Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

حصہ V03/P065–V03/P067

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ولأنا لو لم نجوز التأخير ضاق على الناس ، فسمح لهم بالتأخير ، فإن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان : أحدهما : وهو ظاهر المذهب ، وهو قول أبي علي بن خيران أنه يكون مؤديا للجميع ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أصحابنا من قال : هو مؤد لما صلى في الوقت قاض لما صلى بعد خروج الوقت اعتبارا بما في الوقت وبعده . + الشرح : حديث أول الوقت رضوان الله ، حديث ضعيف رواه الترمذي من رواية ابن عمر ، ورواه الدارقطني من رواية ابن عمر ، وجرير ابن عبد الله ، وأبي محذورة وأسانيد الجميع ضعيفة وجمعها البيهقي وقال : أسانيده كلها ضعيفة ويغني وحديث أمامة جبريل عليه السلام وحديث : وقت الظهر ما لم تحضر العصر ، وصلي المغرب عند سقوط الشفق وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة . وأما حديث أبي هريرة : من أدرك من الصبحة ركعة إلى آخره فرواه البخاري ومسلم بلفظه ، وقد ذكرته قبل هذا ، وفي رواية في الصحيحين من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة . أما حكم المسألة : فيجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت بلا خلاف حيث تقع جميعا في الوقت ، فإذا وقع بعض صلاته في الوقت وبعضه خارجه نظر إن وقع في أول الوقت ركعة فصاعدا فثلاثة أوجه أصحها : باتفاقهم ، قال البندنيجي : وهو المنصوص في الجديد والقديم أن الجميع أداء والثاني : الجميع قضاء ، حكاه الخراسانيون والثالث : ما في الوقت أداء وما بعده قضاء ، وهو قول أبي إسحاق المروزي حكاه عنه القاضي أبو الطيب وآخرون ، ودليل الوجهين في الكتاب ودليل القضاء أن الاعتبار بآخر الصلاة ، ولهذا لو خرج الوقت في أثناء الجمعة أتموها ظهرا ، وإن كان الواقع في الوقت دون ركعة فطريقان : المذهب أن الجميع قضاء ، وبه قطع الأكثرون . والثاني : أنه على الأوجه حكاه القاضي حسين وآخرون . وحيث قلنا : الجميع قضاء أو البعض لم يجز للمسافر قصر تلك الصلاة على قولنا : لا تقصر المقضية ، ولو أراد إنسان تأخير الشروع في الصلاة إلى حد يخرج بعضها عن الوقت فإن قلنا كلها أو بعضها قضاء لم يجز بلا خلاف ، وإن قلنا : كلها أداء لم يجز أيضا على المذهب ، وبه قطع البغوي ، وهو الذي صوبه إمام الحرمين ، وفيه تردد للشيخ أبي محمد ، وجزم البندنيجي بالجواز وليس بشيء . أما إذا شرع في الصلاة وقد بقي من الوقت ما يسع جميعها فمدها بتطويل القراءة حتى خرج الوقت قبل فراغها فثلاثة أوجه ، أصحها : لا يحرم ولا يكره ، لكنه خلاف الأولى ، والثاني : يكره ، والثالث : يحرم ، حكاه القاضي حسين في تعليقه ، والله أعلم . فرع : ذكرنا أن حديث أول الوقت رضوان الله ضعيف ، والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان قرىء بهما في السبع ، قال الشافعي رحمه الله في المختصر رضوان الله تعالى إنما يكون للمحسنين ، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين ، قال أصحابنا : قوله : للمقصرين قد يستشكل من حيث أن التأخير لا إثم فيه فكيف يكون فاعله مقصرا وأجابوا بوجهين : أحدهما : أنه مقصر بالنسبة إلى من صلى في أول الوقت وإن كان لا إثم عليه والثاني : أنه مقصر بتفويت الأفضل كما يقال من ترك صلاة الضحى فهو مقصر وإن لم يأثم .

حصہ V03/P067–V03/P068

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يعذر أحد من أهل الفرض في تأخير الصلاة عن وقتها إلا نائم أو ناس أو مكره أو من يؤخرها للجمع بعذر السفر أو المطر لقوله صلى الله عليه وسلم : ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة ( أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ) فنص على النائم وقسنا عليه الناسي والمكره لأنهما في معناه ، وأما من يؤخر الصلاة لسفر أو مطر فنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى . + الشرح : حديث ليس في النوم تفريط صحيح سبق بيانه من رواية أبي قتادة رضي الله عنه ، وقوله : لا يعذر أحد من أهل الفرض إلى آخره هكذا قاله أصحابنا ، فإن قيل : يرد عليه المرأة إذا رأت دما يحتمل الحيض فإنها تمسك عن الصلاة على الصحيح كما سبق في بابه ، وقد ينقطع لدون يوم وليلة ونتيقن وجوب الصلاة ولم يستثنها ، وجوابه أن الصلاة لم تكن واجبة عليها في ظاهر الحكم حين أخرتها والله أعلم . واعلم أن قوله : أن من يؤخرها للجمع بالمطر تفريع على القول الضعيف في جواز التأخير في الجمع بالمطر ، والأصح أنه لا يجوز التأخير وإنما يجوز التقديم . وأما قوله : أو من أكره على تأخيره فمحمول على أن من أكره على ترك الصلاة ، ومنع من الإيماء بها أو أكره على التلبس بما ينافيها ، فأما من لم يكن كذلك وأمكنه الإيماء برأسه وعينه أو نحو ذلك فيجب عليه الصلاة في الوقت لحرمته ، ويعيد كما قاله أصحابنا في مسألة الغريق والمصلوب والمريض وغيرهم ممن عجز عن القبلة وإتمام الأركان : أنه يجب الصلاة في الحال بحسب الإمكان وتجب الإعادة على المذهب ، وسبق بيان المسألة والخلاف فيها في باب التيمم . وقد نص الشافعي رحمه الله على المكره ، فقال في البويطي في آخر كتاب الصلاة قبل الجنائز بدون ورقة : ولو أسر رجل ومنع من الصلاة فقدر أن يصليها إيماء صلاها ولم يدعها وأعادها قلت : ودليله قوله صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه .

حصہ V03/P068–V03/P069

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون أو المغمى عليه ، وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر فإن بقي من الوقت دون الركعة ففيه قولان روى المزني عنه أنه لا يلزمه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ولأن بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا . وقال في كتاب استقبال القبلة : يلزمه بقدر تكبيرة لأنه إدراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كإدراك الجماعة ، وتخالف الجمعة فإنه إدراك فعل فاعتبر فيه الركعة ، وهذا إدراك حرمة فهو كالجماعة . وأما الصلاة التي قبلها فينظر فيها فإن كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم يلزمه ما قبلها ، لأن ذلك ليس بوقت لما قبلها ، وإن كان ذلك في وقت العصر أو وقت العشاء قال في الجديد : يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان أحدهما : ركعة والثاني : تكبيرة ، والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر ، وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتا لها في حقهم . وقال في القديم : فيه قولان أحدهما : يجب بركعة وطهارة والثاني : يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات : أربع للظهر وركعة للعصر ، وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات : ثلاث للمغرب وركعة للعشاء ، لأن الوقت اعتبر لإدراك الصلاتين فاعتبر وقت يمكن الفراغ من إحداهما والشروع في الأخرى وغلط أبو إسحاق في هذا فقال : أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب ، وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر ، لأن العصر تجب بركعة فدل على أن الأربع للظهر . وخرج أبو إسحاق في المسألة قولا خامسا أنه يدرك الظهر والعصر بمقدار إحدى الصلاتين وتكبيرة . + الشرح : إذا زال الصبا أو الكفر أو الجنون أو الإغماء أو الحيض أو النفاس في آخر الوقت فإن بقي من الوقت قدر ركعة لزمته تلك الصلاة بلا خلاف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو في الصحيحين كما سبق بيانه قريبا والمعتبر في الركعة أخف ما يمكن وحكى إمام الحرمين عن والده أنه قال مرة : يكفي ركعة مسبوق ، وضعفه الإمام . وهل يشترط معها زمن إمكان الطهارة فيه قولان حكاهما الخراسانيون وبعضهم يحكي وجهين أصحهما وبه قطع العراقيون : لا يشترط لظاهر الحديث والثاني : يشترط ليتمكن من فعل الركعة ، وإن بقي من الوقت قدر تكبيرة فما فوقها مما لا يبلغ ركعة فقولان أصحهما : باتفاق الأصحاب تلزمه تلك الصلاة لأنه إدراك جزء منه ، كإدراك الجماعة والثاني : لا ، لمفهوم الحديث وقياسا على الجمعة ، وفي اشتراط زمن الطهارة القولان ، فإن قلنا تلزم بتكبيرة فأدرك زمن نصف تكبيرة أن تصور ذلك ففي اللزوم به تردد للشيخ أبي محمد حكاه إمام الحرمين والغزالي في البسيط لأنه إدراك جزء من الوقت إلا أنه لا يسع ركنا . قال أصحابنا : وشرط الوجوب بركعة أو تكبيرة أن يمتد السلامة من المانع قدر إمكان الطهارة وفعل تلك الصلاة ، فإن عاد مانع قبل ذلك لم تجب . مثاله : بلغ صبي في آخر وقت العصر ثم جن أو أفاق مجنون ثم عاد جنونه أو طهرت ثم جنت أو أفاقت ثم حاضت فإن مضى في حال السلامة ما يسع طهارة وأربع ركعات وجبت العصر وإلا فلا .

حصہ V03/P069–V03/P070

ويستوي في الإدراك بركعة جميع الصلوات ، فإن كانت المدركة صبحا أو ظهرا أو مغربا لم يجب غيرها ، وإن كانت عصرا أو عشاء وجب مع العصر الظهر ، ومع العشاء المغرب بلا خلاف . وفيما تجب به قولان أظهرهما : باتفاق الأصحاب وهو نصه في الجديد : تجب بما تجب به الأولى فتجب الصلاتان بركعة في قول وبتكبيرة في قول ، وهو الأظهر والثاني : وهو القديم لا تجب الظهر مع العصر إلا بإدراك أربع ركعات مع ما تجب به العصر ، فعلى قول يشترط خمس ركعات وعلى قول أربع وتكبيرة ، وعلى هذا تكون الأربع للظهر والركعة أو التكبيرة للعصر على الصحيح المنصوص في القديم ، ليمكن الفراغ من الظهر والشروع في العصر ، وتدرك المغرب بأربع ركعات من آخر وقت العشاء ، ثلاث للمغرب ، وركعة للعشاء . وقال أبو إسحاق المروزي الأربع للعصر والركعة للظهر ، قال : ويشترط في المغرب مع العشاء خمس ركعات أربع للعشاء وركعة للمغرب قال المصنف والأصحاب : هذا الذي قاله أبو إسحاق غلط صريح مخالف للنص والدليل ، فكيف يصح أن يشترط للثانية أربع ركعات ويكتفي في الأولى بركعة وهل يشترط مع ذلك زمن إمكان الطهارة فيه القولان السابقان أظهرهما : لا يشترط وإذا جمعت الأقوال حصل فيما يلزم به كل صلاة في آخر وقتها أربعة أقوال أصحها : قدر تكبيرة والثاني : تكبيرة وطهارة والثالث : ركعة والرابع : ركعة وطهارة ، وفيما يلزم به الظهر مع العصر ثمانية أقوال هذه الأربعة والخامس : قدر أربع ركعات وتكبيرة والسادس : هذا وزيادة طهارة والسابع : خمس ركعات والثامن : هذا وطهارة وفيما تلزم به المغرب مع العشاء أثنا عشر قولا هذه الثمانية والتاسع : ثلاث ركعات وتكبيرة والعاشر : ثلاث ركعات وتكبيرة وطهارة والحادي عشر : أربع ركعات والثاني عشر : هذا وطهارة . فرع : عادة أصحابنا يسمون هؤلاء أصحاب الأعذار ، فأما غير الكافر فتسميته معذورا ظاهرة ، ويسمى الكافر معذورا لأنه لا يطالب بالقضاء بعد الإسلام تخفيفا عنه ، كما لا يطالبون تخفيفا عنهم . واستدلوا على وجوب الظهر بإدراك آخر وقت العصر ، ووجوب المغرب بإدراك آخر وقت العشاء بأنهما كالصلاة الواحدة ووقت إحداهما وقت الأخرى في حق المعذور بسفر . وهذا الحكم رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة رضي الله عنهم . واعلم أن الأصحاب أطلقوا اشتراط أربع ركعات للزوم الظهر على القول الضعيف وهذا محمول على غير المسافر ، أما المسافر فإنما يشترط في حقه للظهر ركعتان فقط . فرع : قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يجب على المعذور الظهر بإدراك ما تجب به العصر ، وبه قال عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة وأحمد وغيرهم ، وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة و مالك وداود : لا تجب .

حصہ V03/P070–V03/P072

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما إذا أدرك جزءا من أول الوقت ، ثم طرأ العذر بأن كان عاقلا في الوقت فجن ، أو طاهرا فحاضت نظرت فإن لم يدرك ما يسع فرض الوقت سقط الوجوب ولم يلزمه القضاء وقال أبو يحيى البلخي : حكمه حكم آخر الوقت فيلزمه في أحد القولين بركعة وفي الثاني بتكبيرة . والمذهب الأول لأنه لم يتمكن من فعل الفرض فسقط وجوبه ( كما لو هلك النصاب بعد الحول وقبل التمكن من الأداء ) ويخالف آخر الوقت ، فإنه يمكنه أن يبني ما بقي على ما أدرك بعد ( خروج ) الوقت فيلزمه ، وإن أدرك من الوقت ما يسع للفرض ثم طرأ الجنون أو الحيض استقر الوجوب ولزمه القضاء إذا زال العذر وحكي عن أبي العباس أنه قال : لا يستقر حتى يدرك آخر الوقت ، والمذهب الأول لأنه وجب عليه وتمكن من أدائه فأشبه إذا وجبت الزكاة وتمكن من أدائها فلم يخرج حتى هلك المال ، وأما الصلاة التي بعدها ( فإنها لا ) تلزمه وقال أبو يحيى البلخي : تلزمه العصر بإدراك وقت الظهر وتلزمه العشاء بإدراك وقت المغرب كعكسه ( لأن وقت الأولى وقت الثانية في حال الجمع كما أن وقت الثانية وقت الأولى في حال الجمع فإذا لزمته الأولى بإدراك وقت الثانية لزمته الثانية بإدراك وقت الأولى ) والمذهب الأول لأن وقت الأولى وقت للثانية على سبيل التبع ، ولهذا لا يجوز فعل الثانية في الجمع حتى يقدم الأولى بخلاف وقت الثانية فإنه وقت للأولى لا على وجه التبع ولهذا يجوز فعلها قبل الأولى . + الشرح : إذا طرأ العذر الذي يمكن طرآنه وهو الجنون والإغماء والحيض والنفاس ، فإن كان الماضي من الوقت دون قدر الفرض فطريقان ، المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور لا يجب شيء ولا يجب القضاء . وقال أبو يحيى البلخي وغيره من أصحابنا : حكم أول الوقت حكم آخره فيجب القضاء بإدراك ركعة في قول وتكبيرة في قول ، وغلطه الأصحاب بما ذكره المصنف ، وإن كان قد مضى من الوقت قبل وجود العذر ما يسع تلك الصلاة وجب قضاء تلك الصلاة على الصحيح المنصوص ، وبه قطع الأكثرون ، وخرج ابن سريج قولا أنه لا يجب القضاء إلا إذا أدرك جميع الوقت ، خرجه من المسافر إذا سافر في أثناء الوقت ، نص على أن له القصر ، ولو كانت تجب بأول الوقت لم يقصر والمذهب الوجوب ، وقد سبق الجواب عن مسألة القصر قريبا في مسألة وجوب الصلاة بأول الوقت ، فعلى المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة حتى لو دخلت في الصلاة في أول الوقت وطولتها فحاضت فيها وقد مضى من الوقت ما يسعها . لو خففتها لزمها القضاء لأنها فوتتها مع التمكن . ولو كان الرجل مسافرا فطرأ جنون أو إغماء أو كانت مسافرة فطرأ الحيض بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين وجب قضاؤها ، لأنه لو قصرها لأمكنه أداؤها ، هكذا صرح به الأصحاب ، منهم الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة ، وهل يشترط مع إمكان فعلها وإمكان الطهارة فيه طريقان أحدهما : لا ، لإمكان تقديمها قبل الوقت إلا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة كالمتيمم والمستحاضة والثاني : في اشتراطه لمن يمكنه تقديمها الخلاف الذي في آخر الوقت ، لأنه وإن أمكن التقديم لا يجب ، وإذا أوجبنا الظهر أو المغرب بإدراك أول وقتها لم تجب العصر والعشاء على المذهب ، وأوجبهما البلخي إذا أدرك من أول الظهر ثماني ركعات ، ومن أول المغرب سبع ركعات ، هكذا نقله عنه الأصحاب ، وأخل المصنف ببيان اشتراط ثماني ركعات واتفق الأصحاب على تغليط أبي يحيى البلخي في هذا لأن وقت الظهر لا يصلح للعصر إلا إذا صليت الظهر جمعا والله أعلم .

حصہ V03/P072

واعلم أن الحكم بوجوب الصلاة إذا أدرك من وقتها ما يسعها لا يختص بأوله بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة . مثاله : أفاق المجنون في أثناء الوقت وعاد جنونه في الوقت ، أو بلغ صبي ثم جن ، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت ، أو طهرت ثم جنت في الوقت . وقد تلزم الظهر بإدراك أول وقت العصر ، كما تلزم بآخره . مثاله : أفاق مغمى عليه بعد أن مضى من وقت العصر ما يسع الظهر والعصر فإن كان مقيما فالمعتبر قدر ثماني ركعات ، وإن كان مسافرا يقصر ، كفى قدر أربع ركعات ، ويقاس المغرب مع العشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر مع العصر والله أعلم . فرع : قول المصنف : سقط الوجوب مجاز ، والمراد امتنع الوجوب ، وأبو يحيى البلخي من كبار أصحابنا ، أصحاب الوجوه ، سافر إلى أقاصي الدنيا في طلب الفقه حتى بلغ فيه الغاية ، وكان حسن البيان في النظر ، عذب اللسان في الجدل ، وهو من أصحاب ابن سريج رحمهما الله تعالى ورضي عنهما .

حصہ V03/P072–V03/P074

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها لقوله صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها فليصل إذا ذكرها والمستحب أن يقضيها على الفور للحديث الذي ذكرناه ، فإن أخرها جاز لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي ولو كانت على الفور لما أخرها . وقال أبو إسحاق : ان تركها بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور لأنه مفرط في التأخير ( وإن فاتته صلوات ) والمستحب أن يقضيها على الترتيب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاها على الترتيب ، فإن قضاها من غير ترتيب جاز لأنه ترتيب استحق للوقت فسقط بفوات الوقت كقضاء الصوم . وإن ذكر الفائتة وقد ضاق وقت الحاضرة لزمه أن يبدأ بالحاضرة لأن الوقت تعين لها فوجبت البداية بها ، كما لو حضره رمضان وعليه صوم رمضان قبله ولأنه إذا أخر الحاضرة فاتت فوجبت البداية بها . + الشرح : أما الحديث الأول فصحيح ، ففي صحيح البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نسي صلاة فليصل إذا ذكر . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها وأما الحديث الثاني ففي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها فما أيقظنا إلا حر الشمس ، فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : لا ضير ولا ضرر ارتحلوا ، فارتحلوا فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس . وأما حديث فوات أربع صلوات يوم الخندق ، فرواه الترمذي والنسائي من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، وأبو عبيدة لم يسمع أباه فهو حديث منقطع لا يحتج به . ويغني عنه حديث جابر رضي الله عنه : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ، وقال : يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ، فقال صلى الله عليه وسلم : والله ما صليتها ، فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب رواه البخاري ومسلم . وقوله : البداية لحن عند أهل العربية . والصواب البداءة بضم الباء والمد ، والبدأة بفتحها وإسكان الدال بعدها همزة ، والبدوءة بضم الباء والدال وبعدها همزة ممدودة ثلاث لغات حكاهن الجوهري وغيره . أما حكم الفصل ففيه مسألتان إحداهما : من لزمه صلاة ففاتته لزمه قضاؤها سواء فاتت بعذر أو بغيره ، فإن كان فواتها بعذر كان قضاؤها على التراخي ويستحب أن يقضيها على الفور قال صاحب التهذيب : وقيل : يجب قضاؤها حين ذكر للحديث ، والذي قطع به الأصحاب أنه يجوز تأخيرها لحديث عسران بن حصين ، وهذا هو المذهب ، وإن فوتها بلا عذر فوجهان كما ذكر المصنف أصحهما : عند العراقيين أنه يستحب القضاء على الفور ، ويجوز التأخير كما لو فاتت بعذر وأصحهما : عند الخراسانيين أنه يجب القضاء على الفور ، وبه قطع جماعات منهم أو أكثرهم . ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه وهذا هو الصحيح لأنه مفرط بتركها ، ولأنه يقتل بترك الصلاة التي فاتت ، ولو كان القضاء على التراخي لم يقتل .

حصہ V03/P074–V03/P076

فرع : الصوم الفائت من رمضان كالصلاة ، فإن كان معذورا في فواته كالفائت بالحيض والنفاس والمرض والإغماء والسفر فقضاؤه على التراخي ما لم يحضر رمضان السنة القابلة ، وسيأتي تفصيله في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى ، وإن كان متعديا في فواته ففيه الوجهان كالصلاة ، أصحهما عند العراقيين قضاؤه على التراخي ، وأصحهما عند الخراسانيين وبعض العراقيين وهو الصواب أنه على الفور ، وأما قضاء الحج الفاسد فهل هو على الفور أم التراخي فيه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف والأصحاب في موضعهما أصحهما على الفور لأنه متعد بالإفساد . وأما الكفارة فإن كانت بغير عدوان ككفارة القتل خطأ وكفارة اليمين في بعض الصور ، فهي على التراخي بلا خلاف لأنه معذور . وإن كان متعديا فهل هي على الفور أم على التراخي فيه وجهان حكاهما القفال والأصحاب أصحهما : على الفور . قال القفال : هما كالوجهين في قضاء الحج لأن الكفارة كالحج الثانية : إذا فاته صلاة أو صلوات استحب أن يقدم الفائتة على فريضة الوقت المؤداة وأن يرتب الفوائت فيقضي الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ، وهكذا لحديث جابر وللخروج من خلاف العلماء الذي سنذكره إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء . وإن ترك الترتيب أو قدم المؤداة على المقضية أو قدم المتأخرة على الفوائت جاز لما ذكره المصنف ، وإن ذكر الفائتة وقد ضاق وقت الحاضرة لزمه تقديم الحاضرة لما ذكره المصنف ، ولو شرع في الحاضرة ثم ذكر الفائتة وهو فيها أتم الحاضرة سواء اتسع الوقت أم ضاق ، لأن الحاضرة لا يجوز الخروج منها وإن اتسع الوقت ، لكن يتمها ثم يقضي الفائتة ، ويستحب أن يعيد الحاضرة ، هكذا صرع جماعة من أصحابنا بهذه المسألة ، منهم الشيخ أبو حامد وصاحب التهذيب والرافعي . ولو دخل في الفائتة معتقدا أن في الوقت سعة فبان ضيقه وجب قطعها والشروع في الحاضرة على الصحيح من المذهب وفي وجه ضعيف يجب إتمام الفائتة ، ولو تذكر فائتة وهناك جماعة يصلون الحاضرة والوقت متسع استحب أن يصلي الفائتة أولا منفردا ثم يصلي الحاضرة منفردا أيضا إن لم يدرك جماعة لأن الترتيب مختلف في وجوبه ، والقضاء خلف الأداء فيه أيضا خلاف السلف فاستحب الخروج من الخلاف . فرع : في مذاهب العلماء في قضاء الفوائت . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجب ترتيبها ولكن يستحب ، وبه قال طاوس والحسن البصري ومحمد بن الحسن وأبو ثور وداود . وقال أبو حنيفة ومالك : يجب ما لم تزد الفوائد على صلوات يوم وليلة ، قالا : فإن كانت في حاضرة فذكره في أثنائها أن عليه فائتة بطلت الحاضرة ويجب تقديم الفائتة ثم يصلي الحاضرة وقال زفر وأحمد : الترتيب واجب قلت الفوائت أم كثرت . قال أحمد : ولو نسي الفوائت صحت الصلوات التي يصليها بعدها . قال أحمد وإسحاق : ولو ذكر فائتة وهو في حاضرة تمم التي هو فيها ثم قضى الفائتة ثم يجب إعادة الحاضرة . واحتج لهم بحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام ، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام وهذا حديث ضعيف ضعفه موسى بن هرون الحمال ( بالحاء ) الحافظ . وقال أبو زرعة الرازي ثم البيهقي : الصحيح أنه موقوف ، واحتج أصحابنا بأحاديث ضعيفة أيضا ، والمعتمد في المسألة أنها ديون عليه لا يجب ترتيبها إلا بدليل ظاهر وليس لهم دليل ظاهر ، ولأن من صلاهن بغير ترتيب فقد فعل الصلاة التي أمر بها فلا يلزمه وصف زائد بغير دليل ظاهر والله أعلم .

حصہ V03/P076

فرع : أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أن من ترك صلاة عمدا لزمه قضاؤها وخالفهم أبو محمد علي بن حزم فقال : لا يقدر على قضائها أبدا ولا يصح فعلها أبدا قال : بل يكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة ويستغفر الله تعالى ويتوب ، وهذا الذي قاله مع أنه مخالف للإجماع باطل من جهة الدليل ، وبسط هو الكلام في الاستدلال له ، وليس فيما ذكر دلالة أصلا . ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يوما مع الكفارة أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمدا . رواه البيهقي بإسناد جيد وروى أبو داود نحوه ، ولأنه إذا وجب القضاء على التارك ناسيا فالعامد أولى .

حصہ V03/P076–V03/P077

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نسي صلاة ولم يعرف عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات . وقال المزني : ( يلزمه أن ) يصلي أربع ركعات وينوي الفائتة ويجلس في ركعتين ثم يجلس في الثالثة ثم يجلس في الرابعة ، وهذا غير صحيح لأن تعيين النية شرط في صحة الصلاة ، ولا يحصل ذلك إلا بأن يصلي خمس صلوات بخمس نيات . + الشرح : إذا نسي صلاة أو صلاتين أو ثلاثا أو أربعا من الخمس ، قال الشافعي في الأم والأصحاب : لزمه أن يصلي الخمس ، وفيه مذهب المزني ، ودليل المذهب مذكور ، وعلى مذهب المزني يجهر بالقراءة في الأوليين ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل في باب صفة الصلاة ، وهناك ذكر كثيرون المسألة ، قال : لأن الجهر يكون في ثلاث صلوات فغلب ، ولو نسي صلاتين من يومين إن علم اختلافهما وجهل عينهما كفاه أن يصلي الخمس ، وإن علم اتفاقهما أو شك لزمه أن يصلي عشر صلوات كل صلاة مرتين ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في باب التيمم . قال الشافعي رحمه الله في الأم : لو كان عليه ظهر أو عصر وجهل أيتهما هي فدخل بنية إحداهما ثم شك أيتهما نوى لم تجزه هذه الصلاة عن واحدة منهما ، ولو كان عليه فوائت لا يعرف عددها ويعلم المدة التي فاته فيها بأن قال : تركت صلوات من هذا الشهر ولا أعلم قدرها ، فوجهان حكاهما صاحبا التتمة والبيان و الشاشي أحدهما : وهو قول القفال يقال له : كم تتحقق أنك تركت فإن قال : عشر صلوات وأشك في الزيادة لزمه العشر دون الزيادة والثاني : وهو قول القاضي حسين ، يقال له : كم تتحقق أنك صليت في هذا الشهر فإذا قال كذا وكذا ألزمناه قضاء ما زاد ، لأن الأصل شغل ذمته فلا يسقط إلا ما تحققه . قال صاحب التتمة : ونظير المسألة من شك بعد سلامه هل ترك ركنا وفيه قولان : أحدهما : لا شيء عليه والثاني : يلزمه البناء على الأقل إن قرب الفصل ، وإن بعد لزمه الاستئناف فعلى قياس الأول يلزمه قضاء ما تحقق تركه فحسب وعلى الثاني يلزمه ما زاد على ما تحقق فعله ، قلت : قول القاضي حسين أصح ، والذي ينبغي أن يختار وجه ثالث وهو أنه إن كان عادته الصلاة ويندر تركه لم يلزمه إلا ما تيقن تركه كما لو شك بعد السلام في ترك ركن فإن المذهب أنه لا يلزمه شيء لأن الظاهر مضيها على الصحة ، وإن كان يصلي في وقت ويترك في وقت ولم تغلب منه الصلاة لزمه قضاء ما زاد على ما تيقن فعله لأن الأصل بقاؤه في ذمته ولم يعارضه ظاهر والله أعلم . فرع : في مسائل تتعلق بالباب إحداها : إذا اشتبه عليه وقت الصلاة والعجب أن المصنف ترك هذه المسألة وهي مهمة ومشهورة في كل الكتب حتى في التنبيه ، قال أصحابنا : إذا اشتبه وقتها لغيم أو لحبس في موضع مظلم أو غيرهما لزمه الاجتهاد فيه ، ويستدل بالدرس والأوراد والأعمال وشبهها ، ويجتهد الأعمى كالبصير لأنه يشارك البصير في هذه العلامات بخلاف القبلة ، وإنما يجتهدان إذا لم يخبرهما ثقة بدخول الوقت عن مشاهدة . فإن اخبر عن مشاهدة بأن قال : رأيت الفجر طالعا أو الشفق غاربا ، لم يجز الاجتهاد ، ووجب العمل بخبره .

حصہ V03/P077–V03/P079

وكذا لو أخبر ثقة عن أخبار ثقة عن مشاهدة وجب قبوله ، فإن أخبر عن اجتهاد لم يجز للبصير القادر على الاجتهاد تقليده لأن المجتهد لا يجوز له تقليد مجتهد ، ويجوز للأعمى والبصير العاجز عن الاجتهاد تقليده على أصح الوجهين لضعف أهليته ، وهذا ظاهر نص الشافعي رحمه الله ، وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه في تقليد الأعمى ، وإذا وجب الاجتهاد فصلى بغير اجتهاد لزمه إعادة الصلاة وإن صادف الوقت ، لتقصيره وتركه الاجتهاد الواجب ، وقد تقدم نظيره في باب التيمم . قال في التتمة : لو ظن دخول الوقت فصلى بالظن بغير علامة ظهرت فصادف الوقت لا تصح صلاته لتفريطه بترك الاجتهاد والعلامة ، وإذا لم تكن له دلالة أو كانت فلم يغلب على ظنه شيء لزمه الصبر حتى يظن دخول الوقت ، والاحتياط أن يؤخر إلى أن يتيقنه أو يظنه ، ويغلب على ظنه أنه لو أخر خرج الوقت نص عليه الشافعي رحمه الله ، واتفق الأصحاب عليه ، وإذا قدر على الصبر إلى استيقان دخول الوقت جاز له الاجتهاد على الصحيح ، وهو قول جمهور أصحابنا . وفيه وجه اختاره أبو إسحاق الاسفرايني وهو نظير مسألة الأواني إذا اشتبه إناءان ومعه ثالث يتيقن طهارته . ولو كان في بيت مظلم وقدر على الخروج لرؤية الشمس فهل له الاجتهاد فيه وجهان حكاهما صاحب التتمة وغيرها أحدهما : لا ، لقدرته على اليقين والصحيح الجواز كما للصحابي اعتماد رواية صحابي وفتواه ، وإن كان قادرا على سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم وتحصيل العلم القطعي بذلك ، وحيث جاز الاجتهاد فصلى به إن لم يتبين الحال فلا شيء عليه ، وإن بان وقوع الصلاة في الوقت أو بعده فلا شيء عليه وقد أجزأته صلاته لكن الواقعة فيه أداء والواقعة بعده قضاء على أصح الوجهين ، فعلى هذا لو كان مسافرا وقصرها وجبت إعادتها تامة إذا قلنا : لا يجوز قصر المقضية وإن بان وقوعها قبل الوقت وأدركه وجبت الإعادة بلا خلاف ، وإن لم يدركه فقولان : الصحيح : وجوب الإعادة ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقهما والبندنيجي والثاني : لا يجب ، وهذا الخلاف والتفصيل كنظيره فيمن اشتبه عليه شهر رمضان . ولو أخبره ثقة أن صلاته وقعت قبل الوقت فإن أخبره عن علم ومشاهدة وجبت الإعادة كالحاكم إذا وجد النص بخلاف حكمه فإنه يجب نقض حكمه ، وإن أخبره عن اجتهاد فلا إعادة بلا خلاف ، ولو علم المنجم الوقت بالحساب حكى صاحب البيان أن المذهب أن يعمل به بنفسه ولا يعمل به غيره . فرع : المؤذن الثقة العارف بالمواقيت هل يجوز اعتماده في دخول الوقت فيه أربعة أوجه : أحدها : يجوز للأعمى في الصحو والغيم ، ويجوز للبصير في الصحو ولا يجوز له في الغيم مجتهد والمجتهد لا يقلد المجتهد ، وفي الصحو يشاهد فهو مخبر عن مشاهدة . وهذا الوجه هو الذي رجحه الروياني والرافعي وغيرهما . والثاني : وهو الأصح : يجوز للبصير والأعمى في الصحو والغيم قاله ابن سريج والشيخ أبو حامد وصححه صاحب التهذيب ، ونقله عن نص الشافعي رحمه الله ، وقطع به البندنيجي وصاحب العدة ، قال البندنيجي : ولعله إجماع المسلمين لأنه لا يؤذن في العادة إلا في الوقت . والثالث : لا يجوز لهما لأنه اجتهاد وهما مجتهدان حكاه في التهذيب والتتمة . والرابع : يجوز للأعمى دون البصير من غير فرق بين الغيم والصحو حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه . ولو كثر المؤذنون في يوم صحو أو غيم وغلب على الظن أنهم لا يخطئون لكثرتهم جاز اعتمادهم للبصير والأعمى بلا خلاف . فرع : الديك الذي جربت إصابته في صياحه للوقت يجوز اعتماده في دخول الوقت ذكره القاضي حسين وصاحب التتمة والرافعي .

حصہ V03/P079–V03/P080

المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله في المختصر : الوقت للصلاة وقتان وقت مقام ورفاهية ووقت عذر وضرورة ، واتفق أصحابنا على أن المراد بوقت المقام والرفاهية وقت المقيم في وطنه إذا لم يكن هناك مطر ، وأما وقت العذر والضرورة ففيه وجهان مشهوران لمتقدمي أصحابنا حكاهما الشيخ أبو حامد وسائر شارحي المختصر ، الصحيح عندهم وهو قول أبي إسحاق المروزي وغيره أن المراد به وقت واحد ، وهو الوقت الجامع بين الصلاتين بسفر أو مطر ووقت صبي بلغ وكافر أسلم ومجنون ومغمى عليه أفاق وحائض ونفساء طهرتا قبل خروج وقت الصلاة الثانية فتلزمهم الصلاتان والثاني : أن المراد بوقت العذر وقت الجامع ، والمراد بوقت الضرورة وقت الصبي والباقين قال الجمهور هذا التفسير غلط . المسألة الثالثة : إذا دخل في الصلاة المكتوبة في أول وقتها أو غيره حرم قطعها بغير عذر وهذا هو نص الشافعي في الأم ، وقطع به جماهير الأصحاب ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في باب التيمم وذكرنا هناك أن الصحيح أيضا تحريم قطع الصوم الواجب بقضاء أو نذر أو كفارة وأوضحنا جميع ذلك . المسألة الرابعة : يستحب إيقاظ النائم للصلاة لا سيما إن ضاق وقتها لقوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظني فأوترت وفي رواية : فإذا أوتر قال : قومي فأوتري يا عائشة رواه مسلم ، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف ولم يضعفه والله أعلم . & باب الأذان & قال أهل اللغة : أصل الأذان الإعلام والأذان للصلاة معروف ، يقال فيه : الأذان والأذين والتأذين ، قال الهروي في الغريبين . قال : وقال شيخي الأذين المؤذن المعلم بأوقات الصلاة فعيل بمعنى مفعل . قال الأزهري : يقال : أذن المؤذن تأذينا وأذانا ، أي أعلم الناس بوقت الصلاة فوضع الاسم موضع المصدر . قال : وأصله من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة . قال القاضي عياض رحمه الله : اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان مشتمل على نوعه من العقليات والسمعيات ، فأوله إثبات الذات وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها ، وذلك بقوله : الله أكبر وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه ، ثم صرح بإثبات الوحدانية ونفى ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ، ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا صلى الله عليه وسلم وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية ، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع . وتلك المقدمات من باب الواجبات ، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل ، ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء ، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها ، وهو متضمن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان ، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه ، وعظمة حق من يعبد وجزيل ثوابه . هذا آخر كلام القاضي وهو من النفائس الجليلة وبالله التوفيق .

حصہ V03/P080–V03/P082

فصل : الأصل في الأذان ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات ليس ينادى بها فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فناد بالصلاة رواه البخاري ومسلم . هذا النداء دعاء إلى الصلاة غير الأذان كان قبل شرع الأذان ، وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت : يا عبد الله أتبع الناقوس فقال : وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة قال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت : بلى . فقال تقول : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . ثم استأخر عني غير بعيد ، ثم قال : ثم تقول إذا أقمت الصلاة : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال : إنها رؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به ، فإنه أندى صوتا منك ، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه فيؤذن به ، فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد رواه أبو داود بإسناد صحيح : وروى الترمذي بعضه بطريق أبو داود ، وقال : حسن صحيح ، وقال في آخره : فلله الحمد وذلك أثبت .

حصہ V03/P082–V03/P083

قال المصنف رحمه الله تعالى : الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار المسلمين فيما يجمعهم على الصلاة فقالوا : البوق فكرهه من أجل اليهود ، ثم ذكر الناقوس فكرهه من أجل النصارى ، فأرى تلك الليلة عبد الله بن زيد النداء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن به . + الشرح : هذا الحديث الذي ذكره رواه بهذا اللفظ ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا من رواية ابن عمر رضي الله عنهما وغني عنه حديث عبد الله بن زيد الذي قدمناه وغيره من الأحاديث الصحيحة ، وإنما الصحيح في رواية ابن عمر ما قدمناه في الفصل السابق . وقوله في هذا الحديث فأري تلك الليلة . هذا التقييد بالليلة ضعيف غريب ، وإنما الصحيح ما سبق . والناقوس هو الذي يضرب به لصلاة النصارى جمعه نواقيس ، وقوله من أجل هو بفتح الهمزة وكسرها حكاهما الجوهري ، والمشهور الفتح وبه جاء القرآن . وعبد الله بن زيد هذا هو أبو محمد عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري شهد العقبة وبدرا وكانت رؤياه الأذان في السنة الأولى من الهجرة بعد بناء النبي صلى الله عليه وسلم مسجده ، توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ، وهو ابن أربع وستين سنة . وأما حكم المسألة : فالأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس بالنصوص الصحيحة والإجماع ، ولا يشرع الأذان ولا الإقامة لغير الخمس بلا خلاف ، سواء كانت منذورة أو جنازة أو سنة وسواء سن لها الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء أم لا كالضحى ، ولكن ينادى للعيد والكسوف والاستسقاء : الصلاة جامعة ، وقد ذكره المصنف في أبوابها ، وكذا ينادى للتراويح : الصلاة جامعة إذا صليت جماعة ، ولا يستحب ذلك في صلاة الجنازة على أصح الوجهين وبه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي وصاحب العدة والبغوي وآخرون وقطع الغزالي بأنه يستحب فيهما ، والمذهب الأول وهو المنصوص . وقال الشافعي رحمه الله في أول كتاب الأذان من الأم : لا أذان ولا إقامة لغير المكتوبة ، فأما الأعياد والكسوف وقيام شهر رمضان فأحب أن يقال فيه : الصلاة جامعة ، قال : والصلاة على الجنازة وكل نافلة غير العيد والخسوف فلا أذان فيها ولا قول : الصلاة جامعة . هذا نصه والله أعلم . وأما قول صاحب الذخائر : إن المنذورة يؤذن لها ويقيم إذا قلنا يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع فغلط منه ، وهو كثير الغلط وقد اتفق الأصحاب على أنه لا يؤذن للنذر ولا يقام ولا يقال : الصلاة جامعة . وهذا مشهور . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن الأذان والإقامة لا يشرعان لغير المكتوبات الخمس . وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف ، ونقل سليم الرازي في كتابه رؤوس المسائل وغيره عن معاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم أنهما قالا : هما سنة في صلاة العيدين ، وهذا إن صح عنهما محمول على أنه لم يبلغهما فيه السنة ، وكيف كان هو مذهب مردود . وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة وفي المسألة أحاديث كثيرة صحيحة .

حصہ V03/P083–V03/P085

قال المصنف رحمه الله تعالى : وهو أفضل من الإمامة ، ومن أصحابنا من قال : الإمامة أفضل لأن الأذان يراد للصلاة فكان القيام بأمر الصلاة أولى من القيام بما يراد لها ، والأول أصح لقوله تعالى : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا قالت عائشة رضي الله عنها : نزلت في المؤذنين ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : والأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء ، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين والأمين أحسن حالا من الضمين . وعن عمر رضي الله عنه قال : لو كنت مؤذنا لما باليت أن لا أجاهد ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام . + الشرح : هذا التفسير المنقول عن عائشة رضي الله عنها مشهور عنها ووافقها عليه عكرمة . وقال آخرون : المراد بالداعي إلى الله تعالى هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول ابن عباس وابن سيرين وابن زيد والسدي ومقاتل وفي رواية عن ابن عباس أنه أبو بكر رضي الله عنه . وأما حديث : الأئمة ضمناء إلى آخره ، فرواه أبو داود والترمذي وغيرهما من رواية أبي هريرة ولكن ليس إسناده بقوي وذكر الترمذي تضعيفه عن علي بن المديني إمام هذا الفن ، وضعفه أيضا البخاري وغيره لأنه من رواية الأعمش عن رجل عن أبي صالح عن أبي هريرة ، ورواه البيهقي أيضا من رواية عائشة وإسناده أيضا ليس بقوي . ولكن يغني عنه ما سنذكره إن شاء الله تعالى ، والضمان في اللغة هو الكفالة والحفظ والرعاية قاله الهروي وغيره . قال الشافعي في الأم : يحتمل أنهم ضمناء لما غابوا عليه من الإسرار بالقراءة والذكر وقيل : المراد ضمناء الدعاء ، أي يعم القوم به ولا يخص نفسه به ، وقيل : لأنه يتحمل القراءة والقيام عن المسبوق ، وقيل لأنه يسقط بفعلهم فرض الكفاية وقال الخطابي : قال أهل اللغة : الضامن الراعي ، قال ومعنى الحديث أنه يحفظ على القوم صلاتهم ، وليس هو من الضمان الموجب للغرامة . وأما أمانة المؤذنين فقيل لأنهم أمناء على مواقيت الصلاة ، وقيل أمناء على حرم الناس يشرفون على موضع عال ، وقيل : أمناء في تبرعهم بالأذان ، وقول المصنف : والأمين أحسن حالا من الضمين ، الضمين هو الضامن . قال المحاملي : لأن الأمين متطوع بعمله والضامن يجب عليه فعل ذلك . أما حكم المسألة : فهل الأذان أفضل من الإمامة أم هي أفضل منه ، فيه أربعة أوجه : أصحها : عند العراقيين والسرخسي والبغوي الأذان أفضل ، وهو نصه في الأم وبه قال أكثر الأصحاب . قال المحاملي : هو مذهب الشافعي ، قال وبه قال عامة أصحابنا وغلط من قال غيره ، وكذا قال الشيخ أبو حامد أنه مذهب الشافعي وعامة أصحابنا . والثاني : الإمامة أفضل ، وهو الأصح عند الخراسانيين ونقلوه عن نص الشافعي وصححه القاضي أبو الطيب ، وقطع به الدارمي . والثالث : هما سواء ، حكاه صاحب البيان والرافعي وغيرهما . والرابع : إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل وإلا فالأذان . حكاه الشيخ أبو حامد وصاحب البيان وغيرهما ، ونقله الرافعي عن أبي الطبري والقاضي أبي القاسم بن كج والمسعودي والقاضي حسين ، والمذهب ترجيح الأذان ، وقد نص في الأم على كراهة الإمامة فقال : أحب الأذان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر للمؤذنين وأكره الإمامة للضمان وما على الإمام فيها هذا نصه . واحتج لمن رجح الإمامة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء الراشدين أموا ولم يؤذنوا وكذا كبار العلماء بعدهم . في الصحيحين عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم .

حصہ V03/P085–V03/P087

واحتج من رجح الأذان بحديث معاوية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه مسلم وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا رواه البخاري ومسلم . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ، ولكل إقامة ثلاثون حسنة وراه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وقال : حديث صحيح ، وهو من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث ، ومنهم من جرحه ومنهم من وثقه ، وله شاهد يقويه ، وأجاب هؤلاء عن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على الإمامة . وكذا من بعده من الخلفاء والأئمة ولم يؤذنوا بأنهم كانوا مشغولين بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ، وأما الإمامة فلا بد لهم من صلاة ، ويؤيد هذا التأويل ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت . فرع : قال كثير من أصحابنا : يكره أن يكون الإمام هو المؤذن ممن نص على هذا الشيخ أبو محمد الجويني والبغوي وغيرهما ، واحتج هؤلاء بحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : نهي أن يكون الإمام مؤذنا رواه البيهقي قال : هو ضعيف بمرة ، وقال القاضي أبو الطيب : قال أبو علي الطبري : الأفضل أن يجمع الرجل بين الأذان والإمامة ليحوز الفضيلتين ، وبهذا قطع صاحب الحاوي وهو الأصح ، وفيه حديث جيد سنذكره في مسألة الأذان قائما ونقل الرافعي عن ابن كج أيضا أنه استحب الجمع بينهما ، قال : ولعله أراد الأذان لقوم والإمامة لآخرين . قلت : وإذا لم يثبت في الجمع بينهما نهي فكراهته خطأ ، فحصل وجهان الصحيح أنه يستحب ، وقد قال القاضي أبو الطيب في أول صفة الصلاة في مسألة لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة : أجمع المسلمون على جواز كون المؤذن إماما واستحبابه . قال صاحب الحاوي : في كل واحد من الأذان والإمامة فضل ، وللإنسان فيهما أربعة أحوال : حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما ، فالأفضل أن يجمع بينهما ، وحال يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ويقدر على الأذان لعلو صوته ومعرفته بالأوقات ، فالإنفراد للأذان أفضل ، وحال يعجز عن الأذان لضعف صوته وقلة إبلاغه ويكون قيما بالإمامة لمعرفته أحكام الصلاة وحسن قراءته فالإمامة أفضل . وحال يقدر على كل واحد ويصلح له ولا يمكنه الجمع فأيهما أفضل فيه وجهان .

حصہ V03/P087–V03/P088

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن تنازع جماعة في الأذان وتشاحوا أقرع بينهم لقوله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، والاستهام الاقتراع ، والنداء بكسر النون وضمها لغتان مشهورتان الكسر أشهر . وبه جاء القرآن ، وقوله : ( إذا تنازعوا أقرع ) هذا إذا لم يكن للمسجد مؤذن راتب ، أو كان له مؤذنون وتنازعوا في الإبتداء ، أو كان المسجد صغيرا وأدى إختلاف أصواتهم إلى تهويش فيقرع ويؤذن واحد ، وهو من خرجت له القرعة . أما إذا كان هناك راتب ونازعه غيره فيقدم الراتب ، وإن كان جماعة مرتبون وأمكن أذان كل واحد في موضع من المسجد لكبره أذن كل واحد وحده ، وإن كان صغيرا ولم يؤد إختلاف أصواتهم إلى تهويش أذنوا دفعة واحدة والله أعلم .

حصہ V03/P088–V03/P089

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وهما سنتان ) ومن أصحابنا من قال : هما ( فرض ) من فروض الكفاية ، فإن اتفق أهل بلد أو ( أهل ) صقع على تركها قوتلوا عليه لأنه من شعائر الإسلام فلا يجوز تعطيله ، وقال أبو علي بن خيران وأبو سعيد الأصطخري : هو سنة إلا في الجمعة فإنه من فرائض الكفاية فيها ، لأنها لما اختصت الجمعة بوجوب الجماعة اختصت بوجوب الدعاء إليها والمذهب الأول لأنه دعاء إلى الصلاة فلم تجب ، كقوله : الصلاة جامعة . + الشرح : الصقع بضم الصاد ، الناحية والكورة ، ويقال صقع وسقع وزقع بالصاد والسين والزاي ثلاث لغات وقوله : الصلاة جامعة هو بنصبهما الصلاة على الإغراء ، وجامعة على الحال ، وقوله : دعاء إلى الصلاة فلم تجب كقوله : الصلاة جامعة ، يعني حيث تشرع الصلاة جامعة كالعيد والكسوف وهذا القياس ضعيف ، لأنه ليس في قوله الصلاة جامعة شعار ظاهر بخلاف الأذان . وقوله ( شعائر الإسلام ) هي جمع شعيرة بفتح الشين ، قال أهل اللغة والمفسرون : هي متعبدات الإسلام ومعالمه الظاهرة مأخوذة من شعرت ، أي علمت ، فهي ظاهرات معلومات . أما حكم المسألة : ففي الأذان والإقامة ثلاثة أوجه كما ذكر المصنف ، أصحها أنهما سنة والثاني فرض كفاية ، والثالث فرض كفاية في الجمعة ، سنة في غيرها ، وهو قول ابن خيران والاصطخري كما ذكره المصنف وغيره ، وحكاه السرخسي عن أحمد السياري من أصحابنا ومما احتجوا به لكونهما سنة قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي المسيء صلاته : إفعل كذا وكذا ، ولم يذكرهما مع أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء واستقبال القبلة وأركان الصلاة . قال أصحابنا : فإن قلنا : فرض كفاية فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان ، فإن كانت قرية صغيرة بحيث إذا أذن واحد سمعوا كلهم سقط الفرض بواحد ، وإن كان بلدا كبيرا وجب أن يؤذن في كل موضع واحد بحيث ينتشر الأذان في جميعهم ، فإن أذن واحد فحسب سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه دون غيرهم . قال صاحب الإبانة : ويسقط فرض الكفاية بالأذان لصلاة واحدة في كل يوم وليلة ولا يجب لكل صلاة ، وحكى إمام الحرمين هذا عنه ولم يحك عن غيره وقال : لم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة ، قال : ودليله أنه إذا حصل مرة في كل يوم وليلة لم تندرس الشعار ، واقتصر الغزالي في البسيط على ما ذكره صاحب الإبانة وهذا الذي ذكروه خلاف ظاهر كلام جمهور أصحابنا ، فإن مقتضى كلامهم وإطلاقهم أنه إذا قيل : إنه فرض كفاية وجب لكل صلاة ، وهذا هو الصواب تفريعا على قولنا فرض كفاية لأنه المعهود ، ولا يحصل الشعار إلا به ، وإذا قلنا الأذان سنة حصلت بما يحصل به إذا قلنا فرض كفاية . قال أصحابنا : فإن قلنا : فرض كفاية فإتفق أهل بلد أو قرية على تركه وطولبوا به فامتنعوا وجب قتالهم كما يقاتلون على ترك غيره من فروض الكفاية . وإن قلنا : هو سنة فتركوه فهل يقاتلون فيه وجهان مشهوران في كتب العراقيين ، وذكرهما قليلون من الخراسانيين ، والصحيح : منهما لا يقاتلون كما لا يقاتلون على ترك سنة الظهر والصبح وغيرهما ، والثاني : يقاتلون لأنه شعار ظاهر بخلاف سنة الظهر . قال إمام الحرمين : قال الأصحاب : لا يقاتلون . وقال أبو إسحاق المروزي : يقاتلون وهو باطل لا أصل له ، وهو رجوع إلى أنه فرض كفاية وإلا فلا قتال على ترك السنة ، هكذا قاله إمام الحرمين وابن الصباغ والشاشي وآخرون ، قال الإمام : وإذا قلنا إنه فرض كفاية في الجمعة خاصة فوجهان أحدهما : لا يسقط الفرض إلا بأذان يفعل بين يدي الخطيب .

حصہ V03/P089–V03/P090

والثاني : يسقط بأن يؤتى به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يديه ، واتفقوا على أنه لا يسقط بأذان يفعل في يوم الجمعة لغير صلاة الجمعة ، وقال الإمام : والقول في الإقامة كالقول في الأذان في جميع ما ذكرناه . فرع : في مذاهب العلماء في الأذان والإقامة مذهبنا المشهور أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر للجماعة والمنفرد لا يجبان بحال . فإن تركهما صحت صلاة المنفرد والجماعة ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه ، ونقله السرخسي عن جمهور العلماء وقال ابن المنذر : هما فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر قال : وقال مالك : تجب في مسجد الجماعة ، وقال عطاء والأوزاعي : إن نسي الإقامة أعاد الصلاة ، وعن الأوزاعي رواية أنه يعيد ما دام الوقت باقيا . قال العبدري : هما سنة عند مالك وفرضا كفاية عند أحمد ، وقال داود : هما فرض لصلاة الجماعة وليسا بشرط لصحتها ، وقال مجاهد : إن نسى الإقامة في السفر أعاد ، وقال المحاملي : قال أهل الظاهر : هما واجبان لكل صلاة واختلفوا في اشتراطهما لصحتها .

حصہ V03/P090–V03/P091

قال المصنف رحمه الله تعالى : وهل يسن للفوائت فيه ثلاثة أقوال قال في الأم : يقيم لها ولا يؤذن والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوى من الليل حتى كفينا وذلك قول الله عز وجل : وكفى الله المؤمنين القتال ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام الظهر ( فصلاها ) وأحسن كما يصلي في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ، ولأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات الوقت ، والإقامة ( تراد ) لاستفتاح الصلاة وذلك موجود ، وقال في القديم : يؤذن ويقيم للأولى وحدها ويقيم للتي بعدها والدليل عليه ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر ( النبي صلى الله عليه وسلم ) بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء ولأنهما صلاتان جمعهما وقت واحد فكانتا بأذان وإقامتين كالمغرب والعشاء بالمزدلفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما بأذان وإقامتين وقال في الإملاء : إن أمل إجتماع الناس أذن وأقام ، وإن لم يؤمل أقام ، والدليل عليه إن الأذان يراد لجمع الناس ، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان وجه وإذا أمل كان له وجه . قال أبو إسحاق : وعلى هذا القول للصلاة الحاضرة أيضا إذا أمل الإجتماع لها أذن وأقام وإن لم يؤمل أقام ولم يؤذن . + الشرح : حديث أبي سعيد رضي الله عنه صحيح رواه الإمامان أبو عبد الله الشافعي وأحمد بن حنبل في مسنديهما بلفظه هنا بإسناد صحيح ، ورواه النسائي لكن لم يذكر المغرب والعشاء وإسناده صحيح أيضا ، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه مرسل فإنه من رواية ابنه أبي عبيدة عنه وابنه لم يسمع منه لصغره وقد سبق بيان هذا في آخر باب مواقيت الصلاة . وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامتين صحيح رواه مسلم من رواية جابر ، ويوم الخندق هو يوم الأحزاب وكان ذلك سنة أربع من الهجرة ، وقيل سنة خمس ، وحديث ابن مسعود كان يوم الخندق أيضا وهو مخالف لحديث أبي سعيد ، ويجاب عن إختلافهما بأنهما قضيتان جرتا في أيام الخندق ، فإن أيام الخندق كانت خمسة عشر يوما وكان فوات هذه الصلوات للإشتغال بالقتال وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف كذا صرح به في رواية الشافعي وأحمد وغيرهما . وقوله : ذهب هوي من الليل هو بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء ، ويقال أيضا بضم الهاء حكاهما صاحب مطالع الأنوار وغيره ، لكن الفتح هو المشهور الأفصح ومعناه طائفة منه . أما حكم المسألة : فإذا أراد قضاء فوائت دفعة واحدة أقام لكل واحدة بلا خلاف ، ولا خلاف أنه لا يؤذن لغير الأولى منهن ، وهو يؤذن للأولى فيه الأقوال الثلاثة التي ذكرها المصنف بدلائلها .

سوالات