يدخل على أصل المقر به فهو أن يكون المقر به مجهول الذات بأن قال لفلان علي شيء أو حق يصح لأن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار لأن الإقرار إخبار عن كائن وذلك قد يكون معلوما وقد يكون مجهولا بأن أتلف على آخر شيئا ليس من ذوات الأمثال فوجبت عليه قيمته أو جرح آخر جراحة ليس لها في الشرع أرش مقدر فأقر بالقيمة والأرش فكان الإقرار بالمجهول إخبارا عن المخبر على ما هو به وهو حد الصدق بخلاف الشهادة لأن جهالة المشهود به تمنع القضاء بالشهادة لتعذر القضاء بالمجهول بخلاف الإقرار فيصح ويقال له بين لأنه المجمل فكان البيان عليه قال الله تبارك وتعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ويصح بيانه متصلا ومنفصلا لأنه بيان محض فلا يشترط فيه الوصل كبيان المجمل والمشترك لكن لا بد وأن يبين شيئا له قيمة لأنه أقر بما في ذمته وما لا قيمة له لا يثبت في الذمة ثم إذا بين شيئا له قيمة فالأمر لا يخلو من أحد وجهين إما أن صدقه في ذلك وادعى عليه زيادة وإما أن كذبه وادعى عليه مالا آخر فإن صدقه فيما بين وادعى عليه زيادة أخذ ذلك القدر المبين وأقام البينة على الزيادة وإلا حلفه عليها إن أراد لأنه منكر للزيادة والقول قول المنكر مع يمينه وإن كذبه وادعى عليه مالا آخر أقام البينة ( ( ( بينة ) ) ) على مال آخر وإلا حلفه عليه وليس له أن يأخذ القدر المبين لأنه أبطل إقراره له بالتكذيب وكذلك إذا أقر أنه غصب من فلان شيئا ولم يبين يلزمه البيان لما قلنا ولكن لا بد وأن يبين شيئا يتمانع في العادة ويقصد بالغصب لأن ما لا يتمانع عادة ولا يقصد غصبه نحو كف من تراب أو غيره لا يطلق فيه اسم الغصب وهل يشترط مع ذلك أن يكون مالا متقوما اختلف المشايخ فيه قال مشايخ العراق لا يشترط وقال مشايخنا رحمهم الله تعالى يشترط حتى لو بين أنه غصب صبيا حرا أو غصب جلد ميتة أو خمر مسلم يصدق عند الأولين ولا يصدق عند الآخرين حتى يبين شيئا هو مال متقوم وجه قول مشايخ العراق أن الحكم الأصلي للغصب وجوب رد المغصوب وهذا لا يقف على كون المغصوب مالا متقوما وجه قول مشايخنا أن المغصوب مضمون على الغاصب وله ضمانان أحدهما وجوب رد العين عند القدرة والثاني وجوب قيمتها عند العجز فكان إقراره بغصب شيء إقرارا بغصب ما يحتمل موجبه وهو المال المتقوم ولو بين غصب العقار ذكر القدوري رحمه الله أنه يصدق وهذا على قياس قول مشايخ العراق لأن العقار وإن لم يكن مضمون القيمة بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فهو مضمون الرد بالاتفاق وعند محمد رحمه الله تعالى هو مضمون القيمة أيضا فأما على قياس قول مشايخنا على قياس قول محمد يصدق وأما على قياس قولهما لا يصدق لأنه غير مضمون القيمة بالغصب عندهما والله عز وجل أعلم
وعلى هذا إذا قال لفلان علي مال يصدق في القليل والكثير لأن المال اسم ما يتمول وذا يقع على القليل والكثير فيصح بيانه متصلا ومنفصلا ولو قال لفلان علي ألف ولم يبين فالبيان إليه والله تعالى أعلم بالصواب فصل وأما الذي يدخل على وصف المقر به فهو أن يكون المقر به معلوم الأصل مجهول الوصف نحوأن يقول غصب من فلان عبدا أو جارية أو ثوبا من العروض فيصدق في البيان من جنس ذلك سليما كان أو معيبا لأن الغصب يرد على السليم والمعيب عادة وقد بين الأصل وأجمل الوصف فيرجع في بيان الوصف إليه فيصح متصلا ومنفصلا ومتى صح بيانه يلزمه الرد إن قدر عليه وإن عجز عنه تلزمه القيمة لأن المغصوب مضمون على هذا الوجه والقول قوله في مقدار قيمته مع يمينه لأنه منكر للزيادة والقول قول المنكر مع اليمين وكذلك لو أقر أنه غصب من فلان دارا وقال هي بالبصرة يصدق لأنه أجمل المكان فكان القول في بيان المكان إليه فيلزمه تسليم الدار إليه إن قدر عليه وإن عجز عنه بأن خربت أو قال هي هذه الدار التي في يدي زيد وزيد ينكر فالقول قول المقر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الآخر ولا يضمن وعند محمد يضمن قيمة الدار بناء على أن العقار غير مضمون القيمة بالغصب عندهما خلافا له فإذا أقر بألف درهم وقال هي زيوف أو نبهرجة فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن أقر بذلك مطلقا من غير بيان الجهة وإما أن بين الجهة فإن أطلق بأن قال لفلان علي ألف درهم ولم يذكر له جهة أصلا وقال هي زيوف أو نبهرجة فإن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق لأن اسم الدراهم اسم جنس يقع على الجياد والزيوف فكان قوله زيوف بيانا للنوع إلا أنه يصح موصولا لا مفصولا لأنها عند الإطلاق تصرف إلى الجياد فكان فصل البيان رجوعا عما أقر به فلا يصح ولو قال لفلان عندي ألف درهم وقال هي زيوف أو نبهرجة يصدق وصل أو فصل لأن هذا إقرار بالوديعة والوديعة مال محفوظ عند المودع وقد يكون ذلك جيدا وقد يكون زيوفا على حسب ما يودع فيقبل بيانه هذا إذا أطلق ولم يبين الجهة أما إذا بين الجهة بأن قال لفلان علي ألف درهم ثمن مبيع وقال هي زيوف أو نبهرجة فلا يصدق وإن وصل وعليه الجياد إذا ادعى المقر له الجياد عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق وجه قولهما ما ذكرنا آنفا أن اسم الدراهم يقع على الزيوف كما يقع على الجهاد ( ( ( الجياد ) ) ) إذ هو اسم جنس والزيافة عيب فيها واسم كل جنس يقع على السليم والمعيب من ذلك الجنس لأنه نوع من الجنس لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الجياد فيصح بيانه موصولا لوقوعه تعيينا لبعض ما يحتمله اللفظ ولا يصح مفصولا لكونه رجوعا عن الإقرار وجه قول أبي حنيفة عليه الرحمة أن قوله هي زيوف بعد النسبة إلى ثمن المبيع رجوع عن الإقرار فلا يصح بيانه أن البيع عقد مبادلة فيقتضي سلامة البدلين لأن كل واحد من العاقدين لا يرضى إلا بالبدل السليم فكان إقراره بكون الدراهم ثمنا إقرارا بصفة السلامة فإخباره عن الزيافة يكون رجوعا فلا يصح كما إذا قال بعتك هذا العبد على أنه معيب لا يصدق وإن وصل كذا هذا ولو قال لفلان علي ألف درهم قرضا وقال هي زيوف فالجواب فيه كالجواب في البيع إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق بخلاف البيع وجه الرواية الأولى أن القرض في الحقيقة مبادلة المال بالمال كالبيع فكان في استدعاء صفة السلامة كالبيع وجه الرواية الأخرى أن القرض يشبه الغصب لأنه يتم بالقبض كالغصب ثم بيان الزيافة مقبول في الغصب كذا في القرض ويشبه البيع لأنه تمليك مال بمال فلشبهه بالغصب احتمل البيان في الجملة ولشبهه بالبيع شرطنا الوصل عملا بالشبهين بقدر الإمكان
ولو قال غصب من فلان ألف درهم وقال هي زيوف أو نبهرجة يصدق سواء وصل أو فصل وروي عن أبي يوسف أنه لا يصدق إذا فصل والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن الغصب في الأجود لا يستدعي صفة السلامة لأنه كما يرد على السليم يرد على المعيب على حسب ما يتفق فكان محتملا للبيان متصلا أو منفصلا لانعدام معنى الرجوع فيه ولهذا لو كان المقر به غصب عبدا بأن قال غصبت من فلان عبدا ثم قال غصبته وهو معيب يصدق وإن فصل كذا هذا ولو قال أودعني فلان ألف درهم وقال هي زيوف يصدق بلا خلاف فصل أو وصل لأن الإيداع استحفاظ المال وكما يستحفظ السليم يستحفظ المعيب فكان الإخبار عن الزيافة بيانا محضا فلا يشترط لصحته الوصل لانعدام تضمن معنى الرجوع وأبو يوسف رحمه الله على ما روي عنه فرق بين الوديعة وبين الغصب حيث صدقه في الوديعة موصولا كان البيان أو مفصولا ولم يصدقه في الغصب إلا موصولا ووجه الفرق له أن ضمان الغصب ضمان مبادلة إذ المضمونات تملك عند أداء الضمان فأشبه ضمان المبيع وهو الثمن وفي باب البيع لا يصدق إذا فصل عنده كذا في الغصب فأما الواجب في باب الوديعة فهو الحفظ والمعيب في احتمال الحفظ كالسليم فهو الفرق له والله أعلم بالصواب هذا إذا أقر بالدراهم وقال هي زيوف أو نبهرجة فأما إذا أقر بها وقال هي ستوقة أو رصاص ففي الوديعة والغصب يصدق إن وصل وإن فصل لا يصدق لأن الستوق والرصاص ليسا من جنس الدراهم إلا أنه يسمى بها مجازا فكان الإخبار عن ذلك بيانا مغيرا فيصح موصولا لا مفصولا كالاستثناء وأما في البيع إذا قال ابتعت بألف ستوقة أو رصاص فلا يصدق عند أبي حنيفة فصل أو وصل وهذا لا يشكل عنده لأنه لو قال ابتعت بألف زيوف لا يصدق عنده وصل أو فصل فههنا أولى وعند أبي يوسف يصدق ولكن يفسد البيع أما التصديق فلأن قوله ستوقة أو رصاص خرج بيانا لوصف الثمن فيصح كما إذا قال بألف بيض أو بألف سود وأما فساد البيع فلأن تسمية الستوقة في البيع يوجب فساده كتسمية العروض وروي عن أبي يوسف فيمن قال لفلان علي ألف درهم بيض زيوف أو وضح زيوف أنه يصدق إذا وصل ولو قال لفلان علي ألف درهم جياد زيوف أو فقد ( ( ( نقد ) ) ) بيت المال زيوف لا يصدق والفرق ظاهر لأن البياض يحتمل الجودة والزيافة إذ البيض قد تكون جيادا وقد تكون زيوفا فاحتمل البيان بخلاف قوله جياد لأن الجودة لا تحتمل الزيافة لتضاد بين الصفتين فلا يصدق أصلا وعلى هذا إذا أقر بألف ثمن عبد اشتراه لم يقبضه فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما أن ذكر عبدا معينا مشارا إليه بأن قال ثمن هذا العبد وإما أن ذكر عبدا من غير تعيين بأن قال لفلان علي ألف درهم ثمن عبد اشتريته منه ولم أقبضه فإن ذكر ( ( ( ذكرا ) ) ) عبدا بعينه فإن صدقه في البيع يقال للمقر له إن شئت أن تأخذ الألف فسلم العبد وإلا فلا شيء لك لأن المقر به ثمن المبيع وقد ثبت البيع بتصادقهما والبيع يقتضي تسليما بإزاء تسليم وإن كذبه في البيع وقال ما بعت منك شيئا والعبد عبدي ولي عليك ألف درهم بسبب آخر فالعبد للمقر له لأنه يدعي عليه البيع وهو ينكر ولا شيء له على المقر من الثمن لأن المقر به ثمن المبيع لا غيره ولم يثبت البيع فإن ذكر عبدا بغير عينه فعليه الألف عند أبي حنيفة ولا يصدق في عدم القبض سواء وصل أم فصل صدقه المقر له في البيع أو كذبه وكان أبو يوسف أولا يقول إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق ثم رجع وقال يسئل ( ( ( يسأل ) ) ) المقر له عن الجهة فإن صدقه فيها لكن كذبه في القبض كان القول قول المقر سواء وصل أو فصل
وإن كذبه في البيع وادعى عليه ألفا أخرى إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق وهو قول محمد وجه قول الأول أن المقر به ثمن المبيع والمبيع قد يكون مقبوضا وقد لا يكون إلا أن الغالب هو القبض فكان قوله لم أقبضه بيانا فيه معنى التغيير من حيث الظاهر فيصدق بشرط الوصل كالاستثناء وجه قول الآخر وهو قول محمد أن القبض بعد ثبوت الجهة بتصادقهما يحتمل الوجود والعدم لأن القبض لا يلزم في البيع فكان قوله لم أقبضه تعيينا لبعض ما يحتمله كلامه فكان بيانا محضا فلا يشترط له الوصل لبيان المجمل والمشترك وإذا كذبه يشترط الوصل لأنه لو اقتصر على قوله لفلان علي ألف درهم لوجب عليه التسليم للحال ( ( ( للمال ) ) ) فإذا قال ثمن عبد لم أقبضه لا يجب عليه التسليم إلا بتسليم العبد فكان بيانا فيه معنى التغيير فلا يصح إلا بشرط الوصل كالاستثناء ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قوله لم أقبضه رجوع عن الإقرار فلا يصح بيانه أن قوله لفلان علي ألف درهم إقرار بولاية المطالبة للمقر له بالألف ولا تثبت ولاية المطالبة إلا بقبض المبيع فكان الإقرار به إقرارا بقبض المبيع فقوله لم أقبضه يكون رجوعا عما أقر به فلا يصح ولو قال لفلان علي درهم ثمن خمر أو خنزير فعليه ألف ولا يقبل تفسيره عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يلزمه شيء وجه قولهما أن المقر به مما لا يحتمل الوجوب في ذمة المسلم لأنه ثمن خمر أو خنزير وذمة المسلم لا تحتمله فلا يصح إقراره أصلا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قوله لفلان علي ألف درهم إقرار بألف واجب في ذمته وقوله ثمن خمر أو خنزير إبطال لما أقر به لأن ذمة المسلم لا تحتمل ثمن الخمر والخنزير فكان رجوعا فلا يصح ولو قال اشتريت من فلان عبدا بألف درهم لكني لم أقبضه يصدق وصل أو فصل لأن الشراء قد يتصل به القبض وقد لا يتصل فكان قوله لم أقبض بيانا محضا فيصح متصلا أو منفصلا ولو قال أقرضني فلان ألف درهم ولم أقبض إنما طلبت أليه القبض فأقرضني ولم أقبض إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق وهذا استحسان والقياس أن يصدق وصل أو فصل وجه القياس أن المقر به هو القرض وهو اسم للعقد لا للقبض فلا يكون الإقرار به إقرارا بالقبض كما لا يكون الإقرار بالبيع إقرارا بالقبض وجه الاستحسان أن تمام القرض بالقبض كما أن تمام الإيجاب بالقبول فكان الإقرار به إقرارا بالقبض ظاهرا لكن يحتمل الانفصال في الحكم فكان قوله لم أقبض بيانا معنى فلا يصح إلا بشرط الوصل كالاستثناء والاستدراك وكذلك لو قال أعطيتني ألف درهم أو أودعتني أو أسلفتني أو أسلمت إلي وقال لم أقبض لا يصدق إن فصل وإن وصل يصدق لأن الإعطاء والإيداع والإسلاف يستدعي القبض حقيقة خصوصا عند الإضافة فلا يصح منفصلا لكن يحتمل العدم في الجملة فيصح متصلا ولو قال بعتني دارك أو آجرتني أو أعرتني أو وهبتني أو تصدقت علي وقال لم أقبض يصدق وصل أم فصل أما البيع والإجارة والإعارة لأن القبض ليس بشرط لصحة هذه التصرفات فلا يكون الإقرار بها إقرارا بالقبض وأما الهبة والصدقة فلأن الهبة اسم للركن وهو التمليك وكذلك الصدقة وإنما القبض فيهما شرط الحكم ولهذا لو حلف لا يهب ولا يتصدق ففعل ولم يقبض الموهوب له والمتصدق عليه يحنث ولو قال نقدتني ألف درهم أو دفعت إلي ألف درهم وقال لم أقبض إن فصل لا يصدق بالإجماع وإن وصل لا يصدق عند أبي يوسف وعند محمد يصدق وجه قوله أن النقد والدفع يقتضي القبض حقيقة بمنزلة الأداء والتسليم والإعطاء والإسلام ويحتمل الانفصال في الجملة فيصح بشريطة الوصل كما في هذه الأشياء وجه قول أبي يوسف أن القبض من لوازم هذين الفعلين أعني النقد والدفع خصوصا عند صريح الإضافة والإقرار بأحد المتلازمين إقرار بالآخر فقوله لم أقبض يكون رجوعا عما أقر به فلا يصح
وعلى هذا إذا قال لرجل أخذت منك ألف درهم وديعة فهلكت عندي فقال الرجل لا بل أخذتها غصبا لا يصدق فيه المقر والقول قول المقر له مع يمينه والمقر ضامن ولو قال المقر له لا بل أقرضتك فالقول قول المقر مع يمينه ووجه الفرق أن أخذ مال الغير سبب لوجوب الضمان في الأصل لقول النبي على اليد ما أخذت حتى ترد فكان الإقرار بالأخذ إقرارا بسبب الوجوب فدعوى الإذن تكون دعوى البراءة عن الضمان وصاحبه ينكر فكان القول قوله مع يمينه بخلاف قوله أقرضتك لأن إقراره بالقبض إقرار بالأخذ بالإذن فتصادقا على أن الأخذ كان بإذن والأخذ بإذن لا يكون سببا لوجوب الضمان في الأصل فكان دعوى الإقراض دعوى الأخذ بجهة الضمان فلا يصدق إلا ببينة ولو قال أودعتني ألف درهم أو دفعت إلي ألف درهم وديعة أو أعطيتني ألف درهم وديعة فهلكت عندي وقال المقر له لا بل غصبتها مني كان القول قول المقر مع يمينه لأنه ما أقر بسبب وجوب الضمان إذ المقر به هو الإيداع والإعطاء وإنهما ليسا من أسباب الضمان ولو قال له أعرتني ثوبك أو دابتك فهلكت عندي وقال المقر له غصبت مني نظر في ذلك إن هلك قبل اللبس أو الركوب فلا ضمان عليه لأن المقر به الإعارة وإنها ليست بسبب لوجوب الضمان وإن هلك بعد اللبس والركوب فعليه الضمان لأن لبس ثوب الغير وركوب دابة الغير سبب لوجوب الضمان في الأصل فكان دعوى الإذن دعوى البراءة عن الضمان فلا يثبت إلا بحجة وكذلك إذا قال له دفعت إلي ألف درهم مضاربة فهلكت عندي فقال المقر له بل غصبتها مني أنه إن هلك قبل التصرف فلا ضمان عليه وإن هلك بعده يضمن لما قلنا في الإعارة ولو أقر بألف درهم مؤجلة بأن قال لفلان علي ألف درهم إلى شهر وقال المقر له لا بل هي حالة فالقول قول المقر له لأن هذا إقرار على نفسه ودعوى الأجل على الغير فإقراره مقبول ولا تقبل دعواه إلا بحجة ويحلف المقر له على الأجل لأنه منكر للأجل والقول قول المنكر مع اليمين وهذا بخلاف ما إذا أقر وقال كفلت لفلان بعشرة دراهم إلى شهر وقال المقر له لا بل كفلت بها حالة أن القول قول المقر عند أبي حنيفة ومحمد لأن الظاهر شاهد للمقر لأن الكفالة تكون مؤجلة عادة بخلاف الدين والله تعالى أعلم وعلى هذا إذا أقر أنه اقتضى من فلان ألف درهم كانت له عليه وأنكر المقر له أن يكون له عليه شيء وقال هو مالي قبضته مني فالقول قوله مع يمينه ويؤمر بالرد إليه لأن الإقرار بالاقتضاء إقرار بالقبض والقبض سبب لوجوب الضمان في الأصل بالنص فكان الإقرار بالقبض إقرارا بوجود سبب وجوب الضمان منه فهو بدعوة القبض بجهة الاقتضاء يدعي براءته عن الضمان وصاحبه ينكر فيكون القول قوله مع يمينه وكذلك إذا أقر أنه قبض منه ألف درهم كانت عنده وديعة وأنكر المقر له فالقول قول المقر له لما قلنا ولو قال أسكنت فلانا بيتي ثم أخرجته وادعى الساكن أنه له فالقول قول المقر عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد القول قول الساكن مع يمينه ولو قال أعرته دابتي ثم أخذتها منه وقال صاحبه هي لي فهو على هذا الاختلاف وجه قولهما أن قوله أسكنته داري ثم أخرجته وأعرته دابتي ثم أخذتها منه إقرار منه باليد لهما ثم الأخذ منهما فيؤمر بالرد عليهما لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد ولهذا لو غايباه سكن الدار فزعم المقر أنه أعارهما منه لم يقبل قوله فكذا إذا أقر وجه قول أبي حنيفة أن المقر به ليس هو اليد المطلقة بل اليد بجهة الإعارة والسكنى وهذا لأن اليد لهما ما عرفت إلا بإقراره فبقيت على الوجه الذي أقر به فيرجع في بيان كيفية اليد إليه ولو أقر فقال إن فلانا الخياط خاط قميصي بدرهم وقبضت منه القميص وادعى الخياط أنه له فهو على هذا الاختلاف الذي ذكرنا