İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
فإن قلت ما للعبد والافتخار وأين العبودية من نفس الافتخار قلت لا يريد بذلك أن العبد يفتخر بذلك ويختال على بني جنسه بل هو فرح وسرور لا يمكن دفعه عن نفسه بما فتح عليه ربه ومنحه إياه وخصه به وأولى ما فرح به العبد فضل ربه عليه فإنه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويحب الفرح بذلك لأنه من الشكر ومن لا يفرح بنعمة المنعم لا يعد شكورا فهو افتخار بما هو محض منة الله ونعمته على عبده لا افتخار بما من العبد فهذا هو الذي ينافي العبودية لا ذاك وهنا سر لطيف وهو أن هذا النفس يفخر على أنفاسه التي ليست كذلك كما تفخر الحياة على الموت والعلم على الجهل والسمع على الصمم والبصر على العمى فيكون الافتخار للنفس على النفس لا للمتنفس على الناس والله أعلم فصل قال الحياة الثالثة حياة الوجود وهي حياة بالحق ولها ثلاثة أنفاس نفس الهيبة وهو يميت الاعتدال ونفس الوجود وهو يمنع الانفصال ونفس الانفراد وهو يورث الاتصال وليس وراء ذلك ملحظ للنظارة ولا طاقة للاشارة هذه المرتبة من الحياة هي حياة الواجد وهي أكمل من النوعين اللذين قبلها ووجود العبد لربه هو الذي أشار إليه في الحديث الإلهي بقوله فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي والمشار إليه في قوله ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وسيأتي في باب الوجود من مزيدا لهذا إن شاء الله تعالى وإنما كانت حياة الوجود أكمل الحياة لشرفها وكمالها بموجدها وهو الحق سبحانه وتعالى فمن حبي بوجوده فقد فاز بأعلى أنواع الحياة فان قلت يصعب علي فهم معنى الحياة بوجوده قلت لأجل الحجاب الذي ضرب بينك وبين هذه الحياة فافهم الحياة بوجود الفناء وبوجود المالك القادر إذا كان معك وناصرك دون مجرد وجوده ولا معرفة بينك وبينه ألبتة فحقيقة الحياة هي الحياة بالرب تعالى لا الحياة بالنفس والفناء وأسباب العيش وقد تفسر حياة الوجود بشهود القيومية حيث لا يرى شيئا من الأشياء إلا وهو بالله وهو الذي أقامه وبحال هذا الشهود وهو أن لا يلتفت بقلبه إلى شيء سوى الله ولا يخافه ولا يرجوه بل قد قصر خوفه ورجاءه وتوكله وإنابته على الحي القيوم قيوم الوجود وقيمه وقيامه ومقيمه وحده فمتى حصل له هذا الشهود وهذا الحال فقد حصلت له حياة الوجود فتارة يتنفس بالهيبة وهي سطوة نور الصفات وذلك عند أول ما يسطع نور الوجود فيقع القلب في هيبة تستغرق حسه عن الالتفات إلى شيء من عوالم النفس وذلك هو الاعتلال الذي يميته النفس الثاني وهو قوله ونفس يميت الاعتلال فتموت منه علل أعماله وآثار حظوظه وشهود إنيته قوله ونفس الوجود يريد به وجود العبد بربه فيتنفس بهذا الوجود كما يسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به ولا تصغ إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها قوله وهو يمنع الانفصال الانفصال عند القوم انقطاع القلب عن الرب وبقاؤه بنفسه وطبيعته والاتصال هو بقاؤه بربه وفناؤه عن أحكام نفسه وطبعه وهواه وقد يراد بالاتصال الفناء في شهود القيومية وبالانفصال الغيبة عن هذا الشهود وأما الملحد فيفسر الاتصال والانفصال بالاتصال الذاتي والانفصال الذاتي وهذا محال أيضا فإنه لم يزل متصلا به بل لم يزل إياه عنده فالأول يتعلق بالإرادة والهمة وهو أعلى الأنواع والثاني يتعلق بالشهود والشعور وهو دونه وهو عند الشيخ أعلى لأنه إنما يكون في وادي الفناء والثالث للملاحدة القائلين بوحدة الوجود قوله ونفس الانفراد وهو يورث الاتصال
نفس الانفراد هو المصحوب بشهود الفردانية وهي تفرد الرب سبحانه بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية فلا يثبت لسواه قسطا في الربوبية ولا يجعل لسواه حظا في الإلهية ولا في القيومية بل يفرده بذلك في شهوده كما أفرده به في علمه ثم يفرده به في الحال التي أوجبها له الشهود فيكون الله سبحانه فردا في علم العبد ومعرفته فردا في شهوده فردا في حاله في شهوده وهذاالنفس يورثه الاتصال بربه بحيث لا يبقى له مراد غيره ولا إرادة غير مراده الديني الذي يحبه ويرضاه فيستفرغ حبه قلبه وتستفرغ مرضاته سعيه وليس وراء ذلك مقام يلحظه النظارة لا بالقلب ولا بالروح فإن كمال هذا الاتصال والشغل بالحق سبحانه قد استفرغ المقامات واستوعب الإشارات والله المستعان فصل قال صاحب المنازل باب القبض قال الله تعالى ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قلت قد أبعد في تعلقه بإشارة لآية إلى القبض الذي يريده ولا تدل عليه الآية بوجه ما وإنما يشارك القبض المترجم عليه في اللفظ فقط فإن القبض في الآية هو قبض الظل وهو تقلصه بعد امتداده قال الله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا فأخبر تعالى أنه بسط الظل ومده وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك إما بسكون المظهر له والدليل عليه وإما بسبب آخر ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا وهو شيء بعد شيء لم يقبضه جملة فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال حكمته فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته ولو شاء لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له من جبل وبناء وشجر وغيره فلم ينتفع به أحد فإن كان الانتفاع به تابعا لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى مكان ففي مده وبسطه ثم قبضه شيئا فشيئا من المصالح والمنافع مالا يخفى ولا يحصى فلو كان ساكنا دائما أو قبض دفعة واحدة لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس فمد الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما قدرت عليه من مصالح العالم وفي دلالة الشمس على الظلال ما تعرف به أوقات الصلوات وما مضى من اليوم وما بقي منه وفي تحركه وانتقاله ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس وينفع الحيوانات والشجر والنبات فهو من آيات الله الدالة عليه وفي الآية وجه آخر وهو أنه سبحانه مد الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحى الأرض تحتها فألقت القبة ظلها عليها فلو شاء سبحانه لجعله ساكنا مستقرا في تلك الحال ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ذلك الظل فهو يتبعها في حركتها يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله وفيها وجه آخر وهو أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظلال فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه وقوله تعالى قبضناه إلينا كأنه يشعر بذلك وقوله قبضا يسيرا يشبه قوله ذلك حشر علينا يسير وقوله قبضناه بصيغة الماضي لا ينافي ذلك كقوله أتى أمر الله والوجه في الآية هو الأول وهذان الوجهان إن أراد من ذكرهما دلالة الآية عليهما إشارة وإيماء فقريب وإن أراد أن ذلك هو المراد من لفظها فبعيد لأنه سبحانه جعل ذلك آية ودلالة عليه للناظر فيه كما في سائر آياته التي يدعو عباده إلى النظر فيها فلا بد أن يكون ذلك أمرا مشهودا تقوم به الدلالة وتحصل به التبصرة
وأبعد من هذا ما تعلق به صاحب المنازل في باب القبض بقبض الظل كما أشار إليه في خطبة كتابه حيث يقول الذي مد ظل التكوين على الخليقة مدا طويلا ثم جعل شمس التمكين لصفوته عليه دليلا ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا فاستعار للتكوين لفظ الظل إعلاما بأن المكونات بمنزلة الظلال في عدم استقلالها بأنفسها إذ لا يتحرك الظل إلا بحركة صاحبه وقوله مدا طويلا إشارة إلى أنه سبحانه لا يزال يخلق شيئا بعد شيء خلقا لا يتناهى لسعة قدرته ووجوب أبديته ثم إن حقيقة الظل هي عدم الشمس في بقعة ماء لسائر سترها فإنما تتعين تلك الحقيقة بالشمس فكذلك المكون إنما تتعين حقيقته بالمكون له سبحانه وتعالى وشمس التمكين هي التوحيد الجامع لقلوب صفوته عن التفرق في شعاب ظل التكوين ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا أي أخذ ظل التفرقة عنهم أخذا سهلا فالشيخ أحال باستشهاده بالآية في الباب المذكور على ما تقدم له في الخطبة ووجه الإشارة بالآية يعلم من قوله ثم قبضناه إلينا والقبض في هذا الباب لم يرد به قبض الإضافة ولهذا قال الشيخ القبض في هذا الباب أسم يشار به إلى مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه فالقبض نوعان قبض في الأحوال وقبض في الحقائق فالقبض في الأحوال أمر يطرق القلب يمنعه عن الانبساط والفرح وهو نوعان أيضا أحدهما ما يعرف سببه مثل تذكر ذنب أو تفريط أو بعد أو جفوة أو حدوث ما هو نحو ذلك والثاني مالا يعرف سببه بل يهجم على القلب هجوما لا يقدر على التخلص منه وهذا هو القبض المشار إليه على ألسنة القوم وضده البسط فالقبض والبسط عندهم حالتان للقلب لا يكاد ينفك عنهما وقال أبو القاسم الجنيد في معنى القبض والبسط معنى الخوف والرجاء فالرجاء يبسط إلى الطاعة والخوف يقبض عن المعصية فكلهم تكلم في القبض والبسط على هذا المنهج حتى جعلوه أقساما قبض تأديب وقبض تهذيب وقبض جمع وقبض تفريق ولهذا يمتنع صاحبه إذا تمكن منه من الأكل والشرب والكلام وفعل الأوراد والانبساط إلى الأهل وغيرهم فقبض التأديب يكون عقوبة على غفلة أو خاطر سوء أو فكرة رديئة وقبض التهذيب يكون إعدادا لبسط عظيم شأنه يأتي بعده فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدمة له كما كان الغت والغط مقدمة بين يدي الوحي وإعدادا لوروده وهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج والبلاء مقدمة بين يدي العافية والخوف الشديد مقدمة بين يدي الأمن وقد جرت سنة الله سبحانه أن هذه الأمور النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضدادها وأما قبض الجمع فهو ما يحصل للقلب حال جمعيته على الله من انقباضه عن العلم وما فيه فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع قلبه عليه وفي هذه الحال من أراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه وأما قبض التفرقة فهو القبض الذي يحصل من تفرق قلبه عن الله وتشتته عنه في الشعاب والأودية فأقل عقوبته ما يجده من القبض الذي يتمنى معه الموت وأما القبض الذي أشار إليه صاحب المنازل فهو شيء وراء هذا كله فإنه جعله من قسم الحقائق وذلك القبض الذي تقدم ذكره من قسم البدايات ولهذا قال القبض في هذا الباب اسم يشار به إلى مقام الضنائن ومن هنا حسن استشهاده بإشارة الآية لأنه تعالى أخبر عن قبض الظل إليه والقبض في هذا الباب يتضمن قبض القلب عن غيره إليه وجمعيته بعد التفرقة عليه والضنائن جمع ضنينة وهي الخاصة يضن بها صاحبها أي يبخل ببذلها ويصطفيها لنفسه ولهذا قال الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه والادخار افتعال من الذخر وهو ما يعده المرء لحوائجه ومصالحه والاصطناع بمعنى الاصطفاء قال تعالى لموسى واصطنعتك لنفسي والاصطناع في الأصل اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى غيرك قال الشاعر وإذا اصطنعت صنيعة فاقصد بها وجه الذي يولي الصنائع أودع قال ابن عباس اصطنعتك لوحيي ورسالتي وقال الكلبي اخترتك بالرسالة لنفسي لكي تحبني وتقوم بأمري
وقيل اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي فتكلم عبادي عني قال أبو إسحاق اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في الخطاب والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم وقيل مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص أهلا لكرامته وتقريبه فلا يكون أحد أقرب منه منزلة إليه ولا ألطف محلا فيصطنعه بالكرامة والأثرة ويستخلصه لنفسه بحيث يسمع به ويبصر به ويطلع على سره والمقصود أن الرب سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلق بالخلق وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه قال وهم على ثلاث فرق فرقة قبضهم إليه قبض التوقي فضن بهم عن أعين العالمين هذا الحرف في التوقي بالقاف من الوقاية وليس من الوفاة أي سترهم عن أعين الناس وقاية لهم وصيانة عن ملابستهم فغيبهم عن أعين الناس فلم يطلعهم عليهم وهؤلاء هم أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان ولعلهم الذين قال فيهم النبي يوشك أن يكون خير مال المرء غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر وقوله ورجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعضها وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من هؤلاء فالعزلة في وقت تجب فيه ووقت تستحب فيه ووقت تباح فيه ووقت تكره فيه وقت تحرم فيه ويجوز أن يكون قبض التوفي بالفاء أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في الدنيا لكن لما لم يخالطوا الناس كانوا بمنزلة من قد توفي وفارق الدنيا قال وفرقة قبضهم بسترهم في لباس التلبيس وأسبل عليهم أكلة الرسوم فأخفاهم عن عيون العالم هذه الفرقة هم مع الناس مخالطون والناس يرون ظواهرهم وقد ستر الله حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها فحالهم ملتبس على الناس لا يعرفونه فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا من الأكل والشرب واللباس والنكاح وطلاقة الوجه وحسن العشرة قالوا هؤلاء من أبناء الدنيا وإذا رأوا ذلك الجد والهمم والصبر والصدق وحلاوة المعرفة والإيمان والذكر وشاهدوا منهم أمورا ليست من أمور أبناء الدنيا قالوا هؤلاء من أبناء الآخرة فالتبس حالهم عليهم وهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليهم اعرفوني فهؤلاء يكونون مع الناس والمحجوبون لا يعرفونهم ولا يرفعون بهم رءوسا وهم من سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس كرامة لهم لئلا يفتتنوا بهم وإهانة للجهال بهم فلا ينتفعون بهم وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل مالا يعلمه إلا الله فهم بين الناس بأبدانهم وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة فإن روح كل عبد تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبهم فإن المرء مع من أحبه قوله وأسبل عليهم أكلة الرسوم أي أجرى عليهم أحكام الخلق يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون ويسكنون حيث يسكنون ويمشون معهم في الأسواق ويعانون معهم الأسباب وهم في واد والناس في واد فمشاركتهم إياهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم وعن إدراك حقائقهم فهم تحت ستور المشاركة ووراء هاتيك الستور محجب بالحسن كل العز تحت لوائه لو أبصرت عيناك بعض جماله لبذلت منك الروح في إرضائه ما طابت الدنيا بغير حديثه كلا ولا الأخرى بدون لقائه يا خاسرا هانت عليه نفسه إذ باعها بالغبن من أعدائه لو كنت تعلم قدر ما قد بعته لفسخت ذاك البيع قبل وفائه أو كنت كفوا للرشاد وللهدى أبصرت لكن لست من أكفائه
قوله وفرقة قبضهم منهم إليه فصافاهم مصافاة سر فضن بهم عليهم هذه الفرقة إنما كانت أعلى من الفرقتين المتقدمتين لأن الحق سبحانه قد سترهم عن نفوسهم لكمال ما أطلعهم عليه وشغلهم به عنهم فهم في أعلى الأحوال والمقامات ولا التفات لهم إليها فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه فلم يكونوا من السوى ولا السوى منهم بل هم مع السوى بالمجاورة والامتحان لا بالمساكنة والألفة قلوبهم عامرة بالأسرار وأرواحهم تحن إليه حنين الطيور إلى الأوكار قد سترهم وليهم وحبيبهم عنهم وأخذهم إليه منهم قوله فصافاهم مصافاة سر أي جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبهم للطف إدراكهم فلم تظهر عليهم في ظواهرهم لقوة الاستعداد قوله فضن بهم عليهم أي أخذهم عن رسومهم فأفناهم عنهم وأبقاهم به وقد علمت من هذا أن القبض المشار إليه في هذا الباب ليس هو القبض الذي يشير إليه القوم في البدايات والسلوك والله أعلم فصل قال صاحب المنازل باب البسط قال الله تعالى يذرؤكم فيه قلت وجه تعلقه بإشارة الآية هو أن الله سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة قال الكلبي يكثركم في هذا التزيج ولولا هذا التزويج لك لم يكثر النسل والمعنى يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعله لكم أزواجا فإن سبب خلقنا وخلق الحيوان بالأزواج والضمير في قوله فيه يرجع إلى الجعل ومعنى الذرء الخلق وهو هنا الخلق الكثير فهو خلق وتكثير فقيل في بمعنى الباء أي يكثركم بذلك وهذا قول الكوفيين والصحيح أنها على بابها والفعل تضمن معنى ينشئكم وهو يتعدى بفي كما قال تعالى وننشئكم فيما لا تعلمون فهذا تفسير الآية ولما كانت الحياة حياتين حياة الأبدان وحياة الأرواح وهو سبحانه الذي يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه ولطفه وبسطه كان ذلك تنمية لها وتكثيرا وذرءا والله أعلم قال صاحب المنازل البسط أن يرسل شواهد العبد في مدارج العلم ويسبل على باطنه رداء الاختصاص وهم أهل التلبيس وإنما بسطوا في ميدان البسط بعد ثلاث معان لكل معنى طائفة يريد أن البسط إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم ويكون باطنه مغمورا بالمراقبة والمحبة والأنس بالله فيكون جماله في ظاهره وباطنه فظاهره قد اكتسى الجمال بموجب العلم وباطنه قد اكتسى الجمال بالمحبة والرجاء والخوف والمراقبة والأنس فالاعمال الظاهرة له دثار والاحوال الباطنة له شعار فلا حاله ينقص عليه ظاهر حكمه ولا علمه يقطع وارد حاله وقد جمع سبحانه بين الجمالين أعني جمال الظاهر وجمال الباطن في غير موضع من كتابه منها قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ومنها قوله تعالى في نساء الجنة فيهن خيرات حسان فهن حسان الوجوه خيرات الأخلاق ومنها قوله تعالى ولقاهم نضرة وسرورا فالنضرة جمال الوجوه والسرور وجمال القلوب ومنها قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فالنضرة تزين ظواهرهم والنظر يجمل بواطنهم ومنها قوله تعالى وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا فالأساور جملت ظواهرهم والشراب الطهور طهر بواطنهم ومنها قوله تعالى إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد فجمل ظاهرها بالكواكب وباطنها بالحراسة من الشياطين رجعنا إلى شرح كلامه قوله وهم أهل التلبيس يعني أنهم المذكورون في باب القبض وهم الفرقة الثانية الذين ستروا بلباس التلبيس عن أعين الناس فلا ترى حقائقهم قوله وإنما بسطوا في ميدان البسط أي بسطهم الحق سبحانه على لسان رسوله لا ما يظنه الملحد أنه السماع الشهي وملاحظة المنظر البهي ورؤية الصور المستحسنات وسماع الآلات المطربات
نعم هذا ميدان بسطه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن فميدان الرحمن الذي بسطه هو الذي نصبه لأنبيائه وأوليائه وهو ما كان عليه رسول الله مع أصحابه وأهله ومع الغريب والقريب وهي سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه والوقوف مع من استوقفه والمزاح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا وإجابة الدعوة ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو مباحا يعين عليهما قوله فطائفة بسطت رحمة للخلق يباسطونهم ويلابسونهم فيستضيئون بنورهم والحقائق مجموعة والسرائر مصونة جعل الله انبساطهم مع الخلق رحمة لهم كما قال تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فالرب سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدى بهم السالك ويهتدي بهم الحيران ويشفى بهم العليل ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا فإن حركاتهم وسكونهم لما كانت بالله ولله وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم وهذا النور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة والعلماء ثلاثة عالم استنار بنوره واستنار به الناس فهذا من خلفاء الرسل وورثة الأنبياء وعالم استنار بنوره ولم يستنر به غيره فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصرا على نفسه فبينه وبين الأول ما بينهما وعالم لم يستنر بنوره ولا استنار به غيره فهذا علمه وبال عليه وبسطته للناس فتنة لهم وبسطة الأول رحمة لهم قوله وتصميم والحقائق مجموعة والسرائر مصونة أي انبسطوا والحقائق التي في سرائرهم مجموعة في بواطنهم فالانبساط لم يشتت قلوبهم ولم يفرق هممهم ولم يحل عقد عزائمهم قوله وسرائرهم مصونة مستورة لم يكشفوها لمن انبسطوا إليه وإن كان البسط يقتضي الإلف وإطلاع كل من المتباسطين على سر صاحبه فإياك ثم إياك أن تطلع من باسطته على سرك مع الله ولكن اجذبه وشوقه واحفظ وديعة الله عندك لا تعرضها للاسترجاع قال وطائفة بسطت لقوة معاينتهم وتصميم مناظرهم لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم فهم مبسوطون في قبضة القبض إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن ما قبلها لأرباب الأعمال وهذه لأرباب الأحوال بسطت الأولى رحمة للخلق وبسطت هذه اختصاصا بالحق وقوله لقوة معاينتهم إما أن يكون المعنى لقوة إدراك معاينتهم أو لقوة ظهور معاينتهم لبواطنهم أو لقوتها وبيانها في نفسها والمعنى أنه لا يطمع البسط أن يحجبهم عن معاينة مطلوبهم لأن قوة المعاينة منعت وصول البسط إلى إزالتها وإضعافها قوله وتصميم مناظرهم يعني ثبات مناظر قلوبهم وصحتها فليسوا ممن يحول بين نظر قلوبهم وبين ما تراه قتر من شك ولا غيم من ريب فاللطيفة الانسانية المدركة لحقيقة ما أخبروا به من الغيب صحيحة وهي شديدة التوجه إلى مشهودها فلم يقدر البسط على حجبها عن مشهودها قوله لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم أي لا تمازج الشواهد مشهودهم فيكون إدراكهم بالاستدلال بل مشهودهم حاضر لهم لم يدركوه بغيره فلا تخالط مشاهدتهم له شواهد من غيره والشواهد مثل الأمارات والعلامات وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيل فإن الله سبحانه أقام الشواهد عليه وملأ بها كتابه وهدى عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها ولكن العارف إذا حصل له منها الدلالة ووصل منها إلى اليقين انطوى حكمها عن شهوده وسافر قلبه منها إلى المطلوب المدلول عليه بها ورآها كلها أثرا من آثار أسمائه وصفاته وأفعاله المشهود المدلول عليه بها معاينة للقلب والبصيرة للصانع إذا عاين صنعته فكأنه يرى الباني وهو يبني ما شاهده من البناء المحكم المتقن لأن الشواهد والأدلة تبطل ويبطل حكمها فتأمل هذا الموضع فإنه قد غلط فيه فريقان فريق أساءوا الظن بمن طوى حكم الشواهد والأدلة ونسبوهم إلى ما نسبوهم إليه وفريق رأوا أن الشواهد نفس المشهود والدليل عين المدلول عليه ولكن كان في الابتداء شاهدا ودليلا وفي الانتهاء مشهودا ومدلولا
قوله ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم شبه الرسوم بالرياح لأن معاني الصور الخلقية تمر على أهل الشهود الضعيف فتحرك بواطنهم بنوع من الشك والريب فهؤلاء الذين بسطهم الحق تعالى سالمون من ذلك قوله فهم منبسطون في قبضة القبض أي هم في حال انبساطهم غير محجوبين عن معاني القبض بل هم مبسوطون بقبضه إياهم عن غيره فلا يتنافى في حقهم البسط والقبض بل قبضهم إليه في بسطهم وبسطهم به في قبضهم وجعل للقبض قبضة ترشيحا للاستعارة قال وطائفة بسطت أعلاما على الطريق وأئمة للهدى ومصابيح للسالكين إنما كانت هذه الفرقة أعلى من الفرقتين لأنها شاركتهما في درجتيهما واختصت عنهما بهذه الدرجة فاتصفت بما اتصفت به الأولى من الأعمال واتصفت بما اتصفت به الثانية من الأحوال وزادت عليهما بالنفع للسالكين والهداية للحائرين والإرشاد للطالبين فاهتدى بهم الحائر وسار بهم الواقف واستقام بهم الحاند وأقبل بهم المعرض وكمل بهم الناقص ورجع بهم الناكص وتقوى بهم الضعيف وتنبه على المقصود من هو في الطريق وهؤلاء هم خلفاء الرسل حقا وهم أولوا البصر واليقين فجمعوا بين البصيرة والبصر قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فنالوا إمامة الدين بالصبر واليقين فصل قال صاحب المنازل باب السكر قال الله تعالى حاكيا عن موسى كليمه رب أرني أنظر إليك وجه استدلاله باشارة الآتية أن موسى لما استقر في قلبه وروحه وسمعه وبصره الاستلذاذ بكلام ربه له فحصل له من سماع ذلك الكلام وطيب ذلك الخطاب ولذة ذلك التكليم ما يجل ويعظم ويكبر أن يسمى سكرا أو يشبه بالسكر جرى على لسانه أن طلب الرؤية له سبحانه في تلك الحال قال السكر في هذا الباب اسم يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب وهذا من مقامات المحبين خاصة فإن عيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه قوله يشار به إلى سقوط التمالك يعني عدم الصبر تقول ما تمالكت أن أفعل كذا أي ما قدرت أن أصبر عنه فكأنه قال هو اسم لقوة الطرب الذي لا يدفعه الصبر وهذا المعنى لم يعبر عنه في القرآن ولا في السنة ولا العارفون من السلف بالسكر أصلا وإنما ذلك من اصطلاح المتأخرين وهو بئس الاصطلاح فإن لفظ السكر والمسكر من الألفاظ المذمومة شرعا وعقلا وعامة ما يستعمل في السكر المذموم الذي يمقته الله ورسوله قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وعبر به سبحانه عن الهول الشديد الذي يحصل للناس عند قيام الساعة فقال تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ويقال فلان أسكره حب الدنيا وكذلك يستعمل في سكر الهوى المذموم فأين أطلق الله سبحانه أو رسوله أو الصحابة أو أئمة الطريق المتقدمون على هذا المعنى الشريف الذي هو من أشرف أحوال محبيه وعابديه اسم السكر المستعمل في سكر الخمر وسكر الفواحش كما قال عن قوم لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فوصف بالسكر أرباب الفواحش وأرباب الشراب المسكر فلا يليق استعماله في أشرف الأحوال والمقامات ولا سيما في قسم الحقائق ولا يطلق على كليم الرحمن اسم السكر في تلك الحال والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة وأيضا فمن المعلوم أن هذا الحال يحصل في الجنة عند رؤية الرب تعالى وسماع كلامه على أتم الوجوه ولا يسمى سكرا ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا الاسم وإنما المنكر تسميته بهذا الاسم ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك اسم الشراب أو تسمية المعارف بالخمر والواردات بالكؤوس والله جل جلاله بالساقي فهذه الاستعارات والتسمية هي التي فتحت هذا الباب وأما قوله وهو من مقامات المحبين خاصة فلا بد من بيان حقيقة السكر وسببه وتولده وهل هو مقدور أو غير مقدور وبيان انقسامه باعتبار ذاته وأسبابه ومحله لتكون الفائدة بذلك أتم
فنقول وبالله التوفيق السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز فلا يعلم صاحبه ما يقول قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول فإذا علم ما يقول خرج عن حد السمر قال الإمام أحمد السكران من لم يعرف ثوبه من ثوب غيره ونعله من نعل غيره ويذكر عن الشافعي أنه قال إذا اختلط كلامه المنظوم وأفشى سره المكتوم فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز وقاصد السكر قد يقصدهما جميعا وقد يقصد أحدهما فإن النفس لها هوى وشهوات تلتذ بإدراكها والعلم بما في تلك اللذات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها والعقل يأمرها بأن لا تفعل فإذا زال العلم الكاشف المميز والعقل الآمر الناهي انبسطت النفس في هواها وصادفت مجالا واسعا وحرم الله سبحانه السكر لشيئين ذكرهما في كتابه وهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل وانتفاء المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل وإيقاع العداوة من الأول والصد عن ذكر الله من الثاني وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر إما ألم شديد يغيب به العقل حتى يكون كالسكران وقد يكون سببه مخوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل من هجم عليه ومن هذا قوله تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد فهم سكارى من الدهش والخوف وليسوا بسكارى من الشراب فسكرهم سكر خوف ودهش لا سكر لذة وطرب وقد يكون سببه قوة الفرح بإدراك المحبوب بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر وربما قتله سكر هذا الفرح لسبب طبيعي وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد والدم حامل الحار الغريزي فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت ومن هذا قول سكران الفرح بوجد راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة فرحه وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور في نفسك حال فقير معدم عاشق للدنيا أشد العشق ظفر بكنز عظيم فاستولى عليه آمنا مطمئنا كيف تكون سكرته أو من غاب عنه غلامه بمال له عظيم مدة سنين حتى أضر به العدم فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله وقد كسب أضعافه وقد يوجبه غضب شديد يحول بين الغضبان وبين تمييزه بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب ولهذا قال النبي لا يقض القاضي بين اثنين وهو غضبان ولا يستريب من شم رائحة الفقه أن الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلق لم يقع طلاقه وقد نص الإمام أحمد على أن الإغلاق الذي قال فيه النبي لا طلاق ولا عتاق في إغلاق أنه الغضب وقال أبو داود أظنه الغضب والشافعي سمى نذر اللجاج والغضب نذر الغلق وذلك لأن الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدة غضبه وإذا كان الإكراه غلقا فالغضب الشديد أولى أن يكون غلقا وكذلك السكر غلق والجنون غلق فالغلق والإغلاق أيضا كلمة جامعة لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسبب من الأسباب وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمى إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان فصل ومن أسباب السكر حب الصور وغيرها سواء كانت مباحة أو محرمة فإن الحب إذا استحكم وقوي أسكر صاحبه وهذا مشهور في أشعارهم وكلامهم كما قال الشاعر سكران سكر هوى وسكر مدامة ومتى إفاقة من به سكران وقال آخر من أبيات تسقيك من عينها خمرا ومن يدها خمرا فما لك من سكرين من بد لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي
وفي المسند عن النبي حبك الشيء يعمي ويصم أي يعمي عن رؤية مساوئ المحبوب ويصم عن سماع العذل واللوم فيه وإذا تمكن واستمكن أعمي قلبه وأصمه بالكلية وهذا أبلغ من السكر فإذا انضم إلى سكر المحبة فرحة الوصال قوي السكر وتضاعف فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر وأكثر ما ترى من عربدة العاشق وتخليطه هو من هذا السكر ولكن لما ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه وإنما ينكره من كان خارجا عنه فإذا أفاقوا بين الأموات علموا أنهم حينئذ كانوا في سكرتهم يعمهون فصل ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له سماع الأصوات المطربة لا سيما إن كانت من صورة مستحسنة وصادفت محلا قابلا فلا تسأل عن سكر السامع وهذا السكر يحدث عندها من جهتين إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل الثانية أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنا ما كان فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره في النفس وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكر لذة عظيمة تقهر العقل فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان فتسكر الروح سكرا عجيبا أقوى وألذ من سكر الشراب وتحصل به نشوة ألذ من نشوة الشراب ومن ههنا استشهد الشيخ على السكر بقول موسى عليه السلام لما سمع كلام الرب جل جلاله رب أرني أنظر إليك وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أن الله سبحانه وتعالى يقول يوم القيامة لداود مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول يا رب كيف وقد أذهبته المعصية فيقول الله تعالى أنا أرده عليك فيقوم عند ساق العرش فيمجده فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم منه إليهم بلا واسطة وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة أثرا في ذلك كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن جل جلاله فإذا انضاف إلى ذلك رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها فأمر لا تدركه العبارة ولا قليلا من كثير فهذا صوت لا يلج كل أذن وصيب لا تحيا به كل أرض وعين لا يشرب منها كل وارد وسماع لا يطرب عليه كل سامع ومائدة لا يجلس عليها طفيلي فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول السكر سببه اللذة القاهرة للعقل وسبب اللذة إدراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وإدراك المحبوب قويا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين فإذا كان العقل قويا مستحكما لم يتغير لذلك وإن كان ضعيفا حدث السكر المخرج له عن حكمه فقد يضاف إلى قوة الوارد وقد يضاف إلى ضعف المحل وقد يجتمع الأمران قال صاحب المنازل وعيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه لما كان الفناء يفنى من العبد كل ما سوى مشهوده ويفني معاني كل شيء وكان السكر كما حده بأنه سقوط التمالك في الطرب كان في السكران بقية طرب بها وأحس بها بطربه بحيث لم يتمالك في الطرب والفناء يأبى ذلك فحقائقه لا تقبل السكر والحاصل أن الفناء استغراق محض والسكر معه لذة وطرب لا يتمالك صاحبها ولا يقدر أن يفنى عنها والمقصود أن السكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين لأن أعلى مقاماتهم هو الفناء عنده فمقامهم لا يقبل السكر قوله ومنازل العلم لا تبلغه صحيح فإن علم المحبة والشوق والعشق شيء وحال المحبة شيء آخر والسكر لا ينشأ عن علم المحبة وإنما ينشأ عن حالها فكأنه يقول السكر صفة وحالة نقص لمن مقامه فوق مقام العلم ودون مقام الشهود والفناء وهو مختص بالمحبة لأن المحبة هي آخر منزلة يلتقي فيها مقدمة العامة وهم أهل طور العلم وساقة الخاصة وهم أهل طور الشهود والفناء فالبرزخ الحاصل بين المقامين هو مقام المحبة فاختص به السكر فصل قال وللسكر ثلاث علامات الضيق عن الاشتغال بالخبر والتعظيم قائم واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم والغرق في بحر السرور والصبر هائم
يريد أن المحب تشغله شدة وجده بالمحبوب وحضور قلبه معه وذوبان جوارحه من شدة الحب عن سماع الخبر عنه وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن المحب الصادق أحب شيء إليه الخبر عن محبوبه وذكره كما قال عثمان ابن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وقال بعض العارفين كيف يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا أن المحب الصادق يمتلئ قلبه بالمحبة فتكون هي الغالبة عليه فتحمله غلبتها وتمكنها على أن لا يغفل عن محبوبه ولا يشتغل قلبه بغيره ألبتة فيسمع من الفارغين ما ورد في حق المحبين ويسمع منهم أوصاف حبيبه والخبر عنه فلا يكاد يصبر على أن يسمع ذلك أبدا لضيق قلبه عن سماعه من قلب غافل وإلا فلو سمع هذا الخبر ممن هو شريكه في شجوه وأنيسه في طريقه وصاحبه في سفره لما ضاق عنه بل لاتسع له غاية الاتساع فهذا وجه ووجه ثان وهو أن السكران بالمحبة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب فاجتمعت قوى قلبه وهمه وإرادته عليه ومعاني الخبر فيها كثرة وانتقال من معنى إلى معنى فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتى إذا صحا اتسع قلبه لها قوله والتعظيم قائم أي ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطراحا له ورغبة عنه وكيف وهو خبر عن محبوبه واردا منه بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال به وتعظيمه قائم في قلبه فهو مشغول بوجده وحاله عما يفرقه عنه وهذا يحسن إذا كان المشتغل به أحب إلى حبيبه من المشتغل عنه فأما إذا كان ما أعرض عنه أحب إلى الحبيب مما اشتغل به فشرع المحبة يوجب عليه إيثار أعظم المحبوبين إلى حبيبه وإلا كان مع نفسه ووجده ولذته قوله واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم اقتحام لجة الشوق وهو ركوب بحره وتوسطه لا الدخول في حاشيته وطرفه والتمكن المشار إليه هو لزوم أحكام العلم من العمل به ولزوم أحكام الورع والقيام بالأوراد الشرعية فلزوم ذلك دوامه علامة صحة الشوق قوله والغرق في بحر السرور والصبر هائم أي يكون المحب غريقا في بحر السرور ولا يفارقه السرور حتى كأنه بحر قد غرق فيه فكما أن الغريق لا يفارقه الماء كذلك المحب لا يفارقه السرور ومن ذاق مقام المحبة عرف صحة ما يقوله الشيخ فإن نعيم المحبة في الدنيا رقيقة ولطيفة من نعيم الجنة في الآخرة بل هو جنة الدنيا فما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله ومحبته ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته فنعيم المحب دائم وإن مزج بالآلام أحيانا فلو عرف المشغولون بغير الحق سبحانه ما فيه أهل محبته وذكره ومعرفته من النعيم لتقطعت قلوبهم حسرات ولعلموا أن الذي حصلوه لا نسبة له إلى ما ضيعوه وحرموه كما قيل ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها وأنت وحيد مفرد غير عاشق وقال الآخر وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ولا خير فيمن لا يحب ويعشق وقال الآخر هل العيش إلا أن تروح وتغتدي وأنت بكأس العشق في الناس نشوان وقال الآخر وما تلفت إلا من العشق مهجتي وهل طاب عيش لامرئ غير عاشق وقال الآخر وما سرني أني خلي من الهوى ولو أن لي ما بين شرق ومغرب وقال الآخر ولا خير في الدنيا بغير صبابة ولا في نعيم ليس فيه حبيب وقال الآخر وما طابت الدنيا بغير محبة وأي نعيم لامرئ غير عاشق وقال الآخر أسكن إلى سكن تلذ بحبه ذهب الزمان وأنت منفرد به وقال الآخر إذا لم تذق في هذه الدار صبوة فموتك فيها والحياة سواء وقال الآخر وما ذاق طعم العيش من لم يكن له حبيب إليك يطمئن ويسكن وقال الآخر ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر حبيبا ولا وافى إليه حبيب قال الآخر يزور فتنجلي عني هموم لأن جلاء حزني في يديه ويمضي بالمسرة حين يمضي لأن حوالتي فيها عليه قال أبو المنجاب رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم بين الضعف يلوذ ويتعوذ وينشد
وودت بأن الحب يجمع كله فيقذف في قلبي وينغلق الصدر ولا ينقضي ما في فؤادي من الهوى ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر والأخبار في المحبين وأشعارهم في ذلك أكثر من أن تحصى هذا وكل منهم معذب بمحبوبه سوى الحق سبحانه ولو ظفر بوصاله فما الظن بمن قصر حبه على الحبيب الأول وكلما دعته نفسه إلى محبة غيره تمثل بقول القائل نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول قوله والصبر هائم أن يكون غريقا في سروره بالمحبة وصبره مفقود والهيمان هو التشتت والحيرة قوله وما سوى هذا فحيرة تنحل اسم السكر جهلا أو هيمانا يسمى باسمه جورا يقول وما سوى ما ذكرناه من العلامات الثلاث وإن كان من المحبة إلا أنه لا ينبغي أن يسمى سكرا مثل الحياة فإنها تعطي اسم السكر عند الجهال ومثل الهيمان فإنه يسميه من لا يعرف السكر سكرا وذلك جور وخروج عن التحقيق وعدول عن الصواب قوله وما سوى ذلك فكله يناقض البصائر كسكر الحرص وسكر الجهل وسكر الشهوة أي هذه الأنواع من السكر أنواع مذمومة تناقض البصائر فسكر الحرص ينشأ من شدة الرغبة في الدنيا وعدم الزهد فيها والحريص عليها سكران في صورة صاح وكذلك سكر الجهل فإن الجهل جهلان جهل العلم وجهل العمل فإذا تحكم الجهلان فلا تسأل عن سكر صاحبهما وكذلك سكر الشهوة فإن لها سكرا أشد من سكر الخمر وكذلك سكر الغضب وسكر الفرح وكذلك سكر السلطان والرئاسة فإن للرئاسة سكرا وعربدة لا تخفى وكذلك الشباب له سكرة قوية وهي شبعه من الجنون وكذلك الخوف له سكرة تحول بين الخائف وبين حكم العقل سكرات خمس إذا مني المر ء بها صار ضحكة للزمان سكرة الحرص والحداثة والعش ق وسكر الشراب والسلطان وآخر ذلك سكرة الموت التي تأتي بالحق هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون فصل قال صاحب المنازل باب الصحو قال الله تعالى حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وجه استدلاله بإشارة الآية أن الله سبحانه إذا تكلم بالوحي صعقت الملائكة وأخذهم شبه الغشي من تكلم الرب جل جلاله فإذا كشف الفزع عن قلوبهم وخلي عنها وأفاقوا من ذلك الغشي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فيستخبر كل أهل سماء من يليهم حتى ينتهي الأمر إلى أهل السماء السابعة فيسألون جبريل يا جبريل ماذا قال ربنا فيقول قال الحق وهو العلي الكبير قال الصحو فوق السكر وهو يناسب مقام البسط والصحو مقام صاعد عن الانتظار مغن عن الطلب طاهر من الحرج فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق كل ما كان في عين الحق لم يخل من حيرة لا حيرة الشبهة بل حيرة مشاهدة نور العزة وما كان بالحق لم يخل من صحة ولم تحف عليه نقيصة ولم تتعاوره علة والصحو من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود قوله الصحو فوق السكر يعني أن السكر يكون في الانفصال والصحو في الاتصال وأيضا فالسكر فناء والصحو بقاء وأيضا فالسكر غيبة والصحو حضور وأيضا فالسكر غلبة والصحو تمكن وأيضا فالسكر كالنوم والصحو كاليقظة وبعضهم يفضل مقام السكر على مقام الصحو ويقول لولا البقية التي بقيت فيه لما صحا وينشد متمثلا ومهما بقي للصحو فيك بقية يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل وهذا غلط محض لما ذكرنا نعم السكر فوق الصحو الفارغ والسكران بالمحبة خير من الصاحي منها والصاحي بها خير من السكران فيها قوله وهو يناسب مقام البسط وجه المناسبة بينهما أن الانبساط لا يكون إلا مع الصحو وإلا فالسكر لا يحتمل الانبساط قوله والصحو مقام صاعد عن الانتظار يعني انتظار الحضور فإن الصاحي متمكن في الحضور ولذلك أشبه مقامه مقام البسط فالصحو أعلى من أن يصحبه الانتظار لأن صاحبه قد اتصل فهو لا ينتظر الاتصال ولذلك قال مغن عن الطلب فإن الطالب إنما يطلب الوصول إلى مطلوبه وهذا قد اتصل فصحوه مغن له عن طلبه
وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن الطلب لا يفارق العبد ما دامت الحياة تصحبه نعم صحوه مغن عن طلب حظ من حظوظه وأما طلب محاب محبوبه ومراضيه فهو أكمل ما يكون لها طلبا فإن قيل إن مراد الشيخ أنه مغن عن التوجه والسلوك فإنه واصل والسالك لا يزال في الطريق قلت العبد لا يزال في الطريق حتى يلحق الله تعالى قال الله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين وهو الموت بإجماع أهل العلم كلهم قال الحسن لم يجعل الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت وتقسيم أبناء الآخرة إلى طالب وسالك وواصل صحيح باعتبار فاسد باعتبار فكأنهم جعلوا السير إلى الله تعالى بمنزلة السير إلى بيته فالناس ثلاثة طالب للسفر ومسافر في الطريق وواصل إلى البيت وهذا موضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ولا بد من تحقيقه فنقول وبالله التوفيق ومنه الاستمداد وهو المستعان هذا المثال غير مطابق فإن الوصول إلى البيت هو غاية الطريق فإذا وصل فقد انقطعت طريقه وانتهى سفره وليس كذلك الوصول إلى الله فإن العبد إذا صل إلى الله جذبه سيره وقوى سفره فعلامة الوصول إلى الله الجد في السير والاجتهاد في السفر وهذا الموضع هو مفرق الطريقين بين الموحدين والملحدين فالملحد يقول السفر وسيئته والاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية بطالة ومتى وصل العبد سقطت عنه أحكام السفر وصار كما قيل فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر ودعي بعض هؤلاء إلى الصلاة وقد أقيمت فقال يطالب بالأولاد من كان غافلا فكيف بقلب كل أوقاته ورد وقيل لملحد آخر منهم ألا تصلي فقال أنتم مع أورادكم ونحن مع وارداتنا وهؤلاء هم الذين صاح بهم أئمة الطريق وأخرجوهم من دائرة الإسلام وقال بعضهم نعم وصلوا ولكن إلى الشيطان لا إلى الرحمن وقال آخر وصلوا ولكن إلى سقر فكل واصل إلى الله فهو طالب له وسالك في طريق مرضاته نعم بداية الأمر الطلب وتوسطه السلوك ونهايته الوصول وسيأتي بيان حقيقة الوصول الذي يشير إليه القوم في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى والمقصود أن قوله مغن عن الطلب كلام يحتاج إلى تأويل وحمل على معنى يصح فإما أن يحمل على أنه مغن عن تكلف الطلب فلا يريد هذا على هذا المعنى وإما أن يحمل على أنه مغن عن رؤيته وهذا أقرب ولكن لا يريده وإما أن يحمل على أنه قد وصل إلى مشاهدة الأولية حيث تنطوي الأكوان والأسباب ولا يبقى للطلب تأثير ألبتة فإنه من عين الجود وحصول المطلوب لم يكن موقوفا عليه ولا به وإنما هو ممن وجود كل شيء به وحده فهو الموجد والمعد والممد وبيده الأسباب وسببيتها وقواها وموانعها ومعارضها فالأمر كله له وبه ومصيره إليه فهذا معنى صحيح في نفسه ولكن صاحب هذا المقام لا يستغنى عن الطلب قوله طاهر من الحرج أي خال منه لا حرج عليه لأنه قائم بوظائف العبودية في سكره وصحوه قوله فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق يريد أن السكر إنما هو في محبته والشوق إليه فقلبه مستغرق في الحب والصحو إنما هو بالحق أي بوجوده وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان وعبارة وافية فنقول والله المستعان المحب له حالتان حالة استغراق في محبة محبوبه كاستغراق صاحب السكر في سكره وذلك عند استغراقه في شهود جماله وكماله فلا يبقى فيه متسع لسواه ولا فضل لغيره فإذا رآه من لم يعرف حاله ظنه سكرا فهذا استغراق في محبوبه وصفاته ونعوته
الحالة الثانية حالة صحو يفيق فيها على عبوديته والقيام بمرضاته كالمسارعة إلى محابه فهو في هذا الحال به أي متصرف في أوامره ومحابه به ليس غائبا عنه بأوامره ولا غائبا به عن أوامره فلا يشغله واجب أوامر وحقوقه عن واجب محبته والإنابة إليه والرضى به ولا يشغله واجب حبه عن أوامره بل هو مقتد بإمام الحنفاء إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه فإنه كان في أعلى مقامات المحبة وهي الخلة ولم يشغله ذلك عن القيام بخصال الفطرة من الختان وقص الشارب وتقليم الأظافر فضلا عما هو فوق ذلك فوفى المقامين حقهما ولهذا أثنى الله عليه بذلك فقال وإبراهيم الذي وفى قوله وكلما كان في عين الحق لم يخل من حيرة يريد بذلك تفضيل مقام الصحو على مقام السكر ورفعه عليه وأن السكر لما كان في عين الحق كان مستلزما لنوع من الحيرة ثم استدرك فقال لا حيرة الشبهة فإنها تنافي أصل عقد الإيمان ولكن حيرة المشاهدة أنوار العزة وهي دهشة تعتري الشاهد لأمر عظيم جدا لا عهد له بمثله بخلاف مقام الصحو فإنه لقوته وثباته وتمكنه لا يعرض له ذلك وحاصل كلامه أن من كان ناظرا في عين الحقيقة لزمته الحيرة وهي حيرة مشاهدة أنوار العزة لا حيرة من ضل عن طريق مقصوده فإن الشبهة هي اشتباه الطريق على السالك بحيث لا يدري أعلى حق هو أم على باطل وقد تقدم بيان أن مشاهدة نور الذات المقدسة في هذه الدار محال فلا نعيده قوله وما كان بالحق لم يخل من صحة ولم تحف عليه نقيصة ولم تتعاوره علة هذا تقرير منه لرفع مقام الصحو على مقام السكر فإنه لما كان بالله كان محفوظا محروسا من النفس والشيطان اللذين هما مصدر كل باطل وهذا الحفظ هو معنى قوله فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فأين الباطل ههنا ثم قال فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي \ ح \ تحقيقا لحفظ سمعه وبصره وبطشه ومشيه قوله ولم تتعاوره علة التعاور الاختلاف أي لم تتخالف عليه العلل والعلل ملاحظة الأغيار وطاعة القلب للسوى وإجابته لداعيه قوله والصحو من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود هذا تقرير أيضا لرفع مقامه على مقام السكر وقد تقدم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها والمناسبة بين الصحو والحياة أن الحياة هي المصححة لجميع المقامات والأحوال فهي التي ترمي على جميعها كما ترمي الأودية أمواهها على البحار قوله وأودية الجمع الجمع يراد به جمع الوجود وجمع الشهود وجمع الارادة فالأول جمع أهل الالحاد الاتحادية والثاني جمع أهل الفناء والثالث جمع الرسل وورثتهم كما سيأتي تفصيل ذلك في باب الجمع إن شاء الله تعالى فالصحو من أودية الجمع العالي لا النازل ولا المتوسط قوله ولوائح الوجود اللوائح جمع لائحة وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصحو من لوائحه في بابه إن شاء الله تعالى فصل قال صاحب المنازل باب الاتصال قال الله تعالى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدني آيس العقول فقطع البحث بقوله أو أدنى كأن الشيخ فهم من الآية أن الذي دنى فتدلى فكان من محمد قاب قوسين أو أدنى هو الله عز وجل وهذا وإن قاله جماعة من المفسرين فالصحيح أن ذلك هو جبريل عليه الصلاة والسلام فهو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هكذا فسره النبي في الحديث الصحيح قالت عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله عن هذه الآية فقال جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين ولفظ القرآن لا يدل على ذاك غير ذلك من وجوه أحدها أنه قال علمه شديد القوى وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير فقال إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين الثاني أنه قال ذو مرة أي حسن الخلق وهو الكريم المذكور في التكوير
الثالث أنه قال فاستوى وهو بالأفق الأعلى وهو ناحية السماء العليا وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه الرابع أنه قال ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فهذا دنو جبريل وتدليه إلى الأرض حيث كان رسول الله وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول الله كان فوق السموات فهناك دنى الجبار جل جلاله منه وتدلى فالدنو والتدلي في الحديث غير الدنو والتدلي في الآية وإن اتفقا في اللفظ الخامس أنه قال ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى والمرئي عند السدرة هو جبريل قطعا وبهذا فسره النبي فقال لعائشة ذاك جبريل السادس أن مفسر الضمير في قوله ولقد رآه وفي قوله ثم دنى فتدلى وفي قوله فاستوى وفي قوله وهو بالأفق الأعلى واحد فلا يجوز أن يخالف بين المفسر والمفسر من غير دليل السابع أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين الملكي والبشري ونزه البشرى عن الضلال والغواية ونزه الملكي عن أن يكون شيطانا قبيحا ضعيفا بل هو قوي كريم حسن الخلق وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء الثامن أنه أخبر هناك أنه رآه بالأفق المبين وههنا أخبر أنه رآه بالأفق الأعلى وهو واحد وصف بصفتين فهو مبين وهو أعلى فإن الشيء كلما علا بان ظهر التاسع أنه قال ذو مرة والمرة الخلق الحسن المحكم فأخبر عن حسن خلق الذي علم النبي ثم ساق الخبر كله عنه نسقا واحدا العاشر أنه لو كان خبرا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دل على أن رسول الله رأى ربه سبحانه مرتين مرة بالأفق ومرة عند السدرة ومعلوم أن الأمر لو كان كذلك لم يقل النبي لأبي ذر وقد سأله هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه فكيف يخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله أنى أراه وهذا أبلغ من قوله لم أره لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط وهذا يتضمن النفي وطرفا من الإنكار على السائل كما إذا قال لرجل هل كان كيت وكيت فيقول كيف يكون ذلك الحادي عشر أنه لم يتقدم للرب جل جلاله ذكر يعود الضمير عليه في قوله ثم دنى فتدلى والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له وإنما هو لعبده الثاني عشر أنه كيف يعود الضمير إلى ما لم يذكر ويترك عوده إلى المذكور مع كونه أولى به الثالث عشر أنه قد تقدم ذكر صاحبكم وأعاد عليه الضمائر التي تليق به ثم ذكر بعده شديد القوى ذا المرة وأعاد عليه الضمائر التي تليق به والخبر كله عن هذين المفسرين وهما الرسول الملكي والرسول البشري الرابع عشر أنه سبحانه أخبر أن هذا الذي دنى فتدلى كان بالأفق الأعلى وهو أفق السماء بل هو تحتها قد دنى من رسول رب العالمين ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك كان من فوق العرش لا إلى الأرض الخامس عشر أنهم لم يماروه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياها ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات السادس عشر أنه سبحانه قرر صحة ما رآه الرسول وأن مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى فلو كان المرئي هو الرب سبحانه وتعالى والمماراة على ذلك منهم لكان تقرير تلك الرؤية أولى والمقام إليها أحوج والله أعلم قوله آيس العقول بقوله أو أدنى يعني أن العقول لا تقدر أن تثبت على معرفة اتصال هو أدنى من قاب قوسين وهذا بناء على ما فهمه من الآية وإلا فالعقول غير آيسة من دنو رسوله الملكي من رسوله البشري حتى صار في القرب منه قاب قوسين أو أدنى من قوسين فإنه دنو عبد من عبد ومخلوق من مخلوق
يبقى أن يقال فما فائدة ذكر أو فيقال هي لتقرير المذكور قبلها وأن القرب إن لم ينقص عن قدر قوسين لم يزد عليهما وهذا كقوله وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون والمعنى أنهم إن لم يزيدوا على المائة الألف لم ينقصوا عنها فهو تقرير لنصية عدد المائة الألف فتأمله قال والاتصال ثلاث درجات الدرجة الأولى اتصال الاعتصام ثم اتصال الشهود ثم اتصال الوجود واتصال الاعتصام تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم الحال أما القسمان الأولان وهما اتصال الاعتصام واتصال الشهود فلا إشكال فيهما فإنهما مقاما الإيمان والإحسان فاتصال الاعتصام مقام الإيمان واتصال الشهود مقام الإحسان وعندي أنه ليس وراء ذلك مرمى وكل ما يذكر بعد ذلك من اتصال صحيح فهو من مقام الإحسان فاتصال الوجود لا حقيقة له ولكن لا بد من ذكر مراد الشيخ وأهل الاستقامة بهذا الاتصال ومراد أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود منه إذا انتهينا إلى ذكره إن شاء الله فأما اتصال الاعتصام فقد قال الله تعالى واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير وقال تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم وقال تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله وقال واعتصموا بحبل الله جميعا فالاعتصام به نوعان اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجإ وعياذ وإسلام النفس إليه والاستسلام له سبحانه والثاني اعتصام بوحيه وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ومعقولاتهم وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام فالدين كله في الاعتصام به وبحبله علما وعملا وإخلاصا واستعانة ومتابعة واستمرارا على ذلك إلى يوم القيامة قوله ثم اتصال الشهود وتقدم ذكر المشاهدة قريبا وبينا أن المشاهدة هي تحقق مقام الإحسان فالاتصال الأول اتصال العلم والعمل والثاني اتصال الحال والمعرفة قوله ثم اتصال الوجود الوجود الظفر بحقيقة الشيء ومعاذ الله أن يريد الشيخ أن وجود العبد يتصل بوجود الرب فيصير الكل وجودا واحدا كما يظنه الملحد فإن كفر النصارى جزء يسير من هذا الكفر وهو أيضا كلام لا معنى له فإن العبد بل لا عبد في الحقيقة عندهم لم يزل كذلك ولو كان أفسق الخلق وأفجرهم فنفس وجوده متصل بوجود ربه بل هو عين وجوده بل لا رب عندهم ولا عبد وإنما يريد الشيخ باتصال الوجود أن العبد يجد ربه بعد أن كان فاقدا له فهو بمنزلة من كان يطلب كنزا ولا وصول له إليه فظفر به بعد ذلك ووجده واستغنى به غاية الغنى فهذا اتصال الوجود كما في الأثر اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وهذا الوجود من العبد لربه يتنوع بحسب أحوال العبد ومقامه فإن التائب الصادق في توبته إذا تاب إليه وجده غفورا رحيما والمتوكل إذا صدق في التوكل عليه وجده حسيبا كافيا والداعي إذا صدق في الرغبة إليه وجده قريبا مجيبا والمحب إذا صدق في محبته وجده ودودا حبيبا والملهوف إذا صدق في الاستغاثة به وجده كاشفا للكرب مخلصا منه والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه وجده رحيما مغيثا والخائف إذا صدق في اللجإ إليه وجده مؤمنا من الخوف والراجي إذا صدق في الرجاء وجده عند ظنه به فمحبه وطالبه ومريده الذي لا يبغي به بدلا ولا يرضى بسواه عوضا إذا صدق في محبته وإرادته وجده أيضا وجودا أخص من تلك الموجودات فإنه إذا كان المريد منه يجده فكيف بمريده ومحبه فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربه أما ظفره بنفسه فتصير منقادة له مطيعة له تابعة لمرضاته غير آبية ولا أمارة بل تصير خادمة له مملوكة بعد أن كانت مخدومة مالكة وأما ظفره بربه فقربه منه وأنسه به وعمارة سره به وفرحه وسروره به أعظم فرح وسرور فهذا حقيقة اتصال الوجود والله المستعان قوله فاتصال الاعتصام تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم تحقيق الحال
قلت تصحيح القصد يكون بشيئين إفراد المقصود وجمع الهم عليه وحقيقته توحيد القصد والمقصود فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن صحيحا وقد عبر عنه الشيخ فيما تقدم بأنه قصد يبعث على الارتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأعواض فالاتصال في هذه الدرجة بهذا القصد وقوله ثم تصفية الإرادة هو تخليصها من الشوائب وتعيلقها بالسوى أو بالأعواض بل تكون إرادة صافية من ذلك كله بحيث تكون متعلقة بالله وبمراده الديني الشرعي كما تقدم بيانه وقوله ثم تحقيق الحال أي يكون له حال محقق ثابت لا يكتفي بمجرد العلم حتى يصحبه العمل ولا بمجرد العمل حتى يصحبه الحال فتصير الإرادة والمحبة والإنابة والتوكل وحقائق الإيمان حالا لقلبه قد انصبغ قلبه بها بحيث لو تعطلت جوارحه كان قلبه في العمل والسير إلى الله وربما يكون عمل قلبه أقوى من عمل جوارحه قوله الدرجة الثانية اتصال الشهود وهو الخلاص من الاعتلال والغنى عن الاستدلال وسقوط شتات الأسرار الاعتلال هو العوائق والعلل والخلاص منها هو الصحة ولهذا كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها فإن الأولى اتصال بصحة القصود والأعمال وهذه اتصال برؤية من العمل له على تحقيق مشاهدته بالبصيرة فيتخلص العبد بذلك من علل الأعمال واستكثارها واستحسانها والسكون إليها قوله والغنى عن الاستدلال أي هو مستغن بمشاهدة المدلول عليه عن طلب الدليل فإن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول فإذا كان مشاهدا للمدلول فماله ولطلب الدليل وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل عليه من النهار بعض آياته الدالة عليه ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ولهذا خاطب الرسل قومهم خطاب من لا يشك في ربه ولا يرتاب في وجوده قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض قوله وسقوط شتات الأسرار يعني أن الخلاص من الاعتلال والفناء باتصال الشهود عن الاستلال يسقطان عنه شتات الأسرار وهو تفرق باله وتشتت قلبه في الأكوان فإن اتصال شهوده يجمعه على المشهود كما أن دوام الذكر الذي تواطأ عليه القلب واللسان وشهود المذكور يجمعه عليه ويسقط شتاته فالشتات مصحوب الغيبة وسقوطه مصحوب الحضور والله المستعان قوله الدرجة الثالثة اتصال الوجود وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم معار ولمح إليه مشار يقول لما يعهد في هذا النوع من الاتصال وكان أعز شيء وأغربه عن النفوس علما وحالا لم تف العبارة بكشفه فإن اللفظ لملوم والعبارة فتانة إما أن تزيغ إلى زيادة مفسدة أو نقص مخل أو تعدل بالمعنى إلى غيره فيظن أنه هو الذي تمكن العبارة عنه من ذلك أنه غلبه نور القرب وتمكن المحبة وقوة الأنس وكمال المراقبة واستيلاء الذكر القلبي فيذهب العبد عن إدراكه بحاله لما قهره من هذه الأمور فيبقى بوجود آخر غير وجوده الطبيعي وما أظنك تصدق بهذا وأنه يصير له وجود آخر وتقول هذا خيال ووهم فلا تعجل بانكار مالم تحط بعلمه فضلا عن ذوق حاله وأعط القوس باريها وخل المطايا وحاديها فلو أنصفت لعرفت أن الوجود الحاصل لمعذب مضيق عليه في أسوأ حال وأضيق سجن وأنكد عيش إذا فارق هذه الحال وصار إلى ملك هني واسع نافذة فيه كلمته مطاع أمره قد انقادت له الجيوش واجتمعت عليه الأمة فإن وجوده حينئذ غير الوجود الذي كان فيه وهذا تشبيه على التقريب وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأعظم فلهذا قال لا يدرك منه نعت يطابقه ويحيط به فإن الأمور العظيمة جدا نعتها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء وإنما نذكر بعض لوازمها ومتعلقاتها فيدل بالمذكور على غيره قوله ولا مقدار يريد مقدار الشرف والمنزلة كما تقول فلان كبير المقدار قوله إلا اسم معار ولمح إليه يشار لما كان الاسم لا يبلغ الحقيقة ولا يطابقها فكأنه لغيرها وأعير إطلاقه عليها عارية وكذلك اللمح المشار هو الذي يشار به إشارة إلى الحقيقة
وبعد فالشيخ يدندن حول بحر الفناء وكأنه يقول صاحب هذا الاتصال قد فنى في الوجود بحيث صار نقطة انحل تعينها واضمحل تكونها ورجع عودها على بدئها ففني من لم يكن وبقي من لم يزل فهنالك طاحت الإشارات وذهبت العبارات وفنيت الرسوم وعنت الوجوه للحي القيوم فصل قال صاحب المنازل باب الانفصال قال الله تعالى ويحذركم الله نفسه ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه المقرب المبعد فليحذر القريب من الإبعاد والمتصل من الانفصال فإن الحق جل جلاله غيور لا يرضى ممن عرفه ووجد حلاوة معرفته واتصل قلبه بمحبته والأنس به وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى أن يكون له التفات إلى غيره ألبتة ومن غيرته سبحانه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والله سبحانه يغار أشد الغيرة على عبده أن يلتفت إلى سواه فإذا أذاقه حلاوة محبته ولذة الشوق إليه وأنس معرفته ثم ساكن غيره باعده من قربه وقطعه من وصله وأوحش سره وشتت قلبه ونغص عيشه وألبسه رداء الذل والصغار والهوان فنادى عليه حاله إن لم يصرح به قاله هذا جزاء من تعوض عن وليه وإلهه وفاطره ومن لا حياة له إلا به بغيره وآثر غيره عليه فاتخذ سواه له حبيبا ورضي بغيره أنيسا واتخذ سواه وليا قال الله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فإذا ضرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب وسلط عليه من يسومه سوء العذاب وملئ من الهموم والغموم والأحزان وصار محلا للجيف والأقذار والأنتان وبدل بالأنس وحشة وبالعز ذلا وبالقناعة حرصا وبالقرب بعدا وطردا وبالجمع شتاتا وتفرقة كان هذا بعض جزائه فحينئذ تطرقه الطوارق والمؤلمات وتعتريه وفود الأحزان والهموم بعد وفود المسرات قرأ قارئ بين يدي السرى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا فقال السري تدرون ما هذا الحجاب هو حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله فمن عرفه وذاق حلاوة قربه ومحبته ثم رجع عنه إلى مساكنة غيره ثبط جوارحه عن طاعته وعقل قلبه عن إرادته ومحبته وأخره عن محل قربه وولاه ما اختاره لنفسه وقال بعضهم احذره فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه ومن غيرته أن صفيه آدم لما ساكن بقلبه الجنة وحرص على الخلود فيها أخرجه منها ومن غيرته سبحانه أن إبراهيم خليله لما أخذ اسماعيل شعبة من قلبه أمره بذبحه حتى يخرج من قلبه ذلك المزاحم إنما كان الشرك عنده ذنبا لا يغفر لتعلق قلب المشرك به وبغيره فكيف بمن تعلق قلبه كله بغيره وأعرض عنه بكليته إذا أردت أن تعرف ما حل بك من بلاء الانفصال وذل الحجاب فانظر لمن استعبد قلبك واستخدم جوارحك وبمن شغل سرك وأين يبيت قلبك إذا أخذت مضجعك وإلى أين يطير إذا استيقظت من منامك فذلك هو معبودك وإلهك فإذا سمعت النداء يوم القيامة لينطلق كل واحد مع من كان يعبده انطلقت معه كائنا من كان لا إله إلا الله ما أشد غبن من باع أطيب الحياة في هذه الدار المتصلة بالحياة الطيبة هناك والنعيم المقيم بالحياة المنغصة المنكدة المتصلة بالعذاب الأليم والمدة ساعة من نهار أو عشية أو ضحاها أو يوم أو بعض يوم فيه ربح الأبد أو خسارة الأبد فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول فصل قال الشيخ ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال يعني أن بين درجات المقامات تناسب واختلاف يسير ومقام الانفصال قليل التناسب في درجاته كثير التفاوت كما سنذكره قال ووجوهه ثلاثة أحدها انفصال هو شرط الاتصال وهو الانفصال عن الكونين بانفصال نظرك إليهما وانفصال توقفك عليهما وانفصال مبالاتك بهما
يعني أن انفصال العبد عن رسومه بالفناء هو شرط اتصال وجوده بالبقاء فلا ولاء لله ورسوله إلا بالبراء مما يضاد ذلك ويخالفه وقد قال إمام الحنفاء لقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني وقال الفتية وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فلم تعتزلوه وهذه العبارة التي ذكرها الشيخ في بادي الرأي لا تخلو عن إنكار حتى يبين معناها والمراد بها فإن الكونين عبارة عن جميع ما خلقه الله في الدنيا والآخرة ويعبر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة وفيهما الرسل والأنبياء والملائكة والأولياء فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم ولا يقف بقلبه عليهم ولا يبالي بهم فاعلم أن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العام وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة والإشارة لنا والعبارة لغيرنا وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سببا لفتنة طائفتين طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وضللوهم وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم فصوبوا تلك العبارات وصححوا تلك الإشارات فطالب الحق يقبله ممن كان ويرد ما خالفه على من كان ومراد الشيخ وأهل الاستقامة أن النفس لما كانت مائلة إلى الملذوذات المحسوسة والمعنوية المشاهدة المعاينة كان النظر إليها والوقوف معها علة في الطريق والقصد جميعا وكان شاغلا لها عن النظر إلى المقصود وحده والوقوف معه دون غيره والالتفات إليه دون ما سواه فمتى قوي تعلق القلب بالمقصود الأعلى بحيث يشغله ذكره عن ذكر غيره وحبه عن حب غيره وخوفه عن خوف غيره ورجاؤه عن رجاء غيره وكان أنسه به خاصة انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه إذ ليس فيه اتساع لغيره فانفصل في هذه الحال نظره إلى الكونين وانفصل توقفه عليهما وانفصلت مبالاته بهما ضرا أو نفعا أو عطاء أو منعا وهذه الحال لا تدوم فإذا رجع إلى الكون بحكم طبيعته وأنه جزء من الكون ذكر الرسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسن الذكر وذكر أعداءهم باللعن وأقبح الذكر فهذه وظيفته في هذه الحال وتلك وظيفته في ذلك المقام والمقصود أنه انفصال شهود في الأحوال لا انفصال وجود ولا انفصال شهود دائما أبدا ولا تلتفت إلى غير هذا فإنه خيال وخبال ووهم لا نطيل الكتاب بذكره قال الثاني انفصال عن رؤية الانفصال الذي ذكرناه وهو ان لا يتراءى عندك في شهود التحقيق شيء يوصل بالانفصال منهما إلى شيء إنما كانت هذه الدرجة أعلى عنده مما قبلها من حيث كانت الأولى وسيلة إليها وكانت هذه غاية لها ومرتبة عليها فإن المنفصل من الكونين شغلا بالله عز وجل قد تسكن نفسه إلى مقامه من الأنفصال ويساكنه بسره وقلبه ويغيب عنه أنه محض منة الله ومجرد عطائه فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله ويضيف ذلك إلى أهله ووليه المان به وهذا التفصيل يتضمن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أول الباب فإنه ذكر في الدرجة الأولى أن الانفصال شرط في الاتصال وقال ههنا لا يتراءى عندك في شهود التحقيق سبب يوصل بالانفصال منهما إلى شيء وهذا يناقض ما ذكره ولا يجتمع معنى كلاميه بل بينهما تفاوت التناقض فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببا وشرطا والجواب عن هذا أن كون الشيء شرطا وسببا لحصول شيء لا يناقض أن يكون عدم رؤيته شرطا لحصول ذلك الشيء فيكون حصوله مشروطا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر وبعدم رؤية العبد له فتكون الرؤية مانعة وإيضاح ذلك ببيان كلامه فقوله انفصال عن رؤية الانفصال يعني أن العبد يرى حالة الشهود أنه انفصل عن الكونين ثم اتصل بجناب العزة فيشهد اتصالا بعد انفصال وهذه الرؤية في التحقيق ليست صحيحة لأنه لم ينفصل عن الكونين أصلا لكنه توهم ذلك فإذا تبين أنه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور لتحققه أنه لم يكن صحيحا
ثم بين كيف يصح له انفصاله عن انفصاله بقوله أن لا يتراءى أي أي لا يظهر لك شيء في شهود التحقيق يكون هو السبب الموجب للاتصال فكأنه قال أن تشهد التحقيق فيريك شهوده أنك ما انفصلت بنفسك عن شيء ولا اتصلت بنفسك بشيء بل الأمر كله بيد غيرك فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك وأما الملحد فيفسر كلامه بغير هذا ويقول إذا شهدت الحقيقة أرتك أنك ما انفصلت من شيء ولا اتصلت بشيء فإن تلك اثنينية تنافي الوحدة المطلقة فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحية من الاحتمال وكيف يجرها كل أحد إلى نحلته ومذهبه ولهذا يقول الملحد إنه ليس هناك اتصال ولا انفصال إنما هو في نظر العبد ووهمه فقط فإذا صار من أهل التحقيق علم بعد ذلك أنه لا انفصال ولا اتصال وينشد في هذا المعنى بيتا مشهورا لطائفة الاتحادية فما فيك لي شيء لشيء موافق ولا منك لي شيء لشيء مخالف قال الثالث انفصال عن الاتصال وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق فإن الانفصال والاتصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة سيان الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها أن ما قبلها انفصال عن سكونه إلى انفصاله ورؤيته له وهو في هذه الدرجة انفصال عن رؤية اتصاله فيتجرد عن رؤية كونه متصلا فإن هذه الرؤية علة في الاتصال بل كمال الاتصال غيبته عن رؤية كونه متصلا لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتصال فيحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتصال معا فههنا جال الملحد وصال وفتح فاه ناطقا بالإلحاد وقال هذا يدل على أن الانفصال والاتصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر فلا حقيقة لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف فأين الاتصال والانفصال في العين الواحدة وإنما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق وقد أعاذ الله الشيخ من أن يظن به هذا الإلحاد وإنما مراده ما ذكرناه وقد كشف عن مراده بقوله وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق أي ينفصل عن شهود مزاحمته لاتصاله عما سبق في الأزل من الأول الآخر سبحانه فإنه إذا لاحظ السبق وما تقرر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء لم يزاحم شهود اتصاله لشهود ما سبق له به الأزل بل اضمحل فعله وشهوده ووجوده إلى ذلك الوجود الأزلي بحيث كأنه لم يكن فإذا نسب فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحل وتلاشى وصار كالظل والخيال للشخص قوله فإن الاتصال والانفصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة سيان معناه أن معنى اسم الاتصال يضاد اسم الانفصال كما يضاد اسمه اسمه وهما متساويان في العلة أي رؤية الاتصال علة ورؤية الانفصال علة فتساويا من هذا الوجه وإن تضادا لفظا ومعنى والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال صاحب المنازل باب المعرفة قال الله تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو قلت وقع في القرآن لفظ المعرفة ولفظ العلم فلفظ المعرفة كقوله مما عرفوا من الحق وقوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأما لفظ العلم فهو أوسع إطلاقا كقوله فاعلم أنه لا إله إلا الله وقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو الآية وقوله الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق وقوله وقل رب زدني علما وقوله أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى وقوله قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقوله وقال الذين أتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث وقوله وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا وقوله وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وقوله قال الذي عنده علم من الكتاب وقوله اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها وقوله اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولوى وقوله واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وقوله فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وهذا كثير
واختار سبحانه لنفسه اسم العلم وما تصرف منه فوصف نفسه بأنه عالم وعليم وعلام وعلم ويعلم وأخبر أن له علما دون لفظ المعرفة في القرآن ومعلوم أن الاسم الذي اختاره الله لنفسه أكمل نوعه المشارك له في معناه وإنما جاء لفظ المعرفة في القرآن في مؤمني أهل الكتاب خاصة كقوله ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون إلى قوله مما عرفوا من الحق وقوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهذه الطائفة ترجح المعرفة على العلم جدا وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأسا ويعده قاطعا وحجابا دون المعرفة وأهل الاستقامة منهم أشد الناس وصية للمريدين بالعلم وعندهم أنه لا يكون ولي لله كامل الولاية من غير أولي العلم أبدا فما اتخذ الله ولا يتخذ وليا جاهلا والجهل رأس كل بدعة وضلالة ونقص والعلم أصل كل خير وهدى وكمال فصل والفرق بين العلم والمعرفة لفظا ومعنى أما اللفظ ففعل المعرفة يقع على مفعول واحد تقول عرفت الدار وعرفت زيدا قال تعالى فعرفهم وهم له منكرون وقال يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وفعل العلم يقتضي مفعولين كقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات وإن وقع على مفعول واحد كان بمعنى المعرفة كقوله وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وأما الفرق المعنوي فمن وجوه أحدها أن المعرفة تتعلق بذات الشيء والعلم يتعلق بأحواله فنقول عرفت أباك وعلمته صالحا عالما ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة كقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله وقوله اعلموا أن الله شديد العقاب وقوله فاعلموا أنما أنزل بعلم الله فالمعرفة حضور صورة الشيء ومثاله العلمي في النفس والعلم حضور أحواله وصفاته ونسبتها إليه فالمعرفة تشبه التصور والعلم يشبه التصديق الثاني أن المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه فإذا أدركه قيل عرفه أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها قيل عرفه قال الله تعالى ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم وقال تعالى وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما كانت صفاته معلومة عندهم فرأوه عرفوه بتلك الصفات وفي الحديث الصحيح إن الله تعالى يقول لآخر أهل الجنة دخولا أتعرف الزمان الذي كنت فيه فيقول نعم فيقول تمن فيتمنى على ربه وقال تعالى وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فالمعرفة تشبه الذكر للشيء وهو حضور ما كان غائبا عن الذكر ولهذا كان ضد المعرفة الإنكار وضد العلم الجهل قال تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ويقال عرف الحق فأقر به وعرفه فأنكره الوجه الثالث من الفرق أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره وهذا الفرق غير الأول فإن ذاك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص صفاتها من صفات غيرها الفرق الرابع أنك إذا قلت علمت زيدا لم يفد المخاطب شيئا لأنه ينتظر بعد أن تخبره على أي حال علمته فإذا قلت كريما أو شجاعا حصلت له الفائدة وإذا قلت عرفت زيدا استفاد المخاطب أنك أثبته وميزته عن غيره ولم يبق منتظرا لشيء آخر وهذا الفرق في التحقيق إيضاح للفرق الذي قبله الفرق الخامس وهو فرق العسكري في فروقه وفروق غيره أن المعرفة علم بعين الشيء مفصلا عما سواه بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجملا وهذا يشبه فرق صاحب المنازل فإنه قال المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو وعلى هذا الحد فلا يتصور أن يعرف الله ألبتة ويستحيل عليه هذا الباب بالكلية فإن الله سبحانه لا يحاط به علما ولا معرفة ولا رؤية فهو أكبر من ذلك وأجل وأعظم قال تعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما بل حقيقة هذا الحد انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات حتى بأظهرها وهو الشمس والقمر بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه وذاته ألبتة