Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
واحتج بقوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر من غير فصل بين الحرة والأمة والكلام من حيث المعنى مبني على اختلاف أصل نذكره في حكم الإيلاء وهو أن مدة الإيلاء ضربت أجلا للبينونة عندنا فأشبه مدة العدة فيتنصف بالرق كمدة العدة وعنده ضربت لإظهار ظلم الزوج بمنع حقها عن الجماع في المدة وهذا يوجب التسوية بين الأمة والحرة في المدة كأجل العنين ولا حجة له في الآية لأنها تناولت الحرائر لا الإماء لأنه سبحانه وتعالى ذكر عزم الطلاق ثم عقبه بقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وهي عدة الحرائر وسواء كان زوجها عبدا أو حرا فالعبرة لرق المرأة وحريتها لا لرق الرجل وحريته لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين طلاق فيعتبر فيه جانب النساء ولو اعترض ( ( ( اعتض ) ) ) العتق على الرق بأن كانت مملوكة وقت الإيلاء ثم أعتقت تحولت مدتها مدة الحرائر بخلاف العدة فإنها إذا طلقت طلاقا بائنا ثم أعتقت لا تنقلب عدتها عدة الحرائر وفي الطلاق الرجعي تنقلب والفرق بين هذه الجملة يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته الحرة والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوما لا يكون موليا لنقصان المدة ولو قال لها والله لا أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشهرين فهو مول لأنه جمع بين شهرين وشهرين بحرف الجمع والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فصار كأنه قال والله لا أقربك أربعة أشهر ولو قال لها والله لا أقربك شهرين فمكث يوما ثم قال والله لا أقربك شهرين بعد هذين الشهرين الأولين لم يكن موليا لأنه إذا سكت يوما فقد مضى يوم من غير حكم الإيلاء لأن الشهرين ليسا بمدة الإيلاء في حق الحرة فإذا قال وشهرين بعد هذين الشهرين فقد جمع الشهرين الأخريين ( ( ( الآخرين ) ) ) إلى الأوليين بعدما مضى يوم من غير حكم الإيلاء فصار كأنه قال والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوما ولو قال ذلك لم يكن موليا لنقصان المدة كذا هذا ولو قال والله لا أقربك سنة إلا يوما لم يكن موليا للحال في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون موليا للحال حتى لو مضت السنة ولم يقربها فيها لا تبين ولو قربها يوما لا كفارة عليه عندنا وعنده إذا مضت أربعة أشهر منذ قال هذه المقالة ولم يقربها فيها تبين ولو قربها تلزمه الكفارة وجه قوله أن اليوم المستثنى ينصرف إلى آخر السنة كما في الإجارة فإنه لو قال أجرتك هذه الدار سنة إلا يوما انصرف اليوم إلى آخر السنة حتى صحت الإجارة كذا ههنا وإذا انصرف إلى آخر السنة كانت مدة الإيلاء أربعة أشهر وزيادة فيصير موليا ولأنه إذا انصرف إلى آخر السنة فلا يمكنه قربان امرأته في الأربعة أشهر من غير حنيث ( ( ( حنث ) ) ) يلزمه وهذا حد المولى ولنا أن المستثنى يوم منكر فتعيين اليوم الآخر تغيير الحقيقة ولا يجوز تغيير الحقيقة من غير ضرورة فبقي المستثنى يوما شائعا في السنة فكان له أن يجعل ذلك اليوم أي يوم شاء فلا تكمل المدة ولأنه إذا استثنى يوما شائعا في الجملة فلم يمنع نفسه عن قربان امرأته بما يصلح مانعا من القربان في المدة لأن له أن يعين يوما للقربان أي يوم كان فيقربها فيه من غير حنث يلزمه فلم يكن موليا وفي باب الإجارة مست الضرورة إلى تعيين الحقيقة لتصحيح الإجارة إذ لا صحة لها بدونه لأن كون المدة معلومة في الإجارة شرط صحة الإجارة ولا تصير معلومة إلا بانصراف الاستثناء إلى اليوم الأخير وههنا لا ضرورة لأن جهالة المدة لا تبطل اليمين فإن قال ذلك ثم قربها يوما ينظر إن كان قد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعدا صار موليا لوجود كمال المدة ولوجود حد المولي وإن بقي أقل من ذلك لم يصر موليا لنقصان المدة ولانعدام حد الإيلاء
وعلى هذا الخلاف إذا قال والله لا أقربك سنة إلا مرة غير أن في قوله إلا يوما إذا قربها وقد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعدا لا يصير موليا ما لم تغرب الشمس من ذلك اليوم ويعتبر ابتداء المدة من وقت غروب الشمس من ذلك اليوم لأن اليوم اسم لجميع هذا الوقت من أوله إلى آخره فلا ينتهي إلا بغروب الشمس وفي قوله إلا مرة يصير موليا عقيب القربان بلا فصل ويعتبر ابتداء المدة من وقت فراغه من القربان مرة لأن المستثنى ههنا هو القربان مرة لا اليوم والمستثنى هناك هو اليوم لا المرة لذلك افترقا ثم مدة أشهر الإيلاء تعتبر بالأهلة أم بالأيام فنقول لا خلاف أن الإيلاء إذا وقع في غرة الشهر تعتبر المدة بالأهلة وإذا وقع في بعض الشهر لم يذكر عن أبي حنيفة نص رواية وقال أبو يوسف تعتبر بالأيام وذلك مائة وعشرون يوما وروي عن زفر أنه يعتبر بقية الشهر بالأيام والشهر الثاني والثالث بالأهلة وتكمل أيام الشهر الأول بالأيام من أول الشهر الرابع ويحتمل أن يكون هذا على اختلافهم في عدة الطلاق والوفاة على ما نذكره هناك إن شاء الله تعالى والثاني ترك الفيء في المدة لأن الله تعالى جعل عزم الطلاق شرط وقوعه بقوله وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وكلمة إن للشرط وعزم الطلاق ترك الفيء في المدة والكلام في الفيء يقع في مواضع في تفسير الفيء المذكور في الآية الكريمة أنه ما هو وفي بيان شرط صحة الفيء وفي بيان وقت الفيء أنه في المدة أو بعد انقضائها أما الأول فالفيء عندنا على ضربين أحدهما بالفعل وهو الجماع في الفرج حتى لو جامعها فيما دون الفرج أو قبلها بشهوة أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة لا يكون ذلك فيأ ( ( ( فيئا ) ) ) لأن حقها في الجماع في الفرج فصار ظالما بمنعه فلا يندفع الظلم إلا به فلا يحصل الفيء وهو الرجوع عما عزم عليه عند القدرة إلا به بخلاف الرجعة أنها تثبت بالجماع فيما دون الفرج وبالمس عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة لأن البينونة هناك بعد انقضاء العدة تثبت من وقت وجود الطلاق من وجه فلو لم تثبت الرجعة به لصار مرتكبا للحرام فجعل الإقدام عليه دلالة الرجعة تحرزا عن الحرام وهذا المعنى لم يوجد ههنا لأن البينونة بعد انقضاء المدة ثبتت مقصورة على الحال فلو لم يجعل منه فيأ ( ( ( فيئا ) ) ) لم يصر مرتكبا للحرام لذلك فافترقا والثاني بالقول والكلام فيه يقع في موضعين أحدهما في صورة الفيء بالقول والثاني في بيان شرط صحته أما صورته فهي أن يقول لها فئت إليك أو راجعتك وما أشبه ذلك وذكر الحسن عن أبي حنيفة في صفة الفيء أن يقول الزوج اشهدوا أني قد فئت إلى امرأتي وأبطلت الإيلاء وليس هذا من أبي حنيفة شرط الشهادة على الفيء فإنه يصح بدون الشهادة وإنما ذكر الشهادة احتياطا لباب الفروج لاحتمال أن يدعي الزوج الفيء إليها بعد مضي المدة فتكذبه المرأة فيحتاج إلى إقامة البينة عليه إلا أن تكون الشهادة شرطا لصحة الفيء وقد قال أصحابنا أنه إذا اختلف الزوج والمرأة في الفىء ( ( ( الفيء ) ) ) مع بقاء المدة والزوج ادعى الفيء وأنكرت المرأة فالقول قول الزوج لأن المدة إذا كانت باقية فالزوج يملك الفيء فيها وقد ادعى الفيء قي وقت يملك إنشاءه فيه فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله وإن اختلفا بعد مضي المدة فالقول قول المرأة لأن الزوج يدعي الفيء في وقت لا يملك إنشاء الفيء فيه فكان الظاهر شاهدا عليه للمرأة فكان القول قولها
وأما شرط صحته فلصحة الفيء بالقول شرائط ثلاثة أحدها العجز عن الجماع فلا يصح مع القدرة على الجماع لأن الأصل هو الفيء بالجماع لأن الظلم به يندفع حقيقة وإنما الفيء بالقول خلف عنه ولا عبرة بالخلف ( ( ( بالخالف ) ) ) مع القدرة على الأصل كالتيمم مع الوضوء ونحو ذلك ثم الشرط هو العجز عن الجماع حقيقة أو مطلق العجز إما حقيقة وإما حكما فجملة الكلام فيه أن العجز نوعان حقيقي وحكمي أما الحقيقي فنحو أن يكون أحد الزوجين مريضا مرضا يتعذر معه الجماع أو كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها أو رتقاء أو يكون الزوج مجبوبا أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الإيلاء أو تكون ناشزة محتجبة في مكان لا يعرفه أو يكون محبوسا لا يقدر أن يدخلها وفيؤه في هذا كله بالقول كذا ذكره القدوري في شرحه مختصر الكرخي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لو آلى من امرأته وهي محبوسة أو هو محبوس أو كان بينه وبين امرأته مسافة أقل من أربعة أشهر إلا أن العدو أو السلطان منعه عن ذلك فإن فيأه لا يكون إلا بالفعل ويمكن أن يوفق بين القولين في الحبس بأن يحمل ما ذكره القاضي على أن يقدر أحدهما على أن يصل إلى صاحبه في السجن والوجه في المنع من العدو أو السلطان أن ذلك نادر وعلى شرف الزوال فكان ملحقا بالعدم وأما الحكمي فمثل أن يكون محرما وقت الإيلا ( ( ( الإيلاء ) ) ) بينه ( ( ( وبينه ) ) ) وبين الجمع ( ( ( الحج ) ) ) أربعة أشهر وإذا عرف هذا فنقول لا خلاف في أنه إذا كان عاجزا عن الجماع حقيقة أنه ينتقل الفيء بالجماع إلى الفيء بالقول واختلف أصحابنا فيما إذا كان قادرا على الجماع حقيقة وعاجزا عنه حكما أنه هل يصح الفيء بالقول قال أصحابنا الثلاثة لا يصح ولا يكون فيؤه إلا بالجماع وقال زفر يصح وجه قوله أن العجز حكما كالعجز حقيقة في أصول الشريعة كما في الخلوة فإنه يستوي المانع الحقيقي والشرعي في المنع من صحة الخلوة كذا هذا ولنا أنه قادر على الجماع حقيقة فيصير ظالما بالمنع فلا يندفع الظلم عنها إلا بإيفائها حقها بالجماع وحق العبد لا يسقط لأجل حق الله تعالى في الجملة لغنا ( ( ( لغنى ) ) ) الله عز وجل وحاجة العبد والثاني دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضي المدة حتى لو قدر على الجماع في المدة بطل الفيء بالقول وانتقل إلى الفيء بالجماع حتى لو تركها ولم يقربها في المدة حتى مضت تبين لما ذكرنا أن الفيء باللسان بدل عن الفيء بالجماع ومن قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل حكم البدل كالمتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة وكذا إذا آلى وهو صحيح ثم مرض فإن كان قدر مدة صحته ما يمكن فيه الجماع ففيؤه بالجماع لأنه كان قادرا على الجماع في مدة الصحة فإذا لم يجامعها مع القدرة عليه فقد فرط في إيفاء حقها فلا يعذر بالمرض الحادث وإن كان لا يمكنه فيؤه بالجماع لقصره ففيؤه بالقول لأنه إذا لم يقدر على الجماع فيه لم يكن مفرطا في ترك الجماع فكان معذورا ولو آلى وهو مريض فلم يفيء ( ( ( يفئ ) ) ) باللسان إليها حتى مضت المدة فبانت ثم صح ثم مرض فتزوجها وهو مريض ففاء إليها باللسان صح فيؤه في قول أبي يوسف حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت التزوج لا تبين وقال محمد لا يصح وجه قوله أنه إذا صح في المدة الثانية فقد قدر على الجماع حقيقة فسقط اعتبار الفيء باللسان في تلك المدة وإن كان لا يقدر على جماعها إلا بمعصية كما إذا كان محرما ففاء بلسانه أنه لم يصح فيؤه باللسان لكونه قادرا على الجماع حقيقة وإن كان لا يقدر عليه إلا بمعصية كذا هذا
ولأبي يوسف أن الصحة إنما تمنع الفيء باللسان للقدرة على إيفائها حقها في الجماع ولا حق لها في حالة البينونة فلا تعتبر الصحة مانعة منه والثالث قيام ملك النكاح وقت الفيء بالقول وهو أن تكون المرأة في حال ما يفيء إليها زوجته غير بائنة منه فإن كانت بائنة منه ففاء بلسانه لم يكن ذلك فيأ ( ( ( فيئا ) ) ) ويبقى الإيلاء لأن الفيء بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الإيلاء في حق حكم الطلاق لحصول إيفاء حقها به ولا حق لها حالة البينونة على ما نذكره ولا يعتبر الفيء وصار وجودها والعدم بمنزلة فيبقى الإيلاء فإذا تزوجها ومضت المدة تبين منه بخلاف الفيء بالفعل وهو الجماع أنه يصح بعد زوال الملك وثبوت البينونة حتى لا يبقى الإيلاء بل يبطل لأنه حنث بالوطء فانحلت اليمين وبطلت ولم يوجد الحنث ههنا فلا تنحل اليمين فلا يرتفع الإيلاء ثم الفيء بالقول عندنا إنما يصح في حق حكم الطلاق حتى لا يقع الطلاق بمضي المدة إلا في حق الحنث لأن اليمين في حق حكم الحنث باقية لأنها لا تنحل إلا بالحنث والحنث إنما يحصل بفعل المحلوف عليه والقول ليس محلوفا عليه فلا تنحل به اليمين هذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا وقال الشافعي لا فيء إلا بالجماع وإليه مال الطحاوي ووجهه أن الفيء بالحنث ولا حنث باللسان فلا يحصل الفيء به وهذا لأن الحنث هو فعل المحلوف عليه والمحلوف عليه هو القربان فلا يحصل الفيء إلا به ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا الفيء عند العجز بالقول وكذا روى عن جماعة من التابعين مثل مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ولأن الفيء في اللغة هو الرجوع يقال فاء الظل أي رجع ومعنى الرجوع في الإيلاء هو أنه بالإيلاء عزم على منع حقها في الجماع وأكد العزم باليمين فبالفيء رجع عما عزم والرجوع كما يكون بالفعل يكون بالقول وهذا لأن وقوع الطلاق لصيرورته ظالما بمنع حقها والظلم عند القدرة على الجماع بمنع حقها في الجماع فيكون إزالة الظلم بإيفاء حقها في الجماع فيكون إزالة هذا الظلم بذكر إيفاء حقها في الجماع أيضا وعند العجز عن الجماع يكون بإيذائه إياها منع حقها في الجماع ليكون إزالة هذا الظلم بقدر الظلم فيثبت الحكم على وفق العلة وأما وقت الفيء فالفيء عندنا في المدة وعند الشافعي بعد مضي المدة ونذكر المسألة في بيان حكم الإيلاء إن شاء الله تعالى وأما حرية المولى فليس بشرط لصحة إيلائه بالله تعالى ومما لا يتعلق بالمال حتى لو قال العبد لامرأته والله لا أقربك أو قال إن قربتك فعلي صوم أو حج أو عمرة أو امرأتي طالق يصح إيلاؤه حتى لو لم يقربها تبين منه في المدة ولو قربها ففي اليمين بالله تعالى تلزمه بالكفارة ( ( ( الكفارة ) ) ) بالصوم وفي غيرها يلزمه الجزاء المذكور ولأن العبد أهل لذلك وإن كان يحلف بما يتعلق بالمال بأن قال إن قربتك فعلى عتق رقبة أو علي أن أتصدق بكذا لا يصح لأنه ليس من أهل ملك المال وأما إسلام المولى فهل هو شرط لصحة الإيلاء فنقول لا خلاف في أن الذمي إذا آلى من امرأته بالطلاق أو العتاق أنه يصح إيلاؤه لأن الكافر من أهل الطلاق والعتاق ولا خلاف أيضا في أنه إذا آلى بشيء من القرب كالصوم والصدقة والحج والعمرة بأن قال لامرأته إن قربتك فعلي صوم أو صدقة أو حجة أو عمرة أو غير ذلك من القرب لا يكون موليا لأنه ليس من أهل القربة فيمكنه قربان امرأته من غير شيء يلزمه فلم يكن موليا
وكذا إذا قال لامرأته إن قربتك فأنت علي كظهر أمي أو فلانة علي كظهر أمي لم يكن موليا لأن الكفر يمنع صحة الظهار عندنا وإذا لم يصح يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه فلا يكون موليا واختلف فيما إذا آلى بالله تعالى فقال والله لا أقربك تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث عند أبي حنيفة يكون موليا وقال أبو يوسف ومحمد لا يكون موليا وجه قولهما أن اليمين بالله تعالى لا تنعقد من الذمي كما في غير الإيلاء والجامع بينهما أن اليمين بالله تعالى تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث والكافر ليس من أهل الكفارة ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم من غير تخصيص المسلم ولأن الإيلاء بالله يمين يمنع القربان خوفا من هتك حرمة اسم الله عز وجل والذمي يعتقد حرمة اسم الله تعالى ولهذا يستحلف على الدعاوي كالمسلم ويتعلق حل الذبيحة بتسمية ( ( ( بتسميته ) ) ) كما يتعلق بتسيمة ( ( ( بتسمية ) ) ) المسلم فإنه إذا ذكر اسم الله عليها أكلت وإن ترك التسمية لم تؤكل فيصح إيلاؤه كما يصح إيلاء المسلم وإذا صح إيلاؤه بالله تعالى تثبت أحكام الإيلاء في حقه كما تثبت في حق المسلم إلا أنه لا يظهر في حق حكم الحنث وهو الكفارة لأن الكفارة عبادة وهو ليس من أهل العبادة فيظهر في حق حكم البر وهو الطلاق لأنه من أهله ولو آلى مسلم أو ظاهر من امرأته ثم ارتد عن الإسلام ولحق بدار الحرب ثم رجع مسلما وتزوجها فهو مول ومظاهر في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف يسقط عنه الإيلاء والظهار وجه قوله أن الكفر يمنع صحة الإيلاء والظهار ابتداء فيمنع بقاءهما على الصحة لأن حكم الإيلاء وجوب الكفارة على تقدير الحنث وحكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية التكفير والكافر ليس من أهل وجوب الكفارة ولأبي حنيفة أن الكفر لما لم يمنع انعقاد الإيلاء لما بينا فلأن لا يمنع بقاءه أولى لأن البقاء أسهل ولأن الايلاء قد انعقد لوجوده من المسلم والعارض هو الردة وأثرها في زوال ملك النكاح وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين فتبقى اليمين فإذا عاد يعود حكم الإيلاء ولأن كل عارض على أصل يلتحق بالعدم من الأصل إذا ارتفع ويجعل كأن لم يكن ولأن الإيلاء انعقد بيقين والعارض وهو الردة يحتمل الزوال والتصرف الشرعي إذا انعقد بيقين لاحتمال الفائدة في البقاء واحتمال الفائدة ههنا ثابت لأن رجاء الإسلام قائم والظهار قد انعقد موجبا حكمه وهو الحرمة المؤقتة لصدوره من المسلم وبالردة زالت صفة الحكم وبقي الأصل وهو الحرمة إذ الكافر من أهل ثبوت الحرمة وبقائها في حقه لأن حكم الحرمة وجوب الامتناع وهو قادر على الامتناع بخلاف القربة ولهذا خوطب بالحرمات دون القربات والطاعات على ما عرف في أصول الفقه والله الموفق فصل وأما حكم الإيلاء فنقول وبالله التوفيق أنه يتعلق بالإيلاء حكمان حكم الحنث وحكم البر أما حكم الحنث فيختلف باختلاف المحلوف به فإن كان الحلف بالله تعالى فهو وجوب كفارة اليمين كسائر الأيمان بالله وإن كان الحلف بالشرط والجزاء فلزوم المحلوف به كسائر الأيمان بالشروط والاجزية أو لزوم حكمه على تقدير وجوده على ما بينا وأما حكم البر فالكلام فيه في مواضع في بيان أصل الحكم وفي بيان وصفه وفي بيان وقته وفي بيان قدره أما أصل الحكم فهو وقوع الطلاق بعد مضي المدة من غير فيء لأنه بالإيلاء عزم على منع نفسه من إيفاء حقها في الجماع في المدة وأكد العزم باليمين فإذا مضت المدة ولم يفيء ( ( ( يفئ ) ) ) إليها مع القدرة على الفيء فقد حقق العزم المؤكد باليمين بالفعل فتأكد الظلم في حقها فتبين منه عقوبة عليه جزاء على ظلمة ومرحمة عليها ونظرا لها بتخليصها عن حباله لتتوصل إلى إيفاء حقها من زوج آخر وهذا عندنا
وقال الشافعي حكم الإيلاء في حق البر هو الوقف وهو أن يوقف الزوج بعد مضي المدة فيخير بين الفيء إليها بالجماع وبين تطليقها فإن أبى أجبره الحاكم على أحدهما فإن لم يفعل طلق عليه القاضي فاشتملت معرفة هذا الحكم على معرفة مسئلتين ( ( ( مسألتين ) ) ) مختلفتين إحداهما أنه لا يوقف المولى بعد انقضاء المدة عندنا بل يقع الطلاق عقب انقضائها بلا فصل وعنده يوقف ويخير بين الفيء والتطليق على ما بينا والثانية أن الفيء يحب ( ( ( يجب ) ) ) أن يكون في المدة عندنا وعنده بعد مضي المدة والمسئلتان ( ( ( والمسألتان ) ) ) مختلفتان بين الصحابة رضي الله عنهم احتج الشافعي بقوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا ( ( ( فاءوا ) ) ) فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق خير سبحانه وتعالى المولى بين الفيء وبين العزم على الطلاق بعد أربعة أسهر ( ( ( أشهر ) ) ) فدل أن حكم الإيلاء في حق البر هو تخيير الزوج بين الفيء والطلاق بعد المدة لا وقوع الطلاق عند مضي المدة وإن وقت الفيء بعد المدة لا في المدة ولأنه قال عز وجل وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم أي سميع للطلاق فلا بد وأن يكون الطلاق مسموعا وذلك بوجود صوت الطلاق إذ غير الصوت لا يحتمل السماع ولو وقع الطلاق بنفس مضي المدة من غير قول وجد من الزوج أو من القاضي لم يتحقق صوت الطلاق فلا ينعقد سماعه ولأن الإيلاء يمين يمنع من الجماع أربعة أشهر لأن اللفظ يدل عليه فقط لا على الطلاق فالقول بوقوع الطلاق بمضي المدة قول بالوقوع من غير إيقاع وهذا لا يجوز ولنا أن الله تعالى جعل مدة التربص أربعة أشهر والوقف يوجب الزيادة على المدة المنصوص عليها وهي مدة اختيار الفيء أو الطلاق من يوم أو ساعة فلا تجوز الزيادة إلا بدليل ولهذا لما جعل الشرع لسائر المدة التي بين الزوجين مقدارا معلوما من المدة ومدة العنين لم تحتمل الزيادة على ذلك القدر فكذا مدة الطلاق ولأن الفيء نقض اليمين ونقضها حرام في الأصل قال الله تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إلا أنه ثبت الإطلاق في المدة بقراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهما فإن فاؤا ( ( ( فاءوا ) ) ) فيهن فبقي النقض حراما فيما وراءها فلا يحل الفيء فيما وراءها فلزم القول بالفيء في المدة وبوقوع الطلاق بعد مضيها ولأن الإيلاء كان طلاقا معجلا في الجاهلية فجعله الشرع طلاقا مؤجلا والطلاق المؤجل يقع بنفس ( ( ( نفس ) ) ) انقضاء الأجل من غير إيقاع أحد بعده كما إذا قال لها أنت طالق رأس الشهر وأما قوله إن الله تعالى ذكر الفيء بعد الأربعة أشهر فنعم لكن هذا لا يوجب أن يكون الفيء بعد مضيها ألا ترى إلى قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ذكر تعالى الإمساك بمعروف بعد بلوغ الأجل وأنه لا يوجب الإمساك بعد مضي الأجل وهو العدة بل يوجب الإمساك وهو الرجعة في العدة والبينونة بعد انقضائها كذا ههنا وأما قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم فقد قال قوم من أهل التأويل أن المراد من قوله سميع في هذا الموضع أي سميع بإيلائه والإيلاء مما ينطق به ويقال فيكون مسموعا وقوله تعالى عليم ينصرف إلى العزم أي عليم بعزمه الطلاق وهو ترك الفيء ودليل صحة هذا التأويل أنه تعالى ذكر قوله سميع عليم عقيب أمرين
أحدهما يحتمل السماع وهو الإيلاء والآخر لا يحتمل وهو عزم الطلاق فينصرف كل لفظ إلى ما يليق به ليفيد فائدته وهي كقوله تعالى لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله عقيب ذكر الليل والنهار بقوله الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون إنه صرف إلى كل ما يليق به ليفيد فائدته وهو السكون إلى الليل وابتغاء الفضل إلى النهار كذا ههنا ولأنه تعالى ذكر أنه سميع عليم وكل مسموع معلوم وليس كل معلوم مسموعا لأن السماع لا يكون إلى للصوت فلو كان الطلاق في الإيلاء بالقول لكان مسموعا والإيلاء مسموع أيضا فوقعت الكفاية بذكر السميع فلا يتعلق بذكر العليم فائدة مبتدأة ولو كان الأمر على ما قلنا إن الطلاق يقع عند مضي المدة من غير قول يسمع لانصرف ذكر العليم إليه لأن ذلك ليس بمسموع حتى يغني ذكر السميع عن ذكر العليم فيتعلق بذكر العليم فائدة جديدة فكان ما قلناه أولى مع ما أنا لا نسلم أن سماع الطلاق يقف على ذكر الطلاق بحروفه ألا ترى أن كنايات الطلاق طلاق وهي مسموعة وإن لم يكن الطلاق مسموعا مذكورا بحروفه وكذا طلاق الأخرس فلم يكن من ضرورة كون الإيلاء طلاقا التلفظ بلفظ الطلاق فلا يقف سماع صوت الطلاق عليه وقوله لفظ الإيلاء لا يدل على الطلاق ممنوع بل يدل عليه شرعا فإن الشرع جعل الإيلاء طلاقا معلقا بشرط البر فيصير الزوج بالإصرار على موجب هذه اليمين معلقا طلاقا بائنا بترك القربان أربعة أشهر كأنه قال إذا مضت أربعة أشهر ولم أقربك فيها فأنت طالق بائن عرفنا ذلك بإشارة النص وهو قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم سمى ترك الفيء في المدة عزم الطلاق وأخبر سبحانه وتعالى أنه سميع للإيلاء فدل أن الإيلاء السابق يصير طلاقا عند مضي المدة من غير فيء وبما ذكرنا من المعنى المعقول وأما صفته فقد قال أصحابنا إن الواقع بعد مضي المدة من غير فيء طلاق بائن وقال الشافعي إذا خير بعد انقضاء العدة فاختار الطلاق فهي واحدة رجعية بناء على أصله أن الطلاق بعد مضي المدة يقع بإيقاع مبتدأ وهو صريح الطلاق فيكون رجعيا ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن عثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنهم قالوا إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة ولأن الطلاق إنما يقع عند مضي المدة دفعا للظلم فلا يندفع الظلم عنها إلا بالبائن لتتخلص عنه فتتمكن من استيفاء حقها من زوج آخر ولا يتخلص إلا بالبائن ولأن القول بوقوع الطلاق الرجعي يؤدي إلى العبث لأن الزوج إذا أبى الفيء والتطليق يقدم إلى الحاكم ليطلق عليه الحاكم عنده ثم إذا طلق عليه الحاكم يراجعها الزوج فيخرج فعل الحاكم مخرج العبث وهذا لا يجوز وأما قدره وهو قدر الواقع من الطلاق في الإيلاء فالأصل أن الطلاق في الإيلاء يتبع المدة لا اليمين فيتحد باتحاد المدة ويتعدد بتعددها في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر يتبع اليمين فيتعدد بتعدد اليمين ويتحد باتحادها ولا خلاف في أن المعتبر في حق حكم الحنث هو اليمين فينظر إلى اليمين في الاتحاد والتعدد لا إلى المدة وجه قول زفر أن وقوع الطلاق ولزوم الكفارة حكم الإيلاء والإيلاء يمين فيدور الحكم مع اليمين فيتحد باتحادها ويتعدد بتعددها لأن الحكم يتكرر بتكرر السبب ويتحد باتحاده ولنا أن الإيلاء إنما اعتبر طلاقا من الزوج لمنعه حقها في الجماع في المدة منعا مؤكدا باليمين إذ به يصير ظالما والمنع يتحد باتحاد المدة فيتحد الظلم فيتحد الطلاق ويتعدد بتعددها فيتعدد الظلم فيتعدد الطلاق فأما الكفارة فإنها تجب لهتك حرمة اسم الله عز وجل والهتك يتعدد بتعدد الاسم ويتحد باتحاده وعلى هذا الأصل مسائل إذا قال لامرأته مرة واحدة والله لا أقربك فلم يقربها حتى مضت المدة بانت بتطليقة واحدة وإن قربها لزمه كفارة واحدة لاتحاد المدة واليمين جميعا
ولو قال لها في مجلس واحد والله لا أقربك والله لا أقربك والله لا أقربك فإن عنى به التكرار فهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث والبر جميعا حتى لو مضت أربعة أشهر ولم يقربها بانت بتطليقة واحدة ولو قربها في المدة لا يلزمه إلا كفارة واحدة لأن مثل هذا يذكر للتكرار في العرف والعادة فإذا نوى به تكرار الأول فقد نوى ما يحتمله كلامه فيصدق فيه وإن لم تكن له نية فهو إيلاء واحد في حق حكم البر في قول أصحابنا الثلاثة وثلاث في حق حكم الحنث بالإجماع حتى لو مضت أربعة أشهر ولم يقربها بانت بتطليقة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة ولو قربها في المدة فعليه ثلاث كفارات بالإجماع وعند زفر هو ثلاث إيلاآت ( ( ( إيلاءات ) ) ) في حق حكم الحنث والبر جميعا وينعقد كل إيلاء من حين وجوده فإذا مضت أربعة أشهر ولم يفيء ( ( ( يفئ ) ) ) إليها بانت بتطليقة ثم إذا مضت ساعة بانت بتطليقة أخرى ثم إذا مضت ساعة أخرى بانت بتطليقة واحدة أخرى وإن قربها في المدة فعليه ثلاث كفارات وأصل هذه المسألة أن من قال لامرأته إذا جاء غد فوالله لا أقربك قاله ثلاثا فجاء غد يصير موليا في حق حكم البر إيلاء واحدا عندنا وعنده يصير موليا ثلاث إيلاآت ( ( ( إيلاءات ) ) ) في حق حكم الحنث وإن أراد به التغليظ والتشديد فكذلك ( ( ( فكذا ) ) ) في قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إيلاء واحد في حق حكم البر استحسانا وعند محمد وزفر هو ثلاث في حق البر والحنث جميعا وهو القياس أما زفر فقد مر على أصله أن الحكم لليمين لا للمدة لأن اليمين هي السبب الموجب للحكم وقد تعددت فيتعدد السبب بتعدد الحكم وأما وجه القياس لمحمد أن المدة قد اختلفت لأن كل واحدة من هذه الأيمان وجدت في زمان فكانت مدة كل واحدة منهما غير مدة الأخرى فصار كما لو آلى منها ثلاث مرات في ثلاث مجالس وجه الاستحسان أن المدد وإن تعددت حقيقة فهي متعددة حكما لتعذر ضبط الوقت الذي بين اليمينين عند مضي أربعة أشهر فصارت مدة الأيمان كلها مدة واحدة حكما والثابت حكما ملحق بالثابت حقيقة ولو قال إذا جاء غد فوالله لا أقربك وإذا جاء بعد غد فوالله لا أقربك يصير موليا إيلاءين في حق الحنث والبر جميعا إذا جاء غد يصير موليا وإذا جاء بعد غد يصير موليا إيلاء آخر وكذلك إذا آلى منها في مجلس ثم آلى منها في مجلس آخر بأن قال والله لا أقربك فمكث يوما ثم قال والله لا أقربك يصير موليا إيلاءين أحدهما في الحال والآخر في الغد في حق الحنث والبر جميعا لأن المدد قد تعددت حقيقة وحكما لاختلاف ابتداء كل مدة وانتهائها وإمكان ضبط الوقت الذي بين اليمينين ولو قال كلما دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك أو قال والله إن دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك أو قال والله لا أقربك كلما دخلت هذه الدار يصير موليا إيلاءين في حق البر وإيلاء واحدا في حق الحنث فإذا دخل الدار دخلتين ينعقد الإيلاء الأول عند الدخلة الأولى والثاني عند الدخلة الثانية حتى لو مضت أربعة أشهر من وقت الدخلة الأولى بانت بتطليقة وإذا تمت أربعة أشهر من وقت الدخلة الثانية بانت بتطليقة أخرى ولو قربها بعد الدخلتين لا يلزمه إلا كفارة واحدة لتعدد المدة واتحاد اليمين في حكم الحنث
والأصل فيه أن اليمين بالله تعالى متى علقت بشرط متكرر لا يتكرر انعقادها بتكرر الشرط واليمين بما هو شرط وجزاء إذا علقت بشرط متكرر تتكرر بتكرار الشرط وقوله والله لا أقربك يمين بالله تعالى في حق الحنث ويمين بالطلاق في حق البر ودليل هذا الأصل وبيان فروعه يعرف في الجامع الكبير وكذلك إذا قال كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين فوالله لا أقربك أو قال كلما كلمت واحدا من هذين الرجلين فوالله لا أقربك فدخل إحداهما أو كلم أحدهما صار موليا وإذا دخل مرة أخرى أو كلمه أخرى صار موليا إيلاء آخر في حق حكم البر وهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يبطل به الإيلاء فما يبطل به الإيلاء نوعان نوع يطل ( ( ( يبطل ) ) ) به أصلا في حق الحكمين جميعا وهو البر والحنث ونوع يبطل به في حق أحد الحكمين وهو حكم البر ويبقى في حق الحكم الآخر وهو حكم الحنث أما الذي يبطل به الإيلاء في حق الحكمين جميعا فشيء واحد وهو الفيء بالجماع في الفرج في المدة لأنه يحنث به واليمين لا يبقى بعد الحنث لأن حنث اليمين نقضها والشيء لا يبقى مع وجود ما ينقضه وأما ما يبطل به في حق حكم البر دون الحنث فشيئان أحدهما الفيء بالقول عند استجماع شرائطه التي وصفناها فيبطل به الإيلاء في حق حكم البر حتى لا تبين بمضي المدة لما ذكرنا أن ترك الفيء في المدة شرط وقوع الطلاق بعد مضيها إذ هو عزيمة الطلاق وأنها شرط بالنص لكنه يبقى في حق حكم الحنث حتى لو فاء إليها بالقول في المدة ثم قدر على الجماع بعد المدة فجامعها تلزمه الكفارة لأن وجوب الكفارة معلق بالحنث والحنث هو فعل المحلوف عليه والمحلوف عليه هو الجماع في الفرج فلا يحصل الحنث بدونه والثاني الطلقات الثلاث حتى لو وقع عليها ثلاث تطليقات بالإيلاء أو طلقها ثلاثا عقيب الإيلاء فتزوجت ثم عادت إليه فمضت أربعة أشهر لم يطأها فيها لا يقع عليها شيء عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يبطل بها الإيلاء ويقع عليها الطلاق بالإيلاء أبدا بناء على أن استيفاء طلاق الملك القائم للحال يبطل اليمين وعندنا وعنده لا يبطلها وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولو آلى منها ولم يفيء ( ( ( يفئ ) ) ) إليها حتى مضت أربعة أشهر فبانت منه بتطليقة وانقضت عدتها فتزوجت زوج ( ( ( بزوج ) ) ) آخر ثم عادت إلى الأول عاد حكم الإيلاء بالإجماع لكن عند أبي حنيفة وأبي يوسف بثلاث تطليقات وعند محمد بما بقي بناء على أن الزوج الثاني يهدم الطلقة والطلقتين عندهما وعنده لا يهدم والمسألة قد مرت ولا يبطل بالإبانة حتى لو آلى منها ثم أبانها قبل مضي المدة ثم تزوجها فمضت المدة من غير فيء تبين بتطليقة أخرى بالإيلاء السابق ولو أبانها ولم يتزوجها حتى مضت المدة وهي في العدة يقع عليها تطليقة أخرى عندنا وعند زفر لا يقع وقد مرت المسألة وهل يبطل بمضي المدة من غير فيء فإن كان الإيلاء مطلقا أو مؤبدا بأن قال والله لا أقربك أبدا أو قال والله لا أقربك ولم يذكر الوقت فمضت أربعة أشهر من غير فيء حتى بانت بتطليقة لا يبطل الإيلاء حتى لو تزوجها فمضت أربعة أشهر أخرى منذ تزوج يقع عليها تطليقة أخرى لأن اليمين عقدت مطلقة أو مؤبدة والعارض ليس إلا البينونة وأثرها في زوال الملك وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين بالطلاق لما عرف أن اليمين إذا انعقدت تبقى لاحتمال الفائدة واحتمال الفائدة ثابت لاحتمال التزوج فيبقى اليمين إلا أنه لا بد من الملك لانعقاد المدة الثانية فإذا تزوجها عاد الملك فعاد حقها في الجماع فإذا مضت المدة الثانية من غير فيء إليها فقد منعها حقها فقد ظلمها فيقع تطليقة أخرى جزاء على ظلمه
وكذا إذا تزوجها بعد ما بانت بتطليقة ثانية ومضت أربعة أشهر أخرى منذ تزوجها تبين بثالثة لما قلنا فإن تزوجت بزوج آخر ثم تزوجها الأول فمضت أربعة أشهر لم يقربها فيها لا يقع عليها شيء عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر ولو آلى منها مطلقا أو أبدا فمضت أربعة أشهر ولم يفيء ( ( ( يفئ ) ) ) إليها حتى بانت ثم لم يتزوجها حتى مضت أربعة أشهر أخرى وهي في العدة لا يقع عليها تطليقة أخرى لأن اليمين قد بطلت بل هي باقية لما بينا إلا أنها مبانة لا تستحق الوطء على الزوج فلا يصير الزوج بالامتناع عن قربانها في المدة ظالما ووقوع الطلاق كان لهذا المعنى ولم يوجد فلا يقع لكن تبقى اليمين حتى لو تزوجها ومضت المدة من غير فيء يقع والأصل أن المدة المنعقدة لا تبطل بالبينونة وإن كانت لا تنعقد على المبانة على طريق الاستئناف ولو قربها قبل أن يتزوجها فعليه الكفارة لأن اليمين باقية وقد وجد شرط الحنث فيحنث ولو كان الإيلاء مؤقتا إلى وقت معلوم أربعة أشهر أو أكثر فمضت المدة من غير فيء حتى وقع الطلاق لا يبقى الإيلاء وينتهي حتى لو قربها لا كفارة عليه ولو لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر لا يقع عليها شيء لأن المؤقت إلى وقت ينتهي عند وجود الوقت ولو حلف على قربان امرأته بعتق عبد له ثم باعه سقط الإيلاء لأنه صار بحال لا يلزمه شيء بقربانها ثم إذا دخل في ملكه بوجه من الوجوه قبل القربان عاد حكم الإيلاء حتى لو تركها أربعة أشهر لم يقربها فيها تبين لأن الجزاء لا تتقيد ( ( ( يتقيد ) ) ) بالملك القائم للحال كمن قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه فدخل الدار أنه يعتق ولو دخل في ملكه بعد القربان لا يعود الإيلاء لبطلانه بالقربان وكذا إذا مات العبد بطل الإيلاء لأن الجزاء صار بحال لا يتصور وجوده فبطلت اليمين ولو قال إن قربتك فعبدي هذان حران فمات أحدهما أو باع أحدهما لا يبطل الإيلاء لأنه يلزمه بالقربان عتق ولو ماتا جميعا بطل الإيلاء وكذا لو باعهما جميعا معا أو على التعاقب ولو باعهما ثم دخل أحدهما في ملكه بوجه من الوجوه قبل القربان عاد الإيلاء فيه ثم إذا دخل الآخر في ملكه عاد الإيلاء فيه من وقت دخول الأول لأن العائد عين الأول ولو قال لامرأته أنت طالق قبل أن أقربك بشهر فقربها قبل تمام الشهر من وقت اليمين بطلت اليمين ولو لم يقربها حتى مضى شهر يصير موليا لأن معنى هذا الكلام إذا مضى شهر لم أقربك فيه فأنت طالق إن قربتك ولو قال ذلك ومضى شهر لم يقربها فيه لصار موليا لما ذكرنا أن قوله أنت طالق إن قربتك إيلاء ألا ترى أنه لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه وهو الطلاق وهذا حد المولى فإذا صار موليا فإن قربها بعد ذلك وقع الطلاق لأنه علق الطلاق بالقربان وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة لأن هذا حكم الإيلاء في حق البر ولو قال أنت طالق ثلاثا قبل أن أقربك ولم يقل بشهر لا يصير موليا ويقع الطلاق من ساعته لأنه أوقع الطلاق في وقت هو قبل القربان وكما فرغ من كلامه فقد وجد هذا الوقت فيقع ولو قال قبل أن أقربك يصير موليا لأن قبل الشيء اسم لزمان متقدم عليه مطلقا وكما فرغ من هذه المقالة فقد وجد زمان متقدم عليه متصل به فما لم يوجد القربان لا يعرف هذا الزمان فكان هذا تعليق الطلاق بالقربان كأنه قال إن قربتك فأنت طالق فإن قربها وقع الطلاق بعد القربان بلا فصل فإن تركها حتى مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء كما لو نص على التعليق بالقربان والله الموفق فصل وأما بيان حكم الطلاق فحكم الطلاق يختلف باختلاف الطلاق من الرجعي والبائن ويتعلق بكل واحد منهما أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع
أما الطلاق الرجعي فالحكم الأصلي له هو نقصان العدد فأما زوال الملك وحل الوطء فليس بحكم أصلي له لازم حتى لا يثبت للحال وإنما يثبت في الثاني بعد انقضاء العدة فإن طلقها ولم يراجعها بل تركها حتى انقضت عدتها بانت وهذا عندنا وعند الشافعي زوال حل الوطء من أحكامه الأصلية حتى لا يحل له وطؤها قبل الرجعة وإليه مال أبو عبد الله البصري وأما زوال الملك فقد اختلف فيه أصحابنا قال بعضهم الملك يزول في حق حل الوطء لا غير وقال بعضهم لا يزول أصلا وإنما يحرم وطؤها مع قيام الملك من كل وجه كالوطء في حالة الحيض والنفاس وجه قوله إن الطلاق واقع للحال فلا بد وأن يكون له أثر ناجز وهو زوال حل الوطء وزوال الملك في حق الحل وقد ظهر أثر الزوال في الأحكام حتى لا يحل له المسافرة بها والخلوة ويزول قسمها والأقراء قبل الرجعة محسوبة من العدة ولهذا سمى الله تعالى الرجعة ردا في كتابه الكريم بقوله عز وجل وبعولتهن أي أزواجهن أحق بردهن في ذلك والرد في اللغة عبارة عن إعادة الغائب فيدل على زوال الملك من وجه ولنا قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك وقوله تعالى وبعولتهن أي أزواجهن وقوله تعالى هن كناية عن المطلقات سماه الله تعالى زوجها بعد الطلاق ولا يكون زوجا إلا بعد قيام الزوجية فدل أن الزوجية قائمة بعد الطلاق والله سبحانه وتعالى أحل للرجل وطء زوجته بقوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين وقوله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقوله عز وجل ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ونحو ذلك من النصوص والدليل على قيام الملك من كل وجه أنه يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويجري اللعان بينهما ويتوارثان وهذه أحكام الملك المطلق وكذا يملك مراجعتها بغير رضاها ولو كان ملك النكاح زائلا من وجه لكانت الرجعة إنشاء النكاح على الحرة من غير رضاها من وجه وهذا لا يجوز وأما قوله الطلاق واقع في الحال فمسلم لكن التصرف الشرعي قد يظهر أثره للحال وقد يتراخى عنه كالبيع بشرط الخيار وكالتصرف الحسي وهو الرمي وغير ذلك فجاز أن يظهر أثر هذا الطلاق بعد انقضاء العدة وهو زوال الملك وحرمة الوطء على أن له أثرا ناجزا وهو نقصان عدد الطلاق ونقصان حل المحلية وغير ذلك على ما عرف في الخلافيات أما المسافرة بها فقد قال زفر من أصحابنا أنه يحل له المسافرة بها قبل الرجعة وأما على قول أصحابنا الثلاثة فإنما لا تحل لا لزوال الملك بل لكونها معتدة وقد قال الله تعالى في المعتدات لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة نهى الرجال عن الإخراج والنساء عن الخروج فيسقط الزوج العدة بالرجعة لتزول الحرمة ثم يسافر وأما الخلوة فإن كان من قصده الرجعة لا يكره وإن لم يكن من قصده المراجعة يكره لكن لا لزوال النكاح وارتفاع الحل بل للإضرار بها لأنه إذا لم يكن من قصده استيفاء النكاح بالرجعة فمتى خلا بها يقع بينهما المساس عن شهوة فيصير مراجعا لها ثم يطلقها ثانيا فيؤدي إلى تطويل العدة عليها فتتضرر بذلك وهو معنى قوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وكذلك القسم لأنه لو ثبت القسم لخلا بها فيؤدي إلى ما ذكرنا إذا لم يكن من قصده أن يراجعها حتى لو كان من قصده أن يراجعها لكان لها القسم وله الخلوة بها وإنما احتسبنا الأقراء من العدة لانعقاد الطلاق سببا لزوال الملك والحل للحال على وجه يتم عليه عند انقضاء العدة وهو الجواب عن قوله إن الله تعالى سمى الرجعة ردا لأنه يجوز إطلاق اسم الرد عند انعقاد سبب زوال الملك بدون الزوال كما في البيع بشرط خيار المتعاقدين أنه يطلق اسم الرد عند اختيار الفسخ
وإن لم يزل الملك عن البائع ولم يثبت للمشتري لانعقاد سبب الزوال بدون الزوال ويكون الرد فسخا للسبب ومنعا له عن العمل في إثبات الزوال كذا ههنا ويستحب لها أن تتشوف وتتزين لأن الزوجية قائمة من كل وجه ويستحب لها ذلك لعل زوجها يراجعها وعلى هذا يبني حق الرجعة أنه ثابت للزوج بالإجماع سواء كان الطلاق واحدا أو اثنين أما عندنا فلقيام الملك من كل وجه وأما عنده فلقيامه فيما وراء حل الوطء ثم الكلام في الرجعة في مواضع في بيان شرعية الرجعة وفي بيان ماهيتها وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط جواز الركن أما الأول فالرجعة مشروعة عرفت شرعيتها بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب العزيز فقوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن أي رجعتهن وقوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف وقوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والإمساك بالمعروف هو الرجعة وأما السنة فما روينا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته في حالة الحيض قال رسول الله لعمر رضي الله عنه مر ابنك يراجعها الحديث وروي أن رسول الله لما طلق حفصة رضي الله عنها جاءه جبريل فقال له راجع حفصة فإنها صوامة قوامة فراجعها وكذا روي أنه طلق سودة بنت زمعة رضي الله عنها ثم راجعها وعليه الإجماع وأما المعقول فلأن الحاجة تمس إلى الرجعة لأن الإنسان قد يطلق امرأته ثم يندم على ذلك على ما أشار الرب سبحانه وتعالى جل جلاله بقوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فيحتاج إلى التدارك فلو لم تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك لما عسى لا توافقه المرأة في تجديد النكاح ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا وأما بيان ماهية الرجعة فالرجعة عندنا استدامة الملك القائم ومنعه من الزوال وفسخ السبب المنعقد لزوال الملك وعند الشافعي هي استدامة من وجه وإنشاء من وجه بناء على أن الملك عنده قائم من وجه زائل من وجه وهو عندنا قائم من كل وجه وعلى هذا ينبني أن الشهادة ليست بشرط لجواز الرجعة عندنا وعنده شرط وجه البناء أن الشهادة شرط ابتداء العقد وإنشائه لا شرط البقاء والرجعة استيفاء العقد عندنا فلا يشترط له الشهادة وعنده هي استيفاء من وجه وإنشاء من وجه فيشترط لها الشهادة من حيث هي إنشاء لا من حيث هي استيفاء فصح البناء ثم الكلام فيه على وجه الابتداء احتج الشافعي بقوله تعالى وأشهدوا ( ( ( فإذا ) ) ) ذوي ( ( ( بلغن ) ) ) عدل ( ( ( أجلهن ) ) ) منكم ( ( ( فأمسكوهن ) ) ) فظاهر الأمر وجوب العمل فيقتضي وجوب الشهادة ولنا نصوص الرجعة من الكتاب والسنة مطلقة عن شرط الإشهاد إلا أنه يستحب الإشهاد عليها إذ لو لم يشهد لا يأمن من أن تنقضي العدة فلا تصدقه المرأة في الرجعة ويكون القول قولها بعد انقضاء العدة فندب إلى الإشهاد لهذا وعلى هذا تحمل الآية الكريمة وفي الآية ما يدل عليه لأنه سبحانه وتعالى قال فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف جمع بين الفرقة والرجعة أمر سبحانه بالإشهاد بقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم ومعلوم أن الإشهاد على الفرقة ليس بواجب بل هو مستحب كذا على الرجعة أو تحمل على هذا توفيقا بين النصوص بقدر الإمكان وكذا لا مهر في الرجعة ولا يشترط فيها رضا المرأة لأنها من شرائط ابتداء العقد لا من شرط البقاء وكذا إعلامها بالرجعة ليس بشرط حتى لو لم يعلمها بالرجعة جازت لأن الرجعة حقه على الخلوص لكونه تصرفا في ملكه بالاستيفاء والاستدامة فلا يشترط فيه إعلام الغير كالإجازة في الخيار لكنه مندوب إليه ومستحب لأنه إذا راجعها ولم يعلمها بالرجعة فمن الجائز أنها تتزوج عند مضي ثلاث حيض ظنا منها إن عدتها قد انقضت فكان ترك الإعلام فيه تسببا إلى عقد حرام عسى فاستحب له أن يعلمها
ولو راجعها ولم يعلمها حتى انقضت مدة عدتها وتزوجت بزوج آخر ثم جاء زوجها الأول فهي امرأته سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل ويفرق بينها وبين الثاني لأن الرجعة قد صحت بدون علمها فتزوجها الثاني وهي امرأة الأول فلم يصح وعلى هذا تبنى الرجعة بالفعل بأن جامعها أنها جائزة عندنا وعند الشافعي لا يجوز الرجعة إلا بالقول وجه البناء على هذا الأصل أن الرجعة عنده إنشاء النكاح من وجه وإنشاء النكاح من كل وجه لا يجوز إلا بالقول فكذا إنشاؤه من وجه وعندنا هي استدامة النكاح من كل وجه فلا تختص بالقول ويبني أيضا على حل الوطء وحرمته وجه البناء أن الوطء لما كان حلالا عندنا فإذا وطئها فلو لم يجعل الوطء دلالة الرجعة وربما لا يراجعها بالقول بل يتركها حتى تنقضي عدتها فيزول الملك عند انقضاء العدة بالطلاق السابق لأنه لا فعل منه إلا ذلك فيزول الملك مستندا إلى وقت وجود الطلاق فتبين أن الملك كان زائلا من وقت الطلاق من وجه فيظهر أن الوطء كان حراما فجعل الإقدام على الوطء دلالة الرجعة صيانة له عن الحرام وعنده لما كان الوطء حراما لا يقدم عليه فلا ضرورة إلى جعله دلالة الرجعة ثم ابتداء الدليل في المسألة قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن سمى الرجعة ردا والرد لا يختص بالقول كرد المغصوب ورد الوديعة قال النبي على اليد ما أخذت حتى ترده وقوله تعالى فأمسكوهن بمعروف وقوله عز وجل فإمساك بمعروف سمى الرجعة إمساكا والإمساك حقيقة يكون بالفعل وكذا إن جامعته وهو نائم أو مجنون لأن ذلك حلال لها عندنا فلو لم يجعل رجعة لصارت مرتكبة للحرام على تقدير انقضاء العدة من غير رجعة من الزوج فجعل ذلك منها رجعة شرعا ضرورة التحرز عن الحرام ولأن جماعها كجماعه لها في باب التحريم فكذا في باب الرجعة وكذلك إذا لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة فهو مراجع لما قلنا وإن لمس أو نظر لغير شهوة لم يكن ( ( ( يك ) ) ) رجعة لأن ذلك حلال في الجملة ألا ترى أن القابلة والطبيب ينظران إلى الفرج ويمس الطبيب عند الحاجة إليه بغير شهوة فلا ضرورة إلى جعله رجعة وكذلك إذا نظر إلى غير الفرج لشهوة لأن ذلك أيضا مباح في الجملة ويكره التقبيل واللمس لغير شهوة إذا لم يرد به المراجعة وكذا يكره أن يراها متجردة لغير شهوة كذا قال أبو يوسف لأنه لا يأمن من أن يشتهي فيصير مراجعا من غير إشهاد وذلك مكروه وكذا لا يأمن من الإضرار بها لجواز أن يشتهي فيصير به مراجعا وهو لا يريد إمساكها فيطلقها فتطول العدة عليها فتتضرر به والله تعالى نهى عن ذلك بقوله ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وكذا قال أبو يوسف إن الأحسن إذا دخل عليها أن يتنحنح ويسمعها خفق نعليه ليس من أجل أنها حرام ولكن لا يأمن من أن يرى الفرج بشهوة فيكون رجعة بغير إشهاد وهذه عبارة أبي يوسف ولو نظر إلى دبرها موضع خروج الغائط بشهوة لم يكن ذلك رجعة كذا ذكر في الزيادات وهو قول محمد الأخير وكان يقول أولا أنه يكون رجعة ثم رجع حكى إبراهيم بن رستم رجوعه وهو قياس قول أبي حنيفة لأن ذلك السبيل لا يجري مجرى الفرج ألا ترى أن الوطء فيه لا يوجب الحد عنده فكان النظر إليه كالنظر إلى سائر البدن ولأن النظر إلى الفرج بشهوة إنما كان رجعة لكون الوطء حلالا تقريرا للحل صيانة عن الحرام والنظر إلى هذا المحل عن شهوة مما لا يحتمل الحل بحال كما أن الفعل فيه لا يحتمل الحل بحال فلا يصلح دليلا على الرجعة
ولو نظرت إلى فرجه بشهوة قال أبو يوسف قياس قول أبي حنيفة أن يكون رجعة وهذا قبيح ولا يكون رجعة وكذا قال أبو يوسف والصحيح قياس قول أبي حنيفة لما ذكرنا فيما إذا جامعته وهو نائم أو مجنون ولأن النظر حلال لها كالوطء فيجعل رجعة تقريرا للحل وصيانة عن الحرمة ولأن النظرين يستويان في التحريم ألا ترى أن نظرها إلى فرجه كنظره إلى فرجها في التحريم فكذا في الرجعة ولو لمسته لشهوة مختلسة أو كان نائما أو اعترف الزوج أنه كان بشهوة فهو رجعة في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف ليس برجعة فأبو حنيفة سوى بينها وبين الجارية المشتراة بشرط الخيار للمشتري إذا لمست المشتري أنه يبطل خياره ومحمد فرق بينهما فقال ههنا يكون رجعة وهناك لا يكون إجازة للبيع وعن أبي يوسف في الجارية روايتان في رواية فرق فقال ثمة يكون إجازة للبيع وههنا لا يكون رجعة وفي رواية سوى بينهما فقال فعلها لا يكون رجعة ههنا ولا فعل الأمة يكون إجازة ثمة فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين المسألتين ووجه الفرق له على الرواية الأخرى أن بطلان الخيار لا يقف على فعل المشتري بل قد يبطل بغير فعله كما إذا تعينت ( ( ( تعيبت ) ) ) في يده بآفة سماوية فأما الرجعة فلا يجوز أن تثبت إلا باختيار الزوج حتى قال أبو يوسف إنها إذا لمسته فتركها وهو يقدر على منعها كان ذلك رجعة لأنه لما مكنها من اللمس فقد حصل ذلك باختياره فصار كأنه لمسها وكذلك قال أبو يوسف إذا ابتدأت اللمس وهو مطاوع لها أنه يكون رجعة لما قلنا ووجه الفرق لمحمد أن إسقاط الخيار إدخال الشيء في ملك المشتري والأمة لا تملك ذلك وليست الرجعة إدخال المرأة على ملك الزوج لأنها على ملكه فلو جعلناه مراجعا بفعلها لم تملكه ما لم يكن ملكا له فصحت الرجعة ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا وهو أن اللمس حلال من الجانبين عندنا فلزم تعذر الحل فيه وصيانته عن الحرمة وذلك يجعله رجعة على ما سبق بيانه كما قال في الجارية أن اللمس منها لو لم يجعل إجازة للبيع وربما يفسخ البيع فيتبين أن اللمس حصل في ملك الغير من وجه وما ذكره أبو يوسف أن الرجعة لا تعتبر بغير اختيار الزوج يشكل بما إذا جامعته وهو نائم أنه تثبت الرجعة من غير اختيار الزوج وما ذكر محمد أن إسقاط الخيار إدخال المبيع في ملك المشتري وليس بممنوع بل المبيع يدخل في ملكه بالسبب السابق عند سقوط الخيار على أن هذا فرقا بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر والفرق بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر لا يقدح في الجمع بينهما في المعنى المؤثر قال محمد ولو صدقها الورثة بعد موته أنها لمسته بشهوة لكان ذلك رجعة لأن الورثة قاموا مقامه فكأنه صدقها قبل موته قال ولو شهد الشهود أنها قبلته لشهوة لم تقبل شهادتهم لأن الشهوة معنى في القلب لا يقف عليه الشهود فلا تقبل شهادتهم فيه وإن شهدوا على الجماع قبلت لأن الجماع معنى يوقف عليه ويشاهد ولا يحتاج إلى شرط الشهوة فتقبل فيه الشهادة وأما ركن الرجعة فهو قول أو فعل يدل على الرجعة أما القول فنحو أن يقول لها راجعتك أو رددتك أو رجعتك أو أعدتك أو راجعت امرأتي أو راجعتها أو رددتها أو أعدتها ونحو ذلك لأن الرجعة رد وإعادة إلى الحالة الأولى ولو قال لها نكحتك أو تزوجتك كان رجعة في ظاهر الرواية وروي عن أبي حنيفة أنه لا يكون رجعة وجه هذه الرواية أن النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه فكان قوله نكحتك إثبات الثابت وأنه محال فلم يكن مشروعا فكان ملحقا بالعدم شرعا فلم يكن رجعة بخلاف قوله راجعتك لأن ذلك ليس بإثبات النكاح بل هو استيفاء النكاح الثابت وأنه محل للاستيفاء لأنه انعقد سبب زواله والرجعة فسخ السبب ومنع له عن العمل فيصح
وجه ظاهر الرواية أن النكاح وإن كان ثابتا حقيقة لكن المحل لا يحتمل الإثبات فيجعل مجازا عن استيفاء الثابت لما بينهما من المشابهة تصحيحا لتصرفه بقدر الإمكان وقد قيل في أحد تأويلي قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك أي أزواجهن أحق بنكاحهن في العدة من غيرهم من الرجال والنكاح المضاف إلى المطلقة طلاقا رجعيا فدل على ثبوت الرجعة ( ( ( الرجعية ) ) ) بالنكاح وأما الفعل الدال على الرجعة فهو أن يجامعها أو يمس شيئا من أعضائها لشهوة أو ينظر إلى فرجها عن شهوة أو يوجد شيء من ذلك ههنا على ما بينا ووجه دلالة هذه الأفعال على الرجعة ما ذكرنا فيما تقدم وهذا عندنا فأما عند الشافعي فلا تثبت الرجعة إلا بالقول بناء على أصل ما ذكرناه والله عز وجل أعلم فصل وأما شرائط جواز الرجعة فمنها قيام العدة فلا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة لأن الرجعة استدامة الملك والملك يزول بعد انقضاء العدة فلا تتصور الاستدامة إذ الاستدامة للقائم لصيانته عن الزوال لا للمزيل كما في البيع بشرط الخيار للبائع إذا مضت مدة الخيار أنه لا يملك استيفاء الملك في المبيع بزوال ملكه بمضي المدة كذا هذا ولو طهرت عن الحيضة الثالثة ثم راجعها فهذا على وجهين إن كانت أيامها في الحيض عشرا لا تصح الرجعة وتحل للأزواج بمجرد انقطاع العدة لأن انقضاءها بانقضاء الحيضة الثالثة وقد انقضت بيقين لانقطاع دم الحيض بيقين إذ لا مزيد للحيض على عشرة ألا ترى أنها إذا رأت أكثر من عشرة لم يكن الزائد على العشرة حيضا فتيقنا بانقضاء العدة ولا رجعة بعد انقضاء العدة وإن كانت أيامها دون العشرة فإن كانت تجد ماء فلم تغتسل ولا تيممت وصلت به ولا مضي عليها وقت كامل من أوقات أدنى الصلوات إليها لا تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج وهذا عندنا وقال الشافعي لا أعرف بعد الأقراء معنى معتبرا في انقضاء العدة وهذا خلاف الكتاب العزيز والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم أما الكتاب فقوله عز وجل ولا تقربوهن حتى يطهرن أي يغتسلن وأما السنة فما روي عن النبي أنه قال الزوج أحق برجعتها ما دامت في مغتسلها وروى ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وأما إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روى علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال كنت عند عمر رضي الله عنه فجاء رجل وامرأة فقال الرجل زوجتي طلقتها وراجعتها فقالت ما يمنعني ما صنع أن أقول ما كان أنه طلقني وتركني حتى حضت الحيضة الثالثة وانقطع الدم وغلقت بابي ووضعت غسلي وخلعت ثيابي فطرق الباب فقال قد راجعتك فقال عمر رضي الله عنه قل فيها يا ابن أم عبد فقلت أرى أن الرجعة قد صحت ما لم تحل لها الصلاة فقال عمر لو قلت غير هذا لم أره صوابا وروي عن مكحول أن أبا بكر وعمر وعليا وابن مسعود وأبا الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنهم كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ترثه ويرثها ما دامت في العدة فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على اعتبار الغسل فكان قوله مخالفا للحديث وإجماع الصحابة فلا يعتد به ولأن أيامها إذا كانت أقل من عشرة لم تستيقن بانقطاع دم الحيض لاحتمال المعاودة في أيام الحيض إذ الدم لا يدر درا واحدا ولكنه يدر مرة وينقطع أخرى فكان احتمال العود قائما والعائد يكون دم حيض إلى العشرة فلم يوجد انقطاع دم الحيض بيقين فلا يثبت الطهر بيقين فتبقى العدة لأنها كانت ثابتة بيقين والثابت بيقين لا يزول بالشك كمن استيقن بالحدث وشك في الطهارة بخلاف ما إذا كانت أيامها عشرا لأنه هناك لا يحتمل عود دم الحيض بعد العشرة إذ العشرة أكثر الحيض فتيقنا بانقطاع دم الحيض فيزول الحيض ضرورة ويثبت الطهر وههنا بخلافه على ما بينا
والشافعي بنى قوله في هذا على أصله أن العدة تنقضي بالأطهار لا بالحيض فإذا طعنت في أول الحيضة الثالثة فقد انقضت العدة من غير حاجة إلى شيء آخر ويستدل على بطلان هذا الأصل في موضعه إن شاء الله تعالى فيبطل الفرع ضرورة وإذا اغتسلت انقطعت الرجعة لأنه ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات وهو إباحة أداء الصلاة إذ لا يباح أداؤها للحائض فتقرر الانقطاع بقرينة الاغتسال فتنقطع الرجعة وكذا إذا لم تغتسل لكن مضى عليها وقت الصلاة تنقطع الرجعة لأنه لما مضى عليها وقت الصلاة صارت الصلاة دينا في ذمتها وهذا من أحكام الطاهرات إذ لا تجب الصلاة على الحائض فلا تصير دينا عليها فاستحكم الانقطاع بهذه القرينة فانقطعت الرجعة وكذلك إذا لم تجد الماء بأن كانت مسافرة فتيممت وصلت لأن صحة الصلاة حكم من أحكام الطاهرات إذ لا صحة لها مع قيام الحيض فقد يضاف إلى الانقطاع حكم من أحكام الطاهرات فاستحكم الانقطاع فتنقطع الرجعة فأما إذا تيممت ولم تصل فهل تنقطع الرجعة اختلف فيه أصحابنا قال أبو حنيفة وأبو يوسف لا تنقطع وقال محمد تنقطع وجه قوله أنها لما تيممت فقد ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات وهو إباحة الصلاة فلا يبقى الحيض ضرورة كما لو اغتسلت أو تيممت وصلت به وجه قولهما على نحو ما ذكرنا أن أيامها إذا كانت دون العشرة لم تستيقن بانقضاء عدتها بنفس انقطاع الدم من غير قرينة تنضم إليه لاحتمال أن يعاودها الدم في العشرة فتبين أنها حائض والحيض كان ثابتا بيقين فلا يحكم بزواله إلا عند وجود الطهر بيقين ولم يوجد وبقرينة التيمم لا تصير في حكم الطاهرات بيقين لأنه ليس بطهور حقيقة وإنما جعل طهورا شرعا عند عدم الماء لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا والدليل عليه أنها لو رأت الماء قبل الشروع في الصلاة أو بعد ما شرعت فيها قبل الفراغ منها بطل تيممها فكان التيمم طهارة مطلقة شرعا لكن حال عدم الماء واحتمال وجود الماء في كل ساعة قائم فكان احتمال عدم الطهورية ثابتا فلم توجد الطهارة الحاصلة بيقين فتبقى نجاسة الحيض إلا أنه أبيح لها أداء الصلاة به لعدم الماء في الحالين من حيث الظاهر مع احتمال الوجود فإذا لم تجد الماء وصلت به وفرغت من الصلاة فقد استحكم العدم فاستحكمت الطهارة الحاصلة بالتيمم فلا يبقى الحيض فأما قبل ذلك فاحتمال عدم الطهارة ثابت لاحتمال وجود الماء فلا يكون طهارة شرعا بيقين بل مع الاحتمال فيبقى حكم الحيض الثابت بيقين بخلاف الاغتسال لأنه طهارة بيقين لكون الماء طهورا مطلقا فإذا ثبتت الطهارة بيقين انتفى الحيض ضرورة لأنه ضدها بخلاف التيمم على ما بيناه وبخلاف ما إذا مضى عليها وقت كامل من أوقات الصلاة لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها بيقين فقد ثبت في حقها حكم من أحكام الطاهرات بيقين فلا يبقى الحيض بيقين فتنقضي العدة بيقين ولو اغتسلت بسؤر الحمار انقطعت الرجعة بنفس الاغتسال بالإجماع ولكنها لا تحل للأزواج لأن سؤر الحمار مشكوك فيه إما في طهوريته أو في طهارته على اختلافهم في ذلك فإن كان ذلك طاهرا أو طهورا انقطعت الرجعة وتحل للأزواج لانقضاء العدة لتقرر الانقطاع بالاغتسال وإن لم يكن أو كان طاهرا غير طهور لا تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج فإذا وقع الشك لزم الاحتياط في ذلك كله وذلك فيما قلنا وهو أن تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج أخذا بالثقة في الحكمين احترازا عن الحرمة في البابين ولا تصلي بذلك الغسل ما لم تتيمم ولو اغتسلت المعتدة وبقي من بدنها شيء لم يصبه الماء فالباقي لا يخلو إما أن كان عضوا كاملا وأما إن كان أقل من عضو فإن كان عضوا كاملا فله الرجعة وإن كان أقل من عضو فلا رجعة له ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فقال أبو يوسف قوله لا رجعة له في الأقل هذا استحسان والقياس أن يكون له فيه الرجعة فمحمد قاس المتروك إذا كان عضوا على ترك المضمضة والاستنشاق
وقال رحمه الله هناك تنقطع الرجعة والقياس عليه أن تنقطع هنا أيضا إلا أنهم استحسنوا وقالوا لا تنقطع الرجعة لأن العضو الكامل مجمع على وجوب غسله وهو مما لا يتغافل عنه عادة فتنقطع الرجعة كما لو كان المتروك زائدا على عضو بخلاف المضمضة والاستنشاق لأن ذلك غير مجمع على وجوده ( ( ( وجوبه ) ) ) مجتهد فيه وأبو يوسف يقول المتروك وإن قل فحكم الحدث باق ألا ترى أنه لا تباح معه وإن قل ومع بقاء الحدث لا تثبت الطهارة وهذا يوجب التسوية بين القليل والكثير إلا أنهم استحسنوا في القليل وهو ما دون العضو فقالوا أنه تنقطع الرجعة فيه لأن هذا القدر مما يتغافل عنه عادة ويحتمل أيضا أنه أصابه الماء ثم جف فيحكم بانقطاع الرجعة فيه ويبقى الأمر في العضو التام على أصل القياس واختلفت الرواية عن أبي يوسف في المضمضة والاستنشاق روي عنه أنه تنقطع الرجعة وروي عنه أيضا أنه لا تنقطع الرجعة وقال محمد تبين من زوجها ولكنها لا تحل للأزواج وجه قوله وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف في انقطاع الرجعة أن وجوب المضمضة والاستنشاق مختلف فيه وموضع الاجتهاد موضع تعارض الأدلة فلا يخلو عن الشك والشبهة والرجعة يسلك بها مسلك الاحتياط فلا يجوز بقاؤها بالشك فينقطع ولا يجوز إثبات حال التزوج بالشك أيضا لذلك لم يجزه محمد وجه الرواية الأخرى لأبي يوسف أن الحدث ( ( ( الحديث ) ) ) قد بقي في عضو كامل فتبقى الرجعة هذا إذا كانت المطلقة مسلمة فأما إذا كانت كتابية فقد قالوا أن الرجعة تنقطع عنها بنفس انقطاع الدم لأنها غير مخاطبة بالغسل ولا يلزمها فرض الغسل كالمسلمة إذا اغتسلت ومنها عدم التطليق بشرط والإضافة إلى وقت في المستقبل حتى لو قال الزوج بعد الطلاق إن دخلت الدار فقد راجعتك أو راجعتك إن دخلت الدار أو إن كلمت زيدا أو إذا جاء غد فقد راجعتك غدا أو رأس شهر كذا لم تصح الرجعة في قولهم جميعا لأن الرجعة استيفاء ملك النكاح فلا يحتمل التعليق بشرط والإضافة إلى وقت في المستقبل كما لا يحتملها إنشاء الملك ولأن الرجعة تتضمن انفساخ الطلاق في انعقاده سببا لزوال الملك ومنعه عن عمله في ذلك فإذا علقها بشرط أو أضافها إلى وقت في المستقبل فقد استبقى الطلاق إلى غاية واستبقاء الطلاق إلى غاية يكون تأبيدا له إذ هو لا يحتمل التوقيت كما إذا قال لامرأته أنت طالق يوما أو شهرا أو سنة أنه لا يصح التوقيت ويتأبد الطلاق فلا تصح الرجعة هذا إذا أنشأ الرجعة فأما إذا أخبر عن الرجعة في الزمن الماضي بأن قال كنت راجعتك أمس فإن صدقته المرأة فقد ثبتت الرجعة سواء قال ذلك في العدة أو بعد انقضاء العدة بعد إن كانت المرأة في العدة أمس وإن كذبته فإن قال ذلك في العدة فالقول قوله لأنه أخبر عما يملك إنشاءه في الحال لأن الزوج يملك الرجعة في الحال ومن أخبر عن أمر يملك إنشاءه في الحال يصدق فيه إذ لو لم يصدق ينشئه للحال فلا يفيد التكذيب فصار كالوكيل قبل العزل إذا قال بعته أمس وإن قال بعد انقضاء العدة فالقول قولها لأنه أخبر عما لا يملك إنشاءه في الحال لأنه لا يملك الرجعة بعد انقضاء العدة فصار كالوكيل بعد العزل إذا قال قد بعت وكذبه الموكل ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد تستحلف وهذه من المسائل المعدودة التي لا يجري فيها الاستحلاف عند أبي حنيفة نذكرها في كتاب الدعوى فإن أقام الزوج بينة قبلت ببينته ( ( ( بينته ) ) ) وتثبت الرجعة لأن الشهادة قامت على الرجعة في العدة فتسمع ولو كانت المطلقة أمة الغير فقال زوجها بعد انقضاء العدة كنت راجعتك وكذبته الأمة وصدقه المولى فالقول قولها عند أبي حنيفة ولا تثبت الرجعة وعندهما القول قول الزوج والمولى وتثبت الرجعة لأنها ملك المولى
ولأبي حنيفة أن انقضاء عدتها إخبار منها عن حيضها وذلك إليها لا إلى المولى كالحرة فإن قال الزوج لها قد راجعتك فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي فالقول قولها عند أبي حنيفة مع يمينها وقال أبو يوسف ومحمد القول قول الزوج وأجمعوا على أنها لو سكتت ساعة ثم قالت انقضت عدتي يكون القول قول الزوج ولا خلاف أيضا في أنها إذا بدأت فقالت انقضت عدتي فقال الزوج مجيبا لها موصولا بكلامها راجعتك يكون القول قولها وجه قولهما أن قول الزوج راجعتك وقع رجعة صحيحة لقيام العدة من حيث الظاهر فكان القول قول المرأة انقضت عدتي إخبارا عن انقضاء العدة ولا عدة لبطلانها بالرجعة فلا يسمع كما لو سكتت ساعة ثم قالت انقضت عدتي ولأن قولها انقضت عدتي إن كان إخبارا عن انقضاء العدة في زمان متقدم على قول الزوج لا يقبل منها بالإجماع كما لو أسندت الخبر عن الانقضاء إليه نصا بأن قالت كانت عدتي قد انقضت قبل رجعتك لأنها متهمة في التأخير في الإخبار وإن كان ذلك إخبارا عن انقضاء العدة في زمان مقارن لقول الزوج فهذا نادر فلا يقبل قولها ولأبي حنيفة أن المرأة أمينة في إخبارها عن انقضاء العدة فإن الشرع ائتمنها في هذا الباب قال الله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر قيل في التفسير أنه الحيض والحبل نهاهن سبحانه وتعالى عن الكتمان والنهي عن الكتمان أمر بالإظهار إذ النهي عن الشيء أمر بضده والأمر بالإظهار أمر بالقبول لتظهر فائدة الإظهار فلزم قبول قولها وخبرها بانقضاء العدة ومن ضرورة قبول الإخبار بانقضاء العدة حلها للأزواج ثم إن كانت عدتها انقضت قبل قول الزوج راجعتك فقوله راجعتك يقع بعد انقضاء عدتها فلا يصح وإن كانت انقضت حال قوله راجعتك فيقع حال قوله راجعتك حال انقضاء العدة وكما لا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة لا تصح حال انقضائها لأن العدة حال انقضائها منقضية فكان ذلك رجعة لمنقضية العدة فلا تصح فإن قيل يحتمل أنها انقضت حال إخبارها عن الانقضاء وإخبارها متأخر عن قوله راجعتك فكان انقضاء العدة متأخرا عنه ضرورة فتصح الرجعة فالجواب إذا احتمل ما قلنا واحتمل ما قلتم وقع الشك في صحة الرجعة والأصل أن ما لم يكن ثابتا إذا وقع الشك في ثبوته لا يثبت مع الشك والاحتمال خصوصا فيما يحتاط فيه ولا سيما إذا كان جهة الفساد آكد وههنا جهة الفساد آكد لأنها تصح من وجه وتفسد من وجهين فالأولى أن لا يصح والله عز وجل الموفق ثم عند أبي حنيفة تستحلف وإذا نكلت يقضى بالرجعة وهذا يشكل على أصله لأن الاستحلاف للنكول والنكول بدل عنده والرجعة لا تحتمل البدل لكن الاستحلاف قد يكون للنكول ليقضي به وقد يكون لا للنكول بل لنفي التهمة بالحلف ألا ترى أنه يستحلف عنده فيما لا يقضي بالنكول أصلا كما في دعوى القصاص في النفس نفيا للتهمة والمرأة وإن كانت أمينة لكن الأمين قد يستحلف لنفي التهمة بالحلف فإذا نكلت فقد تحققت التهمة فلم يبق قولها حجة فبقيت الرجعة على حالها حكما لاستصحاب الحال لعدم دليل الزوال لأنه جعل نكولها بدلا مع ما أنه يمكن تحقيق معنى البدل ههنا لما ذكرنا أنها بالنكول صارت متهمة فخرج قولها من أن يكون حجة للتهمة فتبقى العدة وأثرها في المنع من الأزواج والسكون في منزل الزوج فقط ثم يقضي بالرجعة حكما لاستصحاب الحال لأنها بإخبارها بانقضاء عدتها حلت للأزواج وإذا نكلت فقد بدلت الامتناع من الأزواج والسكون في منزل الزوج وهذا معنى يحتمل البدل ومنها عدم شرط الخيار حتى لو شرط الخيار في الرجعة لم يصح لأنها استبقاء النكاح فلا يحتمل شرط الخيار كما لا يحتمل الإنشاء ومنها أن يكون أحد نوعي ركن الرجعة وهو القول منه لا منها حتى لو قالت للزوج راجعتك لم يصح لقوله سبحانه وتعالى وبعولتهن أحق بردهن أي أحق برجعتهن منهن
ولو كانت لها ولاية الرجعة لم يكن الزوج أحق بالرجعة منها فظاهر النص يقتضي أن لا يكون لها ولاية الرجعة أصلا إلا أن جواز الرجعة بالفعل منها عرفناه بدليل آخر وهو ما بينا وأما رضا المرأة فليس بشرط لجواز الرجعة وكذا المهر لقوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن مطلقا عن شرط الرضا والمهر ولأنه لو شرط الرضا والمهر لم يكن الزوج أحق برجعتها منها لأنه لا يملك بدون رضاها والمهر فيؤدي إلى الخلف في خبر الله عز وجل وهذا لا يجوز ولأن الرجعة شرعت لإمكان التدارك عند الندم فلو شرط رضاها لا يمكنه التدارك لأنها عسى لا ترضى وعسى لا يجد الزوج المهر وكذا كون الزوج طائعا وجادا وعامدا ليس بشرط لجواز الرجعة فتصح الرجعة مع الإكراه والهزل واللعب والخطأ لأن الرجعة استبقاء النكاح وأنه دون الإنشاء ولم تشترط هذه الأشياء للإنشاء فلأن لا تشترط للاستبقاء أولى وقد روي في بعض الروايات ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والرجعة والطلاق فصل وأما حكم الطلاق البائن فالطلاق البائن نوعان أحدهما الطلقات والثاني الطلقة الواحدة البائنة والثنتان البائنتان ويختلف حكم كل واحد من النوعين وجملة الكلام فيه أن الزوجين إما إن كانا حرين وإما إن كانا مملوكين وإما إن كان أحدهما حرا والآخر مملوكا فإن كانا حرين فالحكم الأصلي لما دون الثلاث من الواحدة البائنة والثنتين البائنتين هو نقصان عدد الطلاق وزوال الملك أيضا حتى لا يحل له وطؤها إلا بنكاح جديد ولا يصح ظهاره وإيلاؤه ولا يجري اللعان بينهما ولا يجري التوارث ولا يحرم حرمة غليظة حتى يجوز له نكاحها من غير أن تتزوج بزوج آخر لأن ما دون الثلاثة وإن كان بائنا فإنه يوجب زوال الملك لا زوال حل المحلية وأما الطلقات الثلاث فحكمها الأصلي هو زوال الملك وزوال حل المحلية أيضا حتى لا يجوز له نكاحها قبل التزوج بزوج آخر لقوله عز وجل فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وسواء طلقها ثلاثا متفرقا أو جملة واحدة لأن أهل التأويل اختلفوا في مواضع التطليقة الثالثة من كتاب الله قال بعضهم هو قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره بعد قوله الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقالوا الإمساك بالمعروف هو الرجعة والتسريح بالإحسان هو أن يتركها حتى تنقضي عدتها وقال بعضهم هو قوله تعالى أو تسريح بإحسان فالتسريح هو الطلقة الثالثة وعلى ذلك جاء الخبر وكل ذلك جائز محتمل غير أنه إن كان التسريح هو تركها حتى تنقضي عدتها كان تقدير قوله سبحانه وتعالى فإن طلقها فلا تحل له أي طلقها تطليقة ثالثة وإن كان المراد من التسريح التطليقة الثالثة كان تقدير قوله تعالى فإن طلقها أي طلقها طلاقا ثلاثا فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وإنما تنتهي الحرمة وتحل للزوج الأول بشرائط منها النكاح وهو أن تنكح زوجا غيره لقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره نفى الحل وحد النفي إلى غاية التزوج بزوج آخر والحكم الممدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج فلا تحل ( ( ( يحل ) ) ) للزوج الأول قبله ضرورة وعلى هذا يخرج ما إذا وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة أنها لا تحل لزوجها لعدم النكاح وكذا إذا وطئها المولى بملك اليمين بأن حرمت أمته المنكوحة على زوجها حرمة غليظة وانقضت عدتها فوطئها المولى لا تحل لزوجها لأن الله تعالى نفى الحل إلى غاية فلا ينتهي النفي قبل وجود النكاح ولم يوجد وكذا روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في هذه المسألة ليس بزوج يعني المولى وروي أن عثمان سئل عن ذلك وعنده علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما فرخص في ذلك عثمان وزيد وقالا هو زوج فقام علي مغضبا كارها لما قالا وقد روي أنه قال ليس بزوج وكذا إن اشتراها الزوج قبل أن تنكح زوجا غيره لم تحل له بملك اليمين وكذا إذا أعتقت لما قلنا
فصل ومنها أن يكون النكاح الثاني صحيحا حتى لو تزوجت رجلا نكاحا فاسدا ودخل بها لا تحل للأول لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة ومطلق النكاح ينصرف إلى ما هو نكاح حقيقة ولو كان النكاح الثاني مختلفا في فساده ودخل بها لا تحل للأول عند من يقول بفساده لما قلنا فإن تزوجت بزوج آخر ومن نيتها التحليل فإن لم يشرطا ذلك بالقول وإنما نويا ودخل بها على هذه النية حلت للأول في قولهم جميعا لأن مجرد النية في المعاملات غير معتبر فوقع النكاح صحيحا لاستجماع شرائط الصحة فتحل للأول كما لو نويا التوقيت وسائر المعاني المفسدة وإن شرط الإحلال بالقول وأنه يتزوجها لذلك وكان الشرط منها فهو نكاح صحيح عند أبي حنيفة وزفر وتحل للأول ويكره للثاني والأول وقال أبو يوسف النكاح الثاني فاسد وإن وطئها لم تحل للأول وقال محمد النكاح الثاني صحيح ولا تحل للأول وجه قول أبي يوسف أن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت وشرط التوقيت في النكاح يفسده والنكاح الفاسد لا يقع به التحليل ولمحمد أن النكاح عقد مؤبد فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى لغرض الحل فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحا لكن لا يحصل به الغرض كمن قتل مورثه أنه يحرم الميراث لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة أن عمومات النكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الإحلال أو لا فكان النكاح بهذا الشرط نكاحا صحيحا فيدخل تحت قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره فتنتهي الحرمة عند وجوده إلا أنه كره النكاح بهذا الشرط لغيره وهو أنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو السكن والتوالد والتعفف لأن ذلك يقف على البقاء والدوام على النكاح وهذا والله أعلم معنى إلحاق اللعن بالمحلل في قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له وأما إلحاق اللعن بالزوج الأول وهو المحلل له فيحتمل أن يكون لوجهين أحدهما أنه سبب لمباشرة الزوج الثاني هذا النكاح لقصد الفراق والطلاق دون الإبقاء وتحقيق ما وضع له والمسبب شريك المباشر في الإثم ( ( ( الاسم ) ) ) والثواب في التسبب للمعصية والطاعة والثاني أنه باشر ما يقضي ( ( ( يفضي ) ) ) إلى ذلك ( ( ( الذي ) ) ) تنفر منه الطباع السليمة وتكرهه من عودها إليه من مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها وهو الطلقات الثلاث إذ لولاها لما وقع فيه فكان إلحاقه اللعن به لأجل الطلقات والله عز وجل أعلم وأما قول أبي يوسف أن التوقيت في النكاح يفسد النكاح فنقول المفسد له هو التوقيت نصا ألا ترى أن كل نكاح مؤقت فإنه يتوقت بالطلاق وبالموت وغير ذلك ولم يوجد التوقيت نصا فلا يفسد وقول محمد أنه استعجال ما أجله الله تعالى ممنوع فإن استعجال ما أجله الله تعالى لا يتصور لأن الله تعالى إذا ضرب لأمر أجلا لا يتقدم ولا يتأخر فإذا طلقها الزوج الثاني تبين أن الله تعالى أجل هذا النكاح إليه ولهذا قلنا إن المقتول ميت بأجله خلافا للمعتزلة ومنها الدخول من الزوج الثاني فلا تحل لزوجها الأول بالنكاح الثاني حتى يدخل بها وهذا قول عامة العلماء وقال سعيد بن المسيب تحل بنفس العقد واحتج بقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والنكاح هو العقد وإن كان يستعمل في العقد والوطء جميعا عند الإطلاق لكنه يصرف إلى العقد عند وجود القرينة وقد وجدت لأنه أضاف النكاح إلى المرأة بقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره والعقد يوجد منها كما يوجد من الرجل فأما الجماع فإنه يقوم بالرجل وحده والمرأة محله فانصرف إلى العقد بهذه القرينة فإذا وجد العقد تنتهي الحرمة بظاهر النص