Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

حصہ V01/P267–V01/P269

قال المصنف رحمه الله تعالى : كل حيوان نجس بالموت طهر جلده بالدباغ وهو ما عدا الكلب والخنزير لقوله صلى الله عليه وسلم : أيما إهاب دبغ فقد طهر ولأن الدباغ يحفظ الصحة على الجلد ويصلحه للانتفاع به كالحياة ثم الحياة تدفع النجاسة عن الجلد فكذلك الدباغ ، وأما الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فلا يطهر جلدهما بالدباغ لأن الدباغ كالحياة ثم الحياة لا تدفع النجاسة عن الكلب والخنزير فكذلك الدباغ . + الشرح : الآنية جمع إناء وجمع الآنية الأواني ، فالإناء مفرد وجمعه آنية والأواني جمع الجمع فلا يستعمل في أقل من تسعة إلا مجازا . وأما استعمال الغزالي رحمه الله وجماعة من الخراسانيين الآنية في المفرد فليس بصحيح في اللغة ، قال الجوهري : جمع الإناء آنية وجمع الآنية الأواني كسقاء وأسقية وأساق . وأما الحديث المذكور فصحيح رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما ، أما مسلم فذكره في آخر كتاب الطهارة وأما أبو داود والترمذي ففي كتاب اللباس والنسائي في الذبائح وهذا المذكور لفظ رواية الترمذي وقليلين ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح وأما رواية مسلم وأبي داود وآخرين ففيها : إذا دبغ الإهاب فقد طهر وقد جمعت طرقه واختلاف ألفاظه في كتاب جامع السنة ، ويقال : طهر بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح وأشهر وقد سبق بيانه في أول كتاب الطهارة . وأما الإهاب بكسر الهمزة فجمعه أهب بضم الهمزة والهاء ، وأهب بفتحها لغتان ، واختلف أهل اللغة فيه فقال إمام اللغة والعربية أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد رحمه الله الإهاب هو الجلد قبل أن يدبغ ، وكذا ذكره أبو داود السجستاني في سننه وحكاه عن النضر بن شميل ولم يذكر غيره ، وكذا قاله الجوهري وآخرون من أهل اللغة ، وذكر الأزهري في شرح ألفاظ المختصر والخطابي وغيرهما أنه الجلد ولم يقيدوه بما لم يدبغ . الخنزير معروف واختلف أهل العربية في نونه هل هي زائدة أم أصلية وقد أوضحته في تهذيب الأسماء واللغات . وأما قول المصنف : فكل حيوان نجس بالموت فمعناه حكمنا بعد موته بأنه نجس فيدخل فيه الكلب والخنزير فلهذا استثناه المصنف فقال : ما عدا الكلب والخنزير ، وقد ادعى بعضهم أن هذا الاستثناء ليس بصحيح وأنه لا حاجة إليه وزعم أن بقوله : نجس بالموت يخرج الكلب والخنزير لأنه لم ينجس بالموت بل كان نجسا قبله واستمرت نجاسته ، هذا الإنكار باطل وإنما حصل الإنكار لحمله كلام المصنف على غير مراده الذي ذكرته فالصواب ما قدمته والله أعلم . أما حكم المسألة : فكل الجلود النجسة بعد الموت تطهر بالدباغ إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما ، وهذا متفق عليه عندنا وسنذكر مذاهب العلماء فيه إن شاء الله تعالى في فرع ، وحكى المتولي والروياني وجها أن جلد الميتة ليس بنجس . حكاه المتولي عن حكاية ابن القطان قال : وإنما أمر بالدبغ بسبب الزهومة التي في الجلد فإنها نجسة فيؤمر بالدبغ لإزالتها كما يغسل الثوب من النجاسة ، وهذا الوجه في نهاية الضعف وغاية الشذوذ ، وفساده أظهر من أن يذكر . وكيف يصح هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم : إذا دبغ الإهاب فقد طهر . فإن قيل : ليس في الحديث أن الجلد نجس العين فتحمل الطهارة فيه على الطهارة من نجاسة المجاورة بالزهومة كما يقال : طهر ثوبه إذا غسل من النجاسة ، فالجواب : أن هذا تأويل بعيد ليس له دليل يعضده ولا حجة تسنده فهو مردود على قائله ، وتخصيصه الجلد بالطهارة دون باقي الأعضاء والأجزاء دليل على تناقض قوله : وقد قال إمام الحرمين : اتفق علماؤنا على أن جلد الميتة قبل الدباغ نجس ، وكذا صرح بنقل الاتفاق عليه آخرون ، والله أعلم .

حصہ V01/P269–V01/P272

وأما الكلب والخنزير وفرع أحدهما فلا يطهر جلده بالدباغ بلا خلاف لما ذكره المصنف ، وقوله : فلا يطهر جلدها بالدباغ وفي بعض النسخ المعتمدة جلدها بالتثنية ، وكلاهما صحيح ، فالتثنية تعود إلى النوعين ، وقوله : جلدها يعود إلى الأنواع الأربعة الكلب والخنزير واللذان بعدهما ، وأما قوله : كل حيوان نجس بالموت فاحتراز مما لا ينجس بالموت بل يبقى طاهرا ، وذلك خمسة أنواع ذكرها صاحب الحاوي : السمك والجراد والجنين بعد ذكاة أمه ، والصيد إذا قتله الكلب أو السهم بشرطه ، والخامس الآدمي على أصح القولين . فهذه ميتات طاهر لحمها وجلدها ، فأما الجراد فلا جلد له والسمك منه ما لا جلد له ومنه ما له جلد كعظيم حيتان البحر ، والجنين والصيد لهما جلد فيتصرف فيه بلا دباغ جميع أنواع التصرف من بيع واستعمال في يابس ورطب وغير ذلك . وأما الآدمي فإذا قلنا بالصحيح : أنه لا ينجس بالموت فجلده طاهر لكن لا يجوز استعمال جلده لا شيء من أجزائه بعد الموت لحرمته وكرامته اتفق أصحابنا على تحريمه وصرحوا بذلك في كتبهم منهم إمام الحرمين وخلائق ، قال الدارمي في الاستذكار : لا يختلف القول أن دباغ جلود بني آدم واستعمالها حرام ، ونقل الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في كتابه كتاب الإجماع إجماع المسلمين على تحريم سلخ جلد الآدمي واستعماله وإن قلنا بالقول الضعيف : إن الآدمي ينجس بالموت فجلده نجس وهل يطهر بالدبغ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وابن الصباغ والغزالي وغيرهم الصحيح منهما أنه يطهر وهو اختيار المصنف والجمهور ، لأنهم قالوا : كل جلد نجس بالموت طهر بالدباغ ودليله عموم الحديث : أيما أهاب دبغ فقد طهر والوجه الثاني : لا يطهر بالدبغ لأن دباغه حرام لما فيه من الامتهان ، قال إمام الحرمين : وهذا فاسد لأن الدباغ لا يحرم لعينه وإنما المحرم حصول الامتهان على أي وجه حصل ، وأغرب الدارمي وابن الصباغ ، وذكرا وجها أنه لا يتأتى دباغه والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في جلود الميتة هي سبعة مذاهب أحدها : لا يطهر بالدباغ شيء من جلود الميتة لما روي عن عمر بن الخطاب وابنه وعائشة رضي الله عنهم وهو أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك . والمذهب الثاني : يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم دون غيره وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي داود وإسحاق بن راهويه . والثالث : يطهر به كل جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وهو مذهبنا ، وحكوه عن علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما . والرابع : يطهر به الجميع إلا جلد الخنزير وهو مذهب أبي حنيفة . والخامس : يطهر الجميع والكلب والخنزير إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابس دون الرطب ويصلى عليه لا فيه ، وهو مذهب مالك فيما حكاه أصحابنا عنه . والسادس : يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا ، قاله داود وأهل الظاهر ، وحكاه الماوردي عن أبي يوسف . والسابع : ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ ويجوز استعمالها في الرطب واليابس حكوه عن الزهري . واحتج لأحمد وموافقيه بأشياء منها قول الله تعالى : حرمت عليكم الميتة المائدة : 32 وهو عام في الجلد وغيره وبحديث عبد الله بن عكيم قال : أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : قبل موته بشهر : ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهذا الحديث هو عمدتهم قالوا : ولأنه جزء من الميتة فلم يطهر بشيء كاللحم ، ولأن المعنى الذي نجس به هو الموت وهو ملازم له لا يزول بالدبغ فلا يتغير الحكم .

حصہ V01/P272–V01/P275

واحتج أصحابنا بالحديثين السابقين : إذا دبغ الإهاب فقد طهر وأيما إهاب دبغ فقد طهر وهما صحيحان كما سبق بيانه ، وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة : هلا أخذوا أهابها فدبغوه فانتفعوا به قالوا : يا رسول الله إنها ميتة قال : إنما حرم أكلها رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طرق ، أما مسلم فرواه في آخر كتاب الطهارة ، وأما البخاري فرواه في مواضع من صحيحه منها كتاب الزكاة في الصدقة على موالي أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الصيد والذبائح وغيره . وإنما ذكرت هذا لأن بعض الأئمة والحفاظ جعله من أفراد مسلم كأنه خفي عليه مواضعه من البخاري ، واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنا رواه البخاري ، هكذا ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : ماتت شاة لسودة فقالت : يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلا أخذتم مسكها فقالت : نأخذ مسك شاة قد ماتت وذكر تمام الحديث كرواية البخاري . وبحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت حديث حسن رواه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي وآخرون بأسانيد حسنة . وأبو داود ابن ماجه في اللباس والنسائي في الذبائح . وبحديث ابن عباس قال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ من سقاء فقيل له : إنه ميتة فقال دباغه يذهب بخبثه أو نجسه أو رجسه رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وقال : حديث صحيح ، ورواه البيهقي وقال : هذا إسناد صحيح . وبحديث جون بفتح الجيم ابن قتادة عن سلمة بن المحبق بالحاء المهملة وبفتح الباء الموحدة المشددة وكسرها رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأة قالت : ما عندي إلا في قربة لي ميتة قال : أليس قد دبغتها قالت : بلى قال : فإن دباغها ذكاتها رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ، إلا أن جونا اختلفوا فيه قال أحمد بن حنبل : هو مجهول وقال علي بن المديني : هو معروف . وفي المسألة أحاديث كثيرة وفيما ذكرنا كفاية ، ولأنه جلد طاهر طرأت عليه نجاسة فجاز أن يطهر كجلد المذكاة إذا تنجس . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها عامة خصتها السنة . وأما حديث عبد الله بنعكيم فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم قال الترمذي : هو حديث حسن ، قال : سمعت أحمد بن الحسن يقول : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى حديث ابن عكيم هذا لقوله : قبل وفاته بشهرين وكان يقول : هذا آخر الأمر ، قال : ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة . هذا كلام الترمذي . وقد روى هذا الحديث : قبل موته بشهر وروى : بشهرين وروى : بأربعين يوما قال البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار وآخرون من الأئمة الحفاظ : هذا الحديث مرسل وابن عكيم ليس بصحابي ، قال الخطابي : مذهب عامة العلماء جواز الدباغ ووهنوا هذا الحديث لأن ابن عكيم لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو حكاية عن كتاب أتاهم ، وعللوه أيضا بأنه مضطرب ، وعن مشيخة مجهولين لم تثبت صحبتهم .

حصہ V01/P275–V01/P277

إذا عرف هذا فالجواب عنه من خمسة أوجه ، أحدها : ما قدمناه عن الحفاظ أنه حديث مرسل والثاني : أنه مضطرب كما سبق وكما نقله الترمذي عن أحمد ولا يقدح في هذين الجوابين قول الترمذي أنه حديث حسن ، لأنه قاله عن اجتهاده ، وقد بين هو وغيره وجه ضعفه كما سبق الثالث : أنه كتاب ، وأخبارنا سماع وأصح إسنادا وأكثر رواة وسالمة من الاضطراب فهي أقوى وأولى الرابع : أنه عام في النهي ، وأخبارنا مخصصة للنهي بما قبل الدباغ مصرحة بجواز الانتفاع بعد الدباغ ، والخالص مقدم . الخامس : أن الإهاب الجلد قبل دباغه ولا يسمى إهابا بعده كما قدمناه عن الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وأبي داود السجستاني والجوهري وغيرهم ، فلا تعارض بين الحديثين بل النهي لما قبل الدباغ تصريحا . فإن قالوا : خبرنا متأخر فقدم ، فالجواب من أوجه أحدها : لا نسلم تأخره عن إخبارنا لأنها مطلقة فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بدون شهرين وشهر الثاني : أنه روي قبل موته بشهر وروي : شهرين ، وروي : أربعين يوما كما سبق ، وكثير من الروايات ليس فيها تاريخ ، وكذا هو في روايتي أبي داود والترمذي وغيرهما . فحصل فيه نوع اضطراب فلم يبق فيه تاريخ يعتمد الثالث : لو سلم تأخره لم يكن فيه دليل لأنه عام ، وأخبارنا خاصة ، والخاص مقدم على العام سواء تقدم أو تأخر كما هو معروف عن الجماهير من أهل أصول الفقه . وأما الجواب عن قياسهم على اللحم فمن وجهين ، أحدهما : أنه قياس في مقابلة نصوص فلا يلتفت إليه والثاني : أن الدباغ في اللحم لا يتأتى وليس فيه مصلحة له ، بل يمحقه بخلاف الجلد فإنه ينظفه ويطيبه ويصلبه ، وبهذين الجوابين يجاب عن قولهم : العلة في التنجيس الموت وهو قائم والله أعلم . وأما الأوزاعي ومن وافقه فاحتج لهم بما روى أبو المليح عامر بن أسامة عن أبيه رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ، ورواه الحاكم في المستدرك وقال : حديث صحيح . وفي رواية الترمذي وغيره نهى عن جلود السباع أن تفترش ، قالوا : فلو كانت تطهر بالدباغ لم ينه عن افتراشها مطلقا ، وبحديث سلمة بن المحبق الذي قدمناه : دباغ الأديم ذكاته قالوا : وذكاة ما لا يؤكل لا تطهره قالوا : ولأنه حيوان لا يؤكل فلم يطهر جلده بالدبغ كالكلب . واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم : أيما إهاب دبغ فقد طهر وبحديث : إذا دبغ الإهاب فقد طهر وهما صحيحان كما سبق ، وهما عامان لكل جلد . وبحديث عائشة : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت وهو حديث حسن كما سبق . وبحديث ابن عباس الذي ذكرناه عن المستدرك وغير ذلك من الأحاديث العامة فهي على عمومها إلا ما أجمعنا على تخصيصه وهو الكلب والخنزير ، فإن قالوا : جلد ما لا يؤكل لا يسمى أهابا كما حكاه عنهم الخطابي ، فالجواب : أن هذا خلاف لغة العرب . قال الإمام أبو منصور الأزهري : جعلت العرب جلد الإنسان إهابا وأنشد فيه قول عنترة : فشككت بالرمح الأصم أهابه أراد رجلا لقبه في الحرب فانتظم جلده بسنان رمحه ، وأنشد الخطابي وغيره فيه أبياتا كثيرة منها قول ذي الرمة : لا يدخران من الأيغام باقية حتى تكاد تفرى عنهما الأهب وعن عائشة في وصفها أبيها رضي الله عنهما قالت : وحقن الدماء في أهبها تريد دماء الناس ، وهذا مشهور لا حاجة إلى الإطالة فيه ولأنه جلد حيوان طاهر فأشبه المأكول .

حصہ V01/P277–V01/P279

وأما الجواب عن حديثهم الأول فمن وجهين : أحسنهما وأصحهما ولم يذكر البيهقي وآخرون غيره أن النهي عن افتراش جلود السباع إنما كان لكونها لا يزال عنها الشعر في العادة ، لأنها إنما تقصد للشعر كجلود الفهد والنمر . فإذا دبغت بقي الشعر نجسا فإنه لا يطهر بالدبغ على المذهب الصحيح ، فلهذا نهى عنها الثاني : أن النهي محمول على ما قبل الدبغ ، كذا أجاب بعض أصحابنا وهو ضعيف ، إذا لا معنى لتخصيص السباع حينئذ بل كل الجلود في ذلك سواء وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنها خصت بالذكر لأنها كانت تستعمل قبل الدبغ غالبا أو كثيرا . والجواب عن حديث سلمة : أن المراد أن دباغ الأديم مطهر له ومبيح لاستعماله كالذكاة . وأما قياسهم على الكلب فجوابه أنه نجس في حياته فلا يزيد الدباغ على الحياة والله أعلم . وأما أبو حنيفة في قوله : يطهر بالدبغ جلد الكلب ، وداود في قوله : والخنزير فاحتج لهما بعموم الأحاديث السابقة وبالقياس على الحمار وغيره ، واحتج أصحابنا بأحاديث لا دلالة فيها فتركتها لأني التزمت في خطبة الكتاب الأعراض عن الدلائل الواهية . واحتجوا بأن الحياة أقوى من الدباغ بدليل أنها سبب لطهارة الجملة ، والدباغ إنما يطهر الجلد ، فإذا كانت الحياة لا تطهر الكلب والخنزير فالدباغ أولى ، ولأن النجاسة إنما تزول بالمعالجة إذا كانت طارئة كثوب تنجس ، أما إذا كانت لازمة للعين فلا ، كالعذرة والروث فكذا الكلب . وأما احتجاجهم بالأحاديث فأجاب الأصحاب بأنها عامة مخصوصة بغير الكلب والخنزير لما ذكرناه ، وجواب آخر لأبي حنيفة : أنا اتفقنا نحن وأنتم على إخراج الخنزير من العموم ، والكلب في معناه ، وأما قياسهم على الحمار فالفرق أنه طاهر في الحياة فرده الدباغ إلى أصله والله أعلم . وأما مالك ومن وافقه فاحتجوا في طهارة ظاهرة دون باطنه بأن الدباغ إنما يؤثر في الظاهر واحتج أصحابنا بعموم الأحاديث الصحيحة السابقة كحديث : إذا دبغ الأهاب فقد طهر وغيره فهي عامة في طهارة الظاهر والباطن . وبحديث سودة المتقدم قالت : ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها وهو جلدها فما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنا حديث صحيح كما سبق وهو صريح في المسألة فإنه استعمل في مائع وهم لا يجيزونه . وإن كانوا يجيزون شرب الماء منه ، لأن الماء لا ينجس عندهم إلا بالتغير ، قال أصحابنا : ولأن ما طهر ظاهره طهر باطنه كالذكاة . وأما الجواب عن قولهم : إنما يؤثر الدباغ في الظاهر . فمن وجهين أحدهما : لا نسلم ، بل يؤثر في الباطن أيضا بانتزاع الفضلات وتنشيف رطوباته المعفنة كتأثيره في الظاهر والثاني : إن ما ذكروه مخالف للنصوص الصحيحة الصريحة فلا يلتفت إليه والله أعلم . وأما الزهري فاحتج برواية جاءت في حديث ابن عباس : هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به ولم يذكر الدباغ ، واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة السابقة ، وأما هذه الرواية فمطلقة محمولة على الروايات الصحيحات المشهورات والله أعلم . وذكر إمام الحرمين في النهاية مذاهب السلف بنحو ما سبق ثم قال : ولا يستند على هذا السبر غير مذهب الشافعي ، فإن من قال : يؤثر الدباغ في المأكول خاصة تعلقوا بخصوص السبب في شاة ميمونة ، وليس ذلك بصحيح فإن اللفظ عام مستقل بالإفادة . وأبو حنيفة لم يطرد مذهبه في الخنزير عملا بالعموم ولا يظهر فرق بين الكلب والخنزير .

حصہ V01/P279

وأما الشافعي فإنه نظر إلى ما أمر به الشرع من استعمال الأشياء الجائزة كالقرظ ، وغاص في فهم المعنى وهو أن سبب نجاسة الجلود بالموت أنها بانقطاع الحياة عنها تتعرض للبلى والعفن والنتن ، فإذا دبغت لم تتعرض للتغير ، وقد بطل حمل اللفظ على خصوص السبب وامتنع التعميم لما ذكرنا في جلد الخنزير ، وأرشد الدباغ إلى معنى يضاهي به المدبوغ الحيوان في حال الحياة فإن الحياة دافعة للعفن ، والموت جالب له ، والدباغ يرده إلى مضاهاة الحياة في السلامة من التغير . فانتظم بذلك اعتبار المدبوغ بالحي فقال : كل ما كان في الحياة طاهرا عاد جلده بالدبغ طاهرا ، وما كان نجسا لا يطهر ، ثم ثبت عنده نجاسة لعابه والله أعلم .

حصہ V01/P279–V01/P281

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز الدباغ بكل ما ينشف الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث والقرظ وغير ذلك مما يعمل عمله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أليس في الماء والقرظ ما يطهره فنص على القرظ لأنه يصلح الجلد ويطيبه فوجب أن يجوز بكل ما عمل عمله . + الشرح : هذا الحديث حديث حسن رواه الإمامان الحافظان أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وأبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في سننهما من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة فقال : هلا انتفعتم بإهابهما قالوا : يا رسول الله إنها ميتة قال : إنما حرم أكلها ، أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها ورواه أبو داود والنسائي في سننهما بمعناه عن ميمونة رضي الله عنها قالت : مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجال يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال صلى الله عليه وسلم : لو أخذتم إهابها قالوا : إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يطهرها الماء والقرظ . هكذا جاءت روايات الحديث يطهرها بالتأنيث ووقع في المهذب يطهره وهو تحريف ، وإن كان معناه صحيحا ، والقرظ بالضاء لا بالضاد ، وهذا وإن كان واضحا فلا يضر التنبيه عليه فإنه يوجد في كثير من كتب الفقه مصحفا . والقرظ : ورق شجر السلم بفتح السين واللام ومنه أديم مقروظ أي مدبوغ بالقرظ ، قالوا : والقرظ ينبت بنواحي تهامه ، وأما الشث فضبطها في المهذب بالثاء المثلثة ، ووقعت هذه اللفظة في كلام الشافعي فقال الأزهري : هو الشب بالباء الموحدة وهو من الجواهر التي جعلها الله تعالى في الأرض يدبغ به يشبه الزاج قال : والسماع فيه الشب يعني بالموحدة وقد صحفه بعضهم فقال : الشث يعني بالمثلثة قال : والشث بالمثلثة شجر مر الطعم لا أدري أيدبغ به أم لا هذا كلام الأزهري وتابعه عليه صاحب الشامل والبحر . وذكره الإمام أبو الفرج الدارمي بالمثلثة . وفي صحاح الجوهري : الشث بالمثلثة : نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به . وفي تعليق الشيخ أبي حامد قال أصحابنا : الشث يعني بالمثلثة ، قال : وقاله الشافعي بالموحدة ، قال : وقد قيل الأمران ، وأيهما كان فالدباغ به جائز ، وصرح القاضي أبو الطيب في تعليقه وآخرون بأنه يجوز بالشب والشث جميعا وهذا لا خلاف فيه . واعلم أنه ليس للشب ولا الشث ذكر في حديث الدباغ وإنما هو من كلام الإمام الشافعي رحمه الله فإنه قال رحمه الله : والدباغ بما كانت العرب تدبغ به وهو الشث والقرظ ، هذا هو الصواب ، وقد قال صاحب الحاوي وغيره : جاء في الحديث النص على الشث والقرظ ، كذا نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب فإنه قال في تعليقه : الذي وردت به السنة ثم ذكر حديث ميمونة الذي قدمته قال : هذا هو الذي أعرفه مرويا ، قال : وأصحابنا يروون : يطهره الشث والقرظ وهذا ليس بشيء . واعلم أن الدباغ لا يختص بالشب والقرظ ، بل يجوز بكل ما عمل عملها كقشور الرمان والعفص وغير ذلك مما في معناه ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يجوز الدباغ بكل شيء قام مقام القرظ من العفص وقشور الرمان وغيرهما إذا نظف الفضول واستخرجها من باطن الجلد وحفظه من أن يسرع إليه الفساد . قال : والمرجع في ذلك إلى أهل الصنعة ، هذا هو المذهب وهو الذي نص عليه الشافعي كما قدمته ، وبه قطع المصنف والجماهير في جميع الطرق ، وذكر بعض العراقيين فيه قولين ، أحدهما : هذا والثاني : لا يجوز بغير الشب والقرظ كما يختص ولوغ الكلب بالتراب على أحد القولين .

حصہ V01/P281–V01/P283

وقد حكى الرافعي أيضا وجها في اختصاصه بالشث والقرظ وحكاه الماوردي عن أهل الظاهر ، وهو غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الدباغ وكانت العرب تدبغ بأنواع مختلفة فوجب جوازه بكل ما حصل به مقصود الدباغ . والفرق بينه وبين ولوغ الكلب أن الدباغ إحالة فحصل بما تحصل به الإحالة ، والولوغ إزالة نجاسة دخلها التعبد فاختصت بالتراب كالتيمم ولا تفريع على هذا الوجه ، وإنما التفريع على المذهب وهو جواز الدباغ بكل ما حصل به مقصوده . قال أصحابنا في الطريقتين ولا يحصل بتشميس الجلد ونص عليه الشافعي وفي وجه شاذ يجوز ، حكاه الرافعي وهو مذهب أبي حنيفة ، وأما التراب فالمذهب الصحيح أنه لا يحصل الدباغ به ونص عليه الشافعي وقطع به الجمهور ، ممن قطع به الشيخ أبو حامد والمحاملي في كتابيه وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي في كتابه رؤوس المسائل والقاضي حسين والفوراني وابن الصباغ وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وخلائق آخرون من العراقيين والخراسانيين وفيه وجه شاذ أنه يحصل حكاه أبو العباس الجرجاني في التحرير ورجحه . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أبو علي الطبري في الإفصاح : نص الشافعي على أن الدباغ لا يحصل بالتراب والرماد قال القاضي : ولم أر للشافعي في هذا نصا ، والمرجع في ذلك إلى أهل الصنعة فإن كان للتراب والرماد هذا الفعل حصل الدباغ بهما ، وأما الملح فنقل أبو علي الطبري في الإفصاح أن الشافعي رحمه الله نص أنه لا يحصل به الدباغ ، وبه قطع صاحب الشامل ، وقطع إمام الحرمين بالحصول . فرع : لو دبغه بعين نجسه كذرق الحمام وغيره أو بمتنجس كقرظ أصابته نجاسة أو دبغه بماء نجس فهل يحصل به الدباغ فيه وجهان مشهوران في الطريقتين أصحهما عند الأصحاب الحصول ، وبه قطع ابن الصباغ والبغوي ، لأن الغرض تطيب الجلد وإزالة الفضول ، وهذا حاصل بالنجس كالطاهر والثاني : لا يحصل لأن النجس لا يصلح للتطهير ، فإن قلنا بالأصح وجب غسله بعد حصول الدباغ بلا خلاف ويكون نجسا بالمجاورة بخلاف ما لو دبغه بطاهر ، فإنه لا يجب غسله على أحد الوجهين كما سيأتي إن شاء الله تعالى . فرع : لا يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل لأن ما طريقه إزالة النجاسة لا تفتقر إلى فعل كالسيل إذا مر على نجاسة فأزالها ، فإنه يطهر محلها بلا خلاف . فلو أطارت الريح جلد ميتة فألقته في مدبغة فاندبغ صار طاهرا ذكره الماوردي وغيره وهو واضح . فرع : لو أخذ جلد ميتة لغيره فدبغه طهر ولمن يكون فيه أوجه أحدها : للدابغ كمن أحيا مواتا بعد أن تحجره غيره فإنه للمحيي الثاني : لصاحب الميتة لتقدم حقه والثالث : إن كان رفع يده عنه ثم أخذه الدابع فهو للدابغ ، وإن كان غصبه فللمغصوب منه ، وهذا الثالث هو الأصح ، وستأتي هذه الأوجه مبسوطة إن شاء الله تعالى في أواخر كتاب الغصب حيث ذكرها المصنف ، وإنما أشرت إليها لما قدمته في الخطبة أنه متى أمكن تقديم مسألة لنوع ارتباط قدمتها ، والله أعلم .

حصہ V01/P283–V01/P284

قال المصنف رحمه الله تعالى : وهل يفتقر إلى غسله بالماء بعد الدباغ فيه وجهان أحدهما : لا يفتقر لأن طهارته تتعلق بالاستحالة وقد حصل ذلك فطهر كالخمر إذا استحالت خلا وقال أبو إسحاق : لا يطهر حتى يغسل بالماء لأن ما يدبغ به تنجس بملاقاة الجلد ، فإذا زالت نجاسة الجلد بقيت نجاسة ما يدبغ به فوجب أن يغسل حتى يطهر . + الشرح : هذان الوجهان مشهوران وذكر صاحب المستظهري أن الأول منهما قول أبي العباس بن القاص ، ورأيت أنا كلامه في التلخيص وفيه إشارة إلى ما ذكره ، واختلف المصنفون في أصحهما فالأكثرون على أن الأصح وجوب الغسل ، ممن صححه الفوراني وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والوجيز ، وابن الصباغ والمتولي والروياني والرافعي وآخرون ، وقطع به الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي في كتابيه التهذيب والانتخاب . وقال البغوي : الأصح لايفتقر ، وهو مذهب أبي حنيفة والأكثرين وتوجيه الوجهين مذكور في الكتاب ويدل لعدم الغسل قوله صلى الله عليه وسلم : إذا دبغ الإهاب فقد طهر ويجاب عنه بأن المراد طهرت عينه التي كانت نجسة ، وليس فيه أنه لا يغسل وهذا في وجوب غسله بعد الدباغ . وأما استعمال الماء في أثناء الدباغ ففي وجوبه وجهان مشهوران عند الخراسانيين وذكرهما الماوردي من العراقيين أصحهما لا يفتقر إليه ، قال إمام الحرمين : هذا قول المحققين ، قالوا : ومأخذ الوجهين أن المغلب في الدباغ الإزالة أم الإحالة وفيه وجهان . فإن غلبنا الإزالة افتقر إليه وإلا فلا . ويستدل للأصح بالقياس على الخمر إذا استحالت فإنها تطهر بمجرد الاستحالة ، وللوجه الآخر بقوله صلى الله عليه وسلم : يطهرها الماء والقرظ ولأنه يلين الجلد ويصل به الشث والقرظ ونحوهما إلى جميع أجزائه . وإذا أوجبنا غسله بعد الدباغ فهو طاهر العين بلا خلاف والدباغ حاصل قطعا لكنه نجس بالمجاورة على هذا الوجه ، فهو كالثوب النجس فيجوز بيعه إذا جوزنا بيع جلد الميتة المدبوغ ، صرح به إمام الحرمين وغيره ، وأما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ فلم يستعمله فالجلد نجس العين بلا خلاف . صرح به إمام الحرمين وآخرون . وهل يطهر بعد ذلك بنقعه في ماء كثير أم يشترط رده إلى المدبغة واستعمال الشث حكى الرافعي فيه وجهين ، وحكى إمام الحرمين عن شيخه والده أبي محمد أنه قال : لا بد من ابتداء دبغه ثانيا ، قال الإمام : ولا يبعد عندي أنه يكتفى بنقعه في الماء الطهور ، ووجهه الإمام أحسن توجيه ، وأنا أظن الرافعي أراد بالوجهين قول الإمام ووالده ثم إذا أوجبنا استعمال الماء بعد الدباغ اشتراط كونه طهورا نقيا من أدوية الدباغ وغيرها بلا خلاف لأنه إزالة نجاسة ، وأما إذا اشترطناه في أثناء الدباغ فلا بأس بكونه متغيرا بأدوية الدباغ والله أعلم . فرع : الأجزاء التي يتشربها الجلد من الأدوية المدبوغ بها طاهرة بلا خلاف وأما الأجزاء المتناثرة من الأدوية فإن تناثرت في أثناء الدباغ فهي نجسة بلا خلاف ، صرح به البغوي ، وإن تناثرت بعده فهل نحكم بطهارتها تبعا للجلد أم بنجاستها فيه وجهان مشهوران قالوا : وهما الوجهان في افتقار الجلد إلى غسله بعد الدباغ إن قلنا يفتقر فهي نجسة وإلا فهي طاهرة تبعا به ، كذا قاله القاضي حسين والمتولي والروياني وغيرهم والله أعلم .

حصہ V01/P284–V01/P285

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا طهر الجلد بالدباغ جاز الانتفاع به لقوله صلى الله عليه وسلم : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما وقد سبق بيانه في هذا الباب ، وقوله : جاز الانتفاع به يعني في اليابسات والمائعات ، وجازت الصلاة عليه وفيه ، وطهر ظاهره وباطنه . هذا هو المذهب الصحيح الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي وقطع به العراقيون تصريحا والبغوي وغيره من الخراسانيين ، قال الشيخ أبو حامد شيخ الأصحاب في تعليقه لا يختلف المذهب أنه بعد الدباغ طاهر ظاهرا وباطنا . وأن الانتفاع به جائز في المائعات ، وحكى أبو علي بن أبي هريرة في طهارته قولين ، وحكاهما جماعات من الخراسانيين أصحهما وهو الجديد : يطهر ظاهرا وباطنا كما ذكرنا . والثاني : وهو القديم : لا يطهر باطنا فيستعمل في يابس لا رطب ويصلى عليه لا فيه ، وهذا النقل عن القديم غريب والمحققون ينكرونه ، ويقولون : ليس للشافعي قول بعدم طهارة باطنه لا قديم ولا غيره ، وإنما هذا مذهب مالك كما قدمناه عنه ، قال الدارمي في الاستذكار قال ابن أبي هريرة : قوله في القديم في هذه المسألة كمذهب مالك ، قال الدارمي : ولم ير هذا في القديم ومما يدل على هذا القول الذي حكاه الخراسانيون ليس بصحيح عن القديم أن إمام الحرمين قال : كان شيخي يحكي عن القفال أنه قال : لا يتوجه القول القديم في منع بيع المدبوغ إلا بتقدير قول الشافعي كمذهب مالك أنه يظهر ظاهره لا باطنه ، وهذا دليل على أنه ليس للشافعي تصريح بذلك بل استنبطوه من منع البيع ، وليس ذلك بلازم بل لمنع البيع دليل آخر قد ذكره المصنف وغيره والله أعلم . فرع : اعلم أن القول القديم ليس بلازم أن يكون كمذهب مالك بل هو قول مجتهد قد يوافق مالكا وقد يخالفه قال القفال في شرح التلخيص : أكثر القديم قد يوافق مالكا ، وإنما ذكرت هذا الفرع لأني رأيت من يغلط في هذا بما لا أوثر نشره والله أعلم . فرع : استعمال جلد الميتة قبل الدباغ جائز في اليابس دون الرطب صرح به الماوردي وغيره ، ونقله الروياني عن الأصحاب فقال : قال أصحابنا : يجوز استعماله قبل الدباغ في اليابسات ، وأما قول الشيخ أبي حامد والشيخ نصر المقدسي وصاحب البيان : لا يجوز استعماله قبل الدباغ فمرادهم استعماله في الرطبات أو في اللبس لا في اليابس وسيأتي كلام الأصحاب إن شاء الله تعالى في عظم الفيل أنه يكره استعماله في اليابس ولا يحرم ، وممن صرح في عظم الفيل بكراهة استعماله في اليابس وتحريمه في الرطب الشيخ نصر فدل أن مراده هنا استعماله في الرطب . وأما قول العبدري : لا يجوز استعماله قبل الدباغ في اليابسات عندنا وعند أكثر العلماء فغلط منه ، وصوابه أن يقول في الرطبات . فرع : قال الماوردي : يجوز هبته قبل الدباغ ولا يجوز رهنه ، وقال أبو حنيفة : يجوز بيعه ورهنه كالثوب النجس ، دليلنا أنه عين نجسة فلا يجوز بيعه ورهنه كالعذرة بخلاف الثوب النجس فإن عينه طاهر ، وكذا قال الروياني : يجوز هبته على سبيل نقل اليد ، وكذا الوصية به لا التمليك والله أعلم .

حصہ V01/P285–V01/P287

قال المصنف رحمه الله تعالى : وهل يجوز بيعه فيه قولان قال في القديم : لا يجوز لأنه حرم التصرف فيه بالموت ثم رخص في الانتفاع به فبقي ما سوى الانتفاع على التحريم وقال في الجديد : يجوز لأنه منع من بيعه لنجاسته ، وقد زالت النجاسة فوجب أن يجوز البيع كالخمر إذا تخللت . + الشرح : هذان قولان في صحة بيع جلد الميتة بعد الدباغ مشهوران ، والصحيح منهما عند الأصحاب هو الجديد وهو صحته ، وبه قال أبو حنيفة وجمهور العلماء ، وقول المصنف : لأنه حرم التصرف فيه ثم رخص في الانتفاع يعني الانتفاع بعينه لأنه المفهوم من إطلاق الانتفاع ، وأما الانتفاع بثمنه فليس انتفاعا به ولا يلزم من كونه طاهرا منتفعا به أن يجوز بيعه ، فإن أم الولد والوقف والطعام في دار الحرب بهذه الصفة ولا يجوز بيعها ، وهذا هو الصواب في توجيه القديم . وأما ما يوجهه به كثير من الخراسانيين من قولهم : إن منع بيعه إنما هو لكونه لا يطهر باطنه فضعيف كما قدمناه ، وأجاب الأصحاب عما احتج به للقديم من القياس على أم الولد والوقف وطعام دار الجرب بأن منع بيع أم الولد لاستحقاقها الحرية ، والوقف لا يملكه على الأصح وإن ملكه فيتعلق به حق البطن الثاني ، وطعام دار الحرب لا يملكه وإنما أبيح له أكل قدر الحاجة ، والمنع في مسألتنا للنجاسة وقد زالت فجاز البيع . فإذا جوزنا بيعه جاز رهنه وإجارته وإن لم نجوز بيعه ففي جواز إجارته وجهان كالكلب المعلم ذكره الماوردي والروياني ، وقال الروياني : وقيل : يجوز إجارته قطعا وإنما القولان في بيعه ورهنه ، أما بيعه قبل الدباغ فباطل عدنا وعند جماهير العلماء وحكى العبدري عن أبي حنيفة جوازه . قال المصنف رحمه الله تعالى : وهل يجوز أكله ينطر فإن كان من حيوان يؤكل ففيه قولان . قال في القديم : لا يؤكل لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما حرم من الميتة أكلها وقال في الجديد : يؤكل لأنه جلد طاهر من حيوان مأكول فأشبه جلد المذكى ، وإن كان من حيوان لا يؤكل لم يحل أكله لأن الدباغ ليس بأقوى من الذكاة ، والذكاة لا تبيح ما لا يؤكل لحمه ، فلأن لا يبيحه الدباغ أولى ، وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني عن القاضي أبي القاسم بن كج أنه حكى وجها آخر أنه يحل لأن الدباغ عمل في تطهيره كما عمل في تطهير ما يؤكل فعمل في إباحته بخلاف الذكاة . + الشرح : الحديث المذكور ثابت في الصحيحين وهو تمام حديث ابن عباس المذكور في أول الفصل فإنه صلى الله عليه وسلم قال : هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به قالوا : إنها ميتة قال : إنما حرم أكلها وفي رواية النسائي : إنما حرم الله أكلها وهذان القولان في حل أكله مشهوران أصحهما عند الجمهور : القديم ، وهو التحريم للحديث ، وهذه المسألة مما يفتى فيه على القديم ، وقد تقدم بيان المسائل التي يفتى فيها على القديم في مقدمة الكتاب . وصححت طائفة الجديد وهو حل الأكل ، منهم القفال في شرح التلخيص والفوراني والروياني والجرجاني في كتابه البلغة وقطع به في التحرير ، ويجاب لهؤلاء عن الحديث بأن المراد تحريم أكل اللحم فإنه المعهود ، هذا حكم جلد المأكول . فأما جلد ما لا يؤكل فالمذهب الجزم بتحريمه ، وبه قطع جماعات منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي والدارمي والبغوي وغيرهم ، والوجه الآخر ضعيف وحكى الفوراني عن شيخه القفال أنه قال : لا فرق بين المأكول وغيره ففي الجميع القولان وهذا ضعيف . وقول المصنف : فلان لا يبيحه الدباغ أولى ، هذه اللام في قوله فلأن مفتوحة وهي لام الابتداء كقولك : لزيد قائم أو اللام الموطئة للقسم ، وهي كثيرة التكرار في هذا الكتاب وغيره من كتب الفقه وغيرها . وإنما ضبطتها لأن كثيرا من المبتدئين يكسرونها وذلك خطأ ، وأما الشيخ أبو حاتم فاسمه محمود بن الحسن كان حافظا للمذهب له مصنفات في الأصول والمذهب والخلاف والجدل ، وهو القزويني بكسر الواو منسوب إلى قزوين بكسر الواو المدينة المعروفة بخراسان ، وأما ابن كج فبفتح الكاف وبعدها جيم مشددة اسمه يوسف بن أحمد بن كج له مصنفات كثيرة نفيسة فيها نقول غريبة مسائل غريبة مهمة لا تكاد توجد لغيره ، تفقه على أبي الحسين بن القطان وحضر مجلس الداركي ، قتله اللصوص ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة خمس وأربعمائة بالدينور ، قال المصنف في الطبقات . جمع ابن كج رئاسة العلم والدنيا ورحل إليه الناس من الآفاق رغبة في علمه وجوده والله أعلم .

حصہ V01/P287–V01/P289

قال المصنف رحمه الله تعالى : كل حيوان نجس بالموت نجس شعره وصوفه على المنصوص ، وروي عن الشافعي رحمه الله أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي . واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق ، فمنهم من لم يثبت هذه الرواية وقال : ينجس الشعر بالموت قولا واحدا ، لأنه جزء متصل بالحيوان اتصال خلقة فينجس بالموت كالأعضاء ، ومنهم من جعل الرجوع عن تنجيس شعر الآدمي رجوعا عن تنجيس جميع الشعور فجعل في الشعور قولين ، أحدهما : ينجس لما ذكرناه والثاني : لا ينجس لأنه لا يحس ولا يتألم فلا تلحقه نجاسة الموت ، ومنهم من جعل هذه الرواية رجوعا عن تنجيس شعر الآدمي خاصة فجعل في الشعر قولين ، أحدهما : ينجس الجميع لما ذكرناه والثاني : ينجس الجميع إلا شعر الآدمي فإنه لا ينجس لأنه مخصوص بالكرامة ، ولهذا يحل لبنه مع تحريم أكله ، وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا إذا قلنا شعر غيره طاهر فشعره صلى الله عليه وسلم أولى بالطهارة وإذا قلنا : إن شعر غيره نجس ففي شعره عليه السلام وجهان أحدهما : أنه نجس لأن ما كان نجسا من غيره كان نجسا منه كالدم ، وقال أبو جعفر الترمذي : هو طاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ناول أبا طلحة رضي الله عنه شعره فقسمه بين الناس . وكل موضع قلنا : إنه نجس عفى عن الشعرة والشعرتين في الماء والثوب لأنه لا يمكن الاحتراز منه فعفى عنه كما عن عدم البراغيث . + الشرح : أما قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم : ناول أبا طلحة شعره فقسمه بين الناس فحديث صحيح رواه البخاري ومسلم . أما أحكام المسألة فحاصلها أن المذهب نجاسة شعر الميتة غير الآدمي ، وطهارة شعر الآدمي ، هذا مختصر المسألة ، وأما بسطها فقد ذكر المصنف ثلاث طرق وهي مشهورة في المذهب ، قال القاضي أبو الطيب وآخرون : الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظلف تحلها الحياة ، وتنجس بالموت ، هذا هو المذهب ، وهو الذي رواه البويطي والمزني والربيع المرادي وحرملة ، وروى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي . وقال صاحب الحاوي : الشعر والوبر والصوف ينجس بالموت . هذا هو المروي عن الشافعي في كتبه والذي نقله عنه جمهور أصحابه البويطي والمزني والربيع المرادي وحرملة وأصحاب القديم . قال : وحكى ابن سريج عن أبي القاسم الأنماطي عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس الشعر وحكى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي ، وحكى الربيع الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته . واختلف أصحابنا في هذه الحكايات الثلاث التي شذت عن الجمهور فجعلها بعضهم قولا ثانيا للشافعي أن الشعر طاهر ، وامتنع الجمهور من إثبات قول ثان لمخالفتها نصوصه ، ويحتمل أنه حكى مذهب غيره . وأما شعر الآدمي ففيه قولان : أشهرهما عنه : أنه نجس والثاني : وهو منصوص في الجديد : أنه طاهر ، هذا كلام صاحب الحاوي . واتفق الأصحاب على أن المذهب أن شعر غير الآدمي وصوفه ووبره وريشه ينجس بالموت ، وأما الآدمي فاختلفوا في الراجح فيه فالذي صححه أكثر العراقيين نجاسته ، والذي صححه جميع الخراسانيين أو جماهيرهم طهارته ، وهذا هو الصحيح فقد صح عن الشافعي رجوعه عن تنجيس شعر الآدمي ، فهو مذهبه وما سواه ليس بمذهب له ، ثم الدليل يقتضيه وهو مذهب جمهور العلماء كما سنذكره إن شاء الله تعالى في فرع في مذاهب العلماء .

حصہ V01/P289–V01/P292

ثم إن هذا الخلاف في شعر ميتة الآدمي مفرع على نجاسة ميتة الآدمي ، أما إذا قلنا بطهارة ميتته فشعره طاهر بلا خلاف ، كذا صرح به البغوي والمتولي وغيرهما من الخراسانيين وابن الصباغ والشاشي والشيخ نصر المقدسي وصاحب البيان وغيرهم من العراقيين ، وإذا انفصل شعر آدمي في حياته فظاهر على أصح الوجهين تكرمة للآدمي ولعموم البلوى وعسر الاحتراز ، وأما إذا انفصل جزء من جسده كيده وظفره فقطع العراقيون أو جمهورهم بنجاسته قالوا : وإنما الخلاف في ميتته بجملته لحرمة الجملة ، وقال الخراسانيون : فيه وجهان أصحهما الطهارة ، وهذا هو الصحيح . قال إمام الحرمين من قال : العضو المبان في الحياة نجس فقد غلط والوجه اعتبار الجزء بالجملة بعد الموت ، وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قلنا : بطهارة غيره فهو أولى وإلا فوجهان ، قال أبو جعفر : هو طاهر وقال غيره : هو نجس ، وهذا الوجه غلط أو كالغلط . وسأذكر في شعره صلى الله عليه وسلم وفضلات بدنه فرعا مخصوصا بها إن شاء الله تعالى . وأما قول المصنف : وكل موضع قلنا : إنه نجس عفى عن الشعرة أو الشعرتين فظاهره تعميم العفو في شعر الآدمي وغيره ، وقد اتفق أصحابنا على العفو ولكن اختلفوا في تخصيصه ، بالادمي فأطلقت طائفة الكلام إطلاقا يقتضي التعميم كما أطلقه المصنف منهم القاضي حسين والمحاملي في المجموع ، وصرح القاضي بجريان العفو في شعر غير الآدمي ، ونقل بعضهم هذا عن تعليق الشيخ أبي حامد ولم أره أنا فيه هكذا ، ولكن نسخ تعليق الشيخ أبي حامد والقاضي حسين يقع فيها اختلاف ، وخصت طائفة ذلك بشعر الآدمي منهم الفوراني وابن الصباغ والجرجاني في التحرير والروياني والبغوي وصاحب البيان ، ولكل واحد من الوجهين وجه ولكن الصحيح التعميم . وعبارة المصنف كالصريحة فيه ، فإنه فصل الكلام في الشعر ثم قال : وكل موضع قلنا إنه نجس عفي ولأن الجميع سواء في عموم الابتلاء وعسر الاحتراز . وأما قول المصنف : كالشعرة والشعرتين فليس تحديدا لما يعفى عنه بل كالمثال لليسير الذي يعفى عنه ، وعبارة أصحابنا يعفى عن اليسير منه ، وكذا صرح به الجمهور ، وذكر ابن الصباغ أن بعض أصحابنا فسره بالشعرة والشعرتين ، وقال إمام الحرمين : إذا حكمنا بنجاسة شعر الآدمي فما ينتف من اللحية والرأس على العرف الغالب معفو عنه مع نجاسته كدم البراغيث . قال : ثم القول في ضبط القليل كالقول في دم البراغيث ، قال : ولعل القليل ما يغلب انتتافه مع اعتدال الحال ، والله أعلم . فرع : المذهب الصحيح القطع بطهارة شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق ودليله الحديث وعظم مرتبته صلى الله عليه وسلم ومن قال بالنجاسة قالوا : إنما قسم الشعر للتبرك ، قالوا : والتبرك يكون بالنجس كما يكون بالطاهر ، كذا قاله الماوردي وآخرون ، قالوا : لأن القدر الذي أخذه كل واحد كان يسيرا معفوا عنه . والصواب القطع بالطهارة كما قاله أبو جعفر وحكاه الروياني عن جماعة آخرين وصححه القاضي حسين وآخرون . وأما بوله صلى الله عليه وسلم ودمه ففيهما وجهان مشهوران عند الخراسانيين وذكر القاضي حسين وقليل منهم في العذرة وجهين ونقلهما في العذرة صاحب البيان عن الخراسانيين ، وقد أنكر بعضهم على الغزالي طرده الوجهين في العذرة وزعم أن العذرة نجسة بالاتفاق ، وأن الخلاف مخصوص بالبول والدم وهذا الإنكار غلط بل الخلاف في العذرة مشهور . نقله غير الغزالي كما حكيناه عن القاضي حسين وصاحب البيان وآخرين . وأشار إليه إمام الحرمين وآخرون فقالوا : في فضلات بدنه صلى الله عليه وسلم كبوله ودمه وغيرهما وجهان وقال القفال في شرح التلخيص في الخصائص : قال بعض أصحابنا : جميع ما يخرج منه صلى الله عليه وسلم طاهر . قال : وليس بصحيح .

حصہ V01/P292–V01/P293

فهذا نقل القفال وهو شيخ طريقة الخراسانيين وعليه مدارها واستدل من قال بنجاسته هذه الفضلات بأنه صلى الله عليه وسلم كان يتنزه منها . واستدل من قال بطهارتها بالحديثين المعروفين : أن أبا طيبة الحاجم حجمه صلى الله عليه وسلم وشرب دمه ولم ينكر عليه . . وأن امرأة شربت بوله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليها . وحديث أبي طيبة ضعيف وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني وقال : هو حديث صحيح وهو كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياسا . وموضع الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها ولم يأمرها بغسل فمها ولا نهاها عن العود إلى مثله ، وأجاب القائل بالطهارة عن تنزهه صلى الله عليه وسلم عنها أن ذلك على الاستحباب والنظافة ، والصحيح عند الجمهور نجاسة الدم والفضلات وبه قطع العراقيون . وخالفهم القاضي حسين فقال : الأصح طهارة الجميع والله أعلم . فرع : قدمنا في شعر ميتة غير الآدمي خلافا ، المذهب الصحيح أنه نجس ، وهذا الخلاف فيما سوى الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما ، أما شعور هذه فقطع العراقيون وجماعات من الخراسانيين بنجاستها ولم يذكروا فيها الخلاف . وقال جماعة من الخراسانيين : إذا قلنا بطهارة غيرها ففيها وجهان أحدهما : الطهارة وأصحهما النجاسة ، قال إمام الحرمين : قطع الصيدلاني بنجاستها على هذا القول ، وقال القاضي أبو حامد المروروذي : هي على هذا القول طاهرة . قال الإمام : واختاره شيخي يعني والده أبا محمد الجويني ، قال الرافعي : والوجهان جاريان في حالتي الحياة والموت . فرع : قول المصنف : لأنه جزء متصل بالحيوان اتصال خلقه فنجس بالموت كالأعضاء احترز بقوله : متصل عن الحمل والبيض المتصلب في جوف ميتته وبقوله : بالحيوان عن أغصان الشجر ، كذا قاله الشيخ أبو حامد وغيره ، وبقوله : اتصال خلقة عن الأذن الملصقة . وقوله : فمنهم من لم يثبت هذه الرواية وقال : ينجس الشعر بالموت قولا واحدا ليس معناه القدح في الناقل بتكذيب ونحوه ، وإنما معناه تأويل الرواية على حكاية مذهب الغير كما قدمناه عن نقل صاحب : الحاوي . وقوله : ينجس بضم الجيم وفتحها ، وقوله : لا يحس ولا يألم يحس بضم الياء وكسر الحاء وهذه اللغة الفصيحة وبها جاء القرآن قال الله تعالى : هل تحس منهم من أحد مريم : 89 وفيه لغة قليلة يحس بفتح الياء وضم الحاء وقوله : يألم بالهمز ويجوز تركه . فرع : قول المصنف : لأن ما كان نجسا من غيره كان نجسا منه كالدم قد وافقه على هذه العبارة صاحب الشامل ، وهذا القياس يقتضي القطع بنجاسة الدم وليس مقطوعا به ، بل فيه الخلاف الذي قدمناه ، وقد قال صاحب الحاوي : إن أبا جعفر الترمذي القائل بطهارة شعره صلى الله عليه وسلم قيل له : قد حجمه أبو طيبة وشرب دمه أفتقول بطهارة دمه فركب الباب وقال : أقول به ، قيل له : قد شربت امرأة بوله صلى الله عليه وسلم أفتقول بطهارته فقال : لا ، لأن البول استحال من الطعام والشراب وليس كذلك الدم والشعر لأنه من أصل الخلقة ، هذا كلام صاحب الحاوي ، وفيه التصريح بأن أبا جعفر يقول بطهارة الشعر والدم ، فإذا كان كذلك لم يرد عليه القياس على الدم لأنه طاهر عنده ، وحينئذ ينكر على المصنف هذا القياس ويجاب عنه بأن المصنف اختار في أصول الفقه أن القياس على المختلف فيه جائز ، فإن منع الخصم الأصل أثبته القايس بدليله الخاص ثم ألحق به الفرع ، وقد أكثر المصنف في المهذب من القياس على المختلف فيه وكله خارج على هذه القاعدة ، والله أعلم .

حصہ V01/P293–V01/P295

فرع : ذكر المصنف في هذا الفصل أبا طلحة الصحابي وأبا جعفر الترمذي ، أما أبو طلحة فاسمه زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري شهد العقبة وبدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد النقباء ليلة العقبة رضي الله عنهم ، وكان من الصحابة الذي سردوا الصوم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنذكرهم إن شاء الله تعالى في كتاب الصوم ، قال أبو زرعة الدمشقي الحافظ : عاش أبو طلحة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة يسرد الصوم ، وخالفه غيره ، فقال فقد توفي سنة أربع وثلاثين من الهجرة ، وقيل : سنة اثنتين وثلاثين رضي الله عنه . وأما أبو جعفر فاسمه محمد بن أحمد بن نصر أحد الأئمة الذين تنشرح بذكرهم الصدور ، وترتاح لذكر مآثرهم القلوب ، كان رضي الله عنه حنفيا ثم صار شافعيا لرؤيا رآها مشهورة ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول الله آخذ برأي أبي حنيفة فأعرض عني ، فقلت : برأي مالك فقال : خذ ما وافق سنتي ، فقلت : برأي الشافعي فقال أو ذاك رأي الشافعي ، ذلك رد على من خالف سنتي . حكى هذه الرؤيا المصنف في الطبقات وآخرون ، وهو منسوب إلى ترمذ البلدة المعروفة التي نسب إليها الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي ، وفي ضبطها ثلاثة أوجه ذكرها الحافظ أبو سعد السمعاني في كتابه الأنساب ، أحدها ترمذ بكسر التاء والميم والثاني : بضمهما قال : وهو قول أهل المعرفة والثالث : بفتح التاء وكسر الميم والمتداول بين أهل ترمذ وهي مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له : جيحون وهذه الأوجه الثلاثة تقال في كل من يقال له : الترمذي . قال المصنف في الطبقات : سكن أبو جعفر الترمذي بغداد ولم يكن للشافعيين في وقته بالعراق أرأس ولا أورع ولا أكثر نقلا منه ، وكان قوته في كل شهر أربعة دراهم ، ولد في ذي الحجة سنة مائتين وتوفي في المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين رحمه الله ، وموضع بسط أحواله الطبقات والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في شعر الميتة وعظمها وعصبها فمذهبنا أن الشعر والصوف والوبر والريش والعصب والعظم والقرن والسن والظلف نجسة ، وفي الشعر خلاف ضعيف سبق ، وفي العظم خلاف أضعف منه قد ذكره المصنف بعد هذا ، وأما العصب فنجس بلا خلاف ، هذا في غير الآدمي وممن قال بالنجاسة عطاء وذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحاق والمزني وابن المنذر إلى أن الشعور والصوف والوبر والريش طاهرة والعظم والقرن والسن والظلف والظفر نجسة كذا حكى مذاهبهم القاضي أبو الطيب ، وحكى العبدري عن الحسن وعطاء والأوزاعي والليث بن سعد أن هذه الأشياء تنجس بالموت لكن تطهر بالغسل ، وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد أنه لا ينجس الشعر والصوف والوبر والريش . قال أبو حنيفة وداود : وكذا لا ينجس العظام والقرون وباقيها . قال أبو حنيفة إلا شعر الخنزير وعظمه ورخص للخرازين في استعمال شعر الخنزير لحاجتهم إليه ، وعنه في العصب روايتان . واحتج لمن قال بطهارة الشعر بقول اللهتعالى : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين وهذا عام في كل حال وبقوله صلى الله عليه وسلم في الميتة : إنما حرم أكلها وهو في الصحيحين وقد قدمناه . وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ ولا بشعرها إذا غسل ، وذكروا أقيسة ومناسبات ليست بقوية ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : حرمت عليكم الميتة وهو عام للشعر وغيره ، فإن قالوا : الشعر ليس ميتة قال أصحابنا : قلنا بل هو ميتة ، فإن الميتة اسم لما فارقته الروح بجميع أجزائه ، قال صاحب الحاوي : ولهذا لو حلف لا يمسس ميته فمس شعرها حنث .

حصہ V01/P295–V01/P297

فإن قالوا : هذه الآية عامة في الميتة ، والآية التي احتججنا بها خاصة في بعضها وهو الشعر والصوف والوبر . والخاص مقدم على العام . فالجواب : أن كل واحدة من الآيتين فيها عموم وخصوص ، فإن تلك الآية أيضا عامة في الحيوان الحي والميت ، وهذه خاصة بتحريم الميتة ، فكل آية عامة من وجه ، خاصة من وجه ، فتساويتا من حيث العموم والخصوص ، وكان التمسك بآيتنا أولى لأنها وردت لبيان المحرم ، وأن الميتة محرمة علينا ، ووردت الأخرى للامتنان بما أحل لنا . واحتجوا بحديث : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به والغالب أن الشاه لا تخلو من شعر وصوف ولم يذكر لهم طهارته والانتفاع به في الحال ، ولو كان طاهرا لبينه ، وفي الاستدلال بهذا نظر . واعتماد الأصحاب على القياس الذي ذكره المصنف وذكروا أقيسة كثيرة تركتها لضعفها . وأجاب الأصحاب عن احتجاجهم بقوله تعالى : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها المائدة : 3 بأنها محمولة على شعر المأكول إذا ذكي أو أخذ في حياته كما هو المعهود ، وأجاب الماوردي بجواب آخر أن من للتبعيض والمراد بالبعض الطاهر وهو ما ذكرناه . وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم إنما حرم أكلها . وأما الجواب عن حديث أم سلمة فمن وجهين أجودهما أنه ضعيف باتفاق الحفاظ قالوا : لأنه تفرد به يوسف بن السفر ( بفتح السين المهملة وإسكان الفاء ) قالوا : وهو متروك الحديث ، هذه عبارة جميع أهل هذا الشأن فيه وهي أبلغ العبارات عندهم في الجرح ، قال الدارقطني : هو متروك يكذب على الأوزاعي ، وقال البيهقي : هو يضع الحديث . الجواب الثاني : أن هذا الحديث لا يمكن أن يتمسك به من يقول بطهارة الشعر بلا غسل والله أعلم . واحتج من قال : يطهر الشعر بالغسل بحديث أم سلمة ، وقد بينا اتفاق الحفاظ على ضعفه ، وبيانهم سبب الضعف والجرح ، واحتج أصحابنا بأنها عين نجسة فلم تطهر بالغسل كالعذرة واللحم . واحتج من قال بطهارة عظام الميتة بحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم امتشط بمشط من عاج وبما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج قال صاحب هذا المذهب : والعاج عظم الفيل . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة يس : 87 فأثبت لها إحياء فدل على موتها والميتة نجسة ، فإن قالوا : المراد أصحاب العظام فحذف المضاف اختصارا ، قلنا : هذا خلاف الأصل والظاهر فلا يلتفت إليه . واحتج الشافعي رحمه الله بما روى عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره أن يدهن في عظم فيل لأنه ميتة ، والسلف يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم ولأنه جزء متصل بالحيوان اتصال خلقة فأشبه الأعضاء . والجواب عن حديث أنس من وجهين أحدهما أنه ضعيف ضعفه الأئمة والثاني : أن العاج هو الذبل بفتح الذال المعجمة وإسكان الباء الموحدة وهو عظم ظهر السلحفاة البحرية ، وكذا قاله الأصمعي وابن قتيبة وغيرهما من أهل اللغة ، وقال أبو علي البغدادي : العرب تسمي كل عظم عاجا . والجواب عن حديث ثوبان بالوجهين السابقين فإن حميدا الشامي وسليمان المنبهي مجهولان والمنبهي بضم الميم وبعدها نون مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة مشددة . والله أعلم وبالله التوفيق .

حصہ V01/P297–V01/P299

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دبغ جلد الميتة وعليه شعر فقد قال في الأم : لا يطهر لأن الدباغ لا يؤثر في تطهيره ، وروى الربيع بن سليمان الجيزي عنه أنه يطهر لأنه شعر نابت على جلد طاهر ، فكان كالجلد في الطهارة كشعر الحيوان في حال الحياة . + الشرح : هذان القولان مشهوران أصحهما عند الجمهور نصه في الأم : أنه لا يطهر وقد تقدم عن صاحب الحاوي أنه قال : هو المشهور عن الشافعي والذي نقله عنه جمهور أصحابه ، وممن صححه من المصنفين أبو القاسم الصيمري والشيخ أبو محمد الجويني والبغوي والشاشي والرافعي وقطع به الجرجاني في التحرير ، وصحح الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والروياني طهارته قال الروياني : لأن أصحابه في زمن عمر رضي الله عنهم قسموا الفري المغنومة من الفرس وهي ذبائح مجوس . ومما يدل لعدم الطهارة حديث أبي المليح بفتح الميم عامر بن أسامة عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة ، ورواه الحاكم في المستدرك وقال : حديث صحيح ، وعن المقدام بن معد يكرب أنه قال لمعاوية رضي الله عنهما : أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها قال : نعم رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن وعن معاوية أنه قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور قالوا : نعم . رواه أبو داود . فهذه الأحاديث ونحوها احتج بها جماعة من أصحابنا على أن الشعر لا يطهر بالدباغ لأن النهي متناول لما بعد الدباغ ، وحينئذ لا يجوز أن يكون النهي عائدا إلى نفس الجلد فإنه طاهر بالدباغ بالدلائل السابقة ، وإنما هو عائد إلى الشعر ، وأما ما احتج به الروياني من الفري المغنومة فليس فيه أنهم استعملوها فيما لا يجوز استعمال النجس فيه من صلاة وغيرها . فرع : إذا قلنا بالأصح : أن الشعر لا يطهر بالدباغ قال القاضي حسين و الجرجاني وغيرهما يعفا عن القليل الذي يبقى على الجلد ويحكم بطهارته تبعا . فرع : مما ينبغي أن يتفطن له وتدعو الحاجة إلى معرفته جلود الثعالب ونحوها إذا ماتت أو أفسدت ذكاتها بإدخال السكين في آذانها ونحو ذلك ، وجلد ما لا يؤكل لحمه ، فهذه لا تصح الصلاة فيها على الأصح لعدم طهارة الشعر بالدباغ قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : وأما القندس فبحثنا عنه فلم يثبت أنه مأكول فينبغي أن تجتنب الصلاة فيه ، ولأصحابنا وجهان في تحريم ما أشكل من الحيوان فلم يدر أنه مأكول أم لا ، وسنذكر في فرع قريب عن صاحب الحاوي نحو هذا الشعر إن شاء الله . فرع : قال صاحب الحاوي : لو باع جلد الميتة بعد الدباغ قبل إماطة الشعر عنه وفرعنا على أن الجلد يصح بيعه وأن الشعر لا يطهر بالدباغ فله ثلاثة أحوال إحداها : أن يقول : بعتك الجلد دون الشعر فالبيع صحيح الثانية : أن يقول : بعتك الجلد مع شعره فبيع الشعر باطل وفي الجلد قولا تفريق الصفقة أصحهما الصحة الثالثة : أن يبيعه مطلقا فهل هو كالحالة الثانية أم الأولى فيه وجهان .

حصہ V01/P299

فرع : ذكر المصنف : الربيع بن سليمان الجيزي ولا ذكر له في المهذب إلا في هذا الموضع ، وله ذكر في غير المهذب في مسألة قراءة القرآن بالألحان فإنه نقلها عن الشافعي ، وقد ذكرتها في الروضة وفي تهذيب الأسماء ، وأما الربيع المتكرر في المهذبوكتب الأصحاب فهو الربيع بن سليمان المرادي وهو راوي الأم وغيرها من كتب الشافعي عنه ، وقد أوضحت حال الربيعين في تهذيب الأسماء واللغات ، وهذا الجيزي بكسر الجيم وبالزاي منسوب إلى جيزة مصر ، وهو الربيع بن سليمان المصري الأزدي مولاهم توفي في ذي الحجة سنة ست وخمسين ومائتين ، روى عنه أبو داود والنسائي في سننهما وأبو جعفر الطحاوي وآخرون من الأئمة ، وكان عمدة عند المحدثين والله أعلم .

حصہ V01/P299–V01/P301

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جز الشعر من الحيوانات نظرت فإن كان من حيوان يؤكل لم ينجس لأن الجز في الشهر كالذبح في الحيوان ولو ذبح الحيوان لم ينجس فكذلك إذا جز شعره . وإن كان من حيوان لا يؤكل فحكمه حكم الحيوان ولو ذبح الحيوان كان ميتة فكذلك إذا جز شعره وجب أن يكون ميتة . + الشرح : في هذه القطعة مسائل إحداها : إذا جز شعرا أو صوفا أو وبرا من مأكول اللحم فهو طاهر بنص القرآن وإجماع الأمة . قال إمام الحرمين وغيره : وكان القياس نجاسته كسائر أجزاء الحيوان المنفصلة في الحياة ولكن أجمعت الأمة على طهارتها لمسيس الحاجة إليها في ملابس الخلق ومفارشهم ، وليس في شعور المذكيات كفاية لذلك وقالوا : ونظيره اللبن محكوم بطهارته مع أنه مستحيل في الباطن كالدم والله أعلم . الثانية : لا فرق بين أن يجزه مسلم أو مجوسي أو وثني ، وهذا لا خلاف فيه . الثالثة : إذا انفصل شعر أو صوف أو وبر أو ريش عن حيوان مأكول في حياته بنفسه أو بنتف ففيه أوجه ، الصحيح منها وبه قطع إمام الحرمين والبغوي والجمهور أنه طاهر . والثاني : أنه نجس سواء انفصل بنفسه أو بنتف . حكاه الرافعي وغيره لا يطهر إلا المجزوز ، لأن ما أبين من حي فهو ميت والثالث : إن سقط بنفسه فطاهر وإن نتف فنجس لأنه عدل به عن الطريق المشروع ، ولما فيه من إيذاء الحيوان فهو كخنقه ، حكاه القاضي حسين والمتولي والروياني والشاشي وغيرهم ، والمختار ما قطع به الجمهور وهو الطهارة مطلقا لأنه في معنى الجز ، وهو شبيه بمن ذبح بسكين كال فإنه يفيد الحل وإن كان مكروها ، وأما قول المصنف رحمه الله : وإن جز الشعر لم ينجس . لأن الجز كالذبح فربما أوهم أن الساقط بنفسه نجس ، وهذا الوهم خطأ ، وإنما مراده بالجز التمثيل لما انفصل في الحياة . فرع : قال البغوي : لو قطع جناح طائر مأكول في حياته فما عليه من الشعر والريش نجس تبعا لميتته . الرابعة : إذا جز الشعر والصوف والوبر والريش من حيوان لا يؤكل أو سقط بنفسه أو نتف فاتفق أصحابنا عل أن له حكم شعر الميتة ، لأن ما أبين من حي فهو ميت وحينئذ يكون فيه الخلاف السابق في شعر الميتة ، والمذهب نجاسته من غير الآدمي وطهارته من الآدمي . فرع مهم : قد اشتهر في ألسنة الفقهاء وكتبهم أن ما أبين من حي فهو ميت وهذه قاعدة مهمة ودليلها حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فقال : ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وهذا لفظ الترمذي وقال : هو حديث حسن قال : العمل عليه عند أهل العلم . فرع : إذا قلنا بالمذهب : أن الشعر ينجس بالموت فرأى شعرا لم يدر أنه طاهر أو نجس قال الماوردي : إن علم أنه من حيوان يؤكل فهو طاهر عملا بالأصل ، وإن علم أنه من غير مأكول فهو نجس لأنه لا طريق إلى طهارته ، وإن شك فوجهان بناء على اختلاف الأصحاب في أن أصل الأشياء على الإباحة أو التحريم ، وذكر مثل هذا التفصيل صاحب البحر ثم قال احتمالا لنفسه في نجاسة المأكول : لأنه لا يدري أخذ في حياته أم بعد موته وهذا الاحتمال خطأ لأنا تيقنا طهارته ولم يعارضها أصل ولا ظاهر . وأما قوله فيما إذا شك فوجهان ، فالمختار منهما الطهارة لأننا تيقنا طهارته في الحياة ولم يعارضها أصل ولا ظاهر ، فإنه لا يمكن دعوى كون الظاهر نجاسته ، أما احتمال كونه شعر كلب أو خنزير فضعيف لأنه في غاية الندور .

حصہ V01/P301

وأما قول صاحب المستظهري بعد حكاية الوجهين عن حكاية صاحب الحاوي : هذا ليس بشيء بل لا يجوز الانتفاع به وجها واحدا فمردود بما ذكرناه من النقل والدليل والله أعلم .

سوالات