İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
فأما الفناء عن وجود السوى فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ماثم غير وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفى التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار فلا يشهد غيرا أصلا بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب بل ليس عندهم في الحقيقة رب وعبد وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد وهو الواجب بنفسه ماثم وجودان ممكن وواجب ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو عين وجوده وليس عندهم فرقان بين العالمين ورب العالمين ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم والأمر والنهي تلبيس عندهم والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاص ما دام في مقام الفرق فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية بل ارتفعت الطاعات والمعاصي لأنها تستلزم اثنينية وتعددا وتستلزم مطيعا ومطاعا وعاصيا ومعصيا وهذا عندهم محض الشرك والتوحيد المحض يأباه فهذا فناء هذه الطائفة وأما الفناء عن شهود السوى فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين ويعدونه غاية وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل فناؤه عن شهودهم وحسهم فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده وبمحبوبه عن حبه وبمشهوده عن شهوده وقد يسمى حال مثل هذا سكرا واصطلاحا ومحوا وجمعا وقد يفرقون بين معاني هذا الأسماء وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به فيظن أنه اتحد به وامتزح بل يظن أنه هو نفسه كما يحكى أن رجلا ألقى محبوبه نفسه في الماء فألقى المحب نفسه وراءه فقال له مال الذي أوقعك في الماء فقال غبت بك عني فظننت أنك أني وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك وأن الحقائق متميزة في ذاتها فالرب رب والعبد عبد والخالق بائن عن المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولكن في حال السكر والمحو والإصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التمييز وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة وهذا الفناء يحمد منه شيء ويذم منه شيء ويعفى منه عن شيء فيحمد منه فناؤه عن حب ما سوى الله وعن خوفه ورجائه والتوكل عليه والإستعانة به والإلتفات إليه بحيث يبقى دين العبد ظاهرا وباطنا كله لله وأما عدم الشعور والعلم بحيث لا يفرق صاحبه بين نفسه وغيره ولا بين الرب والعبد مع اعتقاده الفرق ولا بين شهوده ومشهوده بل لا يرى السوى ولا الغير فهذا ليس بمحمود ولا هو وصف كمال ولا هو مما يرغب فيه ويؤمر به بل غاية صاحبه أن يكون معذورا لعجزه وضعف قلبه وعقله عن احتمال التمييز والفرقان وإنزال كل ذي منزلة منزلته موافقة لداعي العلم ومقتضى الحكمة وشهود الحقائق على ما هي عليه والتمييز بين القديم والمحدث والعبادة والمعبود فينزل العبادة منازلها ويشهد مراتبها ويعطي كل مرتبة منها حقها من العبودية ويشهد قيامه بها فإن شهود العبد قيامه بالعبودية أكمل في العبودية من غيبته عن ذلك فإن أداء العبودية في حال غيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السكران والنائم وأداؤها في حال كمال يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها أتم وأكمل وأقوى عبودية
فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما أحدهما يؤدي حقوق خدمته في حال غيبته عن نفسه وعن خدمته لإستغراقه بمشاهدة سيده والآخر يؤديها في حال كمال حضوره وتمييزه وإشعار نفسه بخدمة السيد وابتهاجا بذلك فرحا بخدمته وسرورا والتذاذا منه واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها وهو مع ذلك عامل على مراد سيده منه لا على مراده من سيده فأي العبدين أكمل فالفناء حظ الفاني ومراده والعلم والشعور والتمييز والفرق وتنزيل الأشياء منازلها وجعلها في مراتبها حق الرب ومراده ولا يستوي صاحب هذه العبودية وصاحب تلك نعم هذا أكمل حالا من الذي لا حضور له ولا مشاهدة بالمرة بل هو غائب بطبعه ونفسه عن معبوده وعن عبادته وصاحب التمييز والفرقان وهو صاحب الفناء الثالث أكمل منهما فزوال العقل والتمييز والغيبة عن شهود نفسه وأفعالها لا يحمد فضلا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال بل يذم إذا تسبب إليه وباشر أسبابه وأعرض عن الأسباب التي توجب له التمييز والعقل ويعذر إذا ورد عليه ذلك بلا استدعاء بأن كان مغلوبا عليه كما يعذر النائم والمغمى عليه والمجنون والسكران الذي لا يذم على سكره كالموجر والجاهل بكون الشراب مسكرا ونحوهما وليس أيضا هذه الحال بلازمة لجميع السالكين بل هي عارضة لبعضهم منهم من يبتلى بها كأبي يزيد وأمثاله ومنهم من لا يبتلى بها وهم أكمل وأقوى فإن الصحابة رضي الله عنهم وهم سادات العارفين وأئمة الواصلين المقربين وقدوة السالكين لم يكن منهم من ابتلى بذلك مع قوة إرادتهم وكثرة منازلاتهم ومعاينة مالم يعاينه غيرهم ولا شم له رائحة ولم يخطر على قلبه فلو كان هذا الفناء كمالا لكانوا هم أحق به وأهله وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم ولا كان هذا أيضا لنبينا ولا حالا من أحواله ولهذا في ليلة المعراج لما أسرى به وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه الحال بل كان كما وصفه الله عز وجل بقوله ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى وقال وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس وقال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله ليلة أسري به ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغير عليه حاله ولم يعرض له صعق ولا غشى يخبرهم عن تفصيل ما رأى غير فان عن نفسه ولا عن شهوده ولهذا كانت حاله أكمل من حال موسى ابن عمران لما خر صعقا حين تجلى ربه للجبل وجعله دكا فصل وهذا الفناء له سببان أحدهما قوة الوارد وضعف المورود وهذا لا يذم صاحبه الثاني نقصان العلم والتمييز وهذا يذم صاحبه لاسيما إذا أعرض عن العلم الذي يحول بينه وبين هذا الفناء وذمه وذم أهله ورأى ذلك عائقا من عوائق الطريق فهذا هو المذموم المخوف عليه ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم وحذروا من السلوك بلا علم وأمروا بهجر من هجر العلم وأعرض عنه وعدم القبول منه لمعرفتهم بمآل أمره وسوء عاقبته في سيره وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم وسيره على جادة الذوق والوجد ذاهبة به الطريق كل مذهب فهذا فتنته والفتنة به شديدة وبالله التوفيق فصل وأصل هذا الفناء الإستغراق في توحيد الربوبية وهو رؤية تفرد الله بخلق الأشياء وملكها واختراعها وأنه ليس في الوجود قط إلا ما شاءه وكونه فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق الله إياها ومشيئته لها وقدرته عليها وشمول قيوميته وربوبيته لها ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة الله لهذا وبغضه لهذا وأمره بما أمر به ونهيه عما نهى عنه وموالاته لقوم ومعاداته لآخرين فلا يشهد التفرقة في الجمع وهي تفرقة الخلق والأمر في جمع الربوبية تفرقة موجب الإلهية في جمع الربوبية تفرقة الإرادة الدينية في جمع الإرادة الكونية تفرقة ما يحبه ويرضاه في جمع ما قدره وقضاه ولا يشهد الكثرة في الوجود وهي كثرة معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى واقتضاؤها لآثارها في وحدة الذات الموصوفة بها فلا يشهد كثرة دلالات أسماء الرب تعالى وصفاته على وحدة ذاته
فهو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر وكل اسم له صفة وللصفة حكم فهو سبحانه واحد الذات كثير الأسماء والصفات فهذه كثرة في وحدة والفرق بين مأموره ومنهيه ومحبوبه ومبغوضه ووليه وعدوه تفرقة في جمع فمن لم يتسع شهوده لهذه الأمور الأربعة فليس من خاصة أولياء الله العارفين بل إن انصرف شهوده عنها مع اعترافه بها فهو مؤمن ناقص وإن جحدها أو شيئا منها فكفر صريح أو بتأويل مثل أن يجحد تفرقة الأمر والنهي أو جمع القضاء والقدر أو كثرة معاني الأسماء والصفات ووحدة الذات فليتدبر اللبيب السالك هذا الموضع حق التدبر وليعرف قدره فإنه مجامع طرق العالمين وأصل تفرقتهم قد ضبطت لك معاقده وأحكمت لك قواعده وبالله التوفيق وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار واقتحم البحار وعرض له ما يعرض لسالك القفر وراكب البحر ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه وما ألف عليه أصحابه وأهل زمانه فهو بمعزل عن هذا فإن عرف قدره وكفى الناس شره فهذا يرجى له السلامة وإن عدا طوره وأنكر ما لم يعرفه وكذب بما لم يحط به علما ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه ولم يقلد شيوخه ويرضى بما رضى هو به لنفسه فذلك الظالم الجاهل الذي ما ضر إلا نفسه ولا أضاع إلا حظه فصل ويعرض للسالك على درب الفناء معاطب ومهالك لا ينجيه منها إلا بصيرة العلم التي إن صحبته في سيره وإلا فبسبيل من هلك منها أنه إذا اقتحم عقبة الفناء ظن أن صاحبها قد سقط عنه الأمر والنهي لتشويشه على الفناء ونقضه له والفناء عنده غاية العارفين ونهاية التوحيد فيرى ترك كل ما أبطله وأزاله من أمر ونهي أو غيرهما ويصرح بعضهم بأنه إنما يسقط الأمر والنهي عمن شهد الإرادة وأما من لم يشهدها فالأمر والنهي لازمان له ولم يعلم هذا المغرور أن غاية ما معه الفناء في توحيد أهل الشرك الذي أقروا به ولم يكونوا به مسلمين ألبتة كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون وقال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون قال ابن عباس تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه إذ لم يتميز عنده ما أمر الله به مما نهى عنه ولم يفرق بين أولياء الله وأعدائه ولا بين محبوبه ومبغوضه ولا بين المعروف والمنكر وسوى بين المتقين والفجار والطاعة والمعصية بل ليس عنده في الحقيقة إلا طاعة لإستواء الكل في الحقيقة التي هي المشيئة العامة الشاملة ثم صاحب هذا المقام يظن أنه صاحب الجمع والتوحيد وأنه وصل إلى عين الحقيقة وإنما وصل المسكين إلى الحقيقة الشاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده أجمعون وكل كافر ومشرك وفاجر فإن هؤلاء كلهم تحت الحقيقة الكونية القدرية فغاية صاحب هذا المشهد وصوله إلى أن يشهد استواء هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياء الله وخاصة عباده في هذه الحقيقة ومع هذا فلا بد له من الفرق والموالاة والمعاداة ضرورة فينسلخ عن الفرق الشرعي ويعود إلى الفرق الطبعي النفسي بهواه وطبعه إذ لا بد أن يفرق بين ما ينفعه فيميل إليه وما يضره فيهرب منه فبينا هو منكر على أهل الفرق الشرعي ناكبا عن طريقتهم إلى عين الجمع إذ انتكس وارتكس وعاد إلى الفرق الطبعي النفسي فيوالي ويعادي ويحب ويبغض بحسب هواه وإرادته
فإن الفرق أمر ضروري للإنسان فمن لم يكن فرقه قرآنيا محمديا فلا بد له من قانون يفرق به إما سياسة سائس فوقه أو ذوق منه أو من غيره أو رأى منه أو من غيره أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب مجرد شهوته وغرضه أين توجهت به فلا بد من التفريق بأحد هذه الوجوه فلينظر العبد من الحاكم عليه في الفرق وليزن به إيمانه قبل أن يوزن وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب وليستبدل الذهب بالخزف والدر بالبعر والماء الزلال بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب قبل أن يسأل الرجعة إلى دار الصرف فيقال هيهات اليوم يوم الوفاء وما مضى فقد فات أحصي المستخرج والمصروف وستعلم الآن ما معك من النقد الصحيح والزيوف وأصحاب هذه الحقيقة أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق إذا تناهوا في حقيقتهم أضافوا الجميع إلى الله إضافة المحبة والرضى وجعلوها عين المشيئة والخلق ضاهؤا الذين قال الله تعالى فيهم وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء وقولهم عن آلهتهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم وقوله وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها فاحتجوا بإقرار الله لهم قدرا وكونا على رضاه ومحبته وأمره وأنه لو كره ذلك منهم لحال بينهم وبينه ولما أقرهم عليه فجعلوا قضاءه وقدره عين محبته ورضاه وورثهم من سوى بين المخلوقات ولم يفرق بالفرق النبوي القرآني وطائفة من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر الله ونهيه وما بعث به رسله بقضائه وقدره فعارضوا الحقيقة الدينية الشرعية بالحقيقة الكونية القدرية وورثهم من يحتج بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنهي وكلا الطائفتين أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره وظنت طائفة ثالثة أن إثبات القضاء والقدر يبطل الشرائع والنبوات وأن المشركين احتجوا على بطلانها بإثباته فجعلت التكذيب به من أصول الإيمان بل أعظم أصوله فردت قضاء الله وقدره الشامل العام بأمره ونهيه فانظر إلى اقتسام الطوائف هذا الموضع وافتراقهم في مفرق هذا الطريق علما وخبرا وسلوكا وحقيقة وتأمل أحوال الخلق في هذا المقام تنكشف لك أسرار العالمين وتعلم أين أنت وأين مقامك وتعرف ما جنى هذا الجمع وهذا الفناء على الإيمان وما خرب من القواعد والأركان وتتحقق حينئذ أن الدين كله فرقان في القرآن فرق في جمع وكثرة في وحدة كما تقدم بيانه وأن أولى الناس بالله وكتبه ورسله ودينه أصحاب الفرق في الجمع فيقومون بالفرق بين ما يحبه الله ويبغضه ويأمر به وينهى عنه ويواليه ويعاديه علما وشهودا وإرادة وعملا مع شهودهم الجمع لذلك كله في قضائه وقدره ومشيئته الشاملة العامة فيؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية ويعطون كل حقيقة حظها من العبادة فحظ الحقيقة الدينية القيام بأمره ونهيه ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه وموالاة من والاه ومعادات من عاداه وأصل ذلك الحب فيه والبغض فيه وحظ الحقيقة الكونية إفراده بالإفتقار إليه والإستعانة به والتوكل عليه والإلتجاء إليه وإفراده بالسؤال والطلب والتذلل والخضوع والتحقق بأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يملك أحد سواه لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنه مقلب القلوب فقلوبهم ونواصيهم بيده وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه فلهذه الحقيقة عبودية ولهذه الحقيقة عبودية ولا تبطل إحداهما الأخرى بل لا تتم إلا بها ولا تتم العبودية إلا بمجموعها وهذا حقيقة قوله إياك نعبد وإياك نستعين بخلاف من أبطل حقيقة إياك نعبد بحقيقة إياك نستعين وقال إنها جمع وإياك نعبد فرق وقد يغلو في هذا المشهد فلا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة ويصرح بذلك ويقول العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة لإستبصاره بسر القدر
ومنهم من يقول حقيقة هذا المشهد أن يشهد الوجود كله حسنا لا قبيح فيه وأفعالهم كلها طاعات لا معصية فيها لأنهم وإن عصوا الأمر فهم مطيعون المشيئة ويقولون أصبحت منفعلا لما تختاره منى ففعلى كله طاعات ويقول قائلهم من شهد الحقيقة سقط عنه الأمر ويحتجون بقوله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ويفسرون اليقين بشهود الحكم الكوني وهي الحقيقة عندهم ولا ريب أن العامة خير من هؤلاء وأصح إيمانا فإن هذا زندقة ونفاق وكذب منهم على أنفسهم ونبيهم وإلههم أما كذبهم على أنفسهم فإنهم لا بد أن يفرقوا قطعا فرغبوا عن الفرق النبوي والقرآني ووقعوا في الفرق النفسي الطبعي مثل حال إبليس تكبر عن السجود لآدم ورضى لنفسه بالقيادة لفساق ذريته ومثل المشركين تكبروا عن عبادة الله الحي القيوم ورضوا لأنفسهم بعبادة الأحجار والأشجار والموتى والأوثان ومثل أهل البدع تكبروا عن تقليد النصوص وتلقى الهدى من مشكاتها ورضوا لأنفسهم بتقليد أقوال مخالفة للفطرة والعقل والشرع وظنوها قواطع عقليه وقدموها على نصوص الأنبياء وهي في الحقيقة شبهات مخالفة للسمع والعقل ومثل الجهمية نزهوا الرب عن عرشه وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت والحمامات وقالوا هو في كل مكان بذاته ونزهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله حذرا بزعمهم من التشبيه فشبهوه بالجامدات الناقصة الخسيسة التي لا تتكلم ولا سمع لها ولا بصر ولا علم ولا حياة بل شبهوه بالمعدومات الممتنع وجودها ومثل المعطلة الذين قالوا ما فوق العرش إلا العدم وليس فوق العرش رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا ترتفع الأيدي إليه ولا رفع المسيح إليه ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا أسرى برسول الله إليه ولا دنى منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يراه أهل الجنة من فوقهم يوم القيامة واستواؤه على عرشه لا حقيقة له بل على المجاز الذي يصح نفيه وعلوه فوق خلقه بالرتبة والشرف لا بالذات وكذلك فوقيته فوقية قهر لا فوقية ذات فنزهوه عن كمال علوه وفوقيته ووصفوه بما ساووا به بينه وبين العدم والمستحيل فقالوا لا هو داخل العلم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين له ولا هو فينا ولا خارج عنا ومعلوم أنه لو قيل لأحدهم صف لنا العدم لوصفه بهذا بعينه وانطباق هذا السلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفطر من انطباقه على رب العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل هو بائن من خلقه مستو على عرشه عال على كل شيء وفوق كل شيء والقصد أن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد حتى في الأعمال من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده فابتلى بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمه الخلق ولا بد وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار فليتأمل من يريد نصح نفسه وسعادتها وفلاحها هذا الموضع في نفسه وفي غيره ولا ريب أن العامة مع غفلتهم وشهواتهم أصح إيمانا من هؤلاء إذا لم يعطلوا الأمر والنهي فإن إيمانا مع تفرقة وغفلة خير من شهود وجمعية يصحبها فساد الإيمان والإنسلاخ منه
وأما كذبهم على نبيهم فاعتقادهم أنه إنما كان قيامه بالأوراد والعبادات لأجل التشريع لا لأنها فرض عليه إذ قد سقط ذلك عنه بشهود الحقيقة وكمال اليقين فإن الله عز وجل أمره وأمر سائر رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم فقال واعبد ربك حتى يأتيك اليقين وهو الموت بالإجماع كما قال في الآية الأخرى عن الكفار وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين وقال أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه قاله لما مات عثمان وقال المسيح إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا فهذه وصية الله للمسيح وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم قال الحسن لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون الموت وإذا جمع هؤلاء التجهم في الأسماء والصفات إلى شهود الحقيقة والوقوف عندهم فأعاذك الله من تعطيل الرب وشرعه بالكلية فلا رب يعبد ولا شرع يتبع بالكلية ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسير طرفه بين تلك المعالم وليقف على تلك المعاهد وليسأل الأحوال والرسوم والشواهد فإن لم تجبه حوارا أجابته حالا واعتبارا وإنما يصدق بهذا من رافق السالكين وفارق القاعدين وتبوأ الإيمان وفارق عوائد أهل الزمان ولم يرض بقول القائل دع المعالي لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فصل الدرجة الثالثة من درجات الفناء فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوي شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه فانيا بمراد محبوبه منه على مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره قد اتحد مراده بمراد محبوبه أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري فصار المرادان واحدا وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والإتحاد في العلم والخبر فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين فغاية المحبة إتحاد مراد المحب بمراد المحبوب وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب فهذا الإتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه ومن تحقيق هذا الفناء أن لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا فيه ولا يعادي إلا فيه ولا يعطي إلا له ولا يمنع إلا له ولا يرجو إلا إياه ولا يستعين إلا به فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل يعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا ولو كان الحبيب المصافيا وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضى ربه وحقوقه والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء فيفنى عن تأليه ما سواه علما وإقرارا وتعبدا ويبقى بتألهيه وحده فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحد الذي عليه المرسلون وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقام عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر وحقيقته أيضا البراء والولاء البراء من عبادة غير الله والولاء لله كما قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وقال وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وقال أيضا يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون إلى آخرها وهذه براءة منهم ومن معبودهم وسماها براءة من الشرك وهي حقيقة المحو والإثبات فيمحو محبة ما سوى الله عز وجل من قلبه علما وقصدا وعبادة كما هي ممحوة من الوجود ويثبت فيه إلهيته سبحانه وحده
وهي حقيقة الجمع والفرق فيفرق بين الإله الحق وبين من ادعيت له الإلهية بالباطل ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إلهه الحق الذي لا إله سواه وهي حقيقة التجريد والتفريد فيتجرد عن عبادة ما سواه ويفرده وحده بالعبادة فالتجريد نفي والتفريد إثبات ومجموعهما هو التوحيد فهذا الفناء والبقاء والولاء والبراء والمحو والإثبات والجمع والتجريد والتفريد المتعلق بتوحيد الإلهية هو النافع المثمر المنجى الذي به تنال السعادة والفلاح وأما تعلقه بتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون عباد الأصنام فغايته فناء في تحقيق توحيد مشترك بين المؤمنين والكفار وأولياء الله وأعدائه لا يصير به وحده الرجل مسلما فضلا عن كونه عارفا محققا وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أكابر الشيوخ وأصحاب الإرادة ممن غلظ حجابه والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان والتوفيق والعصمة فصل فلنرجع إلى ذكر منازل إياك نعبد وإياك نستعين التي لا يكون العبد من أهلها حتى ينزل منازلها فذكرنا منها اليقظة والبصيرة والفكرة والعزم وهذه المنازل الأربعة لسائر المنازل كالأساس للبنيان وعليها مدار منازل السفر إلى الله ولا يتصور السفر إليه بدون نزولها ألبتة وهي على ترتيب السير الحسي فإن المقيم في وطنه لا يتأتى منه السفر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر ثم يتبصر في أمر سفره وخطره وما فيه من المنفعة له والمصلحة ثم يفكر في أهبة السفر والتزود وإعداد عدته ثم يعزم عليه فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة المحاسبة وهي التمييز بين ماله وعليه فيستصحب ماله ويؤدي ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما عليه من الحق فخرج منه وتنصل منه إلى صاحبه وهي حقيقة التوبة فكان تقديم المحاسبة عليها لذلك أولى ولتأخيرها عنها وجه أيضا وهو أن المحاسبة لا تكون إلا بعد تصحيح التوبة والتحقيق أن التوبة بين محاسبتين محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها فالتوبة محفوفة بمحاسبتين وقد دل على المحاسبة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد فأمر سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغد وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك والنظر هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح والمقصود من هذا النظر ما يوجبه ويقتضيه من كمال الإستعداد ليوم المعاد وتقديم ما ينجيه من عذاب الله ويبيض وجهه عند الله وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية أو قال على من لا تخفى عليه أعمالكم قال صاحب المنازل المحاسبة لها ثلاثة أركان أحدها أن تقايس بين نعمته وجنايتك يعني تقايس بين ما من الله وما منك فحينئذ يظهر لك التفاوت وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال وأن كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك وبربوبية فاطرها وخالقها فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر وأساس كل نقص وأن حدها الجاهلة الظالمة وأنه لولا فضل الله ورحمته لتزكيته لها ما زكت أبدا ولولا هداه ما اهتدت ولولا إرشاده وتوقفه لما كان لها وصول إلى خير ألبتة وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده فكما أنها ليس لها من ذاتها وجود فكذلك ليس لها من ذاتها كمال الوجود فليس لها من ذاتها إلا العدم عدم الذات وعدم الكمال فهناك تقول حقا أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي ثم تقايس بين الحسنات والسيئات فتعلم بهذه المقايسة أيهما أكثر وأرجح قدرا وصفة وهذه المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة قال وهذه المقايسة تشق على من ليس له ثلاثة أشياء نور الحكمة وسوء الظن بالنفس وتمييز النعمة من الفتنة
يعني أن هذه المقايسة والمحاسبة تتوقف على نور الحكمة وهو النور الذي نور الله به قلوب أتباع الرسل وهو نور الحكمة فبقدره ترى التفاوت وتتمكن من المحاسبة ونور الحكمة ههنا هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل والهدى والضلال والضار والنافع والكامل والناقص والخير والشر ويبصر به مراتب الأعمال راجحها ومرجوحها ومقبولها ومردودها وكلما كان حظه من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه فيرى المساوىء محاسن والعيوب كمالا فإن المحب يرى مساوىء محبوبه وعيوبه كذلك فعين الرضى عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه وأما تمييز النعمة من الفتنة فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية وبين النعمة التي يرى بها الإستدراج فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر مفتون بثناء الجهال عليه مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح ذلك مبلغهم من العلم فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة والمحنة في صورة المنحة فليحذر فإنما هو مستدرج ويميز بذلك أيضا بين المنة والحجة فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى فإن العبد بين منة من الله عليه وحجة منه عليه ولا ينفك عنهما فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته قال الله تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان وقال فلله الحجة البالغة والحكم الكوني أيضا متضمن لمنته وحجته فإذا حكم له كونا حكما مصحوبا بإتصال الحكم الديني به فهو منة عليه وإن لم يصحبه الديني فهو حجة منه عليه وكذلك حكمه الديني إذا اتصل به حكمه الكوني فتوفيقه للقيام به منة منه عليه وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجة منه عليه فالمنة باقتران أحد الحكمين بصاحبه والحجة في تجرد أحدهما عن الآخر فكل علم صحبه عمل يرضى الله سبحانه فهو منة وإلا فهو حجة وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة وإلا فهي حجة وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو منة منه وإلا فهو حجة وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته لا لطلب الجزاء ولا الشكور فهو منة من الله عليه وإلا فهو حجة وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه وإلا فهو حجة وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة له اتصل به خضوع للرب وذل وانكسار ومعرفة بعيب النفس والعمل وبذل النصيحة للخلق فهو منة وإلا فهو حجة وكل بصيرة وموعظة وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد اتصل به عبرة ومزيد في العقل ومعرفة في الإيمان فهي منة وإلا فهي حجة وكل حال مع الله تعالى أو مقام اتصل به السير إلى الله وإيثار مراده على مراد العبد فهو منة من الله وإن صحبه الوقوف عنده والرضى به وإيثار مقتضاه من لذة النفس به وطمأنيتها إليه وركونها إليه فهو حجة من الله عليه فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ويميز بين مواقع المنن والمحن والحجج والنعم فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فصل الركن الثاني من أركان المحاسبة وهي أن تميز ما للحق عليك من وجوب العبودية والتزام الطاعة واجتناب المعصية وبين ما لك وما عليك فالذي لك هو المباح الشرعي فعليك حق ولك حق فأد ما عليك يؤتك ما لك ولا بد من التمييز بين ما لك وما عليك وإعطاء كل ذي حق حقه
وكثير من الناس يجعله كثيرا مما عليه من الحق من قسم ماله فيتحير بين فعله وتركه وإن فعله رأى أنه فضل قام به لاحق أداه وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرا مما له فعله وتركه من قسم ما عليه فعله أو تركه فيتعبد بترك ما له فعله كترك كثير من المباحات ويظن ذلك حقا عليه أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقا عليه مثال الأول من يتعبد بترك النكاح أو ترك أكل اللحم أو الفاكهة مثلا أو الطيبات من المطاعم والملابس ويرى لجهله أن ذلك مما عليه فيوجب على نفسه تركه أو يرى تركه من أفضل القرب وأجل الطاعات وقد أنكر النبي على من زعم ذلك ففي الصحيح أن نفرا من أصحاب النبي سألوا عن عبادته في السر فكأنهم تقالوها فقال أحدهم أما أنا فلا آكل اللحم فقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا أنام على فراش فبلغ النبي مقالتهم فخطب وقال ما بال أقوام يقول أحدهم أما أنا فلا آكل اللحم ويقول الآخر أما أنا فلا أتزوج ويقول الآخر أما أنا فلا أنام على فراش لكني أتزوج النساء وآكل اللحم وأنام وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني / ح / فتبرأ ممن رغب عن سنته وتعبد لله بترك ما أباحه لعباده من الطيبات رغبة عنه واعتقادا أن الرغبة عنه وهجره عبادة فهذا لم يميز بين ما عليه وما له ومثال الثاني من يتعبد بالعبادات البدعية التي يظنها جالبة للحال والكشف والتصرف ولهذه الأمور لوازم لا تحصل بدونها ألبتة فيتعبد بإلتزام تلك اللوازم فعلا وتركا ويراها حقا عليه وهي حق له وله تركها كفعل الرياضات والأوضاع التي رسمها كثير من السالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحاتهم من غير تمييز بين ما فيها من حظ العبد والحق الذي عليه فهذا لون وهذا لون ومن أركان المحاسبة ما ذكره صاحب المنازل فقال الثالث أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه وجهله بحقوق العبودية وعدم عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها فقال فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وقال تعالى والمستغفرين بالأسحار قال الحسن مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل وفي الصحيح أن النبي كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ثم قال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وأمره الله تعالى بالإستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها وقضاء فرض الحج واقتراب أجله فقال في آخر سورة أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
ومن ههنا فهم عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن هذا أجل رسول الله أعلمه به فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك ولم يبق عليك شيء فاجعل خاتمته الإستغفار كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل وخاتمة الوضوء أيضا أن يقول بعد فراغه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم وقال بعض العارفين متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى لله نفسه وعمله ولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الإفتراء وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولاو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله فصل وقوله وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك يحتمل أن يريد به أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله / ح / قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث من ذنب قد تاب منه وأيضا ففي التعيير ضرب خفى من الشماتة بالمعير وفي الترمذي أيضا مرفوعا لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك ويحتمل أن يريد أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك بها والإعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله وما أقرب هذا المدل من مقت الله فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا فإن المعجب لا يصعد له عمل وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك مالا يطلع عليه الكرام الكاتبون وقد قال النبي إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يثرب / ح / أي لا يعير من قول يوسف عليه السلام لإخوته لا تثريب عليكم اليوم فإن الميزان بيد الله والحكم لله فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا وقال يوسف الصديق وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين وكانت عامة يمين رسول الله لا ومقلب القلوب / ح / وقال ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ثم قال اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك فصل فإذا صح هذا المقام ونزل العبد في هذه المنزلة أشرف منها على
مقام التوبة لأنه بالمحاسبة قد تميز عنده ماله مما عليه فليجمع همته وعزمه على النزول فيه والتشمير إليه إلى الممات ومنزل التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به فالتوبة هي بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية كذلك وقد قال الله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم قال تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون قسم العباد إلى تائب وظالم وما ثم قسم ثالث ألبتة وأوقع اسم الظالم على من لم يتب ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله وفي الصحيح عنهأنه قال يا أيها الناس توبوا إلى الله فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة / ح / وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخرها إلا قال فيها سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وصح عنه أنه قال لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وحقوقه وعظمته وما يستحقه جلاله من العبودية وأعرفهم بالعبودية وحقوقها وأقومهم بها فصل ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام وتضمنتها أبلغ تضمن فمن أعطى الفاتحة حقها علما وشهودا وحالا معرفة علم أنه لا تصح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى والثاني غي ينافي قصده وإرادته فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب والإعتراف به وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا قال في المنازل وهي أن تنظر في الذنب إلى ثلاثة أشياء إلى انخلاعك من العصمة حين إتيانه وفرحك عند الظفر به وقعودك على الإصرار عن تداركه مع تيقنك نظر الحق إليك يحتمل أن يريد بالإنخلاع عن العصمة انخلاعه عن اعتصامه بالله فإنه لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة قال الله تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدا قال الله تعالى واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير أي متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج فالنصر على هذا العدو أهم والعبد إليه أحوج وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الإعتصام بالله وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى بعد هذا في حقيقة الإعتصام وأن الإيمان لا يقوم إلا به ويحتمل أن يريد الإنخلاع من عصمة الله له وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد إنخلاعك من توبة عصمته لك فمتى عرف هذا الإنخلاع وعظم خطره عنده واشتدت عليه مفارقته وعلم أن الهلك كل الهلك بعده وهو حقيقة الخذلان فما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلا
فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان أن يكلك الله إلى نفسك ويخلى بينك وبينها والتوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك وله سبحانه في هذه التخلية بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته حكم وأسرار سنذكر بعضها وعلى الإحتمالين فترجع التوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك قوله وفرحك عند الظفر به الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ففرحه بها غطى عليه ذلك كله وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ولا يكمل بها فرحه بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ومتى خلي قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على موت قلبه فإنه لو كان حيا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه ولا يحس القلب بذلك فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها وهي موضع مخوف جدا مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء خوف من الموافاة عليه قبل التوبة وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره وتشمير للجد في استدراكه قوله وقعودك على الإصرار عن تداركه الإصرار هو الإستقرار على المخالفة والعزم على المعاودة وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك فالإصرار على المعصية معصية أخرى والقعود عن تدراك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها وذلك علامة الهلاك وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية فهو دائر بين الأمرين بين قلة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه وبين الكفر والإنسلاخ من الدين فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقنه أن الله كان ناظرا ولا يزال إليه مطلعا عليه يراه جهرة عند مواقعة الذنب لأن التوبة لا تصح إلا من سلم إلا أن يكون كافرا بنظر الله إليه جاحدا له فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الرب جل جلالة قال وشرائط التوبة ثلاثة الندم والإقلاع والإعتذار فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي والإقلاع عنه في الحال والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة فإنه في ذلك الوقت يندم ويقلع ويعزم فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له فأما الندم فإنه لا تتحقق التوبة إلا به إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وفي المسند الندم توبة وأما الإقلاع فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب وأما الإعتذار ففيه إشكال فإن من الناس من يقول من تمام التوبة ترك الإعتذار فإن الإعتذار محاجة عن الجناية وترك الإعتذار اعتراف بها ولا تصح التوبة إلا بعد الإعتراف وفي ذلك يقول بعض الشعراء لرئيسه وقد عتب عليه في شيء وما قابلت عتبك بإعتذار ولكني أقول كما تقول وأطرق باب عفوك بإنكسار ويحكم بيننا الخلق الجميل فلما سمع الرئيس مقالته قام وركب إليه من فوره وأزال عتبه عيه فتمام الإعتراف ترك الإعتذار بأن يكون في قلبه ولسانه اللهم لا براءة لي من ذنب فأعتذر ولا قوة لي فأنتصر ولكني مذنب مستغفر اللهم لاعذر لي وإنما هو محض حقك ومحض جنايتي فإن عفوت وإلا فالحق لك
والذي ظهر لي من كلام صاحب المنازل أنه أراد بالإعتذار إظهار الضعف والمسكنة وغلبة العدو وقوة سلطان النفس وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة بحقك ولا جهلا به ولا إنكارا لإطلاعك ولا استهانة بوعيدك وإنما كان من غلبة الهوى وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة وطمعا في مغفرتك واتكالا على عفوك وحسن ظن بك ورجاء لكرمك وطمعا في سعة حلمك ورحمتك وغرني بك الغرور والنفس الأمارة بالسوء وسترك المرخي علي وأعانني جهلي ولا سبيل إلى الإعتصام لي إلا بك ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك ونحو هذا من الكلام المتضمن للإستعطاف والتذلل والإفتقار والإعتراف بالعجز والإقرار بالعبودية فهذا من تمام التوبة وإنما يسلكه الأكياس المتملقون لربهم عز وجل والله يحب من عبده أن يتملق له وفي الحديث تملقوا لله وفي الصحيح لا أحد أحب إليه العذر من الله وإن كان معنى ذلك الإعذار كما قال في آخر الحديث من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وقال تعالى فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا فإنه من تمام عدله وإحسانه أن أعذر إلى عباده وأن لا يؤاخذ ظالمهم إلا بعد كمال الأعذار وإقامة الحجة عليه فهو أيضا يحب من عبده أن يعتذر إليه ويتنصل إليه من ذنبه وفي الحديث من اعتذر إلى الله قبل الله عذره فهذا هو الإعتذار المحمود النافع وأما الإعتذار بالقدر فهو مخاصمة لله واحتجاج من العبد على الرب وحمل لذنبه على الأقدار وهذا فعل خصماء الله كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة قال أتدرون ما المراد بهذه الآية قالوا ما المراد بها قال إقامة أعذار الخليفة وكذب هذا الجاهل بالله وكلامه وإنما المراد بها التزهيد في هذا الفاني الذاهب والترغيب في الباقي الدائم والإزراء بمن آثر هذا المزين واتبعه بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يلعب به فيهش إليه ويتحرك له مع أنه لم يذكر فاعل التزيين فلم يقل زينا للناس والله تعالى يضيف تزيين الدنيا والمعاصي إلى الشياطين كما قال تعالى وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وقال وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم وفي الحديث بعثت هاديا وداعيا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مغويا ومزينا وليس إليه من الضلالة شيء / ح / ولا يناقض هذا قوله تعالى كذلك زينا لكل أمة عملهم فإن إضافة التزيين إليه قضاء وقدرا وإلى الشيطان تسببا مع أن تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما زينه الشيطان لهم فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها والمقصود أن الإحتجاج بالقدر مناف للتوبة وليس هو من الإعتذار في شيء وفي بعض الآثار إن العبد إذا أذنب فقال يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرت علي وأنت حكمت علي وأنت كتبت علي يقول الله عز وجل وأنت عملت وأنت كسبت وأنت أردت واجتهدت وأنا أعاقبك عليه وإذا قال يا رب أنا ظلمت وأنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت يقول الله عز وجل وأنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا أغفر لك وإذا عمل حسنة فقال يارب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعمت يقول الله عز وجل وأنا اعنتك وأنا وفقتك وإذا قال يا رب أنت أعنتني ووفقتني وأنت مننت علي يقول الله وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها فالإعتذار اعتذاران اعتذار ينافي الإعتراف فذلك مناف للتوبة واعتذار يقرر الإعتراف فذلك من تمام التوبة قال صاحب المنازل وحقائق التوبة ثلاثة أشياء تعظيم الجناية واتهام التوبة وطلب أعذار الخليقة يريد بالحقائق ما يتحقق به الشيء وتتبين به صحته وثبوته كما قال النبي لحارثة إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك / ح / فأما تعظيم الجناية فإنه إذا استهان بها لم يندم عليها وعلى قدر تعظيمها يكون ندمه على ارتكابها فإن من استهان فإضاعة فلس مثلا لم يندم على إضاعته فإذا علم أنه دينار اشتد ندمه وعظمت إضاعته عنده وتعظيم الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء تعظيم الآمر وتعظيم الأعمر والتصديق بالجزاء
وأما اتهام التوبة فلأنها حق عليه لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه الذي ينبغي له أن يؤديه عليه فيخاف أنه ما وفاها حقها وأنها لم تقبل منه وأنه لم يبذل جهده في صحتها وأنها توبة علة وهو لا يشعر بها كتوبة أرباب الحوائج والإفلاس والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس أو أنه تاب محافظة على حاله فتاب للحال لا خوفا من ذي الجلال أو أنه تاب طلبا للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه أو لضعف داعي المعصية في قلبه وخمود نار شهوته أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفا من الله وتعظيما له ولحرماته وإجلالا له وخشية من سقوط المنزلة عنده وعن البعد والطرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة فهذه التوبة لون وتوبة أصحاب العلل لون ومن اتهام التوبة أيضا ضعف العزيمة والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة وتذكر حلاوة مواقعته فربما تنفس وربما هاج هائجه ومن اتهام التوبة طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب حتى كأنه قد أعطي منشورا بالأمان فهذا من علامات التهمة ومن علاماتها جمود العين واستمرار الغفلة وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات منها أن يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبلها ومنها أنه لايزال الخوف مصاحبا له لا يأمن مكر الله طرفة عين فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون فهناك يزول الخوف ومنها انخلاع قلبه وتقطعه ندما وخوفا وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم قال تقطعها بالتوبة ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفا من سوء عاقبته فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفا تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرد وإنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا كحال عبد جان آبق من سيده فأخذ فأحضر بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء ولا منه مهربا وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده وذله وعز سيده فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه وما أعظم جبره بها وما أقر به بها من سيده فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والإنطراح بين يديه والإستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه يامن ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها باللسان والدعوى وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذروات في الكبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعاتهم ومنتهم على الخلق بلسان الحال واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه ويعرفه قدره ويذله بها ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه فهي رحمة في حقه كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم وإلا فكلاهما على خطر فصل وأما طلب أعذار الخليقة فهذا له وجهان وجه محمود ووجه مذموم حرام فالمذموم أن تطلب أعذارهم نظرا إلى الحكم القدري وجريانه عليهم شاءوا أم أبوا فتعذرهم بالقدر وهذا القدر ينتهي إليه كثير من السالكين الناظرين إلى القدر الفانين في شهوده وهو كما تقدم درب خطر جدا قليل المنفعة لا ينجي وحده وأظن هذا مراد صاحب المنازل لأنه قال بعد ذلك مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم وهذا الشهود شهود ناقص مذموم إن طرده صاحبه فعذر أعداء الله وأهل مخالفته ومخالفة رسله وطلب أعذارهم كان مضادا لله في أمره عاذرا من لم يعذره الله طالبا عذر من لامه الله وأمر بلومه وليست هذه موافقة لله بل موافقته لوم هذا واعتقاد أنه لا عذر له عند الله ولا في نفس الأمر فالله عز وجل قد أعذر إليه وأزال عذره بالكلية ولو كان معذورا في نفس الأمر عند الله لما عاقبه ألبتة فإن الله عز وجل أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب غدر فلا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب إزالة لأعذار خلقه لئلا يكون لهم عليه حجة ومعلوم أن طالب عذرهم ومصححه مقيم لحجة قد أبطلها الله من جميع الوجوه فلله الحجة البالغة ومن له عذر من خلقه كالطفل الذي لا يميز والمعتوه ومن لم تبلغه الدعوة والأصم الأعمى الذي لا يبصر ولا يسمع فإن الله لا يعذب هؤلاء بلا ذنب ألبتة وله فيهم حكم آخر في المعاد يمتحنهم بأن يرسل إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم فمن أطاع الرسول منهم أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار حكى ذلك أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والحديث في مقالاته وفيه عدة أحاديث بعضها في مسند أحمد كحديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة ومن طعن في هذه الأحاديث بأن الآخرة دار جزاء لادار تكليف فهذه الأحاديث مخالفة للعقل فهو جاهل فإن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار الجنة أو النار وإلا فالتكليف واقع في البرزخ وفي العرصات ولهذا يدعوهم إلى السجود له في الموقف فيسجد المؤمنون له طوعا واختيارا ويحال بين الكفار والمنافقين وبين السجود والمقصود أنه لا عذر لأحد ألبتة في معصية الله ومخالفة أمره مع علمه بذلك وتمكنه من الفعل والترك ولو كان له عذرا لما استحق العقوبة واللوم لا في الدينا ولا في العقبى فإن قيل هذا كلام بلسان الحال بالشرع ولو نطقت بلسان الحقيقة لعذرت الخليقة إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضاه وقدره عليهم ولا بد فهم مجار لأقداره وسهامها نافذة فيهم وهم أغراض لسهام الأقدار لا تخطئهم ألبتة ولكن من غلب عليه مشاهدة الحكم الشرعي لم يمكنه طلب العذر لهم ومن غلب عليه مشاهدة الحكم الكوني عذرهم فأنت معذور في الإنكار علينا بحقيقة الشرع ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم وكلانا مصيب فالجواب من وجوه
أحدها أن يقال العذر إن لم يكن مقبولا لم يكن نافعا والإعتذار بالقدر غير مقبول ولا يعذر أحد به ولو اعتذر فهو كلام باطل لا يفيد شيئا ألبتة بل يزيد في ذنب الجاني ويغضب الرب عليه وما هذا شأنه لا يشتغل به عاقل الثاني أن الإعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه وتنزيه ساحته وهو الظالم الجاهل والجهل على القدر نسبة الذنب إليه وتظليمه بلسان الحال والقال بتحسين العبارة وتلطيفها وربما غلبه الحال فصرح بالوجد كما قال بعض خصماء الله ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وقال خصم آخر وضعوا اللحم للبزا ة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة أن خلعوا عنهم الرسن لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن وقال خصم آخر أصبحت منفعلا لما تختاره منى ففعلي كله طاعات وقال خصم آخر شاكيا متظلما إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب وقال خصم آخر معتذرا عن إبليس لما عصى من كان إبليسه ولخصماء الله ههنا تظلمات وشكايات ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصما متظلما شاكيا عاتبا يقول لا أقدر أن أقول شيئا وإني مظلوم في صورة ظالم ويقول بحرقة ويتنفس الصعداء مسكين ابن آدم لا قادر ولا معذور وقال الآخر ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار يضر بها واحد ويردها الآخر وهل تستطيع الكرة الإنتصاف من الصولجان ويتمثل خصم آخر بقول الشاعر بأبي أنت وإن أس رفت في هجري وظلمي فجعله هاجرا بلا ذنب ظالما بل مسرفا قد تجاوز الحد في ظلمه ويقول آخر أظلت علينا منك يوما سحابة أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلو فييئس طالب ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها ويقول آخر يدنو إليك ونقص الحظ يبعده ويستقيم وداعي البين يلويه ويقول خصم آخر واقف في الماء ظمآ ن ولكن ليس يسقى ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب ويكاد أحدهم يقول يا ظالمي لولا ولو فتش نفسه كما ينبغي لوجد ذلك فيها وهذا مالا غاية بعده من الجهل والظلم والإنسان كما قال الله تعالى إنه كان ظلوما جهولا والله هو الغني الحميد ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها وأنها أولى بكل ذم وظلم وأنها مأوى كل سوء و إن الإنسان لربه لكنود قال ابن عباس ومجاهد وقتادة كفور جحود لنعم الله وقال الحسن هو الذي يعد المصائب وينسى النعم وقال أبو عبيدة هو قليل الخير والأرض الكنود التي لا نبت بها وقيل التي لا تنبت شيئا من المنافع وقال الفضل ابن عباس الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان ولو علم هذا الظالم الجاهل أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه فهو الحجر في طريق الماء الذي به حياته وهو السكر الذي قد سد مجرى الماء إلى بستان قلبه ويستغيث مع ذلك العطش العطش وقد وقف في طريق الماء ومنع وصوله إليه فهو حجاب قلبه عن سر غيبه وهو الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على القلب فما عليه أضر منه ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته منه ما تبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه فتبا له ظالما في صورة مظلوم وشاكيا والجناية منه قد جد في الإعراض وهو ينادي طردوني وأبعدوني ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي قصتي يأخذ الشفيق بحجزته عن النار وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها ويستغيث ما حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها والله كم صاح به الناصح الحذر الحذر إياك إياك وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الإقتحام وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقد يستفيد الظنة المتنصح
يا ويله ظهيرا للشيطان على ربه خصما لله مع نفسه جبري المعاصي قدري الطاعات عاجز الرأي مضياع لفرصته قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به عليه في التهاون في بعض أمره فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال القدر ساقني إلى ذلك لما قبل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر لا شتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة ثم تحتج على ربك به وتراه عذرا لنفسك فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس أزاح عللك ومكنك من التزود إلى جنته وبعث إليك الدليل وأعطاك مؤنة السفر وما تتزود به وما تحارب به قطاع الطريق عليك فأعطاك السمع والبصر والفؤاد وعرفك الخير والشر والنافع والضار وأرسل إليك رسوله وأنزل إليك كتابه ويسره للذكر والفهم والعمل وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك ويحاربون عدوك ويطردونه عنك ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه وهم يكفونك مؤنته وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم بل تظاهره وتواليه دون وليك الحق الذي هو أولى بك قال الله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا طرد إبليس عن سمائه وأخرجه من جنته وأبعده من قربه إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم لكرامتك عليه فعاداه وأبعده ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والإبعاد وتقول عودوني الوصال والوصل عذب ورموني بالصد والصد صعب نعم وكيف لا يطرد من هذه معاملته وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه وكيف يجعل من خاصته وأهل قربه من حاله معه هكذا قد أفسد ما بينه وبين الله وكدره أمره الله بشكره لا لحاجته إليه ولكن لينال به المزيد من فضله فجعل كفر نعمه والإستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه وأمره بذكره ليذكره بإحسانه فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له نسوا الله فأنساهم أنفسهم نسوا الله فنسيهم أمره بسؤاله ليعطيه فلم يسأله بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال فلم يقبل يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه ويتظلم ممن لا يظلمه ويدع من يعاديه ويظلمه إن أنفم عليه بالصحة والعافية والمال والجاه إستعان بنعمه على معاصيه وإن سلبه ذلك ظل متسخطا على ربه وهو شاكيه لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء العافية تلقيه إلى مساخطه والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه ثم فتحه له فما عرج عليه ولا ولجه أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول وقال لا أبيع ناجزا بغائب ونقدا بنسيئة ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به ويقول خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل فإن وافق حظه طاعة الرسول أطاعه لنيل حظه لا لرضى مرسله لم يزل يتمقت إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه وأغلق الباب في وجهه ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته بل قال متى جئتني قبلتك إن أتيتني ليلا قبلتك وإن أتيتني نهارا قبلتك وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا وإن مشيت إلى هرولت إليك ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ومن أعظم مني جودا وكرما
عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى صاعد أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن أراد رضاي أردت ما يريد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ومن آثرني على سواي آثرته على سواه الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه فطلبها حتى إذا أيس من حصولها نام في أصل شجرة ينتظر الموت فاستيقظ فإذا هي على رأسه قد تعلق خطامها بالشجرة فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها وكذلك موالاته لعبده إحسانا إليه ومحبة له وبرا به لا يتكثر به من قلة ولا يتعزز به من ذلة ولا ينتصر به من غلبة ولا يعده لنائبة ولا يستعين به في أمر وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا فنفى أن يكون له ولي من الذل والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه فهذا شأن الرب وشأن العبد وهم يقيمون أعذار أنفسهم ويحملون ذنوبهم على أقداره استأثر الله بالمحامد والمجد وولي الملامة الرجلا وما أحسن قول القائل تطوي المراحل عن حبيبك دائبا وتظل تبكيه بدمع ساجم كذبتك نفسك لست من أحبابه تشكو البعاد وأنت عين الظالم فصل فهذا أحد المعنيين في قوله إن من حقائق التوبة طلب أعذار الخليقة وقد ظهر لك بهذا أن طلب أعذارهم في الجناية عائد على التوبة بالنقض والإبطال المعنى الثاني أن يكون مراده إقامة أعذارهم في إساءتهم إليك وجنايتهم عليك والنظر في ذلك إلى الأقدار وأن أفعالهم بمنزلة حركات الأشجار فتعذرهم بالقدر في حقك لا في حق ربك فهذا حق وهو من شأن سادات العارفين وخواص أولياء الله الكمل لفني أحدهم عن حقه ويستوفي حق ربه ينظر في التفريط في حقه وفي الجناية عليه إلى القدر وينظر في حق الله إلى الأمر فيطلب لهم العذر في حقه ويمحو عنهم العدر ويطلبه في حق الله وهذه كانت حال نبينا كما قالت عائشة رضي الله عنها ما انتقم رسول الله لنفسه قط ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله وقالت عائشة رضي الله عنها أيضا ما ضرب رسول الله بيده خادما ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وقال أنس رضي الله عنه خدمت النبي عشر سنين فما قال لي شيء صنعته لم صنعته ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنعه وكان إذا عاتبني بعض أهله يقول دعوه فلو قضي شيء لكان فانظر إلى نظره إلى القدر عند حقه وقيامه بالأمر وقطع يد المرأة عند حق الله ولم يقل هناك القدر حكم عليها وكذلك عزمه على تحريق المتخلفين عن الصلاة معه في الجماعة ولم يقل لو قضى لهم الصلاة لكانت وكذلك جمة المرأة والرجل لما زنيا ولم يحتج في ذلك لهما بالقدر
وكذلك فعله في العرنيين الذين قتلوا راعيه واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ولم يقل قدر عليهم بل أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمرت أعينهم وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشا إلى غير ذلك مما يطول بسطه وكان رسول الله أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمره ويقبل الإحتجاج به من أحد ومع هذا فعذر أنسا بالقدر في حقه وقال لو قضى شيء لكان فصلوات الله وسلامه عليه فهذا المعنى الثاني وإن كان حقا لكن ليس هو من شرائط التوبة ولا من أركانها ولا له تعلق بها فإنه لو لم يقم أعذارهم في إساءتهم إليه لما نقص ذلك شيئا من توبته فما أراد إلا المعنى الأول وقد عرفت ما فيه ولا ريب أن صاحب المنازل إنما أراد أن يعذرهم بالقدر ويقيم عليهم حكم الأمر فينظر بعين القدر ويعذرهم بها وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها بموجبها فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر ولا ملاحظة القدر عن الأمر فهذا وإن كان حقا لا بد منه فلا وجه لعذرهم وليس عذرهم من التوبة في شيء ألبتة ولو كان صحيحا فضلا عن كونه باطلا فلا هم معذورون ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة بل التحقيق أن الغيرة لله والغضب له من حقائق التوبة فتعطيل عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنهي وشدة الغضب هو من علامات تعظيم الحرمة وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنهي ولا سيما أنه يدخل في هذا عذر عباد الأصنام والأوثان وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان ونمروذ بن كنعان وأبو جهل وأصحابه وإبليس وجنوده وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهم تحت القدر وهم من الخليقة أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة فهذا مما أوجبه السير في طريق الفناء في توحيد الربوبية وجعله الغاية التي يشمر إليها السالكون ثم أي موافقة للمحبوب في عذر من لا يعذره هو بل قد اشتد غضبه عليه وأبعده عن قربه وطرده عن بابه ومقته أشد المقت فإذا عذرته فهل يكون عذره إلا تعرضا لسخط المحبوب وسقوطا من عينه ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه والكامل من عد خطؤه ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وافترقت بالسالكين فيه الطرقات وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكات وكيف لا وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال والمعترك الذي تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال وتحيرت فيه عقول ألباء الرجال ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه فمنهم من وقف مطرقا دهشا لا يستطيع أن يملأ منه عينه ولا ينقل عن موقفه قدمه قد امتلأ قلبه بعظمة ما شاهد منه فقال الوقوف على الساحل أسلم وليس بلبيب من خاطر بنفسه ومنهم من رجع على عقبيه لما سمع هديره وصوت أمواجه ولم يطق نظرا إليه ومنهم من رمى بنفسه في لججه تخفضه موجة وترفعه أخرى فهؤلاء الثلاثة على خطر إذ الواقف على الساحل عرضة لوصول الماء تحت قدميه والهارب ولو جد في الهرب فماله مصير إلا إليه والمخاطر ناظر إلى الغرق كل ساعة بعينيه وما نجا من الخلق إلا الصنف الرابع وهم الذين انتظروا موافاة سفينة الأمر فلما قربت منهم ناداهم الربان اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها فهي سفينة نوح حقا وسفينة من بعده من الرسل من ركبها نجا ومن تخلف عنها الغرقى فركبوا سفينة الأمر بالقدر تجري بهم في تصاريف أمواجه على حكم التسليم لمن بيده التصرف في البحار فلم يك إلا غفوة حتى قيل لأرض الدنيا وسمائها يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على وجودي دار القرار
والمتخلفون عن السفينة كقوم نوح أغرقوا ثم أحرقوا ونودي عليهم على رؤوس العالمين وقيل بعدا للقوم الظالمين وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ثم نودي بلسان الشرع والقدر تحقيقا لتوحيده وإثباتا لحجته وهو أعدل العادلين قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فصل وراكب هذا البحر في سفينة الأمر وظيفته مصادمة أمواج القدر ومعارضتها بعضها ببعض وإلا هلك فيرد القدر بالقدر وهذا سير أرباب العزائم من العارفين وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا إلاأنا فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون مستسلما مع القدر ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض فكيف في معادهم والله تعالى أمر أن تدفع السيئة وهي من قدره بالحسنة وهي من قدره وكذلك الجوع من قدره وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره ولو استسلم العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات مات عاصيا وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره وأمر بدفعها بأقدار تضادها والدافع والمدفوع والدفع من قدره وقد أفصح النبي عن هذا المعنى كل الإفصاح إذ قالوا يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقى بها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله \ ح \ وفي الحديث الآخر إن الدعاء والبلاء ليعتلجان بين السماء والأرض \ ح \ وإذا طرق العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله أفيحل للمسلمين الإستسلام للقدر وترك دفعه بقدر مثله وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله بقدره وكذلك المعصية إذا قدرت عليك وفعلتها بالقدر فادفع موجبها بالتوبة النصوح وهي من القدر فصل ودفع القدر بالقدر نوعان أحدهما دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه ولما يقع بأسباب أخرى من القدر تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله ودفع الحر والبرد ونحوه الثاني دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله كذفع قدر المرض بقدر التداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار لا الإستسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غلب العبد وضاقت به الحيل ولم يبق له مجال فهنالك الإستسلام للقدر والأنطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهنا ينفع الفناء في القدر علما وحالا وشهودا وأما في حال القدرة وحصول الأسباب فالفناء النافع أن يفنى عن الخلق بحكم الله وعن هواه بأمر الله وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته وعن حوله وقوته بحول الله وقوته وإعانته فهذا الذي قام بحقيقة إياك نعبد وإياك نستعين علما وحالا وبالله المستعان فصل قال صاحب المنازل وسرائر حقيقة التوبة ثلاثة أشياء تمييز التقية من العزة ونسيان الجناية والتوبة من التوبة لأن التائب داخل في الجميع من قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون فأمر التائب بالتوبة تمييز التقية من العزة أن يكون المقصود من التوبة تقوي الله وهو خوفه وخشيته والقيام بأمره واجتناب نهيه فيعمل بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله لا يريد بذلك عز الطاعة فإن للطاعة وللتوبة عزا وظاهرا وباطنا فلا يكون مقصوده العزة وإن علم أنها تحصل له بالطاعة والتوبة فمن تاب لأجل العزة فتوبته مدخولة وفي بعض الآثار أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لفلان الزاهد أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العزة ولكن ما عملت فيما لي عليك قال يا رب وما لك علي بعد هذا قال هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا يعني أن الراحة والعز حظك وقد نلتهما بالزهد والعبادة ولكن أين القيام بحقي وهو الموالاة في والمعاداة في فالشأن في التفريق في الأوامر بين حظك وحق ربك علما وحالا