Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وبيان هذه الجملة إذا أتلف إنسان الزرع أو الثمر قبل الإدراك حتى ضمن أخذ صاحب المال من المتلف ضمان المتلف وأدى عشره وإن أتلف البعض دون البعض أدى قدر عشر المتلف من ضمانه وما بقي فعشره في الخارج وإن أتلفه صاحبه أو أكله يضمن عشره ويكون دينا في ذمته وإن أتلف البعض دون البعض يضمن قدر عشر ما أتلف ويكون دينا في ذمته وعشر الباقي يكون في الخارج وهذا على أصل أبي حنيفة لأن الإتلاف حصل بعد الوجوب لثبوت الوجوب بالخروج والظهور فكان الحق مضمونا عليه كما لو أتلف مال الزكاة بعد حولان الحول وأما على قولهما فلا يضمن عشر المتلف لأن الإتلاف حصل قبل وقت وجوب الحق ولو هلك بنفسه فلا عشر في الهالك بلا خلاف سواء هلك كله أو بعضه لأن العشر لا يضمن بالهلاك سواء كان قبل الوجوب أو بعده ويكون عشر الباقي فيه قل أو كثر في قول أبي حنيفة لأن النصاب عنده ليس بشرط وكذلك عندهما إن كان الباقي نصابا وهو خمسة أوسق وإن لم يكن نصابا لا يعتبر قدر الهالك في تكميل النصاب في الباقي عندهما بل إن بلغ الباقي بنفسه نصابا يكون فيه العشر وإلا فلا هذا إذا هلك قبل الإدراك أو استهلك فأما بعد الإدراك والتنقية والجذاذ أو بعد الإدراك قبل التنقية والجذاذ فإن هلك سقط الواجب بلا خلاف بين أصحابنا كالزكاة تسقط إذا هلك النصاب وعند الشافعي لا تسقط وقد ذكرنا المسألة وإن هلك بعضه سقط الواجب بقدره وبقي عشر الباقي فيه قليلا كان أو كثيرا عند أبي حنيفة لأن النصاب ليس بشرط عنده وعندهما يكمل نصاب الباقي بالهالك ويحتسب به في تمام الخمسة الأوسق وروي عن أبي يوسف أنه لا يعتبر الهالك في تمام الأوسق بل يعتبر التمام في الباقي فإن كان في نفسه نصابا يكون فيه العشر وإلا فلا وإن استهلك فإن استهلكه المالك ضمن عشره ويكون دينا في ذمته وإن استهلك بعضه فقدر عشر المستهلك يكون دينا في ذمته وعشر الباقي في الخارج وإن استهلكه غير المالك أخذ الضمان منه وأدى عشره لأنه هلك إلى خلف وهو الضمان فكان قائما معنى وإن استهلك بعضه أخذ ضمانه وأدى عشر القدر المستهلك وعشر الباقي منه لما قلنا وإن أكل صاحب المال من الثمر أو أطعم غيره يضمن عشره ويكون دينا في ذمته وعشر ما بقي يكون فيه وهذا على قول أبي حنيفة رحمه الله وروي عن أبي يوسف أن ما أكل أو أطعم بالمعروف لا يضمن عشره لكن يعتد به في تكميل النصاب وهو الأوسق فإذا بلغ الكل نصابا أدى عشر ما بقي احتج أبو يوسف بما روي عن سهل بن أبي خيثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا خرصتم فجذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فالربع وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعث أبا خيثمة خارصا جاء ( ( ( فجاء ) ) ) رجل فقال يا رسول الله إن أبا خيثمة زاد علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابن عمك يزعم أنك قد ردت ( ( ( زدت ) ) ) عليه فقال يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح فقال صلى الله عليه وسلم لقد ( ( ( فقد ) ) ) زادك ابن عمك وأنصفك وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال خففوا في الخرص فإن في المال العرية والواطئة ( ( ( والوصية ) ) ) والمراد من العرية الصدقة أمر بالتخفيف في الخرص وبين المعنى وهو أن في المال عرية ووصية فلو ضمن عشر ما تصدق أو أكل هو وأهله لم يتحقق التخفيف ولأنه لو ضمن ذلك لامتنع من الأكل خوفا من العشر وفيه حرج إلا أنه يعتد بذلك في تكميل النصاب لأن نفي وجوب الضمان عنه تخفيفا عليه نظرا له وفي عدم الاعتداد به في تمام الأوسق ضرر به وبالفقراء وهذا لا يجوز
ولأبي حنيفة النصوص المقتضية لوجوب العشر في كل خارج من غير فصل بين المأكول والباقي فإن قيل أليس الله تعالى قال وآتوا حقه يوم حصاده أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد فلا يجب الحق فيما أخذ منه قبل الحصاد يدل عليه قرينة الآية وهي قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وهذا يدل على أن قدر المأكول أفضل إذ لو لم يكن أفضل لم يكن لقوله كلوا من ثمره إذا أثمر فائدة لأن كل أحد يعلم أن الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير الأكل فالجواب أن الآية لازمة له لأن الحصاد هو القطع فيقتضي أن كل ما قطع أخذ ( ( ( وأخذ ) ) ) منه شيء لزمه إخراج عشرة من غير فصل بين ما إذا كان المقطوع مأكولا أو باقيا على أنا نقول بموجب الآية أنه يجب إيتاء حقه يوم حصاده لكن ما حقه يوم حصاده أداء العشر عن الباقي فحسب أم عن الباقي والمأكول والآية لا تتعرض لشيء من ذلك فكان تمسكا بالمسكوت وأنه لا يصح وأما قوله لا بد وأن يكون لقوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر فائدة فنقول يحتمل أن يكون له فائدة سوى ما قلتم وهو إباحة الانتفاع ردا لاعتقاد الكفرة تحريم الانتفاع بهذه الأشياء بجعلها للأصنام فرد ذلك عليهم بقوله عز وجل كلوا من ثمره إذا أثمر أي انتفعوا بها ولا تضيعوها بالصرف إلى الأصنام ولذلك قال ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين وأما الأحاديث فقد قيل أنها وردت قبل حديث العشر ونصف العشر فصارت منسوخة به والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ركن هذا النوع وشرائط الركن أما ركنه فهو التمليك لقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده والإيتاء هو التمليك لقوله تعالى وآتوا الزكاة فلا تتأدى بطعام الإباحة وبما ليس بتمليك رأسا من بناء المساجد ونحو ذلك مما ذكرنا في النوع الأول وبما ليس بتمليك من كل وجه وقد مر بيان ذلك كله وأما شرائط الركن فإننا ذكرناها في النوع الأول مما يرجع بعضها إلى المؤدي وبعضها إلى المؤدى وبعضها إلى المؤدى إليه فلا معنى للإعادة والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يسقط بعد الوجوب فمنها هلاك الخارج من غير صنعه لأن الواجب في الخارج فإذا هلك يهلك بما فيه كهلاك نصاب الزكاة بعد الحول وهذا عندنا وعند الشافعي لا يسقط وهو على الاختلاف في الزكاة وقد مرت المسألة وإن هلك البعض يسقط الواجب بقدره ويؤدي عشر الباقي قل الباقي أو كثر في قول أبي حنيفة وعندهما يعتبر قدر الهالك مع الباقي في تكميل النصاب إن بلغ نصابا يؤدي وإلا فلا وفي رواية عن أبي يوسف يعتبر كمال النصاب في الباقي بنفسه من غير ضم قدر الهالك إليه على ما مر وإن استهلك فإن استهلكه غير المالك أخذ الضمان منه وأدى عشره وإن استهلك بعضه أدى عشر القدر المستهلك من الضمان وإن استهلكه المالك أو استهلك البعض بأن أكله ضمن عشر الهالك وصار دينا في ذمته في قول أبي حنيفة خلافا لأبي يوسف وقد ذكرنا المسألة ومنها الردة عندنا لأن في العشر معنى العبادة والكافر ليس من أهل العبادة وعند الشافعي لا يسقط كالزكاة ومنها موت المالك من غير وصية إذا كان استهلك الخارج عندنا خلافا للشافعي كما في الزكاة وإن كان الخارج قائما بعينه يؤدي العشر منه في ظاهر الرواية وفي رواية عن أبي يوسف يسقط بخلاف الزكاة وقد مضى الفرق فيما تقدم والله تعالى أعلم فصل هذا الذي ذكرنا حكم الخارج من الأرض وأما حكم المستخرج من الأرض فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما فيه الخمس من المستخرج من الأرض وما لا خمس فيه والثاني في بيان من يجوز صرف الخمس إليه ومن له ولاية أخذ الخمس أما الأول فالمستخرج من الأرض نوعان أحدهما يسمى كنزا وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض
والثاني يسمى معدنا وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض والركاز اسم يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته للمعدن واستعماله للكنز مجازا أما الكنز فلا يخلو إما أن وجد في دار الإسلام أو دار الحرب وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون في أرض مملوكة أو في أرض غير مملوكة ولا يخلو إما أن يكون به علامة الإسلام كالمصحف والدراهم المكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك من علامات الإسلام أو علامات الجاهلية من الدراهم المنقوش عليها الصنم أو الصليب ونحو ذلك أو لا علامة به أصلا فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة كالجبال والمفاوز وغيرها فإن كان به علامة الإسلام فهو بمنزلة اللقطة يصنع به ما يصنع باللقطة يعرف ذلك في كتاب اللقطة لأنه إذا كان به علامة الإسلام كان مال المسلمين ومال المسلمين لا يغنم إلا أنه مال لا يعرف مالكه فيكون بمنزلة اللقطة وإن كان به علامة الجاهلية ففيه الخمس وأربعة أخماسه للواجد بلا خلاف كالمعدن على ما بين وإن لم يكن به علامة الإسلام ولا علامة الجاهلية فقد قيل إن في زماننا يكون حكمه حكم اللقطة أيضا ولا يكون له حكم الغنيمة لأن عهد الإسلام قد طال فالظاهر أنه لا يكون من مال الكفرة بل من مال المسلمين لم يعرف مالكه فيعطى له حكم اللقطة وقيل حكمه حكم الغنيمة لأن الكنوز غالبا بوضع الكفرة وإن كان به علامة الجاهلية يجب فيه الخمس لما روي أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكنز فقال فيه وفي الركاز الخمس ولأنه في معنى الغنيمة لأنه استولى عليه على طريق القهر وهو على حكم ملك الكفرة فكان غنيمة فيجب فيه الخمس وأربعة أخماسه للواجد لأنه أخذه بقوة نفسه وسواء كان الواجد حرا أو عبدا مسلما أو ذميا كبيرا أو صغيرا لأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين واجد وواجد ولأن هذا المال بمنزلة الغنيمة ألا ترى أنه وجب فيه الخمس والعبد والصبي والذمي ( ( ( والذي ) ) ) من أهل الغنيمة إلا إذا كان ذلك بإذن الإمام وقاطعه على شيء فله أن يفي بشرطه لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون عند شروطهم ولأنه إذا قاطعه على شيء فقد جعل المشروط أجرة لعمله فيستحقه بهذا الطريق وإن وجد في أرض مملوكة يجب فيه الخمس بلا خلاف لما روينا من الحديث ولأنه مال الكفرة استولى عليه على طريق القهر فيخمس واختلف في الأربعة الأخماس قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله هي لصاحب الخطة إن كان حيا وإن كان ميتا فلورثته إن عرفوا وإن كان لا يعرف صاحب الخطة ولا ورثته تكون لأقصى مالك للأرض أو لورثته وقال أبو يوسف أربعة أخماسه للواجد وجه قوله إن هذا غنيمة ما وصلت إليها يد الغانمين وإنما وصلت إليه يد الواجد لا غير فيكون غنيمة يوجب الخمس واختصاصه بإثبات اليد عليه يوجب اختصاصه به وهو تفسير الملك كما لو وجده في أرض غير مملوكة ولهما أن صاحب الخطة ملك الأرض بما فيها لأنه إنما ملكها بتمليك الإمام والإمام إنما ملك الأرض بما وجد منه ومن سائر الغانمين من الاستيلاء والاستيلاء كما ورد على ظاهر الأرض ورد على ما فيها فملك ما فيها وبالبيع لا يزول ما فيها لأن البيع يوجب زوال ما ورد عليه البيع والبيع ورد على ظاهر الأرض لا على ما فيها وإذا لم يكن ما فيها تبعا لها فبقي على ملك صاحب الخطة وكان أربعة أخماسه له وصار هذا كمن اصطاد سمكة كانت ابتعلت ( ( ( ابتلعت ) ) ) لؤلؤة أو اصطاد طائرا كان قد ابتلع جوهرة إنه يملك الكل ولو باع السمكة أو الطائر لا تزول اللؤلؤة والجوهرة عن ملكه لورود العقد على السمكة والطير دون اللؤلؤة والجوهرة كذا هذا
فإن قيل كيف يملك صاحب الخطة ما في الأرض بتمليك الإمام إياه الأرض والإمام لو فعل ذلك لكان جورا في القسمة والإمام لا يملك الجور في القسمة فثبت أن الإمام ما ملكه إلا الأرض فبقي الكنز غير مملوك لصاحب الخطة فالجواب عنه من وجهين أحدهما أن الإمام ما ملكه إلا رقبة الأرض على ما ذكرتم لكنه لما ملك الأرض بتمليك الإمام فقد تفرد بالاستيلاء على ما في الأرض وقد خرج الجواب عن وجوب الخمس لأنه ما ملك ما في الأرض بتمليك الإمام حتى يسقط الخمس وإنما ملكه بتفرده بالإستيلاء عليه فيجب عليه الخمس كما لو وجده في أرض غير مملوكة والثاني إن مراعاة المساواة في هذه الجهة في القسمة مما يتعذر فيسقط اعتبارها دفعا للحرج هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام ) فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض ليست بمملوكة لأحد فهو للواجد ولا خمس فيه لأنه مال أخذه لا على طريق القهر والغلبة لانعدام غلبة أهل الإسلام على ذلك الموضع فلم يكن غنيمة فلا خمس فيه ويكون الكل له لأنه مباح استولى عليه بنفسه فيملكه كالحطب والحشيش وسواء دخل بأمان أو بغير أمان لأن حكم الأمان يظهر في المملوك لا في المباح وإن وجده في أرض مملوكة لبعضهم فإن كان دخل بأمان رده إلى صاحب الأرض لأنه إذا دخل بأمان لا يحل له أن يأخذ شيئا من أموالهم بغير رضاهم لما في ذلك من الغدر والخيانة في الأمانة فإن لم يرده إلى صاحب الأرض يصير ملكا له لكن لا يطيب له لتمكن خبث الخيانة فيه فسبيله التصدق به فلو باعه يجوز بيعه لقيام الملك لكن لا يطيب للمشتري بخلاف بيع المشتري شراء فاسدا والفرق بينهما يذكر في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى وإن كان دخل بغير أمان حل له ولا خمس فيه أما الحل فلأن له أن يأخذ ما ظفر به من أموالهم من غير رضاهم وأما عدم وجوب الخمس فلأنه غير مأخوذ على سبيل القهر والغلبة فلم يكن غنيمة فلا يجب فيه الخمس حتى لو دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب فظفروا بشيء من كنوزهم يجب فيه الخمس ولكونه غنيمة لحصول الأخذ على طريق القهر والغلبة وإن وجده في أرض مملوكة لأحد أو في دار نفسه ففيه الخمس بلا خلاف بخلاف المعدن عند أبي حنيفة لأن الكنز ليس من أجزاء الأرض ولهذا لم تكن أربعة أخماسه لمالك الرقبة بالإجماع فلو وجد فيه المؤنة وهو الخمس لم يصر الجزء مخالفا للكل بخلاف المعدن على ما نذكر وأما أربعة أخماسه فقد اختلف أصحابنا في ذلك عند أبي حنيفة ومحمد هي للمختط له وعند أبي يوسف للواجد لأنه مباح سبقت يده إليه ولهما أن هذا مال مباح سبقت إليه يد الخصوص وهي يد المختط يصير ملكا له كالمعدن إلا أن المعدن انتقل بالبيع إلى المشتري لأنه من أجزاء الأرض والكنز لم ينتقل إليه لأنه ليس من أجزاء المبيع والتمليك فإن استولى عليه بالاستيلاء فيبقى على ملكه كمن اصطاد سمكة في بطنها درة ملك السمكة والدرة لثبوت اليد عليهما فلو باع السمكة بعد ذلك لم تدخل الدرة في البيع كذا ههنا والمختط له من خصه الإمام بتمليك البقعة منه فإن لم يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك له يعرف في الإسلام كذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد السرخسي رحمه الله هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام وأما المعدن فالخارج منه في الأصل نوعان مستجسد ومائع والمستجسد منه نوعان أيضا نوع يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس ونحو ذلك ونوع لا يذوب بالإذابة كالياقوت والبللور ( ( ( والبلور ) ) ) والعقيق والزمرد والفيروزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها والمائع نوع آخر كالنفط والقار ونحو ذلك وكل ذلك لا يخلو إما إن وجده في دار الإسلام أو في دار الحرب في أرض مملوكة أو غير مملوكة
فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة فالموجود مما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية يجب فيه الخمس سواء كان ذلك من الذهب والفضة أو غيرهما مما يذوب بالإذابة وسواء كان قليلا أو كثيرا فأربعة أخماسه للواجد كائنا من كان إلا الحربي المستأمن فإنه يسترد منه الكل إلا إذا قاطعه الإمام فإن له أن يفي بشرطه وهذا قول أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي في معادن الذهب والفضة ربع العشر كما في الزكاة حتى شرط فيه النصاب فلم يوجب فيما دون المائتين وشرط بعض أصحابه الحول أيضا وأما غير الذهب والفضة فلا خمس فيه وأما عندنا فالواجب خمس الغنيمة في الكل لا يشترط في شيء منه شرائط الزكاة ويجوز دفعه إلى الوالدين والمولودين الفقراء كما في الغنائم ويجوز للواجد أن يصرف إلى نفسه إذا كان محتاجا ولا تغنيه الأربعة الأخماس احتج الشافعي بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية ( ( ( القليلة ) ) ) وكان يأخذ منها ربع العشر ولأنها من نماء الأرض وريعها فكان ينبغي أن يجب فيها الشعر ( ( ( العشر ) ) ) إلا أنه اكتفى بربع العشر لكثرة المؤنة في استخراجها ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي الركاز الخمس وهو اسم للمعدن حقيقة وإنما يطلق على الكنز مجازا لدلائل أحدها أنه مأخوذ من الركز وهو الإثبات وما في المعدن هو المثبت في الأرض لا الكنز لأنه وضع مجاورا للأرض والثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عما يوجد من الكنز العادي فقال فيه وفي الركاز الخمس عطف الركاز على الكنز والشيء لا يعطف على نفسه هو الأصل فدل أن المراد منه المعدن والثالث ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال المعدن جبار والقليب جبار وفي الركاز الخمس قيل وما الركاز يا رسول الله فقال هو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق السموات والأرض فدل على أنه اسم للمعدن حقيقة فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الخمس في المعدن من غير فصل بين الذهب والفضة وغيرهما فدل أن الواجب هو الخمس في الكل ولأن المعادن كانت في أيدي الكفرة وقد زالت أيديهم ولم تثبت يد المسلمين على هذه المواضع لأنهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال والمفاوز فبقي ما تحتها على حكم ملك الكفرة وقد استولى عليه على طريق القهر بقوة نفسه فيجب فيه الخمس ويكون أربعة أخماسه له كما في الكنز ولا حجة له في حديث بلال بن الحارث لأنه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشر لما علم من حاجته وذلك جائز عندنا على ما نذكره فيحمل عليه عملا بالدليلين وأما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد لأن الزرنيخ والجص والنورة ونحوها من أجزاء الأرض فكان كالتراب والياقوت والفصوص من جنس الأحجار إلا أنها أحجار مضيئة ولا خمس في الحجر وأما المائع كالقير والنفظ ( ( ( والنفط ) ) ) فلا شيء فيه ويكون للواجد لأنه ماء وإنه مما لا يقصد بالاستيلاء فلم يكن في يد الكفار حتى يكون من الغنائم فلا يجب فيه الخمس وأما الزئبق ففيه الخمس في قول أبي حنيفة الآخر وكان يقول أولا لا خمس فيه وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال فيه الخمس فإن أبا يوسف قال سألت أبا حنيفة عن الزئبق فقال لا خمس فيه فلم أزل به حتى قال فيه الخمس وكنت أظن أنه مثل الرصاص والحديد ثم بلغني بعد ذلك أنه ليس كذلك وهو بمنزلة القير والنفط وجه قول أبي حنيفة الأول أنه شيء لا ينطبع بنفسه فأشبه الماء
وجه قول الآخر وهو قول محمد أنه يطبع ( ( ( ينطبع ) ) ) مع غيره وإن كان لا ينطبع بنفسه فأشبه الفضة لأنها لا تنطبع بنفسها لكن لما كانت تنطبع مع شيء آخر يخالطها من نحاس أو آنك وجب فيها الخمس كذا هذا هذا إذا وجد المعدن في دار الإسلام في أرض غير مملوكة فأما إذا وجده في أرض مملوكة أو دار أو منزل أو حانوت فلا خلاف في أن الأربعة الأخماس لصاحب الملك وجده ( ( ( وحده ) ) ) هو أو غيره لأن المعدن من توابع الأرض لأنه من أجزائها خلق فيها ومنها ألا ترى أنه يدخل في البيع من غير تسمية فإذا ملكها المختط له بتمليك الإمام ملكها بجميع أجزائها فتنتقل عنه إلى غيره بالبيع بتوابعها أيضا بخلاف الكنز على ما مر واختلف في وجوب الخمس قال أبو حنيفة لا خمس فيه في الدار وفي الأرض عنه روايتان ذكر في كتاب الزكاة أنه لا خمس فيه وذكر في الصرف أنه يجب فيه الخمس وكذا ذكر في الجامع الصغير وقال أبو يوسف ومحمد يجب فيه الخمس في الأرض والدار جميعا إذا كان الموجود مما يذوب بالإذابة واحتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم وفي الركاز الخمس من غير فصل والركاز اسم للمعدن حقيقة لما ذكرنا ولأن الإمام ملك الأرض من ملكه متعلقا بهذا الخمس لأنه حق الفقراء فلا يملك إبطال حقهم وجه قول أبي حنيفة أن المعدن جزء من أجزاء الأرض فيملك بملك الأرض والإمام ملكه مطلقا عن الحق فيملكه المختط له كذلك وللإمام هذه الولاية ألا ترى أنه لو جعل الكل للغانمين الأربعة الأخماس مع الخمس إذا علم أن حاجتهم لا تندفع بالأربعة الأخماس جاز وإذا ملكه المختط له مطلقا عن حق متعلق به فينتقل إلى غيره كذلك وجه الفرق بين الدار والأرض على الرواية الأخرى إن تمليك الإمام الدار جعل مطلقا عن الحقوق ألا ترى أنه لا يجب فيها العشر ولا الخراج بخلاف الأرض فإن تمليكها وجد متعلقا بها العشر أو الخراج فجاز أن يجب الخمس والحديث محمول على ما إذا وجده في أرض غير مملوكة توفيقا بين الدليلين هذا إذا وجده في دار الإسلام فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض غير مملوكة فهو له ولا خمس فيه لما مر وإن وجده في ملك بعضهم فإن دخل بأمان رد على صاحب الملك لما بينا وإن دخل بغير أمان فهو له ولا خمس فيه كما في الكنز على ما بينا هذا الذي ذكرنا في حكم المستخرج من الأرض فأما المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وكل حلية تستخرج من البحر فلا شيء فيه في قول أبي حنيفة ومحمد وهو للواجد وعند أبي يوسف فيه الخمس واحتج بما روي أن عامل عمر رضي الله عنه كتب إليه في لؤلؤ ( ( ( لؤلؤة ) ) ) وجدت ما فيها قال فيها الخمس وروى عنه أيضا أنه أخذ الخمس من العنبر ولأن العشر يجب في المستخرج من المعدن فكذا في المستخرج من البحر لأن المعنى يجمعهما ( ( ( بجمعهما ) ) ) وهو كون ذلك مالا منتزعا من أيدي الكفار بالقهر إذ الدنيا كلها برها وبحرها كانت تحت أيديهم انتزعناها من بين أيديهم فكان ذلك غنيمة فيجب فيه الخمس كسائر الغنائم ولهما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن العنبر فقال هو شيء دسره البحر لا خمس فيه ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار التي يستخرج منها اللؤلؤ والعنبر فلم يكن المستخرج منها مأخوذا من أيدي الكفرة على سبيل القهر فلا يكون غنيمة فلا يكون فيه الخمس وعلى هذا قال أصحابنا أنه إن استخرج من البحر ذهبا أو فضة فلا شيء فيه لما قلنا وقيل في العنبر أنه مائع نبع فأشبه القير
وقيل أنه روث دابة فأشبه سائر الأرواث وما روي عن عمر في اللؤلؤ والعنبر محمول على لؤلؤ وعنبر وجد في خزائن ملوك الكفرة فكان مالا مغنوما فأوجب فيه الخمس وأما الثاني هو بيان من يجوز صرف الخمس إليه ومن له ولاية الأخذ وبيان مصارف الخمس موضعه كتاب السير ويجوز صرفه إلى الوالدين والمولودين إذا كانوا فقراء بخلاف الزكاة والعشر ويجوز أن يصرفه إلى نفسه إذا كان محتاجا لا تغنيه الأربعة الأخماس بأن كان دون المائتين فأما إذا بلغ مائتين لا يجوز له تناول الخمس وما روي عن علي رضي الله عنه أنه ترك الخمس للواجد محمول على ما إذا كان محتاجا ولو تصدق بالخمس بنفسه على الفقراء ولم يدفعها إلى السلطان جاز ولا يؤخذ منه ثانيا بخلاف زكاة السوائم والعشر والله أعلم فصل وأما بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال وبيان مصارفها فأما ما يوضع في بيت المال من الأموال فأربعة أنواع أحدها زكاة السوائم والعشور وما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم والثاني خمس الغنائم والمعادن والركاز والثالث خراج الأراضي وجزية الرؤوس وما صولح عليه بنو نجران من الحلل وبنو تغلب من الصدقة المضاعفة وما أخذه العشار من تجار أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب والرابع ما أخذ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثا أصلا أو ترك زوجا أو زوجة وأما مصارف هذه الأنواع فأما مصرف النوع الأول فقد ذكرناه وأما النوع الثاني وهو خمس الغنائم والمعادن والركاز فنذكر مصرفه في كتاب السير وأما مصرف النوع الثالث من الخراج وأخواته فعمارة الدين وإصلاح مصالح المسلمين وهو رزق الولاة والقضاة وأهل الفتوى من العلماء والمقاتلة ورصد الطرق وعمارة المساجد والرباطات والقناطر والجسور وسد الثغور وإصلاح الأنهار التي لا ملك لأحد فيها وأما النوع الرابع فيصرف إلى دواء الفقراء والمرضى وعلاجهم وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب وليس له من تجب عليه نفقته ونحو ذلك وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها والله أعلم فصل وأما الزكاة الواجبة وهي زكاة الرأس فهي صدقة الفطر والكلام فيها يقع في مواضع في بيان وجوبها وفي بيان كيفية الوجوب وفي بيان من تجب عليه وفي بيان من تجب عنه وفي بيان جنس الواجب وقدره وصفته وفي بيان وقت الوجوب وفي بيان وقت الأداء وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط الركن وهي شرائط جواز الأداء وفي بيان مكان الأداء وفي بيان ما يسقطها بعد الوجوب أما الأول فالدليل على وجوبها ما روى عن ثعلبة بن صعير العذري أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في خطبته أدوا عن كل حر وعبد صغير وكبير نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أمر بالأداء ومطلق الأمر للوجوب وإنما سمينا هذا النوع واجبا لا فرضا لأن الفرض اسم لما ثبت لزومه بدليل مقطوع به ولزوم هذا النوع من الزكاة لم يثبت بدليل مقطوع به بل بدليل فيه شبهة العدم وهو خبر الواحد وما روي في الباب عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والعبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير فالمراد من قوله فرض أي قدر أداء الفطر والفرض في اللغة التقدير قال الله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم ويقال فرض القاضي النفقة بمعنى قدرها فكان في الحديث تقدير الواجب بالمذكور لا الإيجاب قطعا والله تعالى أعلم فصل وأما كيفية وجوبها فقد اختلف أصحابنا فيه قال بعضهم إنما يجب وجوبا مضيقا في يوم الفطر عينا وقال بعضهم يجب وجوبا موسعا في العمر كالزكاة والنذور والكفارات ونحوها وهذا هو الصحيح لأن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فلا يتضيق الوجوب إلا في آخر العمر كالأمر بالزكاة وسائر الأوامر المطلقة عن الوقت فصل وأما بيان من تجب عليه
فيتضمن بيان شرائط الوجوب وأنها أنواع منها الإسلام فلا تجب على الكافر لأنه لا سبيل إلى الإيجاب في حالة الكفر لأن فيها معنى العبادة حتى لا تتأدى بدون النية والكافر ليس من أهل العبادة ولا تجب بدون الإسلام بالإجماع وإيجاب فعل لا يقدر المكلف على أدائه في الحال وفي الثاني تكليف ما ليس في الوسع لهذا قلنا إن الكفار ليسوا مخاطبين بشرائع هي عبادات ومنها الحرية عندنا فلا تجب على العبد وقال الشافعي الحرية ليست من شرائط الوجوب وتجب الفطرة على العبد ويتحملها المولى عنه واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا عن كل حر وعبد والأداء عنه ينبىء عن التحمل عنه وأنه يقتضي الوجوب عليه ولنا أن الوجوب هو وجوب الأداء ولا سبيل إلى إيجاب الأداء على العبد لأن العبد لا يكلف بأدائها في الحال ولا بعد العتق وإيجاب فعل لا سبيل إلى أدائه رأسا ممتنع بخلاف الصبي الغني إذا لم يخرج وليه عنه على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يلزمه الأداء لأنه يقدر على أدائه بعد البلوغ وأما الحديث فلم قلتم أن الأداء عنه يقتضي الوجوب عليه وسنذكر معناه ومنها الغنا فلا يجب الأداء إلا على الغني وهذا عندنا وقال الشافعي لا يشترط لوجوبها الغنا وتجب على الفقير الذي له زيادة على قوت يومه وقوت عياله وجه قوله أن وجوبها ثبت مطهرة للصائم ومعنى المطهرة لا يختلف بالغنا ( ( ( بالغنى ) ) ) والفقر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا صدقة إلا عن ظهر غنى وقد بينا حد الغنا الذي يجب به صدقة الفطر في زكاة المال ثم الغنا شرط الوجوب لا شرط بقاء الواجب حتى لو افتقر بعد يوم الفطر لا يسقط الواجب لأن هذا الحق يجب في الذمة لا في المال فلا يشترط لبقائه بقاء المال بخلاف الزكاة وأما العقل والبلوغ فليسا من شرائط الوجوب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى تجب صدقة الفطر على الصبي والمجنون إذا كان لهما مال ويخرجها الولي من مالهما وقال محمد وزفر لا فطرة عليهما حتى لو أدى الأب أو الوصي من مالهما لا يضمنان عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر يضمنان وجه قولهما أنها عبادة والعبادات لا تجب على الصبيان والمجانين كالصوم والصلاة والزكاة ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنها ليست بعبادة محضة بل فيها معنى المؤنة فأشبهت العشر وكذلك وجود الصوم في شهر رمضان ليس بشرط لوجوب الفطرة حتى أن من أفطر لكبر أو مرض أو سفر يلزمه صدقة الفطر لأن الأمر بأدائها مطلق عن هذا الشرط ولأنها تجب على من لا يوجد منه الصوم وهو الصغير فصل وأما بيان من تجب عليه فيشتمل على بيان سبب وجوب الفطرة على الإنسان عن غيره وبيان شرط الوجوب أما شرطه فهو أن يكون من عليه الواجب عن غيره من أهل الوجوب على نفسه وأما السبب فرأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة لأن الرأس الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة تكون في معنى رأسه في الذب والنصرة فكما يجب عليه زكاة رأسه يجب عليه زكاة ما هو في معنى رأسه فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن مماليكه الذين هم لغير التجارة لوجود السبب وهو لزوم المؤنة وكمال الولاية مع وجود شرطه وهو ما ذكرنا وقال صلى الله عليه وسلم أدوا عن كل حر وعبد وسواء كانوا مسلمين أو كفارا عندنا وقال الشافعي لا تؤدى إلا عن مسلم وجه قوله أن الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالأداء عن العبد والأداء عنه ينبىء عن التحمل فثبت أن الوجوب على العبد فلا بد من أهلية الوجوب في حقه والكافر ليس من أهل الوجوب فلم يجب عليه ولا يتحمل عنه المولى لأن التحمل بعد الوجوب فأما المسلم فمن أهل الوجوب فتجب عليه الزكاة إلا أنه ليس من أهل الأداء لعدم الملك فيتحمل عنه المولى
ولنا أنه وجد سبب وجوب الأداء عنه وشرطه وهو ما ذكرنا فيجب الأداء عنه وقوله الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه أداء الواجب فاسد لأن الوجوب على العبد يستدعي أهلية الوجوب في حقه وهو ليس من أهل الوجوب لأن الوجوب هو وجوب الأداء والأداء بالملك ولا ملك له فلا وجوب عليه فلا يتصور التحمل وقوله المأمور به هو الأداء عنه بالنص مسلم لكن لم قلتم أن الأداء عنه يقتضي أن يكون بطريق التحمل بل هو أمر بالأداء بسببه وهو رأسه الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة فكان في الحديث بيان سببية وجوب الأداء عمن يؤدي عنه لا الأداء بطريق التحمل فتعتبر أهلية وجوب الأداء في حق المولى وقد وجدت روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد صغير أو كبير يهودي أو نصراني أو مجوسي نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير وهذا نص في الباب ويخرج عن مدبريه وأمهات أولاده لعموم قوله صلى الله عليه وسلم أدوا عن كل حر وعبد وهؤلاء عبيد لقيام الرق والملك فيهم ألا ترى أن له أن يستخدمهم ويستمتع بالمدبرة وأم الولد ولا يجوز ذلك في غير الملك ولا يجب عليه أن يخرج عن مكاتبه ولا عن رقيق مكاتبه لأنه لا يلزمه نفقتهم وفي ولايته عليهم قصور ولا يجب على المكاتب أن يخرج فطرته عن نفسه ولا عن رقيقه عند عامة العلماء وقال مالك يجب عليه لأن المكاتب مالك لأنه يملك اكتسابه فكان في اكتسابه كالحر فتجب عليه كما تجب على الحر ولنا أنه لا ملك له حقيقة لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم والعبد مملوك فلا يكون مالكا ضرورة وأما معتق البعض فهو بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة وعندهما هو حر عليه دين وإن كان غنيا بأن كان له مال فاضلا ( ( ( فضلا ) ) ) عن دينه مائتي درهم فصاعدا فإنه يخرج صدقة الفطر عن نفسه وعن رقيقه وإلا فلا ويخرج عن عبده المؤاجر والوديعة والعارية وعبده المديون المستغرق بالدين وعبده الذي في رقبته جناية لعموم النص ولوجود سبب الوجوب وشرطه وهو ما ذكرنا ويخرج عن عبد الرهن لما ذكرنا وهذا إذا كان للراهن وفاء فإن لم يكن له وفاء فلا صدقة عليه عنه لأنه فقير بخلاف عبده المديون دينا مستغرقا لأن الصدقة تجب على المولى ولا دين على المولى وأما عبد عبده المأذون فإن كان على المولى دين فلا يخرج في قول أبي حنيفة لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون وعندهما يخرج لأنه يملكه وإن لم يكن عليه دين فلا يخرج بلا خلاف بين أصحابنا لأنه عبد التجارة ولا فطرة في عبد التجارة عندنا ولا يخرج عن عبده الآبق ولا عن المغصوب المجحود ولا عن عبده المأسور لأنه خارج عن يده وتصرفه فأشبه المكاتب قال أبو يوسف ليس في رقيق الأخماس ورقيق القوام الذين يقومون على مرافق العوام مثل زمزم وما أشبهها ورقيق الفيء صدقة الفطر لعدم الولاية لأحد عليهم إذ هم ليس لهم مالك معين وكذلك السبي ورقيق الغنيمة والأسرى قبل القسمة على أصله لما قلنا وأما العبد الموصي برقبته لإنسان وبخدمته لآخر فصدقة فطره على صاحب الرقبة لقوله صلى الله عليه وسلم أدوا عن كل حر وعبد والعبد اسم للذات المملوكة وأنه لصاحب الرقبة وحق صاحب الخدمة متعلق بالمنافع فكان كالمستعير والمستأجر ولا يخرج عن عبيد التجارة عندنا وعند الشافعي يخرج وجه قوله إن وجوب الزكاة لا ينافي وجوب صدقة الفطر لأن سبب وجوب كل واحد منهما مختلف ولنا أن الجمع بين زكاة المال وبين زكاة الرأس يكون ثني في الصدقة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ثني في الصدقة والعبد المشترك بينه وبين غيره ليس على أحدهما صدقة فطره عندنا
وقال الشافعي تجب الفطرة عليهما بناء على أصله الذي ذكرنا أن الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه بالملك فيتقدر بقدر الملك وأما عندنا فالوجوب على المولى بسبب الوجوب وهو رأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة وليس لكل واحد منهما ولاية كاملة ألا ترى أنه لا يملك كل واحد منهما تزويجه فلم يوجد السبب فإن كان عدد من العبيد بين رجلين فلا فطرة عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد إن كان بحال لو قسموا أصاب كل واحد منهما عبد كامل تجب على كل واحد منهما صدقة فطره بناء على أن الرقيق لا يقسم قسمة جمع عند أبي حنيفة فلا يملك كل واحد منهما عبدا كاملا وعند محمد يقسم الرقيق قسمة جمع فيملك كل واحد منهما عبدا تاما من حيث المعنى كأنه انفرد به فيجب على كل واحد منهما كالزكاة في السوائم المشتركة وأبو يوسف وافق أبا حنيفة في هذا وإن كان يرى قسمة الرقيق لنقصان الولاية إذ ليس لكل واحد منهما ولاية كاملة وكمال الولاية بعض أوصاف السبب ولو كان بين رجلين جارية فجاءت بولد فادعياه معا حتى ثبت نسب الولد منهما وصارت الجارية أم ولد ( ( ( ولدهما ) ) ) لهما فلا فطرة على واحد منهما عن الجارية بلا خلاف بين أصحابنا لأنها جارية مشتركة بينهما وأما الولد فقال أبو يوسف يجب على كل واحد منهما صدقة فطره تامة وقال محمد تجب عليهما صدقة واحدة وجه قوله أن الذي وجب عليه واحد والشخص الواحد لا تجب عنه إلا فطرة واحدة كسائر الأشخاص ولأبي يوسف أن الولد ابن تام في حق كل واحد منهما بدليل أنه يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل فيجب على كل واحد منهما عنه صدقة تامة ولو اشترى عبدا بشرط الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما جميعا أو شرط أحدهما الخيار لغيره فمر يوم الفطر في مدة الخيار فصدقة الفطر موقوفة إن تم البيع بمضي مدة الخيار أو بالإجازة فعلى المشتري لأنه ملكه من وقت البيع وإن فسخ فعلى البائع لأنه تبين أن المبيع لم يزل عن ملكه وعند زفر أن كان الخيار للبائع أو لهما جميعا أو شرط البائع الخيار لغيره فصدقة الفطر على البائع تم البيع أو انفسخ وإن كان الخيار للمشتري فعلى المشتري تم البيع أو انفسخ ولو اشتراه بعقد ثان فمر يوم الفطر قبل القبض فصدقة فطره على المشتري إن قبضه لأن الملك ثبت للمشتري بنفس الشراء وقد تقرر بالقبض وإن مات قبل القبض فلا يجب على واحد منهما أما جانب البائع فظاهر لأن العبد قد خرج عن ملكه بالبيع ووقت الوجوب هو وقت طلوع الفجر من يوم الفطر كان الملك للمشتري وأما جانب المشتري فلأن ملكه قد انفسخ قبل تمامه وجعل كأنه لم يكن من الأصل ولو رده المشتري على البائع بخيار رؤية أو عيب إن رده قبل القبض فعلى البائع لأن الرد قبل القبض فسخ من الأصل وإن رده بعد القبض فعلى المشتري لأنه بمنزلة بيع جديد وإن اشتراه شراء فاسدا فمر يوم الفطر فإن كان مر وهو عند البائع فعلى البائع لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك للمشتري قبل القبض فمر عليه يوم الفطر وهو على ملك البائع فكان صدقة فطره عليه وإن كان في يد المشتري وقت طلوع الفجر فصدقة فطره موقوفة لاحتمال الرد فإن رده فعلى البائع لأن الرد في العقد الفاسد فسخ من الأصل وإن تصرف فيه المشتري حتى وجبت عليه قيمته فعلى المشتري لأنه تقرر ملكه عليه ويخرج عن أولاده الصغار إذا ( ( ( وإذا ) ) ) كانوا فقراء لقوله صلى الله عليه وسلم أدوا عن كل صغير وكبير ولأن نفقتهم واجبة على الأب وولاية الأب عليهم تامة وهل يخرج الجد عن ابن ابنه الفقير الصغير حال عدم الأب أو حال كونه فقيرا ذكر محمد في الأصل أنه لا يخرج وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخرج
وجه رواية الحسن أن الجد عند عدم الأب قائم مقام الأب فكانت ولايته حال عدم الأب كولاية الأب وجه رواية الأصل أن ولاية الجد ليست بولاية تامة مطلقة بل هي قاصرة ألا ترى أنها لا تثبت إلا بشرط عدم الأب فأشبهت ولاية الوصي والوصي لا يجب عليه الإخراج فكذا الجد وأما الكبار العقلاء فلا يخرج عنهم عندنا وإن كانوا في عياله بأن كانوا فقراء زمنى وقال الشافعي عليه فطرتهم واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير ممن تمونون فإذا كانوا في عياله يمونهم فعليه فطرتهم ولنا أن أحد شطري السبب وهو الولاية منعدم والحديث محمول على جواز الأداء عنهم لا على الوجوب ولا يلزمه أن يخرج عن أبويه وإن كانا في عياله لعدم الولاية عليهما ولا يخرج عن الحمل لانعدام كمال الولاية ولأنه لا يعلم حياته ولا يلزم الزوج صدقة فطر زوجته عندنا وقال الشافعي يلزمه لأنها تجب مؤنة الزوج وولايته فوجد سبب الوجوب ولنا إن شرط تمام السبب كمال الولاية وولاية الزوج عليها ليست بكاملة فلم يتم السبب وليس في شيء من الحيوان سوى الرقيق صدقة الفطر إما لأن وجوبها عرف بالتوقيف وإنه لم يرد فيما سوى الرقيق من الحيوانات أو لأنها وجبت طهرة للصائم عن الرفث ومعنى الطهرة لا يتقرر في سائر الحيوانات فلا تجب عنها والله أعلم فصل وأما بيان جنس الواجب وقدره وصفته أما جنسه وقدره فهو نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر وهذا عندنا وقال الشافعي من الحنطة صاع واحتج بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال كنت أؤدي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من بر ولنا ما روينا من حديث ثعلبة بن صعير ( ( ( صغير ) ) ) العذري أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدوا عن كل حر وعبد نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي أن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر نصف صاع من بر واحتج بروايتهم وأما حديث أبي سعيد فليس فيه دليل الوجوب بل هو حكاية عن فعله فيدل على الجواز وبه نقول فيكون الواجب نصف صاع وما زاد يكون تطوعا على أن المروي من لفظ أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال كنت أخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام صاعا من تمر صاعا من شعير وليس فيه ذكر البر فيجعل قوله صاعا من تمر صاعا من شعير تفسيرا لقوله صاعا من طعام ودقيق الحنطة وسويقها كالحنطة ودقيق الشعير وسويقه كالشعير عندنا وعند الشافعي لا يجزىء بناء على أصله من اعتبار المنصوص عليه وعندنا المنصوص عليه معلول بكونه مالا متقوما على الإطلاق لما يذكر ( ( ( نذكر ) ) ) وذكر المنصوص عليه للتيسير لأنهم كانوا يتبايعون بذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الدقيق منصوص عليه لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا قبل الخروج زكاة الفطر فإن على كل مسلم مدا من قمح أو دقيق وروي عن أبي يوسف أنه قال الدقيق أحب إلي من الحنطة والدراهم أحب إلي من الدقيق والحنطة لأن ذلك أقرب إلى دفع حاجة الفقير واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الزبيب ذكر في الجامع الصغير نصف صاع وروى الحسن وأسد بن عمرو عن أبي حنيفة صاعا من زبيب وهو قول أبي يوسف ومحمد
وجه هذه الرواية ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر أو صاعا من زبيب وكان طعامنا الشعير ولأن الزبيب لا يكون مثل الحنطة في التغذي بل يكون أنقص منها كالشعير والتمر فكان التقدير فيه بالصاع كما في الشعير والتمر وجه رواية الجامع أن قيمة الزبيب تزيد على قيمة الحنطة في العادة ثم اكتفي من الحنطة بنصف صاع فمن الزبيب أولى ويمكن التوفيق بين القولين بأن يجعل الواجب فيه بطريق القيمة فكانت قيمته في عصر أبي حنيفة مثل قيمة الحنطة وفي عصرهما كانت قيمته مثل قيمة الشعير والتمر وعلى هذا أيضا يحمل اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة وأما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزىء إلا باعتبار القيمة وقال مالك يجوز أن يخرج صاعا من أقط وهذا غير سديد لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا باعتبار القيمة كسائر الأعيان التي لم يقع التنصيص عليها من النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي لا أحب أن يخرج الأقط فإن أخرج صاعا من أقط لم يتبين لي أن عليه الإعادة والصاع ثمانية أرطال بالعراقي عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل بالعراقي وهو قول الشافعي وجه قوله أن صاع المدينة خمسة أرطال وثلث رطل ونقلوا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفا عن سلف ولهما ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد والمد رطلان ويغتسل بالصاع والصاع ثمانية أرطال وهذا نص ولأن هذا صاع عمر رضي الله عنه ونقل أهل المدينة لم يصح لأن مالكا من فقهائهم يقول صاع المدينة ثبت بتحري عبد الملك بن مروان فلم يصح النقل وقد ثبت أن صاع عمر رضي الله عنه ثمانية أرطال فالعمل بصاع عمر أولى من العمل بصاع عبد الملك ثم المعتبر أن يكون ثمانية أرطال وزنا وكيلا وروى الحسن عن أبي حنيفة وزنا وروي عن محمد كيلا حتى لو وزن وأدى جاز عند أبي حنيفة وعند محمد لا يجوز وقال ( ( ( قال ) ) ) الطحاوي الصاع ثمانية أرطال فيما يستوي كيله ووزنه وهو العدس والماش والزبيب وإذا كان الصاع يسع ثمانية أرطال من العدس والماش فهو الصاع الذي يكال به الشعير والتمر وجه ما ذكره الطحاوي أن من الأشياء بما لا يختلف كيله ووزنه كالعدس والماش وما سواهما يختلف منها ما يكون وزنه أكثر من كيله كالشعير ومنها ما يكون كيله أكثر من وزنه كالملح فيجب تقدير المكاييل بما لا يختلف وزنه وكيله كالعدس والماش فإذا كان المكيال يسع ثمانية أرطال من ذلك فهو الصاع الذي يكال به الشعير والتمر وجه قول محمد أن النص ورد باسم الصاع وأنه مكيال لا يختلف وزن ما يدخل فيه خفة وثقلا فوجب اعتبار الكيل المنصوص عليه وجه قول أبي حنيفة أن الناس إذا اختلفوا في صاع يقدرونه بالوزن فدل أن المعتبر هو الوزن وأما صفة الواجب فهو أن وجوب المنصوص عليه من حيث أنه مال متقوم على الإطلاق لا من حيث أنه عين فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوسا أو عروضا أو ما شاء وهذا عندنا وقال الشافعي لا يجوز إخراج القيمة وهو على الاختلاف في الزكاة وجه قوله إن النص ورد بوجوب أشياء مخصوصة وفي تجويز القيمة يعتبر حكم النص وهذا لا يجوز ولنا أن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير لقوله صلى الله عليه وسلم اغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم والإغناء يحصل بالقيمة بل أتم وأوفر لأنها أقرب إلى دفع الحاجة وبه تبين أن النص معلول بالإغناء وأنه ليس في تجويز القيمة يعتبر حكم النص في الحقيقة والله الموفق
ولا يجوز أداء المنصوص عليه بعضه عن بعض باعتبار القيمة سواء كان الذي أدى عنه من جنسه أو من خلاف جنسه بعد أن كان منصوصا عليه فكما لا يجوز إخراج الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة بأن أدى نصف صاع من حنطة جيدة عن صاع من حنطة وسط لا يجوز إخراج غير الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة بأن أدى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من الحنطة عن الحنطة بل يقع عن نفسه وعليه تكميل الباقي وإنما كان كذلك لأن القيمة لا تعتبر في المنصوص عليه وإنما تعتبر في غيره وهذا يؤيد قول من يقول من أهل الأصول إن الحكم في المنصوص عليه يثبت بعين النص لا بمعنى النص وإنما يعتبر المعنى لإثبات الحكم في غير المنصوص عليه وهو مذهب مشايخ العراق وأما التخريج على قول من يقول إن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالمعنى أيضا وهو قول مشايخنا بسمرقند وأما في الجنس فظاهر لأن بعض الجنس المنصوص عليه إنما يقوم مقام كله باعتبار القيمة وهي الجودة والجودة في أموال الربا لا قيمة لها شرعا عند مقابلتها بجنسها لقول النبي صلى الله عليه وسلم جيدها ورديئها سواء أسقط اعتبار الجودة والساقط شرعا ملحق بالساقط حقيقة وأما في خلاف الجنس فوجه التخريج أن الواجب في ذمته في صدقة الفطر عند هجوم وقت الوجوب أحد شيئين إما عين المنصوص عليه وإما القيمة ومن عليه بالخيار إن شاء أخرج العين وإن شاء أخرج القيمة ولأيهما اختار تبين أنه هو الواجب من الأصل فإذا أدى بعض عين المنصوص عليه تعين واجبا من الأصل فيلزمه تكميله وهذا التخريج في صدقة الفطر صحيح لأن الواجب ههنا في الذمة ألا ترى أنه لا يسقط بهلاك النصاب بخلاف الزكاة فإن الواجب هناك في النصاب لأنه ربع العشر وهو جزء من النصاب حتى يسقط بهلاك النصاب لفوات محل الوجوب فصل وأما وقت وجوب صدقة الفطر فقد اختلف فيه قال أصحابنا هو وقت طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر وقال الشافعي هو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان حتى لو ملك عبدا أو ولو ( ( ( ولد ) ) ) له ولد أو كان كافرا فأسلم أو كان فقيرا فاستغنى إن كان ذلك قبل طلوع الشمس تجب عليه الفطرة وإن كان بعده لا تجب عليه وكذا من مات قبل طلوع الفجر لم تجب فطرته وإن مات بعده وجبت وعند الشافعي إن كان ذلك قبل غروب الشمس تجب عليه وإن كان بعده لا تجب وكذا إن مات قبله لم تجب وإن مات بعده وجبت وجه قوله أن سبب وجوب هذه الصدقة هو الفطر لأنها تضاف إليه والإضافة تدل على السببية كإضافة الصلوات إلى أوقاتها وإضافة الصوم إلى الشهر ونحو ذلك وكما غربت الشمس من آخر يوم من رمضان جاء وقت الفطر فوجبت الصدقة ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون أي وقت فطركم يوم تفطرون خص وقت الفطر بيوم الفطر حيث أضافه إلى اليوم والإضافة للاختصاص فيقتضي اختصاص الوقت بالفطر يظهر باليوم وإلا فالليالي كلها في حق الفطر سواء فلا يظهر الاختصاص وبه تبين أن المراد من قوله صدقة الفطر أي صدقة يوم الفطر فكانت الصدقة مضافة إلى يوم الفطر فكان سببا لوجوبها ولو عجل الصدقة على يوم الفطر لم يذكر في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز التعجيل سنة وسنتين وعن خلف بن أيوب أنه يجوز تعجيلها إذا دخل رمضان ولا يجوز قبله وذكر الكرخي في مختصره أنه يجوز التعجيل بيوم أو يومين وقال الحسن بن زياد لا يجوز تعجيلها أصلا وجه قوله أن وقت وجوب هذا الحق هو يوم الفطر فكان التعجيل أداء الواجب قبل وجوبه وأنه ممتنع كتعجيل الأضحية قبل يوم النحر
وجه قول خلف أن هذه فطرة عن الصوم فلا يجوز تقديمها على وقت الصوم وما ذكره الكرخي من اليوم أو اليومين فقد قيل إنه ما أراد به الشرط فإن أراد به الشرط فوجهه أن وجوبها لإغناء الفقير في يوم الفطر وهذا المقصود يحصل بالتعجيل بيوم أو يومين لأن الظاهر أن المعجل ( ( ( المتعجل ) ) ) يبقى إلى يوم الفطر فيحصل الإغناء يوم الفطر وما زاد على ذلك لا يبقى فلا يحصل المقصود والصحيح أنه يجوز التعجيل مطلقا وذكر السنة والسنتين في رواية الحسن ليس على التقدير بل هو بيان لاستكثار المدة أي يجوز وإن كثرت المدة كما في قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ووجهه أن الوجوب إن لم يثبت فقد وجد سبب الوجوب وهو رأس يمونه ويلي عليه والتعجيل بعد وجود السبب جائز كتعجيل الزكاة والعشور وكفارة القتل والله أعلم فصل وأما وقت أدائها فجميع العمر عند عامة أصحابنا ولا تسقط بالتأخير عن يوم الفطر وقال الحسن بن زياد وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره وإذا لم يؤدها حتى مضى اليوم سقطت وجه قول الحسن إن هذا حق معرف ( ( ( معروف ) ) ) بيوم الفطر فيختص أداؤه به كالأضحية وجه قول العامة أن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فيجب في مطلق الوقت غير عين وإنما يتعين بتعيينه فعلا أو بآخر العمر كالأمر بالزكاة والعشر والكفارات وغير ذلك وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا كما في سائر الواجبات الموسعة غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا كان يفعل ولقوله صلى الله عليه وسلم أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم فإذا أخرج قبل الخروج إلى المصلى استغنى المسكين عن السؤال في يومه ذلك فيصلي فارغ القلب مطمئن النفس فصل وأما ركنها فالتمليك لقول النبي صلى الله عليه وسلم أدوا عن كل حر وعبد الحديث والأداء هو التمليك فلا يتأدى بطعام الإباحة وبما ليس بتمليك أصلا ولا بما ليس بتمليك مطلق والمسائل المبنية عليه ذكرناها في زكاة المال وشرائط الركن أيضا ما ذكرنا هناك غير أن إسلام المؤدى إليه ههنا ليس بشرط لجواز الأداء عند أبي حنيفة ومحمد فيجوز دفعها إلى أهل الذمة وعند أبي يوسف والشافعي شرط ولا يجوز الدفع إليهم ولا يجوز الدفع إلى الحربي المستأمن بالإجماع والمسألة ذكرناها في زكاة المال ويجوز أن يعطي ما يجب في صدقة الفطر عن إنسان واحد جماعة مساكين ويعطي ما يجب عن جماعة مسكينا واحدا لأن الواجب زكاة فجاز جمعها وتفريقها كزكاة المال ولا يبعث الإمام عليها ساعيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث ولنا فيه قدوة فصل وأما مكان الأداء وهو الموضع الذي يستحب فيه إخراج الفطرة روي عن محمد أنه يؤدي زكاة المال حيث المال ويؤدي صدقة الفطر عن نفسه وعبيده حيث هو وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال يؤدي صدقة الفطر عن نفسه حيث هو وعن عبيدة حيث هم حكى الحاكم رجوعه وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف وأما زكاة المال فحيث المال في الروايات كلها ويكره إخراجها إلى أهل غير ذلك الموضع إلا رواية عن أبي حنيفة أنه لا بأس أن يخرجها إلى قرابته من أهل الحاجة ويبعثها إليهم وجه قول أبي يوسف أن صدقة الفطر أحد نوعي الزكاة ثم زكاة المال تؤدى حيث المال فكذا زكاة الرأس
ووجه الفرق لمحمد واضح وهو أن صدقة الفطر تتعلق بذمة المؤدي لا بماله بدليل أنه لو هلك ماله لا تسقط الصدقة وأما زكاة المال فإنها تتعلق بالمال ألا ترى أنه لو هلك النصاب تسقط فإذا تعلقت الصدقة بذمة المؤدي اعتبر مكان المؤدى ولما تعلقت الزكاة بالمال اعتبر مكان المال وروي عن أبي يوسف في الصدقة أنه يؤدي عن العبد الحي حيث هو وعن الميت حيث المولى لأن الوجوب في العبد الحي عنه فيعتبر مكانه وفي الميت لا فيعتبر مكان المولى فصل وأما بيان ما يسقطها بعد الوجوب فما يسقط زكاة المال يسقطها إلا هلاك المال فإنها لا تسقط به بخلاف زكاة المال والفرق أن صدقة الفطر تتعلق بالذمة وذمته قائمة بعد هلاك المال فكان الواجب قائما والزكاة تتعلق بالمال فتسقط بهلاكه والله أعلم كتاب الصوم الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان أنواع الصيام وصفة كل نوع وفي بيان شرائطها وفي بيان أركانها ويتضمن بيان ما يفسدها وفي بيان حكمها إذا فسدت وفي بيان حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته وفي بيان ما يسن وما يستحب للصائم وما يكره له أن يفعله أما الأول فالصوم في القسمة الأولى ينقسم ( ( ( وينقسم ) ) ) إلى لغوي وشرعي أما اللغوي فهو الإمساك المطلق وهو الإمساك عن أي شيء كان فيسمى الممسك عن الكلام وهو الصامت صائما قال الله تعالى إني نذرت للرحمن صوما أي صمتا ويسمى الفرس الممسك عن العلف صائما قال الشاعر خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أي ممسكة عن العلف وغير ممسكة وأما الشرعي فهو الإمساك عن أشياء مخصوصة وهي الأكل والشرب والجماع بشرائط مخصوصة نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى ثم الشرعي ينقسم إلى فرض وواجب وتطوع والفرض ينقسم إلى عين ودين فالعين ما له وقت معين إما بتعيين الله تعالى كصوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان لأن خارج رمضان متعين للنفل شرعا وإما بتعيين العبد كالصوم المنذور به في وقت بعينه والدليل على فرضية صوم شهر رمضان الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وقوله كتب عليكم أي فرض وقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع أيها الناس اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على فرضية شهر رمضان لا يجحدها إلا كافر وأما المعقول فمن وجوه أحدها أن الصوم وسيلة إلى شكر النعمة إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع وأنها من أجل النعم وأعلاها والامتناع عنها زمانا معتبرا يعرف قدرها إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر وشكر النعم فرض عقلا وشرعا وإليه أشار الرب تعالى في قوله في آية الصيام لعلكم تشكرون والثاني أنه وسيلة إلى التقوى لأنه إذا انقادت نفسه للامتناع عن الحلال طمعا في مرضاة ( ( ( مرضات ) ) ) الله تعالى وخوفا من أليم عقابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام فكان الصوم سببا للاتقاء عن محارم الله تعالى وأنه فرض وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية الصوم لعلكم تتقون والثالث أن في الصوم قهر الطبع وكسر الشهوة لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات وإذا جاعت امتنعت عما تهوى ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من خشي منكم الباءة فليصم فإن الصوم له وجاء فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي وأنه فرض
وأما صوم الدين فما ليس له وقت معين كصوم قضاء رمضان وصوم كفارة القتل والظهار واليمين والإفطار وصوم المتعة وصوم فدية الحلق وصوم جزاء الصيد وصوم النذر المطلق عن الوقت وصوم اليمين بأن قال والله لأصومن شهرا ثم بعض هذه الصيامات المفروضة من العين والدين متتابع وبعضها غير متتابع بل صاحبها فيه بالخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق أما المتتابع فصوم رمضان وصوم كفارة القتل والظهار والإفطار وصوم كفارة اليمين عندنا أما صوم كفارة القتل والظهار فلأن التتابع منصوص عليه قال الله تعالى في كفارة القتل فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وقال عز وجل في كفارة الظهار فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا وأما صوم كفارة اليمين فقد قرأ ابن مسعود رضي الله عنه فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات وعند الشافعي التتابع فيه ليس بشرط وموضع المسألة كتاب الكفارات وقال صلى الله عليه وسلم في كفارة الإفطار بالجماع في حديث الأعرابي صم شهرين متتابعين وأما صوم شهر رمضان فلأن الله تعالى أمر بصوم الشهر بقوله عز وجل فمن شهد منكم الشهر فليصمه والشهر متتابع لتتابع أيامه فيكون صومه متتابعا ضرورة وكذلك الصوم المنذور به في وقت بعينه بأن قال لله تعالى علي أن أصوم شهر رجب يكون متتابعا لما ذكرنا في صوم شهر رمضان وأما غير المتتابع فصوم قضاء رمضان وصوم المتعة وصوم كفارة الحلق وصوم جزاء الصيد وصوم النذر المطلق وصوم اليمين لأن الصوم في هذه المواضع ذكر مطلقا عن صفة التتابع قال الله تعالى في قضاء رمضان فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فأفطر فليصم عدة من أيام أخر وقال عز وجل في صوم المتعة فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم وقال عز وجل في كفارة الحلق ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وقال سبحانه وتعالى في جزاء الصيد أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره ذكر الله تعالى الصيام في هذه الأبواب مطلقة ( ( ( مطلقا ) ) ) عن شرط التتابع وكذا الناذر والحالف في النذر المطلق واليمين المطلقة ذكر الصوم مطلقا عن شرط التتابع وقال بعضهم في صوم قضاء رمضان إنه يشترط فيه التتابع لا يجوز إلا متتابعا واحتجوا بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ الآية فعدة من أيام أخر متتابعات فيزاد على القراءة المعروفة وصف التتابع بقراءته كما زيد وصف التتابع على القراءة المعروفة في صوم كفارة اليمين بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ولأن القضاء يكون على حسب الأداء والأداء وجب متتابعا فكذا القضاء ولنا ما روي عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو علي وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم أنهم قالوا إن شاء تابع وإن شاء فرق غير أن عليا رضي الله عنه قال إنه يتابع لكنه إن فرق جاز وهذا منه إشارة إلى أن التتابع أفضل ولو كان التتابع شرطا لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصحابة ولما احتمل مخالفتهم إياه في ذلك لو عرفوه وبهذا الإجماع تبين أن قراءة أبي بن كعب لو ثبتت فهي على الندب والاستحباب دون الاشتراط إذ لو كانت ثابتة وصارت كالمتلو وكان المراد بها الاشتراط لما احتمل الخلاف من هؤلاء رضي الله عنهم بخلاف ذكر التتابع في صوم كفارة اليمين في حرف ابن مسعود رضي الله عنه لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك فصار كالمتلو في حق العمل به
وأما قوله إن القضاء يجب على حسب الأداء والأداء وجب متتابعا فنقول التتابع في الأداء ما وجب لمكان الصوم ليقال أينما كان الصوم كان التتابع شرطا وإنما وجب لأجل الوقت لأنه وجب عليهم صوم شهر معين ولا يتمكن من أداء الصوم في الشهر كله إلا بصفة التتابع فكان لزوم التتابع لضرورة تحصيل الصوم في هذا الوقت وهذا هو الأصل أن كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الفعل وهو الصوم يكون ( ( ( ويكون ) ) ) التتابع شرطا فيه حيث دار الفعل وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الوقت ففوت ذلك الوقت يسقط التتابع وإن بقي الفعل ووجب ( ( ( واجب ) ) ) القضاء فإن من قال الله ( ( ( لله ) ) ) علي صوم شعبان يلزمه أن يصوم شعبان متتابعا لكنه إن فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعا وإن شاء متفرقا لأن التتابع هنا ( ( ( ههنا ) ) ) لمكان الوقت فيسقط بسقوطه وبمثله لو قال لله علي أن أصوم شهرا متتابعا يلزمه أن يصوم متتابعا لا يخرج عن نذره إلا به ولو أفطر يوما في وسط الشهر يلزمه الاستقبال لأن التتابع ذكر للصوم فكان الشرط هو وصل الصوم بعينه فلا يسقط عنه أبدا وعلى هذا صوم كفارة القتل والظهار واليمين لأنه لما وجب لعين الصوم لا يسقط أبدا إلا بالأداء متتابعا والفقه في ذلك ظاهر وهو أنه إذا وجب التتابع لأجل نفس الصوم فما لم يؤده على وصفه لا يخرج عن عهدة الواجب وإذا وجب لضرورة قضاء حق الوقت أو شرط التتابع لوجب الاستقبال فيقع جميع الصوم في غير ذلك الوقت الذي أمر بمراعاة حقه بالصوم فيه ولو لم يجب لوقع عامة الصوم فيه وبعضه في غيره فكان أقرب إلى قضاء حق الوقت والدليل على أن التتابع في صوم شهر رمضان لما قلنا من قضاء حق الوقت أنه لو أفطر في بعضه لا يلزمه الاستقبال ولو كان التتابع شرطا للصوم لوجب كما في الصوم المنذور به بصفة التتابع وكما في صوم كفارة الظهار واليمين والقتل وكذا لو أفطر أياما من شهر رمضان بسبب المرض ثم برأ في الشهر وصام الباقي لا يجب عليه وصل الباقي بشهر رمضان حتى إذا مضى يوم الفطر يجب عليه أن يصوم عن القضاء متصلا بيوم الفطر كما في صوم كفارة القتل والإفطار إذا أفطرت المرأة بسبب الحيض الذي لا يتصور خلو شهر عنه كما طهرت يجب عليها أن تصل وتتابع حتى لو تركت يجب عليها الاستقبال وههنا ليس كذلك بل يثبت له الخيار بين أن يصوم شوال ( ( ( شوالا ) ) ) متصلا وبين أن يصوم شهرا آخر فدل أن التتابع لم يكن واجبا لأجل الصوم بل لأجل الوقت فيسقط بفوات الوقت والله أعلم وأما الصوم الواجب فصوم التطوع بعد الشروع فيه وصوم قضائه عند الإفساد وصوم الاعتكاف عندنا أما مسألة وجوب الصوم بالشروع ووجوب القضاء بالإفساد فقد مضت في كتاب الصلاة وأما وجوب صوم الاعتكاف فنذكره في الاعتكاف وأما التطوع فهو صوم النفل خارج رمضان قبل الشروع فهذه جملة أقسام الصيام والله أعلم فصل وأما شرائطها فنوعان نوع يعم الصيامات كلها وهو شرط جواز الأداء ونوع يخص البعض دون البعض وهو شرط الوجوب أما الشرائط العامة فبعضها يرجع إلى الصائم وهو شرط أهلية الأداء وبعضها يرجع إلى وقت الصوم وهو شرط المحلية أما الذي يرجع إلى وقت الصوم فنوعان نوع يرجع إلى أصل الوقت ونوع يرجع إلى وصفه من الخصوص والعموم
وأما الذي يرجع إلى أصل الوقت فهو بياض النهار وذلك من حين يطلع الفجر الثاني إلى غروب الشمس فلا يجوز الصوم في الليل لأن الله تعالى أباح الجماع والأكل والشرب في الليالي إلى طلوع الفجر ثم أمر بالصوم إلى الليل بقوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إلى قوله فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أي حتى يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل هكذا روى عن رسول الله أنه قال الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وظلمة الليل ثم أتموا الصيام إلى الليل فكان هذا تعيينا لليالي الفطر والنهار للصوم فكان محل الصوم هو اليوم لا الليل ولأن الحكمة التي لها شرع الصوم وهو ما ذكرنا من التقوى وتعريف قدر النعم الحامل على شكرها لا يحصل بالصوم في الليل لأن ذلك لا يحصل إلا بفعل شاق على البدن مخالف للعادة وهوى النفس ولا يتحقق ذلك بالإمساك في حالة النوم فلا يكون الليل محلا للصوم وأما الذي يرجع إلى وصفه من الخصوص والعموم فنقول وبالله التوفيق أما صوم التطوع فالأيام كلها محل له عندنا وهو رواية محمد عن أبي حنيفة ويجوز صوم التطوع خارج رمضان في الأيام كلها لقول النبي كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به وقوله من صام من كل شهر ثلاثة أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فكأنما صام السنة كلها فقد جعل السنة كلها محصلا ( ( ( محلا ) ) ) للصوم على العموم وقوله من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله جعل الدهر كله محلا للصوم عن غير فصل وقوله الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء لم يصم ولأن المعاني التي لها كان الصوم حسنا وعبادة وهي ما ذكرنا موجودة في سائر الأيام فكانت الأيام كلها محلا للصوم إلا أنه يكره الصوم في بعضها ويستحب في البعض أما الصيام في الأيام المكروهة فمنها صوم يومي العيد وأيام التشريق وعند الشافعي لا يجوز الصوم في هذه الأيام وهو رواية أبي يوسف وعبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة واحتج بالنهي الوارد عن الصوم فيها وهو ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه قال ألا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال والنهي للتحريم ولأنه عين هذه الأيام لأضداد الصوم فلا تبقى محلا للصوم والجواب أن ما ذكرنا من النصوص والمعقول يقتضي جواز الصوم في هذه الأيام فيحمل النهي على الكراهة ويحمل التعيين على الندب والاستحباب توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان وعندنا يكره الصوم في هذه الأيام والمستحب هو الإفطار ومنها إتباع رمضان بست من شوال كذا قال أبو يوسف كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صوما خوفا أن يلحق ذلك بالفرضية وكذا روي عن مالك أنه قال أكره أن يتبع رمضان بست من شوال وما رأيت أحدا من أهل الفقه والعلم يصومها ولم يبلغنا عن أحد من السلف وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق أهل الجفاء برمضان ما ليس منه والاتباع المكروه هو أن يصوم يوم الفطر ويصوم بعده خمسة أيام فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة ومنها صوم يوم الشك بنية رمضان أو بنية مترددة أما بنية رمضان فلقول النبي لا يصام اليوم الذي يشك فيه من رمضان إلا تطوعا وعن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنه ( ( ( عنهم ) ) ) أنهم كانوا ينهون عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان ولأنه يريد أن يزيد في رمضان وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي أن أزيد فيه ما ليس منه
وأما النية المترددة بأن نوى أن يكون صومه عن رمضان إن كان اليوم من رمضان وإن لم يكن تطوعا فلأن النية المترددة لا تكون نية حقيقة لأن النية تعين ( ( ( تعيين ) ) ) للعمل والتردد يمنع التعيين وأما صوم يوم الشك بنية التطوع فلا يكره عندنا ويكره عند الشافعي واحتج بما روي عن النبي أنه قال من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ولنا ما روينا عن النبي أنه قال لا يصام اليوم الذي يشك فيه من رمضان إلا تطوعا استثنى التطوع والمستثنى يخالف حكمه حكم المستثنى منه وأما الحديث فالمراد منه صوم يوم الشك عن رمضان لأن المروي أن النبي نهى عن صوم يوم الشك عن رمضان وقال من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم أي صام عن رمضان واختلف المشايخ في أن الأفضل أن يصوم فيه تطوعا أو يفطر أو ينتظر قال بعضهم الأفضل أن يصوم لما روي عن عائشة وعلي رضي الله عنهما أنهما كانا يصومان يوم الشك بنية التطوع ويقولان لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان فقد صاما ونبها على المعنى وهو أنه يحتمل أن يكون هذا اليوم من رمضان ويحتمل أن يكون من شعبان فلو صام لدار الصوم بين أن يكون من رمضان وبين أن يكون من شعبان ولو أفطر لدار الفطر بين أن يكون في رمضان وبين أن يكون في شعبان فكان الاحتياط في الصوم وقال بعضهم الإفطار أفضل وبه كان يفتى محمد بن سلمة وكان يضع كوزا له بين يديه يوم الشك فإذا جاءه مستفتي ( ( ( مستفت ) ) ) عن صوم يوم الشك أفتاه بالإفطار وشرب من الكوز بين يدي المستفتي وإنما كان يفعل كذلك لأنه لو أفتى بالصوم لاعتاده الناس فيخاف أن يلحق بالفريضة وقال بعضهم يصام سرا ولا يفتى به العوام لئلا يظنه الجهال زيادة على صوم رمضان هكذا روى عن أبي يوسف أنه استفتى عن صوم يوم الشك فأفتى بالفطر ثم قال للمستفتي تعال فلما دنا منه أخبره سرا فقال إني صائم وقال بعضهم ينتظر فلا يصوم ولا يفطر فإن تبين قبل الزوال أنه من رمضان عزم على الصوم وإن لم يتبين أفطر لما روي عن رسول الله أنه قال أصبحوا يوم الشك مفطرين متلومين أي غير آكلين ولا عازمين على الصوم إلا إذا كان صائما قبل ذلك فوصل يوم الشك به ومنها أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين بأن تعمد ذلك فإن وافق ذلك صوما كان يصومه قبل ذلك فلا بأس به لما روي عن النبي أنه قال لا تتقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم ولأن استقبال الشهر بيوم أو بيومين يوهم الزيادة على الشهر ولا كذلك إذا وافق صوما كان يصومه قبل ذلك لأنه لم يستقبل الشهر وليس فيه وهم الزيادة وقد روي أن رسول الله كان يصل شعبان برمضان ومنها صوم الوصال لما روي عن النبي أنه قال لا صام من صام الدهر وروي أنه نهى عن صوم الوصال فسر أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الوصال بصوم يومين لا يفطر بينهما لأن الفطر بينهما يحصل بوجود زمان الفطر وهو الليل قال النبي إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم أكل أو لم يأكل وقيل في تفسير الوصال أن يصوم كل يوم من السنة دون ليلته ومعنى الكراهة فيه أن ذلك يضعفه عن أداء الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب الذي لا بد منه ولهذا روي أنه لما نهى رسول الله عن الوصال وقيل له إنك تواصل يا رسول الله قال إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني أشار إلى المخصص وهو اختصاصه بفضل قوة النبوة
وقال بعض الفقهاء من صام سائر الأيام وأفطر يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت نهى صوم الوصال ورد عليه أبو يوسف فقال ليس هذا عندي كما قال والله أعلم هذا قد صام الدهر كأنه أشار إلى أن النهي عن صوم الدهر ليس لمكان صوم هذه الأيام بل لما يضعفه عن الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب ويؤدي إلى التبتل المنهي عنه والله أعلم وأما صوم يوم عرفة ففي حق غير الحاج مستحب لكثرة الأحاديث الواردة بالندب إلى صومه ولأن له فضيلة على غيره من الأيام وكذلك في حق الحاج إن كان لا يضعفه عن الوقوف والدعاء لما فيه من الجمع بين القربتين وإن كان يضعفه عن ذلك يكره لأن فضيلة صوم هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه السنة ويستدرك عادة فأما فضيلة الوقوف والدعاء فيه لا يستدرك في حق عامة الناس عادة إلا في العمر مرة واحدة فكان إحرازها أولى وكره بعضهم صوم يوم الجمعة بانفراده وكذا صوم يوم الاثنين والخميس وقال عامتهم أنه مستحب لأن هذه الأيام من الأيام الفاضلة فكان تعظيمها بالصوم مستحبا ويكره صوم يوم السبت بانفراده لأنه تشبه باليهود وكذا صوم يوم النيروز والمهرجان لأنه تشبه بالمجوس وكذا صوم الصمت وهو أن يمسك عن الطعام والكلام جميعا لأن النبي نهى عن ذلك ولأنه تشبه بالمجوس وكره بعضهم صوم يوم عاشوراء وحده لمكان التشبه باليهود ولم يكرهه عامتهم لأنه من الأيام الفاضلة فيستحب استدراك فضيلتها بالصوم وأما صوم يوم وإفطار يوم فهو مستحب وهو صوم سيدنا داود عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوما ويفطر يوما ولأنه أشق على البدن إذ الطبع ألوف وقال خير الأعمال أحمزها أي أشقها على البدن وكذا صوم الأيام البيض لكثرة الأحاديث فيه منها ما روينا عن النبي أنه قال من صام ثلاثة أيام من كل شهر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فكأنما صام السنة كلها وأما صوم الدين فالأيام كلها محل له ويجوز في جميع الأيام إلا ستة أيام يومي الفطر والأضحى وأيام التشريق ويوم الشك أما ما سوى صوم يوم الشك فلورود ( ( ( فلورد ) ) ) النهي عنه والنهي وإن كان عن غيره أو لغيره فلا شك أن ذلك الغير يوجد بوجود الصوم في هذه الأيام فأوجب ذلك نقصانا فيه والواجب في ذمته صوم كامل فلا يتأدى بالناقص وبهذا تبين بطلان أحد قولي الشافعي في صوم المتعة أنه يجوز في هذه الأيام لأن النهي عن الصوم في هذه الأيام عام يتناول الصيامات كلها فيوجب ذلك نقصانا فيه والواجب في ذمته كامل فلا ينوب الناقص عنه وأما يوم الشك فلأنه يحتمل أن يكون من رمضان ويحتمل أن يكون من شعبان فإن كان من شعبان يكون قضاء وإن كان من رمضان لا يكون قضاء فلا يكون قضاء مع الشك وهل يصح النذر بصوم يومي العيد وأيام التشريق روى محمد عن أبي حنيفة أنه يصح نذره لكن الأفضل أن يفطر فيها ويصوم في أيام أخر ولو صام في هذه الأيام يكون مسيئا لكنه يخرج عنه النذر لأنه أوجب ناقصا وأداه ناقصا وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يصح نذره ولا يلزمه شيء وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة وهو قول زفر والشافعي والمسألة مبنية على جواز صوم هذه الأيام وعدم جوازه وقد مرت فيما تقدم ولو شرع في صوم هذه الأيام ثم أفسده لا يلزمه القضاء في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يلزمه وجه قولهما أن الشروع في التطوع سبب الوجوب كالنذر فإذا وجب المضي فيه وجب القضاء بالإفساد كما لو شرع في التطوع في سائر الأيام ثم أفسده ولأبي حنيفة أن الشروع ليس سبب الوجوب وضعا وإنما الوجوب يثبت ضرورة صيانة للمؤدى عن البطلان والمؤدى ههنا لا يجب صيانته لمكان النهي فلا يجب المضي فيه فلا يضمن بالإفساد