Ahmed Zerrûk — Uddetü'l-Mürîdi's-Sâdık (tasavvuf âdâbı)
آثار أهل الخير أحياء وميتين وزيارة مقابرهم ونحو ذلك، كالشرب من فضلة الرجل الصالح أو المعتقد، والتمسح بفضلة وضوئه، وأخذ شعره والتكفين في ثوبه، وأخذ اللقمة من يده، ودخول محله ولباس ثوبه والتمسح بريقه، والتبرك بما لمسه، كموضع جلس فيه، أو إناء شرب منه، أو حجر قعد عليه، أو لمسه بيده، أو تراب ونحوه. وهذا شيء قد اختلف (¬3) الناس فيه بعد إجماعهم على التبرك # بآثار رسول الله (ص)، فمن قائل بمنع ذلك، لأنه لم يعمل به السلف، ومن قائل بجوازه، لأنه مما ثبت العمل به في حقه (ص)، ولم يأت عنه نهي فيه، والأصل التأسي حتى يأتي المخصص، وقد صح أن عمر (ض) استسقى بالعباس (¬1) وقال أكثر العلماء باستحباب التحنيك (¬2) في الصبي، وقال (ص) للمرأة التي سألت عن القبلة (¬3): ((ألا أخبرتيها أني أفعله)) (¬4) فجعل فعله دليلا في باب الرخصة، كباب العزيمة، وهو نص ما ورد في حديث: ((إن أعلمكم بالله وأتقاكم أنا)) (¬5) وقد يجاب عن عدم عمل السلف بذلك باكتفائهم برؤيته (ص)، وحسما للذريعة في دعوى النبوة، لتزلزل إيمان المنافقين، ولئلا يفتح لهم باب الدعوى في # ذلك، والآن قد ارتفعت العلة باتساع بلاد الإسلام وتقرره فلا يضر، ومظاهر مذهب الصوفية اعتماد ذلك والعمل به وإثبات بركته، فقد علم ما لهم في لباس الخرقة، ومناولة العصا والسبحة، وتلقين الذكر ونحو ذلك، مما هو معلوم من طريقتهم، مشهور البركة بينهم، حتى قال الأستاذ أبو القاسم القشيري (ض) فيما حكاه عنه ولده: أن أثر المعتقد أقوى في البركة من غيره، وذكر ابن ليون (¬1): إن من طريقة الفقراء قسمة شعر المحترمين بينهم، واستدل بقسمة شعره (ص) في حجة الوداع (¬2) وذكر الشيخ كمال الدين الدميري (¬3)، في حياة الحيوان له: إن الشافعي (ض) كان يقول: قبر موسى الكاظم (¬4) الترياق المجرب، وقال الإمام الغزالي: إن كل من يجوز التبرك به في حياته يجوز التبرك بقبره بعد موته، واستدل على مطلق الجواز بزيارته (ص) لذلك (¬5) وإن كان أحد لا يساوي شعرة من شعراته فللوراثة نسبة، وجعله ابن العربي في القبس من خواصه (ص)، واستطرد الغزالي الكلام فيه إلى تجويز شد الرحال لذلك، وقال: لا يعارضه حديث الثلاثة مساجد، لتساوي المساجد سواها في الفضل بخلاف الصلحاء، فانظر كلامه فيه، وقد نقله ابن الحاج بنصه وحروفه (¬6) وكان شيخنا أبو عبد الله القوري # رحمه الله يقول: إذا كانت الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين، فكيف بزيارتهم ومحل اجتماعهم على ربهم، وقد تقدم من كلام الشيخ أبي العباس الحضرمي (ض)، في مدد الحي والميت، ولكن ينبغي أن لا يجعل ذلك عدة وعمدة، لئلا يضيع به نظام الحق والحقيقة، ولذلك قال ابن ليون: ليس من شأن (¬1) الفقراء شد الرحال للزيارات، وقل من اشتغل به فنفذ، وبالله التوفيق. ... 87 - فصل في بعض ما يتعلق بالتبرك والآثار من الآداب
من ذلك أنه لا يصلى على المقابر ولا يبنى عليها مسجد للتبرك، فقد قال رسول الله (ص): ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدا)) (¬1) وفي رواية: ((أولئك شرار الخلق، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجدا ...)) (¬2) الحديث، قالوا: ولا يتمسح بالقبر لأنه من فعل النصارى، ولا يدهن بالماء الذي يكون عليه، ولا يرفع منه تراب لأنه حبس، وفي المطروح بالقصد نظر، وقد أذن (ص) في الرقى ب ((بسم الله تربة أرضنا بريق بعضنا، يشفى بها سقيمنا بإذن ربنا)) (¬3) وكذلك دل بني سلمة على تربة صعيب (¬4) للحمى، كما ذكره ابن الزبير في تاريخ المدينة، وكان الخدم يأتونه في الغداة الباردة بالأواني، فيضع فيها يده للتبرك (¬5)، وتوضأ للرجلين، وقال: أفرغا على نحوركما ورؤوسكما (¬6)، وأعطى شملته لمن # طلبه منه ليكفن فيها (¬1) وقطعت أم سليم فم القربة لما شرب منها قصدا للتبرك بها (¬2) وقالت أم حرام: كنا نأخذ عرقه (ص) فنطيب به طيبنا لطيب رائحته (¬3) (ص)، وقال له الفضل بن عباس يوم عرفة: لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتل القدح في يده (¬4)، وكانوا يغسلون أثره بعده للاستشفاء به (¬5)، وهذا كله يدل لما ذكرناه، ويدل أيضا، لأن ما كان مقصودا منه إنما كان يفعله يعد عبادة ليكون تنبيها ومحجة، ولتجتمع فيه بركة كل شيء، وقد قطع عمر (ص) شجرة الرضوان (¬6) خوفا من أن # تعبد أو تجعل مثل ذات أنواط - شجرة كانت الجاهلية يربطون فيها الخيوط وغيرها يستشفون بذلك -، فقال الصحابة: يا رسول الله، اتخذ لنا ذات أنواط (¬1) فقال (ص): ((ما هي إلا كما قال بنو (¬2) إسرائيل: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة}، وقد يستدل بهذين الخبرين على المنع وليس كذلك، بل هما دليل في منع كل ما يستدام، أو يكون له أصل في عبادة الجاهلية من خشبة أو حديد أو حجر أو بناء ونحوه، لا ما يمتهن أو يكون مستهلكا، فاعرف ذلك (¬3). واعلم أن الناس لم يزالوا يتبركون بآثار أهل الخير كابرا عن كابر من العلماء والصلحاء وغيرهم، من قديم الزمان إلى هلم جرا، من غير نكير ولا داعية للسكوت، وهو مما تتوفر الدواعي على العمل به طبعا، فلو كان حراما لنص عليه الشارع وحذر منه الأئمة قديما، ولو كان التنزه أولى لمحل الاشتباه، وبالله التوفيق. ... 88 - فصل في السماع والاجتماع. وهو مما تسرع إليه نفوس الجاهلين، وتولع به قلوب الغافلين، وتؤثره توجهات الباطلين، وينتفع به ضعفاء المشرفين، وتقف معه حقائق المجانين، وترتاح إليه أكباد المفتونين، وتميل إليه كليات الممتحنين، وتنطبع معه أسرار المخدوعين، وتربوا به زوائد المستدرجين، وتجنح له كليالت المدعين، وينقطع به جهلة المتوجهين، وتتضرر به بصائر المريدين، وتنقص به مواد العارفين، وقد يتعلق به بعض الواصلين لإفادة غيرهم، أو رفقا بأبدانهم، أو موافقة للحال في وقتهم، فهو موقف الإبطال، ومزلة أقدام الرجال، وأكثر ما يعتني به أهل البطالة والضلال، فقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): سألت أستاذي رحمه الله عن السماع، فأجابني بقوله تعالى: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون}، وقال الشيخ أبو العباس المرسي (ض): من كان من فقراء هذا الزمان مؤثرا لهواه، آكلا لما حرمه مولاه، ففيه نزغة يهودية، لأن القوال يذكر العشق وما هو بعاشق، والمحبة وما هو بمحب، والوجد وما هو بمواجد، فالقوال يقول الكذب، والمستمع سماع له، ومن أكل من الفقراء طعام الظلمة حين يدعى إلى السماع، فهو يصدق عليه قوله تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت}، قال: وعبر بعض الصحابة على بعض اليهود فسمعهم يقرؤون التوراة فتخشعوا، فلما دخلوا على رسول الله (ص) نزل عليه جبريل (س) فقال: اقرأ، قال: ((وما أقرأ)) قال: اقرأ: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم}، فعوتبوا (¬1)، إذ تخشعوا من غيره، وهم إنما تخشعوا من التوراة وهي كلام الله، فما ظنك بهذا، أعرض عن كتاب الله، وتخشع من الملاهي والغناء، انتهى.
وبالجملة فالسماع من شبه الدين التي يتعين على من أستبرأ لدينه وعرضه التبرؤ منها، وهو من حيث صورته يشبه الباطل، فيترجح تركه، وقد صنف الناس فيه نفيا وثبوتا، ولم يختلفوا في فساده إذا اقترنت به أمور فاسدة، بحضور النساء وسماعهن أصوات الرجال، وحضور الآلات والشبان الحسان وإن أمنت الفتنة، لأنه يحرك ما في القلوب، والغالب على النفوس الشر، فلذلك قال صاحب (الأمر المحكم المربوط فيما يلزم الشيخ والمريد من الشروط) (¬1): إن السماع في هذا الزمان لا يقول به مسلم ولا يقتدى بشيخ يقول بالسماع ولا يعمل به، وقال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله: ليمس السماع من التصوف بالأصالة ولا بالعرض، وقال السهروردي: هو من رخص المذهب وهو أحرى بالصواب، وقد تقدم من كلام ابن العريف: لم يكن اجتماعهم إلا لمسألة تفتح أو نفس بالعبادة تسمح. قلت: وقد تدعو الضرورة للسماع بغلبة حال أو وارد، فيجب الاقتصار على قدره بعد تحقق الضرورة، والذكر في ذلك أولى من القصائد والأزجال، لا سيما المحتملة، فأما الصريحة في الشر، كذكر القدود والخدود والخمور والشعور فتجنبها واجب ولا حديث معها، وبالله التوفيق. ... 89 - فصل فيما يصنع من عرض له السماع ونحوه بطريق الابتلاء أو الحاجة إليه، وهي خمسة أمور. أولها: تصحيح النية في القصد بعد تحقق الموجب بوجه لا يشك فيه، وذلك بأن يدفعه حتى يغلبه الحال، ويتوقف فيه حتى يعلم الاضطرار إليه. الثاني: مراعاة شروطه وآدابه في الزمان والمكان والإخوان والقيام بحقوق الإسلام والإيمان والإحسان، فقد قيل للجنيد: كنت تسمع فلم تركت؟ فقال: ممن (¬1)؟ قيل له: من الله، قال: فع من؟ فالسماع عورة لا تبدى إلا مع حر كريم، وإنما عورته بما يبدو فيه حال السكر، كما قيل: وصن سرنا في سكرنا عن حسودنا ... وإن أنكرت عيناك شيئا فسامحنا فإنا إذا غبنا وطابت نفوسنا ... وخامرنا خمر الغرام تهتكنا ولا تلم السكران في حال سكره ... فقد رفع التكليف في سكرنا عنا رفع التكليف لفقدان التمييز، وقد قال بعض العلماء: لا يجوز لمن يعلم من نفسه ذلك، الإقدام عليه، لوجوب حفظ العقول. الثالث: الفرار منه والتقليل، لما يقع فيه من الغلط والضرر، فقد قال النصراباذي (¬2) لابن نجيد (¬3) رحمهما الله: مجلس السماع خير من أن تغتاب الناس، فقال ابن نجيد: زلة في السماع شر من أن تغتاب الناس كذا كذا سنة انتهى، وإنه لصحيح مليح، لأن السماع حمى الصدق، وعلة الورع، ومفتاح الفتنة كيفما كان، وهو نقص كله، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. الرابع: أن تعتبر الصدق والحقيقة في مواجيده ومواريثه (¬4)، فكل مجلس سماع لا يظهر أثره على سامعه في دينه وقلبه من يومه فهو عليه لا له، وكذا كل وارد. قال في الحكم: لا تزكين واردا حتى تعرف ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الإثمار، انتهى، وهو عين الحق والصواب. الخامس: تجنب إظهاره وإظهار محبته، بل نفيها رأسا، والإبعاد منه بالغاية، والإنفار ممن يقول به ويراه دينا قيما، وبيان ذلك للحاضرين، وإظهار معايبه لهم حتى يزهدوا فيه، وسيأتي من ذكرها، وما زلت أحذر الأصحاب من الاقتداء بي في خمسة أمور (¬1): أحدها: العمل بالسماع وأقبحه في عيونهم. الثاني: التوسع في الأكل صفة ومقدارا، فإن ذلك إساءة أدب. الثالث: مخالطة كل أحد ومباسطته وذلك هجنة وقلة مروءة. الرابع: كثرة المزح والانبساط والتوسح في الكلام، لأنه يجر إلى الشر والنقص. الخامس: النظر في كتب الدقائق والعمل عليها دون غيرها، فإني لا أفعل ذلك والله عن روية ولا اختيار، وما كتبت التحذير منه هاهنا، إلا لئلا أجعل حجة فيه، وبالله التوفيق. ... 90 - فصل في ذكر شيء من المواجيد والخواطر فإن النفوس ترتاح إليها، والحاجة ماسة لها في حق كل مريد صادق.
لا يخلو المريد في حال وجده بالسماع ونحوه من أن يغيب عن # إحساسه أم لا، فإن غاب عن إحساسه، فلا يخلو إما أن يستفيد في غيبته علما أم لا، فإن استفاد علما فوجده صحيح، لأن الشيطان لا يقدر أن يغيبه عن إحساسه ويفيده علما، لكنه يظهر عليه بأحد الأمرين: إما أن يغيبه عن إحساسه، وإما أن يجري على لسانه شيئا يشبه الحكمة وليس بها، وعلامة ذلك أن يحدث له في جسده اضطراب عند الإحساس ولا يتأثر صاحبه به، إلا من حيث الاستلذاذ الطبيعي، فلا يظهر فيه ولا في سامعه إلا نقيض ما دل عليه مسموعه، لأن الحق إذا أتى من بساط الباطل عاد عليه شؤم بساطه، فكان عينه (¬1) لذلك. قيل لحمدون القصار (¬2): ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام وحياة القلوب، وأنتم تكلمتم لنصرة النفوس وظهور المرتبة، انتهى بمعناه لا بلفظه لطول العهد به. ثم الخواطر باعتبار جهاتها أربعة: الملك عن يمين القلب، والشيطان عن يساره، والنفس من خلفه، والخطاب الإلهي يأتيه من أمامه، ووجه القلب لناحية الظهر، كذا ذكره ابن أبي جمرة، ولا أدري من أين نقله، وهو صحيح في الوجدان، وباعتبار عرضها: فالملكي مثل غبش الصبح، والشيطاني مثل شعلة النار، يحدث به احتراقا وهوشة في البدن، والرباني كالشمس الضاحية، مع برودة تثلج الصدور ويتنعم بها، والنفساني مثل الفجر الكاذب، قائم واضح تعقبه الظلمة، ويظنه الظان حقيقة وليس بها. وباعتبار أفعالها: فالشيطان متردد ولا يأتي إلا بشر أو بخير لا يعضده دليل، ويضعف بالذكر، والملكي متردد أيضا، لا يأتي إلا بخير معضود بالدليل، يقوى بالذكر، والرباني نكتة إلهامية في توحيد خاص، وهو راتب مصمم، فإن لم يكن في التوحيد الخاص، فهو لا يأتي إلا بخير، وقد # يكون بشر امتحانا وابتلاء، فإن زاد مع اللجوء إلى الله، فعقوبة تحتاج إلى الاستغفار، وإلا فتذكير، أو نفساني لأنه يشاركه في التعميم، ويفارقه في انتفائه باللجوء والاستغفار والمجاهدة، ثم هو إن كان مع عجلة لا مع تأن، ومع أمن لا مع خوف، ومع عمى العاقبة لا مع بصارة العاقبة، فهو من النفس أبدا، وهذا كله إن لم يكن من الشرع في الترجيح واضح، فإن كان فهو المرجح. وفي الحكم إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا، وفي (لطائف المنن): الذي يطلب العلم لله إذا قيل له: غدا تموت لا يضع الكتاب من يده، وقال المشايخ (ض): من عرف ما يدخل جوفه، عرف ما يجري في قلبه، لأن الحرام يطمس القلب، والشبهة تدهشه، والحرص يعميه، قال بنان الحمال (ض) (¬1): بقيت طاويا مطروحا على باب بني شيبة تسعة أيام، لم أذق شيئا، فنوديت في سري: من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أعمى الله عيني قلبه، قالوا: وكل وجد سري عن صاحبه فلم يؤثر فيه موافق ما سمع من القرآن والسنة، فسماعه بالنفس، ووجده بالشيطان أو بالطبع. والحركة في السماع نقص كلها، وإنما الوجد بالاستلقاء والثقل، وقد سئل الشيخ أبو محمد عبد القادر (¬2) (ض) عن صفة الواردات الإلهية والطوارق الشيطانية، فقال (ض): الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب لسبب، ولا يأتي على نمط واحد، ولا في وقت واحد، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالبا، انتهى، وهو شرح عجيب لا يصدر إلا من مثل هذا الإمام (ض) ونفعنا به بمنه وكرمه. ... 91 - فصل في الكلام على تعلقات العوام من أهل التمسك وغيرهم
فمن ذلك تعلق كل طائفة من الناس بمن يواليه من الأولياء، كأبناء الفقراء بآبائهم وأسلافهم، وأهل كل بلد بمن له شهرة فيها مختصة بجهتهم، وجملة المنتسبين لمن تنتسب طريقهم، غالب البطالين الذين ليس لهم في إرادة المعالي قدم يستندون لأكابر المشهورين مثل: الشيخ سيدي عبد القادر، والشيخ سيدي أبي مدين، والشيخ أبي يعزى (¬1)، والشيخ أبي العباس السبتي، ونحوهم من المخبتين، وهذا كله لا يخلو عن دسيسة عصبية، أو رؤية مزية لأنفسهم، حتى لقد رأيت من حال أهل مصر يعظمون ابن الفارض، ويسبون الحاتمي، ومشرب كل منهما واحد، ولكل صالح النية لا يخلو عن فائدة أبدا، ولو كان معلولا بعلة نفسانية خفية، فخفي العلل يقدح في واضح القصد، وقد سمح المشايخ للمريد أن يجاوز الحد في شيخه حسب اعتقاده من غير غلو، ما لم يخرج إلى الطعن في المشايخ، ذكره ابن ليون في الإنالة (¬2) وهذا منه. ثم بساط كل أحد في ظهور كرامته على حسب حالته، ومن ذلك انتفاع الناس بالسبتي رحمه الله في باب العمل (¬3) أكثر من غيره، وجرت عادة الناس بالنذر لمقابر الصالحين وقد تكلم على ذلك الأئمة، وظاهر كلام ابن عرفة (¬4) جوازه (¬5)، إذ قال: لا نص فيه لمن يكون، ذكره في آخر الأيمان والنذور، من # مختصره وقولهم: (شيء لله) إن كان في محل الإخبار، كقولهم: كان من # شأنه كذا، وبلغ من حاله كذا، أو ذكرت عنه حكاية، فقال ذاكرها: (شيء لله)، فهو خير عن تحقق حالة ذلك الشخص في إفراد القلب، والقالب لمولاه، وإن كان في محل التوجه، فهو طلب وسؤال (¬1)، والله أعلم. ومن الناس من يجعل أعماله هدية للأولياء، ويجعل وردا لجميعهم، أو للجهة التي يعتقدها، وذلك أمر مختلف فيه، ومنهم من يجعل ذلك لرسول الله (ص)، وهو من باب حسن النية والتقرب لجنابه الكريم، وليس الحق في ذلك إلا باتباع سنته، وإكرام قرابته، وكثرة الصلاة عليه (ص)، لأنه غني عن أعمالنا، وإني لأرى (¬2) ذلك إساءة أدب معه، لمقابلته بما لا يصلح أن يكون صاحبه مقبولا، فكيف بالاعتداد بثوابه، لا سيما ما جرت به عادة المصريين في ذلك، فإنه يعظم علي كثيرا جدا. ومن ذلك: تصنيف بعض الناس في الصلاة عليه (ص)، بكيفيات يعتمدها، ويأتي فيها بألفاظ مستغربة، وأنواع مستنخبة، تألفها نفوس العامة، (وهو أمر حسن من حيث صورته، واضح من حيث حقيقته، تألفه نفوس العوام) (¬3) وتتحرك به نفوس الغافلين للصلاة عليه (ص) في الجملة، والأولى بأهل التوجه الاقتصار على الألفاظ الواردة عنه (ص)، فإن الخير كله في الاتباع، والفتح الكامل في التقيد بألفاظه (ص)، فلا تعدل بها شيئا ولو قلت، فقليلها كثير، ومعناها كبير. ومنه التزام بعضهم قراءة المرشدة (¬4)، أو عقيدة ما من العقائد، وكذا # البردة والسقراطسية (¬1)، وما في معنى ذلك على جهة الورد، وجعله من الأمور المعتمدة، وهو أمر لا بأس به إن لم يعتقد سنيته، أو يؤدي إلى مخالفة السنة، كرفع الصوت في المسجد وقت اجتماع الناس فيه، وإلا فيجري مجرى رفع الصوت بالعلم، وحزب، الإدارة (¬2) وقد يستأنس بنصب الكرسي لحسان في المسجد ينافح عن رسول الهه (¬3) (ص)، والأولى بالمريد الاشتغال بما يخصه من العبادات المحققة، ويدع كل ذلك للعوام جملة وتفصيلا. فأما ما اعتاده أهل الحجاز واليمين ومصر ونحوهم، من قراءة الفاتحة في كل شيء، فلا أصل له، لكن قال الغزالي رحمه الله في الانتصار ما نصه:
فاستنزل ما عند ربك وخالقك من خير، واستجلب ما تؤمله من هداية وبر، بقراءة السبع المثاني التي أمرت بقراءتها في كل صلاة، وأكد عليك أن تعيدها في كل ركعة، وأخبر الصادق المصدوق: ((ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها)) (¬4) وفي هذا تنبيه بل تصريح أن تكثر منها، لما تضمنته # من الفوائد وخصت به من الذخائر، بما لو سطر كان فيه أوقار الجمال، فافهم وانتبه واعقل ما خلقت له، واعرف ما أعد لك، والله حسب من أراده، وهادي من جاهد في سبيله، وكاف من توكل عليه وهو الغني الكريم. ... 92 - فصل في ذكر الزمان وأهله وما احتوى عليه من الفساد والباطل الذي أخبر به الصادق المصدوق فقد قال (ص): ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، فيبيع دينه بعرض يسير من الدنيا)) (¬1) وقال (ص): ((يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر)) (¬2) وقال (ص): ((يأتي على الناس زمان، لا يبقى من الإسلام إلا اسه، ولا من القرآن إلا رسمه، قلوبهم خربة من الهدى، ومساجدهم عامرة بأبدانهم، شر من تقل الغبراء وتظل السماء يومئذ علماؤهم، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود)) (¬3) وقال (ص)، لما سئل عن قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} (¬4) الآية: ((إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك)) (¬5) وقال (ص): ((إن الفتنة إذا نزلت، دخلت قلوب الخلق حتى لو # كان فيهم كذا فتنوا، فإن أردت أن تعلم هل نالك منها شيء، فانظر هل كان عندك شيء حرام فحللته، أو حلال فحرمته)) (¬1)، نقلته بالمعنى، وأظن آخره من قول الصحابي، رواية (¬2) (ض). وقال (ص): ((إن الفتنة إذا نزلت قصدت ثلاثة: الحاد النحرير الذي لا يعن له منها شيء، إلا قصد قمعه بالسيف، والشريف المذكور، والخطيب الذي تدعو إليه الأمور، فأما الحاد فتصرعه، وأما هذان فتنحتهما (¬3) حتى تبلو ما عندهما))، نقلته من كتاب أبي عمرو الداني (¬4) في الفتن، على شك في بعض ألفاظه، لطول العهد به، ومنه عن ابن عباس، قال (ص): ((المؤمن لا يذل نفسه)) (¬5) قال ابن عباس: يتعرض للسلطان وليس له منه النصفة، ومنه قال (ص): ((ما سب قوم أميرهم إلا حرموا خيره)) (¬6) وقد كنت أسمع شيخنا أبا الحسن السيطي (¬7) رحمه الله - وكان قليل العلم - كثيرا ما يذكر في مجالسه، يقول: قال رسول الله (ص): ((العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل، ما لم يميلوا إلى الدنيا، أو يداخلوا السلاطين، فإذا مالوا إلى الدنيا أو # داخلوا السلاطين، فاخشوهم في دينكم)) (¬1) وقال سفيان (ض): إذا رأيت القارئ بباب الأمير، فاعلم أنه لص، وإذا رأيته بباب الغني، فاعلم أنه سارق انتهى، وبالله التوفيق. 93 - فصل في افتتاح كلام لبعض المشايخ كتب به لمثله (¬2) فقال: أما بعد، يا أخي، فإن النصح أولى ما تعامل به رفيقان، وتسامر به صديقان، وقل ما دامت اليوم صحبة إلا على مداهنة، فقد ثبت أنه (ص)، قال: ((ما ترك الحق لعمر صديقا)) (¬3). قال أويس القرذي (¬1) لرجل من مراد: يا أخا مراد، إن الموت وذكره لم يترك للمؤمن فرحا، وإن عمله بحقوق الله تعالى لم يترك له في ماله فضة ولا ذهبا، وإن قيامه لله بالحق لم يترك له صديقا، قال: وكل إنسان يقبل النصح من غيره، ويلتذ بسماع معايب الناس، إذا أرسلتها في مجلسك مطلقة من غير تعيين، ويقول لك بأن هذا هو الحق، فإذا قلت: إياك عنيت بهذا الكلام، و ((المؤمن مرآة أخيه)) (¬2)، وقد رأيت فيك ما أوجب علي أن أقول لك فيه، شمخت النفس، وقالت: سبحان الله، إنما أنا مرآة نفسك، رأيت في، ومثلي من يقال له هذا؟ فأدى نصحنا له في أمر واحد إلى ارتكاب محظورات كثيرة من الكذب والنفاق، وقل يا ولي الله أن تجد اليوم للناصح من صديق، ولقد قلنا في ذلك شعرا:
لما لزمت البحث والتحقيقا ... لم يتركا لي في الأنام صديقا ولعمر الله ما كذبت، ولا ذكرت إلا ما وجدت، ثم ذكر أمورا بينه وبين المكتوب إليه، وقال إثرها: فأما أهل زمانك اليوم يا ولي فكما قال الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي (¬3): ضعف ظاهر ودعوى عريضة، فأول ما وصلت إلى هذه البلاد - يعني المشرقية - سألت عن أهل هذه الطريقة المثلى، عسى أن أجد منهم نفحة الرفيق الأعلى، فحملت إلى جماعة جمعتهم خانقات عاليات البناء واسعات الفناء، فنظرت إلى مغزاهم المطلوب، ومنحاهم المرغوب، # تنظيف مرقعاتهم بل مشهراتهم، وترجيل لحاهم، غير أنهم يدعون أن أهل المغرب أهل حقيقة لا طريقة، وهم أهل طريقة لا حقيقة، وكفى بهذا الكلام فسادا، إذ لا وصول إلى حقيقة إلا بعد تحصيل الطريقة (¬1)، وقد قال الإمام المقدم، والصدر المبرز، أبو سليمان الداراني (ض): وإنما حرموا الوصول، وهي الحقيقة، لتضييعهم الأصول، وهي (¬2) الطريقة، وقد شهدوا على أنفسهم بفراغهم عن الحقيقة، فهي شهادتهم بعينها أنهم على غير طريقة، وهاتان جهالتان منهم وهم لا يشعرون. ... 94 - فصل ثم قال رحمه الله: والزمان يا ولي، شديد، شيطانه مريد، جباره عنيد ، علماء سوء يطلبون ما يأكلون، وأمراء جور يحكمون بما لا يعلمون، وصوفية صوف بأغراض الدنيا موسومون، عظمت الدنيا في قلوبهم فلا يرون فوقها مطلبا، وصغر الحق في أعينهم فأعجلوا عنه هربا، حافظوا على السجادات والمرقعات والمشهرات والعكاكيز، والسبحات المزينات، كالعجائز طغام، صبيان الأحلام، لا علم عن الحرام يردهم، ولا ورع عن الشبهات يصدهم، ولا زهد عن الرغبة في الدنيا يصرفهم، اتخذوا ظاهر الدين شركا للحطام، ولازموا الخوانق في الرباطات رغبة فيما يأتي إليها من حلال وحرام، وسعوا أربانهم، وسمنوا أبدانهم، فوالله ما أراهم إلا كما حدثني غير واحد، وذكر سنده إلى سالم مولى أبي حذيفة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ليجاءن يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات أمثال جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباء، ثم قذفهم في النار))، فقال سالم: يا رسول الله بأبي أنت وأمي صف لنا هؤلاء القوم حتى نعرفهم، فوالذي بعثك بالحق إني لأخاف أن أكون # منهم، قال: ((يا سالم أما إنهم كانوا يصومون ويصلون))، وفي حديث آخر: ((كانوا يأخذون وهنا من الليل، ولكنهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام))، وفي رواية من طريق آخر: ((شيء من الدنيا وثبوا عليه، فأدحض الله عز وجل أعمالهم)) (¬1) فقال مالك بن دينار (¬2): هذا والله النفاق، فأخذ المعلى بن زياد (¬3) بلحيته فقال: صدقت والله (يا أبا الخير) (¬4)، والله يا ولي لو رأيتهم في صلاتهم ينقرونها، وفي صفوفهم لا يقيمونها، يجعل أحدهم بينه وبين صاحبه قدر ما يدخل فيه ألف شيطان، ثم إذا جئت تسد ذلك الخلل، تراهم قد قطبوا وجوههم، فإن غفلت ووطئت سجادة أحدهم، لكمك لكمة حيثما جاءت منك، وقد يكون فيها حتفك، وهذه وأشباهها هي الطريقة التي أهل زمانك عليها، ويرحم الله القشيري حيث أدرك من تحلى بحلية القوم في ظاهره، وتعرى عنهم في باطنه، فأنشد: أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها هذا قد اشترك معهم في زيهم الظاهر، فأما اليوم فلا خيام ولا نساء. ثم قال: بإجماع من القوم أن الموت الأحمر (¬5) عندهم طرح الرقاع # بعضها على بعض، وذلك شعارهم (ض) (¬1) فقام هؤلاء وقالوا: إنما لنا لبس مرقعة خاصة، ولم يلحظوا ما أريد بها، فتأنقوا (¬2) في الثياب المطرحة، والأعلام المشهرة، وخاطوها على وزن معلوم وترتيب منظوم تساوي مالا، وأفسدوا عليها ثيابا وسموها مرقعة، فرحم الله سيد هذه الطائفة أبا القاسم الجنيد، حيث أنشد لما رأى فساد الحال: أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقة صار التصوف ركوة ... وسجادة ومزلقة صار التصوف صيحة ... وتواجدا ومنطقة كذبتك نفسك ليس ذي ... سنن الطريق المحلقة (¬3)
ثم قال: والله ما أعلم أهل الطريقة كذا، ما كان إلا بالقعود في مرابط الكلاب (¬4) مجاهدة، وتحمل الأذى وكفه رياضة، والرحمة والشفقة والعطف على الفقراء، أين هم من صفوة الله كما نعتتهم الطائفة العلية (ض) على ما حدثنا فلان، وذكر سنده إلى عبد الباري (¬5)، قال: قلت لذي النون المصري: صف لنا الأبدال، فقال: إنك سألتني عن دياج الظلم لأكشف لك عنها يا عبد الباري، وهم قوم ذكروا الله بقلوبهم تعظيما لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله تعالى النور الساطع من محبته، ورفع له أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته، وطهر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حللا من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته، # ثم أودع القلوب من دخائر الغيوب، فهي معلقة بمواصلته، فهمومهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب لله ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من قربه، وأجلسهم على كرسي أطباء أهل معرفته، ثم قال: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فأمنوه، أو آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فعدوه، أر راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن في فباسطوه، أو محب لي فواطنوه، أو معظم لقدري فعظموه، أو مسيء بعد إحسان فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه، إلى آخر القصة على ما ذكرناها في كتاب (البغية) مستوفاة، فهذه أحوال العارفين يا ولي، وهكذا تكون عمارة القلوب. ... 95 - فصل ثم قال: فأما هؤلاء فوالله لو اطلعت عليهم لرأيت إن نظرت إلى وجوههم عيونا جامدة ، متحركة غير هامدة، وإن نظرت إلى نفوسهم، نظرت نفوسا سامدة (¬1) وإن نظرت إلى قلوبهم رأيت قلوبا لاهية من العمارة العلوية القدسية، خالية على عروشها خاوية، آجاما لأسود ضارية، ومرابض لذئاب عاوية، فنسأل من الله عند رؤيتهم العافية، أين أهل زمانك يا ولي من قوم وصفهم أبو الفيض رحمه الله فقال: إن لله صفوة من خلقه، وإن لله الخيرة، قيل: يا أبا الفيض (¬2) ما علامتهم، قال: إذا خلع العبد الراحة، وبلغ المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة، ثم قال: منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها أن تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه ... فهما تذل له القلوب وتخضع # فقال له بعض من كان في مجلسه: من هؤلاء القوم يا أبا الفيض رحمك الله؟ قال: ويحك، هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا، والتراب لوجوههم (¬1) مهادا، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالأدلاج، فوضعوه على أفئدتهم فانفجرت، وضموه إلى صدورهم فانشرحت، وتصدعت هممهم به فكدحت، فجعلوه لظلمهم سراجا، ولنومهم مهادا، ولسبيلهم منهاجا، ولحجتهم ابلاجا، يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، ويفطر الناس ويصومون، ويأمن الناس ويخافون، فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون مشمرون، يبادرون من الفوت ويستعدون للموت، إلى آخر القصة، ثم ذكر إسناده في ذلك، وقال بعده: فهذا وصفه لأولياء الله تعالى، وبهذا حلاهم، وهكذا شاهدهم ورآهم. ... 96 - فصل ثم قال: ولقد لقيت بهذه البلاد من يلبس سراويل الفتيان، ويدعي مراتب العرفان ، ولا يستحي في ذلك من الرحمن، لا يعرف شروط السنن والفرائض، ولا يصلح أن يكون خديما في المراحيض، ومع هذا يا ولي، والله الصدف الذي يخفي رفيع الدر (¬2) والسياج على الروضة ذات الزهر، يدخل بينهم الصادق والصديق، فيجهل العارف المتمكن فيترك ويهمل، فإنه يحمل على ما هم عليه لاشتراكهم في المسكن، وما بينه وبينهم معاملة في شيء. قال: ولقد وقع بيدي منهم بمصر في الخانقات بالقاهرة، كهل يقرب أن يكون رجيلا لا بأس به، ففرحت به لما لم أجد غيره، تم قال:
واجتمعت مع شيخ يدعى فيهم، شيخ الشيوخ (باربيك) (¬1) هكذا قال لي بنفسه، ورأيته يعطي النصف من نفسه للمتكلم معه (ض)، يزعم أن ليس في المغرب من يعرف الطريق إلى الله ولا يتعرفه، فأراد وليك أن لا يشافهه بخطاب ولا يتعرض إليه، ثم رأى ذلك قاصمة الظهر، وقارعة الدهر، فأبدينا له يسيرا مما وهبنا الله من الأسرار، ثم أعقبناه ببعض أحوال سيدنا أبي مدين خلاصة الأنوار، فبقي مبهوتا بما سمع، وقال: ما تخيلت أن يكون هذا في بلاد المغرب، ثم ألقى عليه بعض أصحابنا مسألة من الحقائق الإلهية المتوجهة على إيجاد جهنم، فوالله ما زاد على أن قال: لا أدري شيئا، وأنصف من نفسه، واعترف بنقصه، وهدأت شقاشقه، وطفيت بوارقه، فقلت: هذا حالك معي، وأنا أنقص حظا، وأحقر قدرا من أن أذكر فيهم، أو أنسب إليهم، فكيف بك، لو لاحظت الكبراء النجباء، والسادة النبلاء الكائنيين بالمغرب الغرباء، فسلم واستسلم، وحمدت الله على ما ألهم وعلم. ... 97 - فصل ثم قال بعد ذلك: وأما أهل السماع والوجد في هذه البلاد، فقد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ، لا تسمع إلا من يقول لك: رأيت الحق، وقال لي، وفعل وصنع، ثم تطلبه بحقيقة يمنحها، أو سر أفاده في شطحه، فلا تجد إلا لذة نفسانية، وشهوة شيطانا، يصرخ على لسانه الشيطان فيصعق ما دام المغرور الآخر بشعره ينعق، فلا أشبههم إلا براعي غنم ينعق بغنمه فتقبل وئتدبر بنعيقه، ولا تدري فيما ذا، ولا لماذا، قال: فواجب على كل محقق في هذا الزمان، ممن ينظر ويقتدي به المريد الضعيف، أن لا يقول بالسماع أصلا، وأن يقطعه قولا فصلا، وقد أوضحنا مقامه لأهل هذه البلاد، وما يتطرق إليه من الفساد، واحتجوا علينا بأحوال من سمع من الشيوخ في الرسالة (¬2) وغيرها، فأوضحنا # فهمها وعربنا معجمها، فأقروا بنقصه في مراتب الوجود، فمنهم من عدل عنه، ومنهم من أقام عليه مع علمه بنقصه، ثم قال: وليعلم وليي وفقه الله، أني لما قرأت بالحرم الشريف ما ذكرته لك في حق المنتسبين إلى الصوفية، وفي أحوالهم ثقل ذلك على شخص، وقال: ما دعاه إلى هذا؟ والإعراض عن هذا أحسن، وما أشبه هذا الكلام، فزاد عند اعتراضه، تقوية أن هذا هو الحق، لكونه ثقل عليه (¬1)، قال: ولقد عمي هذا القائل عن الأصول التي استندت إليها في فعلي هذا، وهو يسلمها، وقد قرعت سمعه غير مرة، ولم يعتب عليهم، بل استحسن ذلك، فلما وقع ذلك الذم في أهل زمانه، رأى ذلك فضولا، لكونه في ذلك الزمان يخاف أن يتطرق إليه الذم في نفسه فحزن، ولو أنصف لبحث عن نفسه. ثم ذكر من أصوله التي بنى عليها في ذم أهل زمانه عموما، وأتى بشواهد من الحديث وغيره في ذلك عن أبي المهلب، قال: مررت بالساحل، فرأيت شابا قد احتفر لنفسه حفرة في الرمل، فسألته فتأوه، ثم قال يذم أهل زمانه: قد توعرت السبل، وقل السالكون لها، قد افترشوا الرخص وتمهدوا الزلل، واعتلوا بزلل الماضين إلى مثل هذا الكلام، ثم قام فمشى على الماء حتى غاب عني، أرأيت قط يتفق هذا لمن يتكلم فيما لا يعنيه، ثم ذكر بقية الأصول التي بنى عليها. ... 98 - فصل ثم قال بعد فراغه من ذكر أصوله في ذلك: فيا أيها المعترض، هذه الأصول التي استندت إليها في ذم أهل وقتي
، لا حشرني الله معهم، ولا أماتني على حالهم: هلا كنت ناصري في قولي هذا، وتعرف أنه الحق، # وأن الحال اليوم على ما وصفناه، وكنت تأتيني باكيا على نفسك، وأنا أيضا كذلك عسى الله أن يرحمنا، إلا إن رضيت لنفسك أن تكون منافقا مداهنا، وللمداهنين إماما، لا والله، لا أرضى والله بهذه الحالة لمسلم، فتب إلى الله تعالى، وراجع ربك لعله يرجع إليك ما كنت عليه من الخير، وتعال نقم مأتما ومناحة على التقصير في العمر اليسير، والاشتغال بالترهات والفرح بالخزعبلات، بل أصل الأباطيل، والله نقول: إن من ثقل عليه هذا الكلام، فهو بتلك الصفة التي وصفنا، ولهذا قلق، ولو كان بريئا منها، سكن كما يسكن عند ذكرنا ذم السراق والقطاع وأشباههم، ولما كان (¬1)، في هؤلاء مدخل فر إلى الاعتراض، ليزداد من الله بعدا في رده الحق، وليس اعتراضه علينا في هذا بأول دمع جرى على طلل، لم يزل أبدا كل من يتكلم في معايب النفوس وأحوالها، ويبدي نقائصها ويذم شأنها على التعيين وعلى غير التعيين - في كل زمان - مذموما عند أهل زمانه، لعدم موافقته أغراض النفوس، فإذا انقرض زمانه ومات، نشأت طائفة عند ذلك تعرف قدر ما جاء به ويقال: قال فلان (ض): هكذا كان الناس، انتهى كلامه في هذه الفصول التي فصلناها، وإلا هو لم يفصل شيئا، وبالله التوفيق. ... 99 - فصل ثم أخذ بعد انتهاء كلامه المتقدم في محاسبة نفسه على ما هو به ، ومشى في هذا إلى ذكر السماع، فقال رحمه الله: وروينا من حديث إبراهيم بن عبد الله بسنده إلى رجل من أشجع (¬2) قال: سمع الناس من المدائن # أن سلمان في المسجد فأتوه، فجعلوا يثوبون إليه حتى اجتمع إليه نحو من الألف، قال: فقام فجعل يقول: اجلسوا اجلسوا، فلما جلسوا افتتح سورة يوسف يقرأها، فجعلوا يتصدعون ويذهبون حتى بقي نحو من مائة فغضب، وقال: الزخرف من القول أردتم، قرأت عليكم كتاب الله فذهبتم، ناشدتك الله يا نفسي فهذا مجلس حق فأصدقيني؟ هل سمعت قط كتاب الله يتلى فلم تهتزي، فلما أنشدت الشعر اهتزت وجننت وأخذك الحال. فقالت: ذلك والله ديدني ودائي أبدا، بل والله أزيدك ما هو أنحس من هذا مما أنا عليه، إني أقرأ القرآن ويدركتى العياء، وأقول لك: والله لا أقدر على شيء، وقد ضعفت وكل خاطري، فتجيبني إلى ذلك، وتترك المصحف من يدك والتلاوة من لسانك، فما تلبث أن ننهمك على مقطعة من كلامك أو كلام غيرك، في أي فن كانت، فتفتح فاك بها وتترنم، وترتلها مترسلا على طريقة تستحسنها، نشيطا طيب النفس وما بك من كسل ولا عياء، فلو كان ذلك الكل والعياء حقيقة مني لاستصحبك، وإنما ثقل علي القرآن، وكنت أجعلك في تلاوته تحدر ولا ترتل حتى تسريح، وكذلك في أوراد العبادات التي يجب التثبت فيها، وذلك كله خديعة مني بك، أترى هكذا حالة المؤمن؟ لا والله.
بل كلام الله للمؤمن ألذ وأشوق إلى سماعه من الظمآن للماء الزلال، فإنا لله وإنا إليه راجعون على نفص الإيمان، بل والله ذهابه، يا شؤم نفسي ويا حسرتي، ويا أسفي كم والله سمعت آية من كتاب الله فثقلت علي ومججتها، وكم والله رنة شعر سمعتها فاستعذبتها، أخاف والله يا وليي على نفسي وعلى من هو مثلي أن ينقل اسمي من ديوان المؤمنين إلى ديوان من قال فيهم رب العالمين: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} (¬1) وقد اتصفت بهذا: {وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} (¬2) وقد اتصفت بهذه، وإلى قوله: {ذلكم بأنه إذا دعي الله # وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنون} (¬1) يقول القوال: زخرف القول وغروره، فأهتز وأقوم، وأقول شاباش (¬2) هذا والله حسن، وأقسم بالله كاذبا، ولا يزال الملعون من شيطانى يوقعنى ويزين لي كما يفعل صاحب القرد بقرده، فإذا أخذ حاجته مني صفعني صفعة فأضجعني، فيقوم من قل فلاحه فيغطيني بردائي حتى يخلى سبيلي وأقوم فأهنأ، وقد عزاني الملأ الأعلى في ديني، وفيما نقص من عقلي، فإذا كان آخر الليل أنا وجماعة السوء مثلي، وقد تعبنا من كثرة ما رقصنا، فلم نلحق ننام إلا والصبح معنا قد قام، فنقوم نتوضأ أقل ما يطلق عليه اسم الوضوء، ثم نجيء إلى المسجد، هذا إذا وفقت، وإلا فالأغلب على من هذا حاله أن يصلي في داره بإنا أعطيناك الكوثر، وسورة الفاتحة، كيف ما كانت، والقنوت ليس بواجب فاتركه، وأنقرها مخففة جدا، ثم أضطجع، هيهات ما كانت طريق الله هكذا. وإن كنت موفقا أكثر من غيري، توضأت وخرجت إلى المسجد، وإذا دخلت - ويقال لي: قد صلى الناس - فلا أجد لذلك حزنا، ولا أكترث به، بل أقيم الصلاة وأصلي وكأنه ما فاتني شيء إلا لاهي القلب مسرورا، ونقول بلسان الحال: قد جعل لي أجر الجماعة بقصدي، وأراحني الله من تطويل الإمام، وإن أدركت الصلاة مع الإمام، فأنا في تلك الصلاة على أحد وجهين؛ إذا كنت مستريح القلب من كل شيء، إما خاطري في ليلتي البارحة وحسنها، وما كان أحسن ذلك القوال وشعره، وأقضي صلاتي كلها في هذا، حتى لا أدري ما صلى الإمام ولا بما صلى، وإنما رأيت الناس يفعلون شيئا ففعلت، ركعوا فركعت، وسجدوا فسجدت، ووقفوا فوقفت، وجلسوا فجلست، - أو يكون النوم قد أخذ مني، وهي الحالة الثانية، فأترقب عند ذلك فراغ الإمام، وتثقل علي القراءة، وأغتاب الإمام في نفسي وأمقته، وأقول: ما أثقله، قد افتتح سورة الواقعة والحشر، هلا قنع بالانفطار والفجر، والنبي (ص) قد أمر بالتخفيف، هذا خلاف السنة، ونحوقل ونهلل، كل ذلك لغير الله.
أما تستحي من الله وقد وقفت البارحة مسخرة للشيطان وملعبة له، ورقبتك مصفعة له، وناصيتك بيده، وأنت في هذا كله تلتذ، ثم الداهية العظمى، والطامة الكبرى، والداء العضال، والمصيبة الآزفة، التي ليس لها من دون الله كاشفة، أني أقول في تلك الحالة كلها: إني مع الله، وفي الله، وبالله قمت، وفي الله شطحت، وإلى الله وصلت، وقلت: وقيل لي، ويعتب (¬1) لذلك هؤلاء بالغمر الجهال مثله، فيقول: لم لم تسألوني إذ رجعت من حالي، ولو سئل لافتضح، ولو فرضت أنه أجاب، فقد يجيب الكاذب عما يسأل عنه، ويؤيده الشيطان بخيالات ينصبها له ويبديها في سره، فيعبر عنها، قل الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} (¬2) الآية، فهذا ولي الشيطان ينطق بلسانه وهو مطيع له، فانتظم في أهل الشرك، فناهيك من مجلس يحوي ويضم المشركين وأولياء الشيطان، ثم قال: وأخبرني شيخي وكان من أهل الكشف والوجود، عن رجل أعمى البصر من الصالحين، حضر مبيتا في سماع بمدينة فاس، فقال الأعمى: هذا إبليس قد دخل على صورة معز، فرآه يشم واحدا واحدا. قال الشيخ: وقعد الأعمى ينعت الجماعة الأول فالأول على التتابع، كما هم عليه من اللباس والصورة، وهو يقول: نرى الملعون يمشي عليهم ناظرا إليهم، حتى قال: نراه واقفا عند واحد عليه غفارة حمراء، وعمامة، وإحرام، التفتوا إليه، قال: فالتفتنا إليه، فرأيناه يستجلب الحال، فقال الأعمى: إن الملعون قد توقف عند هذا الرجل، ثم قال: نراه يريد أن ينطحه بقرنه، ثم قال: قد حمل عليه فنطحه بقرنه، فإذا ذلك الرجل قد صاح صيحة عظيمة، وغلب عليه الحال، وقام يشطح، فقام المجلس لقيامه، وهو بهذه المثابة ما أحسن قول الله تعالى إذ يقول: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} (¬3) فناهيك من حطة لم يرضها لنبيه (ص) وقال: {إن # هو إلا ذكر وقرآان مبين} (¬1) ثم قال: بارك الله فيك يا نفسي، أقررت بالحق وخصصت له، فقالت: الحق أحق أن يتبع، وصدق والله سلمان (ض). ورضي الله عن أبي مدين حيث قال: لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد، هذا مقام المريد، فما ظنك بالعارف، هل يعرج على كلام غير كلام سيده (¬2) انتهى، وبانتهائه انتهت مخاطبته لنفسه في باب السماع، وهو عجيب. ... 100 - فصل ثم قال رحمه الله: وكل من سمع من الشيوخ فهو على أحد أمرين : إما قبل أن تحصل له مرتبة التمكين، فالسماع عندنا حرام في ذلك الوقت، أو يسمع بعد التمكين بشروطه المعروفة التي قد ذكرناها في غير هذا الموضع (¬3) ويعلم من هذا أنه قد نزل من المقام إلى ما هو أسفل منه وأدنى، بخط نفسي، قال: ولهذا قلنا في حق بعض من لقيناه من المشايخ، وكان يولع بالسماع، وكان قبل ذلك لا يقول به، فسئلنا عنه فقلنا: الشيخ متمكن ومقام السماع نازل، وحظه النفس، فما هو الشيخ - والله أعلم - إلا # نزل إلى السماع رحمة بنفسه دنيوية، وجاد على السماع، بذلك ليشرف به السماع، فإن السماع يشرف بالعارفين، ولا يشرف به العارفون، فصار نزوله لإفادة الحاضرين، لا لشيء وراء ذلك، هذا معنى ما ذكر هنا. ثم قال: فشرفنا بنزوله إلينا، ولم يشرف هو بنا، هذا إذا كان الشيخ عاليا، ولكن يقع هذا منه نادرا، إلا إن أراد الحق أن يبقيه فيه زمانا طويلا، فيعلم الشيخ إن كان عارفا متمكنا أنه مطرود، وأن رجوعه إلى السماع مستصحبا عقوبة من الله عز وجل لذنب أتاه، ولذلك علقه بالسماع فلا يجد حاله إلا فيه، ويفقدها إذا فقده، مكرا من الله واستدراجا، فيبكي على نفسه، ويبحث على ما جنته نفسه، فيجد ذنبا ضرورة لا بد من ذلك. ثم قال: والله يلبسنا وإياكم رداء العافية، ويحلنا وإياكم المراتب السامية العالية، ولا يجعلنا وإياكم ممن له إلى السماع أذن واعية، فيكون من أهل القلوب اللاهية، انتهى كلام هذا الشيخ (¬1) وفيه حجة ومحجة، وبالله التوفيق. ... 101 - فصل في مواقع البدع وأنواع المخالفات
وقد مر حدها وتقسيمها، وقال بعض العلماء: ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مندوب، سواء فعل على عهده (ص) أو لم يفعل، قلت: وفي كلامه هذا بحث، والتحقيق ما تقدم في أول الكتاب، ثم هي بحسبه تجري في كل مرتبة وحالة وعمل، إلا أنها تقل وتكثر، ومنها ما يجب التعرض لإزالته، ومنها ما يندب، ومنها ما يباح، ومنها ما يحرم، فكل ما علم إلحاق الضرر منه، فأنت في فسحة في إنكاره، # وإن كان يؤدي إلى منكر أعظم منه فيمنع، لا من حيث ذاته، بل من حيث ما يؤدي إليه، وقد أمرنا بطاعة الأمراء، واحترام العلماء، ما لم يكن الذي نصيب أعظم من الذي يصيبنا (¬1) وهذا زمان الفتن والمحن، فلا سبيل إلى التعرض للأمور الجمهورية في حق كل ضعيف أو مجهول الحال، أو من يرى أن كلامه فيها من الدعوى والاستظهار بالكلمة، فإن ذلك يؤدي إلى التلف والهلاك، وقد عاينا منه كثيرا، والتواريخ مملوءة به، فدع الأمراء والمتصدرين سبيلهم، إن أصابوا فلهم، وإن أخطؤوا فعليهم، فقد قال (ص): ((إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك)) (¬2) ومن تعلم العلم ليحكم به على الناس فلا يستريح ولا يستراح منه، ومن تعلمه لنفسه فمستريح ومستراح منه، وعلى الإنسان أن يقوم بنفسه ثم بأهله وولده وصديق ملاطف إن أمن غائلته، وقليل ما يوجد في هذه الأزمنة، وللمحاولات وجه، فدع عنك أمر العامة، ثم سايس الأمور في حظوظ الناس، تظفر بسلامة الدنيا، وتحصيل الديانة، وبالله التوفيق. ... 102 - فصل في متشابه الأمور بين البدعة وغيرها فمن ذلك في باب العلم، الاشتغال بعلم المنطق والجدل، أو علم الكلام والفلسفة، ونحوها، فقد ذهب جماعة من الأئمة إلى منع الاشتغال به، ورآه ضلالا، وذهب جماعة إلى تقديمه والاهتمام به، ورآه كمالا، # وقوم فصلوا فيه، وقوم توقفوا، وقوم جعلوه في حيز المهملات. ومذهب السلف وجمهور أصحاب أهل المذاهب على تجنبه، فقد اتفق مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وسفيان الثوري في جماعة من العلماء على تحريم الكلام في علم الكلام، ولم يتكلم السلف (ض) في الاسم والمسمى، ولا في التلاوة والمتلو، ولا في الصفة والموصوف، ولا في مشكلات الآيات والأحاديث، إلا من حيث إخراجها عن ظاهرها المحال فقط، بل ضرب عمر (ض) صبيغا لما كان يتتبع مشكل الأحاديث والقرآن ويسأل عنه. وقال جماعة من السلف، بل جملتهم: بكراهة رواية الأحاديث المشكلة، وممن روى عنه ذلك مالك (ض)، وعاب الشيوخ على الشيخ أبي بكر بن فورك كلامه في الأحاديث المشكلة التي لم تصح، والاشتغال بتأويلها، وقالوا: كان يكفيه تضعيف أصلها، ولا ينبغي أن يتكلم منها إلا على ما صح، لوجود الاضطرار إليه، وله نية صالحة فيه، فجزاه الله وجزاهم خيرا. وقال الشافعي رحمه الله: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمى أو غيره، فاشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له، وقال الإمام أحمد بن حنبل (ض): لا يفلح صاحب علم الكلام أبدا، ولا يرى أحد ينظر في علم الكلام إلا وفي قلبه مرض، وقال أيضا: علماء الكلام زنادقة، وقال أبو يوسف (¬1): من طلب العلم بالكلام تزندق. وقال الشافعي رحمه الله: قد اطلعت في علم الكلام على شيء ما ظننته قط، ولأن يبتلى العبد بكل شيء نهى الله عنه عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام. قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله: وحدثنا الثقة أن الإمام أبا بكر [الشاشي] (¬1) رحمه الله، كان يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى، وفي ذكر صفاته إجلالا لاسمه سبحانه، ويقول: هؤلاء يتمندلون بالله عز وجل. وقال الخطابي (¬2) رحمه الله: وكان بعض من أدركنا من مشايخنا، قل ما يذكر الله إلا فيما يتصل بطاعة، وكان يقول للإنسان: جزيت خيرا، وقل ما يقول: جزاك الله خيرا، إعظاما لاسمه تعالى أن يمتهن في غير قربة.
قال بعض المشايخ (¬3): ومن تكلم في بعض علم الكلام من الأئمة، فإنما قصد لدفع ما أحدثه أهل الأهواء من الشبه والتخيلات التي لا يمكن ردها إلا بالكلام فيه، لابتنائها عليه، قال: واختلف العلماء هل لا يرد الباطل إلا بالحق، أو يرد بكل ما أمكن رده به، فمن منع من علم الكلام، قال بالأول، ومن أجاز قال بالثاني (¬4)، والله أعلم. ... 103 - فصل في الطهارة من جهالات العوام فيها وصل الاستنجاء بالوضوء من حيث الحكم، وقد نبه عليه في رسالة ابن أبي زيد رحمه الله (¬1)، والتكبير عند غسل الوجه، وقد ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في مراقي الزلفى، والتشهد عند ذلك، ونص النووي في حلية الأبرار (¬2) على أنه لم يقل به أحد من العلماء غير بعض أصحابه (¬3) ثم رد القول به، والأذكار المرتبة على الأعضاء، وقد ذكرها الإمام أبو حامد وغيرا (¬4) وردها النووي قائلا: لا أصل لها، وكذا ابن العربي، وقال: الوضوء عبادة ليس فيها ذكر إلا البسملة أوله، والتشهد آخره. قلت: وما روي من قوله (ص): ((اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي)) (¬5)، الحديث، وترجم له النسائي: ما يقول بعد الوضوء، وابن السني (¬6): ما يقول بين ظهراني وضوئه، ورجحه النووي (¬7). وكثرة صب الماء، وفي الرسالة: وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة، يعني لمن يرى ذلك دينا قيما، وكمالا من فعله، # وقد تذكر رسول الله (ص) الجنابة بعدما أقيمت الصلاة وقام الناس لها، فقال: ((على رسلكم))، ثم دخل بيته، ثم خرج ورأسه يقطر ماء (¬1) ولم يأمر بإعادة الإقامة (¬2). قال ابن الحاج: فيه رد على الموسوسين، وأن السنة التخفيف في الطهارة، وقد مر الكلام على بعض ما يتعلق بالوسوسة، وإن خير الوسوسة ما أدى إلى التحفظ في القوت، وقليل من يفعله، وهذا على سبيل المبالغة، وإلا فالوسوسة شر كلها، في أي باب كانت. ومن جهالات العوام في الوضوء لطم الوجه بالماء لطما، ولا يفعله إلا جهال الرجال وضعفة النساء، وصب الماء من دون الجبهة حتى لا يصل إليها إلا البلل، وأكثر العوام يفعله وهو لا يشعر، ونفض اليدين قبل إيصال الماء إلى العضو، وذلك تبريق وتمسيح لا غير، والمبالغة في الدلك بعد جفاف المحل من الماء، وذلك أمر لا فائدة له، إذ إزالة الوسخ الذي لا يضيف الماء ولا يتعين في العضو، ولا يكون حائلا عنه ليس بمطلوب (¬3) وقد نص ابن حبيب على كراهة المبالغة في مسح الأذنين، لأن المسح مبني على التخفيف، وبعض الناس لا يزال يدلك فيها حتى يكاد الدم يخرج منها، فأما غسل الرجلين، فقل أن يسلم متدين من الوسوسة فيهما لما يتعلق بهما من الأوساخ، وما فيهما من التكاميش والشقاق، ولا سيما مع الوعيد الوارد في ذلك، فأما وسوسة الشك فأصلها خبال في العقل، وقد تعرض من العجلة في الفعل ونحو ذلك، ومن ذلك مبالغة بعض الناس في الرواجب والبراجم (¬4) إلى حد يخرج على القياس والحد، وقد سمعت بعض # الفضلاء من أهل بلادنا يقول: سأل رجل الشيخ الفقيه الإمام العالم مفتي المسلمين أبا عيسى بن علال (¬1) عن رؤوس الأنامل مشيرا إلى المبالغة، فأجابه الشيخ رحمه الله بأن قال: اللقيمة يا أبا عبد الله اللقيمة، يشير إلى الورع في المطعم والمشرب، وكثير من المتدينين يصب الماء في أذنيه فيضر نفسه. فأما وسوسة زوال النجاسة فلا حديث على أهلها، والقاعدة الكلية في هذا الباب أن الله سبحانه إنما يطالبنا بما نعلمه بوجه صحيح أو غالب ظن، ولم يأمرنا بتحصيل الأشياء في علمه إذ لا وصول لنا إليه، وبالله التوفيق. ... 104 - فصل في الصلاة من الجهالات الواقعة لهم فيها، مزاحمة الأوقات، وإن كان أول الوقت مطلوب، فمقدار الطهارة معتبر، وكذا الأذان ونحوه. وقد قال (ص) لبلال: ((اجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والمتطهر من طهارته)) (¬2) الحديث.
ومن ذلك التراخي بها إلى حد الفوات، فقد قال (ص): ((تلك صلاة المنافقين، يقعد أحدهم، حتى إذا كانت الشمس بين قرني الشيطان نقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا)) (¬3) الحديث، وفي الحديث: ((أول الوقت # رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله) (¬1) فأما جهالات المؤذنين فكثيرة جدا، منها لحنهم بمد ألف الله وباء أكبر، وكلاهما لحن فاحش، وكذا ضم باء أكبر وميله بها إلى الكسر، وإبدال همزتها واوا، وقد استخفه بعض العلماء للضرورة، ومنها إشباع همزة أشهد، ومد الهاء وتشديدها، ومد الدال حتى يصير أمرا للجماعة، أو تسكينها فيكون أمرا للواحد، وفتح الكاف (¬2) والراء من أكبر، وإعرابها وهو مستخف للاختلاف فيه. ومنها فتح أن مع التشديد، وإبدال ألفها واوا، وإسقاطها وصلا، ومنها ضم دال محمد بعد ذلك أو كسرها، وكذا إظهار تنوينها، ولا سيما مع كسر لام رسول أو فتحها، أو إدغامها في لام الله، مع عدم الإشعار بألف الاسم المبارك. ومنها إسقاط الترجيع، أو كونه بحيث لا يسمع أصلا، وقوله: حي بإشباع الياء، أو بإشباع الحاء، أو بتخفيف الياء، أو بكسر الحاء أو الياء، ثم إسقاط الهاء من الصلاة، أو إثباتها تاء، اعتبارا بالإعراب، وفيه ما في الذي تقدم، وكذلك إسقاط حاء الفلاح، أو كسر فائه أو حائه، وقولهم: إلا الله ها بزيادة ها، وهذا من أفحش اللحن، وما يدعوهم لأمثال هذا إلا الجهل وطلب التلحين والتطريب الذي يكاد صاحبه أن يكون به خارجا عن # الأذان في فعله، بل هو خارج عنه عند جماعة من العلماء، منهم الإمام أحمد وغيره، إذ قالوا: يعيد الأذان من فعله كذلك. ومن أمورهم ذكر الأعشار القرآنية بطريقة الأشعار الغزلية، والحركات الزجلية، مع أمور لا حاجة لنا بذكرها، لما يخشى منها، ومن ذلك ترسلهم في الإقامة، مع أن سنتها الحدر، وأذانهم للصلاة في وقت الضرورة، فضلا عن آخر وقت الاختيار، ولا يفعله غالبا إلا من لا علم عنده، ممن يظن أن الأذان من سنة الصلاة لذاته، وليس الأمر كذلك. فأما تذكير ليلة الجمعة، وبعد العشاء والتصلية بعد الفراغ من الأذان، والتحضير لكل صلاة أو لبعضها، وكذا التثويب، وقول بعض أهل البلاد: (تيقام تاصاليت) في التسحير بالصعومعة، وإنشاد المنشد بعده في المسجد إلى الفجر ونحو ذلك، فقد تكلم الأئمة عليه فلا نطول به (¬1). ... 105 - فصل ومن البدع الإضافية قول المؤذن قبل الإقامة : أستغفر الله (ثلاثا)، وهذا شيء يفعله الجهال ببلاد المغرب، والتسميع حيث لا يحتاج إليه، وفي صلاة فاعله حيث يحتاج إليه أربعة أقوال، وفي صلاة المصلي به ثلاثة، هذا إن كان يأخذ من لفظ الإمام، وإلا فلا حديث عليه، ورأيت من يكبر للناس وليس معهم في الصلاة، وقد ذكر بعض العلماء أن صلاة المقتدي به مع ذلك باطلة، والشافعية يسمونه المبلغ، فلا يشترطون فيه كونه في الصلاة. ومنها الدعاء دبر الصلوات بكيفية معلومة، أن يدعو الإمام ويؤمن الناس، قال بعضهم: هي بدعة مستحسنة، وقال بعضهم: بدعة مستهجنة، والأصل أن يدعو كل واحد لنفسه، وربما استدل لها # المجيزون بحديث حبيب بن مسلمة (¬1) (ض)، قال (ص): ((لا يجتمع قوم مسلمون فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا استجاب الله دعاءهم))، رواه الحاكم على شرط مسلم. ومنها رفع الأيدي عند الدعاء، قد أنكره بعض العلماء وأجازه آخرون، وأفرد له شيخ الإسلام ابن حجر جزءا جمع فيه تسعة أحاديث (¬2) قال في آخرها: فحصل بمجموع هذه الأحاديث أنه مشروع (¬3)، وقال في بلوغ المرام:
إن في أبي داود ما يقوي حديثه حتى يكون بمجموعها حسنا (¬1) والحسن معمول به لا سيما في باب الفضائل، وفي الضعاف مسح الوجه بهما آخرا (¬2) والعمل بالضعيف في مثل هذا مسموح به عند العلماء، ومنها إنكار بعض الناس للاستغفار بعد الفراغ من الصلاة، وهو محجوج بحديث ثوبان (ض)، قال: ((كان (ص) إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثا)) (¬3) رواه مسلم، وأيضا فكونها عبادة لا يمنع من اقتران الاستغفار بها، استشعارا لتقصيرها، ومنها قولهم: تقبل الله منا ومنكم، وربما يقبل يده، وهذه بدعة لا أصل لها من السنة ولا حقيقة لها في الشرع ولا شبهه من الحق، ومنها تنفل الإمام في محرابه، وقد عدت من جهالته، كتعمقه في المحراب، وطول قيامه قبل الإحرام، ودخوله قبل استواء الصفوف، وقراءته في الثانية أطول من الأولى، واعتباره بمناسبة الأيام والأوقات للقراءة، كقراءة سورة الجمعة في صبح الجمعة، إذ لم يرد، بخلاف السجدة وهل أتى فإنه ورد صحيحا (¬4)، وإن لم يكن مشهور المذهب، وكذلك قراءة الكافرون والإخلاص في مغرب ليلتها (¬5) # قد ورد، وقد نبه الشيخ أبو عبد الله البلالي (¬1) رحمه الله، على أن الداعي للجماعة ينبغي له استقبالهم، لحديث دعائه (ص) في الاستقاء (¬2) ولا ينبغي إذا دعا الإمام أن يترك الإنسان الدعاء لنفسه، بل يدعو له وللمسلمين، ليخرج من عهدة ترك السنة للعمل بما عسى أن يكون بدعة، ونص الأئمة على أن الهتف بالميت بالمسجد بدعة (¬3)، وأن رفع الصوت فيه ولو بالعلم مكروه (¬4)، وذهب الشافعي إلى استحباب حزب الإدارة، وهو الذي يقرؤونه بالجمع، وقال مالك: هو بدعة، وكذا الذكر بالجمع، وقد تقدم. ... 106 - فصل في المواعيد والاجتماعات من الناس من يحضر الميعاد وقلبه لاه، فلا ينتفع به حسا ولا معنى، ومنهم من يحضره للمكابرة والمناظرة والمظاهرة، فلا يزده ذلك إلا خسرانا، لأنه إن رأى من أصحابه حسنة سدها، وإن رأى سيئة عدها، لأن سمع ما يستعين به على أغراضه الفاسدة حفظه، لأن سمع ما يفحم به خصمه ضبطه، ويريد إدحاض حجة غيره ولو بالباطل، وربما سمع الكلام من غيره في تحرير فهم أو إفادة حكمة فسبقه إلى إكماله، وأضافه إلى نفسه، فكان سارقا ومطففا بإدعاء فضيلة الغير لنفسه. والاستقامة في حضور المجالس بثلاثة أمور: أحدها: أن يكون التحصيل أهم إليه من التوصيل. الثاني: أن تكون السلامة أحب إليه من الرئاسة. الثالث: أن يلزم الأدب في حق نفسه وحق رفقائه بوجه تام، وذلك يقضي له بالصمت والإنصاف وعدم التظاهر والانحراف، وأين من هذا وصفه، رزقنا الله العافية بمنه. فأما أصحاب المجالس فمن كان الصمت أهم عليه من الكلام، فقد نجا، ومن كان الكلام أهم عليه من الصمت فقد هلك، وإذا كانت همة العالم في اتباع السنة ووجود الإنصاف في الإفادة نفع وانتفع، وإلا على العكس، وقد تكلم ابن الحاج على مجالس العلم يأتم الكلام، وذكر أمورا لا أستحضرها الآن، والحق أبلج والباطل لجلج. ومن آفات بعض العوام والمستمعين، أنهم إذا فرغوا من المجلس جلسوا لمذاكرة ما سمعوا، ثم ختموه بالغيبة وذكر عيوب الناس وأحوال الملوك ووقائع الأراجيف، وكذا كثير من الطلبة، ومن هناك قال من قال: إن الغيبة هي فاكهة القراء، فليكن الأهم على المجالس لهم التحرز من أعقاب المجالس، وبالله التوفيق. ... 107 - فصل في أمور عمت البلوى بها في بعض البلاد منها الموالات في إعطاء الزكاة لمن يمدح أو يذم، فيكتسب بها جاها، أو يدفع معرة أو مضرة، وذلك قبيح مذموم، ومنها الاعتماد في الصوم على أمور من الرخص أو التشديدات المخلة أو المملة، كصيام الدهر، أو الإفطار بعد عقده، وذلك مشهور الأمر في كتب الأئمة. فأما عوارض الحج والجهاد وغيره، فيطول ذكرها، مع عدم مس الحاجة إليها.
وأما الأيمان فتارة بالحلف بما يمنع الحلف به أو يكره، كالصوم، والطلاق، والعتاق، والمشي، والأيمان اللازمة، وما لا يصح الحلف به كقوله: أشركت بالله، أو أشرك بالله، أو أماته الله على الشرك، أو يكون خارجا من دينه، أو هو يهودي أو نصراني، إن فعل كذا فهو آثم، قال (ص): ((من حلف بدين غير الإسلام فهو كما قال) (¬1)، والمشهور منع الحلف بالمخلوق، كالسماء والكعبة والنبي ونحو ذلك، وقد قال (ص): ((من حلف بالأمانة فليس منا)) (¬2) ونهى عن الحلف بالآباء (¬3) وهو شيء يفعله الجهلة من أهل الحجاز، حتى إن أحدهم إذا حلفت له بالله لم يصدقك، ولو أكدته مائة مرة، وإذا قلت: وحياتك ورأسك ونحو هذا، صدقك. ومما تعم به البلوى، نظر العبد لسيدته أو لأطرافها من شعر ونحوه، وفيه اختلاف إن كان وغدا لا شرك لأحد فيه، ولو مكاتبا، والأصح جوازه، كالخصي الوغد لها أو لزوجها، وفي عبدها أو عبد الأجنبي خلاف، ومن المصائب نظر اليهودي للحرة المسلمة، ودخوله الدار في غيبة صاحبها، # والاستخفاف به في ذلك، مع أن النساء غير مأمونات، وللنفوس كمائن، وإذا كان العلماء اختلفوا في اليهودية هل هي مع المسلمة كمثلها، أو تنزل منزلة الرجل في رؤيتها، فكيف بالرجال. ومنها التهاون بحقير الدار، كالخديم والمتسخر، ومن يجر لهم الحوائج ونحو ذلك، وذلك أصل كل علة وفساد كما هو مشاهد معلوم، لأنه يبيع أستاذه بلقمة تطعم له، أو درهم يناله، أو مدح يسمعه في نفسه. ومنها التطبب باليهود وتمكينهم من الحكم في أبشار الناس، مع ما عرف من دينهم: أن من نصح مسلما فقد خرج عن دينه. قال ابن الحاج: وهم يقسمون الناس في طبهم أقساما، أما المؤمن التقي النقي الوجيه، فليس له عندهم إلا الموت، ويتحيلون له في ذلك بكل ما أمكن، والضعيف من السؤال ينصحونه، لأن بناءه زيادة شوهة في المسلمين، مع استعانتهم بنصحه على ما هم به، إذ يقال: لو كان عندهم عيب عاملوا (¬1) به الضعفاء، ونحو هذا، وكذا الجند ينصحونهم لما يقع من التشفي يتحكمهم في المسلمين وظلمهم، مع الاستعانة بهم، وقد عاينا من ذلك وجربنا من حركاتهم ما يطول ذكره، والنصارى خير منهم في ذلك، وإن كان لا خير في الجميع، وقد أتى ابن الحاج في مدخله في هذا الأمر بما لا مزيد عليه، ومن ذلك مناصحتهم وموالاتهم أو ظلمهم وأذاهم، فقد قال الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} (¬2) وقد قال رسول الله (ص): ((من ظلم ذميا لم يرح رائحة الجنة، ومن ظلم ذميا فأنا خصمه يوم القيامة)) (¬3) ومن ذلك # مرافقتهم في أعيادهم بالتخلي عن الحرف والصناعات، وأكل طعامهم الذي يكرهونه كالطارف، وإن كان المشهور إنما هو كراهته، فيكفي كونه نالته أيديهم النجسة، ويرحم الله الشيخ أبا الحسن الشاذلي (ض)، حيث قال: ولا تقتد بمن يتورع عما في أيدي المسلمين ويتناول مما نالته أيدي الكفار، وقد عرف ما نال الحجر الأسود من أيدي المشركين فاسود لذلك، انتهى بمعناه. ... 108 - فصل في اختيارنا من عمل اليوم والليلة، وهو الوسط حسبما دلت عليه الأحاديث النبوية والآثار السلفية فمن ذلك الصلاة في الضحى ستا، وقبل الظهر أربعا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، وقد روى ذلك النسائي والترمذي من حديث علي كرم الله وجهه (¬1) قال: كان (ص) يفعله، وهو حديث حسن، وله شواهد متفرقة في الصحيح وغيره، وبعد المغرب ركعتان، لحديث ابن عمر وغيره المتفق عليه (¬2) ومن الليل ثلاث عشرة ركعة، رواه ابن عباس وعائشة (¬3) وقالت: ما زاد على ذلك في رمضان ولا في غيره. قال بعض العلماء: فهو أفضل ممن قام الليل كله، لأنه (ص) لا يأخذ في نفسه الكريمة إلا بالأفضل، لقوله (ص): ((إن أعلمكم بالله وأتقاكم له أنا)) (¬4) الحديث.
ثم حديث ركعتي الفجر أشهر من أن يذكر (¬1)، فمجموع ما ذكرنا من الصلوات في الفرض والنفل خمسون ركعة، وقد كان (ص) يزيد وينقص في ذلك، ليلا ونهارا، وقيل: بحسب الزيادة والنقص، فإذا أكثر في الليل قلل في النهار، وبالعكس، ولم ينقص في الليل عن سبعة، ولم يزد على سبعة عشر، وأقل أوراد الصلاة إحدى عشرة دون الفرض، وأعلاها خمسون كذلك، فالإحدى عشر؛ الركعتان قبل الظهر، ثم بعدها، ثم بعد المغرب، ثم بعد العشاء الشفع، ويوتر بواحدة، والفجر ركعتان، وتفصيل ذلك يطول، فخذ بما شئت، وبالله التوفيق. فأما الصوم، فأقل أوراده ثلاثة أيام في الشهر، وكونها البيض، المشهور من المذهب كراهته (¬2) وكان مالك رحمه الله يصوم يوما من أول الشهر، ويوما من وسطه، ويوما من آخره، وفي حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي ذر (ض)، أنه (ص) أوصاهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا يناموا إلا على وتر وركعتي الضحى (¬3)، قال بعض العلماء: وهذا ورد طالب المسلم، لأنه أقل الأوراد، وطالب المسلم مشغول، فلا ينبغي أن يخلي نفسه من الفضيلة، وأوسطه صيام الإثنين والخميس دائما، فقد كان (ص) يتحرى صيامهما، قيل: وفي المواظبة عليهما صيام ثلث الدهر برمضان، دون دعوى ولا غيرها، وحديثهما صحيح (¬4) وعدهما ابن رشد (¬5) وعياض # في الأيام المندوبة، وأكثره صوم داود (س)، وهو معلوم (¬1) وأما التلاوة فالأوسط فيها الختم في كل عشرة إلى شهر، وأقلها في الشهرين، وأكثرها في كل ثلاث، كذلك صح عن رسول (ص) (¬2)، وبالله التوفيق. ... 109 - فصل في أوراد الذكر قد جاء الترغيب فيه من غير حد، مثل قوله تعالى: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} (¬3) وقوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} (¬4) وقوله (ص): ((ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله)) (¬5)، وقال (ص): ((اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون))، رواه ابن حبان (¬6) من حديث أبي سعيد (ض)، وقال رجل: يا رسول الله، كثرت علي شعائر الإسلام، فدلني على عمل أدرك به ما # فاتني، قال: ((لا يزال لسانك رطبا بذكر الله)) (¬1) وقال (ص): ((إن الدين يسر، إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)) (¬2) فأرشد (ص) لذكر طرفي النهار وقيام آخر الليل وهو الدلجة، فأول النهار للتحصيل، وآخره للتفصيل، وآخر الليل للمناجات {يدعون ربهم بالغداة والعشي} (¬3) {تتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ...} (¬4) الآيتان، فافهم. أذكار وردت في دبر كل صلاة: كان (ص) إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثا، ثم قال: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام)) (¬5) رواه مسلم عن ثوبان (ض)، وللطبراني عن البراء بن عازب (ض)، قال (ص): ((من قال في دبر كل صلاة: أستغفر الله وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف)) (¬6)، وعن معاذ بن جبل (ض)، قال (ص): ((يا معاذ إني أحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) (¬7) ورويناه مسلسلا بالمحبة عن شيخنا السخاوي بسنده، وعن أبي هريرة (¬8) (ض)، قال (ص): ((من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)) (¬9) وأصله متفق عليه، وعن المغيرة بن شعبة (ض)، سمع # رسول الله (ص) يقول في دبر الصلاة المكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) (¬1).
وعن أبي أمامة (ض)، قال (ص): ومن قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت))، وصححه ابن حبان، وزاد الطبراني: ((و {قل هو الله أحد})) (¬2) وله عن الحسن بن علي (ض): ((من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى)) (¬3) وإسناده حسن، وعن عقبة بن عامر (ض) أنه (ص) أمره بقراءة المعوذتين في دبر كل صلاة مكتوبة (¬4)، رواه النسائي وغيره، ثم يقول: {سبحن ربك رب العزة عما يصفون} الآية، لحديث عبد الله بن أرقم عن أبيه: ((من قال في دبر كل صلاة: {سبحن ربك ...} الآية، فقد اكتال بالجرين (¬5) الأوفى من الأجر)) (¬6) رواه الطبراني (¬7). ما بعد صلاة الصبح والمغرب: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، عشرا، رواه أبو الدرداء (¬1) (ض) وقال: كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وحفظ من الشيطان حتى يمسي، وكان في حرز من المكروه، (ولن يتبع (¬2) بذنب) أن يصيبه سوى الشرك، رواه الترمذي وغيره، وإن اختلف سياقهم له فهو متقارب. حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبعا (¬3). رواه أبو الدرداء (ض)، وقال: كفاه الله ما أهمه. والصلاة على الرسول (ص) عشرا، رواه أبو الدرداء أيضا، وفي الخبر: ((من صلى علي عشرا حين يصبح، وعشرا حين يمسي، أمن من سخط الله)) (¬4). الصباح والمساء: وهو ما بعد طلوع الفجر إلى حل النافلة، وما بعد العصر إلى ما بعد صلاة العشاء، د ت ج (¬5) عن أسماء بنت يزيد، قال (ص): ((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إلهم واحد ...} الآية، وفاتحة آل عمران)) (¬6) حسن، وفي نسخة صحيح. (ج) عن أبي أمامة، قال (ص): ((هو في البقرة وآل عمران وطه)) (¬1) وقال صاحب السلام: هو (الحي القيوم)، لاختصاصه بهذه السور، وقال شيخنا أبو العباس الحضرمي:: جوامع الاسم الأعظم ذلك. (ت) عن أبي هريرة (ض)، قال (ص): ((من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن صباحا، حفظ حتى يمسي، ومساء، حفظ حتى يصبح)) (¬2) غريب، وعن ابن مسعود، قال (ص): ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)) (¬3) زاد النسائي: ((ويحفظ البيت الذي تقرأ فيه من الشيطان ثلاث ليال)) (¬4). (ت) عن عبد الله بن خبيب (ض)، قال (ص): ((قل هو الله أحد والمعوذتين ثلاثا صباحا، وثلاثا مساء تكفيك من كل شيء)) (¬5) حسن صحيح. الترمذي الحكيم عن أبي هريرة، قال (ص): ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك من كل ما لا أعلم، ثلاثا صباحا، وثلاثا مساء، يذهب بالشرك الجلي والخفي)) ضعيف، ورواه أبو يعلى بلفظ: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه)) (¬6)، ورواه الطبراني، وأحمد. أيضا عن أبي بكرة، كان (ص) يتعوذ بهن ثلاثا صباحا وثلاثا مساء:
((اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، ومن عذاب القبر، لا إله إلا أنت)) (¬1) ثلاثا، وكذلك: ((اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت)) (¬2) ثلاثا أيضا. (د س) (¬3) عن ابن عباس قال (ص): ((من قال في صبيحة كل يوم ومسائه ثلاثا: اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتمم نعمتك علي وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، كان حقا على الله أن يتم عليه نعمته)) (¬4) وحديث: ((رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا ... إلخ))، قال الترمذي: حسن صحيح، وتثليثه رواه أحمد (¬5). وحديث جويرية في قول: ((سبحان الله وبحمده عدد خلقها)) (¬6) متفق عليه، وهو مشهور، وحديث: ((أعوذ بكلمات الله التامات ثلاثا مساء، أمان # من كل محتضر)) (¬1) رواه الترمذي (¬2)، ورواه أبو هريرة (¬3) وأصله في الصحيح، وحديث: ((بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء)) (¬4)، ثلاثا صباحا، وثلاثا مساء، رواه أبو داود عن عثمان، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحديث: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثلاثا، يتبعها بثلاث آيات من آخر سورة الحشر)) (¬5) رواه النسائي (¬6) عن معقل بن يسار قال: من قرأها صباحا لم يزل عليه من الله حافظا حتى يمسي، ومساء كذلك حتى يصبح، وإن مات مات شهيدا، قال النووي (¬7): وإسناده صحيح وحديث: ((سبحان الله العظيم وبحمده ثلاثا، أمان من # الجذام والبرص والفالج))، (¬1) رواه أحمد عن قبيصة بن أبي المخارق (ض)، وحديث ((سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)) (¬2) رواه النسائي عن جبير بن مطعم، وتثليثه عن أبي ذر (¬3) (ض)، وحديث الاستغفار ثلاثا بلفظ: ((أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه))، رواه أحمد والترمذي عن بلال بن يسار، والحاكم عن ابن مسعود، وقال؛ ثلاثا، وصحيح على شرط مسلم (¬4)، وروي عن أبي كاهل قال: قال (ص): ((من صلى علي في يوم أو ليلة ثلاث مرات حبا وشوقا إلي، كان حقا على الله أن يغفر له ذنوب ذلك اليوم، أو تلك الليلة)) (¬5)، وعن علي كرم الله وجهه: ((من أراد أن يكتال # (بالجرين) (¬1) الأوفى فليقل في آخر مجلسه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} (¬2) انتهت مسندات الوظيفة، وكلها مرفوعة له (ص)، لكن في التوقيع (¬3) في بعضها لدلالة السياق على المقصود، وباقي الوظائف مشهورة الأصول، وبالله التوفيق. ... 110 - فصل في خاتمة الكتاب اعلم وفقنا الله وإياك أن مقصدنا بهذا الكتاب وجود الإفادة وإظهار ما عندنا، لا وجود التعنيف، فمن نظر فيه من عالم فلينظره بعين الرضا والصواب، لئلا يدفعه، وينبه على ما فيه بإصلاح مختله بالتأويل، وعضد فارغه بالدليل، فإن من صنف استهدف، ومن أبدى للناس علمه فقد ولى للوجود حكمه، والمؤمن مرآة أخيه، والإنصاف من شيم الأشراف، ((حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (¬4)، ويعلم الله قصدي بهذا الكتاب، وإن كانت النيات لا تخلو عن خلل ونقص، فلكل حق حقيقة، ولكل شيء وجه، ثم أستعيذ برب السماوات والأرض من جاهل يتحامل، أو حاسد يعرف الحق ويتجاهل، وأسأله تعالى أن يجعله حجة لنا لا علينا، رفعا لكل # من وقع بيده أو قصده، وبركة لكل من أعان فيه بشيء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأستغفره سبحانه وتعالى مما جرى فيه من إساءة الأدب والظهور بالدعوى وأسباب الكذب، وأن يختم لنا بالإيمان والإسلام والكتاب والسنة في عافية، وأن يخلصنا من محن الدنيا وفتن الدين، ويجعلنا من حزبه المفلحين، ومن أوليائه المهتدين، إنه منعم كريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما (¬1). تم الكتاب بحمد الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
دستیاب متن ختم۔