Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

حصہ V06/P502–V06/P503

فرع : إذا دعي لتحمل شهادة قال المتولي : إن كان اعتكافه تطوعا ، ولم يتعين بالتحمل ، فالأولى أن لا يخرج ، وإن تعين عليه التحمل لزمه الخروج ، لأن ذلك واجب ، وإن كان اعتكافه واجبا لم يلزمه الإجابة ، سواء كان متتابعا أم لا لأنه مشتغل بفرض فلا يلزمه قطعه ، وهل يباح له الخروج ينظر فإن لم يكن شرط التتابع جاز الخروج ولأنه لا يبطل بخروجه عبادته فيخرج ، فإذا عاد بنى وإن كان شرط التتابع لم يجز الخروج ، لأنه يبطل ما مضى من عبادته ، وإبطال العبادة الواجبة لا يجوز ، هذا آخر كلام المتولي ، وقال الدارمي : إذا دعي لتحمل شهادة وهناك غيره لم يجز ، فإن خرج بطل اعتكافه ، ولم يذكر الدارمي غير هذا ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا شرعت المرأة في الاعتكاف ، فوجبت عليها عدة وفاة أو فرق فخرجت لقضائها ، هل يبطل اعتكافها فيه طريقان حكاهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الأصحاب ، وهو المنصوص : لا يبطل حتى إذا نذرت متتابعا أكملت العدة ، ثم عادت إلى المسجد وبنت على ما مضى والثاني : في بطلانه قولان ( المنصوص ) لا يبطل والثاني : خرجه ابن سريج من مسألة الشهادة أنه يبطل ، وذكر المصنف والأصحاب الفرق بين الشهادة والعدة ، هكذا أطلق الجمهور المسألة . وقال المتولي : إذا نذرت اعتكافا متتابعا بغير إذن الزوج وشرعت فيه فلزمتها العدة لزمها العود إلى مسكنها للإعتداد ، فإذا خرجت ففي بطلان اعتكافها الطريقان ، قال : فأما إن شرعت في الاعتكاف بإذنه ولزمتها العدة فهل يلزمها العود إلى منزلها للإعتداد أم لها البقاء في الاعتكاف حتى ينقضي فيه خلاف نذكره في كتاب العدد إن شاء الله تعالى . فإن قلنا : لها البقاء فخرجت بطل اعتكافها ، لأنها خرجت من غير ضرورة وإن قلنا : يلزمها العود إلى المنزل فعادت ، هل تبني بعد العدة أم يبطل اعتكافها فيه الطريقان السابقان ، هذا كلام المتولي . وذكر البغوي نحوه . وزاد أنها إذا لزمها الخروج للعدة في الصورة الأولى فمكثت في الاعتكاف ولم تخرج عصت وأجزأها الاعتكاف . قال الدارمي : ولو قال لها الزوج : أنت طالق إن شئت فقالت وهي معتكفة : شئت فيحتمل وجهين أحدهما : أنها كالشاهد المختار والثاني : أنها كعدة وجبت بغير مشيئتها قلت : الأول أصح ، والله أعلم .

حصہ V06/P503–V06/P504

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن مرض مرضا لا يأمن معه تلويث المسجد كانطلاق الجوف وسلس البول خرج كما يخرج لحاجة الإنسان . وإن كان مرضا يسيرا يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة لم يخرج . وإن خرج بطل اعتكافه . وإن كان مرضا يحتاج إلى الفراش ويشق معه المقام في المسجد ففيه قولان بناء على القولين في المريض إذا أفطر في صوم الشهرين المتتابعين فإن أغمي عليه فأخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه قولا واحدا لأنه لم يخرج باختياره . + الشرح : قال الشافعي في المختصر : فإن مرض أو أخرجه السلطان ، واعتكافه واجب فإذا برأ أو خلي بنى ، فإن مكث بعد برئه شيئا من غير عذر ابتدأه ، هذا نصه . قال أصحابنا : المرض ثلاثة أقسام أحدها : مرض يسير لا تشق معه الإقامة في المسجد كصداع وحمى خفيفة ووجع الضرس ولعين ونحوها فلا يجوز بسببه الخروج من المسجد إذا كان الاعتكاف نذرا متتابعا ، فإن خرج بطل اعتكافه لأنه غير مضطر إليه . الثاني : مرض يشق معه الإقامة في المسجد لحاجته إلى الفراش والخادم ، وتردد الطبيب ونحو ذلك فيباح له الخروج ، فإذا خرج ففي انقطاع التتابع طريقان حكاهما القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي وآخرون أحدهما : لا ينقطع قولا واحدا ، وهو ظاهر النص الذي ذكرناه . قال القاضي أبو الطيب قي المجرد : هو المنصوص للشافعي في كتبه والثاني : فيه قولان ، وبهذا الطريق قطع المصنف والبغوي والسرخسي وآخرون ، واتفقوا على أن الأصح هنا إنه لا ينقطع ، وتعليل الجميع في الكتاب . الثالث : مرض يخاف معه تلويث المسجد كانطلاق البطن وإدرار البول والاستحاضة والسلس ونحوها فله الخروج ، وفي انقطاع التتابع طريقان الصحيح المشهور وبه قطع المصنف والجمهور : لا ينقطع قولا واحدا لما ذكره المصنف والثاني : حكاه السرخسي وغيره فيه قولان . أما إذا أغمي عليه في الاعتكاف فإن لم يخرج من المسجد فأفاق فاعتكافه باق لا يبطل . قال المتولي : والمذهب أن زمان الإغماء محسوب من الاعتكاف كما ذكرنا في الصائم إذا أغمي عليه بعض النهار . قال : وفيه وجه أنه لا يحسب ذلك الزمان عن الاعتكاف تخريجا من قولنا في الصائم إذا أغمي عليه يبطل ، وبهذا الوجه قطع صاحب الحاوي . قال : بخلاف ما إذا نام المعتكف فإنه يحسب زمان نومه كالمستيقظ في جريان الأحكام عليه . هذا إذا لم يخرجه أهله من المسجد ، فأما إذا أخرجوه فلا ينقطع تتابع اعتكافه لما ذكره المصنف . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وقال المتولي وآحرون : هو المريض إن خيف تلويث المسجد منه لم يبطل تتابعه بالإخراج وإلا ففيه القولان أصحهما : لا يبطل ، إما إذا جن فإن لم يخرجه وليه من المسجد حتى أفاق لم يبطل اعتكافه . قال المتولي : لكن لا يحسب زمان الجنون من اعتكافه لأن العبادات البدنية لا يصح من المجنون أداؤها في حال الجنون ، فإن أخرجه المولى فإن كان لا سبيل إلى حفظه في المسجد لم يبطل التتابع اعتكافه بلا خلاف ، وإن كان يمكن حفظه قال المتولي : فهو كالمريض فيكون فيه الخلاف ، والمذهب أنه لا ينقطع تتابعه ، وهو الجاري على القاعدة فإن لم يخرج باختياره ، وبهذا قطع الماوردي والقاضي أبو الطيب في المجرد والسرخسي وصاحب العدة وآخرون ، ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه ، ونقل القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في الأم إنه لو بقى في الجنون سنين ثم أفاق بنى ، فهذا هو الصواب ، والله أعلم . فرع : قال صاحب الشامل : إذا أراد المعتكف الخروج للفصد والحجامة ، فإن كانت الحاجة داعية إليه بحيث لا يمكن تأخره جاز الخروج له ، وإلا فلا ، كالمرض يفرق فيه بين الخفيف وغيره كما سبق .

حصہ V06/P504–V06/P506

قال المصنف رحمه الله تعالى : قال في الأم : وإن سكر فسد اعتكافه ثم قال : وإن ارتد ثم أسلم بنى على اعتكافه . واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق ( فمنهم ) من قال : لا يبطل فيهما ، لأنهما لم يخرجا من المسجد ، وتأول قوله في السكران على ما إذا سكر وأخرج أنه لا يجوز إقراره في المسجد إذا خرج ليقام عليه الحد ومنهم من قال : يبطل فيهما لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المقام في المسجد ، والمرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادات ، وتأول قوله في المرتد إذا ارتد في اعتكاف غير متتابع إنه يرجع ويتم ما بقي ومنهم من حمل المسألتين على ظاهرهما . فقال في السكران يبطل لأنه ليس من أهل المقام في المسجد . لأنه لا يجوز إقراره فيه فصار كما لو خرج من المسجد ، والمرتد من أهل المقام فيه . لأنه يجوز إقراره فيه . + الشرح : هذان النصان مشهوران كما ذكرهما المصنف والأصحاب . فيهما طرق متشعبة جمعها الرافعي ونقحها . فقال في المسألة ستة طرق أصحها : بطلان اعتكاف السكران والمرتد جميعا بطرآن السكر والردة . لأنهما أفحش من الخروج من المسجد وتأول هؤلاء نصه في السكران إنه في اعتكاف متتابع فينقطع ونصه في المرتد أنه اعتكاف غير متتابع فإذا أسلم بني لأن الردة عندنا لا تحبط الأعمال إلا إذا مات مرتدا والطريق الثاني : لا يبطل فيهما لما ذكره المصنف والثالث : فيهما قولان والرابع : تقرير النصين وبطلانه في السكران دون المرتد ، وذكر المصنف الفرق وهذا الطريق هو الصحيح عند الشيخ أبي حامد وأصحابه ، ونقله صاحب الشامل عن الأصحاب والخامس : يبطل السكر لامتداد زمانه ، وكذا الردة إن طال زمنها ، وإن قصر بنى والسادس : يبطل بالردة دون السكر لأنه كاليوم بخلاف الردة لأنها تنافي العبادات . وهذا الطريق حكاه إمام الحرمين والغزالي . قال الرافعي : ولم يذكر غيرهما ، وممن صحح الطريق الأول وهو بطلان الاعتكاف فيهما القفال وإمام الحرمين و البغوي والمتولي وغيرهم ، ونقل الماوردي وغيره أن الشافعي أمر الربيع أن يضرب على مسألة المرتد ولا تقرأ عليه . قال الماوردي : قال هذا الناقل عن الشافعي : مذهب الشافعي أنه يبطل الاعتكاف لأنها أفحش من السكر وأسوأ حالا . والله أعلم . قال الرافعي : وهذا الخلاف إنما هو في أنه هل يبطل ما مضى من اعتكافه قبل الردة والسكر ويجب استئنافه إذا كان معتكفا عن نذر متتابع أم يبقى صحيحا فيبني عليه إذا زال السكر والردة فأما زمن الردة والسكر فلا يعتد به بلا خلاف . قال : وفي وجه شاذ يعتد بزمان السكر . قال : وأشار إمام الحرمين والغزالي إلى أن الخلاف في الاعتبار بزمان الردة والسكر ، والصواب ما سبق ، والله أعلم . قال الماوردي ( فإن قيل ) لم قلتم : إن الردة إذا طرأت في الصيام تبطله وفي الاعتكاف خلاف قلنا : لأن الاعتكاف يتخلله ما ليس منه وهو الخروج لقضاء حاجة الإنسان وغير ذلك بخلاف الصيام والله أعلم .

حصہ V06/P506–V06/P507

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حاضت المعتكفة خرجت من المسجد لأنه لا يمكنها المقام في المسجد وهل يبطل اعتكافها تنظر فيه فإن كان الاعتكاف في مدة لا يمكن حفظها من الحيض لم يبطل فإذا طهرت بنت عليه كما لو حاضت في صوم ( شهرين متتابعين ، وإن كان في مدة يمكن حفظها من الحيض بطل كما لو حاضت في صوم ) ثلاثة أيام متتابعة . + الشرح : قال الشافعي في البويطي : إذا حاضت المعتكفة خرجت ، فإذا طهرت رجعت وبنت . هكذا نص عليه ونقله عن نصه في البويطي القاضي أبو الطيب وغيره . قال أصحابنا : إذا حاضت في اعتكافها لزمها الخروج من المسجد فإذا خرجت وطهرت فإن كان اعتكافها تطوعا وأرادت البناء عليه بنت ، وإن كان نذرا غير متتابع بنت ، وإن كان متتابعا فإن كان مدة لا يمكن حفظها من الحيض غالبا بأن كان أكثر من خمسة عشر يوما لم يبطل التتابع بل تبني عليه بلا خلاف ، وإن كانت مدة يمكن حفظها من الحيض كخمسة عشر فما دونها فطريقان أحدهما : ينقطع ، وبهذا جزم المصنف وطائفة . والثاني : فيه خلاف كالخلاف في انقطاع تتابع صوم كفارة اليمين بالحيض إذا أوجبنا تتابعه . ومنهم من حكى هذا الخلاف وجهين ، ومنهم من حكاه قولين وممن حكاه البغوي ، والأصح الانقطاع . قال البغوي : ولو نفست فهو كما لو حاضت والله أعلم . فرع : والمستحاضة المعتكفة لا يجوز لها الخروج من المسجد إن كان اعتكافها نذرا ، سواء المتتابع وغيره لأنها كالطاهر ، لكن تحترز عن تلويث المساجد ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : اعتكفت مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه وهي مستحاضة ، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي وممن ذكر المسألة صاحب الحاوي وابن المنذر وأشار إلى أنها مجمع عليها . فرع في مذاهب العلماء في المعتكفة إذا حاضت يلزمها الخروج من المسجد ، وإذا خرجت سكنت في بيتها كما كانت قبل الاعتكاف حتى ينقطع حيضها ، ثم تعود إلى اعتكافها ، وحكاه ابن المنذر عن عمرو بن دينار والزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة ، قال : وقال أبو قلابة : تضرب خباءها على باب المسجد ، قال النخعي : تضربه في دارها حتى تطهر فتعود إلى الاعتكاف . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرم المعتكف بالحج ، فإن أمكنه أن يتم الاعتكاف ثم يخرج لم يجز أن يخرج ، فإن خرج بطل اعتكافه لأنه غير محتاج إلى الخروج ، وإن خاف فوت الحج خرج للحج لأن الحج يجب بالشرع فلا يتركه بالاعتكاف ، فإذا خرج بطل اعتكافه ، لأن الخروج ( حصل ) باختياره لأنه كان يسعه أن يؤخره . + الشرح : قال أصحابنا : يصح إحرام المعتكف بالحج والعمرة ، فإذا أحرم بهما أو بأحدهما والوقت واسع بحيث يمكن إتمام الاعتكاف ثم إدراك الحج لزمه اتمام الاعتكاف ، وإن ضاق الوقت لزمه الخروج للحج وينقطع اعتكافه المتتابع فإذا عاد من الحج لزمه استئنافه بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، والله أعلم .

حصہ V06/P507–V06/P508

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن خرج من المسجد ناسيا لم يبطل اعتكافه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه لو أكل في الصوم ناسيا لم يبطل فكذلك إذا خرج من الاعتكاف ناسيا لم يبطل ، وإن خرج مكرها محمولا لم يبطل اعتكافه للخبر ، ولأنه لو أوجر الصائم في فيه طعاما لم يبطل صومه فكذلك هذا ، فإن أكرهه حتى خرج بنفسه ففيه قولان كالصائم إذا أكره حتى أكل بنفسه ، وإن أخرجه السلطان لإقامة الحد عليه فإن كان قد ثبت الحد بإقراره بطل اعتكافه ، لأنه خرج باختياره وإن ثبت بالبينة ففيه وجهان أحدهما : يبطل لأنه اختار سببه وهو الشرب والسرقة والثاني : لا يبطل لأنه لم يشرب ولم يسرق ، ليخرج ويقام عليه الحد وإن خاف من ظالم فخرج واستتر لم يبطل اعتكافه لأنه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذور فيه فلم يبطل اعتكافه . + الشرح : هذا الحديث حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما ، ولفظهما عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . أما الأحكام : ففي الفصل مسائل : إحداها : إذا خرج من المسجد ناسيا للاعتكاف لم يبطل لما ذكره المصنف هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . قال الرافعي : وقيل في بطلانه قولان قال : ( فإن قلنا ) لا يبطل فلم يتذكر إلا بعد طول الزمان فوجهان ، كما لو أكل كثيرا ناسيا ذكر الوجهين أيضا المتولي وغيره ، والأصح أنه لا يبطل . الثانية : لو حمل مكرها فأخرج لم يبطل اعتكافه لما ذكره المصنف ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، قال الرافعي : وقيل في بطلانه قولان كالمكره لأنه فارق المسجد بعذر ، وإن أكره حتى خرج بنفسه فطريقان أصحهما : فيه قولان كالإكراه على الأكل في الصوم أصحهما : لا يبطل اعتكافه والثاني : يبطل . والطريق الثاني : لا يبطل قولا واحدا ، ولو خاف المعتكف من ظالم فخرج واستتر ففي بطلان اعتكافه قولان كالمكره أصحهما : لا يبطل ، وممن ذكره القولين فيه البغوي و الرافعي وآخرون ، وأنكر جماعة على المصنف كونه جزم في مسألة الخائف من ظالم بأنه لا يبطل وذكر في المكره القولين مع أن حكمهما جميعا سواء وهذا الإنكار وإن كان متجها فجوابه أنه فرع مسألة الظالم على الأصح واقتصر عليه . قال البغوي : ولو خاف من شيء آخر غير الظالم فخرج ففيه القولان ومراده إذا خاف من حية أو حريق أو انهدام ونحو ذلك فأما : إذا خاف ممن يطالبه بحق واجب عليه فهو ظالم بالتغيب عنه ، فإذا خرج بطل اعتكافه قولا واحدا ، وإن خاف ممن عليه دين وهو عاجز عنه فخرج ، ففيه القولان كالمكره ، لأن مطالبته حينئذ حرام ، فهو خارج للخوف من ظالم ، والله أعلم . الثالثة : إذا أخرجه السلطان ، قال الشافعي في المختصر : إذا خلاه السلطان عاد إلى المسجد وبنى ، قال أصحابنا : إذا أخرجه فله ثلاثة أحوال : أحدها : أن يكون السلطان محقا في إخراجه فأخرجه لغير عقوبة بأن وجب عليه حق وهو يماطل به مع قدرته عليه ، أو يمتنع من أدائه فيبطل اعتكافه بلا خلاف ، لأنه مقصر وخارج باختياره في الحقيقة . الثاني : أن يكون السلطان ظالما له في إخراجه بأن أخرجه لمصادرة أو نحوها مما ليس عليه أو لدين هو عاجز عنه ونحو ذلك ، لم يبطل اعتكافه على المذهب وبه قطع الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وابن الصباغ والجمهور . وقيل : هو كالمكره فيكون فيه القولان ، وبهذا جزم البغوي والمتولي والرافعي ، ولعل الأولين فرعوه على المذهب ، وهو أنه لا يبطل .

حصہ V06/P508–V06/P509

الثالث : أن يخرجه ليقيم عليه عقوبة شرعية من حد أو قصاص أو تعزير فإن ثبت ذلك عليه بإقراره بطل اعتكافه ، لما ذكره المصنف ، وإن ثبت بالبينة فنص الشافعي أنه لا يبطل ولا ينقطع به تتابعه فإذا عاد بنى ، وللأصحاب طريقان أصحهما : لا يبطل تتابعه قولا واحدا كما نص عليه ، وبهذا قطع الماوردي والقاضي أبو الطيب في المجرد و المحاملي وابن الصباغ وجمهور العراقيين . والثاني : فيه وجهان أصحهما : لا يبطل تتابعه ، وبهذا الطريق قطع المصنف والبغوي والمتولي وغيرهم ، وهذا الذي ذكرناه من الفرق بين أن يثبت الحد بالإقرار أو البينة صحيح ، كما ذكره المصنف ، وقد ذكره أيضا البغوي والرافعي وغيرهما ، وأشار صاحب البيان إلى أن المصنف كالمنفرد بهذا التفصيل ، وأن الأكثرين جزموا بأنه لا يبطل اعتكافه إذا أخرجه السلطان لإقامة الحد ، ولم يتعرضوا للفرق بين الثبوت بإقرار أو بينة ، وهذا الذي أشار إليه صاحب البيان ضعيف ، فقد ذكر التفصيل غير المصنف كما سبق ، وأما الأكثرون فكلامهم محمول على ما إذا ثبت بإقرار ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي في الأم : إذا نذر اعتكافا ثم دخل مسجدا فاعتكف فيه ثم انهدم المسجد ، فإن أمكنه أن يقيم فيه أقام حتى يتم اعتكافه ، وإن لم يمكنه خرج ، فإذا بني المسجد عاد وتمم اعتكافه ، هذا نصه . قال أصحابنا : إن بقي موضع يمكن الإقامة فيه أقام ولا يجوز أن يخرج إن كان اعتكافا منذورا ، وإن لم يبق منه موضع تمكن الإقامة فيه خرج فأتم اعتكافه في غيره من المساجد ، ولا يبطل اعتكافه بالخروج لأنه لحاجة . قال أصحابنا : وأما قول الشافعي : فإذا بني المسجد عاد وتمم اعتكافه ، فله تأويلان أحدهما : أنه عين المسجد الحرام أو مسجد المدينة والأقصى ، وقلنا : يتعين والثاني : مراده إذا نذر اعتكافا غير متتابع ولا متعلق بزمان معين . فإذا انهدم فله الخيار إن شاء انتظر بناءه ، وإن شاء اعتكف في غيره والثالث : مراده إذا كان في قرية ليس فيها إلا مسجد واحد وانهدم والرابع : حكاه صاحب الشامل أنه قاله للاستحباب ، لأنه يستحب أن يعتكف في المسجد الذي نذر فيه .

حصہ V06/P509

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن خرج لعذر ثم زال العذر وتمكن من العود فلم يعد بطل اعتكافه ، لأنه ترك الاعتكاف من غير عذر فأشبه إذا خرج من غير عذر . + الشرح : قال أصحابنا : حيث خرج لعذر لا يقطع التتابع ، ثم قضى شغله وزال عذره لزمه المبادرة بالرجوع إلى المسجد عند فراغه إن كان نذره متتابعا ، فإن أخر الرجوع من غير عذر بطل اعتكافه ، لما ذكره المصنف ، وهل يجب تجديد النية إذا عاد فيه كلام سنذكره في آخر الباب إن شاء الله تعالى ، وقد سبق بعضه في فصل النية من هذا الباب ، وبالله التوفيق .

حصہ V06/P509–V06/P511

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز للمعتكف المباشرة بشهوة لقوله تعالى : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد البقرة : 781 فإن جامع في الفرج ذاكرا للاعتكاف عالما بالتحريم ، فسد اعتكافه ، لأنه أحد ما ينافي الاعتكاف فأشبه الخروج من المسجد ، وإن باشر فيما دون الفرج بشهوة أو قبل بشهوة ففيه قولان ، قال في الإملاء : يبطل وهو الصحيح ، لأنه مباشرة محرمة في الاعتكاف فبطل بها كالجماع . وقال في الأم : لا يبطل لأنها مباشرة لا تبطل الحج ، فلم تبطل الاعتكاف كالمباشرة بغير شهوة ، وقال أبو إسحاق المروزي : لو قال قائل : إنه إن أنزل بطل ، وإن لم ينزل لم يبطل كالقبلة في الصوم كان مذهبا ، وهذا قول لم يذهب إليه أحد من أصحابنا ويخالف الصوم فإن القبلة فيه لا تحرم على الإطلاق فلم يبطل على الإطلاق والقبلة في الاعتكاف محرمة على الإطلاق فأبطلته على الإطلاق ويجوز أن يباشر بغير شهوة ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وإن باشر ناسيا لم يبطل اعتكافه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأن كل عبادة أبطلتها مباشرة العامد لم تبطلها مباشرة الناسي كالصوم ، وإن باشرها وهو جاهل بالتحريم لم يبطل لأن الجاهل كالناسي ، وقد بينا ذلك في الصلاة والصوم . + الشرح : قوله : مباشرة محرمة احتراز من المباشرة بغير شهوة وقوله مباشرة لا تبطل الحج احتراز من الجماع . أما حكم الفصل : فاتفق أصحابنا على أنه يجوز للمعتكف المباشرة بغير شهوة باليد والقبلة على سبيل الشفقة والإكرام ، أو لقدمها من سفر ونحو ذلك ، لحديث عائشة وهو في الصحيحين ، قال الماوردي : لكنه يكره ويحرم عليه الجماع وجميع المباشرات بالشهوة بلا خلاف ، واتفق أصحابنا على ذلك ، ونقل الماوردي وآخرون اتفاق الأصحاب عليه والقاضي أبو الطيب . وأما قول صاحب العدة : فأما المباشرة من القبلة واللمس ونحوهما فهل يحرم فيه قولان فغلط منه ، والصواب القطع بتحريمها ، وإنما القولان في إفساد الاعتكاف بها ، وكلامه في تفريع ذلك يقتضي أن مراده أن التحريم متفق عليه وإنما الخلاف في الإفساد ، وكأنه وقع منه سبق قلم . وقريب من عبارته عبارة الغزالي في الوسيط ، فإنه قال : في مقدمات الجماع كالقبلة والمعانقة قولان أحدهما : يحرم ويفسد كما في الحج والثاني : لا ، كما في الصوم ، هذا لفظه وفيه إنكاران . أحدهما : أنه أوهم أن الخلاف جار فيه التحريم ، والتحريم متفق عليه ، وإنما الخلاف في الإفساد . والثاني : قوله : ويفسد كما في الحج ، ومعلوم أن الحج لا يفسد بغير الجماع من المباشرات ، والصواب الجزم بالتحريم فلا خلاف فيه ، وإنما ذكرت قول الغزالي وصاحب العدة ولبيان الغلط فيهما ، لئلا يغتر بهما ويتوهم في المسألة خلاف في التحريم مع أنه حرام بلا خلاف ، والله أعلم . فإن جامع المعتكف ذاكرا للاعتكاف عالما بتحريمه ، بطل اعتكافه بإجماع المسلمين سواء كان جماعه في المسجد أو عند خروجه لقضاء الحاجة ونحوه من الأعذار التي يجوز لها الخروج ، وقد سبق وجه شاذ أنه لا يبطل إذا جامع حال خروجه لقضاء الحاجة من غير مكث ، وقد سبق تضعيفه ، فإن جامع ناسيا للاعتكاف أو جاهلا تحريمه لم يبطل على المذهب ، وبه قطع العراقيون وجماعات من الخراسانيين ، وقال أكثر الخراسانيين فيه الخلاف السابق في نظيره في الصوم ، والله تعالى أعلم .

حصہ V06/P511–V06/P512

ونقل المزني عن نص الشافعي في بعض المواضع أن الاعتكاف لا يفسده من الوطء إلا ما يوجب الحد ، قال إمام الحرمين : مقتضى هذا أن لا يفسد بالوطء في الدبر ووطء البهيمة إذا لم نوجب فيهما الحد ، وهذا الذي قاله الإمام عجب فإن المذهب المشهور أن الاعتكاف يفسد بكل وطء سواء المرأة والبهيمة واللواط وغيره ، ولا خلاف في هذا . وأما : نص الشافعي المذكور فمحمول على أنه لا يفسد بالمباشرة بالذكر فيما دون الفرج لا أنه أراد حقيقة الفرج ، وكلام المزني ثم أصحابنا أجمعين في جميع الطرق مصرح بما ذكرته ، ومن أظرف العجائب قول إمام الحرمين هذا مع علو مرتبته وتفذذه في العلوم مطلقا رحمه الله ، والله أعلم . أما إذا لمس أو قبل بشهوة أو باشر فيما دون الفرج بذكره متعمدا عالما ، ففيه نصان للشافعين ، وقال إمام الحرمين وغيره : اضطربت النصوص فيه ، وللأصحاب في المسألة طرق ذكر المصنف منها طريقين أحدهما : في فساد الاعتكاف بذلك قولان أصحهما : يفسد والثاني : لا . والطريق الثاني : إن أنزل فسد وإلا فلا ، وذكر الطبري في العدة طريقا آخر أنه لا يفسد قولا واحدا ، كما لا يفسد الصوم ، قال : وهذا القائل تأول نص الشافعي في الإفساد على أنه أراد بالمباشرة الجماع ، قال : ومن قال بالقولين اختلفوا منهم : من قال : هما إذا أنزل ، فإن لم ينزل لم يفسد قطعا ومنهم : من قال : قولان سواء أنزل أم لا ، هذا نقل الطبري ، وقال إمام الحرمين : اللائق بالتحقيق القطع بأن المباشرة مع الإنزال يفسد بها الاعتكاف ، وإنما القولان إذا لم يكن إنزال ، قال : وذكر بعض أصحابنا قولين في المباشرة مع الإنزال ، قال : وهذا مشهور في الحكاية ولا اتجاه له أصلا ، ثم قال : والظاهر اعتبار فساد الاعتكاف بفساد الصوم . وقال المحاملي في كتابيه المجموع والتجريد وصاحب البيان : الصحيح من القولين أنه لا يفسد الاعتكاف ، سواء أنزل أم لا . وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : المشهور من مذهبه أنه لا يفسد اعتكافه سواء أنزل أم لا والثاني : يفسد أنزل أم لا . قال : ومن أصحابنا من قال : إن لم ينزل لم يبطل وإن أنزل فقولان ، قال القاضي : هذا غلط لا يعرف أن الشافعي اعتبر الإنزال في شيء من كتبه . وقال صاحب التتمة : الصحيح أنه إن أنزل بطل اعتكافه كالصوم وإلا فقولان أحدهما : لا يبطل كالصوم والثاني : يبطل ، والفرق أن هذه المباشرة محرمة في الاعتكاف لعينها لحرمة المسجد ، والاعتكاف كالحج ، وليست في الصوم محرمة لعينها بل لخوف الإنزال ، فإذا لم ينزل لم يبطل صومه . وقال البغوي : أصح القولين فساد الاعتكاف ، ثم قيل هما إذا لم ينزل فإن أنزل فسد . وقيل : هما إذا أنزل وإلا فلا يفسد ، وقيل هما في الحالين . وذكر الدارمي والسرخسي مثله ، لكن لم ينصا على الأصح ، فهذه طرق الأصحاب ومختصرها أن جمهور العراقيين لا يعتبرون الإنزال ، واعتبره أبو إسحاق المروزي والدارمي من العراقيين وجماهير الخراسانيين ، واختلفوا في الأصح من القولين كما تراه . وقال الرافعي : الأصح عند الجمهور أنه إن أنزل بطل اعتكافه وإلا فلا ، والله أعلم . فرع : إذا استمنى بيده فإن لم ينزل لم يبطل اعتكافه بلا خلاف ، وإن أنزل قال البغوي والرافعي : إن قلنا : إذا لمس أو قبل فأنزل لا يبطل فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، لأن كمال اللذة باصطكاك البشرتين والأصح البطلان ، أما إذا نظر فلا يبطل اعتكافه قطعا كما سبق في الصوم ، وممن صرح به هنا الدارمي . والله تعالى أعلم .

حصہ V06/P512–V06/P513

فرع : قال البغوي : كل موضع لزم المعتكف غسل الجنابة ، إما باحتلام ، وإما بجماع ناسيا أو باشر فيما دون الفرج بشهوة وأنزل ، وقلنا : لا يبطل اعتكافه بذلك فمكث في المسجد عصى الله تعالى ، بل يجب عليه الخروج للإغتسال ويحرم المكث مع التمكن من الخروج ، ولا يحسب زمان الجنابة من الاعتكاف ، وكذلك زمان السكر إذا لم يخرج من المسجد ، لأنهما ممنوعان من المسجد ، وقيل : يحسب لهما لأنه ليس فيه إلا أنه عاص كما لو أكل حراما آخر ، وقيل : يحسب زمان السكر دون زمان الجنابة لأن عصيان الجنب للمكث في المسجد وعصيان السكران للشرب ، والمذهب الأول حتى لو نذر اعتكافا فاعتكفه جنبا لا يحسب له كما لو نذر أن يقرأن القرآن فقرأه جنبا لا يحسب له عن نذره لأن النذر للقربة وما يفعله ليس بقربة بل معصية ، ولو حاضت المعتكفة لزمها الخروج فإن لم تخرج لم يحسب زمان الحيض . وكذلك إذا ارتد لأن المرتد ليس أهلا للعبادة ، هذا آخر كلام البغوي ، وذكره نحوه الرافعي وغيره . قال أصحابنا ويلزم الجنب المبادرة بالغسل في الصور المذكورات لكيلا يبطل تتابعه ، قالوا : وله الخروج من المسجد للاغتسال ، سواء أمكنه الغسل في المسجد أم لا ، لأنه أصون للمسجد ولمروءته . فرع : المرأة المعتكفة كالرجل المعتكف في تحريم الجماع والمباشرة بشهوة ، وفي إفساده بهما ، ويفرق بين العالمة الذاكرة المختارة والناسية والجاهلة والمكرهة كما سبق ، والله أعلم . فرع : إذا جامع المعتكف عن نذر متتابع ذاكر له عالما بالتحريم فقد ذكرنا أنه يفسد اعتكافه بالإجماع ولا تلزمه الكفارة عندنا ، وبه قال جماهير العلماء ، قال الماوردي : هو قول جميع الفقهاء إلا الحسن البصري والزهري فقال : عليه كفارة الواطىء في صوم رمضان ، قال العبدري : وهو أصح الروايتين عن أحمد قال ابن المنذر : أكثر أهل العلم على أنه لا كفارة عليه وهو قول أهل المدينة والشام والعراق ، وقال الحسن والزهري : عليه ما على الواطىء في صوم رمضان ، وعن الحسن رواية أخرى أنه يعتق رقبة ، فإن عجز أهدى بدنة ، فإن عجز تصدق بعشرين صاعا من تمر . فرع في مذاهب العلماء في جماع المعتكف ناسيا قد ذكرنا أنه لا يفسد وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : يفسد دليلنا الحديث الذي ذكره المصنف ، وقد سبق أنه حديث حسن وهو عام على المختار فيحتج بعمومه ، إلا ما خرج بدليل كغرامة المتلفات وغيرها . فرع في مذاهبهم في المباشرة دون الفرج بشهوة قد سبق الخلاف في مذهبنا . وقال أبو حنيفة وأحمد : إن أنزل بطل اعتكافه وإلا فلا . وقال مالك : يبطل مطلقا . وقال عطاء : لا يبطل مطلقا ، واختاره ابن المنذر ، والله أعلم .

حصہ V06/P513–V06/P515

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف ولم ينقل أنه غير شيئا من ملابسه ولو فعل ذلك لنقل ، ويجوز أن يتطيب لأنه لو حرم عليه الطيب لحرم ترجيل الشعر كالإحرام وقد روت عائشة أنها كانت ترجل شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف فدل على أنه لا يحرم عليه التطيب ، ويجوز أن يتزوج ويزوج لأنه عبادة لا تحرم التطيب فلا تحرم النكاح كالصوم ، ويجوز أن يقرأ القرآن ويقرىء غيره ويدرس العلم ويدرس غيره ، لأن ذلك كله زيادة خير لا يترك به شرط من شروط الاعتكاف ، ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله وصنعته ويبيع ( ويبتاع ) ولكنه لا يكثر منه ، لأن المسجد ينزه عن أن يتخذ موضعا للبيع والشراء ، فإن أكثر من ذلك كره لأجل المسجد ولم يبطل به الاعتكاف . وقال في القديم : إن فعل ذلك في اعتكاف منذور رأيت أن يستقبله ، ووجهه أن الاعتكاف هو حبس النفس على الله عز وجل ، فإذا أكثر من البيع والشراء صار قعوده في المسجد للبيع والشراء لا للاعتكاف والصحيح أنه لا يبطل والأول مرجوع عنه ، لأن ما لا يبطل قليله الاعتكاف لم يبطل كثيره كالقراءة والذكر ، ويجوز أن يأكل في المسجد ، لأنه عمل قليل لا بد منه ، ويجوز المختصر : ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة ويأكلا ويتطيبا بما شاءا ، قال أصحابنا : يجوز لهما من اللباس والطيب والمأكول ما كان جائزا قبل الاعتكاف ، وسواء رفيع الثياب وغيره ، ولا كراهه في شيء من ذلك ، ولا يقال : إنه خلاف الأولى ، هذا مذهبنا . قال العبدري : وبه قال أكثر العلماء . وقال أحمد : يستحب أن لا يلبس رفيع الثياب ولا يتطيب . قال الماوردي وحكي عن طاوس وعطاء أنه ممنوع من الطيب كالحج . دليلنا ما ذكره المصنف ، ويخالف الحج لأنه شرع فيه كشف الرأس واجتناب المخيط وتحريم النكاح وغير ذلك مما ليس في الاعتكاف . الثانية : يجوز أن يتزوج وأن يزوج وقد نص عليه الشافعي في المختصر ، واتفق الأصحاب عليه ، ولا أعلم فيه خلافا . الثالثة : يجوز أن يقرأ القرآن ويقرئه غيره ، وأن يتعلم العلم وبعلمه غيره ، ولا كراهه في ذلك في حال الاعتكاف . قال الشافعي وأصحابنا : وذلك أفضل من صلاة النافلة ، لأن الاشتغال بالعلم فرض كفاية فهو أفضل من النفل ، ولأنه مصحح للصلاة وغيرها من العبادات ، ولأن نفعه متعد إلى الناس ، وقد تظاهرت الأحاديث بتفضيل الاشتغال بالعلم على الاشتغال بصلاة النافلة ، وقد سبق بيان جملة من ذلك في مقدمة هذا الشرح . قال الشافعي والأصحاب : فالأولى للمعتكف الاشتغال بالطاعات من صلاة وتسبيح وذكر وقراءة ، واشتغال بعلم تعلما وتعليما ومطالعة وكتابة ونحو ذلك ، ولا كراهة في شيء من ذلك ولا يقال هو خلاف الأولى . هذا مذهبنا وبه قال جماعة منهم عطاء والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز . وقال مالك وأحمد : يستحب له الاشتغال بالصلاة والذكر والقراءة مع نفسه . قالا : ويستحب أن لا يقرأ القرآن ولا يشتغل بكتابة الحديث ولا بمجالسة العلماء ، كما لا يشرع ذلك في الصلاة والطواف . واحتج أصحابنا بأن أمر القرآن وتعليم العلم والاشتغال به طاعة فاستحب للمعتكف كالصلاة والتسبيح ، ويخالف الصلاة فإنه شرع فيها أذكار مخصوصة والخشوع وتدبرها ، وذلك لا يمكن مع الإقراء والتعليم وأما : الطواف فقال أصحابنا : لا نسلمه ولا يكره إقراء القرآن وتعليم العلم فيه ، والله أعلم .

حصہ V06/P515–V06/P516

الرابعة : قال الشافعي والأصحاب : يجوز للمعتكف أن يأمر في الخفيف من ماله وصنعته ونحو ذلك ، وأن يتحدث بالحديث المباح ، وأن يبيع ويشتري ويؤجر ونحوها من العقود بحيث لا يكثر ذلك منه ، فإن أكثر من ذلك كره ولم يبطل اعتكافه . وحكى المصنف والأصحاب قولا قديما أنه إن كان اعتكاف نذر متتابع استأنفه . وهذا شاذ ضعيف والمذهب الأول . قال إمام الحرمين : هذا المحكي عن القديم غلط صريح ودليل الجميع في الكتاب . واستدل أصحابنا لإباحة الحديث المباح في الاعتكاف بحديث صفية أم المؤمنين رضي الله عنها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي ، فقالا : سبحان الله وكبر عليهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا رواه البخاري ومسلم . فرع : قد ذكر المصنف أنه يجوز للمعتكف أن يبيع ويشتري ولا يكثر منه فإن أكثر كره . وهكذا قاله البغوي وكثيرون أو الأكثرون ، وقد نص الشافعي في المختصر على إباحة البيع للمعتكف فقال : ولا بأس على المعتكف أن يبيع ويشتري ويخيط ويجالس العلماء ويتحدث بما أحب ما لم يكن إثما . هذا نصه . واختلفت عبارة الأصحاب في ذلك فقال المصنف ما قدمناه ، ووافقه عليه من ذكرناه ، وقطع الماوردي بأن البيع والشراء وعمل الصنائع في المسجد مكروه للمعتكف وغيره ولا يبطل به الاعتكاف . وقال صاحب الشامل : فإن باع المعتكف أو اشترى فلا بأس به ، نص عليه الشافعي في الأم وفي القديم . قال في القديم : ولا يكثر من التجارة لئلا يخرج عن حد الاعتكاف . قال : وقال في البويطي : وأكره البيع والشراء في المسجد . قال صاحب الشامل : فالمسألة على قولين أصحهما : يكره البيع والشراء في المسجد والثاني : لا يكره . قال : فإن كان محتاجا إلى شراء قوته وما لا بد له منه لم يكره . قال : فأما الخياطة فإن خاط ثوبه الذي يحتاج إلى لبسه جاز ، وإن كان كثيرا فتركه أولى . هذا كلام صاحب الشامل ، وجزم الشيخ أبو حامد بكراهة البيع والشراء في المسجد . وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي في البويطي : وأكره البيع والشراء في المسجد ، فإن باع معتكف أو غيره كرهته والبيع جائز ، قال القاضي : بسبب المسجد لا بسبب الاعتكاف . قال : وهي كراهة تنزيه لا تحريم هذا كلام القاضي ، وقال المحاملي في المجموع : قال الشافعي في المختصر والأم والقديم : ولا بأس أن يبيع المعتكف ويشتري ويخيط . وفي كراهته قولان أرجحهما : الكراهة ، قال : وقول الشافعي لا بأس به ، أراد أنه لا يؤثر في الاعتكاف ولا يمنع منه لأجله ، فأما المسجد فهو مكروه للمعتكف وغيره .

حصہ V06/P516–V06/P517

وقال المتولي : إذا اشتغل المعتكف بالبيع والشراء فإن كان محتاجا إليه لتحصيل قوته لم يكره ، وإن قصد به التجارة وطلب الزيادة فقد نص في الأم أنه لا بأس به ، ونقل البويطي أنه يكره البيع والشراء في المسجد ، فحصل في المسألة قولان الصحيح : كراهته ، وقال السرخسي : في البيع والشراء للمعتكف نصان مختلفان ، وللأصحاب فيهما طريقان أحدهما : في كراهته قولان والثاني : أنهما على حالين ، فإن اتفق البيع نادرا لم يكره ، وإن اتخذه عادة منع منه ، وقال الدارمي : يكره للمعتكف البيع والشراء في المسجد ، فإن لم يكن له من يشتري له الخبز خرج له ، هذا كلام الأصحاب ، وحاصله أن الصحيح كراهة البيع والشراء في المسجد إلا أن يحتاج إليه لضرورة ونحوها ، وقد سبق بيان هذا بأدلته في آخر باب ما يوجب الغسل ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا قريبا عن نص الشافعي في المختصر وغيره أنه لا بأس على المعتكف أن يخيط في المسجد ، وهذا فيه خلاف عندنا في حق المعتكف إذا خاط ما تدعو حاجته إليه ولا كراهة حينئذ ، فأما غير المعتكف والمعتكف إذا اتخذ مسجدا محلا لذلك وأكثر فيه من الخياطة ونحوها فهو مكروه ولا يبطل به اعتكافه على المشهور من مذهبنا ، وفيه القول القديم الذي حكاه المصنف والأصحاب ، وهذا غلط كما سبق . هذا مختصر كلام الأصحاب في ذلك ، قال الدارمي : تكره الخياطة في المسجد كالبيع ، وقليلها لحاجة جائز كالبيع . وقال الماوردي : البيع والشراء وعمل الصنائع في المسجد مكروه للمعتكف وغيره . وقليل ذلك أخف من كثيره ، وقال صاحب الشامل : إن خاط ثوبه الذي يحتاج إلى لبسه لم يكره ، وإن كان كثيرا فتركه أولى ، وقال البغوي : إن عمل عملا مباحا يسيرا أو خاط شيئا من ثوبه لم يكره ، فإن قعد يحترف بالخياطة أو بحرفة أخرى كره ، وعبارات باقي الأصحاب نحو هذا ، والله أعلم . وقد سبق في آخر باب ما يوجب الغسل بيان هذا كله وأشباهه مما يكره في المسجد أو يحرم أو يباح أو يندب ، وأن رفع الأصوات فيه مكروه ، والبول حرام في غير إناء وفي إناء على الأصح ، والفصد والحجامة ونحوهما فيه حرام في غير إناء ومكروه في الإناء ، والله أعلم . فرع : قال القاضي أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي في الأم والجامع الكبير : لا بأس أن يقص في المسجد لأن القصص وعظ وتذكير . قال : وأما الحديث المباح فالأولى تركه ، فإن فعل فلا بأس به ما لم يكن إثما ، وهذا الذي قاله الشافعي رحمه الله في القصص محمول على قراءة الأحاديث المشهورة والمغازي والرقائق ونحوهما مما ليس فيه موضوع ولا ما تحتمله عقول العوام ، ولا ما ذكره أهل التواريخ والقصص من قصص الأنبياء وحكاياتهم فيها أن بعض الأنبياء جرى له كذا من فتنة أو نحوها ، فإن هذا كله يمتنع منه ، وقد سبق بيان هذا في آخر باب ما يوجب الغسل . فرع : قال الشافعي في المختصر : ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال ، واتفق أصحابنا على هذا . قالوا : ويستحب للمعتكف إذا سبه إنسان أن لا يجيبه ، كما لا يجيبه الصائم ، فإن أجابه وسب غيره أو جادل بغير حق كره ولم يبطل اعتكافه بالاتفاق . قال المتولي : ويبطل ثوابه أو ينقص ، هذا لفظه .

حصہ V06/P517–V06/P518

المسألة الخامسة : قال الشافعي والأصحاب : يجوز للمعتكف وغيره أن يأكل في المسجد ويشرب ويضع المائدة ويغسل يده بحيث لا يتأذى بغسالته أحد ، وإن غسلها في الطست فهو أفضل ، ودليل الجميع في الكتاب ، قال أصحابنا : ويستحب للآكل أن يضع سفرة ونحوها ليكون أنظف للمسجد وأصون ، قال البغوي : يجوز نضح المسجد بالماء المطلق ولا يجوز بالمستعمل وإن كان طاهرا ، لأن النفس قد تعافه ، وهذا الذي قاله ضعيف ، والمختار أن المستعمل كالمطلق في هذا لأن النفس إنما تعاف شربه ونحوه ، وقد اتفق أصحابنا على جواز الوضوء في المسجد ، وإسقاط مائه في أرضه مع أنه مستعمل ، وصرح به صاحبا الشامل والتتمة في هذا الباب ، وقد قدمنا بيانه في آخر ما يوجب الغسل ، ونقلنا هناك عن ابن المنذر أنه نقل إجماع العلماء على ذلك ، ولأنه إذا جاز غسل اليد في المسجد من غير طست كما صرح به المصنف وجميع الأصحاب فرشه بالماء المستعمل أولى لأنه أنظف من غسالة اليد ، والله أعلم . قال الماوردي : والأولى أن يغسل اليد حيث يبعد عن نظر الناس وعن مجالس العلماء ، قال : وكيفما فعل جاز والله أعلم ، قال أصحابنا : وللمعتكف النوم والاضطجاع والاستلقاء ومد رجليه ونحو ذلك في المسجد لأنه يجوز ذلك لغيره فله أولى ، وقد سبق المسألة في باب ما يوجب الغسل . فرع في مذاهب العلماء في بيع المعتكف وشرائه قد ذكرنا أن الأصح من منه ، قال ابن المنذر وممن كرهه عطاء ومجاهد والزهري ، ورخص فيه أبو حنيفة ، وقال سفيان الثوري وأحمد : يشترى الخبز إذا لم يكن له من يشتري ، وعن مالك رواية كالثوري ، ورواية يشتري ويبيع اليسير ، قال ابن المنذر : وعندي لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد له منه إذا لم يكن له من يكفيه ذلك ، قال : فأما سائر التجارات فإن فعلها في المسجد كره ، وإن خرج لها بطل اعتكافه ، وإن خرج لقضاء حاجة الإنسان فباع واشترى في مروره لم يكره ، والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه لا يكره دخول المعتكف تحت سقف . ونقله ابن المنذر عن الزهري وأبي حنيفة قال : وبه أقول ، وروينا عن ابن عمر قال : لا يدخل تحت سقف وبه قال عطاء والنخعي وإسحاق . وقال الثوري : إذا دخل بيتا انقطع اعتكافه . فرع في مذاهب العلماء في الطيب للمعتكف سبق . قال ابن المنذر : وبه قال أكثر العلماء ، منهم مالك وأبو حنيفة وأبو ثور . وقال عطاء : لا تتطيب المعتكفة قال : فإن خالفت لم يقطع تتابعها قال : وقال معمر : يكره أن يتطيب المعتكف . قال ابن المنذر : لا معنى لكراهة ذلك ، قال : ولعل عطاء إنما كره طيبها لكونها في المسجد ، كما يكره لغير المعتكفة الطيب إذا أرادت الخروج إلى المسجد .

حصہ V06/P518–V06/P520

قال المصنف رحمه الله تعالى : فصل : إذا فعل في الاعتكاف ما يبطله من خروج أو مباشرة أو مقام في البيت بعد زوال العذر نظرت فإن كان ذلك في تطوع لم يبطل ما مضى من اعتكافه لأن ذلك القدر لو أفرده بالاعتكاف واقتصر عليه أجزأه ولا يجب عليه إتمامه لأنه لا يجب المضي في فاسده ( فلا يلزمه ) ولا يكره بالشروع كالصوم ، وإن كان في اعتكاف ، منذور نظرت ، فإن لم يشرط فيه التتابع لم يبطل ما مضى من اعتكافه ، لما ذكرناه في التطوع ، ويلزمه أن يتمم لأن الجميع قد وجب عليه ، وقد فعل البعض فوجب الباقي ، وإن كان قد شرط فيه التتابع بطل التتابع ويجب عليه أن يستأنفه ليأتي به على الصفة التي وجب عليها . + الشرح : هذا الفصل كله كما ذكره وهو متفق عليه . قال أصحابنا : وكل ما قطع التتابع في النذر المتتابع يوجب الاستئناف بنية جديدة . قال أصحابنا : وكل عذر لم تجعله قاطعا للتتابع ، فعند الفراغ منه يجب العود ، فلو أخر انقطع التتابع وتعذر البناء ويجب قضاء الأوقات المصروفة إلى غير قضاء الحاجة ، ولا يجب قضاء أوقات الحاجة ولا الذهاب له والمجىء منه ، وإذا عاد فهل يجب تجديد النية ينظر فإن كان خروجه لقضاء الحاجة وما لا بد منه كالاغتسال والأذان إذا جوزنا الخروج له لم يجب على المذهب ، سواء طال الزمان أو قصر ، وقيل : إن طال الزمان ففي وجوب تجديدها وجهان ، وقد سبق بيانه . وأما ما له منه بد ، ففيه وجهان : أحدهما : يجب تجديدها لأنه ليس ضروريا وأصحهما : لا يجب لأن النية الأولى شملت جميع المنذور ، وهذا الخروج لا يقطع التتابع فكأنه لم يخرج . وطرد الشيخ أبو علي السنجي هذا الخلاف فيما إذا خرج لغرض استثناه ثم عاد ، ولو عين لاعتكافه مدة ولم يتعرض للتتابع ثم جامع أو خرج خروجا بلا عذر ففسد اعتكافه ثم عاد ليتم الباقي ففي وجوب تجديد النية هذان الوجهان . قال إمام الحرمين : لكن المذهب هنا وجوب تجديدها ، وهو كما قال ، فالصحيح وجوب تجديد النية هنا لتخلل المنافي القاطع للاعتكاف ولا يغتر بجزم صاحبي الإبانة والبيان بأنه لا يجب التجديد هنا ، وقولهما : إن الزمان مستحق للاعتكاف ، وقد صح دخوله فيه لأنه خرج منه ففسدت نيته ، والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بكتاب الاعتكاف وبعضها من الضروريات التي تركها المصنف أحدها : إذا نذر اعتكافا متتابعا وشرط الخروج منه إن عرض عارض مثل مرض خفيف أو عيادة مريض أو شهود جنازة أو زيارة أو صلاة جمعة ، أو شرط الخروج لاشتغال بعلم أو لغرض آخر من أغراض الدنيا والآخرة صح شرطه على المذهب ، نص عليه في المختصر وقطع به الأصحاب في جميع الطرق ، ومنهم المصنف في التنبيه ، إلا صاحب التقريب والحناطي فحكيا قولا آخر شاذا أنه لا يصح شرطه لأنه مخالف لمقتضاه فبطل ، كما لو شرط الخروج للجماع فإنه يبطل بالاتفاق ، وتابعهما على حكاية هذا القول الشاذ إمام الحرمين وغيره من المتأخرين وهو غريب ضعيف ، وهو مذهب مالك والأوزاعي . ودليل المذهب أنه إذا شرط الخروج لعارض فكأنه شرط الاعتكاف في زمان دون زمان ، وهذا جائز بالاتفاق ، قال أصحابنا : فإذا قلنا بالمذهب نظر إن عين نوعا فقال : لا أخرج إلا لعيادة المرضى أو لعيادة زيد أو تشييع الجنائز أو جنازة زيد خرج لما عينه لا لغيره ، وإن كان غيره أهم منه لأنه يستبيح الخروج بالشرط فاختص بالمشروط ، وإن أطلق وقال : لا أخرج إلا لشغل أو عارض جاز الخروج لكل عارض وجاز الخروج لكل شغل ديني أو دنيوي ، فالأول كالجمعة والجماعة والعيادة وزيادة الصالحين والمواضع الفاضلة والقبور وزيارة القادم من سفر ونحوها .

حصہ V06/P520–V06/P521

والثاني : كلقاء السلطان ومطالبة الغريم ، ولا يبطل التتابع بشيء من هذا كله . قالوا : ويشترط في الشغل الدنيوي كونه مباحا . هذا هو المذهب وفيه وجه ضعيف حكاه الماورديفي الحاوي والرافعي وغيرهم أنه لا يشترط . فعلى هذا لو شرط الخروج لقتل أو شرب خمر أو سرقة ونحوها فخرج له لم يبطل اعتكافه وله البناء بعد رجوعه لأن نذره بحسب الشرط ، قالوا : وليست النظارة والنزاهة من الشغل فلا يجوز الخروج لهما . قال أصحابنا : وإذا قضى الشغل الذي شرطه وخرج له لزمه العود والبناء على اعتكافه ، فإن أخر العود بعد قضاء الشغل بلا عذر بطل تتابعه ولزمه استئناف الاعتكاف كما سبق فيمن أقام بعد قضاء حاجته ونحوها ، قال أصحابنا : ولو نذر اعتكافا متتابعا وقال في نذره : إن عرض مانع قطعت الاعتكاف ، فحكمه حكم من شرط الخروج كما سبق ، إلا أنه إذا شرط الخروج يلزمه بعد قضاء الشغل والرجوع والبناء على اعتكافه حتى تنقضي مدته وفيما إذا شرط القطع لا يلزمه العود ، بل إذا عرض الشغل الذي شرطه انقضى نذره وبرئت ذمته منه وجاز الخروج ولا رجوع عليه . ولو قال : علي أن أعتكف رمضان إلا أن أمرض أو أسافر ، فمرض أو سافر فلا شيء عليه ولا قضاء ، ولو نذر صلاة وشرط الخروج منها إن عرض عارض أو نذر صوما وشرط الخروج منه إن جاع أو ضيفه إنسان أو ضاف به أحد فوجهان حكاهما إمام الحرمين والبغوي والمتولي وصاحب البيان وآخرون ، وذكرهما الدارمي في الصوم أصحهما : ينعقد نذره ويصح الشرط ، فإذا وجد العارض جاز له الخروج منه ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي والماوردي وابن الصباغ والجمهور ، ونقله ابن الصباغ عن أصحابنا ، ودليله القياس على الاعتكاف . والثاني : لا ينعقد نذره بخلاف الاعتكاف ، فإن ما يتقدم منه على الخروج عبادة مستقلة بخلاف الصوم والصلاة ، وصحح البغوي في الصلاة عدم الانعقاد وليس تصحيحه هنا بصحيح بل الصحيح ما قدمناه عن الجمهور ، والله أعلم . ولو نذر الحج وشرط فيه الخروج إن عرض عارض انعقد النذر كما ينعقد الإحرام المشروط ، وفي جواز الخروج بهذا الشرط قولان معروفان في كتاب الحج مشهوران أصحهما : يجوز كالاعتكاف والثاني : لا ، قال صاحب الحاوي وغيره : والفرق أن الحج أقوى ، ولهذا يجب المضي في فاسده ، قال الرافعي : والصوم والصلاة أولى من الحج لجواز الخروج عند أصحابنا العراقيين ، وقال الشيخ أبو محمد : الحج أولى به ، والله أعلم . ولو نذر التصدق بعشرة دراهم أو بهذه الدراهم إلا أن يعرض حارجة ونحوها ففيه الوجهان أصحهما : صحة الشرط أيضا فإذا احتاج فلا شيء عليه ، ولو قال في هذه القربات كلها إلا أن يبدو لي فوجهان أحدهما : يصح الشرط ولا شيء عليه إذا بدا كسائر العوارض وأصحهما : لا يصح لأنه علقه بمجرد الخيرة ، وذلك يناقض الإلزام . قال الرافعي : فإذا لم يصح الشرط في هذه الصور فهل يقال الإلتزام باطل أم صحيح ويلغو الشرط قال البغوي : لا ينعقد النذر على قولنا لا يصح الخروج من الصوم والصلاة . ونقل إمام الحرمين وجهين في صورة تقارب هذا ، وهي إذا نذر اعتكافا متتابعا وشرط الخروج مهما أراد ، ففي وجه يبطل التزام التتابع ويبطل الاستثناء ، ومتى شرط في الاعتكاف المنذور الخروج لغرض وخرج ، فهل يجب تدارك الزمان المنصرف إليه ينظر إن نذر مدة غير معينة كشهر مطلق وجب التدارك ليتم المدة الملتزمة ، وتكون فائدة الشرط تنزيل ذلك الغرض منزلة الخروج لقضاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به ، وإن نذر زمانا معينا كرمضان أو هذا الشهر أو هذه الأيام العشرة ونحو ذلك لم يجب التدارك ، لأنه لم يلتزم غيرها .

حصہ V06/P521–V06/P522

ولا خلاف أن وقت الخروج لقضاء حاجة الإنسان لا يجب تداركه في الحالين كما سبق في النذر الخالي من الشرط ، وإذا خرج للشغل الذي شرطه ثم عاد هل يحتاج إلى تجديد النية قال البغوي : فيه وجهان ، وقد سبق بيان ذلك في فصل النية ، والله أعلم . المسألة الثانية : إذا نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه زيد ، قال الشافعي في المختصر : فإن قدم في أول النهار اعتكف ما بقي ، فإن كان مريضا أو مجنونا فإذا قدر قضاه ، قال المزني : يشبه إذا قدم أول النهار أن يقضي مقدار ما مضى من ذلك اليوم من يوم آخر ، حتى يكون قد اعتكف يوما كاملا ، هذا ما ذكره الشافعي والمزني ، قال أصحابنا : هذا النذر صحيح قولا واحدا ، ونقل الماوردي وغيره اتفاق الأصحاب على صحته ، قال الماوردي : والفرق بينه وبين من نذر صوم يوم قدوم زيد فإن في صحة نذره قولين أنه يمكنه الوفاء بالاعتكاف كله أو بعضه ولا يمكنه ذلك في الصوم لأنه إن قدم ليلا فلا نذر وإن قدم نهارا لم يمكن صيام ما بقي ويمكنه اعتكاف ما بقي . فإن تقررت صحة نذره قال أصحابنا : فإن قدم زيد ليلا لم يلزم ناذر الاعتكاف شيء بلا خلاف لعدم شرط نذره ، وهو القدوم نهارا ، وإن قدم نهارا لزمه اعتكاف بقية يومه بلا خلاف ، وهل يلزمه قضاء ما مضى من اليوم قبل قدومه من يوم آخر فيه خلاف مشهور حكاه جماعة قولين وآخرون وجهين . قال الماوردي : هما مخرجان من القولين فيمن نذر صوم يوم قدوم زيد ( إن قلنا ) يصح نذر صومه لزمه القضاء وإلا فلا . قال المتولي : القائل بالوجوب هو المزني وابن الحداد . قال : وتقديره عندهما أنه كأنه نذر اعتكاف جميع اليوم الذي علم الله قدوم زيد فيه ، واتفقوا على أن الأصح هنا أنه لا يلزمه قضاء ما مضى من يومه ، وهو المنصوص كما سبق ، قال المزني : والأفضل أن يقضي يوما كاملا ليكون اعتكافه متصلا ، فإن كان الناذر وقت قدوم زيد مريضا أو محبوسا أو نحوهما من أسباب العجز لزمه أن يقضى عند زوال عذره ، وفيما يقضيه القولان ، هل هو يوم كامل ، أم بقدر ما بقي من اليوم عند القدوم . إن قلنا : في الصورة السابقة يلزمه قضاء ما مضى لزمه هنا قضاء يوم كامل وإلا فالبقية ، وهذا الذي ذكرناه من وجوب القضاء هو المذهب ، وبه قطع كثيرون ، وفيه وجه ضعيف حكاه القاضي أبو حامد في جامعه وأبو علي الطبري في الإفصاح والماوردي والقاضي أبو الطيب في المجرد وابن الصباغ وآخرون أنه لا يلزمه قضاء شيء أصلا لعجزه وقت الوجوب ، كما لو نذرت صوم يوم بعينه فحاضت فيه فإنه لا يلزمها قضاؤه . قال الماوردي : هو مخرج من أحد القولين فيمن نذر صوم يوم قدوم زيد أنه لا يصح ، قالوا : والمذهب الأول ، وهو الذي نص عليه الشافعي كما سبق ، قال أصحابنا : ودليله أن العبادة الواجبة إذا تعذرت بالمرض لزم قضاؤها كصوم رمضان والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا مات وعليه اعتكاف فهل يطعم عنه فيه خلاف سبق في آخر كتاب الصيام في مسائل من مات وعليه صوم ، والصحيح أنه لا يطعم عنه في الاعتكاف . وقال أبو حنيفة : يطعم عنه ، وعن ابن عباس وعائشة وأبي ثور أنه يعتكف عنه ، هكذا ذكر المسألة الأصحاب في كل الطرق إلا المتولي فقال : لو قدم زيد وقد بقى معظم النهار لزم الناذر الاعتكاف بلا خلاف ، وفيما يلزمه وجهان المذهب : ما بقي من النهار والثاني : قاله المزني وابن الحداد يلزمه ذلك مع قضاء قدر ما مضى .

حصہ V06/P522–V06/P524

وإن قدم وقد بقى من النهار دون نصفه فأربعة أوجه أحدها : لا شيء عليه قال : وهذا على قول من قال إن الاعتكاف لا يصح أقل من نصف النهار كما سبق والثاني : يلزمه ما بقي مع قضاء ما مضى والثالث : ما بقي فقط والرابع : ما بقي من ساعته من أول الليل بحيث تسمى تلك الساعة اعتكافا ، والله أعلم . الرابعة : قال المزني في الجامع الكبير : قال الشافعي : إذا قال : إن كلمت زيدا فلله علي أن أعتكف شهرا فكلمه لزمه اعتكاف شهر ، قال أصحابنا مراده إذا كان نذر تبرر بأن قصد إن أمكنني كلامه لمحبته أو لعظمته وصلاحه أو لامتناع زيد من كلام الناذر ورغبة الناذر في كلامه . أو لغيبته ونحو ذلك ، ففي كل هذا يلزمه فأما : إذا لم يكن لذلك بل كان نذر لجاج ، وقصد منع نفسه من كلامه ، فالمذهب أنه لا يتحتم الوفاء بها التزم بل يتخير بينه وبين كفارة يمين ، وفيه خلاف مشهور في باب النذر . الخامسة : قال الأصحاب : لو نذر أن يعتكف شهر رمضان من هذه السنة فإن كان النذر من شوال ، لم ينعقد وإن كان قبله انعقد ، فإن لم يعتكف حتى فات رمضان لزمه القضاء ويقضيه كيف شاء متتابعا أو متفرقا ، والله أعلم . 73 = كتاب الحج =

حصہ V06/P524–V07/P003

قال المصنف رحمه الله تعالى : الحج يقال بفتح الحاء وكسرها لغتان ، قرىء بهما في السبع ، أكثر السبعة بالفتح ، وكذا الحجة فيها لغتان ، وأكثر المسموع الكسر والقياس . وأصله القصد ، وقال الأزهري : هو من قولك حججته إذا آتيته مرة بعد أخرى ، والأول هو المشهور ، وقال الليث : أصل الحج في اللغة زيارة شيء تعظمه ، وقال كثيرون : هو إطالة الاختلاف إلى الشيء واختاره ابن جرير ، قال أهل اللغة : يقال حج يحج بضم الحاء فهو حاج ، والجمع حجاج وحجيج وحج بضم الحاء حكاه الجوهري ، كنازل ونزل ، وقال العلماء : ثم اختص الحج في الاستعمال بقصد الكعبة للنسك ( وأما ) العمرة ففيها قولان لأهل اللغة حكاهما الأزهري وآخرون أشهرهما : لم يذكر ابن فارس والجوهري وغيرهما غيره أصلها الزيارة والثاني : أصلها القصد ، قاله الزجاج وغيره ، قال الأزهري : وقيل : إنما اختص الاعتمار بقصد الكعبة لأنه قصد إلى موضع عامر ، والله أعلم . فرع : في طرف من فضائل الحج . قال الله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران : 97 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال إيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا قال : حج مبرور رواه البخاري ومسلم ، وعنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه رواه البخاري ومسلم ، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة رواه البخاري ومسلم ، المبرور الذي لا معصية فيه ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد قال : لكن أفضل من الجهاد حج مبرور رواه البخاري . عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه بعدا من النار من يوم عرفة رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي رواه البخاري ومسلم .

حصہ V07/P003–V07/P004

قال المصنف رحمه الله تعالى : الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ( وأن محمدا رسول الله ) وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفي العمرة قولان قال : في الجديد : هي فرض لما روت عائشة قالت : قلت : يا رسول الله هل على النساء جهاد قال : جهاد لا قتال فيه ، الحج والعمرة وقال : في القديم : ليست بفرض لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أهي واجبة قال : لا ، وأن تعتمر خير لك والصحيح ( هو ) الأول ، لأن هذا الحديث رفعه ابن لهيعة ، وهو ضعيف فيما ينفرد به . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم ، وجاء في الصحيحين والحج وصوم رمضان وجاء وصوم رمضان والحج وكلاهما صحيح ، والواو لا تقتضي ترتيبا ، وسمعه ابن عمر مرتين ، فرواه بهما ، وإنما استدل المصنف به ولم يستدل بقول الله تعالى : ولله على الناس حج البيت لأن مراده الاستدلال على كونه ركنا ، ولا تحصل الدلالة لهذا من الآية ، وإنما تحصل من الحديث وأما : حديث عائشة فرواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، وإسناد ابن ماجه على شرط البخاري ومسلم ، واستدل البيهقي لوجوب العمرة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام ، وهو جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وأن تقيم الصلاة ، وتأتي الزكاة ، وتحج البيت وتعتمر ، وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء ، وتصوم رمضان ، قال : فإن قلت هذا فأنا مسلم قال : نعم ، قال : صدقت وذكر الحديث . هكذا رواه البيهقي وقال : ( رواه مسلم في الصحيح . ولم يسق متنه ) هذا كلام البيهقي . وليس هذا اللفظ على هذا الوجه في صحيح مسلم ولا العمرة والغسل من الجنابة والوضوء فيه في هذا الحديث ذكر ، لكن الإسناد به للبيهقي موجود من صحيح مسلم ، وروى الدارقطني هذا اللفظ الذي رواه البيهقي بحروفه ، ثم قال : هذا إسناد صحيح ثابت . واحتج البيهقي أيضا بما رواه بأسناده عن أبي رزين العقيلي الصحابي رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ، ولا الظعن ، قال : حج عن أبيك واعتمر قال البيهقي : ( قال مسلم بن الحجاج : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا أعلم في إيجاب العمرة أجود من حديث أبي رزين هذا ولا أصح منه هذا كلام البيهقي وحديث أبي رزين هذا صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح .

سوالات