Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
وهو ظاهر النص ، لأن ثبوته بالشرط فكان لمن شرطه خاصة ، أما إذا أذن له الموكل في شرط الخيار وأطلق ، فشرط الوكيل الخيار مطلقا ، ولم يقل : لي ولا لموكلي ، فقد ذكر إمام الحرمين والغزالي فيه ثلاثة أوجه أحدها : يثبت الخيار للوكيل ، لأنه العاقد والثاني : للموكل ، لأنه المالك والثالث : لهما ، والأصح للوكيل لأن معظم أحكام العقد متعلقة به وحده ، والله أعلم . فرع : إذا مضت مدة الخيار من غير فسخ ولا إجازة تم البيع ولزم بلا خلاف عندنا . وقال مالك : لا يلزم بمضي المدة ، كما لا يلزم المولى حكم الإيلاء بمجرد مضي المدة ، دليلنا أن الخيار يمنع لزوم العقد ، فإذا انقضت مدته لزم بخلاف الإيلاء .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن شرط الخيار لأجنبي ففيه قولان أحدهما : لا يصح ، لأنه حكم من أحكام العقد فلا يثبت لغير المتعاقدين كسائر الأحكام والثاني : يصح ، لأنه جعل إلى شرطهما للحاجة ، وربما دعت الحاجة إلى شرطه للأجنبي بأن يكون اعرف بالمتاع منهما . فإن شرطه للأجنبي وقلنا : إنه يصح فهل يثبت له فيه وجهان أحدهما يثبت له ، لأنه إذا ثبت للأجنبي من جهته فلأن يثبت له أولى والثاني : لا يثبت ، لأن ثبوته بالشرط فلا يثبت إلا لمن شرط له ، قال الشافعي رحمه الله في الصرف : إذا اشترى بشرط الخيار على أن لا يفسخ حتى يستأمر فلانا لم يكن له أن يفسخ حتى يقول : استأمرته فأمرني بالفسخ ، فمن أصحابنا من قال : له أن يفسخ من غير إذنه ، لأن له أن يفسخ من غير شرط الاستئمار ، فلا يسقط حقه بذكر الاستئمار ، وتأول ما قاله على أنه أراد أنه لا يقول : استأمرته إلا بعد أن يستأمره لئلا يكون كاذبا ومنهم من حمله على ظاهره ، أنه لا يجوز أن يفسخ لأنه ثبت بالشرط ، فكان على ما شرط . + الشرح : قال أصحابنا : يجوز شرط الخيار للعاقدين ولأحدهما بالإجماع ، فإن شرطه لأجنبي فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب يصح البيع والشرط ، وهو الأشهر من نصوص الشافعي رحمه الله ، نص عليه في الإملاء وفي الجامع الكبير ، وبه قطع الغزالي وغيره ، ونقل إمام الحرمين في النهاية اتفاق الأصحاب عليه ، ولم يذكر فيه خلافا ، وليس كما ادعى القول الثاني : أن البيع باطل ، وحكى الماوردي عن ابن سريج وجها أن البيع صحيح والشرط باطل ، قال : وعلى هذا وجهان أحدهما : يكون البيع لازما لا خيار فيه والثاني : أن بطلان الخيار يختص بالأجنبي ، فيصح البيع ويثبت الخيار للعاقد ، وكل هذا ضعيف والمذهب الأول ، قال أصحابنا : ولو باع عبدا بشرط الخيار للعبد ففيه القولان أصحهما : يصح البيع والشرط ، لأنه أجنبي من العقد فأشبه غيره ، وأطلق ابن القاص أنه لا يصح في صورة العبد ، قال القاضي أبو الطيب وغيره : وهو تفريع منه على قولنا : لا يصح شرطه لأجنبي ، فأما إذا صححناه للأجنبي فيصح للعبد ، والله أعلم . قال أصحابنا : ولا فرق على القولين بين أن يشرطا جميعا أو أحدهما الخيار لشخص واحد ، أو يشرط أحدهما لواحد والآخر لآخر ، فلو شرطه أحدهما لزيدمن جهته ، وشرطه الآخر لزيد أيضا من جهته ، صح على قولنا بصحته للأجنبي ، قال المتولي : والفرق بينه وبين الوكيل الواحد في طرفي البيع والشراء أن عقد البيع لا يجوز أن ينفرد به أحدهما ، فلا ينفرد وكيلهما وأما الفسخ والإجازة فينفرد به أحدهما فانفرد به وكيلهما ، قال المتولي وغيره : وإذا شرطه لأجنبي وصححناه ، لا يشترط فيه قبول الأجنبي باللفظ بل يكون امتثاله قولا ، كما لو قال : بع ما لي فإنه يكفي في قبول الوكالة إقدامه على البيع ، قالوا : ويشترط أن لا يصح بالرد .
قال أصحابنا : فإذا قلنا بالأصح : إنه يثبت الخيار للأجنبي المشروط له فهل يثبت للشارط أيضا فيه خلاف مشهور ذكره المصنف بدليله ، ثم إن المصنف وجماعة حكوه وجهين وحكاه المتولي وآخرون قولين أحدهما : يثبت له أيضا وصححه الروياني وأصحهما : عند الجمهور لا يثبت ، وهذا ظاهر نصه في الصرف ، وفي الاملاء لأنه قال في الاملاء : من باع سلعة على رضاء غيره كان للذي شرط له الرضا الرد ، ولم يكن للبائع ، قال أصحابنا : فإن لم تثبته للشارط مع الأجنبي بل خصصنا به الأجنبي فمات الأجنبي في زمن الخيار ، فهل يثبت الآن للشارط فيه وجهان حكاهما البغوي وآخرون أصحهما : عند البغوي والرافعي وغيرهما : يثبت كما يثبت للوارث والثاني : لا ، لأنه ليس بوارث ، وبهذا جزم صاحب البحر ، والمذهب الأول . قال أصحابنا : وإذا أثبتنا الخيار للأجنبي والشارط جميعا فلكل واحد منهما الاستقلال بالفسخ فلو فسخ أحدهما واختار الآخر قدم الفسخ ، والله أعلم . أما : إذا اشترى شيئا على أن يؤامر فلانا فيأتي به من الفسخ والإجازة فقد نص الشافعي رحمه الله في كتاب الصرف على أن البيع صحيح وأنه ليس له أن يفسخ حتى يقول : استأمرته فأمرني بالفسخ وتكلم الأصحاب في النص من وجهين أحدهما : أنه له إذا شرط أن يقول : استأمرته ، وأي مدخل لو أمر به مع أنه لا خيار له ، واختلفوا في جواب هذا ، وقال القائلون بالأصح في الصورة السابقة : إن الخيار المشروط للأجنبي يختص بالأجنبي ، هذا جواب على المذهب الذي بيناه ومؤيديه ، وقال الآخرون : هو مذكور احتياطا ، ولا يشترط استئماره وإنما أراد الشافعي أنه لا يقول : استأمرته إلا بعد الاستئمار ، لئلا يكون كاذبا ، ونقل الماوردي هذا عن أبي إسحاق المروزي والبصريين كافة ، والجواب الأول أصح ، وأقرب إلى ظاهر النص ، لأنه قال : لم يكن له أن يفسخ ولم يقل : لم يجز له أن يكذب . الاعتراض الثاني : أنه أطلق في التصوير شرط المؤامرة ، ولم يقيده بثلاثة أيام فما دونها ، واختلفوا في جوابه على وجهين حكاهما البغوي والروياني وآخرون الصحيح : منهما باتفاقهم ، وبه قطع الجمهور أنه محمود على ما إذا قيد ذلك بالثلاثة ، فإن أطلق لم يصح البيع والثاني : يحتمل الاطلاق والزيادة على الثلاثة ، كخيار الرؤية في بيع الغائب إذا جوزناه فإنه تجوز الزيادة فيه على الثلاثة والمذهب الأول قال : البغوي : وإذا شرط المؤامرة ثلاثة أيام فمضت الثلاثة ولم يؤامره أو آمره ولم يشر بشيء ، لزم العقد ولا ينفرد هو بالفسخ والإمضاء في مدة الثلاثة حتى يؤامر ، والله أعلم . فرع : إذا شرط الخيار لأجنبي وقلنا : يصح شرطه له ، وثبت له ولهما فتبايعا بشرط الخيار لأجنبي وصرحا بنفيه عن أنفسهما ، ففي صحة هذا الشرط والنفي وجهان ، حكاهما إمام الحرمين أحدهما : يصح اتباعا للشرط والثاني : لا يصح والأول أصح .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا شرط الخيار في البيع ففي ابتداء مدته وجهان أحدهما من حين العقد ، لأنها مدة ملحقة بالعقد ، فاعتبر ابتداؤها من حين العقد كالأجل ولأنه لو اعتبر من حين التفرق صار أول مدة الخيار مجهولا ، لأنه لا يعلم متى يفترقان والثاني : أنه يعتر من حين التفرق لأن ما قبل التفرق الخيار ثابت فيه بالشرع ، فلا يثبت فيه بشرط الخيار فإن قلنا : إن ابتداءه من حين العقد فشرط أن يكون من حين التفرق بطل ، لأن وقت الخيار مجهول ، ولأنه يزيد الخيار على ثلاثة أيام وإن قلنا : إن ابتداءه من حين التفرق فشرط أن يكون من حين العقد ففيه وجهان أحدهما يصح ، لأن ابتداء الوقت معلوم والثاني : لا يصح ، لأنه شرط ينافي موجب العقد فأبطله . + الشرح : قوله مدة ملحقة بالعقد ، قال القلعي : هو احتراز من الاستبراء إذا قلنا : لا يحسب إلا بعد القبض أو بعد انقضاء الخيار . قال أصحابنا : إذا تبايعا بشرط الخيار ثلاثة أيام فما دونها ففي ابتداء مدته وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب : من حين العقد والثاني : من حين انقطاع خيار المجلس إما بالتخاير وإما بالتفرق ، قال الروياني هذا اختيار ابن القطان وابن المرزبان ، والأول قول ابن الحداد ، وقول ابن الحداد هو الصحيح عند جميع المصنفين ، حتى قال الروياني : قول ابن القطان ليس بشيء . قال المصنف والأصحاب : فإن قلنا إنه من حين العقد فشرطاه من حين التفرق بطل البيع ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والأصحاب في جميع الطرق . وحكى إمام الحرمين عن حكاية صاحب التقريب وجها أنه يصح البيع والشرط ، وهذا شاذ مردود فإن قلنا من حين التفرق فشرطاه من حين العقد فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : يبطل البيع وأصحهما : باتفاق الأصحاب لا يبطل ، ممن صححه صاحب الشامل والروياني وصاحب البيان والرافعي وآخرون . قال أصحابنا : فإن قلنا : ابتداء المدة من حين العقد فانقضت وهما مصطحبان فقد انقطع خيار الشرط ، وبقي خيار المجلس ، وإن تفرقا والمدة باقية فالحكم بالعكس ، ولو أسقطا أحد الخيارين سقط ولم يسقط الآخر ولو قالا : ألزمنا العقد أو أسقطنا الخيار سقطا جميعا ولزم البيع ، هذا تفريع كونه من العقد فأما إذا قلنا : من التفرق فإذا تفرقا انقطع خيار المجلس وابتدىء خيار الشرط ، وإن أسقطا الخيار قبل التفرق انقطع خيار المجلس ، وفي خيار الشرط وجهان حكاهما إمام الحرمين والبغوي وغيرهما أحدهما : ينقطع لأن مقتضاهما واحد وأصحهما : لا ينقطع لأنه غير ثابت في الحال ، فكيف يسقط والله تعالى أعلم . فرع : لو شرطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق ، وقلنا بصحته على الخلاف السابق فإن قلنا : ابتداء المدة من التفرق لم يختلف الحكم وإن قلنا من العقد حسبت المدة هنا من حين الشرط لا من العقد ولا من التفرق ، والله أعلم . فرع : إذا باع بثمن مؤجل ، ففي ابتداء وقت الأجل طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف والعراقيون وجماعة من غيرهم أنه من حين العقد وجها واحدا والثاني : أنه مرتب على ابتداء مدة الخيار ، إن جعلناها من العقد فالأجل أولى بذلك وإن قلنا : من التفرق ففي الأجل وجهان ، وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين ، وممن ذكره منهم القاضي حسين وأبو علي السنجي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم ، وجمع القاضي حسين وغيره المسألتين فقالوا : في ابتداء مدة الخيار والأجل ثلاثة أوجه أصحهما : من حين العقد فيهما والثاني : من حين التفرق والثالث : الأجل من العقد والخيار من التفرق ، وفرقوا بينهما بأن الأجل ليس من جنس خيار المجلس ، فكان اجتماعهما أقرب بخلاف خيار الشرط .
قال إمام الحرمين : فإن قيل لا وجه لقول من قال : يحسب الأجل من التفرق وقلنا : الخيار يمنع المطالبة بالثمن كالأجل ، فكان قريبا ، والخيار في التحقيق تأجيل لإلزام الملك أو نقله والأجل تأخير المطالبة ، قال الإمام : ومن قال بتأخير الأجل عن العقد وعن خيار المجلس فقياسه أنه إذا باع بشرط خيار ثلاثة أيام ، وبشرط الأجل أن يفسخ أول الأجل بعد انقضاء خيار الثلاث ، لأنه عنده في معناه ، ولا سبيل إلى الجمع بين المثلين ، هذا كلام الإمام . والمذهب أن الأجل من العقد سواء شرط خيار الثلاث أم لا ، والله أعلم . قال الغزالي في الوسيط وأما مدة الإجازة إذا قلنا : يثبت فيها خيار الشرط ففي ابتدائها هذا الخلاف المذكور في الأجل ، قال : والأصح أنها من العقد ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن ثبت له الخيار فله أن يفسخ في محضر من صاحبه وفي غيبته لأنه رفع عقد جعل إلى اختياره فجاز في حضوره وغيبته كالطلاق . + الشرح : قوله ( جعل إلى اختياره ) قال القلعي هو احتراز من الإقالة والخلع فإنهما لم يجعلا إلى اختياره وحده ، بل إلى اختيارهما ، قال أصحابنا : من ثبت له خيار الشرط كان له الفسخ في حضرة صاحبه وفي غيبته ، لما ذكره المصنف ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وزفر وأبو يوسف ، وقال أبو حنيفة ومحمد : لا يصح إلا في حضرة صاحبه ، ولهذا قاسه المصنف على الطلاق ، لأنه مجمع على نفوذه بغير حضورها ، والله أعلم . فرع : الإقالة فسخ للعقد على القول الصحيح الجديد كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى ، قال أصحابنا : ولا تصح إلا بحضور المتعاقدين ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجماهير ، وذكر الروياني فيها وجهين الصحيح : منهما هذا والثاني : أنه إذا قال : أقلني ، ثم غاب في الحال ، ثم قال الآخر : أقلتك بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه صحت الإقالة وإن لم يسمعه لبعده منه ، وهذا شاذ ضعيف . فرع : إذا فسخ المستودع الوديعة من غير حضور مالكها ، ففي صحة الفسخ وجهان حكاهما الروياني هنا أحدهما : لا يصح لأن الأمانة لا تنفسخ بالقول ، ولهذا لو قال : فسخت الأمانة كان على الأمانة ما لم يردها ، حتى لو هلكت قبل إمكان الرد لا ضمان والثاني : يصح ويرتفع حكم عقد الوديعة ويبقى حكم الأمانة كالثوب إذا ألقته الريح في دار إنسان يكون أمانة وإلا يكون وديعة فيلزمه أن يعلم صاحبه بذلك ، فإن أخر الإعلام مع القدرة ضمن ، هذا كلام الروياني . وجزم القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما في هذا الموضع بصحة فسخ الوديعة في غيبة المالك ، قال القاضي أبو الطيب : تنفسخ ويلزمه ردها إلى مالكها ، فإن لم يجده دفعها إلى الحاكم ، فإن لم يفعل وهلكت ضمن فإن قيل لو انفسخت الوديعة لوجب أن يضمنها إذا تلفت في يده قبل العلم بالفسخ ، لأنه لا يجوز أن تنفسخ ولا تكون مضمونة قلنا : لا يمتنع أن تنفسخ وتبقى في يده أمانة ، ولهذا لو حضر المالك وقال فسخت وديعتي انفسخت ، وتكون أمانة في يده إلى أن يسلمها ، فإن ذهب ليحضرها فتلفت قبل التمكن لم يضمنها ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن تصرف في المبيع تصرفا يفتقر إلى الملك كالعتق والوطء والهبة والبيع وما أشبهها نظرت ، فإن كان ذلك من البائع كان ذلك اختيارا للفسخ ، لأنه تصرف يفتقر إلى الملك فجعل اختيارا لا فسخ والرد إلى الملك ، وإن كان ذلك من المشتري ففيه وجهان قال أبو إسحاق : إن كان ذلك عتقا كان اختيارا للإمضاء ، وإن كان غيره لم يكن ذلك اختيارا ، لأن العتق لو وجد قبل العلم بالعيب منع الرد فأسقط خيار المجلس ، وخيار الشرط وما سواه لو وجد قبل العلم بالعيب لم يمنع الرد بالعيب ، فلم يسقط خيار المجلس وخيار الشرط وقال أبو سعيد الإصخري : الجميع اختيار للإمضاء ، وهو الصحيح لأن الجميع يفتقر إلى الملك ، فكان الجميع اختيارا للملك ، ولأن في حق البائع الجميع واحد فكذلك في حق المشتري ، فإن وطئها المشتري بحضرة المشتري بحضرة البائع وهو ساكت ، واحد فهل ينقطع خيار البائع بذلك فيه وجهان أحدهما : ينقطع لأنه أمكنه أن يمنعه ، فإذا سكت كان ذلك رضاء بالبيع والثاني : لا ينقطع لأنه سكوت عن التصرف في ملكه ، فلا يسقط عليه حكم التصرف ، كما لو رأى رجلا يخرق ثوبه ، فسكت عنه والله أعلم . + الشرح : قوله لأن الجميع يفتقر إلى الملك احتراز من الاستخدام وقوله : لأنه سكوت عن التصرف في ملكه قال القلعي : فيه احتراز من المودع إذا رأى من يسرق الوديعة فسكت عنه . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : قال أصحابنا : يحصل الفسخ والإجازة في خيار المجلس وخيار الشرط بكل لفظ يفهم منه ذلك كقول البائع فسخت البيع أو استرجعت المبيع أو رددته ، أو رددت الثمن ونحو ذلك ، فكل هذا فسخ ، والإجازة أجزت البيع وأمضيته ، وأسقطت الخيار ، وأبطلت الخيار ، ونحو ذلك ، قال الصيمري : وقول البائع في زمن الخيار : لا أبتاع حتى يزيد في الثمن ، مع قول المشتري : لا أفعل ، يكون فسخا وكذا قول المشتري : لا أشتري حتى ينقص عني من الثمن مع قول البائع لا أفعل وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال كل هذا فسخ هذا كلام الصيمري ، وحكاه عنه صاحب البيان والرافعي وغيرهما وسكتوا عليه موافقين له . الثانية : إعتاق البائع إذا كان الخيار لهما أو له وحده ، ينفذ ويكون فسخا بلا خلاف ، وفي بيعه وجهان مشهوران : أحدهما : ليس بفسخ والثاني : وهو الصحيح أنه فسخ ، وبه قطع المصنف والجمهور ، فعلى هذا في صحة البيع وجهان أصحهما : الصحة كالعتق والثاني : لا يصح ، بل يحصل الفسخ دون البيع ، قال أصحابنا : ويجري الوجهان في التزويج والإجارة ، وكذا الرهن والهبة إن اتصل بهما القبض سواء وهب لولده أو لغيره فإن تجرد الرهن والهبة عن القبض فهو كالعرض على البيع ، كما سنوضحه متصلا به إن شاء الله تعالى . فرع : العرض على البيع والإذن في البيع والتوكيل فيه ، والرهن والهبة إذا لم يتصل بهما قبض ، في جميع هذا وجهان أحدهما : أنها كلها فسخ إن صدرت من البائع ، وإجازة إن صدرت من المشتري وأصحهما : أنها ليست فسخا ولا إجازة . ولو باع المبيع في مدة الخيار بشرط الخيار ، قال إمام الحرمين : إن قلنا لا يزول ملك البائع فهو قريب من الهبة الخالية عن القبض ، وإن قلنا : يزول ففيه احتمال لأنه أبقى لنفسه مستدركا والله أعلم .
الثالثة : لو وطىء البائع الجارية المبيعة في زمان الخيار والخيار له أو لهما ففيه ثلاثة أوجه الصحيح المشهور : الذي قطع به المصنف والجمهور أنه فسخ لإشعاره باختيار الإمساك والثاني : لا يكون فسخا ، ولو وطىء الرجعية لا تكون رجعة والثالث : إن نوى به الفسخ كان فسخا ، وإلا فلا ، وهذان الوجهان شاذان حكاهما الرافعي وحكى الثالث منهما الدارمي والصواب الأول ، وبه قطع الأصحاب ، ونقل المتولي وغيره الاتفاق عليه ، قالوا : والفرق بينه وبين الرجعة أن الرجعة جعلت لتدارك ملك النكاح ، وابتداء ملك النكاح لا يحصل بالفعل وإنما يحصل بالقول فكذا تداركه ، وأما فسخ البيع فلتدارك ملك اليمين ، وابتداء ملك اليمين يحصل بالفعل كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد وسبي الجارية وإحياء الموات ونحو ذلك . فعلى الصحيح لو باشر فيما دون الفرج بشهوة أو قبل أو لمس بشهوة ، أو استخدام الجارية أو العبد أو الدابة أو ركبها هل يكون فسخا فيه وجهان حكاهما القاضي حسين وغيره أحدهما : يكون ، وبه قطع البغوي كالوطء والعتق وأصحهما : لا يكون فسخا وزيف إمام الحرمين قول من قال : الركوب والاستخدام فسخ وقال : هو هفوة والله أعلم . ولو طلق إحدى زوجتيه لا بعينها ثم وطىء إحداهما لم يكن تعيينا للطلاق في الأخرى على الأصح في القولين وهذا مما أورده الغزالي على الشافعي في مسألة وطء البائع وفرق الأصحاب نحو ما سبق في فرق الرجعة وحاصله الاحتياط للنكاح بخلاف الملك . الرابعة : وطء المشتري ، هل هو إجازة منه فيه ثلاثة أوجه حكاها المتولي وغيره أصحها : باتفاف الأصحاب يكون إجازة ، لأنه متضمن للرضى ، وكما جعلنا وطء البائع فسخا لتضمنه الرضى ، كذا وطء المشتري إجازة لتضمنه الرضى والثاني : لا ، لأن وطء المشتري لا يمنع الرد بالعيب ، فلا يمنع الفسخ كخيار الشرط ، قال المتولي : وهذا على قولنا : إن الملك للمشتري في زمن الخيار ، وإن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله والثالث : إن كان عالما بثبوت الخيار له حالة الوطء ، بطل خياره ، وإن كان جاهلا فلا ، ويتصور جهله بأن يرث الجارية من مورثه ولا يعلم أن مورثه اشتراها بشرط الخيار ، وقاسه هذا القائل على الرد بالعيب ، فإنه إذا وطىء وهو عالم بالعيب بطل حقه من الرد ، وإن كان جاهلا فلا ، ولم يفرق الأصحاب بين خيار المجلس وخيار الشرط ، وقال القاضي حسين : إن وطىء في خيار الشرط بطل خياره ، وإن وطىء في خيار المجلس فوجهان ، فحصل وجه رابع في المسألة أنه يبطل خيار الشرط دون خيار المجلس ، والله أعلم . وأما : إعتاقه فإن كان بإذن البائع نفذ وحصلت الإجازة من الطرفين ، ولزم البيع بلا خلاف وإن كان بغير إذنه ففي نفوذه خلاف سنذكره واضحا إن شاء الله تعالى في تفريع الأقوال الثلاثة في الملك في زمن الخيار لمن هو ومختصره أن المذهب أنه لا ينفذ إعتاقه إن كان الخيار لهما أو للبائع فإن كان للمشتري وحده نفذ فإن قلنا ينفذ حصلت الإجازة قطعا وإلا فوجهان أصحهما : الحصول أيضا لدلالته على الرضا واختيار التملك وبهذا قطع المصنف وآخرون ، قال إمام الحرمين : ويتجه أن يقال : إن أعتق وهو يعلم عدم نفوذه لم يكن إجازة قطعا ، والمذهب أنه لا فرق أما إذا باع المشتري أو وقف أو وهب وأقبض بغير إذن البائع فلا ينفذ شيء من ذلك بلا خلاف ، وهل يكون إجازة فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يكون إجازة . وبه قال الاصطخري ، وصححه المصنف والأصحاب والثاني : لا يكون ، قاله أبو إسحاق المروزي .
قال أصحابنا : ولو باشر المشتري هذه التصرفات بإذن البائع أو باع المبيع للبائع نفسه فوجهان أصحهما : صحة التصرف لتضمنمه الإجازة والثاني : لا ، لضعف الملك وعدم تقدم الإجازة قال ابن الصباغ وغيره : وعلى الوجهين جميعا يصير البيع لازما ، ويسقط الخيار قال الرافعي : وقياس ما سبق أنا إذا لم ننفذها كان سقوط الخيار على وجهين ، والمذهب ما قاله ابن الصباغ وموافقوه ، والله تعالى أعلم . أما إذا أذن له البائع في طحن الحنطة المبيعة فطحنها فإنه إجازة منهما قال الصيدلاني وغيره : ومجرد الإذن في هذه التصرفات لا يكون إجازة من البائع ما لم يتصرف ، حتى لو رجع البائع قبل التصرف كان على خياره ، وفي هذا الذي قالوه نظر ، لأن الاعتبار بالدلالة على الرضى ، وذلك حاصل بمجرد الإذن ، وسيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى عن القاضي حسين خلاف في هذا ، والله أعلم . الخامسة : إذا وطىء المشتري المبيعة فقد سبق الخلاف في كونه إجازة منه ، وأما خيار البائع فإن كان جاهلا بوطء المشترء لم يسقط قطعا ، وإن أدركه حصلت الإجازة منه قطعا ، ولا يجب على المشتري مهر ولا قيمة الوطء قطعا ، وتصير الجارية أم ولد ، فإن لم يأذن له ، ولكن علم أنه يطأ ، أو رآه يطأ وسكت عليه ، فهل يسقط خيار البائع ويكون مجيزا فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يكون مجيزا قطعا ، وكما لو سكت على وطء أمته لا يسقط به المهر قطعا ، أو على تخريق ثوبه لا يسقط القيمة قطعا ، هكذا ذكر الأصحاب المسألة ، ولم يفرقوا بين خيار الشرط وخيار المجلس ، وقال المتولي : إذا أبطلنا خيار المشتري بالوطء وكان البائع جاهلا بوطء المشتري فإن كان خيار الشرط لم يبطل حق البائع منه ، وإن كان خيار المجلس فوجهان ، بناء على الوجهين السابقين فيما إذا أسقط المشتري خياره ، هل يسقط خيار البائع أم لا وهذا الذي قاله شاذ مردود والمذهب أنه لا يسقط خيار المجلس والحالة هذه كالشرط ، قال القاضي حسين : ولو أذن له البائع في الوطء ولم يطأها ، هل يبطل خيار البائع بمجرد الإذن فيه خلاف مرتب إن قلنا : إذا رآه يطأ فسكت يبطل ، فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، والفرق أنه وجد هنا صريح والإذن ، والله أعلم . فرع : إذا تصرف المشتري في المبيع ببيع أو رهن أو هبة أو تزويج ونحوها ، وصححناه ، يبطل خيار البائع إذا لم يكن أذن في ذلك بلا خلاف . واحتج له المتولي بأن هذه التصرفات لا تبطل مالية الممتنع ، وهي قابلة للرفع والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جن من له الخيار ، أو أغمي عليه ، انتقل الخيار إلى الناظر في ماله وإن مات ، فإن كان في خيار الشرط انتقل الخيار إلى من ينتقل إليه المال ، لأنه حق ثابت لإصلاح المال ، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن ، فإن لم يعلم الوارث حتى مضت المدة ففيه وجهان أحدهما يثبت له الخيار في القدر الذي بقي من المدة ، لأنه لما انتقل الخيار إلى غير من شرط له بالموت وجب أن ينتقل إلى غير الزمان الذي شرط فيه والثاني : أنه تسقط المدة ويثبت الخيار للوارث على الفور ، لأن المدة فاتت وبقي الخيار ، فكان على الفور كخيار الرد بالعيب ، وإن كان في خيار المجلس فقد روى المزني أن الخيار للوارث وقال في المكاتب : إذا مات وجب البيع ، فمن أصحابنا من قال : لا يسقط الخيار بالموت في المكاتب وغيره وقوله في المكاتب : وجب البيع . أراد به أنه لا ينفسخ بالموت كما تنفسخ الكتابة ، ومنهم من قال : يسقط الخيار في بيع المكاتب ولا يسقط في بيع غيره لأن السيد يملك بحق الملك ، فإذا لم يملك في حياة المكاتب لم يملك بعده موته والوارث يملك بحق الإرث فانتقل إليه بموته . ومنهم من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وخرجهما على قولين أحدهما أنه يسقط الخيار لأنه إذا سقط الخيار بالتفرق فلأن يسقط بالموت والتفرق فيه أعظم أولى والثاني : لا يسقط ، وهو الصحيح ، لأنه خيار ثابت لفسخ البيع ، فلم يبطل بالموت كخيار الشرط ، فعلى هذا إن كان الذي انتقل إليه الخيار حاضرا ثبت له الخيار إلا أن يتفارقا أو يتخايرا وإن كان غائبا ثبت له الخيار إلى أن يفارق الموضع الذي بلغه فيه . + الشرح : قوله حق ثابت لإصلاح المال احتراز ممن أسلم على أكثر من أربع زوجات ، وأسلمن ، ومات قبل الاختيار ، فإن الخيار لا ينتقل إلى الوارث وقوله : خيار ثابت لفسخ البيع . احتراز بالفسخ عن خيار القبول في إيجاب البيع ، وهو إذا قال البائع : بعتك فمات المشتري قبل القبول لم يقبل الوارث عنه . واحترز بالبيع عن فسخ النكاح بالعيب وبعتق الأمة تحت عبده . أما الأحكام : فاتفقت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب على أن خيار الشرط وخيار الرد بالعيب ينتقل إلى الوارث بموت المورث ، وإلى السيد بموت المكاتب في مدته ولا خلاف في هذا ، إلا أن الرافعي حكى أن في خيار الشرط قولا شاذا أنه يسقط بالموت مخرجا من خيار المجلس ، وهذا ضعيف جدا ومردود ، فإذا قلنا بالمذهب فإن كانت المدة باقية عند بلوغ الخبر ثبت للوارث الخيار إلى انقضائها ، وإن كانت قد انقضت فأربعة أوجه ، الوجهان الأولان منها مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يكون على الفور .
قال الروياني وغيره : هذا ظاهر نصه في الأم والوجه الثاني : يثبت في القدر الذي كان بقي عند الموت والثالث : يبقى الخيار ما دام المجلس الذي بلغه فيه الخبر ، حكاه القفال والروياني وآخرون من الخراسانيين والوجه الرابع : يسقط الخيار ، ويلزم البيع بمجرد مضي المدة ، حكاه الروياني ، وبه جزم الماوردي لفوات المدة وهذا شاذ مردود والله أعلم وأما خيار المجلس فإذا مات أحد المتعاقدين في المجلس نص الشافعي أن الخيار لوارثه وقال في المكاتب : إذا باع ومات في المجلس وجب البيع ، وللأصحاب في المسألتين ثلاث طرق مشهورة ، ذكرها المصنف بدلائلها واضحة أحدها : وهو قول أبي إسحاق المروزي وأكثر أصحابنا المتقدمين وهو أصحها عند الأصحاب : في المسألتين قولان أصحهما : يثبت الخيار للوارث ولسيد المكاتب ، كخيار الشرط والرد بالعيب والثاني : لا يثبت ، بل يلزم البيع بمجرد الموت ، لأنه أبلغ في المفارقة من مفارقته بالبدن والطريق الثاني : يثبت لهما قطعا ، وتأويل نص المكاتب بما ذكره المصنف ، وبهذا الطريق قال أبو علي ابن أبي هريرة والثالث : تقرير النصين ، وهو ثبوت الخيار للوارث دون السيد ، والفرق أن الوارث خليفة الميت بخلاف السيد . ولو مات العاقدان في المجلس ففي انتقال الخيار إلى وارثهما وسيد المكاتب الخلاف المذكور في موت أحدهما ، صرح به الدارمي والأصحاب والله أعلم . أما إذا باع العبد المأذون له ، أو اشترى ومات في المجلس ، فكالمكاتب وكذا الوكيل بالشراء إذا مات في المجلس ، هل للموكل الخيار فيه الخلاف كالمكاتب ، هذا إذا فرعنا على الصحيح أن الاعتبار بمجلس الوكيل ، وفي وجه شاذ ضعيف يعتبر مجلس الموكل ، وهو شاذ ليس بشيء . قال أصحابنا : فإن لم يثبت الخيار للوارث فقد انقطع خيار الميت وأما العاقد الآخر الحي فذكر البغوي أن خياره لا ينقطع حتى يفارق ذلك المجلس ، وقال إمام الحرمين : يلزم العقد من الجانبين . قال الرافعي : ويجوز تقرير خلاف لما سبق أن هذا الخيار لا يتبعض سقوطه كموته ، وذكر القاضي حسين فيه وجهين أحدهما : يمتد إلى أن يفارق مجلسه ثم ينقطع والثاني : يبقى إلى أن يجتمع هو والوارث الآخر والثالث : يمتد إلى مفارقته مجلس العقد ، وهذا هو الصحيح وهو الذي جزم به البغوي ، وحكى الروياني وجها رابعا أنه ينقطع خياره بموت صاحبه ، فإذا بلغ الخبر إلى وارثه حدث لهذا الحي الخيار معه ، وهذا شاذ ضعيف . فإن قلنا : يثبت الخيار للوارث فإن كان حاضرا في المجلس امتد الخيار بينه وبين العاقد الآخر حتى يتفرقا أو يتخايرا ، وإن كان غائبا فله الخيار إذا وصله الخبر ، وهل هو على الفور أم يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر إليه فيه وجهان كالوجهين في خيار الشرط إذا ورثه الوارث ، وبلغه الخبر بعد مضي مدة الخيار ، ففي وجه هو على الفور ، وفي وجه يمتد كما كان يمتد للميت لو بقي ، ومنهم من بناهما على الوجهين في كيفية ثبوته للعاقد الباقي أحدهما : له الخيار ، ما دام في مجلس العقد ، فعلى هذا يكون خيار الوارث ثابتا في المجلس الذي يشاهد فيه المبيع والثاني : يتأخر خياره إلى أن يجتمع هو والوارث في مجلس فحينئذ يثبت الخيار للوارث ، وجمع القاضي حسين في تعليقه هذا الخلاف ، فحكى في المسألة ثلاثة أوجه أحدهما : يثبت له على الفور والثاني : ما لم يفارق مجلس بلوغ الخبر والثالث : ما لم يجتمع هو والعاقد الآخر ، وحكى الروياني وجها رابعا أنه يثبت له الخيار إذا أبصر السلعة ، ولا يتأخر عن ذلك والأصح : أن خيار الوارث يثبت ما دام في مجلس بلوغ الخبر إليه وبه قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب والماوردي وآخرون ، وهو قول أبي إسحاق المروزي .
فرع : إذا ورث خيار المجلس اثنان فصاعدا وكانوا حضورا في مجلس العقد ، فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر ، ولا ينقطع بمفارقة بعضهم على الأصح المشهور ، وبه جزم الأكثرون ، فإن كانوا غائبين عن المجلس قال المتولي : إن قلنا في الوارث الواحد : يثبت الخيار في مجلس مشاهدة المبيع فلهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس وإن قلنا له الخيار إذا اجتمع هو والعاقد ، وكذا لهم الخيار إذا اجتمعوا هم وهو ، ومتى فسخ بعضهم وأجاز بعضهم فوجهان مشهوران ، حكاهما ابن القطان والقاضي حسين والمتولي والروياني وغيرهما أحدهما : لا ينفسخ في شيء وأصحهما : ينفسخ في الجميع كالمورث لو فسخ في حياته في بعضه ، وأجاز في بعض . قال المتولي : ولا خلاف أنه لا يبعض الفسخ ، لأن فيه إضرارا بالعاقد الآخر ، قال ولو حضر بعضهم وغاب البعض فللحاضر الخيار ، فإن فسخ وقلنا : يغلب الفسخ نفذ الفسخ في الجميع ، وإن أجاز توقفنا حتى يبلغ الخبر إلى الغائب ، هذا ما نقله المتولي . وقال الماوردي والروياني : إن مات البائع فلكل واحد من ورثته أن ينفرد بالفسخ في حصته بلا خلاف ، وإن مات المشتري فوجهان أحدهما : يثبت الفسخ لكل من ورثته كعكسه وأصحهما : ليس لأحدهما الفسخ ، والفرق أن المشتري يثبت له الخيار بتبعيض الصفقة عليه ، فيزول عنه الضرر ، بخلاف البائع ، والمذهب ما ذكره المتولي . فرع : لو جن أحد العاقدين أو أغمي عليه لم ينقطع الخيار ، بل يقوم وليه أو الحاكم مقامه ، فيفعل ما فيه الحظ من الفسخ والإجازة . هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والأصحاب ، وفيه وجه مخرج من الموت أنه ينقطع حكاه جماعة من الخراسانيين منهم المتولي والروياني ، قال : وليس هو بشيء ، ولو خرس أحدهما في المجلس قال أصحابنا : إن كانت له إشارة مفهومة أو كتابة فهو على خياره وإلا نصب الحاكم نائبا عنه ، وهذا متفق عليه عند أصحابنا . فرع : إذا جن أحد العاقدين أو أغمي عليه في مدة الخيار ، وأقام القاضي فيما يقوم مقامه في الخيار ، ففسخ القيم أو أجاز ، فأفاق العاقد وادعى أن الغبطة خلاف ما فعله القيم ، قال القاضي حسين وغيره : ينظر الحاكم في ذلك فإن وجد الأمر كما يقول المفيق مكنه من الفسخ والإجازة ، ونقض فعل القيم ، وإن لم يكن ما ادعاه المفيق ظاهرا فالقول قول القيم مع يمينه ، لأنه أمين فيما فعله إلا أن يقيم المفيق بينة بما ادعاه . فرع : قال القاضي حسين : حيث أثبتنا خيار المجلس أو الشرط للوارث ، وكان واحدا فإن قال : أجزت انبرم العقد ، وإن قال : فسخت انفسخ ، وإن قال : أجزت وفسخت ، أو فسخت وأجزت ، فالحكم باللفظ المتقدم منهما ، وإن قال : أجزت في النصف وفسخت في النصف ، غلب الفسخ ، كما لو فسخ أحد العاقدين وأجاز الآخر ، فإنه يقدم الفسخ كما سبق . فرع : لو حضر الموكل مجلس العقد ، فحجر على الوكيل في خيار المجلس ، فمنعه الفسخ والإجازة ، فقد ذكر الغزالي في البسيط و الوسيط كلاما معناه أن فيه احتمالين أحدهما : يجب الامتثال فينقطع خيار الوكيل ، قال : وهو مشكل لأنه يلزم منه رجوع الخيار إلى الموكل ، وهو مشكل والثاني : لا يمتثل لأنه من لوازم السبب السابق ، وهو المنع ، لكنه مشكل لأنه مخالف نيابة الوكالة التي مقتضاها امتثال قول الموكل ، وهذا الثاني أرجح هذا معنى كلام الغزالي ، وليس في المسألة خلاف ، وإن كانت عبارته موهمة إثبات خلاف ، والله أعلم .
فرع : إذا كان الخيار لأحدهما دون الآخر فمات من لا خيار له ، بقي الخيار للآخر بلا خلاف ، قال المتولي : وهذا كما أن الدين المؤجل لا يحل بموت من له الدين ، وإنما يحل بموت من عليه وتتصور المسألة في الشرط ، وتتصور في خيار المجلس إذا أجاز أحدهما دون الآخر ثم مات المخير في المجلس . فرع : إذا شرط الخيار لأجنببي ، وصححناه وخصصناه به دون الشارط فمات ، ففي انتقاله إلى الشارط الخلاف المذكور في المكاتب ، ذكره المتولي وغيره ، وسبق بيانه في مسألة شرط الخيار للأجنبي ، قال المتولي : ولا خلاف أنه ينتقل إلى وارث الأجنبي قال : وكذا لو شرط الوكيل الخيار لنفسه حيث يصح ، وخصصناه به فمات ، لا ينتقل إلى وارثه بلا خلاف ، وفي انتقاله إلى الموكل الخلاف كالمكاتب ، وحكى الفوراني وجها أنه ينتقل إلى وارث الوكيل ، وهذا ضعيف أو غلط ، وحكى أيضا طريقا آخر أنه ينتقل إلى الموكل قطعا وادعى أنه المذهب لأنه نائبه ، وطريقا ثالثا أنه يبطل الخيار قطعا وحكى القاضي حسين هذا الطريق ، والمذهب المشهور أنه كالمكاتب ، والصحيح على الجملة أنه ينتقل إلى الموكل ، قال : وكذا المكاتب إذا شرط الخيار ثم عجز نفسه ، هل ينتقل الخيار إلى سيده فيه الخلاف ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن خيار الرد بالعيب يثبت للوارث بلا خلاف إذا مات الوارث قبل التقصير المسقط ، وهذا حكم خيار الخلف فيما إذا شرط أن العبد كاتب فأخلف ونحوه قال المتولي : وهكذا الخيار الثابت للبائع عند عجز المشتري عن تسليم الرهن المشروط في البيع ينتقل إلى الوارث ، فأما خيار القبول فلا يورث بلا خلاف ، وصورته إذا قال البائع : بعتكه فمات المشتري ووارثه حاضر فقبل في الحال لا يصح ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب . وحكى الروياني وجها أنه إذا قبل وارثه في الحال صح البيع وهو شاذ باطل ، وقد سبقت المسألة بفروعها في مسائل ازيجاب والقبول ، قال المتولي : والفرق بينهما أن خيار القبول ليس بلازم ، لأن من عليه وهو البائع لو قال : رجعت أو أبطلت الإيجاب بطل خيار المشتري بخلاف الخيار في هذه المسألة ، فإنه لازم ، حتى لو قال من عليه الخيار لصاحبه أبطلت عليك خيارك ، لم يبطل حقه ، فما كان جائزا سقط بالموت ، وما كان لازما لم يسقط بالموت كالعقود فإنه يبطل بالموت الجائز منها دون اللازم . فرع : قال المتولي : لو وهب لولده شيئا فمات الواهب لا ينتقل حق الرجوع فيه إلى الورثة لأنهم لا يرثون العين فلا يرثون الخيار منها ، وكما لا يورث حق النكاح ، قال المتولي : وحد ما يورث وما لا يورث من الحقوق أن كل حق لازم متعلق بالمال يورث بوراثة المال ، وهذا كلامه ، وليس هذا الذي قاله حدا صحيحا ، فإنه ترك أشياء كثيرة ولم تدخل في حده منها حد القذف ومنها القصاص ومنها النجاسات المنتفع بها كالكلب والسرجين وجلد الميتة وغير ذلك ، والله أعلم . فرع : إذا مات صاحب الخيار وقلنا : ينتقل إلى الورثة فكانوا أطفالا أو مجانين قال الروياني وغيره : ينصب القاضي ( قيما يفعل ) ما هو المصلحة من الفسخ والإجازة ، كما لو جن صاحب الخيار ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وفي الوقت الذي ينتقل الملك في البيع الذي فيه خيار المجلس أو خيار الشرط ، ثلاثة أقوال أحدها : ينتقل بنفس العقد لأنه عقد معارضة يوجب الملك فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح والثاني : أنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار ، لأنه لا يملك التصرف إلا بالعقد وانقضاء الخيار ، فدل على أنه لا يملك إلا بهما والثالث : أنه موقوف مراعى ، فإن لم يفسخ العقد تبينا أنه ملك بالعقد ، وإن فسخ تبينا أنه لم يملك ، لأنه لا يجوز أن يملك بالعقد ، لأنه لو ملك بالعقد لملك التصرف ، ولا يجوز أن يملك بانقضاء الخيار ، لأن انقضاء الخيار لا يوجب الملك . فثبت أنه موقوف مراعى ، فإن كان المبيع عبدا فأعتقه البائع نفذ عتقه ، لأنه إن كان باقيا على ملكه فقد صادف العتق ملكه ، وإن كان قد زال ملكه عنه إلا أنه يملك الفسخ فجعل العتق فسخا ، وإن أعتقه المشتري لم يخل إما أن يفسخ البائع البيع أو لا يفسخ فإن لم يفسخ وقلنا : إنه يملكه بنفس العقد ، أو قلنا : إنه موقوف نفذ عتقه لأنه صادف ملكه وإن قلنا : إنه لا يملك بالعقد لم يعتق ، لأنه لم يصادف ملكه . وإن فسخ البائع وقلنا : إنه لا يملك بالعقد أو موقوف لم يعتق ، لأنه لم يصادف ملكه . وإن قلنا : إنه يملك بالعقد ففيه وجهان قال أبو العباس : إن كان موسرا عتق ، وإن كان معسرا لم يعتق ، لأن العتق صادف ملكه ، وقد تعلق به حق الغير فأشبه عتق المرهون ومن أصحابنا من قال : لا يعتق ، وهو المنصوص ، لأن البائع اختار الفسخ والمشتري اختار الإجازة بالعتق ، والفسخ والإجازة إذا اجتمعا قدم الفسخ ، ولهذا لو قال المشتري : أجزت ، وقال البائع بعده : فسخت ، قدم الفسخ وبطلت الإجازة ، وإن كانت سابقة للفسخ فإن قلنا : لا يعتق عاد العبد إلى ملك البائع وإن قلنا يعتق ، فهل يرجع البائع بالثمن أو القيمة قال أبو العباس يحتمل وجهين أحدهما يرجع بالثمن ، ويكون العتق مقررا للعقد ومبطلا للفسخ والثاني : أنه يرجع بالقيمة ، لأن البيع انفسخ وتعذر الرجوع إلى العين ، فرجع إلى قيمته كما لو اشترى عبدا بثوب واعتق العبد ، ووجد البائع بالثوب عيبا فرده فإنه يرجع بقيمة العبد ، فإن باع البائع المبيع أو وهبه صح لأنه إما أن يكون على ملكه فيملك العقد عليه ، وإما أن يكون للمشتري إلا أنه يملك الفسخ فجعل البيع والهبة فسخا . وإن باع المشتري المبيع أو وهبه نظرت فإن كان بغير رضى البائع فإن قلنا إنه في ملك البائع لم يصح تصرفه ، وإن قلنا : إنه في ملكه ففيه وجهان قال أبو سعيد الإصطخري : يصح ، وللبائع أن يختار الفسخ ، فإذا فسخ بطل تصرف المشتري . ووجهه أن التصرف صادف ملكه الذي ثبت للغير فيه حق الانتزاع فأشبه إذا اشترى شقصا فيه شفعة فباعه ومن أصحابنا من قال : لا يصح لأنه باع عينا تعلق بها حق الغير من غير رضاه ، فلم يصح ، كما لو باع الراهن المرهون ، فأما إذا تصرف فيه برضى البائع نظرت فإن كان عتقا نفذ لأنهما رضيا بامضاء البيع ، وإن كان بيعا أو هبة ففيه وجهان أحدهما لا يصح ، لأنه ابتدأ بالتصرف قبل أن يتم ملكه والثاني يصح لأن المنع من التصرف لحق البائع وقد رضي البائع .
+ الشرح : قوله : ( لأنه عقد معاوضة يوجب الملك ) احترز بالمعاوضة عن الهبة ، فإنها لا تملك بالعقد ، بل بالقبض ، وعن الوصية وبقوله : يوجب الملك عن الكتابة ، فإنها عقد معاوضة لكن لا توجب الملك ، فإن العبد لا يملك نفسه أبدا ، وإنما فائدة عتقه تقدم ملك فيه وقوله : فأشبه عتق المرهون يعني على أصح الأقوال الثلاثة المشهورة فيه وقوله : ثبت للغير فيه حق ، هذا مما أنكره بعض أهل العربية على الفقهاء وغيرهم ، فقال : لفظة غير لا تدخل عليها الألف ، وكذا كل وبعض ، وجوزه آخرون ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء و اللغات . أما الأحكام : فقال أصحابنا : في ملك المبيع في زمن خيار المجلس وخيار الشرط ثلاثة أقوال مشهورة ، ذكرها المصنف بدليلها أحدها : أنه ملك للمشتري ينتقل إليه بنفس العقد ويكون الثمن ملكا للبائع ، قال الماوردي : وهذا نصه في باب زكاة الفطر والثاني : أنه باق على ملك البائع ، ولا يملكه المشتري إلا بعد انقضاء الخيار من غير فسخ ، ويكون الثمن باقيا على ملك المشتري ، قال الماوردي : وهذا نصه في الأم والثالث : موقوف ، فإن تم البيع حكمنا بأنه كان ملكا للمشتري بنفس العقد . وإلا فقد بان أن ملك البائع لم يزل . وهكذا يكون الثمن موقوفا على هذا القول ، وفي موضع الأقوال ثلاثة طرق حكاها المتولي وغيره أحدها : أنه إذا كان الخيار لهما إما بالشرط وإما بالمجلس أما إذا كان لأحدهما ، فالمبيع على ملكه لأنه ملك التصرف والطريق الثاني : أنه لا خلاف في المسألة ، بل إن كان الخيار للبائع فالملك له ، وإن كان للمشتري فله ، وإن كان لهما فموقوف وتنزل الأقوال على هذه الأحوال والثالث : طرد الأقوال في جميع الأحوال وهو الأصح عند عامة الأصحاب منهم العراقيون والحليمي ، هذا نقل الرافعي . وقال إمام الحرمين : طرد الأئمة الأحوال الثلاثة فيه إذا كان لهما أو لأحدهما قال : وقال بعض المحققين : إن كان الخيار لهما ففيه الأقوال ، وإن كان الخيار للمشتري فالأصح أن الملك له ، وإن كان الخيار للبائع فالأصح : أن المبيع باق على ملكه ، قال الإمام : وكان شيخي يقول : يتجه أن يجعل ذلك قولا رابعا . واختلف أصحابنا في الأصح من هذه الأقوال ، فصححت طائفة القول بأن المشتري يملك بنفس العقد ، منهم الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين وغيرهم ، وبه قطع المحاملي في المقنع ، وسليم الرازي في الكفاية ، والجرجاني في التحرير وهو مذهب أحمد ، وصححت طائفة قول الوقف ، ممن صححه البغوي ، وصححت طائفة التفصيل فقالوا : إن كان الخيار للبائع ، فالأصح أن الملك له ، وإن كان الخيار للمشتري وحده فالأصح أن الملك له . وإن كان لهما فالأصح أنه موقوف ، وممن صحح هذا التفصيل القفال ، حكاه عنه الروياني في البحر ، وأشار إلى موافقته وصححه أيضا صاحب البيان والرافعي في كتابيه الشرح الكبير و المحرر ، وقطع به الروياني في الحلية ، والله أعلم . التفريع : قال أصحابنا رحمهم الله : لهذه الأقوال فروع كثيرة ، منها ما يذكر في أبوابه ، ومنها ما يذكر هنا فمنها كسب العبد والأمة المبيعين في زمن الخيار ، فإن تم البيع فهو للمشتري إن قلنا الملك له أو موقوف وإن قلنا الملك للبائع فوجهان أصحهما : وبه قال الجمهور : الكسب للبائع ، لأن الملك له عند حصوله ، وقال أبو علي الطبري : هو للمشتري واستدل له المتولي وغيره بأن سبب زوال ملك البائع موجود حال وجود الزيادة .
فلم يجعل لها حكم ، وجعلت تابعة للعين ، وكان لمن استر ملك العين له ، وإن فسخ البائع فهو للبائع إن قلنا : الملك له أو موقوف وإن قلنا للمشتري فوجهان مشهوران أصحهما : للمشتري والثاني : للبائع ، وبه قال أبو إسحاق المروزي قال المتولي هما مبنيان على أن الفسخ يرفع العقد من حينه أو من أصله ، وفيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : من حينه والثاني : من أصله فإن قلنا من حينه فهو للمشتري ، وإلا فللبائع . قال أصحابنا : وفي معنى الكسب ، اللبن والشعر والثمرة ومهر الجارية إذا وطئت بشبهة أو أكرهت على الزنا وكون الجميع حكم كسب العبد على التفصيل والخلاف ومنها النتاج ، فإن وجد حدوث الولد وانفصاله في مدة الخيار لامتداد المجلس فهو كالكسب ، وإن كانت الجارية أو البهيمة حاملا عند البيع وولدت في زمن الخيار بني على أن الحمل هل له حكم وهل يأخذ قسطا من الثمن وفيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بعد هذا بدليلهما أحدهما : لا كالأعضاء ، فعلى هذا هو كالكسب كما سبق بلا فرق وأصحهما له قسط كما لو بيع بعد الانفصال مع الأم فعلى هذا يكون الحمل مع الأم كعينين بيعتا معا ، فإن فسخ البيع فهما للبائع وإلا فللمشتري ومنها العتق فإذا أعتق البائع العبد المبيع في زمن الخيار المشروط لهما أو للبائع وحده نفذ إعتاقه على كل قول ، وهذا لا خلاف فيه ، ودليله ما ذكره المصنف . وإن أعتقه المشتري فإن قلنا الملك للبائع لم ينفذ إن فسخ البيع قطعا ، وكذا إن تم على أصح الوجهين ، وهو المنصوص لما ذكره المصنف وإن قلنا : موقوف ، فالعتق أيضا موقوف ، فإن تم البيع بأن نفوذه وإلا فلا وإن قلنا : الملك للمشتري ففي نفوذ العتق وجهان أصحهما : وهو ظاهر النص لا ينفذ صيانة لحق البائع على الاتصال والثاني : ينفذ ، وبه قال ابن سريج ، وعلى هذا وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف أنه إنما ينفذ إذا كان موسرا بقيمته ، فإن كان معسرا فلا ، كالموهوب على أصح الأقوال والثاني : ينفذ موسرا كان أو معسرا فإن قلنا : لا ينفذ فاختبار البائع الإجازة ففي الحكم بنفوذه الآن وجهان أصحهما : لا ينفذ فإن قلنا : ينفذ فهل ينفذ من وقت الإجازة أم من وقت الإعتاق فيه وجهان أصحهما : من وقت الإجازة وإن قلنا بقول ابن سريج ففي بطلان خيار البائع وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : يبطل وليس له إلا الثمن وأصحهما : لا يبطل لكن لا يرد العتق ، بل إذا فسخ أخذ قيمة العبد كنظيره في الرد بالعيب . فعلى هذا إن اختلفا في قيمة العبد وتعذرت معرفتها لموته أو غيبته ونحو ذلك فالقول قول المشتري ، لأنه غارم ، هذا كله إذا كان الخيار لهما أو للبائع . أما : إذا كان للمشتري وحده فينفذ إعتاقه على جميع الأقوال بلا خلاف لأنه إما مصادف ملكه ، وإما إجازة ، وليس فيه إبطال حق لغيره ، وإن أعتقه البائع وكان الخيار للمشتري وحده فإن قلنا : الملك للمشتري لم ينفذ سواء تم البيع أو فسخ ، وفيما إذا فسخ الوجه الشاذ السابق الناظر إلى المال .
وإن قلنا : موقوف لم ينفذ إن تم البيع وإلا فينفذ وإن قلنا : الملك للبائع فإن انفسخ العقد بطل العتق وإلا فقد أعتق ، تبينا ثبوت الاستيلاد وإلا فلا ، فلو ملكها بعد ذلك عاد القولان ، وعلى قولنا : الملك للمشتري في ثبوت الاستيلاد الخلاف السابق في العتق ، فإن لم يثبته في الحال وتم البيع تبينا ثبوته ، ورتب الخراسانيون الخلاف في الاستيلاد على الخلاف في العتق ، ثم اختلفوا فقيل : الاستيلاد أولى بالثبوت وقيل عكسه ، قال إمام الحرمين : ولا تبعد التسوية ، قال أصحابنا : والقول في وجوب قيمة الولد على المشتري كالقول في ملكه الذي تعلق به حق لازم ، فهو كإعتاق المرهون والله أعلم . ومنها : الوطء فإن كان الخيار لهما أو للبائع ففي حله للبائع طرق أحدهما : إن قلنا : الملك له فحلال ، وإلا فوجهان وجه الحل أنه يتضمن الفسخ ، وفي ذلك عود الملك إليه معه أو قبيله والطريق الثاني : إن قلنا : لا ملك له فحرام ، وإلا فوجهان وجه التحريم ضعف الملك والثالث : القطع بالحل مطلقا ، قال الرافعي : والمذهب من هذا كله الحل إن جعلنا الملك له ، والتحريم إن لم نجعله له ، ولا مهر عليه بحال بلا خلاف وأما : وطء المشتري فحرام قطعا ، والصورة فيما إذا كان الخيار لهما أو للبائع وحده لأنه وإن ملك على قول فملك ضعيف ولكن لو وطىء فلا حد على الأقوال كلها بلا خلاف لوجود الملك أو شبهته وأما : المهر فإن تم البيع لم يلزمه إن قلنا الملك له أو موقوف وإن قلنا للبائع فوجهان الصحيح وقول الجمهور وجوب المهر له وقال : أبو إسحاق : لا يجب نظرا إلى المال ، فإن فسخ البيع وجب المهر للبائع إن قلنا الملك له أو موقوف وإن قلنا للمشتري فوجهان أصحهما : لا مهر والثاني : يجب لضعف ملكه وزواله . فإن أولدها المشتري فالولد نسيب بلا خلاف على الأقوال كلها لأنه وطء في ملك أو شبهة . وأما الاستيلاد فإن قلنا الملك للبائع لم يثبت . ثم إن تم البيع أو ملكها بعد ذلك ففي ثبوته حينئذ القولان المشهوران ، فيمن وطىء جارية غيره بشبهة ، ثم ملكها أصحهما : لا يثبت ، وعلى الوجه الضعيف الناظر إلى المال يثبت إذا تم البيع بعد الاستيلاد بلا خلاف وعلى قول الوقف إن تم البيع تبينا ثبوت الاستيلاد وإلا فلا ، فلو ملكها بعد ذلك عاد القولان ، وعلى قولنا : الملك للمشتري في ثبوت الاستيلاد الخلاف السابق في العتق ، فإن لم نثبته في الحال وتم البيع في المهر . وإذا وجبت قيمة الولد اعتبرت يوم الولادة فإن وضعته ميتا لم يجب قيمته ، لأنه لم يخل بينه وبينه ، هذا كله إذا كان لهما أو للبائع فأما : إذا كان للمشتري وحده فحكمه حل الوطء له كما سبق في حله في طرف البائع إذا كان الخيار لهما أو للبائع ، وأما البائع فيحرم عليه الوطء هنا ، فلو وطىء فالقول في وجوب المهر ، وفي ثبوت الاستيلاد ووجوب القيمة كما ذكرنا في طرف المشتري إذا كان الخيار لهما أو للبائع ، والله تعالى أعلم . قال القاضي حسين : إذا قلنا الملك للمشتري وأحبلها ثبت الاستيلاد وبطل خياره ، وفي بطلان خيار البائع وجهان ، فإن أبطلناه انبرم العقد واستقر الثمن ، وإن لم نبطله فاختار البائع الإجازة فكذلك ، فإن فسخ البيع فهل يبطل الاستيلاد إن قلنا لا يبطل العتق فالاستيلاد أولى وإلا فوجهان والفرق أن الاستيلاد فعل وهو أقوى من العتق . ولهذا ينفذ استيلاد المجنون والسفيه والمريض والأب في جارية ابنه دون إعتاقهم فإن قلنا : لا يفسخ الاستيلاد رجع بقيمتها وإن قلنا : له فسخه استرد الجارية ، والله أعلم .
ومنها : بيع البائع والمشتري وهبتهما وسائر عقودهما وسبق بيانها قبل هذا الفصل ، والله أعلم . فرع : إذا اشترى عبدا لجارية ثم أعتقهما معا ، فإن كان الخيار لهما عتقت الجارية بناء على ما سبق أن إعتاق البائع نافذ متضمن للفسخ ، ولا يعتق العبد المشترى ، وإن قلنا : الملك فيه لمشتريه لما فيه من إبطال حق صاحبه ، هذا هو الأصح ، وعلى الوجه القائل بنفاذ إعتاق المشتري تفريعا على أن الملك للمشتري يعتق العبد ، ولا تعتق الجارية ، أما إذا كان الخيار لمشتري العبد فثلاثة أوجه أصحها : يعتق العبد لأنه أجازه ، والأصل استمرار العقد والثاني : تعتق الجارية ، لأن عتقها فسخ فقدم على الإجازة ، ولهذا لو فسخ أحد المتبايعين وأجاز الآخر قدم الفسخ والثالث : لا يعتق واحد منهما أما إذا كان الخيار لبائع العبد وحده فالمعتق بالإضافة إلى العبد مشتر ، والخيار لصاحبه ، وبالإضافة إلى الجارية بائع ، والخيار لصاحبه ، وقد سبق الخلاف في اعتقاهما ، قال الرافعي والذي يفتي به أنه لا ينفذ العتق في واحد منهما في الحال فإن فسخ صاحبه نفذ في الجارية وإلا ففي العبد . ولو كانت المسألة بحالها واعتقهما مشتري الجارية فليقس الحكم بما سبق ، وإن كان الخيار لهما عتق العبد دون الجارية على الأصح ، وإن كان للمعتق وحده فعلى الأوجه الثلاثة ففي الأول يعتق العبد ، وفي الثاني الجارية ، ولا يخفى حكم الثالث ، والله أعلم . أما إذا أعتق أحد المتعاقدين أحد المبيعين فقال القاضي حسين : إن قلنا الخيار يمنع الملك نفذ عتقه فيما باع وإن قلنا : لا يمنع قلنا له : عين أحدهما للعتق فإن عين ما اشتراه كان كاعتاق المشتري في مدة الخيار ، وإن عين فيما باع نفذ قطعا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان المبيع جارية لم يمنع البائع من وطئها ، لأنها باقية على ملكه في بعض الأقوال ويملك ردها إلى ملكه في بعض الأقوال فإذا وطئها انفسخ البيع . ولا يجوز للمشتري وطؤها لأن في أحد الأقوال لا يملكها ، وفي الثاني مراعي فلا يعلم هل يملكها أم لا وفي الثالث يملكها ملكا غير مستقر ، فإن وطئها لم يجب الحد ، وإن أحبلها ثبت نسب الولد وانعقد الولد حرا لأنه إما أن يكون في ملك أو شبهة ملك . وأما المهر وقيمة الولد وكون الجارية أم ولد فإنه يبني على الأقوال ، فإن أجاز البائع البيع بعد وطء المشتري وقلنا إن الملك للمشتري أو موقوف لم يلزمه المهر ولا قيمة الولد ، وتصير الجارية أم ولد ، لأنها مملوكته وإن قلنا : إن الملك للبائع فعليه المهر ، وقال أبو إسحاق لا يلزمه كما لا تلزمه أجرة الخدمة ، والمذهب الأول ، لأنه وطىء في ملك البائع ، ويخالف الخدمة فإن الخدمة تستباح بالإباحة ، والوطء لا يستباح ، وفي قيمة الولد وجهان أحدهما : لا تلزمه لأنها وضعته في ملكه والاعتبار بحال الوضع ألا ترى أن قيمة الولد تعتبر حال الوضع والثاني : تلزمه لأن العلوق حصل في غير ملكه ، والاعتبار بحال العلوق لأنها حال الإتلاف ، وإنما تأخر التقويم في حالة الوضع لأنه لا يمكن تقويمه في حال العلوق ، وهل تصير الجارية أم ولد فيه قولان كما قلنا فيمن أحبل جارية غيره بشبهة ، فأما إذا فسخ البيع وعادت إلى ملكه فإن قلنا : إن الملك للبائع أو موقوف وجب عليه المهر وقيمة الولد ، ولا تصير الجارية في الحال أم ولد ، وهل تصير أم ولد إذا ملكها فيه قولان وإن قلنا : إن الملك للمشتري لم يجب عليه المهر ، لأن الوطء صادف ملكه ومن أصحابنا من قال : يجب ، لأنه لم يتم ملكه عليها ، وهذا يبطل به إذا أجاز البائع البيع ، وعلى قول أبي العباس تصير أم ولد كما تعتق إذا أعتقها عنده ، وهل يرجع البائع بقيمتها أو بالثمن فيه وجهان ، وقد بينا ذلك في العتق ، وعلى المنصوص أنها لا تصير أم ولد له ، لأن حق البائع سابق فلا يسقط بإحبال المشتري ، فإن ملكها المشتري بعد ذلك صارت أم ولد ، لأنها إنما لم تصر أم ولد له في الحال لحق البائع ، فإذا ملكها صارت أم ولد . وإن اشترى جارية فولدت في مدة الخيار بنينا على أن احمل هل له حكم في البيع وفيه قولان أحدهما : له حكم ويقابله قسط من الثمن ، وهو الصحيح ، لأن ما أخذ قسطا من الثمن بعد الانفصال أخذ قسطا من الثمن قبل الانفصال كاللبن والثاني لا حكم له ولا قسط له من الثمن ، لأنه يتبعها في العتق ، فلم يأخذ قسطا من الثمن كالأعضاء فإن قلنا : إن له حكما فهو مع الأم بمنزلة العينين المبيعتين ، فإن امضى العقد كانا للمشتري ، وإن فسخ العقد كانا للبائع ، كالعينين المبيعتين وإن قلنا لا حكم له نظرت ، فإن أمضى العقد وقلنا : إن الملك ينتقل بالعقد أو موقوف ، فهما للمشتري وإن قلنا : إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار فالولد للبائع ، فإن فسخ العقد وقلنا : إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار ، أو قلنا : إنه موقوف فالولد للبائع وإن قلنا : يملك بالعقد فهو للمشتري ، وقال أبو إسحاق : الولد للبائع ، لأن على هذا القول لا ينفذ عتق المشتري ، وهذا خطأ لأن العتق يفتقر إلى ملك تام ، والنماء لا يفتقر إلى ملك تام . + الشرح : هذه المسائل كلها واضحة ، وسبق شرحها في الفصل السابق ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار ، فلمن له الخيار الفسخ والإمضاء ، لأن الحاجة التي دعت إلى الخيار باقية بعد تلف المبيع ، فإن فسخ وجبت القيمة على المشتري ، لأنه تعذر رد العين فوجب رد القيمة ، وإن امضينا العقد فإن قلنا : إنه يملك بنفس العقد أو موقوف فقد هلك من ملكه وإن قلنا : يملك بالعقد وانقضاء الخيار وجب على المشتري قيمته ، والله أعلم . + الشرح : قوله : ( وجبت قيمته ) قال : وجب بدله ، كان أحسن وأعلم ليدخل فيه المثل فيما له مثل قال أصحابنا : إذا تلف المبيع في مدة الخيار في يد المشتري لم ينقطع الخيار ، بل يبقى الخيار في الفسخ والإمضاء لمن كان له ، لما ذكره المصنف ، وقال الخراسانيون : إذا تلف في يد المشتري فإن قلنا : الملك للبائع انفسخ البيع كالتلف وإن قلنا : للمشتري أو موقوف نظر إن أتلفه أجنبي بنى على ما لو تلف بآفة سماوية ، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى فإن قلنا : ينفسخ العقد هناك فهو كإتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض ، وسيأتي حكمه إن شاء تعالى . وإن قلنا : لا ينفسخ وهو الأصح فكذا هنا ، وعلى الأجنبي البدل وهو المثل إن كان مثليا وإلا فالقيمة ويبقى الخيار بحاله ، فإن تم البيع فالبدل للمشتري وإلا فللبائع ، وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن ، فإن أتلفه في يد البائع ، وجعلنا إتلافه قبضا فهو كما لو تلف في يده ، وإن أتلفه البائع في يد المشتري قال المتولي : يبنى على إتلافه كاتلاف الأجنبي أم كالتلف بآفة سماوية وفيه خلاف مشهور فقال : القاضي حسين : إن أتلفه البائع في يد نفسه وقلنا : الملك له انفسخ العقد له وإن قلنا : للمشتري ففي انفساخه قولان إن قلنا : لا ينفسخ بطل خيار البائع ، وفي خيار المشتري وجهان وإن قلنا : لا يبطل ففسخ فذاك فإن أجاز أخذ من البائع القيمة ، ورجع إليه بالثمن . فرع : قال أصحابنا : إذا تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار فإن كان قبل القبض انفسخ البيع ، وإن كان بعده وقلنا : الملك للبائع انفسخ أيضا ، فيسترد الثمن ويغرم المشتري للبائع البدل ، وهو المثل أو القيمة ، وفي كيفية القيمة الخلاف المشهور في كيفية غرامه المقبوض بالسوم وإن قلنا : الملك للمشتري أو موقوف فوجهان أو قولان أحدهما : ينفسخ أيضا لحصول الهلاك قبل استقرار العقد وأصحهما : لا ينفسخ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض ، ولا أثر لولاية الفسخ كما في خيار العيب ، فإن قلنا بالانفساخ فعلى المشتري القيمة . قال إمام الحرمين : وهنا نقطع باعتبار قيمة يوم التلف لأن الملك قبل ذلك للمشتري . فإن قلنا : بعدم الانفسخ ففي انقطاع الخيار وجهان أحدهما : ينقطع كما ينقطع خيار الرد بالعيب بتلف المبيع وأصحهما : لا كما لا يمتنع التحالف بثمن المبيع ، ويخالف الرد بالعيب لأن الضرر هناك يندفع بالأرش فإن قلنا : بالأول استقر العقد ولزم الثمن وإن قلنا : بالثاني فإن تم العقد وجب الثمن وإلا وجبت القيمة على المشتري ، ويرد الثمن ، وإن تنازعا في قدر القيمة فالقول قول المشتري بيمينه ، وقطعت طائفة من الأصحاب بعدم الانفساخ وإن قلنا : الملك للبائع وهو ظاهر كلام المصنف قال الإمام : وذكروا تفريعا أنه لو لم ينفسخ حتى انقضى زمن الخيار فعلى البائع رد الثمن ، وعلى المشتري القيمة ، قال الإمام : وهذا تخليط ظاهر ، والله أعلم .