Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

حصہ V06/P243–V06/P245

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ، فمن كبر الله وحمد الله وسبح الله واستغفر الله ، وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس ، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار رواه مسلم . وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل معروف صدقة رواه البخاري ومسلم بلفظه من رواية حذيفة . وعن جابر أيضا رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، ولا يرزأه إلا كان له صدقة رواه مسلم . وفي رواية له فلا يغرس المسلم غرسا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة وفي رواية : لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أنس . ويرزأه ، أي ينقصه والله أعلم . فرع : يستحب استحبابا متأكدا صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب واليتامى والأرامل والجيران والأصهار ، وصلة أصدقاء أبيه وأمه وزوجته ، والإحسان إليهم ، وقد جاءت في جميع هذا أحاديث كثيرة مشهورة في الصحيح ، جمعت معظمها في رياض الصالحين ، والله تعالى أعلم . = كتاب الصيام = هو في اللغة الإمساك ويستعمل في كل إمساك ، يقال : صام إذا سكت وصامت الخيل وقفت وفي الشرع إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص ، ويقال : رمضان وشهر رمضان ، هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه البخاري والمحققون ، قالوا : ولا كراهة في قول : رمضان . وقال أصحاب مالك : يكره أن يقال : رمضان ، بل لا يقال إلا شهر رمضان ، سواء إن كان هناك قرينة أم لا ، وزعموا أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، قال البيهقي : وروي ذلك عن مجاهد والحسن والطريق إليهما ضعيف ورواه عن محمد بن كعب . واحتجوا بحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان وهذا حديث ضعيف ، ضعفه البيهقي وغيره ، والضعف فيه بين ، فإن من رواته نجيح السندي وهو ضعيف سيء الحفظ . وقال أكثر أصحابنا ، أو كثير منهم ، وابن الباقلاني : إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا فيكره ، قالوا : فيقال صمنا رمضان وقمنا رمضان ورمضان أفضل الأشهر ، وتطلب ليلة القدر في أواخر رمضان ، وأشباه ذلك ، ولا كراهة في هذا كله ، قالوا : وإنما يكره أن يقال : جاء رمضان ، ودخل رمضان وحضر رمضان ، وأحب رمضان ، والصواب أنه لا كراهة في قول رمضان مطلقا ، والمذهبان الآخران فاسدان ، لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم يثبت فيه نهي ، وقولهم إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح ، ولم يصح فيه شيء وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح ، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة .

حصہ V06/P245–V06/P247

وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الصحيحين في تسميته رمضان من غير شهر في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، وفي رواية لهما إذا دخل رمضان وفي رواية لمسلم إذا كان رمضان وأشباه هذا في الصحيحين غير منحصرة . والله تعالى أعلم . فرع : لا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بالإجماع ، وقد يجب بنذر وكفارة ، وجزاء الصيد ونحوه ، ودليل الإجماع قوله صلى الله عليه وسلم حين سأله الأعرابي عن الإسلام فقال : وصيام رمضان ، قال : هل علي غيره قال : لا إلا أن تطوع رواه البخاري ومسلم ، من رواية طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه . فرع : روى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : أحيل الصيام ثلاثة أحوال وذكر الحديث قال : ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، ويصوم يوم عاشوراء . فأنزل الله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم البقرة : 381 الآية فكان من شاء أن يصوم ومن شاء أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينا أجزأه ذلك . فهذا حول فأنزل الله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة : 481 فثبت الصيام على من شهد الشهر وعلى المسافر أن يقضي . وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم ) هذا لفظ رواية أبي داود ، وذكره في كتاب الأذان في آخر الباب الأول منه وهو مرسل . فإن معاذا لم يدركه ابن أبي ليلى . ورواه البيهقي بمعناه ولفظه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام بعدما قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وصام عاشوراء . فصام سبعة عشر شهرا ، شهر ربيع إلى شهر ربيع إلى رمضان . ثم إن الله تعالى فرض عليه شهر رمضان وأنزل عليه كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وذكر باقي الحديث . قال البيهقي : هذا مرسل ، وفي رواية له عن ابن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : أحيل الصوم على ثلاثة أحوال قدم الناس المدينة ولا عهد لهم بالصيام ، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل شهر رمضان فاستنكروا ذلك ، وشق عليهم فكان من أطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه ، رخص لهم في ذلك ، ونسخه وأن تصوموا خير لكم البقرة : 481 فأمروا بالصيام . وذكر البخاري هذا في صحيحه تعليقا بصيغة جزم ، فيكون صحيحا ، كما تقررت قاعدته وهذا لفظه قال : وقال ابن نمير : حدثنا الأعمش بن عمرو بن مرة بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ، ورخص لهم في ذلك فنسختها وأن تصوموا خير لكم فأمروا بالصوم . فرع : قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين البقرة : 481 كان من أراد أن يفطر ويفدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وفي رواية : كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ، ومن شاء أفطر ، فافتدى بطعام مسكين ، حتى نزلت هذه الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة : 581 . رواهما البخاري ومسلم ، وهذا لفظه .

حصہ V06/P247

فرع : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان تسع سنين ، لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة ، وتوفى النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة . فرع : قال أصحابنا وغيرهم : كان أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل والشرب والجماع ، من حين ينام أو يصلي العشاء الآخرة ، فأيهما وجد أولا حصل به التحريم ، ثم نسخ ذلك وأبيح الجميع إلى طلوع الفجر ، سواء نام أم لا . واحتجوا بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي ، وإن قيس بن صرمة الأنصاري رضي الله عنه كان صائما ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : عندك طعام قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك ، فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم البقرة : 781 ففرحوا بها فرحا شديدا ، ونزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود البقرة : 781 رواه البخاري في صحيحه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء ، وصاموا إلى القابلة ، فاختان رجل نفسه فجامع امرأته ، وقد صلى العشاء ولم يفطر ، فأراد الله تعالى أن يجعل ذلك يسرا لمن بقي ، ورخصة ومنفعة ، فقال عز وجل : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم البقرة : 781 وكان هذا مما نفع الله تعالى به الناس وخص لهم ويسره رواه أبو داود ، وفي إسناده ضعف ، ولم يضعفه أبو داود ، والله تعالى أعلم .

حصہ V06/P247–V06/P249

قال المصنف رحمه الله تعالى : صوم رمضان ركن من أركان الإسلام ، وفرض من فروضه ، والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ( وأن محمدا رسول الله ) وإقام الصلاة . وإيتاء الزكاة . والحج . وصوم رمضان . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة من رواية ابن عمر رضي الله عنهما وقوله : وفرض من فروضه توكيد وإيضاح لجواز تسميته ركنا وفرضا ، ولو اقتصر على ركن لكفاه ، لأنه يلزم منه أنه فرض ، وفي هذا الحديث جواز إطلاق رمضان من غير ذكر الشهر ، وهو الصواب كما سبق قريبا ( فإن قيل ) لم استدل بالحديث دون الآية وكذا استدل به في الحج دون الآية ( قلنا ) مراده الاستدلال على أنه ركن ، وهذا يحصل من الحديث لا من الآية ، وأما الفرضية فتحصل منهما ، وهذا الحكم الذي ذكره وهو كون صوم رمضان ركنا وفرضا مجمع عليه . ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه وأجمعوا على أنه لا يجب غيره . قال المصنف رحمه الله تعالى : ويتحتم وجوب ذلك على كل مسلم بالغ عاقل طاهر قادر مقيم ، فأما الكافر فإنه إن كان أصليا لم يخاطب ( به ) في حال كفره لأنه لا يصح منه ، فإن أسلم لم يجب عليه القضاء ، لقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال : 83 ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيرا عن الإسلام ، وإن كان مرتدا لم يخاطب به في حال الردة ، لأنه لا يصح منه ، فإن أسلم وجب عليه قضاء ما تركه في حال الكفر ، لأنه التزم ذلك بالإسلام فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين . + الشرح : وقوله : يتحتم وجوب ذلك . أي وجوب فعله في الحال ، ولا بد من هذا التفسير لأنه وجوب على المسافر والحائض متحتم أيضا ، لكن يؤخرانه ثم يقضيانه قوله : في الكافر الأصلي لم يخاطب به ، أي لم نطالبه بفعله وليس مراده أنه ليس بواجب في حال كفره فإن المذهب الصحيح إن الكفار مخاطبون بفروع الشرع في حال كفرهم ، بمعنى أنهم يزاد في عقوبتهم في الآخرة بسبب ذلك ولكن لا يطالبون بفعلها في حال كفرهم ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في أول كتاب الصلاة . قوله : في المرتد : لم يخاطب به في الردة معناه لا نطالبه بفعل الصوم في حال ردته في مدة الإستتابة ، وليس مراده أنه ليس واجبا عليه ، فإنه واجب عليه بلا خلاف في حال الردة ، ويأثم بتركه في حال الردة بلا خلاف ولو قال المصنف كما قال غيره : لم نطالبه به في ردته ولا يصح منه ، لكان أصوب . . والله تعالى أعلم . قال أصحابنا : لا يطالب الكافر الأصلي بفعل الصوم في حال كفره بلا خلاف وإذا أسلم لا يجب عليه قضاؤه بلا خلاف ، ولو صام في كفره لم يصح بلا خلاف سواء أسلم بعد ذلك أم لا بخلاف ما إذا تصدق في كفره ثم أسلم ، فإن الصحيح إنه يثاب عليه ، وقد سبقت في أول كتاب الصلاة . وأما المرتد فهو مكلف به في حال ردته ، وإذا أسلم لزمه قضاؤه بلا خلاف كما ذكره ، ولا نطالبه بفعله في حال ردته ، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه قضاء مدة الردة إذا أسلم ، كما قال في الصلاة ، وسبقت المسألة مبسوطة في أول كتاب الصلاة ، وقاس المصنف ذلك على حقوق الآدميين ، لأن أبا حينفة يوافق عليها .

حصہ V06/P249–V06/P250

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الصبي فلا تجب عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ويؤمر بفعله لسبع سنين إذا أطاق الصوم ، ويضرب على تركه لعشر قياسا على الصلاة ، فإن بلغ لم يجب عليه قضاء ما تركه في حال الصغر ، لأنه لو وجب ( عليه ) ذلك لوجب عليه أداؤه في حال الصغر لأنه يقدر على فعله ، ولأن أيام الصغر تطول ، فلو أوجبنا عليه قضاء ما يفوت شق . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه أبو داود والنسائي في كتاب الحدود من سننهما من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإسناد صحيح ، رواه أبو داود أيضا في الحدود والنسائي وابن ماجه في كتاب الطلاق من رواية عائشة رضي الله عنها بإسناد حسن . ومعنى رفع القلم امتناع التكليف ، لا إنه رفع بعد وضعه . وقوله لوجب عليه أداؤه ينتقض بالمسافر فإنه يقدر على الأداء ولا يلزمه ويلزمه القضاء ، والدليل الصحيح أن يقال : زمن الصبي ليس زمن التكليف للحديث ، والقضاء إنما يجب حيث يجب بأمر جديد ، ولم يجيء فيه أمر جديد . أما أحكام الفصل : فلا يجب صوم رمضان على الصبي ، ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف لما ذكره المصنف وذكرته ، قال المصنف والأصحاب : وإذا أطاق الصوم وجب على الولي أن يأمره به لسبع سنين ، بشرط أن يكون مميزا ، ويضربه على تركه لعشر لما ذكره المصنف ، والصبية كالصبي في هذا كله بلا خلاف . فرع : قال أصحابنا : شروط صحة الصوم أربعة : النقاء عن الحيض والنفاس ، والإسلام ، والتمييز ، والوقت القابل للصوم ، وسيأتي تفصيلها في مواضعها إن شاء الله تعالى . . والله أعلم .

حصہ V06/P250–V06/P251

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن زال عقله بجنون لا يجب عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : وعن المجنون حتى يفيق فإن أفاق لم يجب عليه قضاء ما فاته في ( حال ) الجنون ، لأنه صوم فات في حال سقط فيه التكليف لنقص فلم يجب ( قضاؤه ) ، كما لو فات في حال الصغر ، وإن زال عقله بالإغماء لم يجب عليه في الحال لأنه لا يصح منه فإن أفاق وجب عليه القضاء لقوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة : 481 والإغماء مرض ويخالف الجنون فإنه نقص ، ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ويجوز عليهم الإغماء . + الشرح : هذا الحديث سبق بيانه قريبا . وقوله : ( سقط فيه التكليف لنقص ) احتراز من الإغماء والحيض . أما الأحكام : ففيه مسألتان إحداهما : المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع ، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون ، سواء قل أو كثر ، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه . هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه شاذ أنه يلزمه مطلقا ، حكاه الماوردي وابن الصباغ وآخرون عن ابن سريج . قال الماوردي : هذا مذهب لابن سريج وليس بصحيح . قال : ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء إنه لا يلزمه القضاء . وحكاه صاحب البيان عن ابن سريج ثم قال : وقيل لا يصح عنه ، وفيه وجه ثالث وهو مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إن أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما فاته ، وإن أفاق بعده فلا قضاء . قال صاحب البيان : قال ابن سريج : وقد حكى المزني في المنثور هذا عن الشافعي ، قال : ولا يصح عنه ، قال صاحب البيان : وهذا يدل على بطلان الحكاية عن ابن سريج فيمن أفاق بعد الشهر أنه يلزمه القضاء ، فحصل ثلاثة أوجه ( المذهب ) أنه لا قضاء عليه والثاني : يجب إن أفاق في الشهر لا بعده ، ودليل المذهب في الكتاب ، وحكاها الرافعي ثلاثة أقوال . قال : وهذا في الجنون المنفرد ، فلو ارتد ثم جن أو سكر ثم جن ففي وجوب القضاء وجهين ، قال : ولعل الأصح الفرق بين اتصاله بالردة واتصاله بالسكر كما سبق في الصلاة . وهذا الذي أشار إلى تصحيحه هو الأصح فيجب في المرتد قضاء الجميع ولا يجب في السكران إلا قضاء أيام السكر لأن حكم الردة مستمر بخلاف السكر . المسألة الثانية : المغمي عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف . ولنا قول مخرج وهو مذهب المزني أنه يصح صوم المغمى عليه ، وعلى هذا القول لا يلزمه الصوم أيضا بلا خلاف لأنه غير مكلف ، ويجب القضاء على المغمي عليه سواء استغرق جميع رمضان أبو بعضه لما ذكره المصنف . وحكى الأصحاب وجهان عن ابن سريج أن الإغماء المستغرق لجميع رمضان لا قضاء فيه كالجنون ، كما لا يجب عليه قضاء الصلاة ، هكذا نقل الجمهور عن ابن سريج . ونقل البغوي عنه أنه إذا استغرق الإغماء رمضان أو يوما منه لا قضاء عليه ، واختار صاحب الحاوي قول ابن سريج هذا في أنه لا قضاء على المغمي عليه والمذهب وجوب القضاء عليه . وفرق الأصحاب بين الجنون والإغماء بما فرق المصنف ، وبين الصوم والصلاة أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم . وهذا هو الفرق بين قضاء الحائض الصوم دون الصلاة . قال أصحابنا : ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربت لحاجة أو بعذر آخر لزمه قضاء الصوم دون الصلاة كالمغمي عليه ولا يأثم بترك الصوم في زمن زوال عقله .

حصہ V06/P251

وأما من زال عقله بمحرم كخمر أو غيره مما سبق بيانه في أول كتاب الصلاة فيلزمه القضاء ويكون آثما بالترك . . والله أعلم .

حصہ V06/P251–V06/P252

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن أسلم الكافر أو أفاق المجنون في أثناء يوم من رمضان استحب له إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يلزمه ذلك لأن المجنون أفطر بعذر ، والكافر وإن أفطر بغير عذر إلا أنه لما أسلم جعل كالمعذور فيما فعل في حال الكفر ، ولهذا لا يؤاخذ بقضاء ما تركه ولا بضمان ما أتلفه ، ولهذا قال الله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال : 83 ولا يأكل عند من لا يعرف عذره لأنه إذا تظاهر بالأكل عرض نفسه للتهمة وعقوبة السلطان ، وهل يجب عليه قضاء ذلك فيه وجهان أحدهما : يجب لأنه أدرك جزءا من وقت الفرض ، ولا يمكن فعل ذلك الجزء من الصوم إلا بيوم فوجب أن يقضيه بيوم ، كما نقول في المحرم ، إذا وجب عليه في كفارة نصف مد . فإنه يجب عليه بقسطه صوم نصف يوم ، ولكن لما لم يمكن فعل ذلك إلا بيوم وجب عليه صوم يوم والثاني : لا يجب ، وهو المنصوص في البويطي ، لأنه لم يدرك من الوقت ما يمكن الصوم فيه ، لأن الليل يدركه قبل التمام ، فام يلزمه كمن أدرك من أول وقت الصلاة قدر ركعة ثم جن . وإن بلغ الصبي أثناء يوم من رمضان ، نظرت فإن كان مفطرا فهو كالكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق في جميع ما ذكرناه ، وإن كان صائما ففيه وجهان أحدهما : يستحب إتمامه لأنه صوم ( نفل ) فاستحب إتمامه ، ويجب قضاؤه لأنه لم ينو الفرض ( به ) من أوله فوجب قضاؤه والثاني : يلزمه إتمامه ويستحب قضاؤه لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة فلزمه إتمامه كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه . + الشرح : قوله : ولهذا لا يؤاخذ بقضاء ما تركه ولا بضمان ما أتلفه ، إنما لا يطالب المتلف الحربي ، وأما الذمي فيطالب بالإجماع ، ومع هذا تحصل الدلالة لأنه إذا ثبت في الحربي استنبط منه دليل الذمي . أما أحكام الفصل : ففي المسألة طريقان إحداهما : طريقة المصنف وسائر العراقيين إن المجنون إذا أفاق في أثناء نهار رمضان والكافر إذا أسلم فيه والصبي إذا بلغ فيه مفطرا استحب لهم إمساك بقيته ولا يجب ذلك ، وفي وجوب قضائه وجهان الصحيح : المنصوص في البويطي وحرملة لا يجب . وقال ابن سريج : يجب ، وذكر المصنف دليل الجميع ، وإن بلغ الصبي صائما في أثنائه لزمه اتمامه على المنصوص ، وهو الأصح باتفاق الأصحاب ، وعلى هذا لا يلزمه قضاؤه ، وفيه وجه إنه يستحب إتمامه ويجب قضاؤه . وذكر المصنف دليلهما . والثانية : طريقة الخراسانيين أن في إمساك المجنون والكافر والصبي إذا بلغ فيه مفطرا ، فيه أربعة أوجه أصحها : يستحب والثاني : يجب والثالث : يلزم الكافر دونهما لقصيره والرابع : يلزم الكافر والصبي لتقصيرهما ، فإنه يصح من الصبي دون المجنون ، قالوا : وأما القضاء فلا يلزم الكافر والمجنون والصبي المفطر على الأصح من الوجهين ، وقيل من القولين والثاني : يلزمهم قيل يلزم الكافر دونهما ، وصححه البغوي وهو ضعيف غريب ، وإن كان الصبي صائما فالمذهب لزوم إتمامه بلا قضاء ، وقيل : يندب إتمامه ويجب القضاء . وبني جماعات منهم الخلاف في القضاء على الخلاف في الإمساك ، وفي كيفية البناء ثلاثة أوجه أحدها : وهو قول الصيدلاني من أوجب الإمساك لم يوجب القضاء ، ومن أوجب القضاء لم يوجب الإمساك والثاني : إن وجب القضاء وجب الإمساك وإلا فلا والثالث : إن وجب الإمساك وجب القضاء وإلا فلا ، والله أعلم . وقال أصحابنا : إذا بلغ الصبي في أثناء النهار صائما وقلنا بالمذهب إنه يلزمه إتمامه فجامع فيه لزمه الكفارة كباقي الأيام .

حصہ V06/P252–V06/P253

قال أصحابنا : وحيث لا يلزم هؤلاء المذكورين الإمساك يستحب لهم أن لا يأكلوا بحضور من لا يعرف حالهم . لما ذكره المصنف ، والله أعلم .

حصہ V06/P253–V06/P254

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهم الصوم ، لأنه لا يصح منهما ، فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء لما روت عائشة رضي الله عنها ( أنها ) قالت في الحيض : كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة فوجب القضاء على الحائض بالخبر وقيس عليهما النفساء لأنها في معناها ، فإن طهرت في أثناء النهار استحب لها أن تمسك بقية النهار ولا يجب . لما ذكرناه في الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق . + الشرح : حديث عائشة هذا رواه مسلم بلفظه ، ورواه البخاري مقتصرا على نفي الأمر بقضاء الصلاة . وقولها : كنا نؤمر معناه كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بذلك ، وهو صاحب الأمر عند الإطلاق . وقوله : طهرتا بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح وأشهر ، وسبق في كتاب الحيض الفرق بين قضائها للصوم دون الصلاة ، وأنهما مجمع عليهما ، وأن حكمته تكرر الصلاة فيشق قضاؤها بخلاف الصوم ، وأن أبا الزناد وإمام الحرمين خالفا في الحكمة . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل : إحداها : لا يصح صوم الحائض والنفساء ، ولا يجب عليهما ويحرم عليهما ويجب قضاؤه ، وهذا كله مجمع عليه ، ولو أمسكت لا بنية الصوم لم تأثم ، وإنما تأثم إذا نوته ، وإن كان لا ينعقد ، وقد ذكر المصنف هنا وفي باب الحيض دلائل هذا كله مع ما ضممته هناك إليه . الثانية : إذا طهرت في أثناء النهار يستحب لها إمساك بقيته ، ولا يلزمها ، لما ذكره المصنف ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، ونقل إمام الحرمين وغيره اتفاق الأصحاب عليه ، وحكى صاحب العدة في وجوب الإمساك عليها خلافا ، كالمجنون والصبي ، وهذا شاذ مردود . وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة والأوزاعي والثوري وجوب الإمساك . الثالثة : وجوب قضاء الصوم على الحائض والنفساء ، إنما هو بأمر مجدد ، وليس هو واجبا عليها في حال الحيض والنفاس . هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى القاضي حسين وإمام الحرمين والمتولي في باب الحيض وجها إنه لا يجب عليها الصوم بحال ، ويتأخر الفعل إلى الإمكان ، قال الإمام : وأنكره المحققون لأن شرط الوجوب اقتران الإمكان به ، والصواب الأول ، والله أعلم .

حصہ V06/P254–V06/P256

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن لا يقدر على الصوم بحال ، وهو الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ، والمريض الذي لا يرجى برؤه ، فإنه لا يجب عليهما الصوم ، لقوله عز وجل : وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج : 87 وفي الفدية قولان أحدهما : لا تجب ، لأنه سقط عنه فرض الصوم فلم تجب عليه الفدية ، كالصبي والمجنون والثاني : يجب عليه عن كل يوم مد من طعام وهو الصحيح ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : من أدركه الكبر فلم يستطع صيام رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إذا ضعف عن الصوم أطعم عن كل يوم مدا وروي أن أنسا رضي الله عنه ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم وإن لم يقدر على الصوم لمرض يخاف زيادته ويرجى البرء لم يجب عليه الصوم للآية ، فإذا برىء وجب عليه القضاء لقوله عز وجل : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة : 481 وإن أصبح صائما وهو صحيح ، ثم مرض أفطر ، لأنه أبيح له الفطر للضرورة والضرورة موجودة فجاز له الفطر . + الشرح : الأثر المذكور عن ابن عباس رواه البخاري عنه في صحيحه في كتاب التفسير ، والأثر عن أبي هريرة رواه البيهقي ، والأثر عن أنس رواه الدارقطني والبيهقي وقوله : يجهده هو بفتح الياء والهاء ويقال بضم الياء وكسر الهاء قال ابن فارس والجوهري وغيرهما : يقال جهد وأجهد إذا حمله فوق طاقته ، وجهده أفصح وقوله : برأ ، هذا هو الفصيح ، ويقال برىء وبرؤ ، وقد سبق مبسوطا في باب التيمم . أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : قال الشافعي الكبير الذي يجهده الصوم أي يلحقه به مشقة شديدة ، والمريض الذي لا يرجى برؤه لا صوم عليهما بلا خلاف ، وسيأتي نقل ابن المنذر الإجماع فيه ، ويلزمهما الفدية على أصح القولين . والثاني : لا يلزمهما ، والفدية مد من طعام لكل يوم ، وهذا الذي ذكرناه من صحيح وجوب الفدية متفق عليه عند أصحابنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وهو نص الشافعي في المختصر وعامة كتبه . ونصه في القديم وحرملة من الجديد أن لا فدية عليه ، وقال في البويطي : هي مستحبة واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم فصام فلا فدية ، والعجوز كالشيخ في جميع هذا ، وهو إجماع ، والله أعلم . الثانية : المريض العاجز عن الصوم لمرض يرجى زواله لا يلزمه الصوم في الحال ، ويلزمه القضاء ، لما ذكره المصنف ، هذا إذا لحقه مشقة ظاهرة بالصوم ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم ، بل قال أصحابنا : شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها ، قالوا : وهو على التفصيل السابق في باب التيمم . قال أصحابنا : وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا ، خلافا لأهل الظاهر ، قال أصحابنا : ثم المرض المجوز للفطر إن كان مطيقا فله ترك النية بالليل ، وإن كان يحم وينقطع ، ووقت الحمى لا يقدر على الصوم ، وإذا لم تكن حمى يقدر عليه فإن كان محموما وقت الشروع في الصوم فله ترك النية ، وإلا فعليه أن ينوي من الليل ، ثم إن عاد المرض واحتاج إلى الفطر أفطر ، والله أعلم . الثالثة : إذا أصبح الصحيح صائما ثم مرض ، جاز له الفطر بلا خلاف ، لما ذكره المصنف .

حصہ V06/P256–V06/P257

فرع : قال أصحابنا وغيرهم : من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك لزمه الفطر وإن كان صحيحا مقيما لقوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما النساء : 92 وقوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة : 591 ويلزمه القضاء كالمريض . والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو نذر الشيخ الكبير العاجز ، أو المريض الذي لا يرجى برؤه ، ففي انعقاده وجهان أصحهما : لا ينعقد لأنه عاجز ، وبنى المتولي وآخرون هذين الوجهين على وجهين ، ونقلوهما في أنه يتوجه على الشيخ العاجز الخطاب بالصوم ، ثم ينتقل إلى الفدية للعجز أم يخاطب ابتداء بالفدية والأصح إنه يخاطب بالفدية ابتداء ، فلا ينعقد نذره . فرع : إذا أوجبنا الفدية على الشيخ والمريض المأيوس من برئه ، وكان معسرا ، هل يلزمه إذا أيسر أم يسقط عنه فيه قولان كالكفارة والأصح : في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار ، لأنها في مقابلة جنايته ، فهي كجزاء الصيد ، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ، ولا يلزمه إذا أيسر ، كالفطرة لأنه عاجز حال التكليف بالفدية وليست في مقابلة جناية ونحوها ، وقطع القاضي في المجرد أنه أذا أيسر بعد الإفطار لزمه الفدية ، فإن لم يفد حتى مات لزمه إخراجها من تركته ، قال : لأن الإطعام في حقه كالقضاء في حق المريض والمسافر ، قال : وقد ثبت أن المريض والمسافر لو ماتا قبل تمكنهما من القضاء لم يجب شيء ، وإن زال عذرهما وقدرا على القضاء لزمهما ، فإن ماتا قبله وجب أن يطعم عنهما مكان كل يوم مد طعام ، فكذا هنا ، هذا كلام القاضي . فرع : إذا أفطر الشيخ العاجز ، والمريض الذي لا يرجى برؤه ، ثم قدر على الصوم فهل يلزمه قضاء الصوم فيه وجهان حكاهما الدارمي ، وقال البغوي ونقله القاضي حسين : إنه لا يلزمه . لأنه لم يكن مخاطبا بالصوم . بل بالفدية . بخلاف المعضوب إذا أحج عن نفسه ثم قدر فإنه يلزمه الحج على أصح القولين لأنه كان مخاطبا به . ثم اختار البغوي لنفسه أنه إذا قدر قبل أن يفدي لزمه الصوم وإن قدر بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالحج . لأنه كان مخاطبا بالفدية على توهم دوام عذره . وقد بان خلافه . والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في الشيخ العاجز عن الصوم صوم عليه . ويلزمه الفدية على الأصح . وهي مد من طعام عن كل يوم . سواء في الطعام البر والتمر والشعير وغيرها من أقوات البلد . هذا إذا كان يناله بالصوم مشقة لا تحتمل . ولا يشترط خوف الهلاك . وممن قال بوجوب الفدية وأنها مد ، طاووس وسعيد بن جبير والثوري و الأوزاعي قال أبو حنيفة : يجب لكل يوم صاع تمر ، أو نصف صاع حنطة . وقال أحمد : مد حنطة أو مدان من تمر أو شعير . وقال مكحول وربيعة ومالك أبو ثور : لا فدية ، واختاره ابن المنذر . قال ابن المنذر : وأجمعوا على أن للشيخ والعجوز العاجزين الفطر . فرع : اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجىء برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان ، ويجوز بعد طلوع فجر كل يوم ، وهل يجوز قبل الفجر في رمضان قطع الدارمي بالجواز ، وهو الصواب . وقال صاحب البحر : فيه احتمالان لوالده ، وليس بشيء ، ودليله القياس على تعجيل الزكاة .

حصہ V06/P257–V06/P259

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما المسافر ، فإنه إن كان سفره دون أربعة برد ، لم يجز له أن يفطر لأنه إسقاط فرض للسفر ، فلا يجوز فيما دون أربعة برد كالقصر ، وإن كان سفره في معصية لم يجز له أن يفطر ، لأن ذلك إعانة على المعصية ، وإن كان سفره أربعة برد في غير معصية فله أن يصوم وله أن يفطر ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله أصوم في السفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر . فإن كان ممن لا يجهده الصوم في السفر ، فالأفضل أن يصوم . لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال للصائم في السفر : أن أفطرت فرخصة وإن صمت فهو أفضل وعن عثمان بن أبي العاص أنه قال : الصوم أحب إلي . ولأنه إذا أفطر عرض الصوم للنسيان وحوادث الزمان ، فكان الصوم أفضل ، وإن كان يجهده الصوم فالأفضل أن يفطر . لما روى جابر رضي الله عنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ( في سفر ) برجل تحت شجرة يرش عليه الماء ، فقال : ما بال هذا قالوا : صائم يا رسول الله . فقال : ليس من البر الصيام في السفر . فإن صام المسافر ثم أراد أن يفطر . فله أن يفطر لأن العذر قائم فجاز له أن يفطر كما لو صام المريض ثم أراد أن يفطر ويحتمل عندي أنه لا يجوز له أن يفطر في ذلك اليوم ، لأنه دخل في فرض المقيم فلا يجوز له أن يترخص برخصة المسافر كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد أن يقصر . ومن أصبح في الحضر صائما ثم سافر لم يجز له أن يفطر في ذلك اليوم . وقال المزني : له أن يفطر كما لو أصبح الصحيح صائما ، ثم مرض فله أن يفطر والمذهب الأول . والدليل عليه أنه عبادة تختلف بالسفر والحضر . فإذا بدأ بها في الحضر ثم سافر لم يثبت له رخصة السفر كما لو دخل الصلاة في الحضر ثم سافر في أثنائها ويخالف المريض ، فإن ذلك مضطر إلى الإفطار والمسافر مختار . + الشرح : حديث عائشة رضي الله عنها رواه البخاري ومسلم . وحديث جابر رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم أيضا ، والأثران عن أنس وعثمان بن أبي العاص رواهما البيهقي ، وعثمان هذا صحابي ثقفي رضي الله عنه . وقوله ( أربعة برد ) بضم الباء والراء ، وهي ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي ، وسبق بيان هذا كله مبسوطا في باب صلاة المسافر ، وقوله ( إسقاط فرض للسفر ) احتراز عن استقبال القبلة في صلاة النفل ، فإنه إسقاط لا فرض . وقوله ( للسفر ) احتراز عمن عجز عن القيام فصلى قاعدا . قوله ( يجهده ) بفتح الياء وضمها وسبق بيانه قريبا . أما الأحكام : ففيه مسائل إحداهما : لا يجوز الفطر في رمضان في سفر معصية بلا خلاف ولا في سفر آخر دون مسافة القصر بلا خلاف ، وقد سبق هذان في باب مسح الخف وفي باب صلاة المسافر ، فإن كان سفره فوق مسافة القصر وليس معصية فله الفطر في رمضان بالإجماع ، مع نص الكتاب والسنة . قال الشافعي والأصحاب : له الصوم وله الفطر .

حصہ V06/P259–V06/P260

وأما أفضلهما فقال الشافعي والأصحاب : إن تضرر بالصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم أفضل ، وذكر الخراسانيون قولا شاذا ضعيفا مخرجا من القصر إن الفطر أفضل مطلقا والمذهب الأول ، والفرق أن في القصر تحصل الرخصة مع براءة الذمة ، وهنا إذا أفطر تبقى الذمة مشغولة ، ولأن في القصر خروجا من الخلاف ، وليس هنا خلاف يعتد به في إيجاب الفطر ، وقال المتولي : لو لم يتضرر في الحال بالصوم ، لكن يخاف الضعف منه وكان سفر حج أو عمرة فالفطر أفضل . الثانية : إذا أفطر المسافر لزمه القضاء ولا فدية ، قال الله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة : 481 معناه وأراد الفطر فله الفطر وعليه عدة من أيام أخر . الثالثة : لو أصبح في أثناء سفره صائما ثم أراد أن يفطر في نهاره فله ذلك من غير عذر ، نص عليه الشافعي وقطع به جميع الأصحاب وفيه احتمال للمصنف ولإمام الحرمين أنه لا يجوز . وحكاه الرافعي وجها ، وقد ذكر المصنف دليله ، وفرق صاحب الحاوي بين القصر والفطر بأن من دخل في الصلاة تامة التزم الإتمام فلم يجز له القصر لئلا يذهب ما التزمه لا إلى بدل ، وأما المسافر إذا صام ثم أفطر فلا يترك الصوم إلا إلى بدل وهو القضاء ، فجاز له ذلك مع دوام عذره ، وإذا قلنا بالنص وقول الأصحاب : إن له الفطر ففي كراهته وجهان أصحهما : لا كراهة للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . الرابعة : إذا سافر المقيم فهل له الفطر في ذلك اليوم له أربعة أحوال : أن يبدأ السفر بالليل ويفارق عمران البلد قبل الفجر ، فله الفطر بلا خلاف . الثاني : أن لا يفارق العمران إلا بعد الفجر ، فمذهب الشافعي المعروف من نصوصه ، وبه قال مالك وأبو حنيفة : ليس له الفطر في ذلك اليوم . وقال المزني : له الفطر ، وهو مذهب أحمد وإسحاق ، وهو وجه ضعيف حكاه أصحابنا عن غير المزني من أصحابنا أيضا والمذهب الأول ، فعلى هذا لو جامع فيه لزمه الكفارة لأنه يوم من رمضان وهو صائم فيه صوما لا يجوز فطره ، ودليل الجميع في الكتاب . قال صاحب الحاوي : وقيل : إن المزني رجع عن هنا المنقول عنه وقال اضربوا على قولي قال وكان احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح من المدينة صائما حتى بلغ كراع الغميم أفطر فظن أنه أفطر في نهاره . وهذا الحديث في الصحيحين ، وكراع الغميم عند عسفان بينه وبين المدينة نحو سبعة أيام أو ثمانية ، فلم يفطر النبي صلى الله عليه وسلم في يوم خروجه ، والله أعلم . الثالث : أن ينوي الصيام في الليل ثم يسافر ولا يعلم هل سافر قبل الفجر أو بعده . قال الصيمري والماوردي وصاحب البيان وغيرهم : ليس له الفطر لأنه يشك في مبيح الفطر ولا يباح بالشك . الرابع : أن يسافر من بعد الفجر ولم يكن نوى الصيام فهذا ليس بصائم لا خلاله بالنية من الليل فعليه قضاؤه ويلزمه الإمساك هذا اليوم لأن حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضر . هكذا ذكره الصيمري والماوردي وصاحب البيان وهو ظاهر ، ويجىء فيه قول المزني ، والوجه الموافق له ، والله أعلم .

حصہ V06/P260–V06/P261

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن قدم المسافر وهو مفطر ، أو برأ المريض وهو مفطر ، استحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ، ولا يجب ذلك لأنهما أفطرا بعذر ، ولا يأكلان عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة والعقوبة ، وإن قدم المسافر وهو صائم أو برأ المريض وهو صائم فهل لهما أن يفطرا فيه وجهان . قال أبو علي بن أبي هريرة : يجوز لهما الإفطار لأنه أبيح لهما الفطر من أول النهار ظاهرا وباطنا فجاز لهما الإفطار في بقية النهار ، كما لو دام السفر والمرض . وقال أبو إسحاق : لا يجوز لهما الإفطار ، لأنه زال سبب الرخصة قبل الترخص فلم يجز الترخص ، كما لو قدم المسافر وهو في الصلاة فإنه لا يجوز له القصر . + الشرح : فيه مسائل إحداها : قدم المسافر أو برأ المريض وهما مفطران يستحب إمساك بقية يومه ولا يجب عندنا وأوجبه أبو حنيفة . دليلنا أنهما أفطرا بعذر الثانية : يستحب إذا أكلا أن لا يأكلا عند من يجهل عذرهما للعلة المذكورة الثالثة : إذا قدم المسافر وهو صائم هل له الفطرة فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : نعم وبه قال ابن أبي هريرة ، ونقله الماوردي عن نصه في حرملة وأصحهما : عند القاضي أبي الطيب وجمهور الأصحاب لا يجوز ، وهو قول أبي إسحاق . وهكذا الحكم لو نوى المسافر الإقامة في بلد بحيث تنقطع رخصه ولو برأ المريض وهو صائم فطريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب وآخرون ، فيه الوجهان كالمسافر أصحهما : يحرم الفطر والثاني : يجوز والطريق الثاني : وبه قطع الفوراني وجماعة من الخراسانيين يحرم الفطر وجها واحدا . الرابعة : لو قدم المسافر ولم يكن نوى من الليل صوما ولا أكل في نهاره قبل قدومه فطريقان أصحهما : وبه قطع القاضي أبو الطيب في المجرد والدارمي والماوردي وآخرون . ونقله الماوردي عن نصه في الأم : له الأكل لأنه مفطر لعدم النية من الليل ، فجاز له الأكل كالمفطر بالأكل والثاني : حكاه الفوراني وغيره من الخراسانيين في وجوب الإمساك وجهان الصحيح : لا يلزمه والثاني : يلزمه حرمة لليوم . فرع : لا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوما في رمضان غيره من قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع ، فإن صام شيئا من ذلك لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى ولا غيره . وهذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء . وقال أبو حنيفة في المريض كقولنا ، وقال في المسافر : يصح ما نوى . دليلنا القياس على المريض . فرع : إذا قدم المسافر في أثناء نهار وهو مفطر ، فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس ، أو برأت من مرض وهي مفطرة فله وطؤها ولا كفارة عليه عندنا بلا خلاف ، وقال الأوزاعي : لا يجوز وطؤها . دليلنا أنهما مفطران فأشبه المسافرين والمريضين .

حصہ V06/P261–V06/P263

فرع : إذا دخل على الإنسان شهر رمضان وهو مقيم جاز له أن يسافر ويفطر هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والثوري و الأوزاعي وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكاه أصحابنا عن أبي مخلد التابعي أنه لا يسافر ، فإن سافر لزمه الصوم وحرم الفطر وعن عبيدة السلماني بفتح العين وسويد بن غفلة بفتح الغين المعجمة والفاء التابعين أنه يلزمه الصوم بقية الشهر ولا يمتنع السفر لقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه دليلنا قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافرا وأفطر والآية التي احتجوا بها محمولة على من شهد كل الشهر في البلد ، وهو حقيقة الكلام ، فإن شهد بعضه لزمه صوم ما شهد منه في البلد ، ولا بد من هذا التفسير للجمع بين الأدلة . فرع في مذاهب العلماء في السفر المجوز للفطر ذكرنا أن مذهبنا أنه ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي ، وهذه المراحل مرحلتان قاصدتان وبهذا قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام كما قال في القصر ، وقال قوم : يجوز في كل سفر وإن قصر ، وسبقت هذه المذاهب بأدلتها في صلاة المسافر . فرع في مذاهبهم في جواز الصوم والفطر مذهبنا جوازهما وبه أحمد والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . قال العبدري : هو قول العلماء . وقالت الشيعة : لا يصح وعليه القضاء ، واختلف أصحاب داود الظاهري فقال بعضهم : يصح صومه ، وقال بعضهم : لا يصح ، وقال ابن المنذر : كان ابن عمر وسعيد بن جبير يكرهان صوم المسافر قال : وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : إن صام قضاه قال : وروي عن ابن عباس قال : لا يجزئه الصيام وعن عبد الرحمن بن عوف قال : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وحكى أصحابنا بطلان صوم المسافر عن أبي هريرة وأهل الظاهر والشيعة . واحتج هؤلاء بحديث جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلا قد ظلل عليه ، فقال : ما هذا قالوا : صائم . فقال : ليس البر الصوم في السفر رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم ليس البر أن تصوموا في السفر وعن جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل بعد ذلك إن بعض الناس قد صام ، فقال : أولئك العصاة ، أولئك العصاة رواه مسلم . وعن أنس رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أكثرنا ظلا صاحب الكساء ، فمنا من يقي الشمس بيده ، فسقط الصوام ، وقام المفطرون فضربوا الأبنية سقوا الركاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذهب المفطرون اليوم بالأجر رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يجب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصية رواه أحمد بن حنبل في مسنده وابن خزيمة في صحيحه . واحتج أصحابنا بحديث عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أصوم في السفر قال : إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر رواه البخاري ومسلم . وعن حمزة بن عمرو رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله . .

حصہ V06/P263–V06/P265

أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد ، ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رواه البخاري ومسلم . وعن أنس رضي الله عنه قال : كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم رواه البخاري ومسلم . وعن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما قالا : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصوم الصائم ويفطر المفطر ، ولا يعيب بعضهم على بعض رواه مسلم . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نعزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلا يجد الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن رواه مسلم . وعن أبي سعيد أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صام يوما في سبيل الله عز وجل باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارا ليراه الناس ، فأفطر حتى قدم مكة ، فكان ابن عباس يقول : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر ، فمن شاء صام ومن شاء أفطر رواه البخاري . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت ، وقصر وأتممت ، فقلت : بأبي وأمي أفطرت وصمت ، وقصرت وأتممت فقال : أحسنت يا عائشة رواه الدارقطني ، وقال : إسناده حسن ، وقد سبق بيانه في صلاة المسافر ، وفي المسألة أحاديث كثيرة صحيحة سوى ما ذكرته . وأما الأحاديث التي احتج بها المخالفون ، فمحمولة على من يتضرر بالصوم ، وفي بعضها التصريح بذلك ، ولا بد من هذا التأويل ليجمع بين الأحاديث . وأما : المنقول عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الصائم في السفر كالمفطر في الحضر فقال البيهقي : هو موقوف منقطع ، وروي مرفوعا وإسناده ضعيف ، والله أعلم . فرع : في مذاهبهم فيمن أطاق الصوم في السفر بلا ضرر ، هل الأفضل صومه في رمضان أم فطره قد ذكرنا مذهبنا أن صومه أفضل وبه قال حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وعثمان بن العاص رضي الله عنهم ، وعروة بن الزبير والأسود بن يزيد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وسعيد بن جبير والنخعي والفضيل بن عياض ومالك وأبو حنيفة والثوري وعبد الله بن المبارك وأبو ثور وآخرون ، وقال ابن عباس وابن عمر وابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد و إسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي : الفطر أفضل ، وقال آخرون : هما سواء ، وقال مجاهد وعمر بن عبد الغزيز وقتادة : الأفضل منهما هو الأيسر والأسهل عليه ، قال ابن المنذر : وبه أقول .

حصہ V06/P265–V06/P266

واحتج لمن رجح الفطر بالأحاديث السابقة كقوله صلى الله عليه وسلم : ليس من البر الصوم في السفر وقوله صلى الله عليه وسلم في الصائمين : أولئك العصاة وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الكديد وهو بفتح الكاف ثم أفطر ، قال : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره رواه البخاري ومسلم ، وحديث حمزة بن عمرو السابق هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه . واحتج أصحابنا بحديث أبي الدرداء السابق في صيام النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة وبحديث أبي سعيد السابق كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فمنا الصائم ومنا المفطر إلى آخره ، وهذا الحديثان هما المعتمد في المسألة ، وكذا حديث عائشة ( قصرت وأتممت ) في صيام النبي إلى آخره وأما : الحديث المروي عن سلمة بن المحبق بكسر الباء وفتحها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان في سفر على حمولة يأوي إلى شبع فليصم حيث أدركه رمضان فهو حديث ضعيف رواه البيهقي وضعفه ، ونقل عن البخاري تضعيفه وأنه ليس بشيء وكذا الحديث المرفوع عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أفطرت فهو رخصة وإن صمت فهو أفضل حديث منكر قاله البيهقي وإنما هو موقوف على أنس . والجواب : عن الأحاديث التي احتج بها القائلون بفضل الفطر إنها محمولة على من يتضرر بالصوم ، وفي بعضها التصريح بذلك كما سبق ، ولا بد من هذا التأويل ليجمع بين الأحاديث ، والله أعلم .

حصہ V06/P266–V06/P268

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض ، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء بدلا عن الصوم ، وفي الكفارة ثلاثة أوجه . قال : في الأم : يجب عن كل يوم مد من الطعام وهو الصحيح لقوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية البقرة : 481 قال ابن عباس : نسخت هذه الآية ، وبقيت للشيخ الكبير والعجوز ، والحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينا والثاني : أن الكفارة مستحبة غير واجبة ، وهو قول المزني لأنه إفطار بعذر ، فلم تجب فيه الكفارة كإفطار المريض والثالث : يجب على المرضع دون الحامل لأن الحامل أفطرت لمعنى فيها فهي كالمريض ، والمرضع أفطرت لمنفصل عنها فوجب عليها الكفارة ، والله أعلم . + الشرح : هذا المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما رواه أبو داود بإسناد حسن عنه ، قال أصحابنا : الحامل والمرضع إن خافتا من الصوم على أنفسهما أفطرتا وقضتا ، ولا فدية عليهما كالمريض ، وهذا كله لا خلاف فيه ، وإن خافتا على أنفسهما وولديهما فكذلك بلا خلاف ، صرح به الدارمي والسرخسي وغيرهما ، وإن خافتا على ولديهما لا على أنفسهما أفطرتا وقضتا بلا خلاف ، وفي الفدية هذه الأقوال التي ذكرها المصنف أصحها : باتفاق الأصحاب وجوبها كما صححه المصنف ، وهو المنصوص في الأم والمختصر وغيرهما . قال صاحب الحاوي : وهو نصه في القديم والجديد ، ونقله الربيع والمزني ، قال هو وغيره : ونص في البويطي على وجوب الفدية على المرضع دون الحامل فحصل في الحمل قولان ونقل أبو علي الطبري في الإفصاح إن الشافعي نص في موضع آخر على أن الفدية ليست بواجبة على واحدة منهما ، بل هي مستحبة ، وجعل الماوردي والسرخسي وآخرون هذا الثالث مخرجا من نص البويطي في الحامل . قال الماوردي : ومنهم من أنكر هذا الثالث ، وكذا قاله غيره ، واقتصر البغوي والجرجاني وخلق من الأصحاب على قولين في الحامل وقطعوا بالوجوب على المرضع . والله أعلم . فإذا أوجبنا الفدية فهل تتعدد بتعدد الأولاد فيه طريقان أصحهما : وبه قطع البغوي : والثاني : فيه وجهان حكاه الرافعي . فرع : إذا أوجنبا الفدية على المرضع إذا أفطرت للخوف على ولدها ، فلو استؤجرت لإرضاع ولد غيرها فالصحيح : بل الصواب الذي قطع به القاضي حسين في فتاويه ، وصاحب التتمة وغيرهما أنه يجوز لها الإفطار وتفدي ، كما في ولدها ، بل قال القاضي حسين : يجب عليها الإفطار إن تضرر الرضيع بالصوم واستدل صاحب التتمة بالقياس على السفر ، فإنه يستوي في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه وغرض غيره بأجرة وغيرها ، وشذ الغزالي في فتاويه فقال : ليس لها أن تفطر ولا خيار لأهل الصبي وهذا غلط ظاهر . قال القاضي حسين : وعلى من تجب فدية فطرها في هذا الحال فيه احتمالان هل هي عليها أم على المستأجر كما لو استأجر للمتمتع فهل يجب دمه على الأجير أو المستأجر فيه وجهان ، كذا قال القاضي ، ولعل الأصح وجوبها على المرضع بخلاف دم التمتع فإن الأصح وجوبه على المستأجر ، لأنه من تتمة الحج الواجب على المستأجر وهنا الفطر من تتمة إيصال المنافع الواجبة على المرضع . قال القاضي : ولو كان هناك نسوة مراضع فأرادت واحدة أن تأخذ صبيا ترضعه تقربا إلى الله تعالى ، جاز لها الفطر للخوف عليه ، وإن لم يكن متعينا عليها .

حصہ V06/P268

فرع : لو كانت المرضع أو الحامل مسافرة أو مريضة ، فأفطرت بنية الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها بلا خلاف ، وإن لم تقصد الترخص وأفطرت للخوف على الولد لا على نفسها ، ففي وجوب الفدية وجهان ، كالوجهين في فطر المسافر بالجماع لا بنية الترخص ، كذا ذكره البغوي وغيره ، والأصح في جماع المسافر المذكور لا كفارة ، كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى . فرع في مذاهب العلماء في الحامل والمرضع إذا خافتا فأفطرتا قد ذكرنا أن مذهبنا أنهما إن خافتا على أنفسهما لا غير ، أو على أنفسهما وولدهما أفطرتا وقضتا ، ولا فدية عليهما بلا خلاف ، وإن أفطرتا للخوف على الولد أفطرتا وقضتا والصحيح وجوب الفدية ، قال ابن المنذر : وللعلماء في ذلك أربع مذاهب ، قال ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير : يفطران ويطعمان ، ولا قضاء عليهما ، وقال عطاء بن أبي رباح والحسن والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة و الثوري وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي : يفطران ويقضيان ، ولا فدية كالمريض ، وقال الشافعي وأحمد : يفطران ويقضيان ويفديان ، وروى ذلك عن مجاهد ، وقال مالك : الحامل تفطر وتقضي ولا فدية والمرضع تفطر وتقضي وتفدي ، قال ابن المنذر : وبقول عطاء أقول .

سوالات