Qur'an&Sunnah

Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri)

حصہ V01/P046–V01/P048

ولولا أن مع المؤمنين نفوسا شهوانية، إذا اطلعوا على ما لهم عند مليكهم من الرأفة والمحبة والرحمة والمجد الرفيع، فاستبدوا واجترأوا وأفسدوا سبيلهم ورفضوا العبودية - لكانوا يبشرون بذلك. ألا ترى من آداب الملوك، كيف يعاملون خدمهم؟ ترى الخادم يحل من الملك، من أجل أدبه وحظوه، محل الولد؛ فيكتم ذلك عنه ويطوي خبره وينقبض له، كي لا يفسد ولا تنقطع عنه هيبته. فإذا أدبه، وراض نفسه، وطالت صحبته فوض إليه أموره وأفشى عنده أسرارا لم يكن يطلعه عليها قبل ذلك. وأبدى له محبته، وأنزله من نفسه منزلة الأحرار. وإنما طوى الله العواقب عن المؤمنين نظرا لهم: كي لا تستبد نفوسهم ولا يأخذها الأشر والبطر بما أعطاهم من مننه. قال له قائل: أفيجوز أن يبشر الأولياء بحسن العاقبة؟ قال: أما أولياء الحق، فلا أحققه لأنهم لم يصلوا إليه. وإنما وصلوا إلى مكان القربة ومكن لهم على شريطة اللزوم، مخافة خيانة النفس. وأما المتصلون به، المحدثون فلا أبعده. قال له قائل: ولم ذلك؟ قال: لما قد ذكرت: فإنه لا يرد على قلوبهم إلا ما يورده الحق وتقبله السكينة. والسكينة هي مقدار من الله. وهو الذي قدر به حدود الكعبة لإبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله وسلامه عليه! حتى بنى على ظله. وهو الذي كانت بنو إسرائيل تعمل على كلامه من التابوت. (وقد) وصفه الله تعالى في تنزيله، فقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} أي: طمأنينة في قلوبهم مع طمأنينتهم بذلك من طريق الإيمان. وبالسكينة تطمئن القلوب للخير الوارد عليها. فيجوز (إذن) أن يبشروا (بحسن الخاتمة) وتطمئن قلوبهم بالبشرى. وأين قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. روي عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه قال: ((سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما سألني عنها أحد. فتلك البشرى، هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له))، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أن رؤيا المؤمن كلام يكلمه الرب تعالى لعبده في منامه)). فتأتي البشرى على قلبه في اليقظة، فإن القلب خزانة الله، وروحه يسري إلى الله تعالى، في منامه، فيسجد له تحت العرش، وقلبه يسير إليه فوق العرش في الحجب، فيلاحظ المجالس، ويناجي ويبشر. وفيه توحيده وإلهامه وفراسته وسكينته، وهو أثبت وأوكد. وإنما قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذكر المنام لأن النفس مزايلة للروح في ذلك الوقت، فلا تقدر أن تلقي فيها شيئا. والقلب الذي قد نال مجالس الحديث قد ماتت نفسه. وهو في قبضته أحصن وأوكد حراسة من الروح في منامه. ثم يرجع من حيث كان إلى عقله فيعرض عليه. وإذا ذكر (الرسول عليه الصلاة والسلام) الرؤيا عندنا، لأن الرؤيا أعم وأكثر. والقلب الذي في قبضته قليل في الخلق، لا يبلغ عددهم عدد الأصابع. وأين قوله عز وجل: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه؟} وهل البينة إلا ما انكشف عنه من الغطاء؟ وأورده الحق؟ فصار على بينة من ربه. وهل الشاهد الذي يتلوه إلا السكينة، التي ذكر الله تعالى في كتابه: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} فقد أخبر الله عز وجل، عن فعل السكينة في القلب: أن يزداد بها طمأنينة فإن الحق يقبله (القلب) والسكينة يسكن إليها. (الفصل الرابع عشر) (البشرى) قال له قائل: وما صفة الولي الذي هذه بشراه؟ قال: احفظ علينا حتى ينقضي ما نحن فيه! أن الله عز وجل، خلق هذا الآدمي وله قلب (هو) وعاء لتوحيده، ونفس (هي) وعاء لشهواته. والصدر ساحة القلب والنفس. ولكل واحد منهما باب شارع إلى هذه الساحة. وللنفس مشاركة مع القلب فيما يرد على هذا القلب في هذا الصدر. فما دامت النفس حية، في غطاء الشهوات لم تؤمن من أن تلقى من حديثها في القلب، كي يأخذ بحظها من البدن (فبالنبوة) انكشف الغطاء ولم يبق هناك شيء يحتجب. فماتت النفس وحيي القلب. فإن بشرت بالنجاة، لم يكن هناك نفس تضيق (تعيق؟) وتضر وتستبد.

حصہ V01/P048–V01/P051

والأولياء الذين أخذوا من أجزاء النبوة أكبرها، وهم المحدثون، قد قربوا من الأنبياء محلا (فإن بشروا بالنجاة لم يكن هناك نفس تضيق وتضر وتستبد. أما الذين) منعوا البشرى، نظرا لهم، فمن أجل ما بقي عليهم من حياة أنفسهم، لكي يقهروا هذا الخطر العظيم الذي ركبوا أهواله، (وهو) هذا الذي بقي في نفوسهم. فإذا رفع ذلك عنهم، ورفع عن قلوبهم حجاب البهاء والمجد والبهجة والجمال، فترددت قلوبهم في ملك الملك، وتراءى لهم من عظيم رحمته وسعة مغفرته، ولاحظوا عزه وجلاله وجوده - عاشوا في كنفه متبسطين إليه. فإن بشروا (حينئذ) جاز (ذلك لهم)، لأن عظمة الله قد ملأت صدورهم، ووحدانيته قد ملأت قلوبهم. وصفت أرواحهم فأخذت بقسطها من حظوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم! وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة من أجلة أصحابه، وعاشرهم فقال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة)). وقال في حديث آخر: ((وعبيدة بن الجراح في الجنة)). حدثنا بذلك أحمد بن عبد الله المهلبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، حدثنا عبد الرحمن بن حميد بن عوف، عن أبيه، عن جده: عبد الرحمن بن عوف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أبو بكر في الجنة .. .. )) وذكر مثله. وكان سول الله صلى الله عليه وسلم من أنصح الخلق لله تعالى في عباده، فهل بشرهم إلا بعد معرفته أنه لا تضرهم البشرى؟ وكلهم صديقون. والصديق الأكبر فيهم والفاروق والمحبوب، والشهيد والحواري والوصي والأمين. وكلهم أولياء وصديقون. فكذلك من بعدهم من المحدثين من الأولياء. قال له قائل: هذا خبر أورده الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيهم، فليس في هذا ريب. قال له: إني لم أحتج بهذا الحديث، لهذا الذي ذهبت إليه، إنما جئت به محتجا أنه بشرهم. فلو علم أنه تضرهم (البشرى) لطوى عنهم الخبر. أترى أنه لم يكن في أصحابه من أهل الجنة غير هؤلاء العشرة؟ بئس الظن هذا! إنما بشرهم وطوى عن غيرهم، لأنه لم يأمن على نفوسهم من هذا الخبر. والذين قربهم (الله) تعالى وأوصلهم (إليه) ذهبت الخيانات عن نفوسهم، وماتت شهواتهم، وحييت قلوبهم، فلم تضرهم البشرى. ألا ترى كيف وصفهم (الله تعالى) في تنزيله فقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}. فروي أن أبا قحافة نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه أبو بكر، رضي الله عنه، فصك صدره حتى وقع مغشيا عليه. ويقال: فيه نزلت هذه الآية وفي أبي عبيدة بن الجراح. وذلك أن الجراح سبب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمل عليه ابنه، أبو عبيدة فقتله. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه: يا أبت، لقد كنت وجدت إليك سبيلا يوم بدر. فصفحت عنك. فقال: أما أني لو وجدت ذلك منك لما صفحت عنك! وروي أن سرية مرت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لقوا العدو، نال بعضهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال رجل من الأنصار، لذلك العدو: لي أبوان فاذكرهما بما شئت من السب، ولا تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: فكأنما أغراه، فازداد سبا. فلم يصبر هذا الرجل، فحمل وحده عليهم، فألقى بنفسه بين أظهرهم فقتلوه. فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله عليه السلام، كأنهم توهموا أنه ألقى بيده إلى التهلكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فما ظنكم برجل لقي الله غدا منيبا فغفر له)).

حصہ V01/P051–V01/P054

فهذه صفة الأولياء، وهذا شأنهم في الظاهر. ((لا يخافون في الله لومة لائم)). يحبهم ويحبونه)) ((أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين)). أهل رقة ورأفة ورحمة؛ لا رقة ملق وخداع واستمالة. أعزة على الكافرين. أهل غلظة وحمية لله عز وجل؛ لا تحاسد ولا تجبر ولا صلف ولا استبداد)). ووصف الله تعالى أنه كتب الإيمان في قلوبهم، وحببه إليهم، وزين ذلك أيضا في قلوبهم. ثم قال: {وأيدهم بروح منه}. (فهؤلاء) أهل لأن يبشروا. قال له قائل: ولم ذلك؟ قال: لأن الكتاب من المنة، والكريم لا يرجع في المنة! (الفصل الخامس عشر) (الكتاب والروح) قال (له قائل): وما الكتاب؟ وما الروح؟ قال: كتاب رب العالمين، في قلوب خاصته، والروح هو الحق! قال: وما الحق؟ قال: اقتصر في السؤال على قدر طوقك لاحتماله، فإنما القلوب أوعية وكل وعاء. إنما يحتمل بقدره، فإذا حملته أكثر من ذلك انشق وفاض وكان فسادا. فليكن اقتصارك في شأن النفس حتى تطهرها فينشرح صدرك. ألا ترى إلى قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا} إلى قوله: {وكذلك يضرب الله الحق بالباطل}. فهؤلاء أولياء الله تعالى: {كتب في قلوبهم الإيمان} وجعل لهم متعلقا بقوله: {وأيدهم بروح منه} وأوجب لهم ((الرضى عنهم)) فقال: {رضي الله عنهم}. ووصفهم بأنهم أهل الرضى عنه فقال: {ورضوا عنه} ثم وصفهم بأنهم حزبه فقال: {أولئك حزب الله} فهم رجال الله في أرضه، الذابون عن أمره، الناصرون لحقه. وقال (عز وجل) في آية أخرى: {ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} وإذا ذكر الله المؤمن، فإنما يذكر المستكمل الإيمان. فصيره مستمسكا {بالعروة الوثقى لا انفصام لها}: (أي): لا ينفصل من وليها. قال له القائل: وما العروة؟ قال: حق علي أن أؤخرها حتى أجد لها موضعا، فإنها حكمة الحكمة! قال له القائل: فيجري! وأحتسب تعطفا! قال: نعم، سل مفتقرا إلى ربك. قال: ما العروة الوثقى؟ قال: جلال الله تعالى، لا انفصام لها من الله. فلما أبداها في صدور الأولياء والمحدثين، وأشرق نور الجلال فيهم علقت قلوبهم به؛ فهامت في جلاله، ولهت عمن سواه، واشتغلت به. فهم المستمسكون بالعروة الوثقى، التي لا تنفصم من مبدئها. وأيدهم (الله تعالى) بروح الجلال فتعلقت بذلك التأييد بجلال الله تعالى! وأتلفت قلوب الأولياء حتى صارت كلها على قلب رجل واحد. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، قلوبهم على قلب رجل واحد)). وإنما صاروا هكذا، لأن قلوبهم لهت عن كل شيء سواه، وتعلقت بمتعلق واحد: فهي كقلب واحد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، فيما يذكر عن ربه، عز وجل: ((وجبت محبتي للذين يتحابون لجلالي ويتصافون لجلالي!)). وهم الذين قال الله، عز وجل، عنهم في تنزيله: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} وروح الجلال أعظم شأنا من أن يوصف. فإذا وجدت قلوبهم نسيم روح الجلال، كادت تطير من أماكنها شوقا إليه، وهم محبوسون برمق الحياة، وصاروا في اللقاء يهش بعضهم إلى بعض؛ يطفئون حرقة الشوق باهتشاش بعضهم إلى بعض، ائتلافا وتبسما وتلذذا. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ، لما ذكر العلماء: ((بروح ائتلفتم، وكتاب الله تلوتم، ومساجد الله عمرتم، أحبكم الله وأحب من يحبكم)). ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا التقى المؤمنان وتصافحا تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحاتت ورق الشجرة اليابسة)). فهذه صفة الأولياء. حدثنا ابن أبي ميسرة، حدثنا إسماعيل بن عيسى بن سورة، حدثنا عبد الله بن الحسين، قاضي البصرة، حدثنا سعيد بن إياس الحريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا التقى المسلمان كان أحبهما إلى الله تعالى أحسنهما بشرا بصاحبه. فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة: تسعين منها للذي بدأ بالمصافحة، وعشرة للذي صوفح)). فإنما استوجب صاحب البشر والمصافحة لما في قلبه من هذه الأشياء، التي وصفنا.

حصہ V01/P054–V01/P056

وقال عز وجل، في شأن موته (الولي): {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم}. وحدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي الأشجعي، عن هارون الأعور، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: ((فروح)) بضم الراء، وهو الروح. ومن قرأ بفتح الراء فمرجعه إلى هذا، لأن ذلك الروح له روح يكشف عنه كرب الموت وجهده وغمه وضيقه، و((ريحان)) يدفع عنه غصة الموت ومرارته. فهذا ((للمقربين)) وهم أولياء الله. {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} فليس هو من المقربين في شيء. فقد أخبر الله تعالى أنهم قد تعلقوا {بالعروة الوثقى} التي {لا انفصام لها} وهو قوله: {وأيدهم بروح منه} والتأييد هو أن يجعله لقلبه زماما متعلقا به. فعبد له من الله تعالى كل هذه الحظوظ، إن بشره بفوز العاقبة ماذا يضره (ذلك)؟ وقد بينا أن البشرى إنما كانت ممنوعة من أجل الضرر، وقلب هذا (الولي) في قبضته، به ينطق به ويسمع وبه يبصر وبه يعقل فلن تضره البشرى. (الفصل السادس عشر) (تفكير عامة المؤمنين وتفكير خاصة الأولياء) فسائر الموحدين بعقولهم يعقلون الأمور، وهو (الولي المقرب) بالله يعقل. فلو عقل هذا، الذي الكبر في صدره، ما قال قوله: (كيف) يعقل بالله؟ ولعلم أن الذي ذهب إليه جهل كبير. ولقد قصر بأمر الأولياء. وما أظن أنه ينجو من هذا حتى يرديه مذهبه. وهو يرى في نفسه أنه يعظم أمر الله بتحقير أمر الأولياء: فإذا هو يبني من جانب ويهدم من جانب آخر ما يبني، حتى يقتل نفسه تحت الهدم! وهذا (المنكر) شبيه بأمر ذلك المخذول (المعطل): ما زال ينزه ربه حتى نفاه. والمخذول الآخر (المشبه): ما زال يثبت الصفات له، ردا على الآخر، حتى شبهه بخلقه. فهذا كله من ظلمة نفوس أقوام لم يتطهروا من دنس القلوب، ولم يروضوا أنفسهم حتى يتخلصوا من حجبها. وانخدعوا لها، ووجدوا شيئا من روح هذا الطريق فقعدوا. وبسطوا بساط الطبيب (المنتحل للطب) الذي يعترض ممر الناس ببيع الأدوية، يصفها للناس بكلام منظوم، قد أعده لهم، لتأخذ دوانقهم، وهو خلو من علم الطب. فإذا تعرض له الحاذق بالطب وبعلم الطبائع (واختبره) تحير (أمامه وانقطع). فهذه الطبقة التي يكبر في صدورهم بلوغ الأولياء هذا المحل من ربهم، فيدفعون هذا لجهلهم، لا يعلمون أن لله عبادا غرقوا في بحر جوده، فجاد عليهم، بكشف الغطاء عن قلوبهم، عن عجائب! وأطلعهم من ملكه ما نسوا في جنبه كل مذكور، حتى تنعموا به في حجبه الربانية. قال له قائل: قد فهمت عنك ما شرحت، (ولكن) كيف عجز هؤلاء الذين دفعوا هذا الأمر، كما ذكرت؟ قال: لإعجابهم بصدقهم، وإكبابهم عليه وانقطاعهم عن منن الله تعالى. وكيف يعرفون مننه، وهم مشغولون بنفوسهم ودواهيها؟ ومتى يصلون إلى قرب الله تعالى، وهذه أحوالهم؟ فهم في غفلة عن الله، وفي عمى عظيم. إنما شغلتهم نفوسهم، فمرة مشغولون بقمع النفس وردها عما تريده، ومرة مشغولون بشهوة قد خدعتهم نفوسهم فيها، حتى دستهم في التراب وهم في غرة. قال له قائل: مثل ماذا؟ وصف لنا منه شيئا. قال أحدهم: يخطر بباله شيء مما قد حظر عليه. فتنازعه نفسه. فيجاهدها حتى يردها، لأنه محرم عليه. فهو مشغول في ذلك. ثم تخدعه نفسه في ميلها، مما قد أذن لها فيه. فتزين له ذلك حتى تجره إلى الذي حرم عليه. فهو لا يزال كذلك، شأنه في السمع والبصر واليد والرجل والبطن، حتى إذا صارت الجوارح ذات تهمة كتمت النفس القلب ذلك. فإذا خافت النفس أن يشعر القلب بهذا، فينكر عليها ويأخذ بيدها - وثبت إلى منطق حسن، (مما) يوعظ الناس (به)، ووثبت إلى المحراب تأخذ في العبادة، وتموه على القلب وتزكي جوارحها لديه، فإذا كانوا (منكرو أحوال الأولياء) بهذه الصفة، فمتى يصلحون لمكان القربة، فضلا عن مطالعة شأن الملكوت وقرب الله تعالى ونجواه؟

حصہ V01/P056–V01/P058

وعامة نجوى هؤلاء وسوسة وخدعة للنفس. فإذا ذكر شأن الأولياء، قدروا أحوالهم على ما يرون من أمور نفوسهم. فكذبوا نعم الله تعالى، ودفعوا مننه، وجهلوا أمره، فهذا من أعظم الفرية على الله تعالى. قال له قائل: فإن بعضهم احتج بقوله تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} وقال: إن الأمن (من مكر الله) أول ضلال هذه الطبقة، وهذا يؤدي إلى الزندقة. وقال الله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون} وأن الولاية والمحبة والسعادة والشقاوة غيب عند الله تعالى، لا يعلم إلا هو، وزعم أنك ناظرت يحيى بن معاذ في ذلك حتى بقي متحيرا. وأن هذه الطبقة تقدم نفسها على الأنبياء. قال له: أما قوله تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} فهذا قول الله، لا ريب فيه ولا في قبوله. وهو أنه لا يعلم ما حاله عند الله تعالى. فإن أمن فهو خاسر جاهل. كأنه حكم على الله من غير أن يحكمه. فأما من بشره (الله) فرد بشراه فقد اجترم، كما اجترم ذلك الآخر. فهذا من هذا الوجه، وذلك من ذلك الوجه. فحق على من لا يعلم، أن لا يأمن. وحق على من أمن أن يأمن، فليس الأنبياء، عليهم السلام، كانوا يأمنون (من أنفسهم)، (ولكن) لما أمنوا أمنوا. والأنبياء لهم عقدة النبوة، والأولياء لهم عقدة الولاية. (الفصل السابع عشر) (عقد الولاية وعقد النبوة) قال له قائل: (وما عقد النبوة؟) وما عقد الولاية؟ قال: ولي الله الأنبياء: بأن أخذهم من نفوسهم إلى محل النبوة وكشف الغطاء. وولي هذا الصنف من الأولياء: بأن أخذهم من نفوسهم إلى محل الولاية وكشف الغطاء. فهؤلاء في عقدة وهؤلاء في عقدة: فلا يأمنون حتى يؤمنوا. وسائر الخلق، من الموحدين، في عقدة التوحيد، يتطلعون بقلوبهم (إلى) ما عنده. وذانك الصنفان (في عقدتي النبوة والولاية) ينجذبون بقلوبهم إليه. فالذين عندهم ينالون مما لديه؛ وعقد قلوبهم هناك. والعامة من الزهاد والعباد والمتقين والمخلصين، ينالون مما ألقى إليهم في أرضهم: فهم أرضيون وأولئك عرشيون. هؤلاء نفسيون، وأولئك قدسيون. هؤلاء عبيد النفوس؛ وأولئك عبيد الجواد الكريم! وهؤلاء (هم) الذين قال (عنهم) عيسى ابن مريم، عليه السلام، في خطبته: ((فلا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء)). فالعبيد الأتقياء. عبيد النفوس، لم يفتح لهم الباب فبقوا مع مجاهدة النفوس، فهم الأتقياء. والأحرار الكرماء: (هم) الذين أعتقوا من رق النفوس، بما فتح لهم من الملكوت. قال الله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} فهؤلاء أهل اليقين. قال له قائل: من أي طريق يؤمنون؟ قال: من طريق ما أخبرتك: الأنبياء، من طريق الوحي، أورده عليهم فقبلوه بالروح؛ والأولياء من طريق الحق، أوردهم على قلوبهم فقبلوه بالسكينة. ولم يقبلوا شيئا خالف الشريعة. وإما قبل (الأولياء) بشراه، بعد أن أعطاهم الله تعالى طهارة القلوب، وعلم التوحيد، ومعرفة الآلاء. فاطلع قلوبهم ملكا ملكا، وقطع لهم من كل ملك حظا. وأوصلهم إلى نجواه ومجالسه القدسية. وأمات نفوسهم عن جميع الشهوات: دنيا وآخرة. فامتلأت قلوبهم من عظمة الوحدانية! فأنى يستفيقون لذكر النفوس؟ فإذا أماتهم (الله تعالى فهم) لا يلتفتون إلى طلب فائدة أو علم أو حكمة حتى يكون هو الذي يفيدهم ويدلهم. ولا يلتمسون رياسة ولا ميل الخلق إلى ما جاؤوا به حتى (لا) يصير الالتفات حجابا لهم عن خالقهم. وبعد هذه الأشياء، بشروا بفوز العاقبة. فلو لم يكن في قلوب (الأولياء) إلا حسن الظن بعطاء (الله) لكان تحقيق ذلك: الخبر على قبولهم. فكيف بالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال وعجائب (مطوية) في قلوبهم؟ (ف)كلها محقق ومصدق هذا الخبر. ثم السكينة تلقي الخبر (في القلب) فيقبله (القلب). ف(كيف) يمكنه (الولي) رده (خبر البشرى)؟ (الفصل الثامن عشر) (منكروا أحوال الأولياء)

حصہ V01/P058–V01/P060

وهذا الذي يدفع (مثل) هذا، لا يعلم من هذه الأشياء إلا أسماءها. ولا يعلم صنع الله على القلوب. وهم مقرون بهذه الأسماء، فلو علموا ما هذه الأسماء التي ذكروها وما أفعالها على القلوب - لكانوا لا يحتجون بمثل هذه الحجج. فهم يقولون: حكمة حكمة! وفراسة، فراسة! وإلهاما إلهاما! وليس عندهم وراء هذا شيء. ألا ترى أنك تجد في مسائلهم أنهم يقولون: ما الفرق بين الوسوسة والإلهام؟ وليت شعري هل يعرفون قصة الإلهام وقذفه وصفته؟ من أين، وكيف، ومتى يكون؟ فكذلك هان عندهم شأن الإلهام! وقد بلغ من سلطان الإلهام، ما بلغنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، نطق على المنبر، على الإلهام: ((يا سارية بن حصين، الجبل، الجبل)). فسمع الجيش كلمته في ذلك، وهم منه على مسيرة شهر، كما روي في الخبر. فانحازوا إليه، وأعانهم الله بذلك النداء. فالمحدث حديثه فيما بينه وبين ربه. فإذا صار (المحدث) إلى أمور الغيب، قذف إليه الخبر مع شعل الأنوار. فلولا أن ذلك القذف موسوم بالرحمة لذابت له الجبال، من هول السلطان الذي معه. فإذا صار (المحدث) إلى الفراسة، نظر بنور الله التام، فنفذ بصره فيما لم يخلق بعد. وكل هذا كان موجودا في عمر، رضي الله عنه، ألهم حتى نادى: ((يا سارية الجبل))، من مسيرة شهر. وتفرس في الأشتر، حين دخل عليه، حدثنا بذلك يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا بشر بن الحارث، عن سعيد بن عمر بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: ((دخلنا على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مع وفد مذحج. فنظر إلينا، حتى انتهى إلى مالك الأشتر. فصعد فيه النظر وصوبه، ثم قال: أيهم هذا؟ قلنا: مالك ابن الحارث. قال: قاتله الله! إني لأرى منه للمسلمين يوما شرا عصيبا)). وهذه وصمة عظيمة شديدة عند العقلاء. تدل على أنهم في صدقهم مدخولون، حسدة، بغاة؛ حب الدنيا في قلوبهم مشحون. يكبر في صدورهم أن يترأسهم أحد. فيقصدون قصد منن الله تعالى فيدفعونها. فعلماء الظاهر يدفعون كرامات الأولياء: من نحو المشي على الماء، وطي الأرض. فينكرون هذه الأخبار، ويقدرون ذلك من تلقاء أنفسهم. ويزعمون أن تلك (الكرامات) من آيات المرسلين، (الخاصة بهم وحدهم). فإن أثبتنا ذلك لمن دونهم، أبطلنا حجج المرسلين. وما أبعد ما وقفوا معه، فلم يميزوا بين الآيات والكرامات، ولم يعلموا أن الكرامات من كرمه والآيات من قدرته. فلم يقروا بالكرامات ليأسهم من هذه الكرامات، لما هم فيه من الأدناس والتخليط. وهؤلاء القراء، أعني المدعين للصدق، يدفعون ما وصفنا من شأن المحدثين والملهمين، الذين هم خاصة الأولياء. يقدرون ذلك من تلقاء أنفسهم، ويزعمون ((أن هذا لا يكون. وما وجدت علة (ل) هذا الذي دهاهم، حتى أنهم أنكروا (كرامات الأولياء). إلا أنهم قدروا هذه الأمور على ما رأوا من حظوظ نفوسهم منه (الله تعالى). فإنما حظهم منه التوحيد، ثم الجهد في وفاء الصدق، ثم الصدق في الجهد حتى ينالوا شيئا من القربة. وهم في عمى عن علم منن الله تعالى، وحظوظه لخاصته، ومحبته إياهم ورأفته لهم. فإذا سمعوا بشيء من هذا تحيروا وأنكروه. ثم هم يروون الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم وقربهم من الله، عز وجل!)). و((ليتمنين اثنا عشر نبيا أنهم كانوا من أمتي))؛ ((لو أقسمت، لبررت، أن لا يدخل قبل سابقي أمتي الجنة إلا بضعة عشر منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومريم ابنة عمران)). فإذا رأوا هذه الأخبار سمحوا، وإذا صاروا إلى الإشارات وإلى المنصوص من الناس جحدوا. فهل هذا إلا من الحسد؟ فصار مثالهم في هذا، كما قال الله تعالى في تنزيله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} كانوا يتحدثون فيما بينهم بمبعث نبي يخرج على دين إبراهيم، خليل الرحمن، صلوات الله عليه، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ، جحدوه. قال له قائل: أليس في هذه الأخبار ما يدل على تفضيل من دون الأنبياء على الأنبياء؟

حصہ V01/P060–V01/P063

قال: معاذ الله أن يكون كذلك! (فإنه) ليس لأحد أن يفضل على الأنبياء أحدا لفضل نبوتهم ومحلهم. قال (له قائل): هلم فيغبطهم النبيون وليسوا بأفضل منهم؟ قال: قد فسره في الخبر، وذلك: ((لقربهم ومكانهم من الله)). فأما قوله (المنكر لأحوال الأولياء) محتجا (بقوله تعالى): {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} فهل يدري قائل هذا القول، ما المكر، ليحتج به ههنا؟ وتفسير المكر أغمض من أن يفهمه صاحب هذا الكلام. فالأنبياء والرسل لم يأمنوا المكر بعد البشرى. وليس المكر عندنا ما يعقله العامة، (أعني المكر الذي) هو خوف التحويل؛ فذلك غير حاصل، (فإنه) إذا أمن وبشر أمن من المكر. وأما المكر الذي لا يجوز أمنه فأعظم شأنا من (أن يفسر أو يوضح هنا). وأما قوله: أن هذا يؤدي إلى الزندقة، فليت شعري هل يدري ما الزندقة؟ أو سمع الناس يذكرون اسما قبيحا (فطفق يردده كالببغاء!) فكل من تحرك يريد التشنيع على غيره، يقول: هذا زندقة! فلو قال الآخر: بل الذي في يدك زندقة، لأنك تزعم أنك تعبد الله وأنت تعبد نفسك وهواك. ونفسك صنم بين يديك، وأنت معني بها فماذا تقول له؟ وأما قوله: {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} فعلم الغيب عند الله. وكم من غيب اطلع عليه رسوله! فأية حجة في هذا؟ وإنما يريد أن يروج بمثل هذا على الأغبياء. وكم من غيب اطلع الله عليه أهل الإلهام حتى نطقوا به، وأهل الفراسة! ولم قال أبو الدرداء، رضي الله عنه: ((اتق فراسة المؤمن، فإنها، والله، حق يقذفها الله في قلوبهم وأبصارهم))؟ ومن أين قال سلمان رضي الله عنه، للحارث صاحب معاذ: ((عرف روحي روحك))؟ ومن أين قال أويس القرني: ((وعليك السلام، يا هرم ابن حيان؟)) قال: ((ومن أين عرفت أني هرم بن حيان))؟ قال: ((عرف روحي روحك)). فهذا عمل الروح، الذي ليس له من حظوظ القلب ومحله ومصيره إلى العلا شيء - فكيف بالقلوب التي وصفنا؟ أليس هذا الذي تكلم به أويس من الغيب، ولم يعرفه قط؟ أليس قد اطلع عليه؟ وقول عمر، رضي الله عنه، للأشتر: ((إني لأرى للمسلمين منه يوما شرا عصيبا))؟ وقوله: يا سارية، الجبل!)) وهو على المنبر. ومثل هذا أكثر من أن يحصى. وقول أبي بكر، رضي الله عنه، لعائشة، رضي الله عنها: ((إني كنت نحلتك جدار نحل بالعالية. ولم تكوني حزته، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخوك وأختاك)) فقالت له: يا أبت، إنما لي أخت واحدة. فقال: إني ألقي في روعي أن الذي في بطن بنت حارثة (هو) بنت: قالت: فولدت ابنة! أفليس قد حكم (أبو بكر) بما ألقى في روعه، فقال: ((فإنما هما أختاك))؟ فأثبت بالقول أن الذي في بطنها من ولده وأنها بنت. أفليس هذا غيبا قد اطلع عليه من طريق الحديث أو من طريق الإلهام؟ ويقال لهذا الزاعم: أن الغيب على وجوه. فهل علمت أي غيب هذا (الذي يعنيه الله في قوله): {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}. وقال في آية أخرى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول}. ثم نجد في الأنبياء من ليس برسول، وقد أظهره الله على غيبه من طريق الوحي. (فهناك) غيب عنده (تعالى) يكاد يخفيه من نفسه: وهي الساعة. وغيب أظهره عند المحدثين والأولياء. فهل ميزت بين هذه الأشياء؟ أم أنت في خرف وعجرفة؟ سمعت باسم الغيب (فذهبت) تكرر آية من عرض القرآن محتجا بها! فما لك يا مسكين، والتعرض لحرمة الأولياء؟ أنت رجل عبد نفسه. لم تتخلص من غمة الهوى، فضلا عن الهوى. ولكن هواك راجع إليك. فأنت، في علائق النفس والوساوس، مأسور، فاحذر أن تدخل في منازل الأولياء وكلامهم، فأنت لست من علمهم في شيء! (الفصل التاسع عشر) (الولاية والسعادة والمحبة)

حصہ V01/P063–V01/P064

وأما قوله: الولاية والسعادة والشقاوة غيب لا يعلمه إلا الله - أفليس قد أعلم الله تعالى كثيرا من عباده ذلك؟ وأعلم الله، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، كثيرا من عبيده بشقاوتهم وسعادتهم، مثل أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، حيث شهد لهما بالجنة؟ فإذا كانت الولاية من الله تعالى حقا لعباده، فبشراه لهم حق (أيضا) ولكن صاحب هذا القول خلو من هذا العلم. فهو يحسب أن الولي هو الذي يصير نفسه وليا بصدقه. وهذا حمق! كأنه لم يتنبه لقوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}. ويقال له أيضا: أليس قد اطلع الله مريم على الغيب من أمر عيسى، عليه السلام؟ فلما تعجبت، وقالت: {أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} قيل لها: {كذلك قال ربك} فعندئذ سكتت واطمأنت. فأثنى الله عليها في تنزيله، فقال عز من قائل: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} فإنها لم تسأله آية على ما بشرت، فأثنى الله عليها وسماها في تنزيله {صديقة} أليس قد وجدت رزقا، فقالت: {هو من عند الله} أليس قد وجدت شيئا لا يعرف في الدنيا ذلك الوقت؟ وجدت فاكهة الصيف في الشتاء. فكان يكون ذلك ممكنا أن يكون الشيطان يحمل إليها سرقة، من عند الآدميين. فهل سبق إلى قلبها قط، إن هذا لعله من الشيطان، يريد أن يخدعها بمثل هذا؟ أليس قد اطمأنت إلى ذلك وقالت: {هو من عند الله}. فإن قال: إن الذي خاطب مريم، عليها السلام، بمثل هذا الخطاب، من ((الغيب)) ملك. قيل له: فإنها لم تر الملك، إنما سمعت النداء، فأي شيء حقق عندها أن ذلك النداء من الملك؟ فحديث الملك، من حيث لا يرى، أبعد أم كلام الله على قلب العبد إذا ألقى إليه حديثا؟ وهو قول داود لابنه، عليهما السلام: ((يا بني، ما أحلى شيء، وما أبرد شيء، وما ألين شيء؟ قال: أما أحلى شيء فكلام الله عز وجل، إذا قرع أفئدة الأولياء، وأما أبرد شيء، فروح الله تعالى بين المتحابين في الله. وأما ألين شيء، فحكمة الله تعالى إذا بشر بها أولياءه)). حدثني بذلك أبي رحمه الله، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري عن صباح بن وافد الأنصاري، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما)). ويقال له أيضا: ما قولك في محدث، بشر بالفوز والنجاة فقال: رب، اجعل لي آية تحقق لي ذلك الخبر الذي جاءني لينقطع (الشك والاعتراض) فقال: آيتك أن أطوي لك الأرض حتى تبلغ بيتي الحرام في ثلاث خطوات. واجعل لك البحر كالأرض تمشي عليه. كيف شئت. واجعل لك التراب والجو في يديك ذهبا! ففعل هذا. هل ينبغي له أن يطمئن إلى هذه البشرى، بعد ظهور هذه الآية أم لا؟ فإن قال: لا، فقد عاند واجترأ على الله وحلت به دائرة السوء. وإن قال: نعم، فقد ذهب قوله واحتجاجه الظلماني! ولا ينكر هذا إلا حاسد لنعم الله وتقديره، محب للدنيا، كاتم للمحبة، مظهر للزهو معجب بنفسه. وقد سترت نفسه المخادعة له هذه الأشياء، فهو لا يراها من نفسه. ويحسب أنه يذب عن الحق بقوله، وغيظه في صدره يتلظى. ولا يعلم أن هذا غيظ الغيرة والحسد، وإنه لا يصل بجهده إلى هذا. فهو يغتاظ ويحنق على من أوصله الله تعالى، من طريق المنن والمشيئة حتى يؤديه (ذلك الغيظ والحنق) إلى تكذبيه ورميه بالزندقة. فإذا هو كما قال (الله تعالى لموسى عليه السلام): ((يا موسى، لا تحسد الناس على ماء آتيتهم من فضلي فإن الحاسد عدو لنعمتي، ساخط لأمري، مضاد لقضائي)).

حصہ V01/P064–V01/P066

فهذا المسكين، في الباطن يسخط قسمة الله تعالى، ويضاد قضاءه. ويعادي نعمه. وهو يحسب أنه يذب عن الحق وينكر الباطل. ويقال له: ما قولك في عمر بن الخطاب، رضي الله عنه؟ فإنه كانت رجفة عظيمة في عهده فقال: ((ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم! والله، لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم)). فبأي شيء عرف عمر، رضي الله عنه، أن هذه الرجفة معاتبة (من الله) لهم دونه؟ هل عرف هذا الأمر إلا من قبل ما وصفنا؟ وإلا فكيف استجاز أن يبرئ نفسه من الحدث والمعاتبة، فيقول: ((لأخرجن من بين أظهركم))؟ (الفصل العشرون) (الولي والخطيئة) قال له قائل: فما حال هذا الذي تصفه بهذه الصفة في وقت المقدور عليه من المعصية؟ قال: حاله لا يوصف. قال: وكيف لا يوصف. قال: لأني لو وصفت، لم أصف جزءا من عشرة آلاف مما يحل لصاحبه هذا، إذا وقع في المقدور عليه من الخطيئة ثم انتبه منها. فكل شعرة منه تصرخ إلى الله تعالى ندما. وكل عرق يئن إليه ألما. وكل مفصل منه يتطاير هولا وذهولا. ونفسه دهشة. وقلبه هائم. فإذا لاحظ جلاله، كادت نفسه تزهق. وإذا لاحظ محبته، اشتعل نارا فأحرقت مصارينه. ويكاد كيده يتقطع. ولكأن مصائب الدنيا كلها تراكمت على صدره. لا يطمأن إلى شيء حتى يكون الله هو الذي يرحمه فيرفه عنه ذلك. ولا يزال هذا كيا على قلبه. فمتى يزول عنه أثر ذلك الكي؟ كلما نظر إلى أثر هذا الكي، فاضت عبراته، وجعا وحياء، حتى يعطف الله عليه، فيطمس ذلك منه. قال له القائل: إنك لتصف أمرا على غير سبيل ما أشار إليه يحيى بن معاذ، رحمه الله. قال: رحم الله يحيى بن معاذ! قد عرفت مكان يحيى من هذا الأمر. كان يحيى رجلا من أولياء الله، ممن له حظ في هذا الأمر. ولكن الله عز وجل، فتح له في الغيب من ملك الجمال؛ وملك البهجة مقرون بملك الجمال. فكان إياه يلاحظ، وعنه ينطق؛ وكذلك الشيوخ الذين صحبهم. وصاحب هذا المحل، الأنس غالب على قلبه. والمأنوس منبسط. ويخرجه انبساطه إلى الإدلال. فإن لم يعصمه الله ويؤيده سقط. لأن الجمال يذيبه فيفقده. والبهجة تجيش فترمي به. مثله كمثل قدر فيها من كل شيء من الأطايب؛ ومن تحتها لهب النار. فإذا اشتد غليان القدر؛ جاش بما فيها فرمت بأطايبه ودسمه. وفي هذا المقام يسقم القول. ومن أراد الله به خيرا، قدمه من ملك الجمال، إلى ملك الجلال إلى ملك الكبرياء إلى ملك الهيبة، حتى يقدمه إلى ملك الملك؛ إلى ملك الفردانية. فهيهات أن يخطر ذلك الكلام ببال المقدم وذكره! وقد عرفنا ذلك القول، وهو قول سقيم، غير مقبول ممن قاله، وإن كان له حظ من الولاية. وأجمل لك القول: إنما انتخب الله الولي، وبلغ به هذه المنازل، وليجعله حجة على أهل الموقف، وليرى الملائكة عيب قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} لما قال: {إني جاعل في الأرض خليفة} {إني أعلم ما لا تعلمون} فأراد لمثل هذا الولي أن يجعل أحواله جلية على أعين الملائكة وحجة على الخلق، لا ليجعله عبرة في الذنوب. ثم قال له: ارفع بال الذنوب عن قلبك، فهذه وسوسة الشيطان، وإياك أن تصغي أذنك إلى هذا القول. فأي حبيب له صدق المحبة في قلبك (وأنت) تجهد نفسك على مخالفته؟ فإن بدت منك جفوة، لا تسخو نفسك أن تستقر حتى تعتبه، ومثل هذا يقلقك في الآدميين. وكيف تتهنى بطعام أو بشراب قبل أن تعتب الكريم الجليل؟ فإنه لو لم يرفع ذلك (ذكرى المعصية) عن قلبك، بلطف رحمته، بعد حين وبعد -ما احترقت في حبه- فكيف تجد القرار؟ (الفصل الحادي والعشرون) (الولي والأسرار الإلهية) واعلم أن من أراد الله هدايته، واكتنفته رأفته ورحمته، ومنحه طريق محبته - فسبيله إذا فتح عليه هذا الطريق أن يرزقه خشيته.

حصہ V01/P066–V01/P068

وإنما برزت الخشية من العلم به؛ فإذا علمه القلب خشيه. وإنما ينال العلم من الفتح؛ فإذا فتح الله له، شاهد الأشياء ببصر قلبه: فعلمه، فخشيه. وإذا التزم القلب الخشية حشاه (الله) بالمحبة. فيكون بالخشية معتصما مما كره الله سبحانه، (مهما) دق أو جل. (ويكون) بالمحبة منبسطا في أمور، ذا شجاعة. فلو ترك (الله العبد) مع الخشية، لانقبض وعجز عن كثير من أموره. ولو تركه مع المحبة وحدها، لاستبد وتعدى: لأن النفس تهيج ببهجة المحبة. ولكنه، تبارك اسمه! لطف به: فجعل الخشية بطانته، والمحبة ظهارته حتى يستقيم به قبله. فيرى التبسم والانطلاق والسعة في وجه (العبد) وأموره، وذلك لظهور المحبة على قلبه؛ (ومع ذلك، في داخله) أمثال الجبال خشية! فقلبه خاشع، ووجهه منطلق. ثم يرقي (الله العبد) إلى مرتبة أخرى، وهي الهيبة والأنس. فالهيبة من جلاله والأنس من جماله. فإذا نظر إلى جلاله هاب؛ وإذا نظر إلى جماله انبسط وطاب. فلو تركه (مع الجلال)، لعجز عن أموره: كثوب ملقى أو جثة بلا روح. ولو تركه (مع الجمال) لجاشت نفسه وتعدت. فجعل (الله تعالى) الهيبة شعاره والأنس دثاره حتى تستقيم له نفسه! ثم يرقيه (الله) إلى مرتبة أخرى، وهي مرتبة الانفراد: مرتبة القربة العظمى. فمكن له (عز وجل) بين يديه، ونقاه بنوره، وفتح له الطريق إلى وحدانيته، وأطلعه على بدء الأمر من قوله: {الظاهر والباطن} وأحياه بنفسه واستعمله. فبه ينطق هذا العبد، وبه يعقل، وبه يعلم، وبه يعمل. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يحكيه عن ربه: ((فإذا أحببت عبدي كنت فؤاده، فبي يعقل. وسمعه وبصره، فبي يسمع ويبصر. ويده فبي يبطش)). فهذا سيد الأولياء، وأمان أهل الأرض، ومنظر أهل السماء. وخالصة الله، وموضع نظره. وسوطه في خلقه؛ يؤدب بكلامه، ويرد الخلق إلى طريقه، ويجعل منطقه قيدا لقلوب الموحدين، وفصلا بين الحق والباطل. فهذا من الصنف الذين اجتباهم بمشيئته: لا من الصنف الذين ولي هدايتهم بإنابتهم. فإنهم قد ذكروا في الكتاب، فقال، عز من قائل: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فالمجتبي هو عبد قد جذب الله تعالى قلبه إليه، فلم يعان جهد الطريق، وإنما جذبه على طريق اصطفاء الأنبياء. لأن حاله هذه، خرجت له من المشيئة. فأجراه (الله) على خزائن المنن. ثم أخذ بقلبه فجذبه إليه واصطفاه. فلم يزل يتولى تربيته، قلبا ونفسا - حتى رقي به إلى أعلى درجات الأولياء، وأدناه من محل الأنبياء بين يديه. وأما المهتدي بالإنابة، فهو عبد أقبل إلى الله تعالى يريد صدق السعي إليه، حتى يصل إليه. فبذل أصدق الجهد، فهداه (الله) إليه لما كان منه من الإنابة. فهذا عبد، جهده نصب عينيه أبدا؛ وهو حجاب له عن ربه، عز وجل! وإن سبق لظنه أن هذا منة، ونطق بلسانه وتبرئ من جهده - فإن جهده نصب عينيه، لا يخرج علم ذلك من نفسه. والمجذوب لم يعان شيئا من هذا: فهو على اصطفاء الأنبياء، يمر إلى الله والله يذهب به. وهو لا يهتدي لشيء من الطريق، فهو صاحب الحديث والمبشر والمستعمل. فلا شيء يتعاظم عنده من هذه الأقوال. (الفصل الثاني والعشرون) (المهتدي والمجتبي) وقد كان عندنا قوم يتكلمون في هذا النوع من العلم، على التوهم والمقاييس. وبلغ من جهلهم أن قالوا: إن هذا الواصل إليه (إلى الله) على طريق الجهد، أقل خطرا في السلب من هذا الذي أعطى من غير جهد. وذلك أن الذي أعطى على جهد، صير (الله تعالى) ذلك الوصول ثوابا لجهده. وإذا أثاب الله العبد على شيء لم يرجع فيه. وهذا الذي أعطي على غير جهد، هو عبد مبتلى، وامتحن بالشكر: فهو غير مأمون أن يسلب، وخطره في السلب أعظم. فتعجبت من جهلهم حيث جعلوا الوصول إلى الله تعالى عوضا من جهة العبد. فعرفت أنهم أصحاب مقاييس، لا يعرفون ما الوصول، ولا قدر الوصول. وهل وصل أحد إلى الله عز وجل، إلا بالله؟

حصہ V01/P068–V01/P070

فيزعمون أنهم إنما وصلوا بجهدهم. وكذبوا، والله! (فإنه) ما وصل أحد منهم إلى الله، عز وجل، إلا بالله. ولقد كذبهم غيري؛ فإن المؤمن يغار لله. فلقد ازدروا شأن الوصول، فأبلغوا في الإزدراء. لا جرم أن الله يزدري بالجاهل المتكلف! فليس من جهل وسكت، كمن جهل فتكلف. فالمتكلف ممقوت، ولا سيما في أمر الله وصنعه. (والقول الحق) أن الصادق لما استفرغ مجهوده، بقي منقطعا عن الصدق في مفازة الحيرة. فاضطر فجأر إلى الله تعالى، صارخا مستغيثا، فرحم! فإنما وصل إليه به: من حيث رحمه. فكيف يكون وصوله ثوابا لجهده؟ وقد شرحنا هذا بديا. فهذا مرحوم بجهده، والأول ممنون عليه من جوده وكرمه. فكيف يجوز أن يظن بالله الجواد الكريم، القريب في جوده وكرمه، أن يرجع في مننه؟ ومن ههنا أخطأ هذا المتكلف: أن ظن بربه أنه أوصله إلى قربه ومكن له بين يديه ليبتليه. ويحك! هذا عبد متخذ لا مبتلى. وإنما الابتلاء في شأن النفس لا في شأن القلب. أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا))، فالمتخذ هو المأخوذ، ومنه اشتقاقه. (فمحمد صلى الله عليه وسلم ) هو المجذوب من بين سائر الأنبياء، خصه الله بهذا فاتخذه وجذبه. والأنبياء، من قبله، أوتوا الحكمة والبيان والهداية ثم تنبؤا، ثم أرسل إليهم. ورسولنا صلى الله عليه وسلم ، أخذ أخذا، فجذبه (الله إليه) على طريق الاصطفاء. ألا ترى إلى قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} فهل يكون الوجود إلا بعد الطلب؟ فإن الله تعالى طلبه، من بين سائر العباد، بالمنة التي سبقت له في المشيئة. فلما جاء الطلب وجده كما وصف: {ضالا فهدى}، أي: مال به، فجذبه، فنبأه. فكذلك شأن هؤلاء المجذوبين: يجذبهم الله إليه على طريقه. فيتولى اصطفاءهم وتربيتهم حتى يصفي نفوسهم الترابية بأنواره، كما يصفى جوهر المعدن بالنار حتى تزول ترابيته، وتبقى النفس صافية. وتمتد تلك التصفية، حتى إذا بلغوا الغاية من الصفاء أوصلهم إلى أعلى المنازل، وكشف لهم الغطاء عن المحل، وأهدى إليهم عجائب من كلماته وعلومه. وإنما يمتد ذلك، لأن القلوب والنفوس لا تحتمل مرة واحدة كل ذلك. فلا يزال يلطف بهم، حتى يعودهم احتمال تلك الأهوال، التي تستقبلهم من ملكه. فإذا وصلوا إليه احتملوا الوصول والنجوى. وقد نجد مثال هذا في خلقه. فإن الملك يريد أن يختص بعض رعيته لقيادة أو ولاية فيدعو به. فمن تدبير الملك، أنه إذا ذهب (بالعبد) (إليه) التزم بابه. ثم يمهل (العبد وقتا ما) حتى يعتاد الباب وقواده، وليطمئن ويهتدي إلى أمور الخدمة. ثم إذا قدم إليه تحول من مجلس إلى مجلس، حتى يسكن روعه ويخشع قلبه. ثم إذا قدم إليه، أمهل ساعات ليطمئن، ثم يكلمه. ولهم تدبير أعمق من هذا، (ما) قصدت لكم وصفه. وإنما علم الملوك هذا التدبير من مالك الملك، إذ آتاهم من ملكه. وهو أحق بالتلطف بعباده. (الفصل الثالث والعشرون) (المدة والجذبة) فالسبب في المدة بعد الجذب، هو الذي ذكرت. ألا ترى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، لما نبئ أجاب فرقا ووقع كالمغشي عليه؟ فلم تزل النبوة تعمل فيه. ثم أمر بأن يصدع بأمر الله. وقبض يده عن الحرب، حتى هذبه وأدبه، في هذه السنين العشر. وسلط عليه أعداءه بألوان الأذى: من الضرب وسوء الجوار وفنون المكروه. وفي خلال ذلك يقول (له): {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}، {فاصفح عنهم وقل سلام}، {إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر}، {وما أنت عليهم بوكيل}، {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}، {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}، {إنك لا تهدي من أحببت}، {وإن كان كبر عليك إعراضهم} إلى قوله: {الجاهلين} يعني: أن من كانت له مشيئة معه مشيئة الله فذلك شعبة من الجهل، فيلزمه اسم الجهل.

حصہ V01/P070–V01/P072

فهذه الآيات تأديب من الله له، وموعظة لعبده: ليعلم أن النبوة أخذته والنفس حية تعمل عملها. فقبض يده عن (ولاية) قتل عبيده (بالعدل)، والحكم فيهم بسلطانه (سلطان الحق). فلم يوله ولاية السلطان (بالحق والعدل) حتى تمت له السنون العشر، من يوم أظهر الدعوة. وذلك تمام العدد، وهي عشرة كاملة. فلما انتهت المدة، أثنى الله عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}. وأي خلق أعظم من خلق من ترك مشيئته ونبذها وراء ظهره حتى استقام قلبه على أخلاق الله، وهي مائة وسبعة عشر خلقا؟ حدثني بذلك أبي، رحمه الله، حدثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الواحد بن زيد، قال: حدثنا راشد، مولى عثمان، قال: حدثنا مولاي عثمان بن عفان، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن لله مائة وسبعة عشرة خلقا، من آتاه بواحدة منها دخل الجنة)). فلما زالت عنه أخلاق النفس، جاء الإذن بضرب السيف فجاءت النصرة: قال الله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} أي: في سبيل الله. ثم قال تعالى: {وإن الله على نصرهم لقدير} فوعدهم النصرة، وبوأ لهم مكان الهجرة. فأعطاه النصرة على أيدي الأنصار. وقع قطعه من الرعب تسير أمامه مسيرة شهر، فتذهل النفوس، وتجزع القلوب، وتطير الأفئدة عن أماكنها من أجله! هذا، بعدما هذبه، وأدبه، وقوم نفسه. وإنما منعه ذلك، (في ابتداء النبوة) ليطفئ عنه نيران العجلة، ويسلب عنه مشيئاته بزجراته ومواعظه وبما يورده عليه من الأنوار. فيعظه في الظاهر ويزجر نفسه، ومع هذا يغذيه في الباطن برحمته ويزينه بأنواره. فقال عز وجل: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} الآية، إلى قوله: {اليقين}، {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}، {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} ودعا (النبي) على قومه، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} وروي في الخبر أنهم أسلموا كلهم بعدما دعا عليهم. فإنما منعه القتال (دفاعا) ولم يعطه سلطان ذلك، من أجل هذه الأشياء. فإن هذا كله من عمل النفس ومشيئاتها. فهل يجوز، مع هذه الأشياء، سلطان الحرب حتى يهتريق دماء عبيده؟ ألا ترى إلى ما لقي موسى صلى الله عليه وسلم من قبل رجل من آل فرعون، مشرك بالله تعالى؟ ثم تاب الله عليه فقال: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} ثم قال: {رب اغفر لي}، فغفر له! ثم قال: {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} فعوقب بقوله: {فلن أكون} حتى إذا كان من الغد كان ما قصه الله، حيث قال: {فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره} الآية، إلى قوله: {إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} فإنما صار مريدا لأن يبطش بالذي هو عدو لهما بقوله بالأمس: {فلن أكون}، فإن هذه كلمة اقتدار. روي في الخبر، أن يوسف صلى الله عليه وسلم ، ((لو قال، عندما راودته امرأة العزيز عن نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله لما هم بها ولسلم من السجن، ولعصم منها، ولكن قال: معاذ الله! وهي كلمة اقتدار)). وطريق الأنبياء، عليهم السلام، أعظم من أن يوصف، روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه جاءه وفد فقرأ عليهم: {والصافات} إلى قوله: {فاتبعه شهاب ثاقب} فجعلته دموعه تجري على خده. فقالوا: يا أبا القاسم، أمن خوف الذي بعثك تبكي؟ فقال: إي، والذي بعثني بالحق، إنه بعثني على طريق مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت ثم قرأ: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وهذا طريق الإيمان بالله على النبوة وكشف الغطاء والتبري من الأسباب والنزاهة من العلائق، وطريق الإسلام أوسع من السماء والأرض، وهو الشريعة!

حصہ V01/P072–V01/P074

فهذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في تأديبه من لدن مبعثه إلى عشر سنين. ثم أمر بالهجرة. وابتعث له الأنصار بالتأييد والإيواء حتى رقت نبوته فاتمن على سفك الدماء وسبي الرقاب وأخذ الأموال (بالحق)! ولم يكن قبل هذا لرسول، ولا لأمة من الأمم. بل خص الله تعالى به هذا النبي وهذه الأمة، لفضل نبوته وفضل يقينها. وبنو إسرائيل لم يؤذن لهم بذلك. وإنما أمروا بالقتال من أجل الأرض المقدسة التي كانت لهم وراثة عن أبيهم إبراهيم. فإنما قاتلوا عن ديارهم وأموالهم. فلم تحل لهم الغنائم، وكانت نار القربان تأتي فتأكل غنائمهم. وقد كان سبق من الله تعالى لهذه الأمة من اليقين حظ وافر. فتقووا على قتال المشركين، حمية لله تعالى لا لنصيب النفس. ولذلك قال (عليه الصلاة والسلام): ((نبي الحرب والملحة))، و((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) فقاتلت هذه الأمة على إقامة هذه الكلمة العليا: ((لا إله إلا الله))! لحب الله. ثم حبب إليهم الإيمان، فبفيضان المحبة غاروا له، وعملت فيهم الغيرة، والحمية لله عز وجل. فقاتلوا عن الله تعالى، وسبوا من أعرض عنه، وغنموا أموالهم، وقتلوا عبيده الأباق وبنوا إسرائيل لم يقووا على هذا الأمر. ألا ترى أنهم قالوا: {وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا}؟ فقاتلوا للديار والأموال. {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أعطيت أمتي من اليقين ما لم تعط أمة)) وذلك قوله تعالى: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله} الآية. فإذا كان الرسول عليه السلام، محتاجا إلى التأديب والتهذيب والمدة، حتى يصلح لأمانة الله تعالى - فكيف بالأولياء؟ فمن أجل ذلك يحتاج الولي إلى مدة في جذبه، كما يحتاج المجتهد (إلى مدة) في صدقه. إلا أن هذا تصفيته لنفسه بجهده، وتصفية المجذوب يتولاه الله بأنواره فانظر كيف صنع الله بعبده، وصنع العبد بنفسه؟ أما ترى آدم، صلوات الله عليه، كيف فات الخلق وبرز عليهم بما تولاه الله من فطرته؟ وقال لسائر الخلق: كن فكان. فالمجذوب يجذب في كل موطن في طريقه (إلى الله تعالى) ويخبر ويعرف المواطن. (الفصل الرابع والعشرون) (المجذوب) قال له القائل: صف لنا شأن المجذوب، من مبتدأه إلى منتهاه إلى آخر صفته وخبره. قال: نعم، إن شاء الله تعالى! اعلم أن المجذوب في مبدأ أمره (هو عبد) صحيح الفطرة، طيب التربة، عذب الماء، زكي الروح، صافي الذهن، عظيم الحظ من العقل، سليم الصدر من الآفات، لين الأخلاق، واسع الصدر، مصنوع له، أعني: محفوظا عليه. فإذا بلغ وقت الإنابة هداه (الله) ووفقه للخير، حتى إذا بلغ وقت كشف الفتح، فتح له. ثم أخذ بقلبه فمر به إلى العلاء، إلى المكان الذي رتب له بين يديه. ثم رجع به فصيره في قبضته. ثم جعل بينه وبين النفس حجابا، لئلا تشارك النفس القلب في عطاياه. ووكل أحق بنفسه ليغذوها قليلا قليلا، بقدر ما تحتمله النفس من العطاء الذي يرد على القلب. و(هكذا) يؤدبه (الله) ويسير به إلى المحل الذي رتب له بين يديه. فقلب (المجذوب لا يزال بديا) مسجونا في القبضة (الإلهية) لا يقدر أن يصل إلى محله من الله تعالى من أجل أن النفس مشحونة بعجائب الأنوار. والنفس يسار بها قليلا قليلا، برفق حتى لا تعجز وتعيا. فيرد عليها من النور على قدر احتمالها من العطاء. ففي أول ما يرد عليها من العطاء ما يسكرها عن شهوات الدنيا. ثم بعد ذلك، يرد عليها من العطاء ما يسكرها عن وجود حلاوة هذا العطاء. ثم بعد ذلك، يرد عليها ما يسكرها عن وجود حلاوة القربة. ثم توصل إلى مكان القربة. فتتغذى هناك وتؤدب مع القلب جميعا. ويؤيدها الحق: فيورد عليها الأنوار، أنوار الملك حتى يقومها ويؤدبها ويطهرها! قال له قائل: ما آخر تقويمها؟ أجمله لنا، فإن الوصف في هذا يطول على الامتحان والاستقصاء!

حصہ V01/P074–V01/P076

قال: إن المجذوب ملزم، موكل به الحق ليحرسه، حتى لا يقع في مهلكة فيسقط بها. والله يغذوه برحمته حتى لا تبقى في نفسه مشيئة تتحرك. فحينئذ تبدو له المشيئة العظمى، من ملك الرحمة. فيكشف له الغطاء، ويؤمر أن يقدم إلى الفخر. قال: وما الفخر؟ قال: معرض المحدثين. قال: وما صفته؟ قال: قبة من نور القربة، لها أربع طبقات، مرخى عليها الحجب. فيرفع الحجاب الأول أمام القبة، فتبدو له عظمة الله. فتجيئه العظمة فتكتنفه حتى يتحمل ذلك ثم يمهل حتى يقوى. ثم يعاد. ثم تتجلى له العظمة من الله، ثم تجيئه العصمة فتكتنفه فيقبله (الله) ويرضى عنه. ويأمر الله الروح الأمين، عليه السلام! أن ينادي من بطن العرش، في السماوات: بالرضى عنه. فينادي جبريل عليه السلام: (إن الله قد أحب فلانا، فأحبوه) فيوضع له القبول في الأرض. وقد جاءت الأخبار بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يهيئوا (الله) له في كل يوم مجلسا، وفي كل مجلس نجوى! قال له القائل: كلما طلبنا الاختصار، وقعنا في بحر! قال: نعم، (ومع ذلك فإني) أجتهد أن أختصر لكم من كل شيء شيئا: فما هذا الذي وصفت لكم إلا كرأس إبرة من بحر لجي، في جنب ما للعبد بين يدي (الله تعالى) من الرعاية والتنعم بوجهه الكريم، ففكر في نفسك، هل يلتفت هذا الموصوف بهذه (الصفة) إلى كلام أحد، أو ثناء أحد، أو مدح أحد؟ وهل يعبأ بمكروه؟ وأين هذا من هؤلاء الذين قد شغلوا بعذاب نفوسهم؟ فمزابل النفس في صدورهم، وعلائق الشيطان في كلامهم. تراهم الشهر والدهر في كلام مسلسل لا ينقطع. إذ ذكر العيب عابوه وذكروا عيب العيب. وإن لحظت (النفس) كذا فعيب، وإن لم تلحظ فعيب. ف(مثل) هذا متى ينقطع؟ لو قعد أقلهم علما، يأخذ براس هذا الجبل (ليقيسه) لقطع عمره ولم ينقطع هذا الجبل مقاسا وتشبيها. وإنما يخفى هذا على المقاييس. فليس هذا يعلم: هذا موجود! وإنما العلم علم المنن، ثم علم الصنع والتدبير، ثم علم المقادير، ثم علم البدء، ثم علم الآلاء الذي بدأ مع المشيئة في الأحدية والفردية. فمن أخذ برأس جبل كل نوع من هذه العلوم وقع في بحر الله عز وجل، فغرق فيه وأحياه الله به! ومن أخذ برأس جبل علم النفوس وعيوبها وقع في بحر النفس فغرق فيه، وقتلته النفس! قال له القائل: ذكرت أنه لا تبقى له مشيئة، وكيف تنقطع عنه مشيئة الوصول إليه؟ قال: لو تركه عمر نوح، عليه السلام، لم تنقطع عنه تلك المشيئة. ولكن الله لطيف بعباده، حكيم في أمره. يلطف بعبده حتى يقطع عنه المشيئة. فحينئذ تظهر نفسه من جميع المشيئات ويصح للقبول. فإنه ما دامت له مشيئة واحدة فنفسه معه. فليس للقلب أن يتقدم إلى الله تعالى، في مقام العرض ليقبله ويتخذه عبدا، بعد أن تولى سيره إليه بنفسه. ولا يكله (الله) إلى نفسه حتى يجاهد. وليس لمثل هذا القلب أن يتقدم إلى الله تعالى مع نفس فيها مشيئة. لأن تلك المشيئة شهوة، (وهي خيانة من النفس) وسوء أدب، وليس للخائن أن يقرن بالأمين حتى يتقدما إليه (إلى الله تعالى) فيقبلهما. قال له قائل: فكيف لطف الله تعالى بعبده من هذا المقام حتى انقطعت (عنه) مشيئته؟ قال: لو ضننت (بالإجابة عن هذه المسألة) على الخلق أجمعين حتى أصيب لها أهلا لكنت محقا بذلك. ولكن قلبي أجده يعطف عليك؛ وأحسب أن فيك لله خشية. إذا خرجت للعبد الرحمة، من ملك الرحمة، سقاه ربه شربة يسكره بها عن هذه المشيئة! قال (القائل): وما هذه الشربة؟ قال: شربة الحب. قال: وما هي؟ قال: كفاك هذا! - فصار (العبد) بحال لم يعقل من هذه الأمور شيئا. فباطنه سكر، وظاهره حيرة وبهتة. وأما المشيئة فمفقودة في هذا السكر. فإن أفاق من سكره قليلا صرخ إلى الله تعالى، صراخ المضطر، فجاءت الرحمة فاحتملته ووضعته بين يديه. قال القائل: ولم يصرخ؟ قال: لأنه لما أفاق من سكره قليلا وجد ريحا. قال: وما ذاك الريح؟

حصہ V01/P076–V01/P077

قال: ألم تر إلى الطفل إذا فقد أمه بكى وتحير في الوجوه وأخذته الغربة، لأنه لا يجد أمه. فلا ينام ولا ينيم. حتى إذا وجد ريح الأم تهلل وصرخ! قال القائل: لقد جئت (يا شيخ) بمثل عظيم! فما هذا؟ قال: ويحك، إن العظيم في جلاله لما قرب هذا العبد، خرجت له الدولة من مشيئته على طريق المحبة والرأفة والتحنن عليه. فلما بلغ هذا المحل أفاق من السكر، وقد انطمست المشيئة عنه بسكره. وفيه بقية من السكر. وهو قلب غريب في مفاوز الحيرة، منفرد في تلك الفردية. و(فجأة) وجد ريح الرأفة (الإلهية) في قلبه، فصرخ إلى ولي الرأفة. فجاءت الرأفة فاحتملته. وبلغته الرحمة، فأخذته فأذته إلى مولاه. فأوصله إلى نفسه بلا مشيئة. فإن هذه أقوى المشيئات وأعظمها. ويستحيل أن تسقط عن النفس إلا من هذا الوجه، الذي لطف الله تعالى بعبده فيه. (الفصل الخامس والعشرون) (خاتم الأولياء) قال (له) القائل: صف لنا هذا المجذوب، الذي وجبت له الإمامة على الأولياء، وإن لواء الولاية بيده، وأن الأولياء كلهم محتاجون إليه في الشفاعة كما يحتاج الأنبياء إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال: (أما) صفته فهو الذي أعلمتك. قال: فبم تقدم الأولياء فاحتاجوا إليه؟ قال: بأنه أعطى ختم الولاية: فبالختم تقدمهم، فصار حجة الله على أوليائه. وقد ذكرت في أول الكتاب سبب الختم: (وهو) أن النبوة أعطيت الأنبياء، عليهم السلام، ولم يعطوا الختم. فلم تخل تلك الحظوظ من هنات النفس ومشاركتها. وأعطي نبينا وختمت له نبوته. كالعهد الذي يكتب ثم يختم، فلا يصل أحد إلى أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه، وقد وصفت شأنه فيما تقدم. وكذلك هذا الولي يسير به (الله تعالى) على طريق محمد صلى الله عليه وسلم بنبوته، مختوما بختم الله. فكما كان محمد صلى الله عليه وسلم حجة على الأنبياء، فكذلك يصير هذا الولي حجة على الأولياء: بأن يقول (الله تعالى) لهم: معاشر الأولياء، أعطيتكم ولايتي فلم تصونوها من مشاركة النفس. وهذا أضعفكم وأقلكم عمرا قد أتى بجميع الولاية صدقا، فلم يجعل للنفس فيها نصيبا ولا تلبيسا. وكان ذلك في الغيب من منة الله تعالى على هذا العبد، حيث أعطاه الختم لتقر به عين محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف. حتى قعد الشيطان بمعزل، وأيست النفس فبقيت محجوبة.- فيقر له الأولياء يومئذ بالفضل عليهم. فإذا جاءت تلك الأهوال لم يك مقصرا. وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ، بالختم فيكون أمانا لهم من ذلك الهول. وجاء هذا الولي بختمه فيكون أمانا لهم بصدق الولاية، فاحتاج إلى الأولياء. وللختم شأن عجيب! ولله في ولد آدم عجائب، وخلقهم لأمر عظيم.- ولما عرف العاقل أن الله ولي خلق آدم بيده علم أن هذه خطة فيها أمور عظام. ولما عرف أنه سماه ((خليفة)) علم أن ههنا عجائب: فإن الخليفة له شعبة من ملك المستخلف. (الفصل السادس والعشرون) (أولياء الزور) قال له القائل: قد انتهت مسألتي ومحاورتي، وبقيت خلة أجلك عن ذكرها، وتحوك في صدري وتأبه نفسي تركها. قال: هات، أجلك الحق قال (المريد): أنك تجري في كلامك، حتى إذا وقفت على بعض هذه الطبقات التي تنعت كلامها، تغيرت لهم وغلظ كلامك عليهم، كأن الرحمة لهم انتسفت من قلبك، فما هذا؟ قال (الشيخ): نعم، جاد ما سألت! (اعلم) أن الله تعالى جعل الحق ليقتضي الوفاء بقيام التوحيد والانقياد للحق. فإذا وجدهم الحق معظمين له، قائمين بوفائه رجع إلى الله تعالى مثنيا عليهم. فيرجع من الله تعالى بالمدد إليهم من الأنوار حتى يزدادوا قوة على القيام بذلك. ومن وجده الحق غير معظم له رجع إلى الله تعالى يشكوه. فالرحمة تلقى الحق بين يدي الله تعالى وتراقبه. كلما جاء الحق يشكو التأذي من الخلق. حنت الرحمة في محلها بين يدي الله، حنين الوالهة فيسكن السلطان. ولولا شأن الرحمة وحنينها لثار السلطان بمجيء الحق شاكيا ودمر العباد.

حصہ V01/P077–V01/P079

فهذا شأن الله تعالى في العباد. فإذا جاء الحق يشكو معاندا ثار السلطان، بالعقوبات، واعتزلت الرحمة، فإن المعاند مبارز. ورب عبد تحل به (العقوبة) في طرفة عين، ورب عبد تطل العقوبة على رأسه إلى مدة سنين، حتى يؤذن لها فتحل به عند وقت ظهور فعل من الأركان، ليكون عذر الله ظاهرا في حلول العقوبة. وقد مضت العقوبة على قوم لوط عشاء، فحلت بهم عند الصبح. وكذلك حكى الله تعالى في تنزيله، فقال: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} وكذلك فرعون وقومه، مضت العقوبة عند إجابة الله تعالى لها في وقت الغرق. فهذا المنتبه يأخذ عن الله. فإن كنت وجدتني كذلك، فإنما وجدتني أحتذي على مثال ما حكى (الله سبحانه). فإن المؤمن إنما يعامل الخلق عن الله وبالحق؛ وهو يقتضيهم ذلك. فإن لم يجد هذا وجد في قلبه لهم من الرحمة ما يطفئ ذلك السلطان الذي في قلبه. فإن مع الحق سلطانا، والسلطان كالنار. وإذا وجد هذا العبد من الخلق أذى للحق وجد قلبه عليهم وثار السلطان فيه، فتجيء الرحمة، التي في قلبه فتطفئ تلك الثائرة، فيلين كلامه (ولكن) إذا جاءه معاند، فهو رجل جبار (فيجب على المؤمن حينئذ أن) يجر نفسه وما فيها من الحسد والكبر، ولا يتركه يعاند الحق. فإذا عاند الحق، فكأنه بارز الله تعالى، فعندئذ يثور السلطان وتلين الرحمة. فمحال أن يستعمل الصادق في أمره الرحمة على المعاند. وكيف يقدر أن يستعمل الرحمة ونفسه جبارة عنيدة؟ وقد قال الله تعالى: {وخاب كل جبار عنيد} فهل خاب إلا من الرحمة؟ فكيف يرحم (الصادق) عبدا خيبه الله من الرحمة؟ إلا (أن يكون) عبدا يريد أن يتزين للخلق، ويتضع تكلف الرحمة فيتكلفها بالإعراض واللين والسكون؛ لا يحب أن تسقط عند الخلق مدحته. فإن للنفوس خدائع، تقول لصاحبها: متى أغلظت وأظهرت الغضب يقال إنك لست بحليم. فهو يتكلف الحلم ههنا، في هذا الموضع مرآة وتصنعا، إبقاء على مدحته وجاهه عند من لا يملك ضرا ولا نفعا. فأولياء الله وأهل صدقه ووفائه، قد طار عن قلوبهم رضى الخلق وسخطهم وقبولهم ونفيهم. وإنما شأنهم استعمال الحق في أوانه، واستعمال الرحمة في أوانها. فالحق كالنار، لأنه من السلطان وهو مقرون به. والرحمة كالماء. فإذا جاء الحق، واقتضاك النصرة وجاءت الرحمة فأطفأت سلطانه، فأنت مغرور. وإذا اقتضاك النصرة، واعتزلت الرحمة: فإن تكلفت الرحمة فكففت عن النصرة، ترفقا كترفق النساء فأنت مراء. وصاحب هذا، لم يبلغ بعد نصرة الحق، ولا أعطي سلطانه. إنما هو رجل تابع للحق في زعم نفسه. و(أنا) إنما أصف لك أمر رجل مستعمل: قوم الله سيرته، وأدبه، وجعل سلطان جيشه في استعمال الحق. أو (أصف لك) رجلا أعظم شأنا من هذا: فهو يستعمله والحق والسلطان على مقدمته! فمتى يصل إلى ما ذكرت فيعمل ما يهوى الناس ويحسن عند المداهنين المتزينين! والذي ذكرت شأنه (وأنكرته) هو رجل يتبع الحق فيصيبه في بعض الأمور بجهد. ومع ذلك تشاركه النفس ومزاجها قائم في الأمر. فيتكلف الرحمة. فهذا الذي يجتهد في إظهار الرحمة في فعله، وقلبه ليس على وفاق من ظاهره. فلذلك يتصنع ويرى من نفسه الخشوع والهدى. وليس ذلك خشوعا إنما ذلك تماوت. ألا ترى أن أبا الدرداء رضي الله عنه، لما وصف الأبدال، قال: ((ليسوا متماوتين ولا متخشعين))؟ لأن ذلك التماوت (هو) خشوع النفاق. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نعوذ بالله من خشوع النفاق. قالوا: يا رسول الله، وما خشوع النفاق؟ قال: أن يخشع البدن والقلب غير خاشع)).

حصہ V01/P079–V01/P081

أما ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ((إذا غضب لم يقم لغضبه شيء؟ وكان له عرق، بين عينيه، يرى عنه الغضب. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. وكان من أرحم الناس، وأحلم الناس، وأصبر الناس على الأذى. فإذا جاء عناد أو ظلم للحق، لم يستقر حتى ينتصر له. وقد وسع الناس بسطه وخلقه. وسار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حياء وعلم وصبر وأمانة)). حدثنا بذلك سفيان بن وكيع، حدثنا جميع بن عمر العجلي في حديثه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم : ((إنما كان يستعمل الحلم والصبر في رقة لأهله. وكان موسى، صلوات الله عليه: ((إذا غضب أخرقت قلنسوته من شدة سلطان غضبه لله وجل!)). فالذي يرى في كلامي من التغير، عند ذكر هؤلاء المعاندين، لأن هؤلاء عندي أسوأ حالا من أولئك المخلصين من العامة. هؤلاء أهل نفاق، ونافقوا في سبيل الله، قال الله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} وقال تعالى: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}. ولقد سميتهم يوما مجوس هذه الطائفة، فيما جرى من كلام على رؤوس الملأ. فسألوني عن تأويله، فقلت: ما نطقت به جزافا، لكني على بصيرة نطقت به. وذلك أن الدنيا شبهت بالمرأة الزانية، التي تتزين للرجال، وتعرض نفسها وتتبرج في زينتها. فالذي يفخر بها هو الذي ينخدع لها حتى يأخذها. من حيث لم يؤمر له في ذلك. فهذا كلام جار في الحكمة، لأن المرأة إذن للرجل أن يتناولها من حيث أذن له: على رسم الكتاب والسنة. فإذا تبرجت بزينتها وفتنته حتى تناولها من حيث لم يؤذن له - فهي كالمرأة الزانية. وإنما ذكرت ما ذكرت من حال المجوس وشأنهم، لأن المجوس يتناولون محارمهم على جهة النكاح، وهو أعظم من الزنا: فقد جمعوا بين حرمتين، لأنهم يزنون بالأخت والبنت. فرأيت هذه الطبقة، قد عمدوا إلى مذهب فشهروا فيه أنفسهم عند الناس: من ترك الفضول، وشيء من الزهد والتورع والتعبد، وحكايات ملتقطة من هنا وهناك. ثم اتخذوها علما، لا يعرفون ما أولها وما آخرها. فنالوا به رياسة في ناحية من النواحي، حتى اتخذوا بذلك جاها. وتمكنوا في الرياسة واتسعوا في نعمة المأكل والمشرب والملبس والمنكح والضيافات، وغير ذلك من المرافق والنساء. فنظرت في ظواهر أمورهم وبواطنها: فوجدت الأركان معطلة من العبادة، مشغولة بالقيل والقال والبقبقة! فقلت: (هؤلاء) ليسوا بعمال (حقا!) ونظرت إلى منازل الأولياء، فإذا قلوبهم عنها غائبة. فقلت: هم في الطريق يسيرون إليه. فوجدتهم قد تخطوا في الطريق خطوة أو خطوتين، ما بلغوا ثلاث. حتى قامت عليهم نفوسهم، بما وجدت من اللذة والفرح بالعطايا، فاستأسرتهم، فإذا هم موتى، طرحاء على مزبلة، يحسد بعضهم بعضا ويتأكلون الناس. نفوسهم معلقة بأحوالهم، وقلوبهم مشغولة بتعلق نفوسهم. همهم ظهورهم (لباسهم؟) وبطونهم، واصطياد الأرامل. يعمد أحدهم إلى أرملة موسرة، فيغتنم رغبتها فيأكل أموالها ويذرها كالمعلقة. يبوأ لنفسه، رخاء العيش والتحكم في أموال الناس، مخادعة بالتلطف. قد اتخذوا الملق دينا، والتماوت صناعة يحتملون به دنياهم. فلو قلت لأحدهم: الزم هذا البيت شهرا، فلا تخرج إلى الناس - لرأيت به من الضيق والنفار ما يظهر لك، من مكنون ما في صدره، إنه رجل بطال، قد ملكته نفسه. فهو يتكلم بكلام الأولياء التقاطا وحكايات. لا تنجع فيه كلمة، ولا يوجعه أنه خلو من ذلك. فلا عمل بالأركان، ولا وصول إلى مكان، ولا سير في طريق. كلما وعظت واحدا منهم، أخذ يروغ يمينا وشمالا. فإذا ضبطته عاند وكابر. وعاد يرد الملامة، على الخلق، ويذب عن نفسه وحاله. لا يتذلل للحق لكيلا يهتك ستر نفسه. فإذا حركته (أخيرا ..) وأقمت عليه الحجة، أبدى نفاقه، وأظهر ما نطق به مكنون ما في نفسه: من أنه يريد إبقاء حاله، وليس به شيء من هذه الأمور!

حصہ V01/P081–V01/P084

فهل يجوز أن يلان لمثل هذا في المقال؟ فإني أجري في كلامي على سبيله فإذا بلغت إلى ذكر هؤلاء تغير الكلام: فذلك حمية الحق وسنانه، يطعن الله به أهل مخادعته، المستهزئين بأمره! وإنما نسبتهم إلى المجوسية، في هذا الباب: لأنهم ملكوا هذه (الدنيا) الزانية بالعطايا من الله. فلو كانوا يملكونها بشيء من عرض الدنيا، أو بغير ذلك عن طريق علم الظاهر - لكان أيسر. ولكن ملكوها من طريق العطايا من الله تعالى. فاستعملوا تلك (العطايا الإلهية) بالاستيلاء على حطام الدنيا. فلما ظفروا بها تركوا السير إلى الله تعالى. فانظر أية فضيحة هذه؟ أليست هذه مجوسية، في هذا الطريق؟ ثم إذا خاضوا في شيء من أمور الأولياء، يقولون: الولي لا يرى، والولي لا يعرف نفسه. وشبه عليه أمره حتى لا يعجب بنفسه وأمره. وصاحب المشي على الماء وطي الأرض يأكل من نفسه. وذلك لضعفه يعطي ذلك. والعارف لا يلتفت إلى مثل هذا، إنما همه ربه فهو يسأل ربه. هذا يموه على الناس: إن لم يكن هذا لي، فاعلموا أني عارف، وممن لا يلتفت إلى هذا .. .. والحمقى يقبلون منه حمقه هذا! فهذا قد خلا من أعمال البر لإفساد القلوب وإفساد الطريق على المريدين؛ ويلبس أمر الأولياء على أهل الإرادة، فلذلك قلت: علمهم كدر، ويتلوثون في حمأة منتنة، وتلك مأكلتهم. (الفصل السابع والعشرون) (دولة الخير ودولة الشر) قال له القائل: فللخير إقبال ودولة، ثم له إدبار. وللشر إقبال ودولة: ف(لعل وقتنا هذا) أوان ذلك. وجاء عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: ((لا يأتي عليكم زمان إلا وبعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم )). فكيف يجوز أن يكون في هذا الوقت من له حظ الولاية والصديقية؟ قال: أن الولاية والصديقية ليستا من الزمان في شيء. إن الولي والصديق حجة الله على خلقه، وغياث الخلق وأمانهم، لأنهم دعاة إلى الله على بصيرة. فهم في وقت الحاجة (إليهم) أحرى أن يكونوا. وقد بعث الله الرسل في الفترة والعمى ودولة الباطل، حتى نعش الحق وزهق الباطل. فماذا يكبر في الصدور أن يكون في آخر الزمان من يوازي أولهم، لحاجة الخلق إليهم؟ أو لم يقل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في حديث كميل النخعي: ((اللهم، لا تخل الأرض من قائم بالحجة. أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في عباده وبلاده. هاه، شوقا إلى رؤيتهم؟ ومما يحقق ما قلناه، ما حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل أمتي مثل المطر؛ لا يدري أوله خير أم آخره)). وحدثنا الحسن بن عمر عن شقيق البصري، أخبرنا سليمان بن طريف عن مكحول عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خير أمتي أولها وآخرها وفي وسطها الكدر)). وحدثني الفضل بن محمد، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الدمشقي، حدثنا عبد الملك بن عمر الأفريقي، عن أبي يونس، مولى أبي هريرة، عن عبد الرحمن ابن سمرة قال: ((جئت من غزوة مؤتة)) قال ذكرت قتل جعفر وزيد وابن رواحة، بكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي، وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل فينا. فقال، عليه الصلاة والسلام: لا تبكوا، إنما مثل أمتي مثل حديقة، قام عليها صاحبها: فاجتث رواكبها، وهيأ ساكنها، وحلق سعفها. فأطعمت عاما فوجا ثم عاما فوجا ثم عاما فوجا. فلعل آخرها طعما يكون أجودها قنوانا وأطوالها شمراخا. والذي بعثني بالحق، ليجدن ابن مريم في أمتي خلفاء عن حواريه! قال: وحدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا محمد بن السري، أخبرنا السويد عن عيسى بن موسى

حصہ V01/P084–V01/P086

الغساني، حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب. ثم تلا: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}. وحدثني أبي، رحمه الله، قال: حدثنا محمد ابن الحسين، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ابن أبي لهيعة، قال: حدثنا أيضا أبي، حدثنا إسماعيل بن سلمة عن عبد الله بن وهب المصري عن ليث بن سعد عن أبي عجلان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((في كل قرن من أمتي سابقون)). (الفصل الثامن والعشرون) (أهل الدين) وأن أهل الدين صنفان: صنف منهم عمال الله تعالى، يعبدونه على البر والتقوى؛ فهم محتاجون إلى خير الزمان وإقباله ودولة الحق، لأن تأييدهم من ذلك. وصنف منهم أهل اليقين، يعبدون الله على وفاة التوحيد، عن كشف الغطاء وقطع الأسباب واللوذان فيها؛ غير ملتفتين إلى إقبال الزمان وإدباره، ولا يضرهم إدباره. وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن لله عبادا يغذوهم برحمته: يحييهم في عافية ويميتهم في عافية، ويدخلهم الجنة في عافية تمر بهم الفتن كقطع الليل المظلم لا تضرهم)). وقوله صلى الله عليه وسلم : ((تكون في أمتي فتن؛ لا ينجز منها إلا من أحياه الله تعالى بالعلم)) يعني: العلم بالله، فيما يروي. - وقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يزال من أمتي أربعون صديقا، كلما مات منهم رجل، أبدل الله تعالى مكانه آخر. منهم ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم وقوله: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة)) وهم أهل اليقين، وحدوا الله قلبا وقولا وفعلا؛ وذلك بشرح الصدور، والنور الذي من الله، عز وجل، عليهم. كما قال تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. قال له قائل: صف لنا هذين الصنفين، بصفة وجيزة. قال (الشيخ): أما الصنف الأول، فإنهم عرفوا الله تعالى معرفة توحيد، واعترفوا له باللسان، وقبلوا العبودية. ثم جاءت الشهوات فغلبت على القلوب، فوقعوا في التخليط، فسقم القلب بما فيه من الإيمان. فلم تطمأن نفوسهم في شأن الرزق، ولم تنشرح صدورهم لتدبير الله تعالى في الأحوال. فهم على حفظ الجوارح حتى تستقيم لهم تقواهم؛ ويؤدون الفرائض فهذا دأبهم. وفيء صدورهم عجائب من دواهي النفس: مثل الرغبة والرهبة والحق والغل والحسد وحب النساء والعز والرياسة والتجبر وطول الأمل والاقتدار في الأمور. والآخرون عطف الله تعالى عليهم، فقذف النور في قلوبهم: فانفلق الحجاب، وانكشف الغطاء. وهو قوله عز وجل: {قل أعوذ برب الفلق}. فشرح صدورهم، فهم على نور من ربهم. فنفى هذا كله من صدورهم، وطهرهم وصفى قلوبهم. فصدورهم ممتلئة من عظمة الله وجلاله. واطمأنوا إليه ووثقوا به في كل حال. ودقت أحوال الدنيا عندهم واكتساب مشيئات النفس. فأنى يلتفتون إلى الزمان وأهله؟ وماذا تضرهم الفتن وسوء الزمان؟ وإنما تقوم الأرض بهم، وهم غياث أهلها! وقد وصف الله تعالى، في كتابه شأن الفيء. فذكر المهاجرين، فشهد لهم، ووصفهم بصدق الإيمان. فقال: {أولئك هم الصادقون} وذكر الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم (الأنصار) ووصفهم بالإيثار على أنفسهم، وبالبراءة من الشح والحسد. ثم قال: {والذين جاءوا من بعدهم} فكل من جاء على سبيلهم، من بعدهم إلى انقراض الدنيا - فهم المذكورون بالمجيء. وقد جعل الله أيديهم في الفيء شرعا سواء. والفيء طعمة أكرم الله به هذه الأمة، دون الأمم. ووصف الله تعالى أيضا السابقين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، بما أوجب الله لهم من الرضى، فجعلهم في الرضى عنهم شرعا واحدا. أو ما جاءنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أن أهل الجنة ليرون أهل الغرف كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء فلا نبلغها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولئك رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين؟ (الفصل التاسع والعشرون) (الأعمال والدرجات)

حصہ V01/P086–V01/P088

قال له قائل: فهل يجوز أن يكون في هذا الزمان من يوازي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما؟ قال (الشيخ): إن كنت تعني في العمل فلا؛ وإن كنت تعني في الدرجات فغير مدفوع. وذلك أن الدرجات بوسائل القلوب؛ وقسمة ما في الدرجات بالأعمال. فمن الذي حرز رحمة الله تعالى عن أهل هذا الزمان، حتى لا يكون فيهم سابق ولا مقرب ولا مجني ولا مصطفى؟ أوليس المهدي كائنا في آخر الزمان؟ فهو في الفترة يقوم بالعدل فلا يعجز عنه. أوليس كائن في الزمان من له ختم الولاية؟ وهو حجة الله على جميع الأولياء يوم الموقف. كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم؛ آخر الأنبياء. فأعطي ختم النبوة، فهو حجة الله تعالى على جميع الأنبياء. فكذلك هذا الولي الذي هو آخر الأولياء في آخر الزمان. قال له القائل: فأين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خرجت من باب الجنة، فأتيت الميزان. فوضعت في كفة وأمتي في كفة، فرجحت بالأمة. ثم وضع أبو بكر مكانه فرجح بالأمة. ثم وضع عمر مكان أبي بكر فرجح بالأمة))؟ قال (الشيخ): هذا وزن الأعمال لا وزن ما في القلوب، أي يذهب بكم يا عجم؟ ما هذا إلا من غباوة أفهامكم! ألا ترى أنه يقول: ((خرجت من باب الجنة))؟ فالجنة للأعمال والدرجات للقلوب. والوزن للأعمال لا لما في القلوب. إن الميزان لا يتسع لما في القلوب. فالميزان عدله، وما في القلوب عظمته. وكيف توزن العظمة؟ وقد جاء في الخبر: ((أن العبد يتحير عند الميزان. فيقول له الملك: هل تفقد شيئا من عملك؟ قال: بلى! شهادة أن لا إله إلا الله. قال: إنها أعظم من أن توضع في الميزان!)). وإنما تقدم الأنبياء الخلق بالنبوة، لا بالأعمال؛ والأولياء بالصديقية، لا بالأعمال. وإنما تقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، وسائر الأنبياء بما في قلبه، لا بالأعمال؛ فقد كان عمره يسيرا. ولو كان بالأعمال، لكان عمل عشرين سنة يدق في جنب عمر نوح. وإنما رجح ميزان أبي بكر، رضي الله عنه، بالعمل. لأنه عمل في أهل الردة ما لم يلحقه أحد. ولم يكن بعده ردة مثلها إلى يومنا هذا، فيعمل مثل عمله. فبه رد الله الإسلام على الأمة. فهذا فضل يوازي عمل الأمة ويزيد. أو لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)). فلما عمل في الردة ما عمل، كان له كعمل الأمة كلها إلى آخرها، والزيادة عمله لنفسه، وذلك رجح عمله عمل الأمة. ثم لم يجد (أبو بكر، رضي الله عنه) مهلة حتى يبوأ الإسلام، ويمهد ويصفي، ويوضح السنن، ويمصر الأمصار. ففعل ذلك عمر، رضي الله عنه، حتى ورد الخلق بعدها على أوسع منهاج وأوضحه. فهذا عمل ليس لأحد وصول إلى مثله ولا سبيل. لأنه لم يكن للإسلام، إلى يومنا هذا، ردة أو عزبة كما كان بديا في وقتهما. ألا ترى أنه لم يجيء في الخبر أنه وزن غيرهما؟ أفلم يكن في الأمة مثل عثمان وعلي، رضي الله عنهما؟ فهل ذكر أنهما وزنا مع الأمة؟ وذلك ليعلم أنهما وجدا أمرا مفروغا منه، فلم يبق لعثمان وعلي إلا التمسك به. فجميع من (أتى) بعد أبي بكر وعمر على حياله: كل متمسك بقدره. ألا ترى في تلك الفتن، إذا قام أحد بالعدل وطمس الجور يلحقهما بالفضل؟ وكذلك قال أنس رضي الله عنه: ((ليس لعامل زمان خير عن زمانكم إلا أن يكون مع نبي)) فهذا في وقت غربة الحق أفضل. وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((طوبى للغرباء! قيل ومن هم؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس)).