Qur'an&Sunnah

Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)

حصہ V02/P087–V02/P088

ودخل الحمام يوما مع الفقراء أخذ ماء من الحوض ورشه على أصحابه، وقال: النار التي يعذب الله بها العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الماء في سخونته ففرح الفقراء بذلك، وكان رضي الله تعالى عنه إذا زار القرافة سلم على أصحاب القبور، فيردون السلام عليه بصوت يسمعه من معه، ولما طلع فقراء الصعيد، ومعهم الفرغل بن أحمد رضي الله عنه في شفاعة ابن عمر أمير الصعيد قال: سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه لا تقضي لهؤلاء حاجة لأنهم جاءوا بغير أدب، ولم يستأذنوا صاحب هذا البلد فكان الأمر كما قال: ولما دخلوا بالفرغل على السلطان أحمد جقمق قال له: أنت مشد هذا البلد فلم يجبه السلطان لكونه مجذوبا، وسمع رضي الله عنه بعض الفقراء في الزاوية يقول: لبعض قم يا فلان اكنس الزاوية قال له: قم أنت فما زالا يقولان ذلك ساعة فخرج الشيخ رضي الله عنه، وهو يقول: أنت وأنت اخرجا، واجلسا على باب الزاوية وامنعا الناس من الدخول، وأنا أكنسها ففعلا فخلع الشيخ ثيابه، وشد وسطه وطوى الحصر، ونفضها، وكنسها وافتتح القرآن يتلوه من الفاتحة إلى آخر سورة الأنعام حتى فرغ من الكنس رضي الله عنه. وكان أميرا كبيرا، والمقدمون الألوف هم الذين يمدون سماطه في المولد الكبير، ودخل يوما فرأى الأمراء يبنون في الكوانين فقال: لا إله إلا الله لو أمرنا الملوك أن يبنوا الكوانين لفعلوا، وكان شخص من التجار شديد الإنكار على سيدي محمد رضي الله عنه حتى كان يجيء إلى باب الزاوية أحيانا، ويرفع صوته بالألفاظ القبيحة في حق الشيخ فدار عليه الزمان، وانكسر، وركبته الديون، فجاء إلى الشيخ رضي الله عنه فتلقاه بالترحيب، وجمع له من أصحابه مالا جزيلا، ولم يزل يعتقد الشيخ إلى أن مات، ولم يعاتبه رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يتنزه عن سماع المعازف، وجميع آلات اللهو، فدخل يوما يزور سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه فرأى المازروني عمالا، والآلات تضرب فأمره بالسكوت حتى يزور فزار الشيخ رضي الله عنه، وعمل مجلس الذكر. فلما خرج عاد المازررني إلى حاله، ولم يتعرض الشيخ لكسر آلاته، وسمع مرة مدرسا من الحنفية يقول: في درسه الحكم كذا خلافا للشافعي رضي الله عنه فزجره، وقال: تقول خلافا للشافعي بقلة أدب لم لا تقول: رضي الله عنه، وإلا رحمه الله فقال: المدرس تبت إلى الله تعالى يا سيدي، وكان إذا رأى رضي الله عنه في جبهة فقير أثر سجود يقول: يا ولدي أخاف عليك أن يكون هذا من الرياء، وذكروا يوما عنده سيدي عبد القادر الجبلي رضي الله عنه فقال: لو حضر عندنا عبد القادر هنا لكان تأدب معنا، وكان رضي الله عنه يقول: نحن أسرار الوجود، وكان إذا وضع يده على الفرس الحرون لم يعد إلى حرونته، وكان رضي الله عنه يكره مشايخ القرى، والمدركين للبلاد، ويقول: أبا لا أقول بإسلامهم، وكان يقول: من اعتقد شيخا، ولم يره كسيدي أحمد البدوي، وغيره لا يصير بذلك مريدا له إننا هو محب له فإن شيخ الإنسان هو الذي يأخذ عنه، ويقتدي به، وكان يكره للفقير لبس الطليحية، ويقول: الفقر في الباطن لا في الظاهر وكان رضي الله عنه إذا رأى من الفقراء، والمجاورين عورة سترها عليهم، ويصير يسارقهم بحيث لا يشعرون، ويرغبهم في ذلك الأمر الذي فيه صلاحهم، وكان رضي الله عنه يكره للفقير أن يكون عند شيخه، ولا يشاوره في أموره كلها، ويقول: والله ما عرف الكيلاني، وابن الرفاعي، وغيرهما الطريق إلى الله تعالى إلا على يد شيخ، وكم لعب الشيطان بعابد، وقطعه عن الله عز رجل، وكان إذا تشوش من فقير ظهر عليه المقت، وكان يقول: الفقراء ما عندهم عصا يضربون بها من أساء الأدب في حقهم، وما عندهم إلا تغير خواطرهم، وسألوه مرة ما تقول: الساقية في غنائها؟ قال: تقول لا يرى ملان إلا طالعا ولا فارغ إلا نازلا. ورأى مرة شابين أمردين ينامان في خلوة فلم يفش عليهما أمرا، وصار يحكي الحكايات المناسبة للتنفير عن مثل ذلك حتى قال: بلغنا عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه دخل يوما خربة يقضي فيها حاجته فوجد فيها حمارة فراوده الشيطان عليها فلما أحس الشبلي رضي الله عنه بذلك رفع صوته، وصاح يا مسلمون يا مسلمون الحقوني، وأخرجوا عني هذه الحمارة فإني أعرف ضعف نفسي عن سلوك طريق الصيانة ثم قال: سيدي محمد رضي الله عنه فإذا كان هذا حال مثل الشبلي رضي الله عنه في حمارة، فكيف بالصور الجميلة ففطن لذلك الشابان فتفرقا عن الاجتماع حتى كأنهما لم يكونا عرفا بعضهما، وكانت الفضة لا تنقطع من

حصہ V02/P088

جيبه لأجل الفقراء فكان لا يقدم عليه فقير إلا وضع يده في جيبه، وأعطاء من غير عدد، وكان الذي يلاحظه يقول: والله عطايا الشيخ أكثر من عطايا السلطان كل يوم، وكان رضي الله تعالى عنه إذا ركب في شوارع مصر لا يلقاه أمير أو كاتب سر أو ناظر خاص إلا ورجع معه إلى أي مكان أراد وتلقاه رجل أعجمي فأنشده: نهاري نسيم كله إن تبسمت ... أوائله منها برد تحيتي فقال: الشيخ رضي الله عنه هذا الرجل كلما صلى الصبح وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم سمع رد السلام من النبي صلى الله عليه وسلم، فيستنير النور، ويقوى حتى يصير كأصيل النهار فكأنه يقول: حصيل لي اليوم الفتح، وكان الخضر عليه السلام يحضر مجلسه مرارا فيجلس على يمينه فإن قام الشيخ قام معه، وإن دخل الخلوة شيعه إلى باب الخلوة، وسئل يوما عن الصالح فقال هو من صلح لحضرة الله عز وجل، ولا يصلح لحضرة الله عز وجل إلا من تخلى عن الكونين، وسئل عن الولي فقال هو من قال لا إله إلا الله، وقام بشروطها، وشروطها أن يوالي الله، ورسوله بمعنى أنه يواد الله بشهادته له بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مات الولي انقطع تصرفه في الكون من الإمداد، وإن حصل مدد للزائر بعد الموت أو قضاء حاجة فهو من الله تعالى على يد القطب صاحب الوقت يعطي الزائر من المحد على قدر مقام المزور قال: بعضهم المزور في الحقيقة هو الصفات لا الذوات فإنها تبلى، وتفنى، والصفات باقية، وكان الشيخ رضي الله عنه يخرج إلى قبر رجل كان أبارا فقيل له: في ذلك فقال: إنه كان يخبر عن رأس ماله في كل إبرة يبيعها، وكان يقول: قوموا لأهل العلوم الربانية فإن قيامكم في الحقيقة إنما هو لصفة الله تعالى التي أنار بها قلوب أوليائه، وكان بالشيخ رضي الله عنه عدة أمراض كل مرض منها يهذ الجبال منها البلغم الحار، والبلغم البارد فاجتمع عنده الأطباء، وقالوا إن النصف الأعلى قد تحكم منه البلغم الحار، والنصف الأسفل قد تحكم منه البلغم البارد فإن داوينا الأعلى غلب عليه الأسفل، وإن داوينا الأسفل غلب عليه الأعلى فقال: لهم خلوا بيني وبين الله تعالى يفعل بي ما يريد، وأقام رضي الله عنه بذلك المرض سبع سنين ملاما فرشه ما سمعه أحد يقول: آه إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وكان مع وجود هذا البلاء العظيم يتوضأ للصلاة قبل دخول الوقت بخمس درج، والأذكار، والأحزاب تتلى حوله في كل صلاة، ولا يصلي إلا مع جماعة، ولما دنت وفاته بأيام كان لا يغفل عن البكاء ليلا، ولا نهارا، وغلب عليه الذلة، والمسكنة، والخضوع حتى سأل الله تعالى قبل موته أن يبتليه بالقمل، والنوم مع الكلاب، والموت على قارعة الطريق، وحصل له ذلك قبل موته فتزايد عليه القمل حتى صار يمشي على فراشه، ودخل له كلب فنام معه على الفراش ليلتين وشيئا، ومات على طرف حوشه، والناس يمرون عليه في الشوارع، وإنما تمنى ذلك ليكون له أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين ماتوا بالجوع، والقمل، وكان السيد عيسى عليه الصلاة والسلام يقول والله إن النوم مع الكلاب لكثير على من يموت، ولما دنت وفاته قال لزوجته: لا تتزوجي بعدي فمن تزوج بك خربت دياره، وأنا لا أحب أن تكوني سببا لخراب دار أحد رضي الله عنه. ومنهم الشيخ مدين بن أحمد الأشموني رضي الله تعالى عنه

حصہ V02/P088–V02/P089

أحد أصحاب سيدي الشيخ أحمد الزاهد رضي الله عنه، كان من أكابر العارفين، وانتهت إليه تربية المريدين في مصر وقراها وتفرعت عنه السلسلة المتعلقة بطريقة أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه، قالوا، وكان رضاعه على يد سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه، وفطامه على يد سيدي الشيخ محمد الحنفي رضي الله عنه السابق ذكره، فإنه لما توفي سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه جاء إلى سيدي محمد رضي الله عنه، وصحبه وأقام عنده مدة في زاويته مختليا في خلوة ثم إنه طلب من سيدي محمد إذنا بالسفر إلى زيارة الصالحين بالشام، وغيره فأعطاه الشيخ إذنا فقام مدة طويلة سائحا في الأرض لزيارة الصالحين ثم رجع إلى مصر فأقام بها واشتهر، وشاع أمره، وانتشر، وقصده الناس، واعتقدوه، وأخذوا عليه العهود، وكثرت أصحابه في إقليم مصر، وغيرها، ولما بلغ أمره سيدي الشيخ أبا العباس السرسي خليفة سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه قال: لا إله إلا الله ظهر مدين بعد هذه المدة الطويلة، والله لقد أقام عندي سيدي في هذه الزاوية نحو الأربعين يوما حتى كمل. قلت: هكذا رأيته في آخر مناقب سيدي محمد الحنفي عند ذكر أصحابه الذين أخذوا عنه، والمشهور بين جماعة سيدي مدين، والغمري، وغيرهم أن فطام سيدي مدين رضي الله عنه كان على يد سيدي أحمد الزاهد فالله أعلم بما كان، وهو من ذرية سيدي أبي مدين المغربي الثلمساني رضي الله عنه، وجده الأدنى على المدفون بطبلية بالمنوفية ووالده مدفون في أشمون جريسان، وكلهم أولياء صالحون، وأول من جاء من بلاد المغرب جده الذي في طبلية فدخلها، وهو مغربي فقير لا يملك شيئا، فجاع جوعا شديدا فمر به إنسان يقود بقرة حلابة فقال له: احلب لي شيئا من اللبن أشربه، فقال له: ثور فصارت في الحال ثورا، ولم تزل ثورا إلى أن ماتت، ووقع له كرامات كثيرة فلم يمكنوه أن يخرج من بلدهم طبلية حتى مات، وأما والد سيدي مدين رحمه الله تعالى، فانتقل إلى أشمون فولد له سيدي مدين فاشتغل بالعلم حتى صار يفتي الناس، واستسلم من أشمون عدة بيوت من النصارى منهم أولاد إسحاق، ومنهم الصديرية، والمقامعة، والمساعنة، وهم مشهورون في بلد أشمون ثم تحرك في خاطره طلب الطريق إلى الله تعالى، واقتفاء آثار القوم، فقالوا له: لا بد لك من شيخ فخرج إلى مصر فوافق سيدي محمد الغمري حين جاء إلى القاهرة يطلب الآخر ما يطلب سيدي مدين فسألوا عن أحد يأخذون عنه من مشايخ مصر فدلهما على سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه فهما بين القصرين، وإذا بشخص من أرباب الأحوال قال لهما: ارجعا ليس لكما نصيب الآن عند الأبواب الكبار ارجعا إلى الزاهد، فرجعا إليه فلما دخلا تنكر عليهما زمانا ثم لقنهما، وأخلاهما ففتح على سيدي مدين رضي الله عنه في ثلاثة أيام، وأما سيدي محمد الغمري رضي الله عنه فأبطأ فتحه نحو خمس عشرة سنة، ومن كرامات سيدي مدين رضي الله عنه أن منارة زاويته الموجودة الآن لما فرغ منها البناء مالت إليه، وخاف أهل الحارة منها فأجمع المهندسون على هدمها، فخرج إليهم الشيخ على قبقابه فأسند ظهره إليها، وهزها والناس ينظرون فجلست على الاستقامة إلى وقتنا هذا، ومن كراماته المشهورة أن يوسف ناظر الخاص بمصر ظلم شخصا من تجار الحجاز، وكان مستند الشيخ عبد الكريم الحضرمي رضي الله عنه فسأل الشيخ في التوجه إلى الله تعالى فيه فتوجه فيه تلك الليلة، فرأى يوسف في مقصورة من حديد مكتوب عليها من خارج مدين مدين فأصبح فأخبر التاجر، وقال من هو مدين هذا فقال شيخ في مصر يعتقده يوسف فقال ارجع إلى مكان شيخه لا طاقة لي به، وشاوره بعض الفقراء في السفر إلى بلاده ليقطع علائقه، ويجيء إلى الشيخ بالكلية، فأذن له فباع ذلك الفقير بقرته، وبعض أمتعته، وجعل ثمنها في صرة، ووضعها، في رأسه فلما جاء في المركب نفض الراجع عمامته فوقعت بالصرة في بحر النيل أيام زيادته فلما دخل الشيخ حكى له ما وقع فرفع سيدي مدين رضي الله عنه طرف السجادة وأخرج تلك الصرة تقطر ماء، وكان إذا رأى فقيرا لا يحضر مجلس الذكر يخرجه، ولا يدعه يقيم عنده فقال: لفقير يوما ما منعك يا ولدي عن الحضور فقال: الحضور إنما هو مطلوب لمن عنده كسل ليتقوى لغيره، وأنا بحمد الله ليس عندي كسل فأخرجه الشيخ، وقال: مثل هذا يتلف الجماعة، ويصير كل واحد يدعي بدعواه فيختل نظام

حصہ V02/P089–V02/P090

الزاوية، وشعارها، وخرج فقير يوما من الزاوية فرأى جرة خمر مع إنسان فكسرها فبلغ الشيخ رضي الله عنه ذلك فأخرجه من الزاوية، وقال: ما أخرجته لأجل إزالة المنكر وإنما هو لإطلاق بصره حتى رأى المنكر لأن الفقير لا يجاوز بصره موضع قدميه، ووقع أن ثور الساقية انطلق يوما فأكل من طحين الفقراء فذبحه الشيخ، وقال: قد صار الماء الذي يملؤه لوضوء الناس فيه شبهة رضي الله عنه، وجاءته رضي الله عنه امرأة فقالت: هذه ثلاثون دينارا، وتضمن لي على الله الجنة فقال لها: الشيخ رضي الله عنه مباسطا لها ما يكفي، فقالت: لا أملك غيرها فضمن لها على الله دخول الجنة فماتت فبلغ ورثتها ذلك فجاءوا يطلبون الثلاثين دينارا من الشيخ، وقالوا: هذا الضمان لا يصح فجاءتهم في المنام، وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ فإني دخلت الجنة، فرجعوا عن الشيخ وحكى أن الشيخ رضي الله عنه كان يوما يتوضأ في البالوعة التي في رباط الزاوية فأخذ فردة القبقاب فضرب بها نحو بلاد المشرق ثم جاء رجل من تلك البلاد بعد سنة، وفردة القبقاب معه، وأخبر أن شخصا من العياق عبث بابنته في البرية فقالت: يا شيخ أبي لاحظني لأنها لم تعرف أن اسمه مدين ذلك الوقت، وهي إلى الآن عند ذريته رضي الله عنه. وشعارها، وخرج فقير يوما من الزاوية فرأى جرة خمر مع إنسان فكسرها فبلغ الشيخ رضي الله عنه ذلك فأخرجه من الزاوية، وقال: ما أخرجته لأجل إزالة المنكر وإنما هو لإطلاق بصره حتى رأى المنكر لأن الفقير لا يجاوز بصره موضع قدميه، ووقع أن ثور الساقية انطلق يوما فأكل من طحين الفقراء فذبحه الشيخ، وقال: قد صار الماء الذي يملؤه لوضوء الناس فيه شبهة رضي الله عنه، وجاءته رضي الله عنه امرأة فقالت: هذه ثلاثون دينارا، وتضمن لي على الله الجنة فقال لها: الشيخ رضي الله عنه مباسطا لها ما يكفي، فقالت: لا أملك غيرها فضمن لها على الله دخول الجنة فماتت فبلغ ورثتها ذلك فجاءوا يطلبون الثلاثين دينارا من الشيخ، وقالوا: هذا الضمان لا يصح فجاءتهم في المنام، وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ فإني دخلت الجنة، فرجعوا عن الشيخ وحكى أن الشيخ رضي الله عنه كان يوما يتوضأ في البالوعة التي في رباط الزاوية فأخذ فردة القبقاب فضرب بها نحو بلاد المشرق ثم جاء رجل من تلك البلاد بعد سنة، وفردة القبقاب معه، وأخبر أن شخصا من العياق عبث بابنته في البرية فقالت: يا شيخ أبي لاحظني لأنها لم تعرف أن اسمه مدين ذلك الوقت، وهي إلى الآن عند ذريته رضي الله عنه. وكان الشيخ عبادة أحد أعيان السادة المالكية ينكر على سيدي مدين رضي الله عنه، ويقول: أيش هذه الطريق التي يزعم هؤلاء نحن لا نعرف إلا الشرع فلما انقلب بعض أصحاب الشيخ عبادة إلى سيدي مدين رضي الله عنه صحبوه، وتركوا حضور درسه ازداد إنكارا، فأرسل سيدي مدين،

حصہ V02/P090

وراءه يدعوه إلى حضور مولده الكبير الذي يعمل له في كل سنة فحضر فقال: الشيخ رضي الله عنه لا أحد يتحرك له، ولا يقوم، ولا يفسح له فوقف الشيخ عبادة في صحن الزاوية حتى كاد يتمزق من الغيظ ساعة طويلة ثم رفع سيدي مدين رضي الله عنه رأسه، وقال: افسحوا للشيخ عبادة، فأجلسه بجانبه ثم قال له: سؤال حضر فقال: الشيخ عبادة رحمه الله تعالى سل فقال: هل يجوز عندكم القيام للمشركين مع عدم الخوف من شرهم فقال: لا فقال: سيدي مدين رضي الله عنه بالله عليك ما تكدرت حين لم يقم لك أحد فقال: نعم فقال: لو قال لك: إنسان لا أرضي عليك إلا إن كنت تعظمني كما تعظم ربك ماذا تقول: له قال: أقول له كفرت فدارت فيه الكلمة فانتصب قائما على رءوس الأشهاد، وقال: ألا اشهدوا أنني قد أسلمت على يد سيدي مدين رضي الله عنه، وهذا أول دخولي في دين الإسلام، ولم يزل في خدمة سيدي مدين رضي الله عنه إلى أن مات رحمه الله تعالى، ودفن في تربة الفقراء، وحكى له الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد الحريفيش الدنوشري أحد أصحاب سيدي محمد الغمري رضي الله عنه قال: لما مات شيخنا رضي الله عنه لم يعجبنا أحد بعده نجتمع عليه فسألت بعض الفقراء فقال: عليك بسيدي مدين فسافرت إليه فقالوا لي: الشيخ يتوضأ في الرباط فدخلت عليه، فوجدته رجلا بعمامة كبيرة وجبة عظيمة، وإبريق وطشت وعبد حبشي واقف بالمنشفة، فقلت: لشخص أين سيدي مدين فأشار إلي أنه هذا فقلت: في نفسي لاذا بذاك، ولا عتب على الزمن بتحريك التاء المثناة من فوق لأن عهدي بسيدي محمد رضي الله عنه أن يلبس الجبة، والعمامة الغليظة، والتقشف الزائد، وليس لي علم بأحوال الرجال فقال لي: أصلح البيت قل لاذا بذاك، ولا عتب على الزمن بسكون الفوقية فقلت: الله أكبر فقال: على نفسك الخبيثة تسافر من البلاد إلى هنا تزن الفقراء بميزان نفسك التي لم تسلم إلى الآن فقلت تبت إلى الله تعالى، وأخذ العهد علي، وأنا في بركة سيدي مدين رضي الله عنه إلى الآن، وكنت أسمع هذه الحكاية من سيدي علي المرصفي يرويها عن شيخه سيدي محمد بن أخت سيدي مدين عن سيدي محمد الحريفيش هذا فلما اجتمعت بسيدي محمد الحريفيش سنة خمس عشرة، وتسعمائة بدنوشر حكاها لي على جهة المباسطة فلما رجعت إلى القاهرة أخبرت بها سيدي عليا رضي الله عنه، وأنا فرحان بذلك، فقال لي: على وجه المباسطة كنت بلا سند فصرت بسند، وضاقت النفقة على السلطان جقمق فأرسل يأخذ خاطر سيدي مدين رضي الله عنه بالمساعدة على نفقة العسكر، فأرسل للسلطان قاعدة عمود حجر فحملها العتالون إلى القلعة، فوجدها السلطان معدنا فباعها، وجعلها في بيت المال، واتسع الحال على السلطان، فقال: السلطان هؤلاء هم السلاطين. وجاءه شخص قد طعن في السن، وقال: يا سيدي مقصودي أحفظ القرآن في مدة يسيرة فقال: ادخل هذه الخلوة فأصبح يحفظ القرآن كله، وكان الشيخ رضي الله عنه إذا سأله أحد عن مسألة في الفقه لا يجيبه، ويقول: اذهب إلى عيسى الضرير يجيبك عنها وكان عيسى هذا أميا مقيما عنده في الزاوية فجاءه جماعة متعنتون على وجه الامتحان، فقال: اذهبوا إلى عيسى الضرير يجيب عنها فقالوا: لا نطلب الجواب إلا منك فقال: الجواب في الكتاب الفلاني الذي عندكم على الرف في سابع سطر من عاشر ورقة، فوجدوا الأمر كما قال: فاستغفروا، وتابوا، ووقائع سيدي مدين رضي الله عنه كثيرة مشهورة بين مريديه، وغيرهم. ومن أصحابه سيدي محمد الشويمي المدفون قبالة قبره رضي الله عنه وسيدي أحمد الحلفاوي رضي الله عنه المدفون في صحن الزاوية.

حصہ V02/P090–V02/P091

فأما الشويمي رضي الله عنه، فكان من أرباب الأحوال العظيمة، وكان يعمل هلالات الموادن، والضيب، وكان يجلس بعيدا عن سيدي مدين رضي الله عنه فكل من مر على خاطره شيء قبيح يسحب العصا، وينزل عليه غنيا أو فقيرا كبيرا أو صغيرا أو أميرا لا يراعي في ذلك أحدا فكان من يعرف بحاله لا يتجرأ يجلس بين يدي سيدي مدين رضي الله عنه أبدا ومرض سيدي مدين رضي الله عنه مرة أشرف فيها على الموت فوهبه من عمره عشر سنين ثم مات في غيبة الشويمي رضي الله عنه فجاء، وهو على المغتسل فقال كيف مت، وعزة ربي لو كنت حاضرك ما خليتك تموت ثم شرب ماء غسله كله، وكان رضي الله عنه يقول: لأصحابه عليكم بذكر الله تعالى تقضي لكم جميع حوائجكم. وجاءه مرة شخص يحمل حملة امرأة يحبها، ويريد أن يتزوجها، وهي تأبى فقال له: ادخل هذه الخلوة، واشتغل باسمها فدخل، واشتغل باسمها ليلا، ونهارا. فجاءته المرأة برجليها إلى الخلوة، وقالت له: افتح لي أنا فلانة فزهد فيها، وقال: إن كان الأمر كذلك فاشتغالي بالله أولى فاشتغل باسم الله تعالى ففتح عليه في خامس يوم رضي الله عنه. وكان الشويمي رضي الله عنه يدخل بيت الشيخ يحسس بيده على النساء فكن يشكون لسيدي مدين رضي الله عنه فيقول: حصل لكم الخير فلا تشوشوا. واحتاج المطبخ يوما، وهم في أشمون قلقاسا، فأعطوه خرجا، وحمار، وقالوا: له اشترا لنا قلقاسا من الغيط فخرج إلى ناحية التربة فملخ لهم من الحلفاء قلقاسا حتى ملأ الخرج، ورجع بالفلوس فاعتقده النساء من ذلك اليوم، ولما مات سيدي مدين رضي الله عنه، وطلب ابن أخته سيدي محمد رضي الله عنه الشياخة في الزاوية بعد الشيخ خرج له بالعصا، وقال: إن لم ترجع يا محمد، وإلا استلفتك من ربك ثم دخل، فأخرج سيدي أبا السعود ابن سيدي مدين، وهو ابن خمس سنين فأجلسه على السجادة، وقال: اذكر بالجماعة، فرجع ابن أخت سيدي مدين، ولم يتجرأ أن يطلع الزاوية حتى مات الشويمي رضي الله عنه، وكان، وهو جمال في أشمون يحمل القمح أيام الحصاد، وكان لا يحمل الجمل إلا قنة واحدة فذكروا ذلك لشيخ العرب، فقال: دقوا قتتي، وحمل غيري فوجدوا قتته خمسة أرادب فقال الجمل يحمل أكثر من خمسة أرادب، وهو الذي زرع الخروبة التي هي قريب من التيه في طريق الحجاز حين توضأ سيدي مدين رضي الله عنه لما سافر إلى الحج، ووقائه كثيرة مشهورة عند جماعة سيدي مدين رضي الله عنه. وأما الحلفاوي رضي الله تعالى عنه فكان رجلا صالحا سليم الباطن، وكان يمشي بحلفايته بحضرة الشيخ في الزاوية، وكان الشويمي رضي الله عنه يتأثر من ذلك، ويقول له: أنت قليل الأدب فغضب يوما منه فهجره فلما كان الغروب آخر اليوم الثالث جاء له الشويمي، وصالحه وقال رأيت الحق يغضب لغضبك يا أخي، ولم يفتح علي بشيء من مواهب الحق منذ هجرتك فبلغ ذلك سيدي مدين رضي الله عنه فقال: أنا رأيته يمشي بحلفايته هذه في الجنة رضي الله عنه توفي سيدي مدين رضي الله عنه سنة نيف، وخمسين، وثمانمائة رضي الله تعالى عنه. ومنهم سيدي الشيخ محمد بن أحمد الفرغلي رضي الله تعالى عنه

حصہ V02/P091–V02/P092

المدفون في أبي تبج بالصعيد كان رضي الله عنه من الرجال المتمكنين أصحاب التصريف، ومن كراماته رضي الله عنه أن امرأة اشتهت الجوز الهندي فلم يجدوه في مصر فقال: للنقيب مخيمر يا مخيمر ادخل هذه الخلوة واقطع لها خمس جوزات من الشجرة التي تجدها في داخل الخلوة، فدخل فوجد شجرة جوز فقطع لها منها خمس جوزات ثم دخل بعد ذلك فلم يجد شجرة، ومر عليه شيخ الإسلام ابن حجر رضي الله عنه بمصر يوما حين جاء في شفاعة الأولاد عمر، فقال: في سره ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه على وجه الإنكار عليه فقال له: قف يا قاضي فوقف فمسكه، وصار يضربه، ويصفعه على وجهه، ويقول: بل اتخذني، وعلمني، ودخل عليه بعض الرهبان فاشتهى عليه بطيخا أصفر في غير أوانه فأتاه به، وقال، وعزة ربي لم أجده إلا خلف جبل قاف، وخطف التمساح بنت مخيمر النقيب فجاء وهو يبكي إلى الشيخ فقال له: اذهب إلى الموضع الذي خطفها منه، وناد بأعلى صوتك يا تمساح تعال كلم الفرغل فخرج التمساح من البحر، وطلع كالمركب، وهو ماش، والخلق بين يديه جارية يمينا وشمالا إلى أن وقف على باب الدار فأمر الشيخ رضي الله عنه الحداد بقلع جميع أسنانه، وأمره بلفظها من بطنه فلفظ البنت حية مدهوشة، وأخذ على التمساح العهد أن لا يعود يخطف أحدا من بلده ما دام يعيش، ورجع التمساح ودموعه تسيل حتى نزل البحر، وكان رضي الله عنه يقول: كثيرا كنت أمشي بين يدي الله تعالى تحت العرش. وقال لي: كذا وقلت له: كذا فكذبه شخص من القضاة فدعا عليه بالخرس فخرس حتى مات، وكان آخر عمره مقعدا، ويتكلم على أخبار سائر الأقاليم من أطراف الأرض، ويبدلون له كل يوم، والثاني زربونا جديدا، وسمعت سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: زرت الفرغل بن أحمد رضي الله عنه، وأنا شاب فأخبر جماعته بخروجي من بلاد الشرقية، وقال: ها هو محمد بن حسن الأعرج خرج بقصد زيارتنا، وكانت له نصرانية تعتقده في بلاد الإفرنج فنذرت إن عافي الله تعالى ولدها أن تصنع للفرغل بساطا فكان يقول: ها هم غزلوا صوف البساط ها هم دوروا الغزل على المواسير ها هم شرعوا في نسجه ها هم أرسلوه ها هم نزلوه المركب ها هم وصلوا إلى المحل الفلاني ثم الفلاني فقال: يوما واحد يخرج يأخذ

حصہ V02/P092

البساط، فإنه قد وصل على الباب فخرجوا فوجدوا البساط على الباب كما قال الشيخ رحمه الله، وأرسل مع القاصد الذي جاء بالبساط بعضا من الهدية وقال له: غمض عينك فغمض عينه فوجد نفسه في بلده طينات وسطى، وجعلوه حارس الجرن، وهو صغير في بني صميت فأخذ فريكا أخضر، وطلع فوق جرن يحرقه فتسامع الناس إن هذا المجنون أحرق الجرن فطلعوا له، وضربوه فقال: أنا قلت: للنار لا تحرقي إلا فريكي بس، وانظروا أنتم فوجدوها لم تحرق إلا الفريك. وقال: لرجل زوجني ابنتك فقال: مهرها غال عليك فقال: كم تريد فقال: أربعمائة دينار فقال اذهب إلى الساقية، وقل لها قال: لك الفرغل املأ قادوس ذهب، وقادوس فضة فملأت له قادوسين فلم يزل هو وذريته مستورين ببركة الشيخ حتى ماتوا، وجاءه ابن الزرازيري فقبل رجله فقال له: وليتك من الخلصة للملصة فولاه السلطان كشف أربع أقاليم الصعيد، وأرسل قاصده إلى أمير في مصر يشفع عنده في فلاح فقال: قل لشيخك أنت دوكاري فرجع القاصد إلى الشيخ فأخبره فنقر بإصبعه في الأرض كهيئة الذي يحفر، فجاء الخبر أن السلطان غضب على ذلك الأمير، وأمر بهدم داره فهي خراب إلى الآن ناحية جامع طولون ثم ضرب عنقه بعد ذلك فقالوا له: ما سببه؟ قال لا أعرف له سببا إلا أن الله تعالى حركني لذلك، وجلس عنده فقيه يقرأ القرآن فنط الفقيه فقال له: نطيت فقال له: من أعلمك يا سيدي، وأنت لا تحفظ القرآن؟ فقال: كنت أرى نورا متصلا صاعدا إلى السماء فانقطع النور، ولم يتصل بما بعده فعلمت أنك نطيت، وكان رضي الله عنه يقول: أنا من المتصرفين في قبورهم فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبالة وجهي، ويذكرها لي أقضيها له، ووقائعه رضي الله عنه لا تحصيها الدفاتر. توفي سنة نيف وخمسين وثمانمائة رضي الله تعالى عنه آمين. ومنهم سيدي الشيخ أبو بكر الدقدوسي رضي الله تعالى عنه شيخ سيدي عثمان الخطاب رضي الله عنهما، كان رضي الله عنه من أصحاب التصريف النافذ، وكانت الأعيان تقلب له. حكى لي شيخ الإسلام الشيخ نور الدين الطرابلسي الحنفي رحمه الله تعالى قال: أخبرني سيدي عثمان الخطاب رحمه الله تعالى أنه حج مع سيدي أبي بكر رضي الله عنه سنة من السنين فكان الشيخ يقترض طول الطريق الألف دينار فما دونها على يدي فإذا طالبني الناس أجيء إليه فأخبره بذلك فيقول له: عد لك من هذا الحصا بقدر الدين فكنت أعد الألف حصاة، والخمسمائة، والمائة والأربعين والثلاثين، وأذهب بها إلى الرجل فيجدها دنانير قال: فلما دخلنا مكة كان الشيخ رضي الله عنه يضع كل يوم سماطا صباحا، ومساء في ساحة لا يمنع أحدا يدخل، ويأكل مدة مجاورته بمكة قال: وهذا أمر ما بلغنا فعله لأحد قبل سيدي أبي بكر. وكان له صاحب يصنع الحشيش بباب اللوق فكان الشيخ رضي الله عنه يرسل إليه أصحاب الحوائج فيقضيها لهم قال: سيدي عثمان رضي الله عنه فسألته يوما عن ذلك، وقلت المعصية تخالف طريق الولاية فقال: يا ولدي ليس هذا من أهل المعاصي إنما هو جالس يتوب الناس في صورة بيع الحشيش فكل من اشترى منه لا يعود يبلعها أبدا هكذا أخبرني سيدي نور الدين الطرابلسي عن سيدي عثمان رحمه الله تعالى. ومنهم سيدي عثمان الخطاب رضي الله تعالى عنه

حصہ V02/P092–V02/P093

أجل من أخذ عن سيدي أبي بكر الدوقدسي رضي الله عنه من الزهاد المتقشفين، كان له فروة يبسها شتاء وصيفا، وهو محزم بمنقطة من جلد، وكان شجاعا يلعب اللبخة فيخرج له عشرة من الشطار، ويهجمون عليه بالضرب فيمسك عصاه من وسطها، ويرد ضرب الجميع فلا يصيبه واحدة هكذا أخبر عن نفسه في صباه، وكان رضي الله عنه رحيما بالأولاد الأيتام، ويقول: أنا قاسيت مرارة اليتم لموت أبي، وأنا صغير، وكان مطرقا على الدوام لا يرفع قط رأسه إلى السماء إلا لحاجة أو مخاطبة أحد، وكان لم يزل في عمل مصالح فقراء الزاوية، وغيرهم إما في غربلة القمح، وإما في تنقيته، وإما في طحنه، وإما في جميع آلات الطعام وإما في خياطة ثياب الفقراء، وإما في تفليتها، وإما في الوقود تحت الدست، وإما في جميع الحطب من البساتين، وبلغ الفقراء، والأرامل عنده أكثر من مائة نفس، وليس له رزقة، ولا وقف إلا على ما يفتح الله به كل يوم، وكان كل من بار عنده شيء من الخضر يقول: خلوه للشيخ عثمان، وكان إذا ضاق عليه الحال يطلع للسلطان قايتباي يطلب منه فيرسم له بالقمح، والعدس، والفول، والأرز، ونحو ذلك فقال: له السلطان يوما يا شيخ عثمان أيش بلاك بهذه الناس كلهم أطلقهم لحال سبيلهم، وأرح نفسك فقال: له، وأنت الآخر أطلق هذه المماليك، والعسكر واقعد، وحدك فقال هؤلاء عسكر الإسلام فقال، وهؤلاء عسكر القرآن فتبسم السلطان، ولما شرع في بناء الإيوان الكبير عارضه هناك ربع فيه بنات الخطأ فطلع للسلطان فقال يا مولانا هذا الربع كان مسجدا، وهدموه، وجعلوه ربعا فصدق قول الشيخ ورسم بهدم الربع، وتمكين الشيخ من جعله الزاوية، فأرشوا بعض القضاة فطلع إلى السلطان، وقال: يا مولانا يبقى عليكم اللوم من الناس ترسمون بهدم ربع بقول فقير مجذوب، فقال: السلطان ثبت عندي قول الشيخ فهدمه فظهر المحراب، والعمودان فأرسل الشيخ رضي الله عنه وراء السلطان فنزل فرآه بعينه، وطلب أن يصرف على العمارة. فأبى الشيخ، فقال: أساعدك في كب التراب فقال: لا نحن نمهده فيها مهدا فهذا كان سبب علوه إلى الآن، وبقية الزاوية كانت زاوية شيخه الشيخ أبي بكر الدقدوسي رضي الله عنه، وأخبرني شيخ الإسلام الشيخ نور الدين الطرابلسي الحنفي، والسيد الشريف الخطابي المالكي النحوي رحمهما الله تعالى قالا سمعنا سيدي عثمان رضي الله عنه يقول: لما حججت مع سيدي أبي بكر سألته أن يجمعني على القطب، فقال: اجلس هاهنا، ومضى فغاب عني ساعة ثم حصل عندي ثقل في رأسي فلم أتمالك أحملها حتى لصقت لحيتي بعانتي فجلسا يتحدثان عندي بين زمزم، والمقام ساعة وكان من جملة ما سمعت من القطب يقول: آنستنا يا عثمان حلت علينا البركة ثم قال: لشيخي توص به فإنه يجيء منه ثم قرأ سورة الفاتحة، وسورة قريش ودعوا، وانصرفا ثم رجع سيدي أبو بكر رضي الله عنه فقال ارفع رأسك قلت لا أستطيع فصار يمرجني، ورقبتي تلين شيئا فشيئا حتى رجعت لما كانت عليه فقال يا عثمان هذا حالك، وأنت ما رأيته فكيف لو رأيته فمن ثم كان سيدي عثمان رضي الله عنه لا يريد الانصراف عن جليسه حتى يقرأ سورة الفاتحة، ولإيلاف قريش لا بد له من ذلك قال: الشيخ شمس الدين الطنبخي رحمه الله تعالى، وما رأيت سيدي أبا العباس الغمري رضي الله عنه يقوم لأحد من فقراء مصر غير الشيخ عثمان الخطاب كان يتلقاه من باب الجامع رضي الله عنهما، وكذلك كان سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يحبه، ويعظمه، وكان كل واحد منهما يجيء لزيارة الآخر، وكان إذا قال له: شخص يا سيدي عثمان المدد يقول: عثمان حطبة من حطب جهنم فماذا ينفعكم خاطره رضي الله عنه.

حصہ V02/P093–V02/P094

وأخبرني سيدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه أنه جاور عنده مدة فخرج يتوضأ ليلا فوجد رجلا ملفوفا في نخ في طريق الميضأة فقال له: قم ما هو محل نوم فكشف عن وجهه، وقال: يا أخي أنا عثمان أخرجتني أم الأولاد، وحلفت أنها ما تخليني أنام في البيت هذه الليلة، وكانت مسلطة عليه، وكذلك كانت امرأة صاحبه الشيخ عثمان الديمي، وكان عيال كل منهما تخرج على الآخر، وكان كل منهما ينادي الآخر بيا عثمان فقط من غير لفظ لقب، ولا كنية رضي الله عنهما. خرج رضي الله تعالى عنه زائرا للقدس فتوفي هناك سنة نيف وثمانمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ محمد الحضري رضي الله تعالى عنه المدفون بناحية نهيا بالغربية، وضريحه يلوح من البعد من كذا، وكذا بلدا، كان من أصحاب جدي رضي الله عنهما، وكان يتكلم بالغرائب والعجائب من دقائق العلوم، والمعارف ما دام صاحيا، فإذ قوي عليه الحال تكلم بألفاظ لا يطيق أحد سماعها في حق الأنبياء، وغيرهم، وكان يرى في كذا كذا بلدا في وقت واحد، وأخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي أنه جاءهم يوم الجمعة فسألوه الخطبة، فقال: بسم الله فطلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه ومجده ثم قال: وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام فقال: الناس كفر فسل السيف ونزل فهرب الناس كلهم من الجامع. فجلس عند المنبر إلى أذان العصر، وما تجرأ أحد أن يدخل الجامع ثم جاء بعض أهل البلاد المجاورة فأخبر أهل كل بلد أنه خطب عندهم وصلى بهم قال: فعددنا له ذلك اليوم ثلاثين خطبة هذا، ونحن نراه جالسا عندنا في بلدنا، وأخبرني الشيخ أحمد القلعي أن السلطان قايتباي كان إذا رآه قاصدا له تحول، ودخل البيت خوفا أن يبطش به بحضرة الناس، كان إذا أمسك أحدا يمسكه من لحيته، ويصير يبصق على وجهه، ويصفعه حتى يبدو له إطلاقه، وكان لا يستطيع أكبر الناس، يذهب حتى يفرغ من ضربه، وكان يقول: لا يكمل الرجل حتى يكون مقامه تحت العرش على الدوام، وكان يقول: الأرض بين يدي كالإناء الذي آكل منه، وأجساد الخلائق كالفوارير أرى ما في بواطنهم. توفي رضي الله عنه سنة سبع وتسعين، وثمانمائة رضي الله عنه. ومنهم سيدي عيسى بن نجم خفير البرلس رضي الله تعالى عنه كان من العلماء العاملين وله المجهدات العالية في الطريق، وسمعت سيدي عليا المرصفي رضي الله عنه يقول: مكث سيدي عيسى بن نجم رضي الله عنه بوضوء واحد سبع عشر سنة فقلت: يا سيدي كيف ذلك. فقال: توضأ يوما قبل أذان العصر، واضطجع على سريره، وقال: للنقيب لا تمكن أحدا يوقظني حتى أستيقظ بنفسي فما تجرأ أحد يوقظه فانتظروه هذه المدة كلها فاستيقظ، وعيناه كالدم الأحمر فصلى بذلك الوضوء الذي كان قبل اضطجاعه، ولم يجدد وضوءا وكان في وسطه منطقة فلما قام، وحلها تناثر من وسطه الدود رضي الله عنه. قلت: وهذه الحالة من أحوال الشهود فيمضي على صاحبها عمره كله كأنه لمحة بارق كما يعرفه من سلك أحوال القوم، وأخبرني الشيخ محمد البرلسي أن شخصا نذر إن ولدت فرسي هذه حصانا فهو لسيدي عيسى بن نجم فولدت له حصانا. فلما كبر أراد أن يبيعه، وقال أيش يعمل سيدي عيسى فبينما هو مار به ذات يوم، وقد صار تجاه سيدي عيسى رمح من صاحبه حتى دخل الزاوية فرمح صاحبه وراءه فدخل الحصان قبر الشيخ فلم يخرج رضي الله عنه. ومنهم الشيخ شهاب الدين المرحومي رضي الله تعالى عنه أحد أصحاب العارف بالله تعالى سيدي مدين رضي الله عنه، كان طريقه المجاهدة، والتقشف وكان يلبس الفروة صيفا، وشتاء يلبسها على الوجهين، وكان لم يزل مطرقا إلى الأرض، وكان يقرئ الأطفال بمصر العتيق بالقرب من سيدي محمد ساعي البحر، ومكث عند شيخه سيدي مدين رضي الله عنه إلى أن توفي لم يذق له طعاما.

حصہ V02/P094–V02/P095

فقيل له في ذلك فقال: أنا لم آكل لشيخي طعاما خوفا أن أشرك في طلبي للشيخ شيئا آخر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: ذهبت الطريق، وذهب عشاقها، وصار الكلام فيها معدودا عند الناس من البدعة فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان الغالب عليه رضي الله عنه الخشوع، والبكاء لا تكاد تجده إلا باكيا قال: سيدي، وشيخي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه زرته مرة، وقلت: له يا سيدي مقصودي الطريق إلى الله عز وجل فقال: يا أخي والله ما ما أعد نفسي سلمت من النفاق طرفة عين، ولم تأخذ علي عهدا قال: فلما أردت الانصراف قلت: يا سيدي ادع لي فخر باكيا بوجهه إلى الأرض، وصار يفحص كالطير المذبوح، وقال: لنفسه عشتي يا شقية إلى زمان صار يطلب من مثلك الدعاء، ويوبخ نفسه رضي الله عنه، ومن أجل أصحابه سيدي الشيخ أبو السعود الجارحي، وسيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي سليمان الخضيري رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: الشيخ سليمان الخضيري عندي أكمل من الشيخ أبي السعود رضي الله عنه. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين رحمه الله أعاد الله تعالى علينا، وعلى المسلمين من بركاته، واشتهر بابن عبد الدائم المديني، كانت مجاهداته فوق الحد فظهر صدقه في تلامذته فخرج من تحت تربيته سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد أبو الحمائل السروري، والشيخ العارف بالله تعالى سيدي نور الدين الحسني بن عين الغزال، وسيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي نور الدين علي المرصفي، وخلائق كثيرة من العجم، والمغاربة، ومدار طريق القوم اليوم في مصر على تلامذته رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه ذا سمت بهى، ونظافة، وترافة أقبلت عليه الخلائق فطردهم بالقلب فلم يصر حوله فقير، وصار يخرج إلى السوق فيشتري حاجته بنفسه، ويحمل الخبز إلى الفرن بنفسه إلى أن مات، ودفن على باب تربة سيدي مدين رضي الله عنهما، وكان رضي الله عنه يقول: شبعنا كلاما، وقال: وقيل: في هذه الدار، وما بقي إلا القدوم على الواحد الأحد وله رسالة عظيمة في علم السلوك يتداولها أهل طريقته في مصر، وغيرها. قلت: وسبب دفنه على باب التربة دون أن يدخلوه فيها مع جماعة سيدي مدين كما أخبرني به شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر رضي الله عنه أن سيدي أبا السعود ابن سيدي مدين، وجماعته لم يمكنوه من الدخول للوقعة التي كانت بينهم وبينه حين جلس للمشيخة بعد سيدي مدين رضي الله عنه دون ولده، وأبي السعود وقالوا له: الطريق جاءتك من أين؟ الولد أحق، وهذا الداء لم يزل بين أولاد الأشياخ، وبين جماعة والدهم إلى عصرنا هذا إلا من حماه الله عز وجل من حمية الجاهلية، ولما منعوه من زاوية سيدي مدين انتقل إلى مدرسة أم خوند بخط بين السورين، فانقلب الفقراء معه فركب جماعة من زاوية سيدي مدين، ومضوا إلى أم خوند صاحبة المدرسة، وكانت ساذجة فقالوا: لها أنت عمرت المدرسة يحصل لك الأجر، وإلا التعب من غير أجر فقالت الأجر فقالوا: إن هذا الذي يسمي نفسه المديني أخذ الأجر كله له، والدعاء وما بقي يحصل

حصہ V02/P095

لك شيء فركبت بنفسها، وجاءت فأخرجته منها فانتقل إلى مدرسة ابن البقري بباب النصر وبها توفي رضي الله عنه، وأخبرني الشيخ شمس الدين الصعيدي المؤذن بمدرسة أم خوند قال: جاء مغربي إلى سيدي الشيخ محمد ابن أخت سيدي مدين، فقال: يا سيدي أنت رجل ذو عيال، وفقراء كثيرة، وليس لك رزقة، ولا معلوم، ومقصودي أعلمك صنعة الكيمياء تنفق منها على الفقراء، فقال له: جزاك الله عنا خيرا فقال يا سيدي فلوس آخذ بها الحوائج، فأعطاه فجاء بالحوائج فقال الشيخ كمل جميلك، وادخل هذه الخلوة، واعملها ثم أعرضها علينا فجاء بعدته، ودخل الخلوة، فقال: الشيخ رضي الله عنه للفقراء، وهذا الرجل ما يعرف من أحوال الفقراء شيئا إنما كيمياء الفقراء أن يعطيهم الله تعالى قلب الأعيان بلفظ كن ثم قال لهم: هذا الوقت يخرج محروق الوجه، واللحية فبعد لحظة دق الباب، وقال افتحوا لي احترقت ففتحوا له فوجدوه محترق الوجه واللحية، وقال: انطلق في الكبريت فقال: الشيخ رضي الله عنه لا حاجة لنا بكيمياء فيها حرق الوجوه، واللحى اذهب لحال سبيلك قال: الشيخ شمس الدين الصعيدي رحمه الله تعالى، وإنما لم يرده الشيخ أولا من غير تجربة صيانة للخرقة ليعلمه أن الفقر في غنية عن ذلك وأن كنزهم القناعة في هذه الدار لا غير. والله أعلم. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي علي المحلي رضي الله تعالى عنه ورحمه كان من رجال الله المعدودة، وكان رضي الله عنه يبيع السمك القديد مع البطيخ مع التمر حنا، والمرسين والياسمين، والورد وكان إذا أتاه فقير يستعين به في شيء من الدنيا يقول: له هات لي ما تقدر عليه من الرصاص فإذا جاء به يقول له: ذوبه بالنار فإذا أذابه يأخذ الشيخ بإصبعه شيئا يسيرا من الترب ثم يقول: عليه باسم الله، ويحركه فإذا هو ذهب لوقته، وأنكر عليه مرة قاض في دمياط، وقال له: ما مذهبك فقال: حنشي ثم نفخ على القاضي فإذا هو ميت، وكان رضي الله عنه يمشي في البلد، ويقول: يا علماء البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد، وكراماته رضي الله عنه كثيرة، وأرسل مرة سيدي حسين أبو علي رضي الله عنه السلام له. فقال: سيدي على المحلي رضي الله عنه نعطيك هدية في نظير السلام ثم غرف له من البحر ملء القفة جواهر فقال: الفقير ليس لي، ولا لشيخي حاجة بالجواهر فردها في البحر. مات سنة نيف، وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ الإمام العارف بالله تعالى سيدي علي بن شهاب جدي الأدنى رضي الله عنه

حصہ V02/P095–V02/P096

كان رضي الله عنه من المدققين في الورع، ويقول: الأصل في الطريق إلى الله تعالى طيب المطعم، وكان إذا طحن في طاحون يقلب الحجر، ويخرج ما تحته من دقيق الناس يعجنه للكلاب ثم يطحن، ويخلى للناس بعده الدقيق من قمحه، ولم يأكل فراخ الحمام الذي في أبراج الريف إلى أن مات، وكان والدي رحمه الله تعالى يأتيه بفتاوى العلماء بحله فيقول: يا ولدي كل من الخلق يفتي بقدر ما علمه الله عز وجل ثم يقول: يا ولدي إنها تأكل الحب أيام البذار، ويطيرونها بالمقلاع، ولذلك يعملون لها أشياء تجفلها في الجرون، ولو كان الفلاحون يسمحون بما يأكله الحمام ما فعلوا شيئا مما ذكرناه ثم بالغ فتورع عن أكل العسل النحل، وقال: إني رأيت أهل الفواكه ببلادنا يطيرون النحل عن زهر الخوخ، والمشمش وغيرهم، ولا يسمحون بأكل أزهارهم، فقال له: والدي رحمه الله تعال أما قال: الله تعالى المالك الحقيقي " كلي من كل الثمرات " فقال: الثمرات المملوكة أم المباحة؟ فسكت والدي ثم قال له: والدي إن كل تفيد العموم فنحن على العموم فقال: الخاص مقدم على العام، وقد حرم الله عليك أن ترعى بقرتك في زرع الناس بغير رضاهم ثم تشرب لبنها فكشف والدي رحمه الله رأسه، واستغفر، وقال: مثلي لا يكون معلما لك يا سيدي، وكان يقرئ الأطفال، ولا يدخل جوفه قط شيئا من ناحيتهم، ولا من ناحية آبائهم حتى في أيام الغلاء كان يجوع، ويطعم ذلك لأرامل البلد، وأيتامها، وكان عنده موهبة معلقة في سقف الزاوية كل صغير فضل من خبزه شيء يضعه فيها قال: عمى الشيخ عبد الرحمن فكانت تملأ كل يوم، وكان الأطفال نحو مائة نفس، فيرسل العرفاء بقفف صغار بعد العشاء تفرقه على مساكين البلد، وأوقات هو بنفسه، وإذا كان الزمان زمان رخاء يترصد المراكب التي ترسي من قلة الريح بساحل بلده فيرسله لهم مع الجبن، والفول الحار، ومعهما مهما وجد، وكان لا يأكل قط من طعام فلاح، ولا شيخ بلد، ولا مباشر، ولا أحد من أعوان الظلمة من منذ وعى على نفسه، وقدم إليه مرة رجل قباني في بولاق طعاما فلم يأكله فقال: يا سيدي هذا حلال هذا من عرقي فقال: لا آكل من طعام من يمسك الميزان لعدم تحريرها في الغالب على وجه الخلاص. وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه يقول: كان جدك من إخواني في الجامع الأزهر، وكان يضرب بي وبه المثل في شدة الاجتهاد، وصيام النهار، وقيام الليل بنصف القرآن كل ليلة، وكان يفوقني في الورع فإنه لم يأكل من طعام مصر قط، ويقول: سمعت أخي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: طعام مصر سم في الأبدان وكذلك كان لا يشرب من ماء محمول على يد غيره من البحر أبدا بل كان يأخذ له جرة، ويذهب إلى بحر النيل فيملؤها، ويشرب منها حتى تفرغ، وكنا نتعامل عليه، ونحن شباب فنشربها جميعا في الليل ونقول: حتى ننظر أيش يعمل إذا عطش، فيجس الجرة بيده فيجد فارغة فيتبسم، ويضحك، ويسكت وكان كتابه المنهاج، والقاطبية، والمنحة، وحل الثلاث كتب، وصار يقرأ بالسبع، وغيره، وعمره نحو العشرين سنة وكنت لا أفارقه، ولا يفارقني فجاءته والدته بالكعيكات التي كان يتقوت منها على عادته فأخذت قميصه تغسله فوجدت فيه أثر احتلام، فقالت إني أخاف عليك من أهل هذا البلد فإن كنت في طاعة فسافر معي أزوجك في بلدي، وتقعد عندي فشاورني، فقلت استخر ربك فقال: لا أستخير في طاعة والدتي، وكان رحمه الله تعالى بارا بوالدته، وكانت امرأة لها قوة تحمل الأردب وحدها وتضعه على ظهر الحمارة قال: وكان جدك رضي الله عنه يقول: علمتني أمي، وأنا صغير انتهى ما سمعته من شيخي شيخ الإسلام رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه إذ غرقت مركب فيها شيء يؤكل كالرمان، والقلقاس والقصب لا يمكن أحدا من أهل بلده أن يمسك من ذلك شيئا يقول: تشغلوا ذمتكم بشيء أنتم في غنية عنه، وغرق على رغم أنف صاحبه، ودعا الله أن لا يصح في دور ذريته برج حمام فبنوه مرارا وكتبوا له الجلب، ولم يفرخ شيئا مع أن جيرانهم عندهم الأبراج، وهو فيها بكثرة، وكان رضي الله عنه يقول: مات أبي، وأنا صغير فما رباني إلا أمي فكنت أرعى للناس بهائمهم بالكرا، وأتقوت.. وحفظت القرآن، وأنا أرعى البهائم فكنت أكتب لوحي، وآخذه أحفظه في الغيط فمر علي بعض الفقراء السائحين فقال: يا ولدي اسمع مني، وشاور والدتك، وسافر إلى مصر تعلم بها العلم، فشاورت أمي فسمحت لي بذلك وزودتني زوادة آكلها في نحو أربعة شهور ثم صارت تتفقدني إلى أن رجعت إليها، وأخبرني جماعة ممن قرؤوا عليه أنهم لم يضبطوا عليه غيبة واحدة في أحد إلى أن مات، وكذلك لم يضبطوا عليه قط مدة صحبتهم ساعة فراغ فكان إن لم يكن في عمل أخروي كان في عمل ينفع الناس قالوا، وكانت طريقته أنه يقوم رحمه الله بعد رقدة من الليل فيتوضأ، ويصلي ما شاء الله أن يصلي ثم يثني ذيله في وسطه، ويتحزم عليه، وفي وسطه سراويل ثم يأخذ جرارا كبارا ويبتدئ بالقراءة فلا يزال يملأ إلى قريب الفجر، وربما قرأ نصف القرآن إلى الفراغ، فكان يملأ سبيل زاويته التي أنشأها بحري بلده.

حصہ V02/P096–V02/P097

ثم يملأ سبيل الجامع ثم يملأ سبيلا على طريق منف خارج جرن البلد، ولما زوي أولاده الثلاثة والدي، ومحمد، وعبد الرحمن أعمامي كان يملأ لهم سقايتهم حتى مسقاة الكلاب ولا يمكن أحدا منهم يملأ، ولا أحدا من عيالهم ثم يرجع إلى ميضأة زاور فيملؤها، ويملأ حيضان أخليتها، وينظفها ثم يصعد إلى سطح الزاوية، فيسبح الله وينزهه ثم يؤذن فينزل فيصلي الفجر، ويقرأ السبع هو، وعرفاء الأطفال ثم يصلي بالناس الصبح ثم يجلس يتلو القرآن إلى طلوع الشمس، فتجتمع الأولاد في المكتب فلا يزال يعلم هذا الخط وهذا رسم الخط، وهذا الإدغام وهذا الإقلاب، وهكذا، ويؤدب هذا، ويرشد هذا، ويسمع لهذا إلى أذان العصر فيملأ الميضأة أو يكملها ثم يفتح دكانه على باب زاويته فيها الزيت الطيب، والزيت الحار والعسل، والرب والأرز، والفلفل والمصطكي، وغير ذلك فلا يزال يبيع للناس إلى أن يقضي حوائجهم للطعام، والأكل قبل المغرب فيؤذن، ويصلي بالناس ويجلس للسبع إلى صلاة العشاء. فإذا صلى العشاء بالناس لا يفرغ من وتره حتى لا يبقى أحد يمشي في الأزقة، ونيام الناس فيغفو لحظة ثم يقوم يتوضأ، ويصلي، ويأخذ الجرار، ويملأ الأسبلة كما تقدم هذا كان عمله على الدوام شتاء، وصيفا، وكانت زوجته رحمها الله تعالى تقول له: يا سيدي أما تستريح لك ليلة واحدة فيقول ما دخلنا هذه الدار لذلك، وكان رضي الله عنه إذا قويت الشبهة في ثمن شيء يبيعه لا يأخذ من ذلك المشتري ثمنا بل يعطيه حاجته، ويقول سامحناك فكان يظن أن ذلك لمحبته له، وإنما ذلك لقوة الشبهة في ماله على حسب مقام الجد رضي الله عنه. قلت: وقد تحدثت بذلك للشيخ محمد النامولي أجد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله تعالى عنه فقال: صحيح كان هذا دأبه مدة صحبتنا له ثم قال لي سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: ما في أصحابنا قط أكثر نفعا من الشيخ علي الشعراوي ثم قال لي: الشيخ محمد رضي الله عنه، فإن شككت في قول: سيدي إبراهيم رضي الله عنه فأعرض هذه الأحوال المتقدمة على مشايخ مصر الآن لا نجد أحدا منهم يستطيع المداومة على هذه الأعمال جمعة واحدة ثم نظر إلي وحولي الفقراء، والمعتقدون، وقال: إن كنت تعمل فقيرا فاتبع جدك، وإلا فأنت سكة، وصورة، وشيء ما في المقصورة فقلت: أستغفر الله العظيم، وأخبرني أنه كان إذا نزل سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه من البركة للريف يقول: للفقراء الميعاد عند الشيخ علي الشعراوي هذه الليلة فتكون ليلة عظيمة قال: الشيخ محمد رحمه الله، فنزلنا أيام التين فاعترضنا أهل الصالحية وأهل برشوم، وقالوا: يا سيدي انزل هنا نطعم الفقراء التين فقال: لا نأكل التين إلا عند الشيخ علي الشعراوي في ذلك البر فقال: الفقراء تترك بلد التين، ونطلب التين في غير بلده قال: فأول ما خرج جدك وسلم على الشيخ، والفقراء أخرج لهم قفة كبيرة من أطيب التين فقال: الفقراء لسيدي إبراهيم رضي الله عنه استغفر الله لنا، وتابوا من اعتراضهم الباطل، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى أن سبب عمارة والدي بيوت الخلاء في زاويته مع كونها كانت خارجة عن البلد والفلاحون في الغالب لا يعتنون بدخول الأخلية أنه ورد عليه الشيخ سراج الدين التلواني، فخرج فرأى الأولاد يقولون تعالوا بنا نتفرج على هذا القاضي الذي يخرى، فحصل عند والدي خجل عظيم لأجل ضيفه، فطلب البناء، وبنى بيوت الأخلية ذلك اليوم، وكان رضي الله عنه إذا زرع مارسا من القمح يجعل بينه وبين الناس خطا من الفول، وإذا زرع مع الناس الفول جعل بينه، وبينهم خطا من القمح، وهكذا في سائر الحبوب، فإذ حصد ترك للناس خط الفول أو أخذه إذا شاء، فإنه فوله، وكان إذا سرح للحصاد يأخذ الإبريق معه للوضوء، فإذا جاء وقت الصبح ترك الحصاد، وصلى فكان شريكه يتكدر لأجل ذلك فيقول: كل طعام اكتسب بطريق حرام فهو حرام رضي الله عنه يقول: بلغني أن الأرض لا تأكل قط جسما نبت من حلال، فكان بعض فقهاء بلاده ينكر ذلك عليه، ويقول: هذا خاص بالأنبياء عليهم الصلاة، والسلام، والشهداء فلما مات والدي أدخلوه عليه، فوجدوه طريا كما وضعوه، وبين دفن والدي ودفنه إحدى وعشرون سنة، فأرسل الملحد للجد وراء الفقهاء الذين كانوا ينكرون على جدي ذلك، وقال: انظروا فاستغفروا الله، وتابوا.

حصہ V02/P097–V02/P098

وكان رضي الله عنه يكره من يقول له: يا نور الدين ويقول: نادوني باسمي علي كما سماني بذلك والدي، وبات سيدي الشيخ علي العياشي أحد أصحاب سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه، وهو من أرباب القلوب ليلة في زاوية جدي فسمع جدي يقرأ القرآن في قبره، فابتدأ من سورة مريم إلى سورة الرحمن فطلع الفجر فسكت الصوت فأخبر أهل البلد بذلك، فقالوا هذا الشيخ علي رحمه الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجعل على قبري شاهدا، وادفنوني خلف جدار هذه القبة التي في الزاوية، ففعلوا فليس لقبره علامة إلى وقتنا هذا، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رضي الله عنه قال: لما حضرت والدي الوفاة دعا بكتاب سيدي عبد العزيز الدريني رضي الله عنه المسمى بطهارة القلوب فقال لوالدك اقرأ لي في أحوال القوم عند خروج أرواحهم فقرأ له فتنهد، وقال: سبقونا على خيول دهم، ونحن في أثرهم على حمير دبرة، وطلع النفاطات في لسانه حتى تزلع لسانه فكانت جدتي رحمها الله تعالى تقول: والله ما يستأهل هذا اللسان يا طول ما ختم القرآن في الليل، فيقول سكتوها عني لو علمت ما أعلم من مناقشة الحساب ما قالت ذلك، وأخبرني والدي في التربية سيدي خضر رحمه الله قال: إن جدك كان لا يجيء إلى القاهرة إلا ويأتي معه بالجراب الخبز، وإبريق يملؤه من النيل فيشرب، ويأكل من ذلك إلى أن يرجع ولم يذق لي طعاما قط، وقال لي: تعرف سبب معرفتي بجدك قلت لا قال: نزلنا سنة من السنين مع سيدي محمد بن عبد الرحمن نائب جده، وبعض بني الجيعان نتفرج في بلدكم أيام الربيع فأقمنا مدة فطاب لسيدي محمد الوقت فشرع في زراعات، وبني حواصل، وصرف مصروفا واسعا فطلب شخصا أمينا يكون وكيلا عنه في ذلك فقال: جميع الفلاحين ليس عندنا أحد أكثر أمانة من الشيخ علي رضي الله عنه فأرسلوا، وراءه فحضر، فقال: إني لا أصلح لذلك فقالوا: لا بد فأخذ مفاتيح الحواصل فلما طلع البطيخ خزنه، وصار كل بطيخة حصل فيها تلف ينادي عليها إلى أن تنتهي الرغبات فيها ثم يكتب ثمنها عليه ويعطيها لمساكين البلد وصار يكتب تفاوت علف البهائم في اليوم الفلاني، والثور الفلاني مرض الليلة الفلانية، فلم يأكل عشاه تلك الليلة، ونقص من غذائه في الوقت الفلاني، وهكذا فلما حضر ابن عبد الرحمن ثاني مرة إلى البلد أرسل خلف جدك يطلب منه قائمة المصروف، فنظر فيها ثم خرج من الخيمة مكشوف الرأس خارا على أقدام جدك يقبلها، ويبكي، ويقول: يا شيخ علي اجعلني في حل فإني والله ما علمت بمقامك ثم صار يقول: مثل هذا الرجل يكون وكيلا عني، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله قال: أهدي لنا سيدي محمد عبد الرحمن ثلاثة أطباق على رءوس ثلاثة من العبيد في واحد أثواب صوف، وشاشان وثياب بعلبكية، وفي الآخر حلاوة، ومكبرات، وفي الآخر أنواع من الطيب فرد القماش وقبل الحلاوة، والطيب. وفرق الطيب على صبايا البلد، والحلاوة على أيتام البلد، ولم يذق هو ولا أهل بيته شيئا من ذلك، وأراد عمي عبد الرحمن أن يأخذ له إصبعا من الحلاوة فمنعه وقال يا ولدي هذا سم في الجسد فإنه كان جده يقبض العشور انتهى قال: سيدي خضر، وقد عاشرت جدك، وأنا مباشر البلد إلى أن مات فما رأيته وضع يده في طعام الفلاحين، ولا أخذ على شهادته لهم في الخراج، والإجارات، وعقود الأنكحة، ولا خطابته لهم، ولا إمامته بهم درهما واحدا قال: وكان يفضل للفلاح على أستاذه الدرهم الواحد فيكتبه للفلاح لثاني سنة، ويقول لو أمكنني تخليصه لك هذه السنة لخلصته لك من أستاذك،. وكان إذا ضاق به الحال من حيث الكسب بالبيع يكتب المصاحف ويصنع الطواقي المضربة دالة في قلب دالة، وكل واحده يعطونه فيها الدينار الذهب.

حصہ V02/P098–V02/P099

ويقولون إن كل طعنة فيها مرقية بكلمة من القرآن لأنه كان إذا خاط يقرأ مع ذلك القرآن فكان يحسب رأس ماله فيها وأجرة مؤنته وخياطته، ويتصدق ببقية الدينار على الأرامل، والمساكين، وبلغني عنه أنه كان يقرأ القرآن، وهو ينسخ كتب العلم لا يشغله أحدهما عن الآخر، وتخرج كتابته سالمة من الغلط مع ذلك، وأخبرني جماعة ممن كانوا يقرءون عليه أنه كان يأكل اللبن، والطعام المائع مع المجذومين ويقول: إن هؤلاء خاطرهم مكسور، وكان الذين يقرءون عليه يقولون: ما رأيناه قط نائما في النهار في أيام الصيف، ولا غيره. وكان رضي الله عنه يقول: إن النهار لم يجعل للنوم، ولما حج وتلقاه الناس وافق طلوعه للبلد أذان العصر فصعد سطح الزاوية، وأذن، ونزل وصلى بالناس ثم نزل فنظف بيوت الخلاء، وملأ الميضأة قبل دخول الدار ثم شرع من تلك الليلة في ملء الأسبلة المتقدم ذكرها على يديه على عاداته، ولم يسترح كما يقع للحجاج، وكان يقول: الوقت سيف، ولما جاء من الحج كثر بكاؤه، وحزنه زيادة على ما كان عليه قبل الحج، ولم ير ضاحكا قط حتى مات، وكان إذا لبس القميص أو العمامة لا ينزعها للغسل قط إلا إن نزعوها، وكانوا ينسونه بعض الأوقات فتصير كالوحل، ومع ذلك على ثيابه الفخر، والنور يخفق منها من نور الأعمال، وكانت عمامته من الصوف الأبيض، وكان أشبه الناس بجدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه شيخ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجامع الأزهر، وغيره في وجهه، ولحيته وهمته، وجسمه حتى إن الجماعة الذين قرءوا على جدي كلهم مطبقون على ذلك، وكانوا يذهبون إلى الجامع الأزهر لرؤية الشيخ نور الدين لشبهه بجدي لا غير، ولما دفن سيلي نور الدين الشوني رضي الله عنه رأيته ثاني يوم فقال: لي جاءني جدك إلى هنا هذه الليلة، وقال: آنست مكانك، لماذا كان لك حاجة فنادني أحضر إليك في الحال ورأيت بينهما اتحادا عظيما، ولذلك جعلنا اسميهما مسبوكين معا في الدعاء لهما في قراءة الأسباع والكرسي، وغيرهما في الزاوية التي دفن فيها الشيخ نور الدين الشوني رحمه الله تعالى واحد يدعى له بقرينة تخصه فإن كلا منهما والدي رضي الله عنهما، وكان رضي الله عنه يقول: لا يعجبني كثرة العبادات من العبد. وإنما يعجبني كثرة خوفه من الله عز وبئ، ومناقشته لنفسه، ورافقه مرة في سفره من القاهرة إلى بلده رجل عليه آثار الفقراء، فقال له: جدي ما حرفتك قال له: مؤذن في جزيرة الفيل فقال له: هل أقمت مقامك نائبا فقال الأمر سهل، فقال: هذا فراق بيني، وبينك، وساق وتركه، وكان رضي الله عنه لا يمكن أحدا من الفقراء البرهامية يفعل شيئا في بلده مما يفعلونه في غيرها من أكل النار، ودخولها، وجر السيف غلى اللسان، وعلى الكف، ويقول: إن كنتم برهامية فأتوا لنا بالبرهان على ذلك من الكتاب، والسنة أو من فعل سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه فانتصر جماعة من البلد للفقراء على جدي. وقالوا لا بد أن يفعلوا هذه الليلة ذلك حتى تنفرج عليهم فأتاهم تلك الليلة سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه، وقال لهم: أطيعوا الشيخ عليا رضي الله عنه، وأنا بريء من كل عمل يخالف هدى الخلفاء الراشدين، والأئمة المجتدين، فأصبحوا، واستغفروا، وتابوا ورجعوا عن ذلك الفعل، فقال لهم: أنا رجل برهامي، ولو كنت أعلم رضا سيدي إبراهيم بذلك لكنت أول فاعل له لأنه قدوتي وشيحي، وكذلك وقع له مع فقراء الأحمدية، وكان شيخهم الشيخ الصالح سيدي عبده الرحمن ابن الشيخ، وهيب السطوحي الأحمدي تلك الليلة فقال له: يا شيخ عبد الرحمن إن كنت تطلع بلدنا فاطلعها على الكتاب، والسنة، وإلا فأنت مهجور فدارت فيه الكلمه، ونالى بأعلى صوته يا فقراء تفرقوا عني، فإني رجعت إلى الله تعالى عن هذه الطريقة ثم عقد التوبة على يد جدي من تلك الليلة.

حصہ V02/P099–V02/P100

ثم جعل له خصا في الجزيرة التي هي الآن متعلقة بالفقراء تجاه فم بحر الفيض وصار يتعبد فيها، والبحر محيط به يزوره الناس في المراكب إلى أن مات، وكان يقول: كل هذا ببركة الشيخ علي بن شهاب فانه أنقذني من الضلالة، وظهرت الشيخ بعدالرحمن رضي الله عنه كرامات عظيمة: منها أنهم قطعوا مرة حطبا بغير إذنه من جزيرته، وسافروا به فانقلبت المركب بالقرب من بولاق وغرق من فيها، ولم تزل منحدرة إلى أن أرست على جزيرته، فقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا فقال صاحب المركب يا سيدي الشيخ تغرق المركب كلها في حزمتين حطب، فقال: هذا من سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه ما هو مني، وكان جدي رضي الله عنه إفا خرج من بيته للصلاة لا يستطيع تارك الصلاة يفارقه حتى يصلي هيبة منه رضي الله عنه، وكان إذا رأى جماعة الفلاحين في مجلس لغوهم يقول: يا أولادي اللعمر يضيق عن مثل ذلك عن قريب تندمون، وكان رضي الله عنه ينتهي نسبه إلى سلطان تلمسان أبي عبد الله في الجد الرابع، وبعده إلى السيد محمد بن الحنفية رضي الله عنه، وكان لا يظهر ذلك، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التفاخر بالنسب ولا يقدس الإنسان حقيقة إلا عمله، ولو كان من أولاد أكابر الصحابة، وكان يقول: انظروا إلى الموالي الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كسلمان، وبلال كيف صار شأنهم بطاعة الله ورسوله، وأخبرني سيدي كمال الدين زوفا من أولاد عمنا بنواحي البهنسا أن جدنا الخامس سيدي موسى المكنى بأبي عمران رضي الله عنه قال له: سيدي أبو مدين رضي الله عنه لمن تنتسب قال: لي مولاي أبي عبد الله سلطان تلمسان قال له: فقر وشرف لا يجتمعان، فقال: يا سيدي تركت الشرف، فقال: الآن نربيك. قلت: وتبعه على ذلك أعمامي ووالدي فلما خفت موت نسبتنا بالكلية ذكرتها في مؤلفاتي، وأخبرني الشيخ كمال الدين المتقدم أن نسبتنا القديمة، وجدوا عليها خطوط أولياء المغرب، وعلمائها، وقضاتها فوقع بين أولاد عمنا، وبين الخليفة سيدي يعقوب العباسي، فأرشى عليها من أخذها، وغيبها، وقال: ليس لنا أولاد عم أبدا خوف انقراض بيتهم أو ضعفه فيعطي أولاد عمنا الخلافة، ولعمري الشرفاء أحق بذلك، وهم كثير في أرض مصر فالله يكثر منهم، ويعرفنا بمقدارهم، والقيام بخدمتهم آمين. مات جدي رضي الله عنه سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة رضي الله عنه، وليكن ذلك آخر من ذكرناه من أهل القرن التاسع وتركنا جماعات كثيرة من أهل القرافتين، وغيرهما استغناء بكتب الزوار الموضوعة لذلك، فإن كتابنا هذا إنما وضعناه بالأصالة لبيان أهل الطريق، وأحوالهم، وأنهم كانوا على الكتاب والسنة فربما تكثر البدع من فقراء أهل هذا العصر زيادة على ما هي عليه الآن، فيعتقد العامة أن السلف الذين يزعم هؤلاء أنهم على قدمهم كانوا على هذه البدع، فلذلك لم نذكر في الغالب في هذا الكتاب من المشايخ إلا من له كلام في الطريق أو أفعال تنشط المريدين، هذه طريق التأسي بالأشياخ، وأما الكرامات ونتائج الأعمال، فليست هذه الدار محلا لها إنما محلها الدار الآخرة، فلذلك لم نذكر منها إلا بقدر تسكين القلب لذلك الولي ليؤخذ كلامه بالقبول، والاعتقاد، والله حسبي ونعم الوكيل. ولنشرع في ذكر الخاتمة الموعود بذكرها في الخطبة، فنقول، وبالله التوفيق: خاتمة في ذكر مشايخي الذين أدركتهم في القرن العاشر رضي الله تعالى عنهم وقد سبقني إلى نحو ذلك سيدي الشيخ عبد العزيز الدريني رضي الله عنه في منظومة له فقال: في أولها وهو لسان حالي أيضا: وأذكر الآن رجالا كانوا ... كأنجم يزهو بهم الزمان مشايخا صحبتهم زمانا ... أو زرتهم تبركا أحيانا مشايخي الأئمة الأبرار ... وأخوتي الأحبة الأخيار أرجو بذكرهم بقاء الذكر ... لهم وفوزي بجزيل الأجر فإنهم عاشوا بأنس الرب ... سرا، وذاقوا من شراب الحب فهم جلوس في نعيم الحضره ... وجوههم في نضرة من نظره وكل شيخ نلت منه علما ... أو مأدبا فهو إمامي حتما

حصہ V02/P100–V02/P101

وكل شيخ زرته للبركة ... فقد وجدت ريح تلك الحركة إلى أن قال: لم يبق في الستين، والستمائة ... في الناس من أشياخنا إلا فئه وإنني لغفلتي أقلهم ... وقد تقضي منهم أجلهم وقد عددت منهم جماعة ... اشتهروا بالفضل والبراعة وما سكت عن سواهم صدا ... ولم أطق حصر الجميع عدا وإنما ذكرت قوما درجوا ... ومن مضيق سجنهم قد خرجوا قد كان لي بأنسهم سلوان ... وما نسيت ذكرهم إذ بانوا وقد بقيت بعدهم فريدا ... مخلفا عن رفقتي وحيدا أقطع الأوقات بالرجاء ... ليحضر الوفاة بالوفاء وفي الزمان منهم بقيه ... قليلة صالحة مرضيه فقل لهم إذا أقاموا بعدنا ... يدعو لنا فقد دعونا جهدنا إذا علمت ذلك فأقول، وبالله التوفيق. فمن مشايخي رضي الله عنهم سيدي محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه، ورحمه كان رضي الله عنه من الراسخين في العلم. أخذ الطريق عن سيدي الشيخ أبي العباس السرسي تلميذ سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه، وكان من أولاد الأتراك، وإنما اشتهر بالمغربي لكون أمه تزوجت مغربيا، وكان الغالب عليه الاستغراق رضي الله عنه، وكان بخيلا بالكلام في الطريق عزيز النطق بما يتعلق بها، وذلك من أعظم دليل على صدقه، وعلو شأنه فإن أهل الطريق رضي الله تعالى عنهم هكذا كان شأنهم، وقد بلغني أنهم سألوه أن يصنف لهم رسالة في الطريق، فقال: أصنف الطريق لمن؟ هاتوا لي راغبا صادقا إذا قلت له: أخرج عن مالك، وعيالك خرج فسكتوا، وكان رضي الله عنه يقول: الطريق كلها ترجع إلى لفظتين سكتة، ولفتة وقد وصلت. قلت: معناه عدم الالتفات لغير الله تعالى، والإقبال على أوامر الله، وكان إذا جاءه أحد من الفقهاء يقول له: خذ علينا العهد، فيقول: يا أولادي روحوا واستكفوا البلاء فإن هذه طريق كلها بلاء أنتم في طريق تأكلون ما تشتهون، وتلبسون ما تشتهون والناس يخافونكم، ويطلبون منكم السكوت عنهم، وهذه طريق يقام عليكم الميزان فيها، ويطلق الناس ألسنتهم عليكم، ولا يجوز لكم فيها أن تردوا عن أنفسكم، وإن لبس أحدكم ثوبا مصقولا أو ظهرا من محررات الخام خرج الناس عليكم. وقالوا هذا ما هو لباس الفقراء، فيرجعون عن طلب أخذ العهد عليكم فيقول: أعجبني صدقكم في دعوى الكذب، ولما جاءه سيدي إبراهيم المواهبي يطلب التربية قال له: تربية بيتية، وإلا سوقية قال يا سيدي ما معنى ذلك. قال: أما التربية السوقية، فأعلمك بها كلمات هذيانات ككلام الموسطين في الفناء، والبقاء، وأحوال القوم، وآذن لك بالجلوس على سجادة وتصير تأخذ كلاما، وتعطي كلاما. وأما التربية البيتية، فتشارك جميع أهل البلاء في سائر أقطار الأرض في بلائهم، ويقال فيك ما قيل فيهم من البهتان، والزور، وتصبر كما صبر من سبقك من أولى العزم من الأولياء، ولا كلام، ولا سجدة، ولما أججوا النار على سيدي إبراهيم المواهبي رضي الله عنه في تقريره في قوله تعالى: " وهو معكم أينما كنتم " وعقدوا له مجلسا في الجامع الأزهر جاء سيدي محمد المغربي رضي الله عنه، وهم في أثناء الكلام فسكتوا كبهم فقال: تكلموا حتى أتكلم معكم، فلم يتجرأ أحد أن ينطق فقال: الشيخ نحن أحق بتنزيه الحق منكم أيها الفقهاء، ومن طلب إيضاح ذلك فليبرز إلى أتكلم معه فسكتوا فأخذ بيد إبراهيم رضي الله عنه، وقام معه فلم يتبعهما أحد، وكان الذي تولى جمع الناس وشن الغارة عليه العلائي الحنفي، وقال: هذا يتكلم في الماهية وذلك لا يجوز ثم إن الفقهاء لحقوا سيدي محمدا يترضون خاطره فقال لهم: الطريق ما هي كلام كطريقكم إنما هي طريق ذوق فمن أراد منكم الذوق فليأت أخليه، وأجوعه حتى أقطع قلبه، وأرقيه حتى يذوق، وإلا فليكف عن هذه الطائفة فإن لحومهم سم قاتل. وكان رضي الله عنه يقول: السالكون ثلاثة: جلالي، وهو إلى الشريعة أميل، وحمالي وهو إلى الحقيقة أميل،

حصہ V02/P101

وكمالي جامع لهما على حد سواء، وهو منهما كمل، وأفضل، وكان رضي الله عنه يقول: حد الصفات مشتمل على النفي، والإثبات على حد كلمتي الشهادتين سواء، فإن نظرت إليها من حيث عدم الذات بها، وهو طرف النفي قلت: ليست هي هو كلا إله، وإن نظرت إليها من حيث تعلقها بالذات، وهو طرف الإثبات قلت: ولا غيره كإلا الله فلا يجوز الوقف عند قوله ليست هي هو كما لا يجوز الوقف عند قوله لا إله حذرا في الأول من إثبات الغيرية المحضة لصفات الله تعالى، وفي الثاني حذرا من النفي المحض لذات الله تعالي هذا حكم كل كلام متعدد اللفظ متحد المعنى، وذلك أن الكلمات المنطقية على معنى واحد مرتبط بعضها ببعض كقولهم ليست هي هو، ولا غيره فلا يجوز التكلم على بعض منها دون بعض لأن ذلك مما يخل بالمعنى الواحد من حيث إنه يتكلف لجزء الكلام معنى آخر وهذا مما يفسد نظام الكلام، ويحرفه عن سبيل الاستقامة، وكان يقول: إنما أوجد العالم أجساما، وجواهر وأعراضا نقيض ما هو موصوف به ليعلمنا بالفرق بيننا، وبينه، وقد استوى على العرش بقدمه، وبذاته وعلى جميع الكون بعلمه، وصفاته قلت: وفي قوله، وبذاته نظر فإن الذات لا يصح في حقها استواء كما أجمع علب المحققون، وإنما يقال استوى تعالى بصفة الرحمانية على العرش، فرحم بذلك الاستواء جميع من تحت العرش إما مطلقا وإما رحمة مغياة بغاية كرحمة إمهال الكفار بالعقوبة في دار الدنيا والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول في معنى قول حجة الإسلام: ليس في الإمكان أبدع مما كان أي ليس في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم يحكم بها عقلنا بخلاف ما استأثر الله تعالى بعلمه، وبإدراكه وأبدعيته خاصة به، فهو أكمل، وأبدع حسنا من هذا العالم بالنسبة إليه تعالى وحده فلو كان هذا العالم يدخله نقص لنقص كمال الوجود، وهو كامل بإجماع لأنه لا يصدر عن الكامل إلا كامل قال تعالى: " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون " " الذاريات: 47 و 48 " ومعلوم أن الامتداح لا يكون إلا فيما هو غاية ونهاية، وإلا فكيف يمتدح الحق تعالى بمفضول، وكان رضي الله عنه يقول: من واجب حسنات الأبرار شهود الأغيار لترتيب العبادة، والأحكام في هذه الدار، وإن كان ذلك من سيئات المقربين الذين استغرقهم الأنوار، واستهلك عندهم السوى كما استهلك الليل في النهار، وكان يقول: اطلب طريق ساداتك، وإن قلوا، وإياك، وطريق غيرهم، وإن جلوا. وكفي شرفا بعلم القوم قول موسى عليه الصلاة والسلام للخضر عليه السلام " هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا " قال: وهذا أعظم دليل على وجوب طلب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة، وكان يقول: ابن الشريعة ناظر بعين الحكم الطاهر، ونسبة فعل الخلق إليهم لنوجه الخطاب، وترتب الأحكام عليهم " والله خلقكم وما تعملون " " الصافات: 96 " وابن الحقيقة ناظر بعين الحكمة الناطقة، ونسبة الفعل إلى الحق لأنه الفاعل المختار حقيقة " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " " القصص: 68 " فإذا كان أدب الشريعة مبنيا على شهود الخلق في شهود الحق، وأدب الحقيقة مبنيا على فناء الخلق في شهود الحق وتباين الأمران تعين إظهار الأمر الظاهر، وتحتم إبطان الأمر الباطن خشية المعارضة، والتعطل هذا سبب عدم بناء الحكم في الظاهر على الحكمة الباطنة إذ لو ترتب عليها حكم لتعذر على غالب الناس الجمع بينهما وأفضى لنا الحرج، والتشديد إلى شقاق بعيد، وكان رضي الله عنه يقول: في قول سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه: وألسنة الأكوان إن كنت واعيا ... شهود بتوحيد بحال فصيحة

حصہ V02/P101–V02/P102

يريد بقوله: شهود بتوحيد توحيد كل العالم أي التوحيد القهري الحالي المدخل للطائع والكافر والفاجر في حكم العبادة بالحال، وقوله: بحال فصيحة أخرج التوحيد بالقال فلم يتعرض له، ولا لأهله لأنه مخصوص بالمؤمنين دون الكافرين، وليس هو المقصود الأعظم في الآية المقتبس منها البيت وهي قوله تعالى: " وإن من شيء إلا يسبح بحمده " " الإسراء: 44 " فشيء نكرة، وهي في سياق النفي تعم كل شيء من موحد وجاهد، وحيوان وجماد فكأن الحق تعالى يقول: كل شيء يوحدني، ويعبدني بباطنه، وإن اختلف أمر باطنه قال: وقوله: وإن عبد النار المجوس، وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في كل حجة فما عبدوا غيري، وما كان قصدهم ... سواي، وإن لم يضمروا عقد نيتي فهذا هو التوحيد الحالي العام المشار إليه في الآية بقوله: " لا تفقهون تسبيحهم إنه " " الإسراء: 44 " أي هذا التوحيد الباطن فتفطنوا له إن كنتم فقهاء فإنه محتاج إلى الفهم، وهو موضع العلم الباطن الرباني ولولا أن الله تعالى رحم أمة، ودفع عنهم الحرج لوجه عليه العذاب، والنقمة لعدم فهمهم هذا التوحيد: " كان حليما غفورا " " الإسراء: 44 " ومن شواهد توحيد الحال هذه الظلال في قوله: " وظلالهم بالغدو والآصال " " الرعد: 15 " فكل الوجود وجد دليلا على موجده فلا يكون بعضه غير دليل حتى المخالف بدلالة وجوده، ومخالفته عابد راكع ساجد شاء أم أبى، فالقول: بأن كل جاحد في الظاهر موحد في الباطن جائز بين قوم يفهمون كلام الله، ومواضع إشاراته لا الذين يكذبون بما لم يحيطوا به علما من أسراره وبيانه، ولكن هذا التوحيد لا ينفع الكفار بشاهد حديث القبضتين، وحديث الفراغ، وجفوف الأقلام فلو كان ينفعهم هذا التوحيد الحالي لما دخل أحد منهم النار فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: أيضا في قول: سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه: ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهوا قضيت بردتي مراده الردة النسبية لا الدينية لأن الرجوع، والنزول من مقام المقربين إلى حسنات الأبرار التي هي سيئات المقربين ردة عند القوم، وذلك أن من لازم حسنات الأبرار شهود الأغيار المعارض للفناء، ويسمى الشرك الأصغر، وكان رضي الله عنه يقول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة المراد برأيه كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية لأن من بالغ في كمال الاستعداد، والتقرب صار محبو باللحق، وإذا أحبه كان نومه من كثرة اليقظة القلبية كحال اليقظة التي لغيره، وحينئذ لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بروحه المتشكلة بتشكل الأشباح من غير انتقال بانتقال ذاته الشريفة، ومجيئها من البرزخ إلى مكان هذا الرائي لكرامتها وتنزيهها عن كلفة المجيء، والرواح هذا هو الحق الصراح. وكان رضي الله عنه يقول: إنما جعل قتل الكلب المعلم للصيد ذكاة لائتمارة بأمر سيده، وانتهائه، بزجره، فهو كالمدية بيد مولاه ولو كان مع نفسه، وهواه لحرم أكل صيده، والله أعلم هذا ما رأيته في الرسالة المنسوبة إليه بين أصحابه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد أن يسلب إيمان عبد عند الموت يسلطه علي، ولي يؤذيه، وكان رضي الله عنه ينفق نفقة الملوك من كيس صغير في عمامته، ويوفي منه الديون عن أصحابه عن المحتاجين، وكان رحمة بين العباد. مات رضي الله عنه سنة نيف، وعشر وتسعمائة، ودفن بالقرافة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ سيدي محمد عنان رضي الله تعالى عنه: كان رضي الله عنه من الزهاد العباد وما كنت أمثله، وأحواله إلا بطاوس اليماني أو سفيان الثوري، وما رأيت في عصرنا مثله، وكان مشايخ العصر إذا حضروا عنده صاروا كالأطفال في حجر مربيهم، وكان على قدم في العبادة، والصيام، وقيام الليل من حين البلوغ، وكان يضرب به المثل في قيام الليل، وفي العفة، والصيانة، ولما بلغ خبره إلى سيدي الشيخ كمال الدين إمام جامع الكاملية سافر إلى بلاد الشرقية بقصد رؤيته فقط.